lundi, juillet 21, 2014

حقيقة الطائفية في الصراعات العربية والاقليمية


لم تكن قضية الطائفية حاضرة في السياسة والثقافة العربيتين في أي فترة كما هي اليوم. وما يثير التساؤل حول هذا الحضور هو أنه يأتي بعد ما يقارب القرن من تأكيد عهد الوطنية ورفض جميع أشكال الانتماءات الطائفية والقبلية، وتلاشي مظاهرها، المعلنة على الأقل، إلى حد كبير. الكثير من المثقفين والاعلاميين وصناع الرأي يبدون وكأنهم يكتشفون لأول مرة قوة هذه الانتماءات، ويدعون إلى مراجعة الطروحات القومية والوطنية التي ساعدت على تجاهلها او إنكارها، ويعتقدون أن الاعتراف بها وإعطائها "حقوقها" والكف عن إنكارها، هو الطريق الوحيدة لمعالجة آثارها، وانقاذ رهان الدولة والحداثة الوطنية، وهناك من يذهب إلى أكثر من ذلك ويعتبر أن الحروب والنزاعات الداخلية والاقليمية بينت أنه لا يوجد على الأرض إلا الطوائف، وأن الخاسر الأكبر في هذا الصراع هو الجماعات التي لم تعرف كيف تنظم نفسها وتقاتل على أجندة طائفية، مثلها مثل الآخرين، وكانت كالزوج المخدوع . وهذا يفسر أيضا جزءا من صعود الحركات الجهادية السنية التي تتبنى بصراحة خطابا وأجندة طائفيين. ويعتقد الجميع أن كل ذلك ينذر بحرب طائفية داخلية وإقليمية لن تبقي شيئا من أي ماضي وطني أو حداثة أو مشاريع ديمقراطية أو قضايا وحقوق إنسانية.
وعلى العموم يسود الاعتقاد اليوم ان الطائفة حقيقة قوية أخطأنا في تقدير حيويتها وتأثيرها، وأنه لن يكون من الممكن إعادة بناء الدولة في المشرق العربي إلا على أساس احترام هذه الحقائق والتكيف معها، مما يعني ربما التضحية بفكرة الدولة الوطنية الواحدة، التي تساوي بين جميع أفرادها بصرف النظر عن انتماءاتهم واصولهم، والقبول بصيغة من صيغ الفدرالية أو حتى الكونفدرالية التي تعطي لكل طائفة سلطة ذاتية كاملة في شؤونها، وربما دولة مستقلة.
ويشارك العديد من الباحثين والصحفيين الغربيين الذين لم يقتنعوا يوما بمقدرة المجتمعات العربية على ولوج نظم الحداثة والنجاح في بناء مؤسساتها في هذا التصور، ويشجعون عليه، مؤكدين صحة تحليلاتهم السابقة التي كانت تشكك في وجود نسيج أمة في البلاد العربية، وتركز أكثر على المكونات الاتنية والمذهبية والقبلية فيها. وفي هذا السياق زاد تداول الخرائط الجديدة التي تنشرها بعض الصحف الغربية لإعادة رسم حدود دول المنطقة بما يحقق التطابق أكثر بين الدولة والطائفة. ولا يبدو أن مثل هذه المشاريع تثير الكثير من الاستياء والاعتراض من أحد. وفي جحيم الحروب الدموية التي يعيش فيها المشرق، يمكن للناس القبول بكل الاقتراحات والأفكار التي تعطيهم بعض الامل بالخلاص.

