samedi, janvier 24, 2015

مقابلة مع قناة الآن كانون٢ ٢٠١٥


عن الإرهاب والسياسة والإسلام



برهان غليون

برهان غليون

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض.


  •  
لا تزال تفاعلات عملية "شارلي إيبدو" (7 يناير/كانون الثاني 2015)، والتي راح ضحيتها سبعة عشر شخصاً مستمرة، وسوف تستمر على الأغلب إلى فترة طويلة. وتنكبّ حكومات عربية في أوروبا والعالم العربي على التعديلات القانونية والإجراءات الأمنية الجديدة التي تعتقد أنها ستكون مفيدة لتعزيز دفاعات هذه البلدان ضد الإرهاب والعناصر الإرهابية. ولأنها تتمحور، في الدرجة الأولى، حول تشديد الرقابة ونظم الاستعلامات والردع، فلا بد من أن تقود إلى مزيد من تقييد الحريات، كما حصل بعد كل اعتداء إرهابي، ومن تعزيز الشكوك بالإسلام والمسلمين، خصوصاً في أوساط التجمعات السكانية التي يزيد فيها عدد المسلمين والعرب في الغرب، أو التي تعيش أوضاعاً اجتماعية صعبة. وعلى الرغم من الأصوات الشجاعة التي دانت الخلط بين الإسلام والإرهاب، وحاولت تجنيب المسلمين كجماعة دينية، أو المغتربين منهم، الشكوك والاتهامات السريعة، إلا أن هذا لم يغيّر في طبيعة ردود الأفعال السلبية لدى الرأي العام والجمهور الواسع في الغرب، بل حتى في بعض البلاد العربية. والمقاربة التي تتبناها الأجهزة المسؤولة عن محاربة الإرهاب لا تشجع على حماية المسلمين من مثل هذه الاتهامات التلقائية. فلا تزال الفرضية التي تسير عليها هذه الإجراءات هي ذاتها، منذ عقود، وهي ارتباط الإرهاب بنوع من الفكر الإسلامي المتطرف، وتسليط الأضواء على الجماعات الإسلامية المشكوك بأمرها، وتشديد المراقبة على الشبكات التي تصدر عنها مثل هذه الأعمال.
 

بين الإرهاب والتطرف

مشكلة هذه الفرضيات أنها لا ترى إلا الثمرة من هذه الظاهرة المعقدة المتعددة الأبعاد، ولا تنظر إلى الجذور العميقة التي تغذّي شجرة التطرف، وتشجع على ارتكاب أعمال العنف والاعتداء. فالتطرف لا يقود، حتماً، إلى الإرهاب، أي أن الكلام والتفكير غير الفعل، وجميع من يحملون اعتقادات متطرفة، في الدين أو السياسة أو المجتمع، مسلمين أو غير مسلمين أو ملحدين، لا ينتقلون من القول إلى الفعل بالضرورة، ولا بالسهولة التي قد تخطر على أذهان العاملين في الأجهزة الأمنية. ثم إن الإرهاب ليس مذهبا ولا قضية، لكنه وسيلة توضع في خدمة قضية قد تكون مشروعة أو لا مشروعة. وأنه، لذلك، ليس واحداً، ولا توجد نظرية جامعة للعنف والإرهاب، تبين أن هذه الجماعة الدينية، أو تلك، هي الأكثر استعدادا للتلوث به، أو الانخراط فيه. فللبيئة الاجتماعية والسياسية التي تعيش فيها الجماعات، وللسياق الذي تحصل فيه الاعتداءات، أهمية أكبر بكثير من الأفكار، مهما كانت درجة راديكاليتها، في تحويل سلوك الأفراد أو دفع بعضهم إلى الخروج على القانون، واللجوء إلى العنف الإرهابي، أو غير الإرهابي، كالثورة والتمرد المسلح وغيرهما. وكما أن كل متطرف ليس قابلاً للتحول 
بالضرورة إلى إرهابي فاعل، ذلك أن التجرؤ على العنف والإرهاب يفترض استعدادات نفسية، وتجارب شخصية خاصة، لا يتمتع بها كل فرد، كذلك لا يقود التعصب والتطرف الجماعات، في كل وقت وأية ظروف، إلى الدخول في دورة العنف التي لا تعني تكبيد الخسارة للطرف الآخر فحسب، وإنما أيضاً، القبول بمخاطر كبيرة تجاه الذات، وأحياناً، كما هو الحال في العمليات الإرهابية الفردية، الاستعداد للموت والتضحية بكل شيء.
المقصود من هذا هو القول إن الإرهاب، بعكس الجريمة الجنائية، لا ينفصل عن السياسة، وإن معالجته بعيداً عن سياقه السياسي لا يمكن أن يقود إلى نتيجة نهائية، حتى لو أنه يستطيع، في مقابل ثمن سياسي مرتفع، أن يحد من انتشاره وتمدد شبكاته. وهذا، مع ذلك، أمر مطلوب، لكنه ليس كافياً. فلا ينبغي أن تختلط مواجهة الإرهاب، أي العنف الخارج عن القانون والمرتبط بمواقف نابعة من العقيدة، دينية كانت أم سياسية، مع مواجهة العنف الجنائي العادي، ولا تنفع فيه الإجراءات الأمنية ذاتها. فبينما يصدر العنف الإجرامي عن رغبة أنانية في جلب منافع، أو مصالح، أو متع غير مشروعة، بكل الوسائل، عادة ما يصدر العنف الإرهابي عن غيرية مفرطة، وأحيانا مرضية، يرى فيها الفرد نفسه ممثلاً للجماعة وفادياً لها، ويتوقع أن تنظر إليها الجماعة المرجعية التي يتطلع إلى اعترافها، كعمل بطولة، يرفع من قيمته، ويبرر تضحيته بنفسه، ولا تستقيم إرادة الفعل العنيف وتستبد بالفرد إلا من خلال استبطانه مبادئ وقيماً وأفكاراً، وتماهيه مع حقيقةٍ يعتبرها فوق كل اعتبار، قانوني أو سياسي أو اجتماعي، وتجعل الفاعل على استعداد للقيام بأي شيء لتحقيقها. فالمجرم الجنائي يرتدع عن الفعل، عندما يدرك أن ثمن خرق القانون الذي يقدم عليه أغلى بكثير من الفائدة التي يتوخاها منه، وأن المخاطر أكبر من احتمالات النجاح.

ولهذا، تشكل الإجراءات الأمنية القائمة على تشديد الرقابة والعقوبة رادعاً عن الدخول في الفعل، في حين لا يوجد ردع ممكن أمام شخصٍ نذر حياته لقضية يعتبرها عادلة، واستعد للموت في سبيلها، حتى لو كانت في حقيقتها، وبالنسبة للآخرين، واهية أو خاطئة ومنحرفة.
الفرق بين العنف الجنائي والإرهابي لا يتعلق بالشكل. فهما يستخدمان الأساليب والوسائل ذاتها، وإنما بالمضمون. ومضمون الإجرام والإرهاب على طرفي نقيض. فالأول يتحرك بدافع الأنانية المحض، والثاني بدافع إنكار الذات، أي بدافع مبدئي، ديني أو أخلاقي أو سياسي. وإذا كان من الممكن ردع المجرم عن فعلته، بتعظيم ثمن الانحراف الأناني، لا يمكن ردع الإرهابي عن عمله من دون التأثير على اعتقاداته نفسها، وهذه الاعتقادات ليست مفصولة أبداً عن الجماعة التي ينتمي إليها، وما يعتقد أنها تتوقع منه، والتي لا يقبل المقامرة بروحه في عمل يعتقد أنه يخدمها، إلا من أجل نيل اعترافها وتقديرها. من دون ذلك لا يبقى معنى لعمله، كما أن اندفاعه لصالح الجماعة لا ينفصل عن إدراكه وأعضاء الجماعة للظلم الذي تعاني منه، سواء أكان ظلما متخيلا أم حقيقياً. الإرهاب السياسي فعل يقوم به أفراد خاصون، أو ذوو استعدادات نفسية ووجدانية خاصة، يعتقدون أنهم يفدون بعملهم جماعتهم، ويدافعون عنها في وجه مظالم غير قادرة على ردّها، ولا تملك وسائل مواجهتها بالطرق الطبيعية، النظامية أو القانونية، ويقومون به ضد أعداء يعتقدون أنهم مسؤولون عن الحالة المأساوية التي تعيشها.

سياسة الإرهاب 
ليس للإرهاب موطن محدد، ولا يرتبط بأي عقيدة دينية أو دنيوية. إنه شكل من أشكال الحرب غير النظامية التي مارسها فاعلون من كل الأديان، وفي كل الأماكن والأزمان. وقد ارتبط، منذ القرن التاسع عشر، بالحركات الثورية التي نمت على هامش الثورة الاجتماعية، والآمال التي أطلقتها فكرة الحرية والجمهورية، وما صادفته من قمع وقهر على يد النظم المستبدة، خصوصاً في روسيا القيصرية، وكانت أهم تقنياته اغتيال الملوك أو الوزراء المتهمين بالمسؤولية عن معاناة الشعوب أو التنظيمات السياسية. واستخدمته حركات تحرير شعبية عديدة في البلاد النامية التي لم تكن تملك وسائل المواجهة الحربية النظامية مع خصومها من الدول الاستعمارية. وقد تستخدمه الحكومات في مواجهة التنظيمات السرية للمعارضة، أو حركات الاحتجاج التي تهدد استقرارها، كما تستخدمه النظم السياسية، واحدتها ضد الأخرى.
وفي الشرق الأوسط، استخدم الإرهاب سياسة رسمية لردع الشعوب، وإخضاعها وإجبارها على التسليم بحقوقها، وأنشئت من أجل ذلك، تحت اسم المخابرات أو الحرس الوطني أو الحرس الثوري، منظمات إرهابية بالمعنى الحقيقي للكلمة، مهمتها الرئيسية التنكيل بالأفراد، وتلقينهم درس السيادة والعبودية، وسجنهم ومعاقبتهم والانتقام منهم وتشريدهم لمنعهم من المطالبة بحقوقهم، أو تحويلهم إلى رعايا في دول تحولت هي نفسها إلى إمارات قروسطية، وتحول فيها الحاكم إلى أمير حرب، يحكم بقوة السلاح، وعدد الميليشيات التي يستطيع تمويلها وقيادتها. واستخدم إرهاب الدولة على نطاق واسع، مع وسائل الحرب النظامية وأدواتها من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، بل والأسلحة الكيماوية، لإخماد الثورات الاجتماعية، وقتل حركات الاحتجاج أو الثورة، في المهد. كما استخدمته دول ضد دول أخرى بديلاً عن الحرب النظامية.
ونشأ على هامش إرهاب الدولة والإرهاب الرسمي إرهاب مقابل، اندفعت إليه بعض الحركات السياسية. وبمقدار ما تحول الإرهاب إلى وسيلة للحكم، والاستمرار فيه أصبح أيضاً وسيلة للاعتراض، ورفض الاستسلام عند بعض الحركات التي وجدت الطريق مقفلاً أمام التغييرات السياسية. والواقع أن الإرهاب في الشرق الأوسط لم يعد ظاهرة ثانوية، أو فردية، تعبر عن التعصب الأعمى لبعض الأفراد، أو نزقهم، أو كفرهم بالمجتمع والدولة، أو ضيق حيلتهم وأفقهم وضعف تفكيرهم، وإنما سياسة قائمة بذاتها، وكما ذكرت في مقال قديم، صار الإرهاب مختصر الحياة السياسية في هذه المناطق وروحها.
من دون فهم الدوافع السياسية والبيئة التي تنمو فيها الأفكار المتطرفة والمشاريع الإرهابية، والتعمق في تحليل الأزمات التي تدفع إليها، والانسدادات التي تعيشها المجتمعات، وتجعل التفكير في العنف الوسيلة الوحيدة لكسرها في أذهان أفراد كثيرين، وليس فقط في أذهان الفاعلين الإرهابيين، لا يمكن بناء أي استراتيجية فاعلة ومجدية لمقاومة الإرهاب والحد من انتشاره.
وسوف تبقى الأجهزة الأمنية في سباق مع الزمن، تلهث وراء عمليات الإرهاب، بدل أن تستبق أعماله. ولن تتمكن من القضاء عليه، وتجفيف موارده الفكرية والسياسية، طالما بقيت تنظر إليه من منظار الجريمة الجنائية، المرتبطة بانحراف الفرد وأفكاره وعقيدته، لا بمأزق الحياة الاجتماعية والسياسية للجماعة التي يتطلع إلى خدمتها، أو الدفاع عنها. وبالنسبة للمجتمعات العربية الراهنة التي كان الرحالة يصفونها في القرن التاسع عشر بالجبرية والتسليم للقدر والجمود، لم يتحول الإرهاب إلى سياسة، ويتعمم العنف الخارج على القانون، إلا بمقدار ما تحولت السياسة في نظم القهر الداخلية والخارجية إلى جريمة، وصار موت الإنسان أكثر إنتاجاً للمعنى من حفاظه على بقائه.
في هذا السياق، نشأ الإرهاب المنتمي إلى الحركات التكفيرية، وتحول إلى حرب غير نظامية، بل طمح، لأول مرة في التاريخ، إلى أن ينتقل بنفسه من رد فعل على العنف الرسمي أو النظامي، الذي تقوم به دول وحكومات وتكتلات ضد أفراد ومجموعات هامشية أو أقلوية، إلى قوام دولة ومضمونها. وهذه الطفرة في سياسة الإرهاب وفكرته عن نفسه وتنظيمه، هي التي تستحق أن نعمق التفكير فيها، ونصل إلى جذورها الممتدة في السياق الاجتماعي والسياسي والعالمي أيضا. وهذا موضوع مقال آخر.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/19ebfbda-0400-4411-add3-115b73e01940#sthash.SWIOCpgo.dpuf

