lundi, janvier 06, 2014

حتى لا نعود إلى حروب داعش والغبراء



لا يمكن لسوري أن لا يتمزق أسا على أرواح أبناء سورية، من المنتمين لدولة العراق والشام المغرر بهم، مثلما هو الحال بالنسبة لجميع الشهداء السوريين الآخرين الذين يسقطون في جبهات القتال، أو تحت قصف القنابل الفراغية والعنقودية وغيرها من الأسلحة التدميرية.

ولا يمكن لأحد ألا يحزن لسقوط مئات الشباب من السوريين وغير السوريين الذين حكم عليهم بالفناء في الصراع الدامي الذي افتتحته دولة الشام والعراق بسعيها إلى فرض سيطرتها الاحادية على المناطق المحررة، والاستفراد بتقرير مصير شعب لا يزال يضحي بالآلاف من أبنائه، منذ ما يقارب السنوات الثلاث، لانتزاع حريته وحقه في أن يكون سيد أمره وحرا في وطنه. 

أرادت داعش أن تعيد تجربة البعث المقبور وأن تفرض إرادتها ورؤيتها على شعب سورية وتستفرد بحكمها من دون الآخرين، اي اغلب السوريين، وكانت النتيجة ثورة من داخل الثورة لاستعادة البلاد لأصحابها ووقف عملية السلب المادية والسياسية، ووضع حد للاحتلال الزاحف. 

سورية منذ ثورة الثامن من آذار ٢٠٠١١، وبصرف النظر عن استمرار النظام البائد، دولة حرة لشعب حر، ولن يستطيع احد أن يفرض سلطته عليهما بالقوة والعنف، وسيكون العنف الرد الحتمي على أي محاولة، من أي طرف جاءت، تستهدف سيادة الشعب المستعادة على أرضه وتحلم بأن تنزع منه حقه في تقرير مصيره، لصالح فريق يدعي شرعية غير مستمدة من إرادة الناس ومشاركتهم، بكل ما يمثلونه من تنوع وتباين في الآراء والأقوام والمذاهب.

سورية منذ الثامن عشر من آذار ملك لشعبها بأكمله، ولن يمكن حكمها، ولا إقامة أي دولة فيها، من دون أن يعترف الجميع بحقوق الجميع المتساوية في تقرير مصيرها وإدارة شؤونها. 

يعني هذا أن هذه الحرب التي جاءت كرد فعل على محاولة داعش مصادرة إرادة الشعب وقطع الطريق على استعادته ملكية بلاده، ليست ولا ينبغي أن تكون ضد أي فكر أو اعتقاد، إسلاميا كان أم وطنيا عاما. فمسائل الخلاف الفكري والاعتقادي والمذهبي لا حل لها إلا بالحوار والنقاش والاحتكام للحجة العقلية والفكرية. إنها حرب ضد طغيان فئة على المجتمع كله، وسعى مجموعة، مهما كانت، وكائنة من كانت، إلى السيطرة على مقدرات البلاد وحرمان الشعب، من حقه في اختيار القيادة التي يرغب فيها، والطريق التي يريد اتباعها، والسياسة التي يعتقد أنها تخدم مصالحه، من دون فرض ولا إكراه. 

وليس هناك سبيل لتطمين جميع السوريين على حياتهم ومستقبلهم، وتذويب الفوارق بين اصحاب الراي والاعتقاد، إلا الاتفاق على العمل سوية للخلاص من الوحش القابع على صدور كل السوريين، وإسقاط نظام البغي والطغيان، بصرف النظر عن اختلاف الآراء والمذاهب والأجناس والأفكار، مع ترك مسألة تقرير مستقبل سورية وطبيعة حكمها ونظامها القادم للشعب السوري بأكمله، وبمشاركة جميع أبنائه من دون مصادرة ولا إقصاء.

من دون ذلك سوف ندخل وبلادنا في نفق خطير لن نخرج منه، تفرخ فيه الحرب حروبا متتالية لا تتوقف، تتواجه فيها القوى المتنافسة على فرض سيطرتها على البلاد واحدتها تلو الأخرى، ضد إرادة الآخرين، ومن دون أي اعتبار لخياراتهم وآرائهم وتطلعاتهم، تماما كما حصل ولا يزال في افغانستان والصومال وغيرها من البلدان التي ضيعت معنى الدولة وفقد فيها الشعب وحدته ومضمونه وصارت نهبا لأمراء الحرب ومرتعا لتجارها.

في أصل الفصام بين خطاب المعارضة وأفعالها



استوقفني أحد اصدقاء الصفحة الذي يسأل عن حق: "لماذا هذا الفصام بين خطابكم الجميل هذا وبين افعالكم كمعارضة"

وجوابي أن المعارضة ليست فردا واحدا، وإنما مجموعة كبيرة من الاتجاهات والاجتهادات والقوى والتنظيمات. وما ينتج عنها من عمل وحركة هو محصلة تفاعل هذه الجماعات: انسجاما وتناقضا. ومن الطبيعي أن تكون المحصلة مختلفة كليا عن مواقف وسلوك كل شخص أو كل مجموعة فيها. وإذا كانت التناقضات قوية داخل صفوفها يمكن أن تكون النتائج مختلفة كليا بل مباينة لفكر وسلوك كل فرد فيها، بل من الممكن أن تكون المحصلة تحييدا متبادلا لجميع القوى وشللا كاملا أو جزئيا. وهذا عكس النظام الديكتاتوري الذي يلغي التعدد ويفرض راي الفرد المستبد الواحد. 
من هنا ايضا يقال دائما أن الديمقراطية أصعب بكثير كنظام حكم من الديكتاتورية لأن التحرك للأمام يحتاج إلى اتساق حركة الجميع. وضمان مثل هذا الاتساق يحتاج إلى فهم مشترك وثقافة عامة مشتركة واسعة، وتوافق على القواعد والقيم والمعايير الرئيسية، وبالتالي لتربية ديمقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة. والتعددية من دون هذه التربية تتحول حتما إلى فوضى، لكن بالمقابل لا يمكن لهذه التربية أن تحصل من دون انخراط المجتمعات في التجربة وتعلم طرائق العمل الديمقراطي الذي لا يقصي أحد ولا يلجأ لأي عنف أو إكراه وينشد التوصل إلى إجماعات عامة من خلال النقاش والحوار والعمل على الرأي العام. 
وهذا بعكس الديكتاتورية التي تختصر الطريق من القول إلى الفعل بجرة قلم كما حصل في النظم الشيوعية والديكتاتورية ومنها ديكتاتورية الأسد. لكن خطر الديكتاتورية في المقابل هو انها يمكن أن تقود إلشعب والبلاد في طريق مسدود وخاطيء كليا نتيجة تحكم الشهوة وحب السيطرة والاستفراد بقرار أصحابها، وأن تؤدي، كما حصل لنا في العقود الماضية، إلى كارثة تدمر كل ما تحقق من إنجازات بغمضة عين. 
في الديمقراطية الحركة بطيئة ومتعثرة وصعبة المنال، وتحتاج إلى تعلم منهج العمل المشترك والعمل كفريق واحترام حقوق كل فرد وتدريبه على العمل العام، أي إلى ثقافة عامة ومدنية عميقة. أما الديكتاتورية فهي تستمد قوتها من الوحشية التي تدب الخوف والذعر وتضمن الاستسلام والاذعان من قبل الجميع، وتكون نتائجها مرهونة بشخصية الفرد الديكتاتور. فإذا كان شريرا، كما هو حالنا، وجدنا أنفسنا في أوضاع أكثر من مأساوية وربما في خطر الانحلال والتفكك والزوال. ولذلك قيل أن جميع نظم السلطة سيئة لكن النظام الديمقراطي هو أقلها سوءا.
ونحن نقول ما بني على باطل، وهذه قاعدة الاستبداد، فهو باطل، ولا يمكن أن يدوم. وبالمقابل دلت تجربة الشعوب المتقدمة على أن التراكم الذي يحصل على أسس سليمة قائمة على مشاركة جميع أبناء الشعب ورضاهم هو وحده الذي يستمر ويدوم ويحقق النهضة والازدهار.

dimanche, janvier 05, 2014

بين ثمن الرفض ومخاطر القبول



لا يزال مؤتمر جنيف٢ المحور الرئيسي لاجتماعات قوى المعارضة المختلفة. وبعد رفض المجلس الوطني المشاركة في المؤتمر، ينعقد اليوم اجتماع الهيئة العامة للائتلاف لتحديد موقفها من الموضوع ذاته. ويدور النقاش هنا كما بين صفوف المعارضة بأكملها، من دون تغيير تقريبا منذ ما يقارب العام، بين من يريد الذهاب إلى جنيف ومن يرفض هذا الذهاب.مما يعطي الانطباع بانقسام المعارضة، ومن وراء ذلك، بالعجز عن اتخاذ قرار قبل أقل من عشرين يوم على التاريخ المفترض لعقد المؤتمر.

لا اعتقد أن المطلوب من المعارضة أن تعلن في ما إذا كانت ستذهب للمشاركة أم لا،وإنما كيف تساهم في تطبيق قرار مجلس الأمن الذي قبلته، وبالتالي أن تقول كيف يمكن لمؤتمر جنيف أن يكون ناجحا ويحقق أهدافه، وما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر له كي يتحول إلى فرصة لتطبيق قرار مجلس الأمن والخروج فعلا بحل سياسي، أي بهيئة تنفيذية كاملة الصلاحيات، تحل محل السلطة المجرمة القائمة، ولا يكون وسيلة للتغطية على استمرار القتل والدمار، ولا فرصة لتهرب نظام الأسد من جرائمه والمجتمع الدولي من مسؤولياته تجاه الشعب السوري. 

الاجابة بالرفض البسيط يسهل المهمة على نظام الأسد ويضع المعارضة في تباين كبير مع ما يسمى الشرعية الدولية، أي قرارات مجلس الامن والأمم المتحدة. لكن في المقابل إن الإجابة بنعم من دون اتخاذ الضمانات التي تمنع تحويل المؤتمر إلى مضيعة للوقت والجهد قد تعطي للأسد ضمانة بأن يكون الرابح السياسي الأول من جر المعارضة إلى مفاوضات مسمومة.

المعارضة ليست هاوية لاستمرار المقتلة السورية حتى ترفض المبادرات السياسية، لكن لا يحق لها أيضا، في الوقت نفسه، أن تقامر بثلاث سنوات من تضحيات الشعب السوري العظيمة.
حتى لا نقع في مطب اللا أو النعم الذي يعكس غياب السياسة، ينبغي التمسك بشرطين هما المبرر للمؤتمر : 
أولا، أن تعلن سلفا أن موضوع المفاوضات الوحيد ينبغي أن يكون نقل السلطة إلى هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، وبالتالي أن تبدأ بتشكيل هذه الهيئة.
وثانيا أن يعلن نظام الأسد التزامه على لسان أعلى سلطة فيه بتشكيل هذه الهيئة التنفيذية كموضوع وحيد للمفاوضات، وترك كل المسائل الأخرى، التي يطالب بطرحها لهذه الهيئة التي ستصبح حال تشكيلها السلطة العليا في البلاد، وعليها يقع عبء مواجهة كل مظاهر المحنة السورية. 
إذا رفضت سلطة الأسد هذين الشرطين المتطابقين تماما مع نص قرار مجلس الأمن وهدفه، تكون هي المسؤولة عن إجهاض المساعي الدولية لايجاد حل سياسي، وإذا قبلته تكون قد أقرت بواجب تنازلها عن السلطة لهيئة الحكم الجديدة.
والحقيقة ما يطلبه مجلس الأمن من المعارضة والنظام ليس تأكيد القبول أو الرفض لقراره وإنما المساهمة في تنفيذ قرار مجلس الأمن القاضي بتشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات، بهدف وقف القتال والاعداد لمرحلة الانتقال نحو سورية ديمقراطية جديدة. 
ولا يحتاج المرء إلى ذكاء عميق حتى يدرك أن نظام الأسد لا يفكر في أي حل سوى الانتقام من الشعب والوطن والاستمرار في تدمير البلاد وقتل السوريين الذين تجرأوا على الانتفاض ضده ورفض سلطة نظرت دائما إلى نفسها على أنها سلطة أبدية، وسلطة الأمر الواقع، والقهر والإكراه، وبالتالي خارج أي مساءلة أو حساب.

vendredi, décembre 20, 2013

حين تصبح إدانة قصف المدنيين السوريين مستحيلة في مجلس الأمن

أمام إخفاق هجومه الهمجي الاخير، على جبهات ريف دمشق وحلب والقلمون وإدلب وحمص والرقة والدير ودرعا وغيرها من الجبهات، على طريق التحضير لمؤتمر جنيف٢، والخسائر الهائلة التي تكبدتها الميليشيات الطائفية اللبنانية والعراقية، لم يبق أمام النظام المجرم، للتغطية على هزيمته ورفع معنويات مقاتليه المنهارة، سوى الانتقام من السكان المدنيين وصب حقده براميلا متفجرة وحارقة على المدن والأحياء السكنية، لقتل أكثر ما يستطيع من الأطفال والنساء والرجال، وإحداث أكبر كم من الخراب والدمار.

