mardi, février 17, 2015

حوار مع "أنا برس": لن تنتهي الحرب إلا باتفاق الأطراف الخارجية



الفرقاء السوريون يعملون اليوم بشكل أكبر ضمن تحالفات إقليمية ودولية. الثورة السورية أراد لها الإيرانيون أن تكون انتقاما تاريخيا للفرس من العرب وللشيعة من السنة أوباما لن...
ANA.FM|PAR RADIO ANA

*بداية، السؤال الذي يدور بذهن كل عربي وسوري على وجه التحديد.. أين ومتى الحل تحديدًا لتلك الأزمة المُستمرة منذ 4 أعوام؟.. بيد من ذلك الحل؟.. وهل نُعول على التفاهمات والتداعيات الإقليمية وتغير المواقف؟
غليون :
هذا هو السؤال الأول الذي يطرحه كل سوري وأود أن يعرف كل سوري أن الإجابة عليه متوقفة على السوريين انفسهم أكثر من أي طرف آخر، سواء ما تعلق منها بالتفاهم الوطني في وجه إرادة الاحتلال أو من أجل بلورة رؤية سياسية وعهد وطني جديد.
فالحرب السورية أو على الأراضي السورية أصبحت متعددة الأبعاد، محلية وإقليمية ودولية. ولكل حرب رهاناتها وكلها متداخلة في ما بينها. والفرقاء السوريون يعملون اليوم بشكل أكبر ضمن تحالفات إقليمية ودولية. لن تنتهي الحرب من دون حصول تفاهم أو اتفاق بين الأطراف الخارجية، لكن يمكن للسوريين أن يلعبوا دورا كبيرا في تقصير أمد الحرب والمعاناة إذا نجحوا في توسيع هامش مبادرتهم كسوريين في هذا الصراع بحيث يكون لهم كلمة قوية إن لم تكن الكلمة الأولى في تقرير مصير بلادنا وفي الحرب والسلام، وهذا يستدعي العمل على محورين :
أولا تعزيز قدراتنا السورية الخاصة وشرطه توحيد جبهة المعارضة المسلحة والسياسية من خلال توحيد صفوفها وتنظيمها وتدريبها لتتحول إلى طرف قوي قادر على الوقوف في مواجهة تحالف الأسد القائم على رهن البلاد للاجنبي والعمل على هامش قوى الحرس الثوري الايراني وحزب الله والميليشيات الطائفية الأخرى العراقية والأفغانية والباكستانية وغيرها،
وثانيا العمل السياسي على عزل فريق الأسد المتآمر مع طهران على سورية وحقوق الشعب السوري واستعادة روح الألفة والتفاهم والتضامن الوطني السوري الجامع لكل السوريين.
بذلك نستطيع أن نضغط على الأطراف الأجنبية الأخرى ونفرض عليها أجندتنا الوطنية السورية والتفاهم معنا بدل التفاهم علينا ومن وراء ظهرنا بين بعضها البعض. وإذا نجحنا في ذلك يمكن أن نتقدم بسرعة نحو الحل والخروج من النفق المظلم الذي وضعنا فيه تناسل الحروب المحلية والإقليمية والدولية.
هذا يعني : نحن الأصل ومن عندنا يبدأ الحل. وغيابنا عن قضيتنا وانقسامنا على أنفسنا هو الذي يطيل أمد الحرب ويدخل كل يوم عناصر وقوى وميليشيات جديدة فيها.
من دون ذلك لن يكون هناك أمل في ايجاد أي تفاهم بين القوى الأجنبية المتنازعة علينا، والتي تنظر إلينا كفريسة فحسب.