jeudi, janvier 22, 2015

حول مؤتمر القاهرة لتقسيم المعارضة السورية


بالتنسيق مع موسكو، ومن اجل الاعداد لما أطلق عليه الروس اسم الحوار السوري السوري بين المعارضة ونظ الأسد، تناقليت الصحافة والمعارضة نبأ انعقاد مؤتمر حوار المعارضة السورية في القاهرة في ٢٥-٢٢ من هذا الشهر، من أجل التوصل إلى رؤية واحدة ومشتركة من المفترض أن تساهم في تعزيز دور المعارضة وتمكينها من الدخول قوية ومن دون انقسامات إلى المفاوضات المزمع إجراؤها مع النظام للتوصل إلى حل سياسي يضمن وقف الحرب وعودة سورية إلى السلام والاستقرار.
ما حصل حتى الآن أظهر العكس. فكل المعلومات تشير الى أن مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة ليس مؤتمرا لتوحيد المعارضة وإنما لتقسيمها وزرع الشقاق بين عناصرها وضرب مؤسساتها. فكما عمل الروس في مؤتمرهم الذي أعلن عنه في ٢٦ من هذا الشهر، لم ترسل الدعوة إلى مؤسسات المعارضة وباسمها، وإنما اختير من بين أعضائها الأشخاص المطلوبين، من دون أية معايير منطقية وواضحة، بل حسب وجهات نظر ومواقف معينة، كما لوكأن الهدف تشكيل معارضة بديلة قابلة للسير في الاتجاه الدولي السائد اليوم، وهو التهادن مع الأسد، والقبول بالعمل تحت قيادة التحالف الدولي لمحاربة الارهاب وداعش. وهذا ما يفسر أيضا افتقار المؤتمر لأي إعداد أو جدول أعمال متفق عليه. وبينما كان الاتفاق قائما بين الإئتلاف وهيئة التنسيق على توحيد الوثائق قبل الذهاب إلى المؤتمر، فوجيء الجميع بإرسال الدعوات، في الوقت الذي لم يتمكن فيه رئيس وفد الائتلاف هشام مروة من الحصول على تأشيرة دخول إلى الأراضي المصرية.
يحصد الإئتلاف الثمار المرة لإضاعة سنتين من عمر الائتلاف في المنازعات والمهاترات والانقسامات. ويجد نفسه الآن أمام تحدي إثبات جدارته في تأكيد موقعه الأول كطرف أساسي لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات سياسية قادمة. ويزيد من هذا التحدي تفاهم الروس والمصريين والعراقيين وربما الايرانيين على دفن مؤتمر جنيف والقرارات الأممية التي استند إليها، واستعداد الكثير من أعضاء المعارضة الذين غيبهم الائتلاف في الحقبة السابقة نظرا لما كان يحظى به من اعتراف دولي لتجاوز الائتلاف والعمل لعزله، بما في ذلك أعضاء في الإئتلاف لم يعد لهم النفوذ الذي كانوا يأملونه ويطمحون إليه. يشجعهم على ذلك تراخي التجمع الدولي الذي كان يقف وراء الإئتلاف، باسم اصدقاء الشعب السوري، وميله المتزايد، أمام الإهمال الأمريكي للملف السوري، إلى تخفيض سقف التوقعات، وتقليص الاستثمارات المادية والسياسية في القضية السورية كلها.
ينبغي على المشاركين في هذا المؤتمر أن يدركوا أن ضرب الائتلاف في هذه الفترة لن يحقق أي مطلب سياسي لأحد وإنما ستكون نتيجته الوحيدة إضعاف المعارضة كلها وقطع الطريق على أي حل سياسي عادل يضمن وقف القتال ويقنع القوى الفاعلة على الأرض بالتعاون من أجله. ومن دون تضامن جميع أطرافها لن تستطيع المعارضة أن تقنع الدول الراغبة في التحلل من التزاماتها تجاه الشعب السوري بالاستمرار في دعم المعارضة وتمكينها من لعب دورها المنتظر في التغيير والانتقال بالبلاد من حكم الديكتاتورية الدموية المقيت إلى نظام جديد، يضمن الحد الادنى من التفاهم بين السوريي،ن وإعادة توحيد البلاد، وانتزاع استقلالها وسيادتها في وجه الميليشيات الأجنبية القوية المتنازعة على احتلالها واقتسام مناطق النفوذ فيها.
حتى يكون لقاء المعارضة منتجا ويكون للحوار في ما بين أعضائها وتياراتها معنى وقيمة، ينبغي
١. أن تقوم المعارضة نفسها بالدعوة للقاء والحوار، ولا تترك لأي دولة أو قوة خارجية أن تقوم بما هو من صلب عملها وواجبها كمعارضة.
٢. أن لا تسمح لفريق واحد، مهما كان، أن يحدد أسماء المدعوين للحوار، وإنما أن تتم الدعوة من قبل لجنة تنسيق مؤلفة من ممثلي الكتل والتشكيلات والأحزاب والشخصيات العامة،
٣. أن لا ينعقد المؤتمر من دون وثائق تقوم بإعدادها لجنة الدعوة للمؤتمر ويكون قد اتفق عليها مسبقا.
٤. أن لا تتخلى المعارضة عن وثائق المؤتمر الأول للمعارضة الذي عقد تحت إشراف الجامعة العربية في أواخر ٢٠١٢ وهي الوثائق التي شكلت المرجعية الرئيسية للمعارضة منذ ذلك الوقت، وأساس وحدة موقفها وعملها. وبدل النقاش في إنتاج وثائق جديدة كان من المطلوب استعادتها ومناقشتها لتعديل ما يحتاج إلى تعديل من دون التخلي عنها واستبدالها بوثائق جديدة مما يضعف من صدقية المعارضة نفسها والثقة بالوثائق الجديدة.
٥. ينبغي أن يكون من الواضح أن الهدف ليس توحيد المعارضة فهذا مستحيل اليوم كما كان في السابق لأسباب عديدة. المطلوب توحيد مواقفها وبلورة خريطة طريق وآليات عمل وتنسيق وتعاون.
٦. ومن أجل هذا كان من الأنجع والأكثر انتاجا قصر الدعوة والاجتماع على مجموعة صغيرة بين ٢٥ و٣٠ شخصا يمثلون التيارات والكتل والتجمعات المختلفة للمعارضة لإجراء تقاش معمق حول الوثائق المعتمدة وتعديلها إذا احتاج الامر والخروج ببرنامج سياسي مشترك ومتفق عليه. فليس هناك أي نتيجة محتملة من اجتماع ٧٥ شخصا، خاصة مع انعدام العمل المسبق على وثائق واحدة.
من هنا، يخشى أن لا تكون لمثل هذا الاجتماع نتيجة سوى خروج المعارضة أكثر انقساما وأشد ضعفا، وربما كان هذا هو الهدف المنشود لتسهيل تمرير مخطاطات دفن بيان جنيف والقرارات الدولية الداعمة للانتقال السياسي، في سبيل التمهيد لتسوية تعيد تأهيل النظام في إطار استراتيجية حشد جميع القوى ضد الارهاب. ولا أعتقد أن أحدا من المعارضة الجادة سوف يربح من المشاركة بمثل هذه المؤتمرات والمخططات.

mercredi, janvier 07, 2015

ترجمة مقابلة للدكتور برهان غليون في مجلة "أناليست" معهد دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا التركية


ترجمة للمقابلة التي أجرتها مجلة أناليست لمعهد دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا التركية مع الدكتور برهان غليون ك١، ٢٠١٥
أجرت المقابلة بشرى نور اوزغولير

سؤال:
لم يأت عام ٢٠١٤ بأي تقدم ايجابي أو ذي معنى في التوصل إلى حل للأزمة. وقد وضعت تعقيدات الأوضاع السورية البلاد في حالة مختلفة عن جميع تلك التي شهدتها بلدان الربيع العربي. ما هو الخطأ في سورية؟ هل سبب ماحصل يرجع إلى عوامل تاريخية أو سياسية أو اجتماعية؟
غليون:
ليس هناك في سورية أي خطأ. بالعكس سورية من حيث الثقافة والتكوين السكاني المتنوع أكثر البلدان تاهيلا لشعبها على استخدام لغة الحوار والبحث عن الحلول السلمية والتشجيع على الانسجام وتدوير الزوايا وتجنب النزاعات الداخلية. وتاريخها يكاد يكون خال من مثل هذه النزاعات..
الخطأ موجود في طبيعة النظام السوري القائم أولا، وفي طبيعة تحالفاته ثانيا، وفي ما نسميه بالمجتمع الدولي، أي الأمم المتحدة ومجلس الامن الذين أطهرا فشلا ذريعا في تحمل مسؤولياتهما تجاه الشعب السوري، ثالثا..
فالنظام السياسي السوري الذي ولد من انقلاب عسكري فئوي فقد فيه الشعب السيطرة على مصيره، واحتكرت الحكم طغمة عسكرية مقطوعة عن المجتمع، ما كان يستطيع أن يستمر ويضمن استقراره من دون تأمين قاعدة اجتماعية تابعة له ومفصولة عن الشعب، والعمل على نسج تحالفات أجنبية تمكنه من مقاومة الضغوط الدولية والإقليميه . وهذا ما فعله بالضبط. حيث نجح في أن يتجاوز عزلته الاجتماعية والسياسية بتشكيل قاعدة اجتماعية زبائنية، أي مكونة من جميع أؤلئك الباحثين عن المنفعة الشخصية والذين لا يحركهم أي هم وطني أو أخلاقي، ومعتمدة في تماسكها على نخبة عشائرية مؤلفة من أبناء الجماعات الأهلية التي ينتمي إليها أهل الحكم، من الذين فقدوا ارتباطاتهم الأصلية وأصبحوا في حكم المرتزقة المستعدين لبيع خدماتهم وولائهم لمن يدفع لهم. وكانت النتيجة تشكيل قاعدة اجتماعية من أصحاب المصالح الخاصة والوصوليين الذين يفتقرون للحد الأدنى من الشعور الاجتماعي أو الالتزام السياسي، ولا يهمهم مصير بلدهم أو مستقبله في شيء، كل ما يبحثون عنه هو تعظيم مكاسبهم وتخليد النظام الذي مكنهم من موارد الدولة والبلاد. فلم يعد هناك فرق كبير بين الحكم والغزو، حتى لو كان هذا الغزو هذه المرة داخليا وليس اجنبيا. وهذا ما يفسر تماسك القاعدة الاجتماعية الرئيسية للنظام الحاكم بالرغم من كل الهمجية التي أظهرها قادتها في التعامل مع المجتمع والشعب، والحرب التدميرية التي شنتها قوات الجيش المحلية بالمشاركة مع ميليشيات أجنبية، ولا تزال مستمرة فيها منذ ما يقارب السنوات الأربع..
وإلى جانب الطبيعة الوصولية لهذه القاعدة الاجتماعية، عزز النظام السوري استقلاله عن المجتمع بتحالفات استراتيجية مع طهران التي تطمح إلى لعب دور قيادي في مصير منطقة المشرق التي تعتبرها جزءا من مجالها الحيوي. وأصبح من المعروف اليوم أنه من دون تدخل الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية والايرانية المدربة والممولة والمسلحة من قبل الحرس الثوري الايراني والمعبأة بعقيدة مذهبية وطائفية، كان نظام الاسد قد سقط في منتصف عام ٢٠١٢، عندما وصل الثوار السوريون إلى كفر سوسة، أو إلى أقل من ثلاث كيلو ميترات من القصر الرئاسي في دمشق. ولا يخفي حزب الله ولا المسؤولون الايرانيون أنهم هم الذين انقذوا النظام من السقوط، وأن ميليشياتهم هي التي تخوض الحرب اليوم بدل جيش النظام المتهالك، وأن لهم مطامع شرعية في السيطرة على سورية بوصفها حلقة الوصل بين لبنان حزب الله والعراق والحلقة الضرورية لتكوين ما يسمونه هم أنفسهم في طهران: الهلال الشيعي. ولهم في ذلك أهداف استراتيجية متعددة. أولها فك الحصار الذي ضربه الغرب والولايات المتحدة خاصة عليهم بسبب برنامجهم النووي، وثانيا تهديد بلدان الخليج كجزء من الضغط على الغرب للتنازل في مفاوضات الملف النووي الايراني، وثالثا الاحتفاظ بقوة ردع في جنوب لبنان لمنع الغرب من التعرض للمنشآت النووية الايرانية، ورابعا قطع تركيا عن المشرق العربي من أجل التحكم الاحادي باسواقه وموقعه الاستراتيجي وفرض طهران نفسها فاعلا رئيسيا إن لم تكن الفاعل الوحيد في مصير الشرق الأوسط كله.
لكن العامل الأكبر الذي مكن النظام السوري وايران من تحقيق خططهما والاستمرار في الحرب على الشعب السوري واستخدام أبشع الوسائل والاسلحة المحرمة، بما فيها الكيماوية، من دون عقاب، هو شلل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ونجاح روسية، حليفة النظام وايران، في تحييد القرارات الصادرة عنه بخصوص الأزمة السورية، ودعمها المستمر لحلفائها في دمشق وطهران. فمن دون هذا الشلل الذي فرض على مجلس الأمن ما كان من الممكن للنظام أن يصمد أمام المقاومة البطولية للشعب السوري وما قدمه من تضحيات في سبيل نيل حريته واستقلاله وحقوقه الاساسية.
والكل يعرف اليوم أن هذا التدخل الايراني الواسع والشامل، السياسي والايديولوجي والعسكري والمالي والاعلامي، والدعم الروسي المستمر بالسلاح، هو أصل المشكل وسبب استمرار المأساة السورية
سؤال: في مصر كانت للمعارضة تجربة كبيرة في مواجهة النظام في ا لسنوات العشرة السابقة للثورة. أما في سورية فلم تشهد البلاد سوى ربيعا قصيرا وبعض الجهود المتعلقة بإعلان دمشق، وقد حطمهما النظام بقوة مستخدما استراتيجيات مختلفة. وقد كنتم منخرطين بعمق في كلاهما. لو أردنا الحديث عن تماسك المعارضة السورية، هل تعتقدون أن هذه المعارضة تمتلك رؤية واستراتيجية واضحتين لمواجهة النظام أو هل تعتقدون أن رد فعل المعارضة على النظام كانت مرتجلة خلال موجات الاحتجاج التي أطلق عليها في المنطقة اسم الربيع العربي؟
غليون:
أثير الكثير من النقاش حول ضعف المعارضة السورية وانقساماتها. وهذا صحيح. لكنه السمة المشتركة بين جميع المعارضات الناشئة عن انهيار النظم الشمولية. من طبيعة هذه النظم أن تحرم المجتمعات من التواصل والحوار والنشاط الفكري والسياسي الحر، وبالتالي من تكوين منظمات معارضة متماسكة فكريا وسياسيا وذات قاعدة اجتماعية قوية وثابتة. وفي جميع الحالات تبقى هذه المعارضات معزولة ومحصورة في أقبية تحت الأرض لا يعرفها الناس ولا تعرفهم. وهذا ينطبق على المعارضة السورية.
ومع ذلك، نجحت المعارضة السورية في المرحلة الأولى من تشكيل المجلس الوطني السوري، الذي تشرفت برئاسته في مرحلة انشائه، في ايجاد واجهة وعنوان مرضيين وشعبيين في سورية والعالم للثورة، وبلورت رؤية واضحة وشفافة لسورية المستقبل، كدولة ديمقراطية مدنية تعددية تساوي بين جميع مواطنيها، بصرف النظر عن أصلهم وجنسهم وانتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية. وقد أصدر المجلس الوطني السوري هذه الوثيقة ونشرها تحت اسم العهد الوطني لسورية المستقبل. كما تمكنت المعارضة من عقد مؤتمر موحد في القاهرة تحت رعاية جامعة الدول العربية بتاريخ 3/7/2012، تبنى الوثيقة ذاتها وأصدرها مع بعض التعديلات باسم وثيقة العهد الوطني.
لكن المعارضة السورية لم تتلق الدعم الكافي الذي كان ضروريا لها كي تكون مواكبة في برامجها وخطابها للتحولات الجارية على الارض، ولتطور ديناميات الصراع العسكري والسياسي والاجتماعي ، بعد أن تحولت ثورة السوريين من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة. فقد بقيت المعارضة بعيدة أو مبعدة عن أهم ركيزتين لهذه التطورات على الأرض وهما تسليح وتمويل الكتائب المقاتلة الذي استفردت به دول أجنبية صديقة، وأعمال الإغاثة الانسانية التي ازدادت أهميتها مع استشراس النظام وايغاله في القتل والدمار، والتي تولت شأنها منظمات الإغاثة الدولية. وكان من الطبيعي أن يضعف ذلك موقع المعارضة القيادي، ويثير الخلافات في ما بين أطرافها، ويزيد من تدخل القوى الصديقة في شؤونها، وكذلك من اختراقات القوى العدوة لصفوفها. وفي النهاية، وهذا هو الأهم، أن يباعد بينها كمعارضة سياسية وبين قوى الثورة المقاتلة على الأرض والناشطين المواكبين لها، وأن يقلل، في النهاية، من صدقيتها وتمثيليتها. ومع تراجع الأمل بحسم سريع للصراع، وتردد السياسة الأمريكية، وتخبط تجمع أصدقاء الشعب السوري، بدأت المعارضة أيضا تفقد التفاعل مع الأرض، وظهر التناقض عميقا بين أداء المعارضة الهزيل وكفاح الثوار البطولي على الارض.
:سؤال
لا يزال للنظام حتى الآن قاعدة دعم اجتماعية وسياسية. ما السبب في بقاء تحالف النخب في سورية قويا؟ ولماذا لم تنجح الاحتجاجات في إحداث صدى داخلي وإقليمي ودولي أكبر ؟
غليون:
في ردي على السؤال الأول جزء من الإجابة، عندما تحدثت عن الطبيعة الزبائنية والارتزاقية للقاعدة الاجتماعية للنظام، وعلى رأسها جماعات المصالح العسكرية والأمنية التي أصبحت شريكا رسميا لرجال الأعمال المرتطبين هم أنفسهم بالجماعات الاهلية ذاتها التي ينتمي إليها رجال السلطة. مما شكل طبقة حاكمة ومسيطرة متكاملة، تملك مواردها المستقلة من السلاح والمال والسلطة والنفوذ، التي تمكنها من إخضاع الشعب وحكمه من دون أي حاجة إلى القانون أو التشاور مع ممثليه أو الاستشارة. وهذا ما وحد الدولة ومؤسساتها مع الفئات المالكة والمسيطرة، وحولها إلى إطار لإدارة شؤون الطبقة الحاكمة ودفع بهذه الاخيرة إلى أن تتصرف أكثر فأكثر كمافيا لها ارتباطات قوية إقليمية ودولية. وسأضيف عليها أن الانتهازية والوصولية المشجعة على البحث عن المصالح الخاصة وانعدام التفكير بالمصالح العمومية تحولت خلال أكثر من نصف قرن من الحكم العرفي وقانون الطواريء والقوانين الاستثنائية، إلى ما يشبه الثقافة العامة، وكادت تزول نهائيا عند الناس أي رؤية لمعنى ومفهوم المصالح الوطنية، باستثناء العداء للأجنبي الذي لعب عليه نظام البعث كثيرا ليخفي رهانه على إحياء المصالح الفردية والفئوية والجهوية عامة على حساب الرؤية والمصلحة الوطنية.