حملات الحقد والانتقام البدائية هذه ليست جديدة على السوريين. لكن وقوف الحكومة الروسية ضد قرار يدين هذه الأعمال الوحشية الفاضحة ضد المدنيين، اليوم في مجلس الأمن، يضفي على حرب البراميل المتفجرة والحارقة المصنوعة في موسكو، معنى جديدا يجعل من روسيا طرفا ضالعا في التغطية على جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، وشريكا في عمليات القتل المنظم للشعب السوري، ويفقدها أي صدقية في أن تكون وسيطا أو راعيا للسلام في مؤتمر جنيف٢ الموعود. والتبرير  الذي تسعى بعض الأوساط لتقديمه تبريرا للمجازر الوحشية ضد المدنيين، وهو فتح الطريق أمام إخراج السلاح الكيماوي وتدميره، يفضح بشكل أكبر روح التشفي والانتقام التي توحد جميع أولئك الذين لا يرون في سورية شعبا وبشرا لهم حقوق وتستحق حياتهم الحماية وإنما مصالح انانية، سياسية أو استراتيجية، ويبرز مدى السقوط الأخلاقي وانعدام الشعور والضمير والانسانية التي وصل إليها هؤلاء، وهم يقفون متفرجين على مأساة السوريين وعذاباتهم.
لكن مسؤولية ما يحصل من انتهاكات لا توصف لحقوق البشر في سورية لا تقتصر على نظام القتلة وحلفاء السوء الذين لم يعرفوا يوما معنى المباديء واحترام حياة الإنسان وحقوقه، وإنما يشارك فيها أولئك الأصدقاء الغربيون الذين شجعوا هذه العصابة الحاكمة والميليشيات الطائفية المتحالفة معها على الذهاب أبعد ما يمكن في غيها والتعبير عن حقدها وانتقامها، عندما تخلوا عن واجبهم في حماية شعب يذبح، وجعلوا من عدم التدخل لحماية الناس المهددين، بأي شكل وفي أية ظروف، عقيدة مقدسة، مكتفين باللعب بورقة الإدانة السطحية في مجلس الأمن بدل أن يوجهوا لنظام القتلة الإنذار الذي يستحق. هؤلاء جميعا هم الشركاء في مذبحة شعب  ليس له من ذنب سوى التطلع إلى أن يعيش مثل بقية الشعوب، بامان، وحرية وتحت حكم القانون. هؤلاء الذين سلموه، مقيدا بالسلاسل، لنظام قاتل، ورفضوا أن يصغو لحظة إلى معاناته وصرخات آلامه، منذ خمسين عاما، هم أنفسهم الذين يشتركون، لمصالح متباينة لكن متقاطعة، في قتله، ولا يتورعون بعد ثلاثة سنوات من الجرائم الموصوفة عن الدفاع عن قاتله وتحويله إلى شريك. هكذا أصبحت إدانة الانتهاكات الخطيرة في مجلس الأمن مهمة شاقة ومستحيلة على المجتمع الدولي في سورية الروسية والايرانية والطائفية .
كلاهما: الذين وقفوا ضد إدانة نظام القتل والحقد والانتقام في مجلس الأمن، وأؤلئك الذين لم يجدوا وسيلة أقوى، لمواجهة هذا النظام سوى قرارات الإدانة الشكلية، مسؤولين عن الجريمة، وشركاء في تقويض مستقبل العلاقات الدولية، وتدمير الأسس والمباديء التي قام عليها حلم البشرية بالسلام والأمن واحترام الإرادة الحرة للأفراد والشعوب، والقضاء على ما تبقى من صدقية للثقافة والمجتمعات الغربية.، 

نحو مائدة حوار وطني للرد على استحقاقات المرحلة القادمة


بالرغم من الضربات الموجعة التي يوجهها مقاتلو الحرية لميليشيات السلطة والمرتزقة الأجانب في ريف دمشق وبعض المناطق الاخرى، تمر ثورة الكرام السورية بمرحلة صعبة وجديدة، نتيجة تجنب الدول والأمم المتحدة القيام بواجباتها تجاه حماية الشعب السوري من حرب الابادة الجماعية، وضعف الهياكل التنظيمية للمعارضة والجيش الحر، ونقص الذخيرة والامداد لدى الأغلبية العظمى من الكتائب المقاتلة، ودخول منظمة القاعدة على الخط لوضع الجيش الحر بين كماشة النظام الخائن لشعبه وأصحاب المشاريع والأجندات الخاصة التي ليس لها علاقة بمشروع الشعب السوري التحرري والوطني.
يعزز من مخاطر هذه المرحلة، الفتور الذي بدأ يدب في معسكر أصدقاء الشعب السوري الذي راهنا عليه خلال السنتين الماضيتين لتأمين الدعم السياسي والقانوني والعسكري، والاختلاف المتنامي في وجهات نظر وتوجهات العديد من أطرافه، نتيجة المنافسات السياسية الإقليمية والتطورات الدولية، مما يهدد تماسك هذا المعسكر ووحدته، ويؤثر على موقفه الموحد من دعم الثورة السورية.
أمام هذا الواقع الجديد، وتبدل الرهانات، وتفاقم التحديات، وتزايد المصاعب، تتغير الأفكار، وتتباين الرؤى، وتنمو أسباب الانقسام والتنازع والتنافس بين أطراف الشعب السوري الثائر، وتغيب البوصلة التي توجه الجميع نحو هدف واحد، يتماشى مع تحقيق مطالب الشعب وضمان حقوقه الأساسية.
يضاف إلى ذلك التحدي الذي يمثله انحياز أصدقاء سورية وحلفاؤها إلى خيار الحل السياسي، وتخليهم عن فكرة الحسم العسكري، وبالتالي تحويل مؤتمر جنيف٢ إلى البند الاول والحلقة الرئيسية في كل النشاط السياسي والدبلوماسي والعسكري في جدول أعمال مواجهة الأزمة السورية.
لجميع هذه الأسباب، أصبح من الملح والعاجل اجتماع كافة القوى المعنية بتغيير نظام القتل والدمار وبانتصار حقوق الشعب وضمان مستقبل سورية ومستقبل أبنائها، حول طاولة حوار مستديرة، تضم كل أؤلئك الذين يعلنون انتماءهم إلى مشروع ثورة الكرامة والحرية، ويرفضون استمرار النظام كما يرفضون الانحراف بالثورة عن أهدافها الحقيقية التي ضحى من أجلها مئات آلاف السوريين، بأرواحهم وأمنهم وأرزاقهم وممتلكاتهم، من معارضة سياسية على مختلف أطيافها، وكتائب مقاتلة بكل تلويناتها الايديولوجية، والمكونات الاخرى من كوادر الدولية المنشقين، المدنيين والعسكريين، الذين ضحوا بكل مالديهم أيضا لمناصرة ثورة شعبهم والقطع مع نظام العنف والإجرام، بالإضافة إلى الشخصيات الوطنية والدينية المعروفة بدعمها حقوق الشعب وكرامته وحرياته.
يهدف هذا الحوار، الذي ينبغي أن يبدأ في الأيام القليلة القادمة وليس الأسابيع، إلى قطع الطريق على منحى التدهور السياسي والتباين في الخيارات الفكرية والتباعد بين القوى المقاتلة، وتدارس المرحلة القادمة ومستحقاتها، والاتفاق على قاعدة للعمل تنظم العلاقات بين جميع الأطراف المعنية بانتصار الثورة، وتنزع فتيل النزاعات فيما بينها، وتبني الأرضية المشتركة للعمل الوطني، على الصعيد الداخلي والخارجي، وتنسيق العلاقات الوطنية والدولة، وبلورة برنامج عمل واستراتيجيات متفق عليها من قبل الجميع للرد على استحقاقات المرحلة القادمة، سواء أتعلق الامر بتحديد الطريق، أو التفاهم على الأهداف المرحلية، أو بلورة أسلوب التعامل الوطني والديمقراطي بين الأطراف، أو وضع التصور المشترك لسورية الجديدة التي كادت تفتقر إلى أي رؤية مشتركة بعد أن تبخر العقد الوطني الذي تم الاتفاق عليه في بداية الثورة، تحت ضغط العنف المنفلت وأنقاض المدن والقرى المدمرة بالحرب العدوانية، وبموازاة ذلك ما شهدته الساحة السورية من التحولات الفكرية والسياسية خلال المرحلة الطويلة السابقة.
من موقعي المستقل تماما، فكريا وسياسيا، والمنحاز لقضية واحدة هي استرجاع حقوق الشعب السوري وضمان وحدته ومستقبله ووحدة وطننا واستقلاله وسيادته، أدعو جميع الأطراف المعنية، بصرف النظر عن اختياراتهم الايديولوجية، إلى الارتفاع إلى مستوى المسؤولية التاريخية، والرد بالايجاب على دعوة الحوار الوطني، داخل صفوف معسكر الكرامة والحرية، لترتيب أوضاع الثورة وتنظيم شؤونها وإدارتها، وتفكيك الألغام التي وضعت في طريقها، وإعادة صياغة جدول أعمالها وبرنامجها والتوافق على الاستراتيجية الأمثل للانتصار في معركة الحرية والكرامة والعدالة والمساواة القائمة.
لن نستطيع ان نواجه، مشتتين ومختلفين، متنازعين ومتنافسين، مثلما أصبحنا الآن، أي استحقاق من استحقاقات المرحلة القادمة، وليس استحقاق جنيف سوى واحد من بين استحقاقات عديدة تحتاج منا جميعا إلى بذل جهد جدي، من أجل التوصل إلى فهم مشترك للمخاطر والتحديات، وإلى بناء استراتيجية واضحة توحد الجهود وتوجهها الوجهة السليمة التي تضمن تحقيق الأهداف النبيلة لشعبنا الحر الذي ضحى بالغالي والرخيص من أجل نيل حريته واستقلاله وكرامته واستقلال بلده وسلامته.


المجد والخلود لشهداء الحرية والنصر لسورية الأبية المكافحة 

mardi, décembre 17, 2013

حتى لا يتحول جنيف٢ إلى جنازة للسلام


في الثالث عشر من الشهر الجاري عقد اجتماع لندن لنواة مجموعة أصدقاء الشعب السوري، وكان مؤتمر جنيف٢، المفترض أن يكون مؤتمرا للسلام، في قلب المحادثات مع المعارضة. وفي ٢٢ من هذا الشهر نفسه سيناقش وزراء خارجية أوربا الموضوع ذاته، قبل أن يطرحوه مع المعارضة من جديد في الثامن من الشهر القادم للمرة الألف. 

لكن بينما يؤكد الجميع، الدول والأمم المتحدة والمنظمات الدولية، أنه لا يوجد حل للأزمة السورية خارج مؤتمر جنيف، أي إلا الحل السياسي، يستجمع نظام الأسد كل ما لديه من براميل حارقة وقنابل وصواريخ ومدفعية ميدان، مفتتحا جنيف قبل أوانه، للقضاء على مواقع المعارضة، وايقاع أكبر ما يمكن من القتلى والجرحى بين المدنيين، وتعميم لغة المجازر والمذابح اليومية، كما حصل أمس في حلب، من دون أن يحرك أحد من الدول أو المنظمات الدولية ساكنا، بينما يموت كل يوم عشرات السوريين، أطفالا ونساءا وكبار سن، من الجوع والبرد ونقص الدواء والمرض.

ما كنا نخشاه قد تحقق بالفعل. أصبح جنيف ورقة التوت التي تخفي عورة سياسات دولية لا نبالغ إذا قلنا أنها مشاركة في الجريمة وضالعة في تشجيع نظام الأسد، بسبب صمتها وتخليها عن مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية والسياسية، على المضي في مشروع القضاء على ثورة الشعب بتعميم سياسة الإبادة الجماعية والإرهاب والقتل المنهجي والتدمير المنظم للبيئة الطبيعية للمجتمع.

إقرار مبدأ الحل السياسي والدعوة لتطبيق مباديء جنيف واحد لا يمكن أن تبرر سياسة الخنوع والرضوخ للأمر الواقع، ولا ينبغي أن يعني تبني خيار المفاوضات صرف النظر عن الانتهاكات الخطيرة التي تقوم بها الطغمة الإجرامية في دمشق. وقبول النظام بالمشاركة في جنيف٢ لا يجعل من انتهاكاته المستمرة لحق الحياة سواء أجاء ذلك بالقصف العشوائي للأحياء والمدن لقتل السكان وإرهابهم، أو بتجويع السكان لتركيعهم، أو لجميع الحقوق الأخرى الإنسانية، أمرا طبيعيا ومشروعا، لا يستحق الإدانة ولا أي رد فعل، كما كما يبدو الآن على الدول والمنظمات الانسانية التي أذعنت للأمر الواقع.

كل يوم يسقط فيه صاروخ، أو تصيب فيه قذيفة السكان المدنيين، فتقتل أبناءهم وتدمر بيئة معيشتهم وتجبرهم على الفرار والنزوح، يشكل اغتيالا للحل السياسي، وتقوض حظوظ مؤتمر جنيف في أن يكون بالفعل مؤتمرا للسلام، ويحوله إلى غلالة، هدفها التغطية على استمرار الحرب العدوانية المعلنة من قبل طاغية تحول إلى دمية في يد المصالح الأجنبية، على شعب أعزل فقد أي أمل بالخلاص، وترك لمصيره أمام جلادين قساة وعنصريين طائفيين لا يفهمون إلا لغة القوة والقتل والدمار.

لن يكون لأي اجتماع للسلام في جنيف معنى أو قيمة، ولا ينبغي على المعارضة أن تشارك في أي حوار جديد حول مؤتمر جنيف٢ قبل أن تتحمل الدول الراعية وغير الراعية له مسؤولياتها، وتقف بقوة أمام استمرار النظام في تعميم الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان السوري، واستغلال الظروف البيئية الصعبة لإنزال أقسى العقوبات الجماعية بالشعب، وكذلك قبل أن تقوم بواجبها في ردع من وصفتهم منظمات حقوق الانسان بالضالعين في جرائم ضد الانسانية.

اللهم إلا إذا كانت الدول الكبرى والصغرى ترى أن قبول نظام القتلة في دمشق بالمشاركة في مؤتمر جنيف٢ يجعله يستحق مكافآة خاصة، ويمكنه من شرعنة الاستمرار في الانتهاكات الخطيرة لحقوق شعبه وقتل المدنيين بالجملة، من دون مساءلة.

من دون موفف حاسم من الدول والأمم المتحدة يوقف نزيف الدم السوري البريء، ويضع حدا لعسف نظام مارق وإجرامي، لن يكون هناك لا جنيف١ ولا جنيف٢، وإذا حصل وتم عقده بالضغط والقوة فلن يكون مؤتمر صلح وإنما جنازة كبيرة للسلام.