أولا ، لا أعتقد أن العصبيات الطائفية والقبلية، القائمة على ولاءات ميكانيكية قوية وتلقائية، لا تزال موجودة في المجتمعات العربية، أو على الأقل على نطاق واسع ومؤثر. ولا أنها كانت تعيش تحت الأرض الوطنية واستيقظت على غفلة منا ودمرت انجازاتنا الحديثة. بالعكس أعتقد أن هذه الطوائف قد تفككت وانحلت كعصبيات، حتى لو بقيت منها بعض الروابط المحيلة إلى المخيلة أكثر منها إلى ترابط مصالح حقيقية. ولم تعد الطائفة، مهما بلغ تنظيمها الداخلي قادرة على تأمين مطالب الوجود والحياة الضرورية للفرد، وأولها المرجعية الفكرية والأخلاقية والمكانة السياسية والحماية والأمن والقانون والعمل والتعليم والتطبيب، وغيرها. بل إن كل ما بقي من مظاهر التضامن الداخلي بين أفرادها يعود إلى النجاح في تأسيس صندوق للمساعدات الانسانية، أو بسبب ارتباطها الخارجي الذي يضمن لها بعض الدعم، وفي حالات قصوى، كما هو الامر في لبنان، بسبب توظيفها بشكل سافر في استراتيجيات خارجية وتحويلها إلى أداة من أدوات الصراع على السيطرة داخل البلد الأصلي أو خارجه. لكن حتى في هذه الحالة لم يعد الأمر يتعلق بتضامن طائفي عفوي وموروث، أي بعصبية طبيعية، ولكن بعمل منظم تقوم به نخبة ليست حتى بالضرورة دينية أو ذات صفة زعامية، وبالتنسيق مع الدول الخارجية، لاحداث انقلاب داخل الطائفة على السلطات التقليدية، وانتزاع القيادة منها وفرض أجندة النخبة الانقلابية الجديدة عليها. أكبر مثال على ذلك حزب الله في لبنان، لكن ليس وحده. وهذا يعني في نظري أنه لم تعد الطائفة واحدة، وإنما أصبحت كل منها طوائف متعددة حتى حين لا تنقسم الزعامة لدينية.

وثانيا، لا أعتقد أن وجود هذه العصبيات الطائفية واستمرارها في العمل من تحت، حتى لو تم البرهان عليه، هو الذي يفسر ما تعيشه الدولة الوطنية العربية اليوم من أزمات وما تواجهه من مصاعب، وأن إرضاء مطالبها وتطمينها على وجودها واستقرارها يمكن أن يفيد في شيء ويخرجنا من الحرب الطاحنة الخفية والعلنية التي نوشك أن نستوطن فيها. كما لا أعتقد أن هناك تناقضا او تعارضا حتميا بين استمرار التضامنات الأهلية وقيام الدولة الوطنية. وأكبر دليل على ذلك هو أن هذه الجماعات الأهلية لم تقف ضد نشوء الدولة الوطنية الحديثة عندما بدأت النخب المتعلمة الحديثة تسعى إليها، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في المشرق العربي، ولكنها شجعتها. بالرغم من أنها كانت لا تزال تتمتع بقوة ونفوذ لايمكن التشكيك بهما. وفي سورية كان لوجهاء الطوائف والقوميات الدور الأكبر في تعويم مشروع الدولة الوطنية الواحدة، وحمايتها والدفاع عنها. والدليل الثاني الأهم هو اننا سنتعب كثيرا اليوم إذا فكرنا، كما كان يحصل منذ قرن، في جمع وجهاء الطوائف والعشائر ، من أجل ايجاد مخرج للحرب أو تسوية للنزاع. والسبب اننا لن نعرفهم ولن نجدهم، وإذا وجدنا بعض آثارهم، فسندرك بسرعة إنهم لا موقع ولا تأثير ولا نفوذ لهم وغير قادرين على الحل والربط في أي قرار. ويكفي أن ننظر إلى من يتحدث باسم الطوائف اليوم : الأسد والمالكي وأضرابهما وأعوانهما من الضباط ورجال المال والأعمال الفاسدين والأمنيين والمخبرين ، أؤلئك الذين عملوا من قبل، هم وآباؤهم وأنصارهم، على تقويض سلطة وجهاء الطوائف وتدميرها.
على العكس تماما، أعتقد ان ما نشهده من نزاعات وفوضى لا ينتج عن انبعاث العصبيات الطائفية ولا يبرهن على وجودها، ولكنه ثمرة انحلالها وتفجر نواتها وتحولها إلى ركام وأشلاء. ولأننا، في سياق الدولة الوطنية التي اقمناها، لم ننجح في لم هذه الاشلاء وإعادة تركيبها بما يحولها إلى عناصر في جسم وطني فاعل، ويمدها بذاكرة مغايرة وتاريخ جديد، أصبحنا، كما نحن الآن، ضحاياها. ما نعيشه اليوم هو ثمار الفوضى المزدوجة التي تسببنا فيها نحن، النخب الحديثة، اللاطائفية والمعادية للولاءات العصبية : الفوضى الناجمة عن تحلل الطائفة والقبيلة، وتلك النابعة من تقويض مشروع الدولة الوطنية وتفريغه من محتواه، وما تنتجه كل يوم من حروب ونزاعات تدفع إليها هذه الاشلاء المنفصلة عن حواملها والمتناثرة في كل الأرجاء، والتي لم يعد سلوكها يعتمد على أي مرشد او دليل، لا ذاك الموروث عن تقاليد وقيم القبيلة والطائفة، ولا المرشد المستمد من دليل المواطنة للحقوق والواجبات. هكذا صار كل شيء ممكن وكل شيء مباح. هذا هو أيضا موقع بشار الأسد وجماعته والمالكي وأزلامهما . هؤلاء يمكن أن يكونوا أي شيء ما عدا أن يكونوا زعماء عشائر وطوائف أو قادة وطنيين، أو رؤساء دول، يعرفون واجباتهم وحقوقهم ويلتزمون بها. إن من يراقب سلوكهم وأخلاقياتهم والأفكار والمشاريع التي تحركهم وتوجه أفعالهم يدرك تماما أنها لا تختلف عن تلك التي كانت توجه، في قرون سابقة بعيدة، الجماعات الشاردة المنفلتة من مجتمعاتها، من قراصنة وأفاقين وقطاع طرق ومغامرين وغزاة همجيين.