وقد أثارت الثورة السورية في بداياتها حماسا كبيرا في الداخل وفي العالم العربي والعالم أجمع. وتشكلت مجموعة أصدقاء الشعب السوري من أكثر من مئة دولة، وساهمت في اصدار قرار من الجمعية العامة يدعم مطالب الثورة ويطالب الاسد بالرحيل )شباط١٦ / فبراير ٢٠١٢ (. لكن مع تردد المجتمع الدولي في اتخاذ اجراءات فعالة ضد نظامي الاسد وطهران التي تورطت منذ الايام الاولى للثورة معه، والتصعيد في الاعمال الوحشية لميليشيات النظام، وما نجم عنها من ظواهر القتل بالجملة والمذابح اليومية وتشريد ملايين السوريين وتفاقم قضية اللاجئين، ثم في ما بعد تطور الأبعاد الطائفية للحرب، وتنامي اعداد التنظيمات المتطرفة مثل القاعدة، وظهور تنظيم الدولة الاسلامية )داعش( التي لعبت دورا مهما في ضرب قوى الثورة المدنية ومساعدة النظام، بدأ الرأي العام العربي والدولي يتغير، ودخل الشك حول اهداف الثورة ومآلها إلى نفوس الكثيرين، بما في ذلك داخل سورية نفسها. وهذا ما كانت تراهن عليه طهران ودمشق لعزل الثورة وتشويه صورتها وإظهارها على انها من صنع منظمات إرهابية وليست ثورة شعبية. ولا شك أنه كان لضعف المعارضة وبشكل خاص لسوء إعلامها دور أيضا في تراجع صورة الثورة وتشوشها عند الرأي العام.
سؤال:
منذ البداية ادعى النظام أن المحتجين كانوا مجموعة من المجرمين بل الارهابيين. وحاول أن يبني واقعا افتراضيا بهذا الخصوص. والآن، بعد أربع سنوات نحن نواجه ظاهر تنظيم الدولة الاسلامية المطابقة للصورة السابقة. ومن الممكن القول إن ادعاءات النظام قد تحولت إلى واقع. هل توافق على هذا القول؟
غليون:
بالفعل عمل النظام السوري كل ما يستطيع من أجل أن يغير صورة الثورة السياسية الديمقراية السلمية التي تحظى بتعاطف العالم، ويشوه سمعتها حتى يسهل عزلها وتبرير الوحشية التي يواجه بها مقاومة الشعب السوري البطولية وصموده. وكانت الاستراتيجية بسيطة وواضحة وهي إتاحة الفرصة بكل الوسائل لنشوء داعش والقوى المتطرفة التي كان على علاقة وثيقة مع الكثير من قادتها منذ أعوام طويلة، وكان قد استخدمها في لبنان وغيره، لكن بشكل خاص، منذ حرب الصحوات عام ٢٠٠٧ ضد القوات الأمريكية في العراق. وكان يكفي من أجل ذلك إطلاق سراح المتطرفين القابعين منذ سنوات في سجن صيدنايا، ثم أؤلئك الذين كانوا يقبعون في سجن ابو غريب قرب بغداد، حتى يبدأ السباق. وخلال أقل من سنتين نجح داعش بإعادة تنظيم نفسه واستقطاب عناصر من خارج المنطقة. وتحول إلى طرف رئيسي في الصراع على الارض السورية بفضل تحالفه الضمني مع جيش النظام أو تجنبه الصدام معه، ومحاولته السيطرة على المناطق المحررة من قبل الجيش الحر .
وكما ذكرت، منذ البداية كانت خطة النظام ان يحرف الثورة عن أهدافها ويشجع على ظهور الارهاب حتى يضع العالم الذي وقف ضده أمام خيار مستحيل: نظام الأسد أو داعش. على أمل أن يختار المجتمع الدولي النظام كأهون الشرين.
وفي الواقع نجح إلى حد كبير في رهانه، ليس لأنه أقنع العالم بأنه أفضل خيار، وإنما لأنه استطاع أن يشوش على الثورة القائمة ضده، وأن يخلط الأوراق، ويدفع الرأي العام الدولي، الرسمي والشعبي، إلى التشكيك في حقيقة الثورة السورية ومآلاتها.
لكنه وإن استطاع أن يغش بعض الاوساط الدولية، ويدفع بعضها إلى التردد، كما هو الحال في بعض أوساط الإدارة الأمريكية والاوروبية، إلا أنه لم ينجح في أن يعيد تاهيل نفسه كخيار محتمل. ولا يزال الجميع ينظر إليه بوصفه السبب الأول في نشوء الارهاب وتطوره، وأن القضاء على نظام الارهاب الذي يمثله الأسد هو شرط لا غنى عنه للنجاح في محاربة ارهاب داعش.
كما أنه لم ينجح في التغطية على وجود الجيش الحر والمعارضة الوطنية الديمقراطية التي لاتزال تحقق انتصارات حقيقية في العديد من جبهات القتال، كما هو الحال في ريف دمشق والقلمون والقنيطرة وحوران وحماة وحلب وادلب وغيرها. ولا يزال المجتمع الدولي يراهن على تعزيز دور المعارضة الوطنية في مواجهة داعش ونظام الأسد في الوقت نفسه.
سؤال:
ما هي توقعاتكم حول تنظيم الدولة؟ كيف تتصورون أن يكون القتال ضده؟ وكيف ينبغي على السلطات الاقليمية والدولية أن تتعامل معه؟ وما هي مقاربة مجموعات المعارضة السورية لهذا الموضوع؟
غليون:
أنا اعتقد أن قوة داعش ليست ذاتية وإنما هي ناجمة عن استفادته من الثغرات التي نجمت عن غياب التفاهمات الوطنية والاقليمية والدولية، وسعي العديد من الاطراف الداخلة في الصراع إلى استغلال التطرف وتجيير قوته لتغيير التوازنات العسكرية أو لتحقيق أهداف متباينة. وأعتقد كذلك أنه لو أصبح القضاء على تنظيم داعش هدفا مشتركا في الداخل السوري والخارج الاقليمي والدولي لما استمر حتى الآن . وهذا هو أصلا سبب تطور قوته وانتشاره أيضا. على سبيل المثال ليس من مصلحة الأسد القضاء عليه، ولا من مصلحة المعارضة الوطنية ترك جبهات الصراع العديدة ضد الأسد والتوجه لجبهة داعش، وبالتالي إراحة الاسد، ولا تريد الولايات المتحدة والغرب الاستثمار الكبير في قتال داعش في الوقت الذي لا تزل طهران تدعم سياسة طائفية إقليمية وتعزز من قوة ميليشياتها ونفوذها في سورية والدول العربية. وبالمثل ليس من مصلحة طهران الاستثمار في القضاء على داعش من أجل تعزيز استقلال وتحرر شعبي العراق وسورية وتخفيف الضغط عن بلدان الجزيرة العربية. باختصار لا أحد يريد القضاء على داعش لحساب نظام الأسد الذي فقد الشرعية وأظهر وحشية لا تقل عن وحشية داعش، أو لحساب مشاريع طهران التوسعية وانتصار ميليشياتها التي لاتقل وحشية عنه..
وعلى أغلب الظن، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهم دولي وإقليمي لوضع حد لتغول طهران على القوى الديمقراطية في سورية والعراق ولبنان واليمن وبقية البلاد العربية، أو التوصل إلى تفاهم دولي معها يفرض على جميع دول المنقطة احترام سيادة بعضها البعض واستقلالها وحق شعوبها في تقرير مصيرها من دون تدخلات وضغوط خارجية، سوف نسير نحو حرب استنزاف إقليمية طويلة، تشكل داعش طرفا فيها، من دون أن يعني ذلك وقف الهجمات الأمريكية التي تهدف إلى تحديد نفوذ داعش وتوجيهه، كما حصل في عين العرب في الشهرين الماضيين، بعيدا عن المواقع الاستراتيجية الحساسة مثل اربيل وبغداد.
وتحجيم داعش والقضاء عليه يمر بطريق إنهاء الأزمة السياسية والوطنية والطائفية التي فجرتها سياسات طهران الاقليمية وضغوطها المتواصلة على الدول العربية - التي تعاني هي نفسها من أزمة سياسية داخلية- لتحرير نفسها من الضغوط الغربية ومن الحصار، واستخدامها هي ذاتها حصار الدولة العربية وشلها، كما في لبنان والعراق واليمن وسورية، وسيلة للضغط على الغرب وابتزاز التنازلات. هذا يعني أن الطريق إلى وضع حد لتطور داعش ولاستقطابه المزيد من المقاتلين في سورية والعراق والعالم، يستدعي الانكباب على الأزمة السورية وعلى الفراغ الذي احدثه الصراع الطويل والمرير بين النظام الاسدي وقوى الثورة، وغياب آفاق الحسم، وايجاد مخرج منها، كما يستدعي إنهاء السياسات الطائفية والانتقامية للسلطة التي نشات بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق. وفي السياق ذاته، يستدعي إعادة بناء الجيش والأمن العراقي على قاعدة وطنية لا طائفية، ووضع حد لاختطاف الدولة والرهان على دعم الميليشيات المحلية التي تتحكم بها سلطة مذهبية مقرها الرئيسي في طهران. وبالمقدار نفسه، تمكين الجيش الحر والسوريين عموما من حسم معركة الصراع لتغيير السلطة وتحرير البلاد من الميليشيات الاجنبية، العراقية والايرانية والافغانية واللبنانية والسورية التابعة لايران مثل ما يسمى جيش الدفاع الوطني، بموازاة العمل على حصار تنظيم داعش ودفع العناصر السورية المغرر بها فيه إلى مراجعة نفسه والانشقاق عنها.
، وبالنسبة لموقف المعارضة السورية، فهي تدرك أن الحرب ضد الارهاب لن تكون مجدية، وسوف تخدم الأسد وحده وتخفف عنه العبء مالم تكن جزءا من مشروع للحل السياسي ليس للازمة السورية فحسب ولكن للأزمة الاقليمية التي تسببها سياسات ايران الهيمنية في المنطقة. وهي ترفض أي خطة دولية لا يكون تغيير النظام القائم وسقوط حكم الأسد، هدفها المركزي، بموازاة العمل لإخراج جميع الميليشيات الأجنبية من سورية، سواء أكانت ضد الأسد أو معه، حتى لو اضطر الأمر إلى اتخاذ قرار في مجلس الأمن بذلك. .
سؤال:
هل بإمكانكم أن تشرحوا لنا مباديء المواطنة في سورية؟ )على سبيل المثال، الهوية، الحقوق، السياسة الخارجية، إلخ(؟
غليون:
لن تخرج سورية من الفوضى والصراع والانقسام ما لم يجمع السوريون وفي مقدمهم النخبة السياسية والمعارضة منها بشكل خاص، على مباديء أساسية للحكم، وعلى القيم التي تحكم العلاقات بين الأفراد في ما بينهم وبينهم وبين الدولة والسلطة العمومية. وهذه المباديء تلخصها فكرة الجمهورية الديمقراطية التي هي اليوم الشكل الوحيد للسياسة الشرعية التي تستمد سلطتها وقتها واتساقها من الشعب. فالجمهورية تعني صدور السلطة من الشعب، والمساواة التامة بين جميع أبنائه بوصفهم مواطنين أحرارا لكل واحد منهم الحقوق والواجبات ذاتها. والديمقراطية تعني التعبير عن هذه السلطة الشعبية من خلال آليات ضمان شرعية العمل والتنظيم السياسي والمدني الحر، والاقتراع العام النزيه، والتداول على السلطة، والإشراف على ممارستها ومراقبتها من قبل برلمان يمثل الشعب ويعبر عن خياراته. دولة حرة لأفراد أحرار. وهذا هو أيضا مصدر الشعور بالسيادة والكرامة عند أي فرد وأساس تحوله من رعية تابع للملك أو الأمير إلى مواطن سيد امره، يقرر مصيره ومصير الجماعة السياسية مع شركائه الآخرين.
هذا هو المضمون الطبيعي والمعروف للمواطنة في كل الجمهوريات الديمقراطية. لكن تجسيده في الواقع السوري يحتاج ، بالاضافة إلى ذلك، وبشكل خاص في سياق الخروج من الحرب التي اتخذت بعدا طائفيا وأهليا، إلى بلورة أمرين. الاول يتعلق بضمان الحقوق الخاصة الجماعية للأقليات الدينية والمذهبية والقومية، وهي حقوق ثقافية واجتماعية وسياسية، تتعلق باللغة والهوية والممارسة الدينية، والتفاعل مع المحيط الإقليمي، كما تتعلق بالإدارة اللامركزية، وبالحقوق السياسية النوعية المرتبطة بالحكم الذاتي، الذي يفتح البلاد نحو شراكات إقليمية مثرية، ما لم تمس بوحدة القرار الوطني السوري واستقلاله. ونجاح مثل هذا النظام يتوقف على الاعتراف بالمواطنة كأساس للعلاقة بين الدولة والفرد، ورفض نظام المحاصصة الطائفية والقومية في مؤسسات الدولة، والتي لا يمكن إلا أن تهدد وحدة السلطة وسلامة آليات اتخاذ القرار.
ويحتاج تحقيق هذا النظام الديمقراطية إلى حوارات وطنية ومفاوضات تؤسس لعهد وطني جديد يخلف العقد الوطني المنهار الذي قام على التسليم الساذج بوحدة المصالح والمطالب والتطلعات.
وبالنسبة للسياسة الخارجية، لم يكن من اهداف ثورة الشعب السوري تغيير موقع سورية في الاصطفافات الدولية ونقلها من محور إلى محور. بالعكس كان الهدف تحرير سورية من الارتهان للأحلاف والمحاور الخارجية وتحويلها إلى حلقة وصل بين جميع الدول والقوى والتكتلات الاقليمية والدولية، وهذه هي رسالتها التاريخية، وهذا هو أيضا جوهر ثقافة شعبها التي هي محصلة تمازج ثقافات مجموع الشعوب والأمم الكبرى التي كانت ولا تزال تحيط بها منذ أقدم العصور، والتي كانت مصهرا لتنوعها وابداعاتها. سورية هي واحة الشرق الاوسط، كانت ولا تزال، ومركز للسلام والتعايش والتفاهم والاندماج والتفاعل والشراكات التاريخية الكبرى. لن تكون سورية ما بعد الاسد مزرعة لأحد، ولا دولتها اداة في يد فئة مهما كانت، اكثرية او أقلية. ستكون سورية المستقبل ستكون دولة مستقلة حرة، خاضعة في اختياراتها الاقليمية والدولية لقرار ممثليها المنتخبين وبرلمانها، وستلعب دورا كبيرا في إعادة بناء التفاهم بين دول الإقليم والسباقة للعمل على مشروع تشكيل منظمة إقليمية شرق أوسطية للامن والتعاون والتنمية، وبالتالي تعزيز استقرار الاقليم الشرق أوسطي ودوره ومشاركته في الحياة الدولية الثقافية و السياسية والاقتصادية. هذه ينبغي أن تكون رسالتها الخارجية.
سؤال :
كيف يمكنكم أن تصفوا التحول في المواطنة السورية، كوضعية قانونية وممارسة، منذ بداية عهد البعث في سورية؟ وما الفرق الأبرز بين فترة حافظ الأسد وفترد بشار الأسد؟ وهل حصل هناك أي تغيير في قاعدة النظام الاجتماعية؟ وهل بمكنكم أن تبينوا لنا إلى أي حد، وبأي طريقة، ترتبط أحداث عام ٢٠١١ بالتغيرات التي طرأت على ممارسة المواطنة في سورية؟
غليون:
أهم ما ميز نظام الأسد هو تقويض حكم القانون، مثله في ذلك مثل جميع النظم الشمولية والاستبدادية الفردية. ولذلك ليس هناك في سورية علاقة بين الواجهة القانونية التي هي جزء من الديكور الخارجي والدعائي للنظام وبين الممارسة الفعلية. فالدستور الذي طبقه الأسد حتى ثورة آذار المدنية كان يعترف بالمواطنة المتساوية عموما وبالحريات والحقوق العادية التي يعترف بها أي دستور حديث للأفراد. لكن تكفي مادة واحدة كي تصادر هذه الحقوق وهي المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث، ومن ورائه ميليشياته وأجهزة أمنه، هو القائد للدولة والمجتمع . وهو الأمر الذي فسر على أساس ان جميع مراكز الإدارة والسلطة في كل الميادين ينبغي أن تكون بيد أعضاء الحزب، وفي الحقيقة أجهزة الامن. لكن أكثر من ذلك اتخذ النظام احتياطا أكبر لتعليق الدستور هو الحكم تحت ظل قانون الطواريء الذي تم العمل فيه بشكل مستمر منذ عام ١٩٦٣ حتى ٢٠٠١١ حيث حل محله قانون الحرب على الارهاب، أي على الثورة السلمية المطالبة بالحقوق والحريات.
أما الفرق بين مكانة المواطن في ظل حكم الأب والابن، فهو يكمن في أن الأب كان يتحكم بالأجهزة الأمنية التي كونها بنفسه، وكان بالتالي قادرا على ضمان حد أدنى من وحدة السلطة، والحد من تغول شبكات المصالح، المتباينة والمتضاربة في ما بينها، على الدولة والمجتمع..
مع بشار الأسد انتقلت السلطة من هيمنة بيرقراطية الحزب والدولة التي تميز النظم الشمولية والعقائدية عموما إلى هيمنة رجال المافيا العائلية أنفسهم، وأصبحت العلاقة بين أصحاب السلطة والمال والقوة العسكرية والأمنية علاقة انصهار كامل. وحصل ذلك بموازاة سياسات التخصيص وتصفية القطاع العام الذي أعطى مافيا الاقتصاد والمال العائلية والزبونية دفعة لم تعرفها من قبل، ومكنها من إخضاع الدولة وبيرقراطيتها لمنطقها وحساباتها. وهذا الانصهار لشبكات المصالح المافيوية بالسلطة العمومية وما قاد إليه من تغول على موارد الدولة والمجتمع، خارج أي ضابط قانوني أو سياسي أو أخلاقي، بالاضافة إلى انحسار دور بيرقراطية الدولة وتهميشها، هو ما يفسر ما حصل من استهتار بكيان الدولة وبالملكية العامة، ومن ورائها الافتقار إلى أي مفهوم للوطنية والمسؤولية العمومية، كما يفسر عدم تردد السلطة القائمة في الذهاب بعيدا في تدمير الدولة وحرق البلاد، حسب الشعار الذي رفعه ممثلوها: الأسد أو نحرق البلد. وهذا ما حصل بالفعل