*أين واشنطن من المعادلة –بوجهة نظرك- وهل تركت الساحة للروس للعب دور ما، بينما هي تتفرغ لملف "داعش".. وما مدى إمكانية قيامها حاليًا أو مستقبلًا بالتنسيق مع النظام في هذا الإطار؟
غليون :
لم تكن سورية في أي حقبة ماضية مركز اهتمام واشنطن. كانت دائما تعتبر في الصف المقابل، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وتغير ايديولوجية النظام البعثي، وسيطرة المافيا المالية الأمنية على مقاليد الأمور في دمشق بشكل نهائي وكامل منذ استلام بشار الأسد السلطة. وعندما اندلعت الثورة ضمن ثورات الربيع العربي لم تكن إدارة أوباما معنية بأي شكل من أشكال الحرب الباردة أو التنافس على النفوذ مع أي قوة دولية أخرى، لا في الشرق الأوسط ولا في العالم. كانت تفكر فقط بإعادة ترتيب أوضاع الولايات المتحدة المالية والاقتصادية والاجتماعية المتهاوية بعد سلسلة من الازمات العميقة والإخفاقات العسكرية المتتالية.
ايدت واشنطن الثورة مثل ما أيدت سياسيا الثورات العربية الأخرى، لكنها لم تلتزم بدعمها. وأمام تصاعد حدة الصراع اضطر أوباما مثله مثل العديد من القادة الأوروبيين الذين يجعلون من الديمقراطية الغطاء الأخلاقي لسياستهم الداخلية والخارجية، من حدة ادانته للنظام بسبب العنف الأعمى الذي قابل به الأسد المتظاهرين السلميين، وفي تصريحات لاحقة استخدم عبارة تنحي الأسد كنوع من تشديد الضغط عليه. لكن الإدارة الأمريكية لم تفكر لحظة في تبني الثورة السورية أو دعمها بهدف تمكينها من الانتصار.
بالمقابل قفز الروس الذين لم ينسوا تهميشهم في العقدين الماضيين من قبل الغرب، كما ظهر ذلك بشكل واضح في العراق وفي ليبيا، وبتشجيع من الايرانيين الذين قرروا دعم الأسد حتى النهاية بالمال والسلاح والرجال للمحافظة على مشروعهم للهيمنة الإقليمية الذي لم يخفوه يوما، على هذه الفرصة الثمينة، واعتبروا إفشال الثورة السورية إفشالا للسياسة الغربية في العالم، من دون أي اعتبار لمستقبل الدولة السورية ومصير شعبها وأهلها وعواقب تدميرها على المنطقة كلها. وأمام هذا الهجوم الروسي الايراني في سورية لم يحرك الأمريكيون ساكنا، وما أرادوا أن يدخلوا في أي حرب باردة فما بالك بالحرب الساخنة، ولا تزال هذه هي سياستهم. أي أنهم قبلوا، هم أيضا، مثل روسيا، التضحية بسورية وشعبها وليس بثورتها فحسب، حتى يتجنبوا خوض مواجهة دولية قرر الروس خوضها، ما دامت على حساب السوريين الموالين وحلفائهم وبتمويل ايراني خالص.
بكل بساطة هرب الأمريكيون من المعركة التي أراد لها الروس والايرانيون أن تكون تحديا كبيرا للإدارة الامريكية، وتركوا السوريين وعرب المشرق المكشوفين كليا فريسة للحرب الايرانية المغطاة سياسيا ودوليا من قبل روسيا. وكانت النتيجة كما نرى اليوم : استمرت الحرب وطال أمدها وتعقد مسارها. من جهة اظهر السوريون مقاومة لا تنفذ لإرادة فرض الايرانيين وجود النظام بالقوة، واستمروا في القتال، وفشل النظام ومن ورائه طهران في حسم الحرب لصالح بقاء الأسد، وفي المقابل لم يساعد تشتت الدعم العربي، وبشكل خاص الخليجي، للثوار على قيام جيش تحرير منظم قادر على الامساك الدائم بالأراضي المحررة، وإدارة شؤونها بشكل مقبول، فبقيت تعيش في حالة من التمزق والفوضى. وجذبت الساحة السورية المفتوحة على كل الحروب منظمة القاعدة المتطرفة لبناء جبهتها الخاصة في البلاد، وتحولت الحرب من معركة سياسية يخوضها شعب عانى الأمرين من ديكتاتورية همجية ودموية مديدة، إلى حروب متعددة، في إطار حرب طائفية ومذهبية أراد لها قادة ايران المتمذهبون أن تكون انتقاما تاريخيا للفرس من العرب وللشيعة من السنة.
أمام هذا الوضع المعقد تضاءل اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية بسورية وثورة السوريين بشكل أكبر. وهذا ما أظهره تراجع الرئيس أوباما في كل مرة عن تهديداته ووعيده، كما حصل مع الخط الاحمر المرتبط باستخدام السلاح الكيماوي من قبل النظام، ثم في ما بعد في الضغط لتطبيق قرارات مجلس الامن المتعلقة بوقف حصار التجويع والقصف بالبراميل العمياء.
تحت ضغط التيارات السياسية الجمهورية المسيطرة في الكونغرس والخائفة على مكانة أمريكا القيادية في العالم وسمعتها، وأمام استغاثات حلفاء أمريكا الإقليميين وقلق الدول الأوروبية، اضطر الرئيس أوباما للخروج على قراره بعدم التورط بأي شكل في الحرب السورية، وقبل بإرسال مستشارين أمريكيين وطائرات لقصف داعش والقوى المتطرفة الاسلامية. لكن مع الحرص البالغ على أن يؤكد أن حرب داعش لا علاقة له بالحرب السورية. ولا يزال الخلاف الرئيسي بين إدارة أوباما والقوى العربية والأوروبية القلقة من استمرار الحرب في سورية يتعلق بالضبط بتحديد أهداف التدخل الجوي الامريكي، وقصره على داعش أو إدخال مهمة دفع النظام السوري إلى تغيير سياساته إليه.
لكن من جهة ثانية، لا أعتقد أن أوباما يستطيع أن يتحمل فضيحة التنسيق مع الأسد، ولا حتى أن يفكر في ذلك. الأسد جثة متفسخة لا مكان لها اليوم من الاعراب في أي سياسة أو اتفاق إقليمي أو دولي، وتستخدم من قبل الروس والايرانيين بشكل خاص للتغطية على مشروع السيطرة والاحتلال لسورية بانتظار المساومات القادمة. إنما لا يوجد شك في أن هناك تنسيقا بين واشنطن والعراق الذي يرسل ميليشياته المذهبية القاتلة إلى سورية لدعم الأسد، وتنسيقا أكبر مع طهران التي تتطلع إلى أن تكون الشريك الرئيسي لواشنطن في الهيمنة على شؤون المشرق كله بعد توقيع الاتفاق النووي مع الخمس الكبار.
ومع ذلك، ليست هذه هي المشكلة وإنما هي مجرد استطالات لها. المشكلة هي أن إدارة أوباما تخلت عن سورية لروسيا وايران، أو بالأحرى لا تزال تعتبر أنها لا التزامات عليها تجاه الشعب السوري حتى لو اقرت ببعض الالتزامات في الحرب ضد الارهاب العالمي. ربما لا يوجد تواطؤ بمعنى التفاهم الضمني أو الرسمي مع موسكو وطهران على قتل السوريين وإحباط مشروعهم التحرري، ولكن توجد جريمة أكبر منه، هي عدم مد يد المساعدة لشعب يتعرض لحملة تطهير مذهبي ولخطر الإبادة الجماعية من قبل تحالف إقليمي ودولي واسع، وفي تحدي سافر لميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات الحرب وحقوق الانسان وكافة القيم والمباديء والأخلاق الانسانية.

*وكيف تُقيّم الجهود الحالية:
-المصرية (حوار القاهرة) وبيانه المتضمن 10 نقاط رئيسية.
-الروسية (مباحثات موسكو).
-المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا.
غليون :
من إدراكهم أن الأمريكيين تركوا المبادرة العسكرية لهم ولحليفتهم ايران في سورية، حاول الروس أن يستغلوا تشتت المعارضة وتخبط الائتلاف الوطني في حقبة سابقة لينتزعوا المبادرة السياسية ويحضروا شروط تفاهم يضمن للأسد ونظامه البقاء في السلطة لقاء مشاركة بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضة، أو التي أفرزها النظام سابقا لتجلس في مقاعد المعارضة بانتظار هذه المناسبة، في حكومة وحدة وطنية. وبالرغم من إفشال المعارضة لهذه المبادرة إلا أن موسكو مستمرة فيها، وهي تأمل في أن تستطيع حشد شخصيات أكثر في مرحلة لاحقة، وما يشجعها على ذلك هو أن المجتمع الدولي لا يزال مشلول الارادة تجاه القضية السورية، والدول الغربية، بما فيها أصدقاء الشعب السوري، غير متحمسين، في غياب إرادة أمريكية واضحة للانخراط، لأي مبادرة عسكرية أو سياسية في سورية، حتى لو تعلق الامر بمجرد دعم الجيش الحر بالسلاح.
بالنسبة لمصر، اعتقد أن مبادرتها بدعوة اطراف من المعارضة للاجتماع في القاهرة كانت من باب الحرص على عدم الغياب عن المسألة السورية وتاكيد وجودها في حال تبلور أي حل سياسي للصراع. وربما جاءت أيضا في سياق تنافس مع موسكو أو تكملة لمبادرتها، لكن فشلها كان نتيجة عدم الإلمام الكافي بالأوضاع السورية، وأوضاع المعارضة بشكل خاص، واستسهال التعامل مع قضية الثورة السورية.
هذا لا يمنع أن بإمكان مصر أن تلعب دورا كبيرا، وهو دور مطلوب من قبل جميع السوريين، من أجل وضع حد للكارثة والتوصل إلى حل يضمن وقف القتال ووحدة سورية واستقلالها والانتقال نحو نظام عادل يضمن الأمن والسلام والمساواة لجميع السوريين. إنما يتطلب ذلك أن تصب الدبلوماسية المصرية اهتمامها على كيفية تحقيق مطالب الشعب السوري وتطلعات أبنائه أكثر من اهتمامها بتعزيز دورها وموقعها في النزاعات الإقليمية والتحالفات الدولية. وهذا هو الموقف الوحيد الذي يجعل من دور مصر في حل الازمة السورية ضروريا وأساسيا في الوقت نفسه.
أما المبعوث الدولي دي ميستورا فهو يدافع عن مهمته لا أكثر ولا أقل، ويريد أن يظهر أنه يحقق شيئا ما، على الأقل كما يقول هو تخفيض وتيرة العنف. وهو في الواقع خارج "اللعبة" أو بالاحرى "الصراع" الذي يجمع اطرافا متعددة كليا، يعيش حلم نجاح ليس له أي أمل في الوجود، بالرغم من انخفاض سقفه إلى أدنى حد.