samedi, décembre 14, 2013

اجتماع لندن، والحفاظ على الهدف المشترك

نتائج مباحثاتنا في لندن ليست عظيمة، لكن لم تكن زيارتنا من دون نتيجة. اعتقد أن أهم ما حققناه هو تطمين الاطراف الدولية على أن خط الثورة الرئيسي لم ولن يتغير، وأن الهدف المشترك الذي يجمعنا لا يزال العمل سوية لتمكين الشعب السوري من تقرير مصيره بحرية، مما يعني ضرورة أن تلتزم الدول التي تزعم صداقتها للشعب السوري بهدف إزالة نظام القتل والحرب والعنف والعسف الاعمى، ولا تجعل من الحرب ضد الارهاب التي يريد الاسد أن يدفع الغرب إليها ليستعيد وظيفته التاريخية كشرطي حراسة في خدمة الدول الكبرى، هدفها أو أجندتها الرئيسية.
وما كنت أتخوف منه قد حصل. كان البيان الختامي الذي اتفقت عليه الدول المشاركة فاقدا للتوازن ومركزا بشكل رئيسي على مسألة التشدد والتطرف. وكان لا بد من معركة شاقة كي ننجح في تعديل البيان الذي سيصدر عن اجتماع الدول الاحدى عشر.
بالتأكيد، وهذه كانت حجة المجتمعين، البيان موقع من الدول ولا علاقة لنا نحن به. لكن ما كان من الممكن ان نقبل أن يتجاهل من يدعي صداقة الشعب السوري أولويات نضال هذا الشعب، ولا أن يحول قضيته من كفاح ضد النظام الذي يجسد الارهاب بكل أشكاله ومعانيه النظام، وكذلك ضد سياسة القتل المنظم والمجازر الجماعية وحرب الابادة والحصار والتجويع والتهجير المتعمد، إلى صراع بين متطرفين ومعتدلين.
ولا يمكن أن نقبل بتجاهل تضحيات مقاتلي الحرية وكفاحهم البطولي، باسم التركيز على مخاطر التطرف، وننسى مسؤوليات الدول وسياسة الخذلان والتردد والانتظار التي اتبعتها تجاه هذا الكفاح، والتي كانت ولا تزال المسؤولة الأولى عن صعود التيارات التي تدعي اليوم أولوية الوقوف ضدها.
على سؤال: هل لا يزال الهدف المشترك الذي يجمعنا تمكين الشعب السوري من تقرير مصيره بحرية والانتقال نحو دولة ديمقراطية تلغي حكم الارهاب الأسدي أم أصبحت الأولوية عند الدول الصديقة أو بعضها لمكافحة التطرف والتشدد، كان الجواب أن الهدف الأول لا يزال هو الأساس، لكن هناك مخاوف وقلق لدى الغرب من تطور التيارات المتطرفة، وهذا ما يحد من الحماس والدعم لقضيتنا.
نحن نتفهم مخاوف الدول وقلقها من مخاطر التطرف، على الشعب السوري أولا كما هو الحال على الشعوب الأخرى، لكن أولويات الشعب السوري هي الآن الخلاص من نظام القتلة ووقف سفك الدماء ووضع حد لمعاناة ملايين السوريين القابعين في مخيمات اللجوء في مواجهة الفقر والبرد والجوع والمرض والاذلال. ولا ينبغي أن تتقدم أي أجندة على أجندة إنهاء نظام القتل والدمار، الذي هو التطرف بذاته، والمولد الأول لكل أشكال التطرف الأخرى. ومن دون القضاء عليه لن يمكن التوصل إلى أي حل لمعاناة الشعب السوري وفوضى العنف والسلاح والاقتتال. ويخشى أن يخفي التركيز على التطرف، بدل حشد الجهد ضد النظام الذي ينتج التطرف كل يوم في سياساته القاتلة، نزوع البعض من بين الدول الصديقة إلى إعادة الرهان على نظم القهر والفاشية، والاستعداد من جديد للتضحية بالحقوق والحريات التي كانت ولا تزال الحافز الأول لثورة الكرامة والحرية في سورية وبقية البلاد العربية، باسم حماية الشعب من التطرف والارهاب.
باختصار. إن الرد على اجتياح اركان الجيش الحر من قبل قوى متشددة لا يكون بإعلان الحرب على هذه القوى وإنما بدعم مشروع إعادة هيكلة كتائب المقاتلين من أجل الحرية وتزويدها بما يلزمها للانتصار في معركة التغيير، والحفاظ على ما تبقى من أجهزة الدولة، وضمان وحدة الأرض والشعب.

vendredi, décembre 13, 2013

في انقساماتنا العسكرية بعد السياسية




أنا اليوم في لندن. ولدينا جلسة طويلة مع الدول الغربية لشرح الوضع في اطمة، أي وضع وتوجهات الثورة والمعارضة، بعد اجتياح الجبهة الاسلامية للاركان وإعلان هذه الدول تعليق مساعداتها للجيش الحر. 



قد لا تكون المساعدات المعلقة مهمة كثيرا، بالرغم من أننا نحتاج، في الكارثة التي نعيشها، إلى كل قرش، ولا يحق لنا التفريط بأي معونة ممكنة بينما يموت أطفالنا متجلدين من البرد. لكن الأهم من هذه المساعدات المادية، هو الموقف السياسي. إذا تخلت الدول الغربية عن دعم المعارضة والثورة أو فقدت الثقة بقضيتنا، ونظرت إلى ما يحدث على أنه صراع بين طرفين لا يعنيها نجاح أي منهما، أصبح علينا أن نحمل، إضافة إلى عبء الاصطفاف الصريح الروسي وراء نظام القتلة، عبء الضغط السياسي الغربي، وربما أكثر من ذلك التحالف بين الطرفين ضد المعارضة واتهامها جميعا بالمتطرفة.

هناك بالتأكيد تيارات متباينة داخل صفوف ثورة الكرامة والحرية التي أطلقها شعبنا بكل فئاته وأطيافه. لكن، ونحن نعترف بذلك، هل يمكن أن نؤجل الصراع على من ستكون له الأسبقية أو الغلبة في سورية القادمة، إلى أن ننتهي من هذا الوحش الضاري الذي يحشد كل من يستطيع، في الداخل والخارج، ويكذب على الغربيين والشرقيين والعرب والمسلمين، من أجل أن يقتل أطفالنا ويشرد أبناءنا ويشق صفوفنا ويزعزع ثقتنا ببعضنا وبمستقبل ثورتنا؟ 

لكل طرف من أطراف المعارضة والثورة رأيه ومكانه ودوره في هذا الصراع الذي تجاوز كل حدود المعقول والمتوقع، بدخول كل القوى الاقليمية والدولية عليه. لا بد أن نحترم رأي وموقف وتطلعات الجميع. وإذا كان هناك خلاف أو خطأ أو تقصير فينبغي أن يحل داخل صفوف الثورة بالحوار والمصارحة والتفاهم، من دون اللجوء إلى السلاح. وهذا هو الذي يحفظ لنا احترامنا في نظر الدول وقطاعات الرأي العام العربي والدولي الذي يكاد يشيح بنظره عنا بسبب ما يراه من فوضى وانقسام وتنازع بيننا.

ولا أخفي أن أحد نقاط الضعف الخطيرة في ثورتنا وما يدفع التيارات والأطراف المختلفة منا إلى الدخول في صراعات مسلحة سريعة هو غياب المرجعية. فمن دون هذه المرجعية التي ينبغي أن نفكر فيها، لا يجد كل طيف داخل صفوف قوى الثورة والمعارضة وسيلة أسهل لحسم الخلاف، النابع أحيانا من شكوك وسلوك غير مفكر فيه بما فيه الكفاية، من الاحتكام للسلاح. وهذا أكبر خطر يهدد مسيرتنا التي هي بالأساس شاقة وصعبة.

mercredi, décembre 11, 2013

نظام الإبادة الجماعية في دمشق

أثار بيان اجتماع مجلس التعاون الخليجي الذي أدان بشدة استمرار نظام الأسد في “شن عملية إبادة جماعية ضد الشعب السوري” وأكد على رفض دول الخليج أن يحظى أي من أركان النظام بدور في مستقبل سورية السياسي، أقول أثار هذا البيان حفيظة الطغمة الارهابية في دمشق. ولم يترك لهذه الطغمة إلا أن تكرر على أسماع العرب والعالم من جديد قصصها المعروفة منذ أول أيام الثورة عن المنظمات التكفيرية والوهابية وغيرها. لكن أطرف ما جاء في بيان خارجية الأسد أنه لا يوجد حل للأزمة السورية "سوى الحل السياسي الذي يصنعه السوريون وحدهم".
إذن لماذا هذه الحرب الكارثية؟ ولماذا الاستمرار في قصف المدن والقرى وتدمير المنازل على سكانها وتهجير الأهالي وارهابهم بذبح أبنائهم وبناتهم أمام أعينهم؟ وما الداعي للاستمرار في استخدام صواريخ السكود والبراميل الحارقة والمدفعية والدبابات وجتى استخدام الاسلحة الكيماوية؟
وإذا كان الحل لا يتحقق إلا بيد السوريين وحدهم، لماذا رفضت الطغمة القاتلة كل مبادرات الاصلاح والمصالحة والتسورية، واستنجدت عندما بدأت تفقد الأمل بكل الميليشيات الطائفية وفتحت الأبواب مشرعة أمام الجنود والمرتزقة الاجانب، الايرانيين والعراقيين واللبنانيين، الذين يكادون ينفردون اليوم في القتال، إلى جانب النظام، من دون السوريين، على مختلف الجبهات؟
الكذب ليس سمة من سمات نظام الإبادة الجماعية السوري، إنه جوهره وروحه. فهو بالكذب والخداع والمراوغة تحول إلى نظام حكم سياسي، وهو ليس في الواقع إلا سطو مسلح على بلد حر، وعصابة للجريمة المنظمة. وبالكذب أصبح نظام ممانعة ومقاومة،
وهو أكبر حليف لأعداء الشعب السوري ومناهضي تحرره، من كل الأصناف.
وبالكذب أصبح حكم الاشتراكية والتقدمية وسند العمال والفلاحين، وهو أعظم تجسيد لوباء العنصرية ضد الشعب والفلاحين والعمال، والعدو الأول لمفهوم الحق ومعنى أي تقدم أو عدالة أو مساواة.
النظام السوري فتنة حقيقية، وطنية ودينية وسياسية وأخلاقية، من بدايته حتى نهايته، أساسها الغش والخديعة والجبن والتآمر والخيانة المصممة.

mardi, décembre 10, 2013

معركة رزان زيتونة الجديدة ضد النسيان

عندما كان السوريون يعيشون في العقود الماضية في رعب الفاشية البغيضة لآل الأسد وأزلامهم، ولا يجرؤون على الكلام بغير ما يريده النظام، كانت رزان زيتونة تغامر بحريتها وربما بحياتها في سبيل حماية ما تبقى من كرامة الانسان وحقوقه الأولية في بلد فقد اسمه وصفته، وتكافح مع القلة من رفاقها لفضح جرائم الاختطاف والتعذيب والاعتقال التعسفي وكل انتهاكات حقوق الانسان التي كان نظام الجريمة المنظمة يمارسها على الجميع، ومن دون اعتبار لرأي عام دولي أو قانوني.
اختطافها اليوم مع زوجها وائل حمادة وزملائها سميرة الخليل وناظم الحمادي،من لجنة توثيق الانتهاكات لحقوق الانسان، هو هدية كبيرة ورد اعتبار للجلادين والقتلة ومختطفي النساء والأطفال من أجهزة القمع والمخابرات، في ريف دمشق الذي لم تتركه رزان منذ بداية الثورة السورية حتى تاريخ اختطافها.
جميع الكتائب الموجودة في المنطقة مسؤولة عن حماية سيدة القانون والعدالة التي أصبحت، بتفانيها في الدفاع عن حريات الشعب وحقوقه رمزا من رموز الثورة. وباسم جميع السوريين، الفخورين بابنتهم البارة رزان وبرفاقها الثلاثة، أدعو هذه الكتائب إلى البحث عن المخطوفين، والعمل بكل ما يستطيعون من وسائل، للكشف عن خاطفيهم وإطلاق سراحهم ليعودوا إلى عملهم لخدمة القضية النبيلة التي رهنوا لها حياتهم: حماية السوريين من القهر والذل وانتهاك الحقوق الذي وقعت رزان ورفاقها ضحية له اليوم.

تحية إلى رزان زيتونة السيدو المتفانية من أجل الحق وتحية لرفاقها في معركتهم الجديدة، في غياهب الاعتقال، ضد الجهل والحقد والضغينة والانتقام، ضد انحطاط الانسان.

samedi, décembre 07, 2013

المشكلة في غياب القيادة وتشتت القوى

هناك مشاكل كبيرة لا يمكن لأحد أن يتجاهلها في تكوين الاركان وأسلوب عملها وتقصيرها الكبير في مهامها العسكرية. وأنا من الذين لم يخفوا لحظة أنها ليست هيئة أركان حقيقية، ولكنها غرفة لتمثيل بعض القوى التي اتفقت الدول على جمعها لتنظيم الدعم والاشراف على توزيع الذخيرة.

والاركان مسؤولة بالتأكيد عما حصل حتى الآن على ارض المعركة، سواء لعجزها عن تكوين قيادة مركزية حقيقية للقوى المقاتلة مع الثورة، أو تلبيتها لحاجات المقاتلين والجبهات من السلاح والذخيرة.

والمسؤول عن ضعف الأركان ليس المعارضة السياسية، الممثلة بالائتلاف أو بغيره، فهي لم تكن وراء تشكيل الاركان، ولا ساهمت فيها ولا سمعت بمشروع تكوينها قبل أن تولد. وإنما الدول الممولة التي اجتمعت تحت ضغط الاحداث من أجل تنسيق العمل العسكري. ووجه عملها تقاسم النفوذ من خلال توزيع المقاعد على قادة الكتائب التي تتعامل معها. وهكذا ولدت الاركان هيئة شكلية تستجيب لأمرين: عدم رغبة الدول الممولة في ايجاد قيادة عسكرية وطنية جدية وفعلية، ورفض قادة الكتائب التي قبلت الصيغة الشكلية الاتحاد والخضوع لقيادة مركزية واحدة.

هذه هي العاهة الولادية للاركان. ولم تنفع محاولات المعارضة في الضغط عليها لإصلاحها، لأن الاركان والمجلس العسكري لا يخضعان لها ولا يدينان لها بشيء، لا بالتشكيل ولا بالتمويل ولا بالتسليح. وهذا الوضع نفسه لم يكن عفويا ولكن مقصودا.

كان الرهان ولا يزال على القادة الذين يتكون منهم المجلس العسكري كي يدفعوا إلى تطوير الصيغة الشكلية والعمل على تحويلها إلى هيئة أركان فاعلة. وقد رفض هؤلاء التطوير لأنه كان يحتاج إلى التعاون مع الضباط الكبار المنشقين، وادماجهم بشكل أو آخر في القيادة العسكرية. وربما شعروا بأن إدخال عسكريين محترفين يمكن أن يحمل مخاطر على نفوذهم ومواقعهم داخل الجيش الحر، ويقلل من استقلاليتهم وسيطرتهم الكلية على كتائبهم وألويتهم التابعة لهم شخصيا في معظم الاحيان.

وفي الحقيقة هذه هي الأسباب التي أفشلت كل محاولات المعارضة السياسة دمج العسكريين المنشقين في كتائب الثورة المقاتلة، أي الخوف من المنافسة والرغبة في الحفاظ على استقلال كل كتيبة، وبالتالي احتكارها لموارد الدعم المرتبطة بهذه الدولة أو تلك.

وهذه هي الاسباب التي منعت الكتائب أيضا من الاتحاد والاندماج، وتكوين قيادة موحدة، من داخل صفوفها، وبشكل مشتقل عما نسميه المعارضة الخارجية أو الداخلية.

كل هذا واضح، ويفسر ما نحن فيه.
المطلوب اليوم ليس تكرار الشكوى من المتدخلين وفشل المعارضة وندب حظنا، وإنما رفض الواقع الفاسد والسعي إلى التغيير والتفكير في كيفية إصلاح هيئة الأركان والوضع العسكري عموما لتحقيق المهام المطلوبة، وتعزيز قدراتنا العسكرية ووقف المجازر والاعدامات الميدانية للأطفال والنساء، كما حصل امس في النبك، من دون عقاب.