samedi, janvier 03, 2015

إعادة تأسيس الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة / بمناسبة الهيئة العامة ٢=٤ ك٢ ١٤


بمناسبة انعقاد هيئته العامة 
نعم يمكن إصلاح الائتلاف الوطني السوري المعارض
وهذه هي الخطة لمن يريد العمل والفعل

يحتاج تحويل الإئتلاف من تكتل يعمل على نفسه وضمان مصالح أفراده، وهي مصالح صغيرة في النهاية، إلى دينامو للحركة الوطنية السورية وقطب للعمل والنشاط العام إلى تغييرات عميقة في أسلوب القيادة وآليات العمل واتخاذ القرار، ودور الأعضاء العاملين وعلاقتهم بالأرض وارتباطهم بالإئتلاف. وهذا يستدعي 

أولا، التوقف عن مهزلة الانتخابات الدورية التي حرفت الائتلاف عن اهدافه والعودة الى اسلوب عمل الاعضاء كفريق واحد يعمل بالتشاور في كل الميادين، بما في ذلك تعييين المسؤولين في كل مواقع المسؤولية. فليس لهذه الانتخابات أي قيمة في هيئة اختير أعضاؤها سلفا من دون الآخرين، لتحقيق أغراض لا علاقة لها بهدف الائتلاف الرئيسي. ولا يمكن ان تستمد منها أي شرعية لأي مسؤول، ولم تضمن اتخاذ أي قرار فعلي ولا أي سلطة حقيقية لأحد.
ثانيا، الانتهاء من صيغة الإئتلاف/النادي الخاص، بعضويته الدائمة كحق مكتسب، والتحول إلى صيغة الائتلاف كإطار سياسي مفتوح يعمل لتنسيق نشاطات المعارضين، من ناشطين سياسيين ومدنيين، في كل الميادين والمناطق، في الداخل والخارج، وتنظيم التفاعل بين أعضائه الذين هم أنفسهم قادة النشاطات العملية على الأرض، وربطهم ببعضهم وبالقيادة المركزية (السياسية)التي توحد نشاطاتهم حسب خطة واستراتيجية واضحتين وتؤمن لهم الدعم والمساعدات وتستمد منهم القوة لتحقيق الهدف الرئيسي في إنهاء نظام الفاشية والحرب والانتقال بسورية والشعب السوري إلى نظام ديمقراطي يضمن الحقوق والحريات المتساوية ووحدة البلاد والمجتمع.
ثالثا، العمل حسب خطة واضحة وبرنامج عمل وطني متفق عليهما والانتهاء من سياسة ردود الفعل وسد الفراغات في السياسات الإقليمية والدولية، مع توزيع مسبق للمهام ومتابعة الانجاز ومحاسبة المسؤولين.