*وفيما يخص الدور الإيراني، حدثنا عن ماهية ذلك الدور.. وهل يمكن لطهران –وفق تفاهمات إقليمية- بحسب تحليلك، أن تُقدم على التخلي عن الأسد (حال توصلها لحل في ملف النووي)، وأن تُعيد سيناريو تخليها عن نوري المالكي في العراق؟

غليون :
ايران تعتبر أن سورية هي حجر الزاوية في المحور الذي أقامته باسم الهلال الأخضر الذي يربطها بالبحر المتوسط ويضمن لها، مع التمرد الحوثي في اليمن، تطويق الجزيرة العربية ومحاذاة اسرائيل، اي الغرب، والتحول إلى قوة دولية تلعب بالمشرق كله لصالحها، وتحصد لوحدها ريع الأمن والسلام الذي تحلم أن تضمنه للجميع، وبشكل خاص لاسرائيل والمصالح الغربية. حلم ايران ليس أن تكون جزءا من المنطقة ودولة قوية فيها ندا للدول الاخرى، كمصر وتركيا والسعودية وغيرها، وإنما ندا لأوروبة وأمريكا والغرب عامة، وهذا لا يتحقق إلا بسيطرتها على المشرق كله وتحييدها أو شلها لإرادة دوله الكبرى وتحويلها إلى أدوات في يدها. ولذلك هي لا ترى في سورية سوى حجرة تستخدمها في بناء هيكل نفوذ أوسع، وليس لها استراتيجية أخرى لتحقيق أهدافها سوى التخريب من داخل هذه الدول بتبني مطالب بعض أقلياتها المذهبية أو الاجتماعية وبث الفوضى والانقسام فيها.
لا يعني هذا أنها لن تتخلى عن الأسد. الأسد ليس سوى ورقة تستخدمها للتغطية على دورها في بسط سيطرتها على سورية من وراء غلالة شرعية الاسد المنهارة وبالتحالف معه. لكنها تستطيع في أي لحظة أن تتخلى عنه إذا وجدت أن من المفيد، لتأمين هذه السيطرة أو تثبيتها، تغييره. ومنذ الآن نجحت طهران في تغيير نظام الأسد وأحلت محله نظام الحرس الثوري الايراني، وجعلت رئيسه معلقا في الفراغ. وهذا ما يسمح لها بالتوسع من دون حدود في السيطرة العسكرية على البلاد وفرض الأمر الواقع على الأسد نفسه وتحويله إلى دمية تستخدمها لإضفاء نوع من الشرعية المحلية على النظام الجديد الذي أقامته. لذلك لم نعد نسمع في سورية لا عن حزب البعث ولا حتى عن قوة الأجهزة الامنية التسلطية التي يقودها الأسد ويمثلها في قمة السلطة وإنما عن الميليشيات المذهبية المحلية والعراقية والايرانية، وحزب الله اللبناني والسوري، وقوات الباسيج السورية التي بدأ الحرس الثوري الايراني تدريبها على أنقاض ما سمي ب"جيش الدفاع الوطني ».
توقيع اتفاق انهاء الملف النووي مع الغرب لن يخفف من أطماع طهران الإقليمية وإنما يمكن أن يعيد إطلاقها بشكل أكبر إن لم يترافق بإجبارها على وضع حد لطموحاتها وببلورة قوة إقليمية، والمقصود هنا، تحالفا عربيا تركيا يعيد للمنطقة التوازنات الاستراتيجية الضرورية لكبح جماح أي طرف يريد ان يبسط سيطرته على الجميع.
*وفيما يتعلق بتنظيم داعش، بم تفسر إقدّام التحالف على الإعداد لمواجهة بريّة من خلال الجيش العراقي ضد "داعش".. بينما لا يتزامن ذلك الأمر مع سيناريو مماثل في سوريا؟
غليون :
منذ البداية أعلن الأمريكيون الذين يشكلون القوة الرئيسية في الحرب ضد داعش أن مهمتهم هي ضرب داعش في العراق وليس في سورية في هذه المرحلة. وهم يشعرون أن لهم مصالح كبرى في هذا البلد كما ان عليهم، بسبب دورهم في إنشاء النظام، التزامات تجاهه، بالإضافة إلى أن العراق ليس قطرا موضع تنازع مع دول أخرى، كروسيا مثلا، وإنما هو ، وكما تريده إدارة أوباما، مثالا للتعاون المنشود بين واشنطن وطهران.
سورية ليست كذلك. ليس للأمريكيين فيها نفوذ سابق خاص معترف به، وهي موضع تنازع مع الروس ودول أخرى قريبة منهم، وليس من المسلم به أن تكون ساحة تعاون مع طهران. فهي لا تزال ساحة حرب وموضوع تنازع بين أطراف عديدة. وبالتالي لا لا تعتقد واشنطن أن من مصلحتها أن تحتكر القرار فيها أو حتى أن تستثمر في الدفاع عن سورية وتخليصها من محنتها. قتال داعش حتى في سورية مستقل في نظر أوباما عن المسألة السورية تماما. وهذه مشكلتنا أصلا مع هذه السياسة التي تعني التضحية الكاملة بسورية وشعبها.
*هل تعتقد أن التحالف الدولي جاد في سبيل سعيه نحو إنهاء داعش.. وكيف تقيم أدائه العملي؟
غليون :
تشكل داعش تهديدا للغرب والولايات المتحدة بالتاكيد، لكن ليس كبيرا ولا على المدى القصير. و إنهاء داعش ليس مصلحة عاجلة للولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي. وهو ليس من التحديات الخطيرة والكبيرة لها كما يبدو في الاعلام. تستطيع أمريكا أن تقضي عليه حالما تريد، وتحوله إلى بؤر ارهابية صغيرة ليست ذات تأثير كبير. ومن هنا هي ليست في عجلة من أمرها في هذا الموضوع، بالإضافة إلى أنها تستطيع ان تستفيد من داعش ومن الحرب على داعش في الدفع نحو العديد من التسوبات أو نحو خيارات اقليمية يمكن أن تفيدها في المستقبل. التلاعب بقوة داعش لا يزال هو الأولى من القضاء على داعش، ليس بالنسبة لواشنطن فحسب وإنما للعديد من القوى الإقليمية والدولية.
*ما المطلوب -عربيًا- من وجهة نظرك لدعم الثورة السورية؟
غليون :