لن يفيدنا كثيرا أن نقسم قوانا المقاتلة بين جيوش متنازعة ومتخاصمة ومتنابذة، إسلامية وغير إسلامية بينما نحن بأغلبيتنا مسلمون. هذا ليس خطأ عسكري فحسب، ولكنه ضرب لأي مشروع وطني. ولا يعني ذلك أن يتخلى الاسلامي عن أفكاره أو العلماني، إذا وجد، عن علمانيته، فالمطلوب في هذه المرحلة ليس أن نربح المعركة الفكرية داخل صفوف الثورة وبين تياراتها المختلفة، وإنما أن نحمي شعبنا ونحرر بلادنا من نظام القتلة والمجرمين المحترفين، وبأسرع وقت. ولا أمل لنا بذلك إلا بتوحيد قوانا جميعا، أعني جميع من يقف ضد هذا النظام ويسعى إلى التخلص منه، بصرف النظر عن اعتقاداته وأحلامه وتطلعاته. وانا لا أستثني هنا أحدا من الثوار والمنشقين الذين خسرنا طاقاتهم حتى الآن من دون أي سبب ولا مبرر، وحرمنا أنفسنا من خبراتهم ومعرفتهم بالأرض والنظام ومهنة السلاح.

ولدينا سابقة في هذا التغيير من سيرة منظمة التحرير الفلسطينية التي شكلتها الدول العربية من دون مشاركة القوى الفلسطينية المقاتلة، لكنها تحولت بعد أن دخلت فيها فتح والمنظمات الفلسطينية الشعبية، إلى منظمة وطنية تمثل الشعب الفلسطيني وتجمع أغلب قواه الثورية.

قد يكون إصلاح الاركان من الأمور المستحيلة بالفعل. لكن إذا كان هذا استنتاجنا الأخير، فليس الحل في أن نشتت قوانا خارج الأركان وننقسم إلى جيش إسلامي وجيش غير إسلامي وإنما أن ننشيء هيئة أركان جديدة واحدة تقود القوى المقاتلة الثورية بصرف النظر عن اتجاهاتها الفكرية. وإذا كنا نشعر أننا أكثرية إسلامية فلن يضيرنا أن نعمل مع غيرنا، بل سوف تكون سيطرتنا على هذه الهيئة العسكرية الموحدة قوة إضافية لنا. ورفض ذلك يعني أن نقبل بأن تكون هناك جيوش مختلفة ومتنازعة وهيئات أركان متضاربة، وهذا ما هو قائم اليوم، وهو أصل الضعف والفوضى وإرساء أسس تفكيك وطننا الواحد وتحويله إلى إمارات وممالك ومناطق نفوذ خاصة وأجنبية.

والحل ليس صعبا. وكنت قد اقترحت على المعارضة والائتلاف أن تتم دعوة كبار ضباط الجيش المنشقين والمخلصين، ودعوتهم لوضع مشروع لدعم تشكيل أركان فاعلة وقيادة مركزية وتواصل وترابط بين الكتائب والتشكيلات المقاتلة، يسمح لها بالتعاون للعمل حسب خطة تحرير واحدة وواضحة. ثم دعوة القادة الميدانيين للكتائب إلى اجتماع مع الضباط الكبار لمناقشة المشروع وتعديله إذا كانت هناك ضرورة لذلك. وبعد الاتفاق عليه يطالب الجميع بالالتزام به، وتشكيل القيادة العسكرية من الضباط المحترفين والميدانيين، لكن على أسس عسكرية محترفة، لتنفيذ خطة العمل العسكري المدروسة والمتفق عليها.

هكذا نستطيع أن نتجاوز الاركان الشكلية التي فرضت علينا من دون أن نزرع المزيد من الانقسام داخل صفوفنا، كما نستطيع أن نفرض إرادتنا نحن كسوريين على الدول الداعمة لنا، وتلك التي تستغل نقاط ضعفنا لتوسع مناطق نفوذها في بلدنا وعلى حسابنا. إذا سرنا في مثل هذا الطريق لا يعود موضوع ترك الأركان الشكلية وارادا أو ذا أهمية. لكن إذا كان تركها يهدف إلى الانفراد والانقسام والتشتت، فبقاؤها الرمزي أفضل من زوالها.

vendredi, décembre 06, 2013

حول الاعلان عن انسحاب الجبهة الاسلامية من هيئة أركان الجيش الحر

أصدرت الجبهة الإسلامية صباح الخميس في ٥ كانون الأول ديسمبر بيانا موقعا باسم رئيس مجلس الشورى أحمد الشيخ ورئيس الهيئة العسكرية زهران علوش، أكد على انسحاب كل من ألوية صقور الشام وجيش الإسلام من هيئة الأركان منذ مدة بعيدة.
بالرغم من المشاكل العديدة التي تعرفها هيئة الأركان، على مستوى التنظيم والتخطيط العسكريين، لا يمكن لهذا الانسحاب أن يفيد قوى الثورة في منعطف سياسي وعسكري دقيق من تاريخها. ومثل هذا الانسحاب يؤلم الشعب السوري الذي كان يأمل ويدعو منذ أشهر طويلة لتوحيد الصف وهيكلة القوى المقاتلة وتوحيدها.
وكنا قد رحبنا بتجمع الجبهة الاسلامية كخطوة أولى مهمة على طريق توحيد قوى الثورة جميعا لتكوين جبهة وطنية واحدة في وجه العدوان المستمر الذي يمارسه النظام على الثوار وعلى المدنيين عموما لكسر إرادة الشعب ودفعه إلى التسليم بالأمر الواقع.
لا يمكن إصلاح الأخطاء ولا تحسين الأداء بالانقلاب الدائم على الهياكل القائمة واستبدالها بهياكل ومؤسسات بديلة، وهذه هي تجربة المجلس الوطني والائتلاف. ولن يقود مثل هذا العمل إلا إلى المزيد من الانقسام والتشتت والنزاع داخل صفوف الثورة وبين تياراتها ومكوناتها المختلفة.
لن نتقدم إلا إذا تبنى جميعنا فكرة العمل من داخل مؤسسات الثورة وعمل على إصلاحها ما دامت تعمل في خط الثورة ولا تحيد عنه. فلا تولد المؤسسات كاملة الأوصاف وإنما تتكامل بالتجربة والتطوير والعمل المشترك على بنائها بما يخدم أهداف الثورة ويسمح لجميع الأطراف أن تجد نفسها فيها وتشارك في قرارها. هذا هو الاتجاه الوحيد للخروج من المصاعب التي تشهدها القوى الثورية في أرض الميدان، وعكس ذلك لن يفيد إلا النظام الذي يتربص بالثوار والمقاتلين.
وأنا أدعو قادة الجبهة الاسلامية بدل الانسحاب، تقديم مشروع واضح لاصلاح الاركان وعرضه للمناقشة، والعمل بموازاة ذلك على تكوين الجبهة الوطنية الموحدة التي تضم جميع مقاتلي الحرية ضد نظام القتل والدمار والفساد.
بمثل هذا العمل الجامع وحده يمكن للجبهة أن تؤكد دورها القيادي وتجبر الاركان على استعادة دورها في الوقت نفسه.

mercredi, décembre 04, 2013

الثورة بين الأقوال والأفعال

يحيرني ذاك الذي يرد دائما على ما أكتبه في هذه الصفحة بجواب واحد لا يتغير: مليح، لكن نريد أعمالا لا أقوالا. وهو في الغالب لا يفعل شيئا. 

من قال إن العمل يفترض غياب التفكير، أو أن من يفكر في مجريات الأمور وسبل تحولها، ويعمل على تطوير المواقف والتوجهات، ويسعى إلى مناقشتها مع الآخرين، يمتنع حتما عن أداء أي واجبات عملية أخرى في الإغاثة والسياسة والمجهود الحربي؟ 

ليس هناك عمل ناجع وناجح من دون تفكير، ولا يمكن أن يكون هناك فكر سليم من دون الارتباط بالعمل. لكن للعمل مراتب ومستويات وميادين مختلفة. وفي كل ميدان هناك من يغلب على عمله طابع التنفيذ، وهناك من يخطط، وهناك من يصمم، وهناك من يصوب الأخطاء. وهذا ينطبق على كل الأعمال من صناعة الإبرة إلى صناعة الذرة، وييدأ في المجتمع من مستوى تنظيم الفرد لمشروع حياته، إلى الاسرة إلى الحرب والسياسة والخطط الكبرى، التي تتطلب باستمرار ارتقاءا مستمرا في مستوى النظر وطرائق التحليل والتركيب، وتحتاج جميعا إلى الرأي السديد.

العمل من دون تفكير لا يثمر ولا يقود إلى شيء، وربما انقلب على صاحبه، والتفكير غير المرتبط بعمل ومشروع عملي يخشى عليه أن يتحول بسرعة إلى سفسطة وكلام سائب وتنظير منفصل عن الواقع والعقل السليم.

ومعظم نقائص عملنا اليوم في الثورة، وتأخر إنجازنا فيها، ناجم عن الانفصال بين النظر والعمل، وضعف التفكر، الأخلاقي والانساني والسياسي والعسكري. ولولا الايمان بالله والثقة بنصره لما شهدنا ما شهدناه من صمود اسطوري قام بشكل رئيسي على التضحيات العظيمة بالروح والنفس، التي يقف وراءها الايمان بعدالة القضية والحق، ويغذيها الاعتقاد الصادق، والثقة بالله، والحماس الديني الذي أصبح اليوم المحرك الانفجاري الحقيقي لروح الصمود والتصميم والأمل بالنصر.

dimanche, décembre 01, 2013

الثورة السورية بين الخيار الوطني والايديولوجي


مع فوارق كبيرة بالطبع، يذكرني التنافس، وأحيانا التنابذ بالألقاب للأسف، داخل صفوف معسكر ثورة الكرامة والحرية، بين من يصفون أنفسهم وغيرهم بالعلمانيين أو الاسلاميين، بالصراع الذي حصل داخل معسكر التحرر الوطني بين القوميين العروبيين والاشتراكيين اليساريين، والذي أدى إلى سقوط الطرفين وهزيمتهما، وتسهيل انتزاع السلطة من قبل طغم عسكرية وأمنية طفيلية، بعيدة عن أي قيم، قومية أو اشتراكية، سرعان ما انكفأت على حكم العصبية الطائفية والعشائرية والمذهبية الذي ندفع اليوم ثمنه من دماء أطفالنا وبناتنا وشبابنا. 
واليوم، أيضا، أكثر ما نخشاه، هو أن يقود الصراع المتفاقم على الهيمنة السياسية، داخل معسكر ربيع الثورة السوري، بين جناح يعتقد أن تجسيد مباديء العدالة والحرية والكرامة التي فجرت ثورة آذار المجيدة لا يمكن أن يتمثل إلا من خلال حكم إسلامي ينظر إليه على أنه نقيض الحكم المدني، وضد الجناح العلماني، وجناح علماني لا يرى تحقيقا لمباديء الحرية والكرامة التي رفعتها الثورة ذاتها إلا من خلال تأكيد مركزية الدولة المدنية التي تعتمد القانون والحياد الفكري والمذهبي، وتستبعد الرجوع إلى أي رأي ديني، أقول، أخشى أن يقود هذا الصراع الشديد إلى ضرب التحالف الشعبي الذي كان وراء تفجير الثورة واستمرارها البطولي، والذي جمع قوى الوسطية من الاسلاميين والعلمانيين على مبدأ واحد ومرجعية مشتركة، هو مبدأ الحرية والكرامة للمجتمع والفرد. 
سيكون المستفيد الوحيد من هذا الوضع فلول النظام الهالك نفسه، الذي لم يهدف من الدفع إلى التطرف والعنف إلا إلى تهميش التكتل الشعبي الوسطي الواسع وتحييده، وتحويل الصراع على النظام السياسي والاجتماعي إلى صراع ايديولوجي.

حتى لا ننسى بطولات أبنائنا

تفجر الثورات عادة أعظم ما تتحلى به الشعوب من قيم التضحية والكرم الأخلاقي والغيرية ونكران الذات حتى درجة التضحية بالروح، لكنها تكشف أيضا عن كل العيوب الجماعية والفردية للمجتمعات. 
ولا تشذ الثورة السورية عن القاعدة. فما أظهره السوريون من الشجاعة والبطولة وروح التضحية والفداء، في سبيل قضية الكرامة والحرية ورفض الاستعباد، يكاد يكون من دون سابقة في تاريخ ثورات العالم. لكنها لم تشذ ايضا عن القاعدة في إبرازها الكثير من الملامح السلبية التي تميز الشخصية السورية، من فردية مفرطة، وغياب روح التنظيم الجماعي الذي يرتبط بقبول المراتبية الوظيفية، والمسؤولية، واحترام السلطة الشرعية، والالتزام بخطة العمل الكلية والاندراج فيها. ومن ثغرة الملامح السلبية هذه دخل إلى صفوف الثورة الكثير من المتسلقين والوصوليين والانتهازيين، وعملوا على الإساءة للشعب وللثورة نفسها.
وعلى هذه الإساءة، وما يرتبط بها من أعمال مخلة بروح الثورة وقيمها وأهدافها،
بعد ما يقارب السنوات الثلاث من التضحيات الهائلة، ومع تدهور شروط المعيشة في بعض الأوساط الاجتماعية وبعض المناطق إلى ما فوق الاحتمال، وتهديد مناطق عديدة بالمجاعة، من الطبيعي أن يستند أعداء الشعب والحرية على هذه الإساءة التي يقوم بها أناس ركبوا قطار الثورة ولم يكونوا جزءا منها، لتعبئة الرأي العام وشحنه ضد الثورة ومشروعها.

وإذا كان من الواجب فضح هؤلاء المتسلقين ومعاقبتهم على ما يقومون به من إساءة للشعب ومشروعه التاريخي. فمن الواجب أكثر أن لا ندع الحديث عن السلوكات والمواقف والحوادث السلبية المسيئة يغطى على الأوجه المشرقة العظيمة لثورة السوريين، على تضحيات شاباتها وشبابها الذين لا يزالون يسطرون كل يوم، ملاحم جديدة في مواجهة الألة العسكرية لنظام هالك سلم أمره بعد انهياره إلى القوى الأجنبية التي تتحدث باسمه وتقود خطاه.
وفي هذه الأيام بالذات، لا يمكننا، أمام ما يقوم به أبطال كتائب الجيش الحر من مآثر، كما تظهر ذلك الاندفاعات الجريئة على جبهات غوطة دمشق، وحلب وحماة وحمص والباب وغيرها، واخيرا في درعا البلد التي أصبحت المدينة الثانية المحررة من رجس كتائب الأسد والميليشيات التابعة لايران، إلا أن نهنيئ هؤلاء الشباب الشجعان على إنجازاتهم الرائعة، ونعبر لهم عن اعتراف الشعب وحبه وإجلاله لمواقفهم وبطولاتهم. وأن ندعو لشهدائنا الذين قضوا في ساحات الشرف، فداءا لشعبهم وعقيدتهم، بالرحمة، ونعاهدهم على أن نبقى على مستوى تضحياتهم، أوفياء لدمائهم الطاهرة ومخلصين لذاكرتهم الحية أبدا.