الية التنفيذ :
١. تأكيد ضرورة المحافظة على الائتلاف كممثل شرعي للشعب السوري، معترف به دوليا، وعدم التفريط بهذا الاعتراف،
٢. الاعتراف بفشل الائتلاف في صيغته الأولى وضرورة العمل على تحويله بالفعل إلى ممثل للثورة والشعب، وأداة فعالة للعمل الوطني، سواء كان ذلك في قيادة النشاط الثوري والمعارض في الداخل، أو في توسيع دائرة التأييد للثورة وتمتين علاقاتها ونفوذها في الخارج، أو في حشد الموارد والطاقات والرأي العام السوري والعربي والدولي، أو في الحصول على ثقة الرأي العام السوري المعارض.
٣. تقديم اعضاء الإئتلاف كافة في الهيئة القادمة استقالة جماعية،
٤. اختيار لجنة وطنية من ٩ إلى ١١ شخصا، ثلثاها من أعضاء الإئتلاف، مع صلاحيات كاملة لإعادة تأسيس الإئتلاف، بما يعني ذلك إعداد النظام الداخلي الجديد وتثبيت عضوية الأعضاء، وضم أعضاء جدد من الشخصيات المدنية والسياسية الفاعلة وقادة النشاطات على الأرض.
٥. عقد هيئة عامة جديدة بمشاركة الاعضاء الجدد، واختيار لجنة تنفيذية من ٣٥ عضوا تختار من أعضائها مكتبا سياسيا من ١١ عضوا لقيادة الائتلاف خلال المرحلة القادمة.
٦. فتح باب العضوية للناشطين في سورية والخارج، وتشكيل الافرع للائتلاف في وسط الجاليات في البلدان المختلفة مع تحديد اشتراك إجباري للعضوية، والاستفادة من الاشتراكات لتسيير اعمال الائتلاف، ودعم نشاطاته.
٧. يعقد المؤتمر العام الأول للإئتلاف بعد التحرير وانتهاء حكم الأسد ونظامه، بمشاركة ممثلي الفروع في المناطق والدول، ويتحول الإئتلاف إلى جبهة وطنية عريضة لقيادة العمل الوطني في سورية للمرحلة الانتقالية وربما إلى ما بعدها، إذا نجحت التشكيلات والتيارات المؤسسة له في التوافق على برنامج العمل الوطني لإعادة إعمار البلاد بعد تحريرها من الفاشية والاحتلال.

mercredi, décembre 31, 2014

عندما تصبح معركة الحرية في العالم سورية بامتياز/العربي الجديد


30 ديسمبر 2014
يستقبل السوريون العام الجديد، والحرب لا تزال تحصد أرواح أبنائهم، وتدمر مدنهم وأحياءهم. لم يتمكن من حسمها
بالسلاح أي طرف من أطراف النزاع الرئيسيين، ولم ينجح في وضع حد لها أي تدخل سياسي. لا يزال الموت العنوان الرئيسي لحياة السوريين، ولا خيار لهم من الموت إلا الموت: تحت الأنقاض أو خنقا بالغاز، أو غرقا في البحر أو جوعا بسبب الحصار أو اغتيالاً أو قتلا بالرصاص أو رجما بالحجارة أو هماً من شدة الكرب والقهر.
لا يمكن أن نفقد الأمل
كل يوم، يستقبل أبناؤهم وبناتهم، رجالهم ونساؤهم، شبابهم وشيوخهم، في مدارسهم وأسواقهم ومشافيهم وأحيائهم، وجبتهم المقسومة من البراميل المتفجرة الرخيصة التي اخترعها الحرس الثوري الإيراني خصيصاً للقتل من دون تعيين. كل يوم يدفع طيارون مجهولون إلى الموت عشرات الضحايا، ويتركون للموت البطيء مئات المشلولين والفاقدين أطرافهم أو عيونهم أو أي جزء من جسدهم وعقلهم. كل يوم تبكي النساء على أبنائها المفقودين، ويبكي الأطفال أمهاتهم وإخوتهم المقتولين والمدفونين تحت الأنقاض. كل يوم يقتل الجوع ونقص الدواء مئات الصغار والكبار الذين يخضعون للحصار منذ سنوات. كل يوم تقذف مراكب الوهم التي يرمي السوريون بأنفسهم فيها على أمل الوصول إلى بر الأمان، بالمئات منهم، إلى أعماق البحر، لينضموا إلى من سبقوهم من "المغامرين" بحياتهم رغماً عنهم. كل يوم تستقبل دروب اللجوء آلاف المشردين الذين يبحثون عن سماء تحميهم من القصف والموت المترصد بهم، لينضموا إلى ملايين المشردين الذين سبقوهم، وتكوموا في المنافي والمخيمات. كل يوم يهرب السوريون من الموت إلى الموت.
أثارت ثورة السوريين، في سنتها الأولى، إعجاب العالم. وتحمس لها عدد كبير من الحكومات والدول، الأجنبية قبل العربية، وتكونت، من أجل دعمها ومساعدتها، مجموعة أصدقاء الشعب السوري، والتي ضمت أكثر من 150 دولة وحكومة ومنظمة، وكانت اجتماعاتها شهرية، وبياناتها لا تكف عن تأكيد تمسكها بحتمية تنحي الأسد، والانتقال من الديكتاتورية البغيضة إلى الدولة المدنية الديمقراطية.
الآن، لا تثير مأساة السوريين النازفة أي اهتمام، ويكاد العالم يتخلى، بأجمعه، عن الشعب السوري، ويتركه لمصيره، حتى الأمين العام للأمم المتحدة الذي لا يترك حدثاً مؤسفاً يمر، في أي بقعة من بقاع العالم، من دون أن يعلن موقفاً منه، ويعبر عن حزنه وقلقه أو إدانته، لاذ أخيراً بالصمت، خجلاً أو خفراً أو مللاً، ولم يعد ينبس ببنت شفة، مهما بلغت الأحداث الدموية السورية من هول. مع ذلك، لا تزال أوضاع السوريين في تدهور رهيب، داخل سورية، أو في بلدان التشرد واللجوء، أو على طرقات البحث عن بر أمان في أقصى الأرض، وهي تشكل، منذ الآن، كما تردد المنظمات الإنسانية، كارثة كونية، قد لا يتمكن أحد، بعد الآن، من السيطرة على مضاعفاتها.
تخلى العالم عن السوريين، ويكاد السوريون يتخلون، هم أيضاً، عن أنفسهم، مع فقدان الأمل بالخلاص القريب، وبالعودة إلى وطن لم يعرفوه، ولم يتعرفوا عليه، خلال عقود طويلة ماضية، إلا كمقبرة لأحلامهم، ومعسكر اعتقال لآمالهم وتطلعاتهم، وكقدر يتربص بوجودهم. وانعدام الأمل هو أخطر ما يمكن أن يصيبهم، ويهدد بضياعهم وضياع وطنهم، بمقدار ما يقود إلى انفراط عقدهم، ويدفع أبناءهم إلى البحث، كل حسب مقدرته، عن الحلول الفردية، تاركين الأغلبية الساحقة من أهاليهم ضحايا التشرد والتهميش وحياة البؤس والضياع واليأس.
ذرائع الغرب
لا يمكن للسوريين أن يسمحوا لأنفسهم بفقدان الأمل، ويضيعوا رصيد الثورة العظيمة التي فجروها ضد أعتى النظم، وأكثرها شراسة وبدائية وعنفاً، ولا بإضاعة روح البطولة التي خاضوا بدفعها معركتهم ضد نظامٍ كان، ولا يزال، التجسيد الحي للشر، للأنانية وانعدام الانسانية والقتل الممنهج بالجملة، واحتقار الحياة البشرية وتحكم شره السلطة والمال والقوة بمخلوقات فقدت هويتها البشرية.
ولا يمكن للعالم أن يقبل الظلم العظيم الواقع على السوريين، ولا أن يتحمل في المستقبل الكارثة الإنسانية التي ستنجم عن التساهل مع مرتكبي أفظع الجرائم بحق شعبهم. تجاهل ثورة السوريين وتضحياتهم الغزيرة في السنين الأربع القاسية يعني التواطؤ مع قاتليهم، والمشاركة في اغتيال روح الحرية والكرامة والحق التي حركت ثورتهم ضد القهر والاستبداد والعنف وغياب القانون والعدالة. في الوقت الذي يشكل إنقاذ ثورة الحرية والكرامة التي فجرها السوريون الوسيلة الوحيدة لحرمان قوى التطرف والإرهاب التي أصبحت التهديد الأكبر للمنطقة والعالم من اختطافها ثورة الحرية والكرامة، وللحيلولة دون تحول السوريين من شعب حي مبدع، وأمة متسامحة ومنتجة ومنفتحة على الجميع، إلى بركان من الغل والغضب والضغينة، يلقي حممه على مجتمعات العالم القريب والبعيد.
تذرع المجتمع الدولي في البداية، حتى لا يقدم الدعم المطلوب لوقف عنف النظام المفرط والوحشي، بإعطاء الأفضلية للحل السياسي، حفاظاً على مؤسسات الدولة، وتجنباً للفوضى. واكتفى بجملة عقوبات اقتصادية سرعان ما ألغى مفعولها الدعم العسكري والمالي الهائل لطهران وموسكو. وفي مرحلة ثانية، احتج "الأصدقاء" بالخوف من وقوع السلاح في يد القوى الإسلامية، حتى يبرروا حرمان الجيش الحر الذي تشكل من المنشقين والمقاومات الشعبية المحلية المتزايدة، من المساعدة، في رده على عنف النظام وقهره. ورفضوا مبدأ التدخل الإنساني لوقف مجازر النظام، بما في ذلك بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية، بذريعة عدم التدخل في حرب أهلية. واليوم هم يكادون ينكرون حتى وجود الثورة الشعبية نفسها، ولا يرون من الصورة سوى الصراع بين نظام تتحكم به الميليشيات المحلية والأجنبية، العراقية والإيرانية واللبنانية والأفغانية والباكستانية والحوثية وغيرها، وتنظيمات إرهابية تستقطب كل المعادين للغرب وسياساته، مع فارق أن الأول لا يزال يستفيد من غلالة الشرعية القانونية الدولية، ويحظى بموقع في المنظمة الدولية، يساعده على أن يبث كذبه وسمومه، ويغطي على حقيقته تنظيماً إرهابياً، لا يختلف عن القاعدة وتنظيم الدولة إلا في استهدافه المدنيين، وجرأته على المجازر الجماعية. والنتيجة التوقف عن أي جهد، عسكري أو سياسي، والتفرغ إلى مقاتلة الإرهاب الداعشي، حتى كاد المجتمع الدولي ومجموعة أصدقاء سورية يختفون تماماً من الصورة، إزاء ما يحدث في سورية من جرائم، مكتفين بإرسال مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، لبيع الأوهام، ومسلمين لموسكو ملف مفاوضات "السلام"، وهي الشريك الأكبر في الحرب.
الفاشية المذهبية الصاعدة
الحقيقة أن الدول الغربية التي لا تزال تقود دفة السياسات الدولية تعرف أن وراء نظام الأسد طهران، وأن هذه هي الراعية الكبرى لشبكات الإرهاب الدولي، منذ عقود، وأن أجهزة الأسد تعمل بالتنسيق معها، وقد ذاقت الكثير من عواصمها طعم هذا الإرهاب في التسعينيات. والحقيقة، أيضاً، أن هذه الدول، ومن ورائها الأمم المتحدة المرتهنة بإرادتها، تضحي، بشكل واعٍ، بالشعب السوري، خشية التورط في صراع تخشى عواقبه مع الفاشية الشرق أوسطية الإيرانية والسورية، التي لا تكف عن التذكير بطول مخالبها، كلما عن للعالم تهديد مواقعها، أو الوقوف في وجه طموحاتها غير المشروعة.
ولا يختلف هذا الموقف في التخلي عن الشعب السوري، لتجنب المواجهة واسترضائها ببعض التنازلات عن بلد لا يعني كثيراً لها، عن الموقف الذي اتخذته أوروبا في الثلاثينيات تجاه النازية، حين تخلت لهتلر عن بعض الدول والمناطق الأوروبية فداءً لنفسها ودرءاً للمخاطر عنها. وكما دفعت أوروبا غالياً ثمن مسايرة أطماع النازية في الغرب، سوف تدفع ثمن التغاضي عن شره الفاشية الشرقية وأطماعها أضعافاً مضاعفة، بالمقارنة مع ما كان من الممكن دفعه، لو اتخذ القرار في مواجهتها، قبل استفحالها واستقوائها.
والحقيقة أن الغرب لا يملك الإرادة لوضع حد لمجازر الإبادة الجماعية ومشروع التغيير الديمغرافي الذي تقوده إيران في المشرق، لتضمن تحكمها بمصير الشرق الأوسط كله، وتفرض على الغرب التعامل معها كقوة دولية تسيطر على إقليم كامل، وليس فقط كقوة إقليمية. ونتائج هذا الموقف، منذ الآن، أصبحت واضحة. أولها الطفرة التي عرفها الإرهاب الدولي وتنظيم الدولة الداعشية الذي يهدد بالتوسع غرباً. وثانيها وأهمها ضرب صدقية المنظومة القانونية والسياسية الدولية، الممثلة بالأمم المتحدة ومجلس الأمن وتعطيله، والعودة بالعلاقات الدولية إلى قاعدة حق الفتح، وتعريض العالم إلى الفوضى والانفلات ومنطق القوة العارية، إلا من العنف. هذا هو الثمن الطبيعي للاستقالة الأخلاقية والسياسية والاستراتيجية أمام القوة الغاشمة.
لا يملك المجتمع الدولي أن يترك للجريمة أن تملي على العالم قانونها، ولا لقادة حروب التوسع والتبشير الديني والمذهبي أن يدفعونا إلى التسليم بالإرهاب أداة للحكم، وتحويله إلى واقع سياسي مقبول ومعترف به. ستكون هذه نهاية الحضارة والحكم على المدنية وقانون الحرية والعدالة والحق بالموت الأكيد.
سورية تحاول شق طريقها مع طفلها وسط  مدينة دوما المدمرة (13ديسمبر/2014/أ.ف.ب)
ومن جهتنا، نحن السوريين، لا ينبغي أن نهرب من مواجهة الحقائق المرة، وأولها أن الفاشية الإيرانية المذهبية لا تزال مصممة، على الإبقاء على احتلالها واختطافها الدولة السورية، عن طريق تثبيت الأسد والتشبث به، بكل الوسائل الدموية والوحشية، حتى لو كان ثمن ذلك القضاء على سورية، وقتل الملايين من أبنائها، وتشريد أغلب سكانها بين لاجئين ونازحين، وهذا ما حصل ويحصل، حتى الآن. وهي لا تعير أي اهتمام، أو اعتبار، أو قيمة، لا لحياة الإنسان، ولا لبقاء الدولة، ولا لميثاق الامم المتحدة والقانون الدولي، ولا لأي قيمة إنسانية، ولا تزال على اعتقادها الراسخ أن في مقدورها استخدام كل الأسلحة، وارتكاب أشنع المجازر لإرهاب السوريين وإخضاعهم، من دون أن ينالها أي عقاب. وهي تستخدم المفاوضات حول الملف النووي لتردع الجميع عن التفكير في الاعتراض على مشاريعها، أو النيل من طموحاتها.
ولا ينبغي كذلك أن نستهين بتحلل المجتمع الدولي، ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة، من التزاماته القانونية وواجبه تجاه الشعوب المعرضة لجرائم الإبادة والتشريد، التي ترتكب، بشكل منهجي ومنظم، تحت أنظار العالم أجمع، كل يوم، ولا يمكن أن نقبل سكوته على ما يحصل، وتجاهله القرارات التي أصدرها، وفي مقدمها القرار ٢١٣٩، الذي يطالب النظام بالوقف الفوري للقصف والقتل المجاني للمدنيين.
خلاصة لا ينبغي أن يكون لدينا أي وهم حول الوعود الكاذبة للنظام وحُماته، ولا حول طيب نيات "الأصدقاء" المتخاذلين والمنسحبين. ولن ننعم بالسلام، ما لم ننجح، نحن السوريين، أولاً، في توحيد أنفسنا، وحشد جهودنا لتغيير موقف الأمم المتحدة والرأي العام الدولي، وإعادة تعبئة شعبنا، بكل أطيافه، حول المبادئ التي ثار من أجلها، والتي لا يزال تحقيقها يحتاج إلى عمل وجهد متواصلين، لكشف خداع النظام وحماته، وإجبارهم على الاعتراف بسورية وطناً حراً لشعب كريم، سيد ومستقل.
وذلك كله رهين بنجاح نخبة النشطاء والمناضلين، من مثقفين وسياسيين ومقاتلين وعسكريين وطنيين، في رد تحدي التفاهم والتعاون وتوحيد صف السوريين، وتجاوز انقساماتهم في ما وراء حدود المعارضة والموالاة التي توشك أن تنهار من تلقاء نفسها.
يستدعي هذا، قبل أي شيء آخر، العودة إلى ذاتنا، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثلها، في الحرية والكرامة وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفض المساومة على القضية التي ضحى من أجلها ملايين السوريين، بعضهم بأرواحه وبعضهم بمستقبله وكل ما يملك، فمن دون إحياء روح الثورة من جديد، وتعميم إشعاعها في قلوب كل السوريين، لن يبقى هناك أي معنى لمعركتنا الراهنة، وسيتحول الكفاح البطولي المرير الذي خضناه، منذ سنوات، إلى اقتتال مجاني، عبثي. وسوف يشجع هذا جميع القوى الوصولية والانتهازية على التلاعب بمشاعر السوريين، المنكوبين والمحبطين، لتبرير أي اتفاق على حساب مصالحهم ومستقبل أبنائهم، بما في ذلك تبرير التسليم بالأمر الواقع، والاستسلام لحكم القوة الغاشمة.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/f285ba02-0eb6-48df-bf05-31dec3a878e3#sthash.78tX7r4y.dpuf