سورية جزء من الوطن العربي، وعضو مؤسس في الجامعة العربية، وقلب العروبة النابض كما أطلق عليها جمال عبد الناصر، عن حق. وهي بالفعل في مركز القلب من المشرق العربي. تركها تغرق بدمائها وتسقط تحت الاحتلال الأجنبي والميليشيات المذهبية يعني استسلام عربي كامل واعتراف بالفشل، وتعبير عن شلل الإرادة للمجموعة العربية كاملة أمام المخاطر التي تتعرض لها شعوب المنطقة وتشجيع جميع خصوم الدول العربية على التحرش بهذه الدول والاعتداء عليها، بما في ذلك ميلشيات المرتزقة والمجموعات الارهابية، وفي النهاية خسارة كل الجهود التي بذلتها بلدان المنطقة للحفاظ على الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي.
كان على الدول العربية ولا يزال أن تعتبر قضية الحرب الدموية في سورية قضية عربية اولا، وتدعم مبادرتها السياسية - التي تبنتها في ما بعد الأمم المتحدة وتحولت إلى مبادرة أممية فاشلة بسبب غياب آليات العمل وأدوات التنفيذ- بمبادرة عسكرية تفرض على الأطراف السورية الإذعان لمبادئها وشروطها، وتضع حدا لسفك الدماء وتمزيق البلاد وتسابق المجموعات الارهابية والميليشيات المذهبية على السيطرة على أراضيها وإقامة إمارات خاصة فيها.
فأمن سورية هو جزء أساسي من أمن المشرق العربي حقيقة وليس على سبيل المبالغة. وسوف يتأكد ذلك أكثر مع الزمن بعد أن تظهر آثار تساقطات أزمتها على الدول العربية القريبة والبعيدة، بل على العالم أجمع. ويكفي الإشارة منذ الآن إلى الخلل الاستراتيجي الذي أدت إليه بتمكينها طهران وحلفائها من تطويق الجزيرة العربية، وتهميش مصر وشمال أفريقيا وإخراجها من المنطقة، وإطلاق شياطين الحرب المذهبية والطائفية الإقليمية التي تهدد الجميع، وتفكيك نسيج المجتمع السوري ودفع الملايين من أبنائه إلى اللجوء والتشرد والضياع، وما يعني ذلك من كارثة انسانية للسوريين ولعموم المنطقة، من دون الحديث عما أصبحت الأرض السورية تمثله من مرتع لبؤر التطرف الديني وغير الديني ومن قطب جذب لجميع العصابات الدموية إلى المنطقة.
والحال أن الدول العربية استهانت بالصراع السوري، ورمت مسؤوليه حله على الأمم المتحدة مع علمها بأن مجلس الامن معطل ولن يكون هناك أي تدخل دولي. واستمرت في سياسة النعامة خلال سنوات أربع طويلة من دون أي رد فعل، واكتفت بتقديم فتات الدعم المادي والعسكري والسياسي لقوى مدنية تسلحت على عجل، ولم تعرف حتى كيف تساعدها على ضبط تنظيمها وتدريبها وتأهيلها، واستهانت بإرادة الهيمنة الايرانية وتركتها تحقق اهدافها من دون أي رد فعل. فأعلنت طهران سيطرتها على باب المندب وإلحاق اليمن بأمبرطوريتها صراحة وبإرادتها في تطوير مبادرتها العسكرية لتشمل دول الخليج في المستقبل. وبهذا تكون الدول العربية قد فتحت أبوابها لكل المخاطر والتهديدات.
لم يتغير الوضع منذ بداية الثورة السورية إلى الآن، لا يزال المجتمع الدولي مستنكفا عن القيام بأي مبادرة تجاه الصراع السوري، ولا تزال ايران تسعى من خلال ميليشياتها المذهبية وأكثر فأكثر من خلال قواتها الرسمية الخاصة لملء الفراغ، بينما يقف العالم العربي متفرجا على ما يجري، أي على تقويض أسس استقراره وسلامه الوطني والاهلي، وتفجير مجتمعاته من الداخل، حالما بأن يأتي الحل من السماء.
ما كان على العالم العربي أن يفعله لا يزال يحتاج إلى أن ينجز، ولو أن تكاليفه ومخاطره الانسانية والسياسية والعسكرية أصبحت أكثر بكثير. لكن الاستمرار في عدم الفعل لن يحل شيئا ولكنه سيزيد من تفاقم الأزمة والتهديدات الخطيرة النابعة منها ويوسع من دائرة انتشارها على اتساع المشرق العربي وغير العربي.
*وكيف تقيم أداء المعارضة السورية فيما يتعلق بالملفات المطروحة حاليًا؟ ولاسيما الائتلاف الوطني.. والخلافات الدائرة بين أطراف المعارضة السورية المختلفة؟.. وهل تم استبعاد المعارضة وتقليص دورها من قبل الغرب، لمصلحة التنسيق مع النظام بعد تمدد داعش؟
غليون :
ضعف المعارضة المتجسد في تشتتها وبؤس تنظيمها وأدائها هو جزء من المشكلة من دون شك. لكن جذوره ليست مفصولة عن السياق الذي جاءت فيه. فهو أولا ثمرة سياسات العزل والإقصاء والارهاب التي مارستها ديكتاتورية همجية منحطة على المجتمع خلال نصف قرن، وثانيا تخلي المجتمع الدولي عنها وتركها تواجه لوحدها حرب التدخل الأجنبي الايراني وميليشياتها الطائفية الوحشية وغياب روح المبادرة وإرادة الفعل، وثالثا نتيجة الانخراط العشوائي والمتخبط للطرف العربي المنقسم وتهافت رد فعل الجامعة العربية وقبولها بالموت السريري لأحلامها ومشاريعها.
لكن مشكلة المعارضة لا تكمن في الخوف من تخلي المجتمع الدولي عنها او احتمال تنسيقه مع النظام. هذه هي رؤية النظام الهالك للامر. لن يتخلى المجتمع الدولي عنها، ولو لم تكن موجودة لكان عليه أن يخلقها لأنه بحاجة إليها للتوصل إلى أي حل في المستقبل، ولن ينسق الغرب مع النظام لانه لم يعد له وجود، ما دام ينسق مباشرة مع طهران الحاكمة الحقيقية في سورية. لكن هذا لا يعني اي نجاح او انتصار.
مشكلة المعارضة أو بالأحرى التحدي الذي تواجهه هو في تنظيم نفسها وتوحيد صفوفها ووضع الخطط التي تمكنها من العودة إلى مركز القلب من حركة الصراع الدائر في وطنها، والتحكم به لإنهاء محنة الشعب ورسم طريق الخلاص وإخراج البلاد من حالة التمزق والتفتت والانهيار والدمار التي قادت إليها سياسة نظام التبعية والاحتلال.