الثورة بين الدولة الدينية والمدنية

يسأل البعض ما المقصود بالتيارات والاتجاهات المدنية التي غالبا ما توضع، في سياق الصراع الراهن في ثورات الربيع العربي على مفهوم الدولة، المدنية والاسلامية، في مقابل التوجهات والتيارات الدينية. 
والجواب هو أن من ينادون بالدولة الاسلامية يعتقدون أن قوانين الدولة وتنظيماتها وإدارتها وكل ما يتعلق بها ينبغي ان يستمد من الأحكام الشرعية، أي الدينية. وبهذا المعنى تصبح السياسة، أي إدارة الدولة وتسييرها، فصلا من فصول الفقه، الذي يقوم عليه رجال الدين المختصون والقيمون على تأويل النصوص الدينية، من كتاب وسنة، وتفسير أهدافها ومقاصدها وغاياتها. وهذا على قاعدة أن الاسلام دين ودنيا، أي أنه يحكم أمور الحياة كلها، العقدية والمادية.

بالمقابل، ينظر أنصار الدولة المدنية إلى الدولة بوصفها تنظيما لشؤون الحياة المادية، ونوعا من التنظيمات التي تستمد مبادءها من الرأي العقلي، وتتطور مع التجربة وتقدم الحضارة، وأن السياسة بالتالي ليست من ميدان الفقه الديني الذي تستمد أحكامه من تأويل النصوص، وإنما هي من ميدان العلم والتجربة والرأي والاجتهاد العقلي. الدولة المدنية تقاد بالعقل، ويشارك في قيادتها وتطوير تنظيماتها وطرائق عملها، وشكل إدارتها، جميع أصحاب الاختصاص، من رجال السياسة والحرب والاستراتيجية والصناعة والزراعة والعلوم المختلفة، وأيضا من رجال الدين، لكن ليس وحدهم، وذلك حسب ميدان الاختصاص وانطلاقا من معايير الفاعلية والخبرة العملية والنجاعة المادية والأخلاقية.

فإذا كان المطلوب من رجل الدين أن يجتهد لايصال روح الرسالة الدينية لجمهور المؤمنين، من أجل ضمان سلامة اعتقادهم، وموافقة ممارستهم الدينية لمقاصد الشرع، وبالتالي مطابقة سلوكهم لأوامر الدين وأخلاقه، وهذا هو السبيل لضمان خلاصهم في الدنيا والآخرة من الناحية الدينية، فإن المطلوب من رجل السياسة ليس خلاص الأفراد الديني تجاه خالقهم بالدرجة الاولى، وإنما تنظيم شؤون حياتهم والارتقاء بقدراتهم العلمية والعملية، ووتعظيم قدراتهم على منافسة غيرهم من المجتمعات في تمثل العلوم والتنقنيات المدنية والعسكرية الارتقاء بمستوى معيشتهم، وكل ذلك من خلال تحسين طرائق الإدارة وسياسة الدولة والصناعة والزراعة والتعليم والصحة وغيرها من النشاطات الاجتماعية. وهذا لا يتحقق إلا باكتساب العلوم واستلهامها في التنظيمات المدنية، في الحرب والصناعة والزراعة والعلوم والبحث، وغير ذلك.

فإذا كانت مهمة رجل الدين مساعدة المؤمن على تطبيق مباديء الدين بصورة سليمة، فإن مهمة رجل الدولة هي تنظيم شؤون المجتمعات بطريقة تسمح لها بتأمين حاجات المجتمعات المادية من غذاء وكساء ودواء وسكن وأمن وسلامة الأرواح والأرزاق. وكلها أهداف مرتبطة بتطوير الوسائل ولا علاقة لها بالغايات، من مثل تحقيق التقدم في تنظيم الجيوش وقوى الأمن ووسائل الانتاج والتعليم وكل ما يتعلق بالتقدم المادي والعلمي والتقني.

والواقع ليس هناك تناقض بين الدولة المستندة في إشادة مؤسساتها على الرأي والعقل، وتحقيق مباديء الدين ورسالته، بل إن العكس هو الصحيح. لأن المجتمعات التي تخفق في تحقيق الحد الأدنى من التقدم المادي في الوسائل، ويتدهور مستوى معيشتها المادي، تنحط أخلاقيا ودينيا في الوقت نفسه. ولأنه لا يوجد تناقض بين الدين والعلم، لأن علم الدولة يتعلق بالوسائل، أي بالآلات والتقنيات والتنظيمات، وعلم الدين يتعلق بالتعريف بالغايات الكبرى والقيم التي تحكم حياة الأفراد والجماعات. وكل مجتمع يستخدم الوسائل ضمن الغايات وحسب القيم التي يستلهمها من عقائده وثقافته. فالصناعة كالحرب والإدارة وتسيير المجتمعات وعلوم الطبيعة، ليست مرتبطة بدين أو محكومة بمذهب معين، وإنما هي من متعلقات العقل الذي هو الهبة المستركة للانسان كإنسان.

وقد جاء في الحديث،"إعقلها وتوكل”. فالعقل هو العمل بالخبرة والتجربة والتامل والاجتهاد بالرأي، والتوكل هو الثقة بالله واستلهام آياته وأحكامه وقيم الدين ومقاصد الشريعة الكبرى وغاياتها المرتبطة بتحقيق العدل والصلاح في الدنيا والآخرة. فالعقل والتوكل أو الايمان، يتكاملان بمقدار ما ينجح المجتمع في تحديد ميدان اختصاص كل منهما، ويعرف كيف يتجنب الخلط بين ما هو من ميدان الرأي والعقل، وما هو من ميدان الوحي والنقل والعبادة. فكلاهما، العقل والوحي، آية من آيات الله وفضله وكرمه على العالمين..

vendredi, novembre 29, 2013

حول ميثاق الجبهة الاسلامية ومشروعها السياسي الجديد

أثار الاعلان عن ميثاق «الجبهة الإسلامية» التي تشكلت في سورية في الأيام الماضية، نقاشا متجددا لدى الرأي العام السوري داخل صفوف مؤيدي الثورة ومعارضيها. ولأن الجبهة تضم قوى رئيسية في الجيش الحر، كان من الطبيعي أن يسقط الكثيرون موقف الجبهة على الثورة نفسها، متسائلين في ما إذا كان هدف الثورة اليوم هو إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة، بدل القانون المعد من قبل ممثلين للشعب يتماشى مع حاجات الشعب المتعدد المذاهب والمشارب الفكرية ومع تطور الحياة الاجتماعية وتزايد الاوضاع الجديدة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والسلوكية، التي تحتاج إلى تقنين دائم ومستمر.
ما خفف من أثر هذا الانعطاف الفكري في مسيرة قوى الثورة السورية التي بدأت سلمية ومدنية بامتياز، هو تمسك البيان بمبدأ الشورى، مما يبقي أفق الحوار والنقاش مفتوحا على مشاركة الشعب في القرار، من جهة وتأكيد أصحاب المشروع السياسي الجديد على حماية حقوق الأقليات، باعتبار أن «التراب السوري يضم نسيجا متنوعا من الأقليات العرقية والدينية تقاسمته مع المسلمين لمئات السنين في ظل الشريعة الغراء التي صانت حقوقها».
يحتاج هذا البيان إلى نقاش مطول وتوضيح للكثير من العبارات والمفاهيم التي تحتمل أكثر من تأويل، بما في ذلك معنى الشورى، وكيف تصح ممارستها، ومن يشارك فيها، وتصور تطبيق الشريعة، بل التأويل الذي تنوي الجبهة الأخذ به في هذا المجال، الذي لم يعد جديدا على المجتمعات العربية والاسلامية، بعد أن شهدت تجارب متعددة ومختلفة فيه، من أفغانستان إلى السودان إلى ايران وغيرها.
وبالمثل، يحتاج مفهوم الدولة المدنية التي وضعها البيان في تناقض او تضاد مع دولة الشريعة الاسلامية أيضا إلى توضيح، خاصة عندما تتم المطابقة بين الشريعة الإلهية وميادينها والتشريع البرلماني الذي هو من باب التنظيمات التي تمس أمورا ترتبط بتنظيم شؤون الحياة المدنية للمجتمعات ويعكس تطور الحضارة وتقنياتها وتنظيماتها، وهو عابر للحدود الدينية والسياسية والجغرافية، وغايته تنظيم شؤون البشر وتامين أمنهم وسلامتهم الجسدية والنفسية وتحسين شروط حياتهم المادية على الأرض، أكثر مما يرتبط بمذهب أو فلسفة أو عقيدة دينية. وتستند معظم هذه التنظيمات كي لا نقول كلها وبشكل كبير إلى الخبرة العملية والتاريخية والتفكير المنطقي والعلمي.
فالفرق كبير بين التشريع الذي هو حق إلهي، لأنه يعنى بالمقاصد الكبرى والغايات العليا للكون والحياة والوجود الكوني والانساني، أي بالمقدسات، والتنظيمات الانسانية، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والتقنية وغيرها مما يعنى بتحسين الأداء والفاعلية والانتاجية والعمل في كل الميادين، ويعتمد على العقل والعلم ويتضمن الاختيار بين حلول وطرائق وأساليب مختلفة ومتعددة للتنظيم والترتيب والتنسيق والتحسين لشؤون الحياة المادية والمدنية، اي التي لا تمس الاعتقادات من أي نوع كان. وفي هذا الباب تدخل تنظيمات الصناعة والزراعة والعمل والإدارة والعلم والحرب التي تتطلب جميعا إعمال العقل.
ومن هذا التصور لنوع المهام التي تقوم بها الدولة جاء مفهوم الدولة المدنية، التي تعني أن على السلطة السياسية العمومية أن تقتصر في وظيفتها على تنظيم شؤون الحياة المادية، وأن تترك للفرد والمجتمع أي الناس تنظيم شؤون حياتهم الدينية. مما يعني أن وظيفة الدولة في كل الميادين تنظيمية، أما كل ما يتعلق بالرأي والفكر والمذهب والدين، أي بمحتوى الأفكار المتداولة في المجتمع وبالقيم والأهداف والغايات العليا للجماعات، فهي مسؤولية هذه المجتمعات نفسها وكل فرد فيها، وأن واجب الدولة هو تأمين الفضاء الحر لجميع الناس كي يقرروا في شؤون دينهم تحت إشراف أصحاب الاختصاص من رجال الدين وبهديهم.
غير ذلك يعني أن تفرض الدولة محتوى العقيدة والقيم والمباديء والغايات التي ينبغي على المجتمع وكل فرد أن يأخذ بها ولا تكتفي بتنظيم ممارسة حرية الفكر والاعتقاد.
وقد عرفنا نحن السوريين نموذجا كارثيا لهذه الدولة العقائدية في صورة دولة البعث التي أرادت أن تصبغ المجتمع كله بصبغتها الفكرية والمذهبية والسياسية، وكانت النتيجة تجريد الشعب، باسم إخضاعه للعقيدة البعثية والقومجية الرسمية، من حقوقه وحرياته جميعا، وتسليم البلاد والمجتمع بأكملهما إلى تلك المجموعات الصغيرة التي امسكت بالدولة، واستغلت ما ألحقته بنفسها من حق المراقبة والتفتيش على الضمير والعقل والسلوك، من أجل بناء سلطة مطلقة وغاشمة، لا شيء يوازن جبروتها في المجتمع، دمرت معنى السياسة والعقيدة والفكر والعلم والمعرفة والانسان نفسه.
من حق كل إنسان وأي تكتل أو تجمع أن يقدم التصور الذي يراه مناسبا لتنظيم المجتمع والدولة. لكن من حق كل إنسان أيضا، عضو في هذا المجتمع ومعني بمصيره ومستقبله، بل من واجبه، ان يناقش أي تصور مهما كان، اللهم إلا إذا كان أصحاب هذا التصور يعتبرونه عقيدة مقدسة لا تناقش. ولا أعتقد أن مثل هذا الموقف يمكن أن يكون موقف شباب مؤمن، أخلص لهذا الشعب وفداه ولا يزال بروحه، وساهم في صنع معجزة الثورة وتحطيم صنم نظام الأسد الذميم.

mercredi, novembre 13, 2013

العلمانية في استخداماتنا العامية

 أصبحت العلمانية في الاستخدامات الأخيرة في بلادنا عند البعض تهمة أو شتيمة. والبديل بالتأكيد ليس دينا مجردا وايمانا صافيا وإنما مفهوما أكثر استبدادية للدولة والسلطة.