lundi, décembre 15, 2014

حوار مع الدكتور برهان غليون موقع حزب الجمهورية




حوار الجمهورية مع الدكتور برهان غليون حول مفهوم الدولة


أجرى الحوار: عمر حداد



قد يكون الدكتور برهان غليون غنياً عن التعريف لدى جميع السوريين فهو من القامات الفكرية المميزة على مستوى سورية والوطن العربي .
الدكتور برهان غليون هو مفكر سوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس ورئيس المجلس الوطني السوري السابق. خريج جامعة دمشق بالفلسفة وعلم الاجتماع، دكتور دولة فيالعلوم الاجتماعية والإنسانية من جامعة السوربون، ولد في مدينة حمص ، كان يعمل في مجال التدريس قبل أن يهاجر في عام 1969 إلى فرنسا وعاش هناك منذ ذاك الوقت.

نرحب بالدكتور برهان غليون في موقع الجمهورية ونطرح للمتابعين الحوار الذي أجريناه معه:
  1. تم طرح موضوع شكل الدولة السورية ما بعد الأسد في العديد من المؤتمرات الخاصة بالقوى السياسية، وفي كل مرة كان هذا الموضوع يشهد صراعات ومشادات بين المؤتمرين وفي أغلب الأحيان كانت هذه الصراعات ناتجة عن عدم الفهم الصحيح لمفهوم الدولة بحد ذاته. كيف يعرف الدكتور برهان غليون الدولة الحديثة؟
غليون:
لغة المفهوم لغة نظرية معقدة، وفي العلوم الاجتماعية تعددية، حسب المدارس والمناهج العلمية. ربما كان البدء بوصف الممارسة أكثر فائدة. في هذا الإطار يمكن أن نقول إن البشر، في كفاحهم من أجل تنظيم شؤونهم الجماعية، وحل خلافاتهم، والتخطيط لمستقبلهم، انتجوا هيئات تملك سلطات عامة للتصرف تعنى بالشأن العام، أي بالقرارات التي تتعلق بتحديد المصير الجماعي لهم، وهي هيئات متعددة، كان أولها ربما العائلة والعشيرة، ثم المدينة الدولة، ثم الدولة الامبرطورية، والدولة الملكية أو السلطنة، وأخيرا الدولة الحديثة. وكل هيئة تعكس تطورا تاريخيا في هوية الجماعة وجغرافيتها السياسية ونظم إدارتها وحكمها. العائلة والعشيرة تعنى بتنظيم شؤون الناس على مستوى العشيرة، وعندما كانت المجتمعات تفتقر إلى التقدم الحضاري الذي يتيح تواصلا أكبر بين العشائر. ومع تطور شروط الحياة المدنية ووسائل التنظيم والتواصل ظهرت الدولة المدينة التي تضم مجموعة من “العشائر”، وفي مرحلة ثالثة ظهرت الامبرطورية التي تجمع تحت جناح سلطة مركزية، صاحبة شوكة، أي قوة من دونها لا أمل في نشوئها، مدنا وقرى ومناطق وتشكيلات اجتماعية متعددة، وتفتح بذلك مجالا أوسع للتواصل والتعاون وتفاعل العناصر البشرية والمادية، وتستمد شرعيتها من قدرتها على احلال الأمن والسلام في الربوع الواسعة، بالمعنى ذاته الذي نميز به في المصطلحات الدينية الاسلامية بين دار السلام ودار الحرب. ولذلك ارتبط نشوء الامبرطوريات بوجود وتجمع عناصر القوة العسكرية والمادية وأحيانا الايديولوجية لدى شخصية استثنائية أو اسرة ملكية أو نخبة دينية أو عقائدية، كما ارتبط بتطور رؤية انسانية كونية تساعد على قبول الآخر المختلف وتستبطن التعدد القومي والفكري والمذهبي.
لكن مع تفكك الامبرطوريات التي نشأت على أرضية تجارية أو زراعية رئيسية، ظهرت الملكيات والسلطنات المطلقة التي نجم عن الصراع بينها وداخلها تحول عميق في مفاهيم السلطة والسياسة والغايات الأخلاقية من وجود المجتمعات البشرية، وأدت لنشوء الدولة الحديثة التي نسميها الدولة الامة أو الدولة الوطنية، اختصارا. وبعكس الدولة السلطانية والامبرطورية تقوم فكرة الدولة الأمة على عناصر أساسية. منها أن السلطة العمومية التي هي محرك الدولة وروحها ليست ملك الحاكمين مهما كانت اصولهم أو درجة تأهيلهم وعبقريتهم، وإنما هي ملك الشعب كله، فهو مصدرها وبالتالي صاحب الحق في تعيين من يمثله في إدارتها وتنظيم شؤون الجهاز الذي تعمل من خلاله، أي الدولة. وأن الشعب ليس مجموعة من الأفراد التابعين للملك أو السلطان والمؤتمرين بأمره كما يتبع الأبناء الآباء وإنما هم هيئة منظمة وذات إرادة ووعي، تقف في مقابل الدولة التي تمارس السلطة، وهي مكونة من أفراد أحرار، وبالتالي أصحاب سيادة، يشاركون جميعا في القرارات العامة، اي السياسية، ولو كان ذلك عن طريق ممثليهم، الذين يختارونهم، ولهم الحق في نزع التوكيل عنهم، وهذا هو معنى السيادة الشعبية. وأن لهذه الهيئة ، الشعب، كي تمارس دورها في السيادة، حقوق وعليها واجبات، تتجلى عبر الحق في التنظيم والانتظام في احزاب وجمعيات تساعدها على بلورة إرادة أفرادها، وهو تعبير عن إقرار الحريات العامة في التعبير والتنظيم والانتقال والاعتقاد وغيره من الحقوق التي تعكس حرية الفرد، كما أن عليها واجبات يقع في مقدمها احترام القانون والخضوع له والتقيد بقواعد التنافس السلمي على مواقع المسؤولية.
ومن مفهوم السيادة الشعبية، الذي يفيد أن صاحب السلطة العامة هو الشعب، أي الأفراد جميعا، برزت فكرة المواطنة التي تعني المساواة في الحقوق والواجبات بين أعضاء الجسد الواحد الذي هو الشعب، أي أيضا الهيئة الانتخابية. والنتيجة دولة حرة، أي سيدة في مقابل الدول الأخرى، ليست تابعة ولا تقبل بأن يملي عليها أحد رأيه، لا في الداخل ولا في الخارج، دولة حرة لمواطنين أحرار، أو أسياد، يتصرفون إزاء الدولة والسلطة العمومية مما يمليه عليهم ضميرهم المدني أو الوطني، واتساق القانون والغاية الأخلاقية من الاجتماع البشري، أي ضمان الحرية كقيمة إنسانية عليا، هي التي تبرر وجود الدولة والسلطة العمومية نفسها، بما في ذلك الخضوع للقانون. كل هذا يجعل من الدولة الإطار الذي تتجلى فيه إرادة الشعب بوصفه هيئة من الأفراد الأحرار المتساوين والمتعاونين للوصول إلى غايتهم الرئيسية التي هي السلام والأمن والعدل والحرية، وفي سياقها ومن أجلها، تحقيق أقصى ما يمكن من درجات التقدم والتحرر من الفقر والفاقة والتبعية والجهل والبطالة إلخ.
وهذا يعني وجود علاقة تفاعل عميقة بين الشعب الذي يستثمر في الدولة ويخضع لها ويعزها ويحترم قوانيها والدولة التي تعمل لتحرير الشعب، جماعة وأفرادا، والدفاع عن حقوقه في الداخل والخارج، كما يعني الارتباط الوثيق بين الدولة وحكم القانون، الذي يشكل احترامه والخضوع الدقيق له اساس الوطنية، أي احترام الدولة، ويجعل من الدولة محور حياة المجتمع كله، دماغه وقلبه النابض. فالمجتمعات تستثمر في الدولة لأن الدولة تعمل على تحريرها وضمان الأمن والوحدة وتجنب النزاعات وحلها بالطرق السلمية، ولأنها ليست ملك من يحكم فيها ولا أداة للسيطرة والتحكم والاستعباد.
والواقع أننا لا نستطيع أن نفهم بنية الدولة الحديثة ووظائفها والموقع الذي تحتله في تنظيم العلاقات بين الأفراد وبين هؤلاء والسلطة العمومية، إذا لم نفهم الثورة السياسية التي حطمت نظام التبعية الشخصية القديم، وجعلت من الشعب قوة سياسية بل موطن السياسة والعمل العام. فالأصل في السياسة والدولة الحديثتين هو وجود الشعب الحر المنظم المدرك لحقوقه وواجباته والمتمسك بحكم القانون والمستعد في كل لحظة للدفاع عن حقوقه ضد أي غاصب، طاغية كان أم طغمة عسكرية أو امنية. ومن المستحيل أن تعمل الدولة، أي جهاز السلطة المركزية الذي يحركها، كدولة أمة، ما لم يحضر أمامها وفي مواجهتها شعب مدرك لحقوقه وواجباته وقادر على التعاون في ما بينه للدفاع عنها، وهذا ما يفترض أيضا وجود تناغم في الغايات الأخلاقية التي يسعى إليها الأفراد، وما نسميه في الأدبيات السياسية بالعقد الاجتماعي أو العهد الوطني، وتفاهم على قواعد ممارسة السلطة وتداولها، وهو ما تجسده الديمقراطية كنظام للحكم. ما يميز الدولة الحديثة إذن أمران رئيسيان وجود الشعب كمفهوم سياسي، اي كوظيفة تعكس مشاركته المباشرة والقوية في صنع القرار وتحديد المصير العام، وشرطه وجود المواطنة، أي الفرد كمفهوم/فاعل سياسي، من جهة ووجود القانون المنبثق من الشعب، والذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف، الدولة والشعب، السلطة العامة والأفراد، والافراد في ما بينهم. الدول الحديثة هي في الوقت نفسه دولة الحرية لأنها أيضا دولة القانون.وهذا ما يوحد الأفراد ويجمع بينهم في ما وراء وبالرغم من اختلافاتهم العقائدية وتباين اختياراتهم الشخصية . ليس هناك وصاية من خارج ما يقرره الشعب، بإرادته الحرة، على الدولة، لا لطبقة ارستقراطية ولا لهيئة دينية، ولا لطغمة عسكرية، مهما كانت الذريعة أو الصفة التي تعطيها هذه الوصاية لنفسها.