*وأخيرًا، كيف ترى الجهود الدولية من أجل التعامل مع أوضاع اللاجئين السوريين الصعبة؟
غليون :
ضعيفة ومتخبطة من دون اتساق ولا وضوح، تسير بمنطق ردود الفعل وحل المشاكل يوما بيوم، من دون رؤية شاملة ولا توقع للمستقبل. ولذلك هي تهدد بأعظم المخاطر. وهي تعبير عن الفشل العام الذي أظهره المجتمع الدولي والامم المتحدة في معالجة القضية السورية ولا يزال، وعن الاستهتار غير المسبوق بحياة الانسان السوري ومصيره.
والواقع، كما عالجت الأمم المتحدة المسألة السورية باستخفاف وبأقل جهد ممكن، تعالج نتائجها باستخفاف وبأقل جهد ممكن، وتسعى إلى أن توجد الحلول ساعة بساعة وبوما بيوم، ولا تفكر في مستقبل ملايين البشر الذين فقدوا كل شيء وقبل ذلك الآلاف من أبنائهم وبناتهم وأطفالهم والأجيال العديدة التي أضاعت مستقبلها.

لن تستقيم سياسة دولية لمواجهة أزمة اللاجئين ما لم ترتبط بسياسة دولية موازية لحل المشكلة التي انبثقت عنها مشكلة اللاجئين والعمل بكل الوسائل من أجل إعادة هؤلاء إلى بلادهم وتوفير الامن والسلام لهم في أوطانهم. الحل الوحيد لمشكلة اللجوء هو استعادة الأوطان، في سورية كما هو الحال في فلسطين وكل البلدان.

lundi, février 16, 2015

الذكرى الرابعة لرحيل المخرج السوري عمر أمير لاي راديو أورينت


Publié par Burhan Ghalioun · 16 février, 21:58 · 
د.برهان غليون يتحدث في الذكرى الرابعة على رحيل صديقه المخرج السوري العالمي‫#‏عمر_أميرلاي‬
للإستماع للبث المباشر : WWW.ORIENT-RADIO.NET

vendredi, février 13, 2015

حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق

مقالتي في العربي الجديد

وحشية النظام السوري وسعار آلته الحربية، وهلوسات قادة نظام طهران...
ALARABY.CO.UK|PAR ‎برهان غليون‎
Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012581 StartFragment:0000000476 EndFragment:0000012565
حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق

تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق منذ سنتين تحت حصار وحشي حول حياة سكانها إلى جحيم دائم وهدد ابناءها بالمجماعة ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض منذ أيام إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله.
لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان وهجرتهم وتشردهم، التي اعتبرتها منظمات حقوق الانسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية والقانون الانساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه باطلا الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل للاحتفاظ بالسلطة وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.
ومع ذلك لا يشك أحد في أن المسؤول الأول عن جرائم الحرب التي ترتكب في سورية هو نظام الأسد وحلفاؤه في طهران وموسكو، ومن يتعامل معهم من المرتزقة والوصوليين، في الداخل والخارج.
كما لا يشك أحد في أن قسطا كبيرا من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور يقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تنكر لمباديء ميثاق الامم المتحدة وحقوق الانسان ورفض أن يقدم أي تضحية تذكر من أجل حماية الشعب السوري من جرائم الإبادة الجماعية المستمرة منذ سنوات.
لكن الاعتراف بهذه المسؤوليات والوقوف عندها لن يقدم السوريين في شيء، ولن يساعدهم على الخلاص من محنتهم. ولا بد من التذكير بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على قوى الثورة والمعارضة نتيجة اتباع سياسات جعلت من الصراع في ما بينها وانقساماتها محور نشاطها الأول، وحيدت جزءا كبيرا من قواها وجهدها في المعركة الرئيسية، وشوهت صورتها وسمعتها وأغلقت الكثير من ابواب التضامن والدعم والتعاطف تجاهها. ولا يقلل تقصير العالم بحق السوريين من مسؤوليتنا نحن السوريين الفشل، لأسباب ذاتية وموضوعية، في توفير الشروط الضرورية لتعبئة طاقات شعبنا وتوحيدها لفرض إرادتنا واحترام حقوقنا على العالم. هكذا بقينا نقاتل كل لوحده، ونتنازع في ما بيننا على القيادة والزعامة، ونتقوقع في قرانا وأحيائنا ومدننا. والنتيجة افتقارنا حتى اليوم إلى قيادة موحدة، وخطة وطنية شاملة لتحريك القوى، المسلحة والسياسية، على الساحتين الداخلية والخارجية، واستراتيجية لتفكيك النظام، وتحرير الأرض، واكثر من ذلك مسؤولية خلافاتنا في تقديم ذريعة سهلة للدول حتى تنفض يدها من قضيتنا وتنأى بنفسها عن مساعدتنا، بالرغم من أنها لا تزال تحرص على عدم الاقتراب من نظام أصبح التعاون معه في أي شكل عنوانا للتواطؤ وتهمة للضلوع في الحرب الدموية اللاإنسانية التي يخوضها ضد شعب كان يعتبر شعبه.
ما هو مطلوب اليوم أكثر من الرسائل والنداءات والاسترحام للمجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الانسانية، بعد أن تبين عجزها وشللها وافتقارها لأي نوع من الصدقية. وينبغي أن أقول إن جميع الرسائل المفتوحة وغير المفتوحة التي وجهناها إلى السيد بان كيمون، في الأشهر الأخيرة،بقيت حبرا على ورق، ولم يكلف الأمين العام للأمم المتحدة نفسه حتى بالرد عليها، خجلا أو عجزا أو قلة اعتبار.