هذه مقتطفات من مقال نشر في ٢٠٠٧ للاضاءة على المفهوم والفكرة


"لا أحد يستطيع أن ينكر أن العلمانية استخدمت في البلاد العربية ولا تزال، سواء أفهمت كموقف عقلاني وتنويري في مواجهة مجتمع متأخر ومتدين ومتعصب، أو كموقف من الطائفية الدينية ودعوة إلى تجاوزها، لتبرير الحد من الحريات وتقييدها بل إلغاءها. في الحالة الأولى اتقاءا لشر صعود التيارات الاسلامية إلى الحكم، وفي الحالة الثانية نتيجة قصر مضمونها على تجاوز التمييز الطائفي والمساواة بين الجماعات الدينية، وغض النظر عن المساواة السياسية المرتبطة بإقرار الحريات المدنية والسياسية والمساواة القانونية والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا لا يزال السؤال الذي طرحه كتاب المسألة الطائفية بصورة جانبية، مطروحا اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى : ما الذي وضع العلمانية العربية، والسورية منها بشكل خاص، في هذا المأزق الذي جعل منها رديف الديكتاتورية ونقيض قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة برمتها، وفي المكان الأول حرية الاعتقاد التي تعني تحريم فرض اعتقادات بالقوة على أي إنسان، أو منعه من التعبير عنها ؟
الجواب من شقين. أولا تحول العلمانية إلى ايديولوجية، أي إلى عقيدة فئة من الفئات الاجتماعية، جعلت منها إطار تماهيها وولائها الخاص، ورمز تفاهمها الذي يوحد عناصرها ويربط في ما بينهم ليحولهم إلى قوة فاعلة وشريك في الصراع الاجتماعي الدائم على الثروة والسلطة والنفوذ والجاه. وهو ما فرض عليها الخضوع لأجندة هذه الجماعة الخاصة ومتطلبات استراتيجيتها الاجتماعية والسياسية. وثانيا تعارض مصالح تأمين نفوذ هذه الجماعة/الطائفة واستقرارها مع مصالح التحرر والانعتاق العام للمجتمع، واضطرارها، في سبيل الاحتفاظ بمكاسبها، المادية والمعنوية، إلى خيانة القيم والمباديء العلمانية نفسها، ومن ورائها مباديء الديمقراطية. وهذا هو الذي يفسر أن أحدا من رموز هذه العلمانوية، الذين استشهد بهم وائل سواح، لم ينخرط في أي معركة من معارك الحرية، لا الفكرية ولا السياسية، بل إن معظمهم قد وجد في نقد حركة ربيع دمشق فرصة للتعبير عن رفضه لهذه الحرية ومقته لها. وبعض من جذبته الحركة قليلا قصر جهده على الدعوة إلى ليبرالية فجة تستنجد بالقوى الأجنبية وتدعو إلى تعليق الآمال جميعا عليها.
ما كانت لمصادرة فكرة العلمانية من قبل فريق اجتماعي ليحولها إلى رأسمال خاص به إلا أن تقود إلى أمرين. إفساد المفهوم من جهة وتقويض فرص تعميمه وانتشاره في الوعي وفي المجتمع والدولة معا، وبالتالي قطع الطريق على تقدم فكرة الحداثة وترسخها في الوعي الشعبي.
فبقدر ما أصبحت العلمانية ايديولوجية تغير شكلها ومضمونها ودورها الاجتماعي أيضا. فتحولت من مبدأ مؤسسي ناظم لسلوك الأفراد والجماعات، بصرف النظر عن اعتقاداتهم، إلى عقيدة قائمة بذاتها بديلة للدين، أي إلى دين جديد، يتخذ منها منطلقا لبناء رؤية للمجتمع والعالم معادية للرؤية المرتبطة بالدين القديم، ولرجاله وسلطته وقيمه. وككل عقيدة، صارت العلمانية "دوغما"، أي مذهبية مغلقة، وحقيقة ناجزة وثابتة لا تتغير ولا تتبدل، لا تحتمل النقاش ولا الجدال، قائمة في مواجهة جوهر آخر مطلق هو الحقيقة، أو بالأحرى "الخطيئة" الدينية. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن يربط هؤلاء أو أكثرهم العلمانية بالعلم، وأن يشتقوا مفهومها نفسه منه. هكذا أصبحت العلمانية مساوية للادينية، وراية يجتمع تحتها كل كاره للدين أو داعية للتجرد من تراثه والتحرر منه، في مقابل الاسلامية التي تقف في وجهها وتدعو إلى التمسك بالقيم والمفاهيم الدينية في تقرير كل ما يتعلق بالفرد والمجتمع والتاريخ والحضارة معا. ومن الواضح من مقال وائل سواح وزملائه إلى أي حد تعكس اشكالية العلمانية والاسلامية لديهم الصراع بين العلم، المنظور إليه كرديف للعقل، والدين، رديف الجهل والرؤية الخرافية. ولذلك فإن الاسم الصحيح الذي ينبغي إطلاقه على هذه العقيدة ليس العلمانية وإنما اللادينية أو العداء للدين، التي تختلط مع علموية سوقية، من مخلفات القرن التاسع عشر، تعكس الايمان الساذج والبسيط بالعلم وبقدرته الخارقة. وهي العقيدة التي تسمح بتذويب جميع إشكاليات المجتمع والسياسة والاقتصاد والتاريخ وإلغائها في عقل مطابق للعلم، يعمل كإله محرك ومبدع، قائم خارج أي زمان ومكان. ومن هنا يأتي تماهي الكثير من المثقفين مع هذه الدعوة التي تسمح لهم بالشعور بالتفوق الطبيعي على الغالبية التي ينظرون إليها ككتلة عددية، جاهلة، تفتقر للعلم وللعقل معا، لا كشعب ولا كأمة تمتلك وعيا وإرادة وقادرة على الفعل أو الانجاز من أي نوع كان.
ومن الطبيعي أن تكف العلمانية في هذه الحالة عن أن تكون مفهوما إجرائيا يهدف إلى فهم الواقع وتحليله، يمكن نقده ككل المفاهيم العلمية والاجتماعية، وتعديل مضمونه ودلالاته على ضوء التجربة التاريخية، ومع تغير هذا الواقع او تقدم المعرفة بدقائقه. فككل عقيدة تتحول إلى مذهب ديني، أصبحت العلمانية في نظر عابديها المخلصين ماهية ثابتة وجامدة، لا يدخل عليها تغيير، وصالحة بالتالي، مثل الدين، لكل زمان ومكان، لأنها قائمة فوقهما وخارجهما، تعيش حياتها بمعزل عن الواقع وعن المجتمعات وعن التواريخ، مهما اختلفت تجاربها أو تناقضت سيرها ومساراتها. ويصبح أي مساس بأسطورتها، أي بقدسية فكرتها، أو تغيير في أسلوب ممارسة طقوسها، أو تشكيك في بعض سيرها واستخداماتها، هرطقة وخروجا عنها. لأنه يشكل مساسا بالهوية، وتهديدا لاستقرار الجماعة الايمانية التي تتحول أكثر فأكثر، في مواجهة مجتمع يستعصي على سيطرتها، إلى عصبة منغلقة عدوانية، تتبنى جميع المواقف التي تتبناها الجماعات الدينية المواجهة لها، وتعلن مثلها جهادها، بجميع الوسائل، النظرية والمادية، الشرعية وغير الشرعية، السلمية والعنفية، ضد الكفرة ولجاحدين، لنشر العقيدة التي يكمن فيها خلاص البشرية. ومثلها أيضا، تبني العلموية كنيستها التي توزع بطاقات الخلاص على المخلصين لها وتحرم من تشاء من اعترافها وبركتها.
هذا ما يفسر أيضا الطابع التبشيري الممل للخطاب العلموي، وما يتميز به من الجمود والثبات وتكرار الصيغ والعبارات والشعارات نفسها، دون أدنى مراجعة أو محاولة لتجديد الفكرة أو تعميقها، منذ نصف قرن. فككل المتدينين، يعتقد العلمويون أن أي تغيير او تعديل في سرديتهم الخاصة بهم، لا بد أن يثير الشك في متانة العقيدة، ويقوض ربما أسس بقائها. وأن كل ما أنتجه هذا الخطاب كان مقالات تمجيدية ودفاعية، تهدف إلا صون الفكرة من التغيير والتعديل، والحفاظ على تماميتها وأصولها، في وجه ناقديها، وتستند على الاسترجاع الأبدي للأفكار نفسها، وإعادة إنتاجها عبر نقد خطابات الخصوم أو من يحولون إلى خصوم، والتشهير بهم وإظهار مروقهم او خيانتهم. فعندما تتحول الفكرة إلى عقيدة وتصبح منتجة لهوية وانتماء خاص وولاء جمعي، تكتسب قيمة رمزية أساسية، وتصبح بالتالي موضع قداسة، يصعب النقاش فيها أو الحديث عنها خارج دائرة االاحترام والإجلال والتمجيد والتبرير.
هكذا تغير دور العلمانية أيضا في حياتنا السياسية والاجتماعية. فبعد أن كانت مبدأ جامعا، يقرب بين مختلفين، بدعوة الجميع إلا الارتفاع على خلافاتهم العقائدية للاتفاق على شروط ممارسة هذه العقائد جميعا بحرية، وبالتالي ضمان حيادية السلطة التي ترعى هذه الممارسة الحرة وتحافظ عليها، أصبحت بالعكس أداة للتمييز والفصل بين جماعتين، جماعة المتدينين وجماعة المتحررين من الدين. ولم يعد أنصار الفكرة العلمانية ينشدون، كما كان الأمر في الأصل، إقناع الآخرين بالدخول في منطق السلطة الديمقراطية، والانتماء إلى أمة سياسية مختلفة عن الأمة الدينية، توحد جميع الاطراف من أصحاب العقائد المتنازعة، تحت سقف دولة محايدة، تحترم الجميع بالتساوي وتدافع عن حرياتهم الاعتقادية والسياسية والمساواة والعدالة في ما بينهم، وإنما أصبحوا يدافعون عن مكانهم وموقعهم في التركيبة الاجتماعية، بوصفهم أصحاب كنيسة مستقلة ومتميزة، ذات أسرار وطقوس يصعب استيعابها من قبل العامة الجاهلة والأمية. ولذلك لم يعد تحقيق العلمانية بما تعنيه من ضمان الحرية والمساواة والعدالة، هو الذي يعنيهم حقيقة، ولا حتى التبشير بها والسعي إلى نشرها وإقناع الآخرين بفائدتها، وإنما حمايتها من التحريف، كشرط للمحافظة على الملة، التي صارت إليها العلمانية. وهذا ما يفسر النزعة السائدة عند هؤلاء لتصنيم مفهومها وتحويله إلى حقيقة ثابتة ونموذج جاهز وناجز، لا يقترن تحقيقه بأي حيثية، وجعله أقنوما واحدا مستقلا يتقدم على كل ما عداه من الأقانيم. فهي هدف في ذاتها، لا يهم إذا ما ارتبط تحقيقها بضمان حرية الأفراد أو عبوديتهم، ولا إذا كان على حساب المساواة أو التمييز في ما بينهم. فصل الدين عن الدولة أو إخراجه منها، هو الغاية الأولى والوحيدة، والتي يبرر تحقيقها أو الوصول إليها جميع الوسائل الأخرى، بما في ذلك أقسى الديكتاتوريات العسكرية.
3 – معنى العلمانية
بالمقابل نحن ننظر للعلمانية بوصفها مبدأ من مباديء الثورة السياسية الحديثة التي تقود، في العالم كله، نحو بناء أمم سياسية، ودول/أمم ديمقراطية تعمل على بلورة إرادة هذه الأمم وتؤمن إعادة إنتاجها في الوقت نفسه كجماعة سياسية. ففي موازاة تفكك الايديولوجيات التقليدية وانحسار المناخات اللاهوتية القرسطوية، سوف يتحلل مجتمع الجماعة الدينية المتراصة، وتبرز الاختلافات والتنوعات داخل الدين الواحد، وليس بين الأديان المختلفة فحسب. بل إن الصراع بين المتدينين وغير المتدينين داخل الدين الواحد سوف يحتل، في مرحلة ثانية، أي ما بعد الطائفية، المرتبة الأولى في الصراع، ويدفع إلى تفاقم الجدل بين تيارات الفكر والاعتقاد وتنازعها. وفي هذا السياق ستظهر العلمانية لتؤسس لنهضة فكرية كبرى أساسها توفير مبدأ او قاعدة أخلاقية سياسية تسمح للمجتمعات المتحللة والمتفجرة، ببناء الوحدة السياسية مع الحفاظ على التعددية، والاستمرار في الجدال والمناظرة من دون الانجرار وراء الحرب الاهلية. وليس هذا المبدأ الخطير الذي يكاد في نظري يساوي العلمانية أو يستغرق مفهومها، سوى احترام حرية الضمير، بما تعنيه من حق اختيار العقيدة والتعبير عن الرأي والدفاع عن الفكر المختلف. ومن هذا المبدأ وما يتضمنه من اعتراف بأصالة الضمير وتحريم انتهاكه، لأي فرد، سوف يشتق مبدأ المساواة بين الافراد، بقدر ما تحولوا جميعا لأفراد أحرار وعاقلين، أي يملكون جميعهم ملكة الضمير والوعي والتفكير. ولأنهم متساوين، فعليهم أن يقروا لأنفسهم ولكل واحد منهم بحقوق واحدة أمام القانون، بصرف النظر عن اعتقاداتهم ومذاهبهم وظروف معيشتهم، وأن يكونوا مشاركين في تقرير مصيرهم الجماعي، أي في قيادة الدولة والجماعة، ومتكافلين. ومن هنا أصبحت مباديء الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي تعني التضامن والتكافل، مؤسسة لجماعة جديدة، هي الأمة أو الجماعة السياسية، في مقابل الجماعة أو الأمة الدينية القديمة. فإذا أخفقت الجماعة السياسية الجديدة، أي الأمة الممثلة في الدولة، في ضمان حرية الأفراد في اختيار اعتقاداتهم والتعبير عن أفكارهم، أو مارست التمييز بينهم بسبب انتماءاتهم، أو لم تنصف في معاملة بعضهم لحساب البعض الآخر، انتفت إمكانية بناء المواطنة كرابطة سياسية جديدة، مضافة إلى رابطة الدين أو موازية لها، وأصبح من المستحيل على الدولة أن تبني أمة أو جماعة سياسية. وتعثرت ولادة الحداثة السياسية، بما في ذلك قيام دولة قانونية.
والقصد أن العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة تنزع إلى الحلول محل العقائد الأخرى أو التعويض عنها، وإنما هي قاعدة لإدارة التنافس بينها، وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها، بما فيها العقائد اللادينية. وهي تقوم على افتراض إمكانية تحييد الاعتقاد الشخصي والفلسفي في الأمور الجماعية التي تتعلق بإدارة الدولة، حتى يمكن للدولة أن تكون دولة الجميع، وليست دولة جماعة اعتقادية واحدة. لكن تحييد الاعتقاد الديني والفكري في دائرة تعامل الدولة مع مواطنيها لا يعني إدانة أي اعتقاد، او التقليل من نفوذه، أو تحييده في المجال الاجتماعي، أو تحويله كما يعتقد البعض إلى اعتقاد شخصي، ومنع معتنقي الدين من تكوين روابطهم الجمعية. فالخاص لا يعني الشخصي والفردي. بل بالعكس، إن العلمانية لا تضمن شرعية وجودها إلا مما تقدمه لجميع الأفراد والجماعات العقائدية من حرية أصيلة وجوهرية، لا يخضع مبدؤها للنقاش، في التعبير عن نفسها وتنظيم كيانها والدفاع عن مصالحها أيضا، ضمن شروط احترام مباديء حرية اعتقاد الآخر والمساواة والعدالة. وتفقد العلمانية مبرر وجودها إذا تحولت إلى عقيدة بديلة تحتكر السلطة السياسية، وتمارس الاضطهاد ضد العقائد الأخرى أو تشجع عليه أو تقبل به، أو تدعو للحد من حريات منافسيها وخصومها الفكرية والمذهبية، وتبرر عدم المساواة القانونية أو الأخلاقية تجاههم، أو لا تكترث للظلم الواقع عليهم.
فالفكرة العلمانية أبسط بكثير مما نعتقد، وهذا مكمن قوتها وانتشارها وشعبيتها أيضا في موطنها الأصلي. فهي تعني باختصار أن الدولة لا تشتغل بأمور العقيدة، أي كل ما يتعلق بموضوعات الايمان وما يشكل مسلمات ايمانية عند الناس، سواء أكانت مسلمات دينية أو عقلية لا دينية. ليس هذا دورها، وليست لديها الإمكانيات والشروط التي تسمح لها بذلك. وإنما تقتصر مهمتها على تحسين شروط حياة أعضائها، المادية والمعنوية، من جميع المذاهب والاعتقادات، والارتقاء بثقافتهم وتكوينهم العلمي والمهني. أما موضوع العقائد فهي متروكة للجماعات المدنية نفسها، تتنازع فيها على قاعدة الحرية الفكرية والاعتقادية والمساواة الكاملة والتنافس السلمي. فشرط القبول بحيادية الدولة الاعتقادية وتجريدها من الدين هو إقرار الحرية الكاملة خارجها لجميع الأديان والمذاهب والعقائد. ومن دون ذلك تصبح العلمانية بالعكس غطاءا لدولة مذهبية مقلوبة، أي تفرض مذهب العقل والعلم على المجتمع بأكمله، أو تكافح ضد العقائد والأديان السائدة في المجتمع وتعمل على إضعافها ومحوها. وهو ما عرفته الدولة الشيوعية في القرن الماضي، وكان مثالا للعلمانية الدينية التي انتهت بكارثة على جميع تلك المجتمعات، لا تزال آثارها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية مستمرة بعد أكثر من عشرين عاما على زوالها. وأي علمانية لا تضمن الحرية الفكرية والسياسية وتحافظ عليها، تفقد شرعيتها وتتحول لا محالة إلى أداة لتسويد عقيدة سائدة. هكذا لا تشكل العلمانية إذن عقيدة بحد ذاتها ولكنها تقدم نفسها على أنها المبدأ التي يكفل ممارسة العقائد جميعا بقدر ما هو مؤسس لمفهوم الحرية الفكرية.
لكن العلمانية، بقدر نجاحها في ضمان الحريات الفكرية والسياسية، تفتح فضاءا جديدا وتخلق ظروفا لا يمكن إلا أن تقود إلى تغير في أفكار الناس واعتقاداتهم ومنظومات قيمهم وتطلعاتهم. إنها تشكل إطارا لولادة ثقافة جديدة بالمعنى الحرفي للكلمة، هي الثقافة الحديثة، بكل ما تتصف به من استثمار في الفرد والشخصية الإنسانية، ومن قيم الحرية واستقلال الرأي والمساواة والندية، ومن اهتمام بشروط الحياة الدنيوية واعتقاد بإمكانية تحقيق السعادة على الأرض والتمتع بالحياة الدنيا. لكن هذه الثقافة ليست مشتقة من العلمانية، إنما هي ثمرة الجدل الفكري والاجتماعي الذي يخلقه ضمان الحريات والمساواة وحكم القانون، وما يقود إليه ذلك من إثراء للمعرفة ونضوج للنظم المجتمعية وتطوير للعلوم والإبداعات التقنية.
وملخص القول هنا، أن العلمانية مفهوم تاريخي. وكأي مفهوم تاريخي، تظل مرتبطة بشروط التجربة التي ولدت فيها، بينما يظل الواقع أغنى من المفهوم. والنماذج التي ارتبطت بنشوء الوعي العقلاني وتلك التي جسدت مبدأ الفصل بين السلطات الدينية والزمنية وتكريس استقلال واحدهما عن الآخر، لا يمكن أن تكون هي نفسها، أو تطبق كما هي على المجتمعات كافة، بصرف النظر عن تراث كل منها وتركيبتها الدينية والاجتماعية، وعلاقة الدين بالدولة فيها، وظروف تقدم تجربتها السياسية. وهي جزء من عملية تاريخية شاملة تتعلق بانتقال المجتمعات التقليدية نحو الحداثة، ولا بد أن يتأثر حضورها، من حيث الشدة والامتداد، أو من حيث القوة والضعف أو من حيث الوضوح والاختلاط، بشروط هذا الانتقال، وفرص تحقيق الحداثة في مستوياتها المختلفة.
ولهذا السبب ليس من الممكن تطبيق أي مفهوم تاريخي على مجتمع من المجتمعات من دون نقده مسبقا. ولا يعني النقد التهشيم، وإنما الكشف عن قدرة هذا المفهوم على إنارة تجربة جديدة مختلفة عن التجربة التي ولد فيها، أي عن مدى قدرته على أن يكون مفهوما كونيا ينطبق على جميع التجارب. وفي هذه الحالة يمكنه أن يلعب دورا ايجابيا ومنورا في إعادة بنائها او المساعدة على دفع تجربتها الخاصة إلى الأمام. وإلا فهو بحاجة إلى إعادة صياغة وتعديل وتقويم حتى يتمكن من تفسير التجربة الجديدة والرد على التساؤلات التي تطرحها.