  1. يطلق اصطلاحاً في الكتابات التي تتناول تاريخ المنطقة الدولة الإسلامية، أو الدولة الأموية، أو العباسية، وما إلى هنالك …هل تعتقد أن هذه التسمية صحيحة؟ وما الفوارق الأساسية بين مفهوم الدولة في المراحل التاريخية المذكورة، وبين الدولة بمفهومها الحديث اليوم؟
غليون:
كانت الدولة تسمى باسم الشخص أو السلالة التي كانت وراء إنشائها أو قادت عملية تأسيسها. ومن هنا اسم الدولة الأموية والعباسية والعثمانية والسعودية وغيرها. لأن صاحب السلطة العمومية الحقيقي هو العنصر المؤسس، الذي يجسد دائما الشرعية، شرعية حق الفتح، وملحقاته التملك والملك.
عندما أصبحت الشرعية مرتبطة في الدولة الحديثة بالقانون ونشأت بوادر الدولة القومية، صار اسم الدولة يميل إلى الارتباط بصفة الشعب الثقافية أو بالمكان والبقعة الجغرافية التي تطبق فيها قوانينها ويتحقق فيها تحول الأفراد إلى مواطنين فيها. دولة سورية هي دولة السوريين الذين يجمع بينهم الخضوع لقانون المواطنة الواحد. لذلك عندما انتزعت طغمة الأسد صفة المواطنة عن السوريين لم تعد تستخدم اسم الجمهورية السورية بمقدار ما أصبحت تردد اسم سورية الأسد، ودولة الأسد، وكان هذا الاستخدام مقصودا للنكوص بمفهوم الشرعية من الشرعية الوطنية القانونية إلى شرعية الفتح والاستيلاء التي يجسدها تحويل سورية إلى ملك متوارث لبيت الأسد، وبالمناسبة نزع الشرعية عن الشعب السوري كله وتحويله من شعب إلى رعية تابعة للأسد وخاضعة له ومعتمدة عليه، أي تجريده من حقوقه السياسية كاملة. وهذا ما حصل بالواقع. لم يعد الأسد حاكما عاديا يمكن تبديله أو اختيار غيره، وإنما أصبح مالكا شرعيا للبلاد، ولم يعد السوريون مواطنون، وإنما أقنانا في إقطاعة يملكها شخص، ومن ورائه أسرة وعائلة وحاشية لا تختلف عن حاشية السلاطين القدامى إلا في افتقارها لأي عقيدة أو رؤية أو قاعدة حياة.
وعندما صارت الشرعية في الدولة الديمقراطية مرتبطة بالقبول الشعبي المعبر عنه بالاقتراع العام، وبإرادة المواطنين جميعا وتأييدهم، ظهر اسم الجمهورية، تعبيرا عن أصحاب السلطة الحقيقية وتجسيدا لمضمون سياساتها وغاياتها الأخلاقية.
  1. كيف ترى العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ فهل بناء الدولة الحديثة يحتاج إلى مجتمع متطور ذي علاقات حديثة؟ أم أن بناء المجتمع المتطور يحتاج إلى دولة حديثة … بمعنى آخر أيهما ينتج الآخر؟
غليون:
ليس هناك في التاريخ مكان لنموذج البيضة والدجاجة. فكلاهما ثمرة تفاعل تاريخي وتحول تدريجي. لا توجد الدولة الأمة من دون تطور حقيقي في فكر الجمهور وقيمه وتطلعاته الأخلاقية، ونشوء أخلاقيات سياسية ومواطنية، لكن في الوقت نفسه لا يوجد تطور في المجتمعات عندما تغيب الدولة وينهار النظام العام. يمكن أن نقول إن المجتمعات تمر دائما بمرحلة انتقالية لأنها في تحول دائم. هناك دائما تطورات أولية تحدث بسبب تفاعلات تاريخية مختلفة لا تلبث حتى تخلق مناخا مشجعا على الثورة أو الطفرة والتغير وتعميم المكتسبات. وقد ينجم التطور عن عمل الدولة وقد ينجم عن تحولات داخل المجتمع. ودائما يبدأ الأمر بالجزء، أو بريادة وطليعة، قبل أن يعم بقية طبقات المجتمع.
وفي مجتعاتنا نشأت الدولة في ظل تحولا دولية عاصفة قلبت السلطنة خلال عقود قليلة إلى جمهورية أو جمهوريات، لم يكن المجتمع على مستوى التطورات التي شهدتها قوانينها، لكن نشأت بموازاتها نخبة حديثة أدارت الدولة وكان بإمكانها ان تستخدمها لتعميم أخلاقيات المواطنة وتأكيد حكم القانون وتعزيز روح العدادلة والمساواة والخدمة العامة بدل الفساد والمصلحة الفردية. ما حصل كان العكس، أي أن النخبة الجديدة التي نشات في ظروف متقلبة، استخدمت نواة الدولة الحديثة لتمركز السلطة في يدها وتقوي شوكتها وتعيد الشعب إلى حالة العبودية والتبعية والخضوع السابقة على نشوء الجمهوريةوتعيث فسادا كما لم يحصل في أي عصر.
هناك علاقة تلازم بالمطلق بين وجود الدولة الحديثة والشعب المنظم والواعي، كما ذكرت في أول جواب. لكن هذا التلازم ليس ميكانيكيا من جهة، ولا يحصل دفعة واحدة وإنما هو ثمرة تحولات متبادلة ومشتركة داخل الدولة وداخل المجتمع معا. لذلك لنشوء الدولة الجمهورية الديمقراطية وترسخ جذورها واستقرارها تاريخ. والتاريخ يعني التفاعل الطويل، بما يعنيه من صراعات وتقدم وتأخر. وهو الذي يدفع إلى التحول في أخلاقيات الشعب بموازاة تطور بنية الدولة وطريقة ممارسة السلطة، وتجددا في الممارسة السياسية بموازاة تغير بنية الدولة المؤسساتية ذاتها. لا يمكن أن تولد الجمهورية والديمقراطية كما في مفرخة، مرة واحدة وللأبد ومن دون ألم.
  1. ربما لا يمكننا الحديث عن الدولة بمفهومها السياسي دون أن نتطرق إلى مصطلح المجتمع المدني … كيف ترى العلاقة بين الدول والمجتمع المدني وما مجالات وفضاءات كل منهما؟
غليون:
لاىمكن للدولة الحديثة، جمهورية الطابع في العمق، حتى لو بقيت هناك وهناك بعض رموز الملكية الشكلية، أن تقوم من دون وجود مجتمع مدني، أي شعب منظم، في أحزاب وجميعات، ومن دون تربية مدنية يحتاج توفيرها إلى مؤسسات ومدارس ومنتديات وملتقيات وحوارات وطقوس، ومن دون حرية تشكيل كل أنواع الهيئات الفكرية والنقابية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. فالمجتمع المدني هو شرط تكوين المواطنة، أي القدرة على المشاركة في الحياة العامة، في السياسة. والمواطنة شرط لتكوين الشعب كهيئة سياسية في مقابل سلطة الدولة، ملهما لها ووصيا عليها.
ولذلك لم يكن بإمكان نظام الأسد تحويل سورية إلى إقطاعة وشعبها إلى أقنان مملوكين وجيشها وامنها إلى ميليشيات خاصة ذات تبعية شخصية لا قانونية، من دون القضاء الكامل على المجتمع المدني وحراسة الدولة الدقيقة لأي حركة أو نأمة فيه، وقتل أي بذور ناشئة لهذا المجتمع وتنظيماته في كل أشكالها، حتى لو تعلق الامر بتضامنات عائلية. الدولة الحديثة تنتكس حتما إلى دولة مطلقة تقليدية بغياب المجتمع المدني النشيط والفاعل والمنظم.

كيف ترى تأثير الهويات ما قبل وطنية “قومية ودينية وطائفية وقبلية …” على مسيرة بناء الدولة؟