لن يتحرك العالم ما لم نبدأ نحن أنفسنا بالتحرك لصالح قضيتنا، ونجبر الآخرين على التحرك معنا لوقف الحرب العدوانية، التي ما كان من الممكن أن تستمر لولا تدخل الدول الاجنبية، وعلى رأسها ايران وروسية، وسكوت المجتمع الدولي عن هذا التدخل الذي تحول إلى تواطء في حرب الابادة السورية.
ولن يهرع أحد من الخارج لنجدتنا ما دمنا نحن أنفسنا غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا البعض. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من قبل الآخرين، ما لم نجعل نحن أنفسنا من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.
يتطلب هذا أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السطة الاجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والانسانية من دون عقاب
ويتطلب ثانيا، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من قبل جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية قادرة على العمل حسب خطط مدروسة على ضوء خطة وطنية عامة لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق حتى الآن ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطرق لكن ببطء شديد.
ويتطلب ثالثا على المستوى السياسي تكوين جبهة عمل وطنية عريضة تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والايديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.
ويتطلب رابعا القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.
باختصار، لم يعد للإدانة السياسية والأخلاقية، ولا للشكوى من تخلي المجتمع الدولي عن قضيتنا وتردد الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة في الانخراط بشكل أكبر في الدفاع عن حقوق السوريين ومستقبلهم أي جدوى أو فائدة. ولن نستطيع أن نواجه الحرب والعدوان المفروضين اليوم علينا ما لم نرتق نحن السوريين جميعا، وعلى رأسهم قوى الثورة والمعارضة، إلى مستوى التحديات التي تواجهنا.
حان الوقت كي ندرك ، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن احدا لن يحمل العبء عنا مهما كان هذا العبء كبيرا وهائلا، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.
وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم منذ نصف قرن نظام العنف والقتل والارهاب، والذي أظهر منذ ثورة آذار ٢٠١١ ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية لن تضعف إرادته ولكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه والتمسك بوطنه وتحريره .

mercredi, février 11, 2015

بيان: حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق


تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق منذ سنتين تحت حصار وحشي حول حياة سكانها إلى جحيم دائم وهدد ابناءها بالمجماعة ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض منذ أيام إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله.
لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان وهجرتهم وتشردهم، التي اعتبرتها منظمات حقوق الانسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية والقانون الانساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه باطلا الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل للاحتفاظ بالسلطة وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.

ولن يجدى المزيد من رسائل الاسترحام والشكوى والاستغاثة أمام طغمة حاكمة فقدت صوابها وعالم فقد ضميره. بل إن جميع الرسائل المفتوحة وغير المفتوحة التي وجهناها إلى السيد بان كيمون، في الأشهر الأخيرة، بقيت حبرا على ورق، ولم يكلف الأمين العام للأمم المتحدة نفسه حتى عناء الرد عليها، خجلا أو عجزا أو قلة اعتبار.
ولن يهرع أحد من الخارج لنجدتنا ما دمنا نحن أنفسنا غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا البعض. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من قبل الآخرين، ما لم نجعل نحن أنفسنا من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.
يتطلب هذا أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السطة الاجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والانسانية من دون عقاب
ويتطلب ثانيا، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من قبل جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية قادرة على العمل حسب خطط مدروسة على ضوء خطة وطنية عامة لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق حتى الآن ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطرق لكن ببطء شديد.
ويتطلب ثالثا على المستوى السياسي تكوين جبهة عمل وطنية عريضة تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والايديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.
ويتطلب رابعا القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.
حان الوقت كي ندرك ، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن احدا لن يحمل العبء عنا مهما كان هذا العبء كبيرا وهائلا، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.
وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم منذ نصف قرن نظام العنف والقتل والارهاب، والذي أظهر منذ ثورة آذار ٢٠١١ ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية لن تضعف إرادته ولكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه والتمسك بوطنه وتحريره .

المركز السوري لدعم القرار الوطني
برهان غليون

mardi, février 03, 2015

التقرير الاستراتيجي السوري السابع: لماذا لا يمكن أن يكون الأسد جزءا من الحل؟



التقرير الاستراتيجي (7)


زحمة مبادرات والنتيجة صفر
لماذا لايمكن أن يكون الأسد جزءا من الحل؟
إذا كان من باب المستحيل تأهيل الأسد لأسباب عديدة أهمها أنه غير قابل للتأهيل، ومنها أن تأهيله يعني استمرار الحرب وانتشارها وتوسع دائرة التطرف والارهاب في المنطقة بأكملها، وثالثا لأن قوى إقليمية كبرى على رأسها تركيا والمملكة العربية السعودية وجزءا كبيرا من أوروبة سوف ترى في مثل هذا العمل تهديدا مباشرا لاستقرارها ولمصالحها الاستراتيجية. ما يمكن أن يخشى منه هو مهادنة الأسد من قبل الولايات المتحدة مسايرة للايرانيين الذين تسعى بكل الوسائل لاستعادة دورهم إلى جانبها، وللتهرب من اي احتمالات تورط في نزاعات وحروب إقليمية أو دولية.
وهذا ما هو قائم منذ أشهر طويلة في الواقع. فقد سحبت الولايات المتحدة فرضية تعديل موازين القوى على الأرض السورية من التداول، ولم تعد تعتبر مساعدة مقاتلي الجيش الحر جزءا من استراتيجية إنهاء الحرب الدائرة هناك منذ أربع سنوات، وأصبحت أكثر اهتماما
بالتنسيق المباشر أو غير المباشر مع ما تبقى من قوى النظام لتشديد الضغط على داعش، وتخلت عن ملف الحل السياسي والمفاوضات السورية السورية لموسكو.
زحمة مبادرات على ساحة الصراع السوري
مع تحول الاهتمام الاقليمي والدولي نحو صعود دور الجماعات الجهادية، وفشل الاستراتيجيات الدولية في احتواء الازمات داخل حدود المنطقة بعد أن أخذت أعمال العنف تطال أهدافاً في أوربا وغيرها – مثل الهجوم الذي استهدف صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية، وتنامي موجات الهجرة عبر البحر الى اوربا، ومع انسدادا آفاق الحلّ السياسي في سورية بعد إخفاق مؤتمر جنيف 2 الذي عُقد في كانون الثاني/ يناير 2014 في تحقيق أيّ تقدم في مسيرة الحل، ووجود حالة استعصاء عسكري على الأرض، بدأت أطراف عربية و اقليمية ودولية بعضها يأخذ شكل مبادرات من منظمات غير حكومية، يروج لمخارج موقَّتة او حلول جزئية، او تسويات تحاول استثمار حالة الاحباط و اليأس من امكانية ايجاد نهاية سريعة للصراع في سورية لتكريس واقع ما عاد بالامكان استمراره و حتى لاعادة انتاج النظام.
Share on Google+Share on LinkedInTweet about this on TwitterShare on Facebook

samedi, janvier 24, 2015

مقابلة مع قناة الآن كانون٢ ٢٠١٥


عن الإرهاب والسياسة والإسلام



برهان غليون

برهان غليون

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض.