العلمانية ومعركة الحرية
من هنا أعتقد أن نقد العلمانوية، أي العلمانية العقائدية، المحولة إلى خطاب هوية، مرفوع في وجه الأكثرية الاجتماعية، ومبرر لحرمانها من الحرية، أصبح شرطا لتحرير العلمانية من قيودها، وإخراجها من المعزل الذي وضعت فيه، وإطلاق قدراتها على تثوير الثقافة والسياسة العربيتين بالمباديء الإنسانية. وشرط هذا التحرير فصلها عن فكرة اللادينية أو العداء للدين التي عزلتها وحولتها إلى عقيدة فئوية، وفتحها على جميع أولئك المؤمنين بحرية الرأي والضمير، مهما كانت عقائدهم وفلسفاتهم الشخصية. والذين يرفعون سقف العلمانية ليطابقوا بينها والايمان بالعلم عوض الدين، أو التخلي عن الاعتقاد الديني، لا يهمهم انتشارها ولا قبول الناس بها، وإنما يريدون أن يحتفظوا بها متاعا خاصا لهم، يميزهم عن غيرهم من الفئات الاجتماعية. ولكنهم بقدر ما يستخدمونها وسيلة للإقصاء يحكمون على أنفسهم أيضا وعقيدتهم بالإقصاء من المجتمع والعيش في معازل هامشية.
لا يمكن أن تكون العلمانية هي نفسها عقيدة فئة لوحدها، وتسمح في الوقت نفسه للناس بتجاوز مواقفهم العقائدية. ولا أن تكون هوية جماعة خاصة، وفي الوقت نفسه قاعدة لجمع الأمة بأكملها تحت ظل سلطة قانونية. فعندما تصبح هوية وعقيدة لا يمكن أن تؤسس لمعرفة موضوعية مستقلة عن أحكام القيمة الايديولوجية، ولا مبدأ ناظما لدولة سياسية تؤلف بين جميع أصحاب العقائد وتوحد بينهم، الدينية منها والعقلية. والواقع أن العلمانية لا تملك أي مضمون عقائدي، بحد ذاتها. ومن كانت هويته العلمانية فلا هوية له. إنها موقف من العقيدة والهوية. والذين يحولونها إلى عقيدة يخلطون بينها والفلسفة اللادينية. فمن المفروض أن يستطيع المتدين ان يقول عن نفسه ويكون بالفعل علمانيا، وإلا فليس للعلمانية قيمة ولا مبرر على الإطلاق. فهي ممكنة فقط بانضمام المؤمنين لمبدئها، وليست ممكنة أطلاقا بعزلهم أو استبعادهم. ففي هذه الحالة لن تكون مبدأ للحرية وإنما للاضطهاد والقهر الروحي والديني. وسوف تكون نتائج تطبيقها معاكسة تماما لما نشأت من أجله. وهو ما نلاحظه بالفعل في بلادنا حيث يترافق انهيار الضمير والانحلال الفكري مع تفاقم مسألة الحرية وتعميم الاضطهاد وما يعنيه من قتل الذاتية.
هذا ما تشير إليه التجارب التاريخية نفسها. فقد انضم تيار كبير من رجال الدين الشباب إلى الفكرة وأيدوا الفكرة العلمانية، ليس من باب التخلي عن وظيفتهم أو ايمانهم الكاثوليكي، وإنما اعتقادا بأن العلمانية لا تنفي الايمان والاعتقاد، ولا تشكل هي بحد ذاتها ايمانا جديدا، وإنما تنظم العلاقة بين أصحاب الاعتقادات المختلفة على أساس الحرية، أي تأسيس دولة تضمن الحرية للجميع، وتستطيع تحقيقها، بالرغم من اختلاف الآراء. وهذا هو المكسب التاريخي الحقيقي الذي مكن من نشوء الدولة الوطنية، القائمة على الخيار الحر والإرادة الحرة لأعضائها جميعا، مختلفة عن الجماعات أو الأمم الدينية التقليدية التي كانت تتأسس على غلبة جماعة على جماعات أخرى، ولا تستمر إلا مع استمرار هذه الغلبة، وما تنطوي عليه من قبول الجماعات المغلوبة الخضوع والانصياع لإرادة الغالب والتكيف مع عقائده ومطالب سيطرته.
لا يعني نقد العلمانية اليوم، سوى الفصل الكامل والنهائي بينها وبين اللادينية التي تشكل العقيدة الحقيقية لجزء من النخبة الثقافية العربية والعالمية معا. ولا يتضمن هذا الفصل ولا ينبغي أن يتضمن أي مساس بشرعية اللادينية كفلسفة وكهوية جمعية، ولا بحق أصحابها في العمل بحرية داخل الفضاء الاجتماعي، فكرا وتنظيما وصراعا لتحقيق أهدافها وغاياتها. بل إن العكس هو الصحيح. إن هذا الفصل هو شرط انعتاق الفكرة اللادينية والممارسة العلمانية معا. فالتستر وراء مبدأ العلمانية لم يضعف شروط تحقق الفكرة اللادينية فحسب، ولكنه حرمها أيضا من الطموح إلى انتزاع مشروعيتها في حقل الثقافة العربية، وقلل فرص تطويرها في إطار مناظرة عقلية شفافة وضرورية. وليس هناك سوى التقدم على طريق العلمانية الحقيقية، وما يعنيه من تخلي العلمانوية أو اللادينية عن فكرة الدولة العقائدية التي تبشر بعقيدة العقل ضد الظلامية الدينية، تماما كتخلي أصحاب الفكرة الدينية عن السيطرة على الدولة وتحويلها إلى أداة لفرض عقيدتها على الجميع، سبيلا للخروج من الحرب العقائدية وفتح باب المعرفة العلمية. فاحترام حق المؤمنين بالتمسك بايمانهم والاعتراف بأصالة هذا الايمان وشرعيته ولا جداليته هو شرط فرض حق اللامتدينين بالتمسك باعتقادهم والاعتراف بأصالته وشرعية وجوده الذي لا يجادل فيه أيضا.
وبالمثل، إن تحرير العلمانية من اللادينية، وإخراجها من الشرنقة العقيدية، هو شرط تعميمها كمبدأ تنظيم سياسي يتجاوز الاعتقادات الدينية وغير الدينية، ويصب في بناء جماعة سياسية سميت في العصر الحديث، امة دولة، لا يمنع اختلاف الناس في اعتقاداتهم في ظلها من اتحاد إرادتهم وتفاهمهم واتفاقهم على بناء إطار للحياة الجماعية، ساهم أكثر من أي إطار سابق في تفجير طاقات المجتمعات الأخلاقية والفكرية والسياسة والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تجديد النظم الاعتقادية التقليدية وإحيائها.
وهذا هو أيضا شرط تحقيق الفصل بين العقيدة والمعرفة، أي بناء أسس مناظرة معرفية موضوعية جدية، من جهة، وتحرير الرأي العام من نير التحالف الموضوعي بين الطغيان السياسي الممثل بالسلطة الاستبدادية، والطغيان الفكري الممثل بسيطرة الخطابات الدينية. وطالما بقي الاختلاط بين المعرفة والعقيدة، واستمر الدعم المتبادل بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، أي التفاهم بين النخب الدينية والنخب السياسية ضد الحرية، فلن يكون هناك امل في الخروج من الحالة القائمة التي تفرض على الجميع البقاء ضمن حدود أقليات هامشية، اللادينيين، والدينيين، الاسلاميين والعلمانيين، الأكثريات والأقليات، لصالح فئات سيطرة غاشمة ومحدودة، لا تحتاج لضمان سيطرتها إلى إقناع الرأي العام ولا موافقته، وإنما تستطيع أن تؤمن ذلك من خلال تذرر المجتمعات وتحلل عراها، واستخدام القوة المجردة والارهاب للقضاء على تيارات المقاومة والمعارضة والاحتجاج الضعيفة فيها.
تقف العلمانية في مقدمة المعركة من اجل الحرية ومنها تستمد مشروعية وجودها. ولن يكون لها مستقبل في العالم العربي إلا بقدر ما تساهم في هذه المعركة وتعمل على الانتصار فيها. ويتطلب هذا من العلمانيين رفض أي مشاركة في المؤامرة ضد الحرية ، لا من خلال دعمهم للنظم الاستبدادية والتغطية على استبدادها وتزيينه، أو رش السكر عليه بتحويله إلى حاجز ضد الظلامية، ولا عن طريق اغتيال المعرفة الموضوعية وإخضاعها للعقيدة واحكامها الذاتية والمصلحية، وللمصالح السياسية.
هل يعني هذا أن صعود الحركات الاسلامية لا يهدد العلمانية او أن العلمانية تستطيع أن تستوعب نمو الحركات الإسلامية. بالتأكيد تشكل الحركات الاسلامية تحديا تاريخيا لفكرة العلمانية وممارستها معا. بيد أن الجواب على هذا التحدي لا يكون بالتخلي عن روح العلمانية والقيم التي تبرر وجودها وتؤسس شرعيتها، وإنما بالعكس في إظهار العلمانية بمظهرها الحقيقي الحيادي الذي يشجع الناس على تجاوز نزاعاتهم العقائدية المنتمية للماضي، ويقدم لهم فكرة تساعدهم على الاتحاد او التفاهم لانقاذ الحاضر، أي لبناء حياة قائمة على الاعتراف بحرية الجميع والمساواة بينهم وتضامنهم.
لهذا تستحق العلمانية أن نعود إليها اليوم ونراجعها ونعيد بنائها، أي أن ننقدها. لأنها المفهوم الوحيد الذي يمكننا من التمييز بين الموقف الاعتقادي والموقف المعرفي، ويسمح لنا بانتزاع ساحة جديدة مستقلة عن الايديولوجية نقيم عليها أساس تفاهمنا الجديد، من وراء العقائد العقلانية والأديان السماوية. وليس هناك أي مفهوم آخر يستطيع أن يقوم بذلك. فهي وحدها التي تقدم مفهوما دون مضمون عقائدي، بينما لا يمكن تصور العقلانية إلا كفلسفة أو رؤية مرتبطة بقيم واحكام وتوجهات تشكل اختيارا خاصا لفئة من المجتمع. العلمانية هي الوحيدة التي لا تؤسس لاختيار قيمي آخر سوى حرية الاختيار، وضمان هذه الحرية بإجراءات قانونية وسياسية واحدة، ومنطبقة على جميع أصحاب العقائد بالتساوي.
في هذه الحرب الايديولوجية التي تدمر اليوم أسس وجود الدول والتنظيمات المدنية العربية جميعا، أو تهدد بتدميرها، ليس هناك سوى صيغة الحرية المكفولة للجميع، وسيلة لتطمين الأفراد على عقائدهم ووجودهم، وتحويلهم عن الاقتتال إلى التفاهم والتعاون. وكما أن أصالة العلمانية تنبع مما تقدمه من فرص لتوحيد المختلفين في العقيدة، وبالتالي توسيع دائرة التحالف الضروري لتحطيم نظام الوصايات المتعددة، الذي هو في الوقت نفسه نظام الاقتتال، فإن تحويلها إلى عقيدة وفرضها بالقوة أو تحويلها إلى عقيدة معادية للدين والفكر الديني، يزيل عنها كل السمات التي جعلت منها أداة لتوحيد المختلفين وتجاوز تعددية المذاهب والاعتقادات، ويقوض لا محالة أسس شرعيتها ومبرر وجودها.
باختصار، العلمانية من دون حراسة قيم الحرية والمساواة والعدالة، يمكن أن تتحول اليوم في البلاد العربية إلى أكبر عقيدة قهرية، أو مشرعة للقهر الجماعي، باسم حداثة ليست في جوهرها ومظاهرها نفسها أحيانا سوى قرسطوية مقنعة ببهارج عصرية لا تخدع احدا. فهي حداثة سالبة للانسان ومعطله لضميره وعقله وجسده، ومستلبة لحرياته وإرادته، معادية لفكرة الحق والقانون والمسؤولية الفردية والجماعية معا.
ولذلك كما ينبغي أن نرفض الاختباء وراء شعارات العلمانية لتبرير الحرب ضد الحرية أو للمحافظة على نظم القهر والاستبداد، ينبغي أن ننكر أيضا القطيعة التي عمل الاسلاميون والعلمانيون الكاذبون على فرضها على المجتمعات. وأن نطرح بالمقابل مفهوم الدولة المدنية المحايدة عقائديا، والتي تحترم حريات الجميع وعقائدهم. وبالمثل، كما ينبغي علينا أن لا نتخلى عن واجبنا في الدفاع عن حرية القوى والحركات السياسية والمدنية جميعا ضد سياسات القمع والاضطهاد، علينا أن لا نتردد في توجيه النقد لهذه القوى والحركات، حينما تظهر عداءا لحرية الرأي والاعتقاد، أو تسعى إلى فرض هيمنتها على الآخرين والإساءة إليهم او تشويه صورتهم لدى الرأي العام. وهذا يعني أننا لا ينبغي أن ننتظر تطبيق الدولة لمبدأ العلمانية حتى نلتزم به، وإنما أن نطبقه نحن منذ الآن على انفسنا وفي ساحة العمل العام، فنكف عن اتهام بعضنا البعض الآخر، أو التشهير به، أو تخوينه او تكفيره، ونعترف بشرعية تعددية وجهات النظر وأصالتها، ونقبل بنسبية المعرفة، بما في ذلك مفاهيم العلمانية والحرية والمساواة والعدالة والقومية والوطنية وجميع المفاهيم الأخرى، وتحولاتها وتبدل دلالاتها أيضا. وهو شرط قبول الآخر والتسامح بين الأطراف المتباينة في النظر. فليس هناك علمانية ولا حرية يمكن أن تعيش بغياب مفهوم الحد الادنى من النسبية. وهذا هو أيضا أساس بناء حقل المعرفة العلمية القائمة على افتراض حد كبير من إمكان التفاهم والتواصل بين بني الانسان، من وراء أفعال الايمان والاختلافات العقائدية.
باختصار، كما يشكل فصل العلمانية عن اللادينية شرطا لإعادة مفهوم العلمانية إلى ذاته كمبدأ حرية، يشكل تحرير العلمانية من توظيفاتها الايديولوجية شرطا لتعميمها واستبطانها من قبل الجمهور وتحويلها إلى قاعدة لحياة سياسية وثقافية وأخلاقية ثرية "ومستقيمة، في الدولة والمجتمع على حد سواء.