غليون:
كل المجتمعات مكونة من هويات متعددة، وطنية ودينية وقومية ومذهبية وقبلية ومهنية وغيرها. ولا يسبب هذا التعدد بالضرورة نزاعات بين الأفراد، لأن الأفراد يعرفون كيف يعطون لكل دائرة هوية حقها، أي ما تحتاجه من التزامات، ويطلبون منها ما يمكن أن تقدمه من إرضاءات. وبالمقابل يبدأ التناقض والنزاع والفوضى عندما يخلط الأفراد بين هذه الهويات/الانتماءات، أو يطلبون من بعضها ما لا قدرة لها على تقديمه، كأن تطلب من الدولة العطف والحنان، الذي هو من خصائص هوية الأسرة والعلاقات الحميمة التي تميزها، أو تطلب من الانتماء لدين، حقوق المواطنة في الحرية واستقلال الفرد وتطبيق القانون، وأن تطلب من المؤسسة المهنية الهداية الدينية، إلخ.
والتناقضات، والنزاعات المرافقة لها، التي تميز مجتمعاتنا العربية، نابعة بالضبط من واقع أننا نعيش في مرحلة انتقالية، لم تتميز فيها أطر الانتماءات بدقة، ويتبين ما يطلبه الأفراد منها بوضوح، وأن الأفراد يطلبون من دائرة انتماء ما لا تملك القدرة على توفيره، أو يفرضون على دائرة إنتماء أخرى إعطاءهم الحاجات التي لا ينجحون في استمدادها من دوائر انتماءاتها الطبيعية. وهذا يعني في الواقع أن جميع دوائر الانتماء في مجتمعاتنا لا تعمل بشكل صحيح، أو أنها تعاني من اضطراب وتشويش. فالأسرة لا تقدم العاطفة الطبيعية التي يحتاجها الفرد، والقبيلية لم تعد تتنج العصبية التي تقود إلى التضامن العفوي المباشر، والقومية لم تعد تنتج الهوية المدنية التي يحتاجها التواصل الواسع مع الآخرين المختلفين، والديانة أو الجماعة الدينية لم تعد توفر السكينة والاطمئنان المنتظرين من التضامن الأخوي الذي ينشده منها أتباعها. والافراد الذين يعانون من الاحباط في كل دوائر الانتماء الأخرى يراهنون على الدولة في تحقيق تطلعاتهم. وهذا يثقل على الانتماء الوطني ويحوله من انتماء سياسي إلى انتماء ديني وقومي وعشائري وعاطفي ومهني في الوقت نفسه. وهذا ما يزيد من أحباطهم لأن الدولة لا تستطيع أن ترد على حاجات ليست من مجالها أو لاتملك ردوادا عليها.
فهناك فرق كبير بين الرابطة السياسية التي تمثلها الدولة وبين القرابة الثقافية او المذهبية أو العصبية القبلية. لا يحصل تطور في اتجاه مفهوم الأمة إلا عندما تنشأ بين الأفراد علاقة لا تقوم على الثقافة والدين والمذهب والقرابة الأهلية، وإنما على أساس الاشتراك في حياة سياسية قانونية واحدة، أي بعبارة أبسط، على أساس الانتماء للدولة، وهذا ما يستدعي أن تكون هذه الدولة أهلا للانتماء، بما توفره من أمن وسلام وتفاهم وتواصل وتضامن وتوفير شروط حياة منتجة للفرد. وكما ينطوي الانتماء للقبيلة والجماعة الدينية الواحدة على حقوق وواجبات لا يكون الفرد عضوا في الجماعة من دونها، كذلك ينطوي الانتماء للدولة على حقوق وواجبات لا يكون الفرد مواطنا من دونها. وهذه الحقوق مختلفة عن الحقوق التي ينالها الفرد في الأسرة أو القوم أو القبيلة أو الجماعة الدينية، وهي الحقوق السياسية : المشاركة في القرار الجماعي وما تستدعيه من حريات مدنية وحماية قانونية والتزامات وواجبات تجاه الأفراد الآخرين، وهذا ما يحدده القانون، وممارسة عملية لهذه الحقوق. وهذه هي خصوصية الرابطة الوطنية بالمقارنة مع الرابطة الاهلية التي ترتب على الأفراد حقوقا والتزامات مختلفة، أهمها التضامن الأخوي التلقائي، والالتزام بطقوس وعبادات أو سلوكات وأخلاق واعتقادات خاصة أو مميزة.
وعندما ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة سوف نكتشف انه لايوجد تناقض بين الانتماء لدولة (مواطنة) والانتماء لجماعة أهلية دينية أو قومية. فلا تناقض ولا نزاع في أن اكون مواطنا سوريا ومسلما أو مسيحيا ومنتميا لعشيرة معينة أو لطائفة ومهنة خاصة. فالانتماء الأول يتجلى عبر الخضوع لقانون الدولة والتمتع بالحقوق التي يعترف بها للفرد، والتقيد بالواجبات التي يلزم بها أعضاء الأمة أو الرابطة السياسية، وهي عادة متساوية، والثاني يتجلى عبر المشاركة في اعتقادات وتراث ثقافي وروحي مشترك، وما ينجم عن ذلك من تضامنات عفوية والتزامات اخوية تلقائية ومباشرة.
نحن هنا نظريا في عالمين مختلفين. والفرد يعيش في مستويين متميزين. والواقع الفرد يعيش في مستويات متميزة كثيرة. فنحن نعيش على مستوى العائلة، ولنا دور وحقوق واجبات كأب أو ام أو ابن أو بنت، وعلى مستوى المؤسسة المهنية التي نعمل فيها والتي تحدد حقوقا للعامل وواجبات لرب العمل، وعلى مستوى العشيرة اذا كانت لدينا عشيرة، أو على مستوى الجماعة الدينية وما ترتبه علينا عقائدنا وأركان ديننا.
لكن عمليا لا يمكن أن نفصل داخل كل فرد بين هذه المستويات. فنحن أنفسنا أبناء أو آباء، وفي الوقت نفسه عاملين في مصنع أو مؤسسة، وأعضاء في جماعة دينية أو مذهبية، وابناء قومية وثقافة وإرث شعبي مختلف. فكيف نستطيع أن نوفق بين جميع هذه المستويات ولا نجعل واجباتنا أو حقوقنا داخل كل واحد منها تختلط أو تتعارض مع الحقوق والواجبات في العلاقات الأخرى؟
ما يمكننا من ذلك هو تمييز غرضنا الرئيسي في كل منها، وعدم الخلط بين هذه الأغراض. وبالعكس ينجم النزاع من هذا الخلط، أو عدم التمييز، او أكثر من ذلك من الطموح إلى تحقيق جميع الحاجات في أي حقل أو مستوى. فإذا أردت أن يكون عملي في المصنع مختلطا في الوقت نفسه بعملي او واجبي الديني، وواجبي الاسري وواجبي السياسي تجاه تسيير شؤون الدولة، سوف أخفق في تأدية جميع الواجبات. وإذا سعيت إلى تحويل المصنع، أو المدرسة، أو مكان أي عمل، إلى حقل للتبشير بعقيدتي، ومعتقداتي الدينية وغير الدينية، وإبراز هويتي الثقافية والقومية، لم يعد هناك تركيز على واجباتي المهنية. وبالمثل إذا أردت أن أرضي في علاقتي السياسية مع المواطنين الآخرين الذين يعيشون في ظل الدولة نفسها، وهي تخص علاقتي بغيرى على مستوى تنظيم شؤون الدولة والمصالح العمومية، مطالبي الأسرية والثقافية والدينية والقومية والمهنية، وأجعل منها حقل عبادة وتحقيق للهوية الاتنية وحقل للمارسة التضامنات التلقائية المرتبطة بالعصبية العشائرية والقرابة الروحية، فلن يبقى للمواطنة معنى ومضمون واضح، واختلطت دائرة الانتماء السياسي ومعنى هذا الانتماء، بدائرة الانتماء الديني، أو الانتماء القومي، أو الانتماء المهني، ومعانيها المختلفة، وفقدت مواطنيتي أي قيمة محددة أو تعيين. وهذه هي النتيجة أيضا إذا جعلت من مجال عبادتي وانتمائي لجماعة دينية مصدرا للربح التجاري أو لتحقيق الهوية القومية أو لارضاء الحميمية الاسرية.
ليس لتطور الحضارة أي مضمون أو معيار سوى تعدد مستويات حياة الانسان وحقول تحقيق المعنى فيها، ولا للمدنية معنى آخر سوى نجاح الأفراد، بفضل ما يكتسبونه من خبرة عملية ونظرية ومهارات فكرية ونمو أخلاقي، في التمييز بين مطالب هذه الحقول المختلفة وخصوصية كل منها وطريقة ممارستها، واكتساب الحس والذوق والإدراك السليم الذي يساعد على بناء سلم الاولويات الضرورية لتحقيق الاتساق بين جميع المطالب والحاجات ومنع الدخول في تناقضات في الفكر والسلوك بسببها.
المواطنة رابطة، والقومية رابطة، والديانة تخلق رابطة بين أصحاب الدين الواحد، والعشيرة رابطة، والأسرة رابطة. ولكل رابطة مضمونها وحقوقها وواجباتها بالنسبة للفرد، وإعطاء كل رابطة حقها، وعدم خلط واحدتها بالأخرى، وعدم التضحية بواحدتها لصالح الأخرى، هي أساس التقدمي المدني والسلوك المدني.
وما يمنع اختلاط الواجبات والالتزامات ويشوش نظام الولاءات هو غياب معيار سليم للأولويات، أو تعدي أحد مستويات الوجود الانساني على الآخر. فواجب الالتزام بالعمل في مصنع يشوش على واجب الأمومة إذا لم يضمن المجتمع للمرأة العاملة حضانة لطفلها، وخرق القانون يزيد احتمالا عندما لا تكتفي الدولة بالتزام الفرد بالقانون وإنما تفرض عليه تغيير عقيدته أو حل تضامنه مع أبناء أسرته أو قرابته، وبالمثل، تنحل العصبية القبلية بالضرورة إذا أصبحت مطالب الالتزام بواجباتها عائقا أمام امكانية الفرد لتأمين قوته، أو حرمانه من حماية الدولة والقانون. والحياة الاسرية تفقد معناها إذا تحولت إلى جماعة عسكرية او سياسية أو تبشيرية لا تنتج أي عاطفة أو حميمية تطمئن الأفراد، والدولة تفقد معناها إذا أصبحت وصية على عقائد الناس وأفكارهم وضمائرهم. والفرد يغتني بمقدار ما ينجح في تنويع مستويات وجوده وشبكات علاقاته، ولا يمكنه ذلك من دون أن يميز بين هذه المستويات وحاجته من كل منها.
وبمقدار ما يقود تقدم الحضارة إلى تنوع شبكة علاقات الفرد، وتعدد مستويات وجوده ونشاطه، تتدهور العلاقات بين الأفراد وببرز التنازع والاختلاط متى ما حصل التخبط والتناقض بين مطالب هذه المستويات. وفي كل مرة لا ينجح الفرد، ولا تساعده الثقافة السائدة، في أن يميز بوضوح بين آداب السلوك، ونظام الحقوق والواجبات المرتبطان بكل من مستويات الوجود الاجتماعي المتعددة، تزول المقدرة على بناء نظام الأولويات الذي يمكنه من الانتقال من واحد للآخر ويصبح من الصعب التوفيق بين متطلبات العمل للنجاح في كل منها.
نحن نقبل مثلا بشكل طبيعي ومن دون نقاش أن نجلس على مقعد واحد مع شخص من غير ديننا ومذهبنا وقوميتنا في الطائرة التي تقلنا. لكننا نشعر بالخظر من وجود شخص من غير ديانتنا يؤم المصلين أو حتى يصلي بيننا. والسبب كامن في معرفتنا أن وجود من هو مختلف في الدين والقومية والعقدية والأهداف على مقعد طائرة لا يتناقض مع غرضنا الذي هو الوصول بأمان إلى الهدف من الرحلة. وبالعكس سأخسر حميمية العلاقات الاخوية التي هي هدف الطقوس الدينية عندما يصبح المسجد أو المعبد مفتوحا على جميع العادات والطقوس الأخرى.
آداب السلوك في الأسرة هو العاطفة والمحبة والتضحية والتفاني، وآداب السلوك في الجماعة الدينية هو العبادة والحفاظ على العقائد والشعائر والطقوس، وآداب السلوك في العشيرة هي العصبية، والتضامن التلقائي، وآداب السلوك في المهنة هي الإجادة في العمل والاتقان فيه، وآداب السلوك في الجماعة الوطنية أو الدولة، أو على مستواهما، هو احترام القانون الذي يعني التمتع بالحقوق والقيام بالواجبات، وهذه هي المواطنة. باحترام القانون، الذي يحدد حقوقي وواجباتي بوصفي عضوا في جماعة سياسية أو دولة أمة، ليس كأب ولا كعضو قبيلة ولا كعامل ولا كمتعبد. فباحترام القانون تتحقق الغاية من الوجود الاجتماعي على مستوى الدولة والرابطة السياسية. وأي إضافة لهذا المطلب، أو خلطه بمطلب القومية أو الدين أو الأسرة أو المهنة يدفع إلى التناقض والنزاع.

مفهوم الدولة سياسيا يحيلنا إلى مفهوم الأمة فكريا وحضاريا … في سورية حتى الان لا تطابق بين مفهوم الامة ومفهوم الدولة … ما تأثير مفهومي الأمة العربية والأمة الإسلامية على بناء دولة سورية وطنية؟

غليون:
المفهوم الحديث هو الدولة/الأمة، أي الدولة التي تمثل الأمة وتشكل أداتها لتنظيم نفسها، وبذلك تكون الدولة الإطار السياسي المنبثق من إرادة الأفراد الأحرار الذين يشكلون جماعة واحدة) أمة( الذي ينظم حياة الأفراد من داخلها. وهذا مباين لمفهوم الدولة التقليدي، الامبرطورية أو السلطانية التي تشكل جماعة خاصة مستقلة وقائمة بذاتها، مرتبطة بنخبة ثابتة، سواء أكانت طبقة نبيلة أو أسرة مالكة، تفرض على الأفراد نظاما من خارجهم وبشرعية ليست مستمدة من إرادتهم، وتنظم شؤونهم حسب ما تعتقد أنه الكفيل بخدمة مصالحها وضمان سيطرتها. وهذان مفهومان مختلفان تماما للدولة. الآول يستبعد أي مشاركة للناس في السلطة، ويوحدها مع طبقة خاصة تنتزعها بالقوة وتفرض شرعيتها بالعادة والتقليد، الديني أو العرفي، والثاني لا يستقيم إلا بالمشاركة، وبتحويل السياسة إلى ممارسة/ديانة شعبية، يشارك فيها الجميع مع طقوس وشعائر وآليات ووسائل تتيح لكل فرد الشعور بالانتماء والارتباط بالدولة والولاء لها. وهذا هو منشأ الامة بالمعنى الحديث أيضا، الأمة المرتبطة بالدولة.
لا تطابق في سورية والبلاد العربية والعديد من البلاد بين الدولة والامة بالتأكيد، أولا لأن الدولة لم تنبثق عن الأمة من جهة، ولا تزال ترفض التسليم بالشرعية القانونية الديمقراطية، أي المستمدة من الإرادة الشعبية، وثانيا لأن مفهوم الأمة/السياسية لا يزال يختلط في المخيلة والذهن العام في بلادنا بممعنى الجماعة القومية او الدينية أو المذهبية أو القبلية. وقد عمق من هذا الاختلاط الفكر القومي الذي سيطر على المنطقة العربية خلال نصف القرن الماضي، والعودة الواسعة لمفهوم الدولة الخلافة والسلطنة عند قطاعات واسعة من الرأي العام على أثر فشل الدولة الوطنية في تمثيلها الشعب والتحول إلى دولة حديثة أمة، وإخفاقها في تلبية مطالب بناء المواطنة، أو الأمة المكونة من جماعة المواطنين الأحرار المتحدين في ما بينهم على أسس ومباديء وعقد اجتماعي عبر دولة تمثل إرادتهم المشتركة. وهذا يجيب على الشطر الثاني من السؤال.

  1. الثورة هي حالة هدم وبناء متلازمين … فكيف يرى الدكتور برهان غليون مستوى البناء، والانتاج الفكري في الثورة السورية، وهل يتناسب مستوى الإنتاج مع ما تم تقديمه من تضحيات؟
غليون:
الثورة ليست عملية انقلابية تظهر نتائجها سريعا. هي، حتى عندما تكون سلمية، عملية عنيفة ومعقدة تنهار من خلالها كل النظم والتوازنات والمفاهيم والقيم القديمة ويولد منها نظام جديد. لكن هذا النظام الجديد ليس جاهزا في أي مكان. إنه يولد في الصراع، وليس هناك أي ضمانة للوصول إليه سوى تمسك اصحاب الثورة والذين ضحوا من أجلها بالهدف الأسمى الذي قاموا من أجله وقدموا كل التضحيات في سبيله. وهذا الهدف هو في حالتنا والحالة العربية تحرر الشعوب من الوصاية ونيل الفرد حريته وكرامته، وهو شرط لأي تقدم آخر أخلاقي أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي.
لكن في مواجهة العمل لتحقيق هذا الهدف هناك قوى داخلية وإقليمية وخارجية لا تنسجم مصالحها مع عملية التحرر هذه، وهي تسعى إلى الانقلاب على الثورة ذاتها، وقطع الطريق علىها. ونحن الآن نعيش في سورية وبعض البلدان العربية الأخرى حقبة الثورة المضادة التي تتخذ أشكالا مختلفة حسب الحالة. وفي سورية هناك تحالف يجمع بين المافيات الحاكمة والميليشيات الطائفية في المنطقة والقوى الإقليمية وعلى رأسها نظام طهران المذهبي والتوسعي واسرائيل، وروسيا الاتحادية التي تستخدم نظام الأسد كورقة في الضغط على الغرب وواشنطن التي تريد أن تقايض سورية بالتوقيع على اتفاقية حظر انتاج الاسلحة النووية مع طهران.
لا يزال الابداع الاهم بالنسبة للشعب السوري يكمن في روح المقاومة والتضحية البطولية. على مستوى الأدب والفن والفكر يحتاج الأمر إلى وقت أطول، ربما إلى تفتح مواهب الجيل الجديد الذي عاش الثورة والحرب في عروقه وجسده وروحه.
لكن منذ الآن يمكنك أن ترى في وجوه السوريين، حتى الذين حطم التشرد واللجوء وسوء المعاملة قلوبهم، نور الحرية والكرامة يشع في عيونهم، وهو الذي يدفعهم إلى المقاومة والصمود. الثورة مستمرة في القيم التي زرعتها والحرية التي روتها بدماء شهدائها المتفتحة في قلوب الأجيال الجديدة.

كلمة أخيرة

غليون:
أقول للسوريين إن التضحيات التي قدموها في سبيل تحررهم ما كان بإمكان أي شعب آخر أن يقدمها، وأنهم واجهوا ويواجهون قوى ما كان لشعب صغير مثلهم أن يحتمل عنفها ووحشيتها، وأنهم يخوضون حروبا محلية وإقليمية ودولية لم يحصل من قبل لشعب أن خاضها وحده، وان كل هذا يؤكد أنهم شعب عظيم واستثنائي في قوة إرادته وقدرته على الصمود والتضحية وحبه للحرية، وأن الشعب الذي كانت هذه شمائله لا يمكن إلا أن ينتصر، ويستعيد سيطرته على وطنه الذي تستميت وحوش المنطقة والعالم على تقاسم النفوذ فيه والتهامه، ليبقى إلى الأبد وطن السوريين، عظيما كما هم، ومستقلا كما هي إرادتهم، وكريما كما هي أرواحهم.