  •  
لا تزال تفاعلات عملية "شارلي إيبدو" (7 يناير/كانون الثاني 2015)، والتي راح ضحيتها سبعة عشر شخصاً مستمرة، وسوف تستمر على الأغلب إلى فترة طويلة. وتنكبّ حكومات عربية في أوروبا والعالم العربي على التعديلات القانونية والإجراءات الأمنية الجديدة التي تعتقد أنها ستكون مفيدة لتعزيز دفاعات هذه البلدان ضد الإرهاب والعناصر الإرهابية. ولأنها تتمحور، في الدرجة الأولى، حول تشديد الرقابة ونظم الاستعلامات والردع، فلا بد من أن تقود إلى مزيد من تقييد الحريات، كما حصل بعد كل اعتداء إرهابي، ومن تعزيز الشكوك بالإسلام والمسلمين، خصوصاً في أوساط التجمعات السكانية التي يزيد فيها عدد المسلمين والعرب في الغرب، أو التي تعيش أوضاعاً اجتماعية صعبة. وعلى الرغم من الأصوات الشجاعة التي دانت الخلط بين الإسلام والإرهاب، وحاولت تجنيب المسلمين كجماعة دينية، أو المغتربين منهم، الشكوك والاتهامات السريعة، إلا أن هذا لم يغيّر في طبيعة ردود الأفعال السلبية لدى الرأي العام والجمهور الواسع في الغرب، بل حتى في بعض البلاد العربية. والمقاربة التي تتبناها الأجهزة المسؤولة عن محاربة الإرهاب لا تشجع على حماية المسلمين من مثل هذه الاتهامات التلقائية. فلا تزال الفرضية التي تسير عليها هذه الإجراءات هي ذاتها، منذ عقود، وهي ارتباط الإرهاب بنوع من الفكر الإسلامي المتطرف، وتسليط الأضواء على الجماعات الإسلامية المشكوك بأمرها، وتشديد المراقبة على الشبكات التي تصدر عنها مثل هذه الأعمال.
 

بين الإرهاب والتطرف

مشكلة هذه الفرضيات أنها لا ترى إلا الثمرة من هذه الظاهرة المعقدة المتعددة الأبعاد، ولا تنظر إلى الجذور العميقة التي تغذّي شجرة التطرف، وتشجع على ارتكاب أعمال العنف والاعتداء. فالتطرف لا يقود، حتماً، إلى الإرهاب، أي أن الكلام والتفكير غير الفعل، وجميع من يحملون اعتقادات متطرفة، في الدين أو السياسة أو المجتمع، مسلمين أو غير مسلمين أو ملحدين، لا ينتقلون من القول إلى الفعل بالضرورة، ولا بالسهولة التي قد تخطر على أذهان العاملين في الأجهزة الأمنية. ثم إن الإرهاب ليس مذهبا ولا قضية، لكنه وسيلة توضع في خدمة قضية قد تكون مشروعة أو لا مشروعة. وأنه، لذلك، ليس واحداً، ولا توجد نظرية جامعة للعنف والإرهاب، تبين أن هذه الجماعة الدينية، أو تلك، هي الأكثر استعدادا للتلوث به، أو الانخراط فيه. فللبيئة الاجتماعية والسياسية التي تعيش فيها الجماعات، وللسياق الذي تحصل فيه الاعتداءات، أهمية أكبر بكثير من الأفكار، مهما كانت درجة راديكاليتها، في تحويل سلوك الأفراد أو دفع بعضهم إلى الخروج على القانون، واللجوء إلى العنف الإرهابي، أو غير الإرهابي، كالثورة والتمرد المسلح وغيرهما. وكما أن كل متطرف ليس قابلاً للتحول 
بالضرورة إلى إرهابي فاعل، ذلك أن التجرؤ على العنف والإرهاب يفترض استعدادات نفسية، وتجارب شخصية خاصة، لا يتمتع بها كل فرد، كذلك لا يقود التعصب والتطرف الجماعات، في كل وقت وأية ظروف، إلى الدخول في دورة العنف التي لا تعني تكبيد الخسارة للطرف الآخر فحسب، وإنما أيضاً، القبول بمخاطر كبيرة تجاه الذات، وأحياناً، كما هو الحال في العمليات الإرهابية الفردية، الاستعداد للموت والتضحية بكل شيء.
المقصود من هذا هو القول إن الإرهاب، بعكس الجريمة الجنائية، لا ينفصل عن السياسة، وإن معالجته بعيداً عن سياقه السياسي لا يمكن أن يقود إلى نتيجة نهائية، حتى لو أنه يستطيع، في مقابل ثمن سياسي مرتفع، أن يحد من انتشاره وتمدد شبكاته. وهذا، مع ذلك، أمر مطلوب، لكنه ليس كافياً. فلا ينبغي أن تختلط مواجهة الإرهاب، أي العنف الخارج عن القانون والمرتبط بمواقف نابعة من العقيدة، دينية كانت أم سياسية، مع مواجهة العنف الجنائي العادي، ولا تنفع فيه الإجراءات الأمنية ذاتها. فبينما يصدر العنف الإجرامي عن رغبة أنانية في جلب منافع، أو مصالح، أو متع غير مشروعة، بكل الوسائل، عادة ما يصدر العنف الإرهابي عن غيرية مفرطة، وأحيانا مرضية، يرى فيها الفرد نفسه ممثلاً للجماعة وفادياً لها، ويتوقع أن تنظر إليها الجماعة المرجعية التي يتطلع إلى اعترافها، كعمل بطولة، يرفع من قيمته، ويبرر تضحيته بنفسه، ولا تستقيم إرادة الفعل العنيف وتستبد بالفرد إلا من خلال استبطانه مبادئ وقيماً وأفكاراً، وتماهيه مع حقيقةٍ يعتبرها فوق كل اعتبار، قانوني أو سياسي أو اجتماعي، وتجعل الفاعل على استعداد للقيام بأي شيء لتحقيقها. فالمجرم الجنائي يرتدع عن الفعل، عندما يدرك أن ثمن خرق القانون الذي يقدم عليه أغلى بكثير من الفائدة التي يتوخاها منه، وأن المخاطر أكبر من احتمالات النجاح.