العودة للمقال الأصلي
من أجل علمانية إنسانية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=110200

mardi, novembre 12, 2013

غواية الطائفية في سورية والبلاد العربية جريدة الاتحاد 29 مارس 2006

بالرغم من المقاومة القوية التي أظهرتها الشعوب العربية لمشعلي الفتن الطائفية في السنوات الأخيرة، في العراق وغيره، إلا أن الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها أطراف متعددة، رسمية واهلية، من الخارج والداخل معا، تدفع بشكل متسارع نحو جعل المخرج الطائفي حتمية لا تقاوم في العديد من أقطار العالم العربي. بل إن هناك من بدأ يتحدث بصراحة عن مخاوف انجرار المنطقة برمتها إلى نزاع طائفي لن تكون نتيجته سوى الدمار المعمم. وشيئا فشيئا يكاد الرأي العام العربي يستسلم في بعض الأقطار، بل في أكثرها، لفكرة قبول النزاعات الطائفية كما لو كانت عاهة ولادية مرتبطة ببنية المجتمعات العربية وثقافتها.

والواقع ليس لهذا الانجرار وراء المخرج الطائفي أي علاقة بوجود تعددية دينية أو حتى حساسيات وحزازات قديمة بين الطوائف المتواجدة منذ قرون طويلة على الأرض نفسها. فكما يمكن أن تقود التعددية إلى التعايش المثمر والمثري والمبدع، كما أظهرت ذلك قرون طويلة من الحكم العربي، ليس في اسبانيا وحدها ولكن في بلاد المشرق جميعها، يمكن أن تقود أيضا إلى النزاع وتشريع القتل المأساوي على الهوية. وبعكس ما يعتقد الكثيرون، ليس لهذا النزاع علاقة بطبيعة العقائد ومضمونها واختلافاتها وإنما بالظروف التي تشرط حياة الجماعات وتحدد علاقات واحدتها بالأخرى. فمن الممكن أن تكون العقائد متباينة تماما بين الأطراف ويكون التعايش كبيرا في ما بينها، كما أن من الممكن أن يولد النزاع بين جماعات تنتمي إلى الأصول ذاتها ولها منظومات عقائد وأعراف وتقاليد واحدة، كما تبرهن على ذلك الصراعات التي غالبا ما تندلع داخل القبائل والعشائر والطوائف، بل والعائلات نفسها.
وهكذا، عندما عززت حقبة الاستقلال الانخراط في العالم الحديث وخلقت آمالا كبيرة بالتقدم والارتقاء لدى الجميع، وفي جميع المجالات، ولدت حركة وطنية وقومية واسعة وحدت بين جميع الاطراف ودفعت إلى تجاوز الانقسامات التاريخية الطائفية والأقوامية والاندماج في كل وطني حديث واحد. وبالعكس، يغذي الانسداد والجمود الذين تقود إليهما نظم متحجرة ولا إنسانية، وما ينجم عنهما من حرمان الجميع من فرص التقدم والارتقاء، شعورا عميقا بالاحباط والخوف وانعدام الثقة يشجع الجماعات والأفراد معا على التحلل من قيم التضامن الإنسانية وعلى القبول بجيمع الطرق والوسائل اللاأخلاقية للخروج مما يبدو وكأنه حالة حصار وموت محقق، بأي ثمن وعلى حساب الجماعات والأفراد الآخرين.
ومن هنا يشكل الخيار الطائفي، بالمعنى الديني والأقوامي معا، التعويض المباشر عن غياب الخيار السياسي، أي الجماعي الوطني. وطالما بدت شروط تحقيق هذا الخيار الأخير مفقودة أو مستحيلة التوليف، تنزع الجماعات إلى الحلول الانفرادية لعلها تجد لنفسها مخرجا لا أمل بايجاده مع الغير. فالطائفية هي رديف إعدام السياسة، والقضاء على روح التواصل والألفة، وتمجيد الوصولية والانتهازية والقائمتين على الأنانية، وانهيار مفهوم القانون، بما يعنيه من احترام الحق والعدل أمام استئثار العصبية العمياء التي تقوم على مبدأ نصرة الأخ ظالما أو مظلوما. وهذه الشروط هي ما تشهده العديد من الاوضاع العربية، حيث تشعر جميع الاطراف بأنها في بداية نفق مظلم طويل لا تعرف إذا كانت ستخرج منه أم لا.
وأول من يبدو عليه الضعف أمام إغواء الطائفية هي تلك النخب التي تحكم منذ عقود طويلة من دون مشاركة ولا قيود ولا التزامات واضحة، والتي تواجه اليوم استحقاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية كبيرة من دون أن يكون لديها أي فرصة لتلبيتها او الرد عليها، في الوقت الذي تخضع فيه لضغوط وتحديات خارجية استثنائية تهدد استقرارها وبقاءها نفسه. فهي محاصرة من الداخل والخارج وخائفة من السقوط والانهيار في أي لحظة. ولهذا يزداد الإغراء عند بعض قادتها بالهرب نحو التعبئة الطائفية، كدرع حماية، ووسيلة للعب على تناقضات المجتمعات، واستخدام فئاتها المختلفة وانقساماتها لدفعها إلى تحييد بعضها بعضا. فبقدر ما تسد هي نفسها باب الخيار السياسي، أي، اليوم، الديمقراطي، للخروج من الأزمة الوطنية الشاملة، وتدرك محدودة وسائل القمع التقليدي، تنزع هذه الجماعات المتسلطة إلى أن ترى في التعبئة الطائفية سلاحا مفيدا لخلط الاوراق من جديد، وإجهاض المجتمع من قواه الاحتجاجية النامية، لعلها تتمكن من الالتفاف على الاستحقاق التاريخي والخروج من الطريق المسدود الذي وضعت نفسها فيه.
لكن النخب الحاكمة أو بعضها ليست الطرف الوحيد الذي يمكن أن يجد في إحياء المنطق الطائفي مهربا إلى الأمام من مشاكله السياسية المستعصية على الحل. إن الضغط الذي تتعرض له قطاعات واسعة من المعارضة السياسية والمدنية في سبيل حرمانها من أي أمل في المشاركة في مصير وطنها بل في التعبير عن نفسها والتواصل مع الرأي العام بأي صورة من الصور، مهما كانت سلمية ومدنية، يهدد بأن يدفع بعض قواها الأكثر استعجالا والأقل حكمة إلى التفكير باستخدام الطائفية لفك عزلتها. وربما اعتقد قسم من أولئك الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ضغوط الحياة اليومية المتزايدة ومراوغات السلطة وقهرها اللاإنساني واللاقانوني، أن بناء عصبية قوية تقف في مواجهة عصبية السلطة هو الطريق الوحيد المتبقية لفرض نفسه على النظام وانتزاع الاعتراف به من دون التعلق بالتدخلات الأجنبية. وحصل مثل هذا في الثمانينات من القرن الماضي وانتهى بكارثة إنسانية في حماة وبكارثة سياسية في سورية بأكملها.
بيد أن المجتمعات نفسها ليست محصنة ضد الاستخدامات الطائفية أيضا. وتدغدغ الطائفية مشاعر العديد من قطاعات الرأي العام التي تعيش في شروط حياة هشة وغير مستقرة وتكاد أن تنهار بين حصار النظم الحاكمة التي تخشى انفجارها فتفرض عليها حكما مطلقا يشلها عن التفكير والحركة، وحصار الرأي العام الدولي الذي يوحد بينها والارهاب ولا يكف عن استفزازها ووضع هوية مجتمعاتها الثقافية والدينية موضع الشك والسؤال. كما تشكل الظروف الصعبة التي تعيشها أغلبية السكان والضغوطات المستمرة التي تتعرض لها، وغياب أفق الحلول الجماعية والسياسية، أي الوطنية، تربة خصبة لنمو المشاعر السلبية عند الأفراد والجماعات، وتوجهها نحو الخيارات التصفوية التي تجعل كل منها تعتقد أنه لا حل لأزماتها المستفحلة والمديدة إلا بالتخلص من الآخر، بتحييده او إقصائه أو القضاء عليه والسطو على حقوقه وموارده. فالحرب الطائفية هي شكل من أشكال حروب التصفية والتطهير العرقية. ونحن مهددون بالانجراف أكثر فاكثر نحو حالة الاحتراب التي تميز المجتمعات الفقيرة والمعزولة والمحاصرة. فندرة الموارد وتصاعد الضغوط وغياب الأمل بالوصول إلى نهاية النفق بالطرق الطبيعية وفي وقت معقول، كل ذلك يشكل مصادر متضافرة قوية لتوليد المنازعات الدموية في كل المجتمعات والأزمان. وبقدر ما يصبح القتال أسلوب الانتاج الرئيسي للثروة والسلطة والجاه تبرز الحاجة إلى بناء العصبية، أي روح الطائفية التي تتغذي من أوهام القربى الدينية أو القبلية أو الثقافية، وتصبح بمثابة اللحمة التي تصهر الأفراد والمجموعات المتميزة في بوتقة واحدة. فلا تقوم الطائفية إلا بعنصرين: بعث الوهم بالمطابقة الكاملة أو التماهي بين أفراد مختلفين بالفعل والأصل رغم انتماءاتهم الدينية او القبلية، بحيث يذوب الفرد بالجماعة ولا يعيش إلا بها، ثم تأكيد الحق في العدوان باسم الدفاع عن الحقوق الجماعية للعصبية الواحدة في مواجهة العصبيات الأخرى. ولذلك مثلما لا تولد العصبية من دون النزاع أو خارج سياقه، لا يمكن للحرب الطائفية أن تندلع وتستمر إلا بقدر ما تنجح في إعادة صهر المجتمع في بوتقة العصبية، أي في إعادة خلقه كعصبيات متماثلة. وما منع هذه الحرب من الانتشار حتى الآن في بلدان كالعراق وسورية بالمقارنة مع لبنان، هو رفض المجتمع بأغلبيته المدنية الانخراط في سياسة العصبية هذه وسعيه إلى استيعاب النزاعات الطائفية من داخل المفاهيم والأطر السياسية. لكن هنا تكمن المشكلة بالضبط. فمع القضاء على مفاهيم السياسة المدنية وأطرها أو تفريغهما من معناهما، وتحت ضغط التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والسياسية والنفسية الراهن، أصبحت هذه المقاومة مهددة بالفعل.
والحال لا تشكل الحرب الطائفية، التي يصعب على أحد اليوم السيطرة عليها إذا اندلعت، مخرجا من أي مأزق قائم، لا مأزق الحكم ولا مازق المعارضة ولا مأزق المجتمع والرأي العام التائه والمتخبط. بالعكس، إنها تعمق ورطة الجميع وكل الأطراف. فهي لن تحرر النخب الحاكمة من مواجهة الاستحقاقات القادمة ولا توفر عليها الاعتراف بحقوق هذه المجتمعات والتزاماتها تجاهها، ومن باب أولى أن تمكنها من استعادة السيطرة عليها. كما أنها لن تعطي للمعارضة أي دفع جديد يساعدها على التغلب على الحصار المضروب من حولها. أما بالنسبة للمجتمع، فهي تقود حتما إلى الدمار العام بقدر ما تهدد وجود الدولة وتبدد موارد البلاد وتعريضها للتهديدات الخارجية. إن المستفيد الوحيد منها هي بالتحديد اسرائيل وشبكات المصالح المافيوزية نفسها التي قادت إلى إفلاس الدولة والسلطة، والتي لا تستطيع أن تنمو وتزدهر وتتحول إلى زعامات تاريخية إلا في مناخ الحروب والأزمات. وأصحابها الذين يحتقرون بالتعريف فكرة وجود التزامات جماعية وقيم تضامن إنسانية وحقوق سياسية وحريات فكرية ويفتقرون إلى أي شعور بالمسؤولية هم المعنيون الوحيدون بتغذيتها وتفجيرها.