ولهذا، تشكل الإجراءات الأمنية القائمة على تشديد الرقابة والعقوبة رادعاً عن الدخول في الفعل، في حين لا يوجد ردع ممكن أمام شخصٍ نذر حياته لقضية يعتبرها عادلة، واستعد للموت في سبيلها، حتى لو كانت في حقيقتها، وبالنسبة للآخرين، واهية أو خاطئة ومنحرفة.
الفرق بين العنف الجنائي والإرهابي لا يتعلق بالشكل. فهما يستخدمان الأساليب والوسائل ذاتها، وإنما بالمضمون. ومضمون الإجرام والإرهاب على طرفي نقيض. فالأول يتحرك بدافع الأنانية المحض، والثاني بدافع إنكار الذات، أي بدافع مبدئي، ديني أو أخلاقي أو سياسي. وإذا كان من الممكن ردع المجرم عن فعلته، بتعظيم ثمن الانحراف الأناني، لا يمكن ردع الإرهابي عن عمله من دون التأثير على اعتقاداته نفسها، وهذه الاعتقادات ليست مفصولة أبداً عن الجماعة التي ينتمي إليها، وما يعتقد أنها تتوقع منه، والتي لا يقبل المقامرة بروحه في عمل يعتقد أنه يخدمها، إلا من أجل نيل اعترافها وتقديرها. من دون ذلك لا يبقى معنى لعمله، كما أن اندفاعه لصالح الجماعة لا ينفصل عن إدراكه وأعضاء الجماعة للظلم الذي تعاني منه، سواء أكان ظلما متخيلا أم حقيقياً. الإرهاب السياسي فعل يقوم به أفراد خاصون، أو ذوو استعدادات نفسية ووجدانية خاصة، يعتقدون أنهم يفدون بعملهم جماعتهم، ويدافعون عنها في وجه مظالم غير قادرة على ردّها، ولا تملك وسائل مواجهتها بالطرق الطبيعية، النظامية أو القانونية، ويقومون به ضد أعداء يعتقدون أنهم مسؤولون عن الحالة المأساوية التي تعيشها.

سياسة الإرهاب 
ليس للإرهاب موطن محدد، ولا يرتبط بأي عقيدة دينية أو دنيوية. إنه شكل من أشكال الحرب غير النظامية التي مارسها فاعلون من كل الأديان، وفي كل الأماكن والأزمان. وقد ارتبط، منذ القرن التاسع عشر، بالحركات الثورية التي نمت على هامش الثورة الاجتماعية، والآمال التي أطلقتها فكرة الحرية والجمهورية، وما صادفته من قمع وقهر على يد النظم المستبدة، خصوصاً في روسيا القيصرية، وكانت أهم تقنياته اغتيال الملوك أو الوزراء المتهمين بالمسؤولية عن معاناة الشعوب أو التنظيمات السياسية. واستخدمته حركات تحرير شعبية عديدة في البلاد النامية التي لم تكن تملك وسائل المواجهة الحربية النظامية مع خصومها من الدول الاستعمارية. وقد تستخدمه الحكومات في مواجهة التنظيمات السرية للمعارضة، أو حركات الاحتجاج التي تهدد استقرارها، كما تستخدمه النظم السياسية، واحدتها ضد الأخرى.
وفي الشرق الأوسط، استخدم الإرهاب سياسة رسمية لردع الشعوب، وإخضاعها وإجبارها على التسليم بحقوقها، وأنشئت من أجل ذلك، تحت اسم المخابرات أو الحرس الوطني أو الحرس الثوري، منظمات إرهابية بالمعنى الحقيقي للكلمة، مهمتها الرئيسية التنكيل بالأفراد، وتلقينهم درس السيادة والعبودية، وسجنهم ومعاقبتهم والانتقام منهم وتشريدهم لمنعهم من المطالبة بحقوقهم، أو تحويلهم إلى رعايا في دول تحولت هي نفسها إلى إمارات قروسطية، وتحول فيها الحاكم إلى أمير حرب، يحكم بقوة السلاح، وعدد الميليشيات التي يستطيع تمويلها وقيادتها. واستخدم إرهاب الدولة على نطاق واسع، مع وسائل الحرب النظامية وأدواتها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، بل والأسلحة الكيماوية، لإخماد الثورات الاجتماعية، وقتل حركات الاحتجاج أو الثورة، في المهد. كما استخدمته دول ضد دول أخرى بديلاً عن الحرب النظامية.
ونشأ على هامش إرهاب الدولة والإرهاب الرسمي إرهاب مقابل، اندفعت إليه بعض الحركات السياسية. وبمقدار ما تحول الإرهاب إلى وسيلة للحكم، والاستمرار فيه أصبح أيضاً وسيلة للاعتراض، ورفض الاستسلام عند بعض الحركات التي وجدت الطريق مقفلاً أمام التغييرات السياسية. والواقع أن الإرهاب في الشرق الأوسط لم يعد ظاهرة ثانوية، أو فردية، تعبر عن التعصب الأعمى لبعض الأفراد، أو نزقهم، أو كفرهم بالمجتمع والدولة، أو ضيق حيلتهم وأفقهم وضعف تفكيرهم، وإنما سياسة قائمة بذاتها، وكما ذكرت في مقال قديم، صار الإرهاب مختصر الحياة السياسية في هذه المناطق وروحها.
من دون فهم الدوافع السياسية والبيئة التي تنمو فيها الأفكار المتطرفة والمشاريع الإرهابية، والتعمق في تحليل الأزمات التي تدفع إليها، والانسدادات التي تعيشها المجتمعات، وتجعل التفكير في العنف الوسيلة الوحيدة لكسرها في أذهان أفراد كثيرين، وليس فقط في أذهان الفاعلين الإرهابيين، لا يمكن بناء أي استراتيجية فاعلة ومجدية لمقاومة الإرهاب والحد من انتشاره.
وسوف تبقى الأجهزة الأمنية في سباق مع الزمن، تلهث وراء عمليات الإرهاب، بدل أن تستبق أعماله. ولن تتمكن من القضاء عليه، وتجفيف موارده الفكرية والسياسية، طالما بقيت تنظر إليه من منظار الجريمة الجنائية، المرتبطة بانحراف الفرد وأفكاره وعقيدته، لا بمأزق الحياة الاجتماعية والسياسية للجماعة التي يتطلع إلى خدمتها، أو الدفاع عنها. وبالنسبة للمجتمعات العربية الراهنة التي كان الرحالة يصفونها في القرن التاسع عشر بالجبرية والتسليم للقدر والجمود، لم يتحول الإرهاب إلى سياسة، ويتعمم العنف الخارج على القانون، إلا بمقدار ما تحولت السياسة في نظم القهر الداخلية والخارجية إلى جريمة، وصار موت الإنسان أكثر إنتاجاً للمعنى من حفاظه على بقائه.
في هذا السياق، نشأ الإرهاب المنتمي إلى الحركات التكفيرية، وتحول إلى حرب غير نظامية، بل طمح، لأول مرة في التاريخ، إلى أن ينتقل بنفسه من رد فعل على العنف الرسمي أو النظامي، الذي تقوم به دول وحكومات وتكتلات ضد أفراد ومجموعات هامشية أو أقلوية، إلى قوام دولة ومضمونها. وهذه الطفرة في سياسة الإرهاب وفكرته عن نفسه وتنظيمه، هي التي تستحق أن نعمق التفكير فيها، ونصل إلى جذورها الممتدة في السياق الاجتماعي والسياسي والعالمي أيضا. وهذا موضوع مقال آخر.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/19ebfbda-0400-4411-add3-115b73e01940#sthash.SWIOCpgo.dpuf