ولأنه لم يعد هناك طوائف وعصبيات فاعلة تحمي الفرد وتساعده على تنظيم شؤونه وحل مشكلاته في المجتمع، أي لم يعد هناك ايضا وجهاء طوائف نافذين ومتحكمين بطوائفهم، صار من الممكن بسهولة تجيير الطائفية وتجييشها في كل المعارك السياسية وغير السياسية من قبل كل من يملك المال والدعم، وأفضل من ذلك من يملك الحماية الخارجية. ولأن الطوائف تحللت كتشكيلات فاعلة ومستقلة او شبه مستقلة، وولدت جيوش من الفاقدين للانتماء، زاد بما لا يقاس الطلب على الدولة والصراع من أجل النفوذ إليها والارتباط بها. وصار من المممكن أكثر، في حال انعدام قدرة الدولة على تلبية طلبات الولاء والانتماء، أي الاعتراف بعضوية الافراد، ومواطنيتهم، أي نسبهم المواطني، صار من الممكن لكل صاحب غاية أو مشروع خاص أن يشترى الكثير من الولاءات، وبسهولة، أي صار من الممكن ظهور مافيات المال والسلاح واعادة بناء القلاع والقصورالاقطاعية، وإحياء منظومات أسياد الأرض، والاسياد عموما والأقنان. وبالمثل، لأنه لم يعد هناك قاعدة ولا منظومة قيم ولا مباديء تحكم عمل هذه الشظايا والأشلاء الشاردة في الفضاء الاجتماعي، صارت الحرب من دون مرجع ولا قانون. ولم يعد العطش للانتقام أو الرد على تحدي المعارضة والمقاومة الاهلية يكتفي بأقل من تحويل المجتمعات نفسها إلى أشلاء.
والنتيجة، ليست الطائفية المكبوتة أو المتجاهلة هي التي دفعت إلى الحرب الوحشية التي يعيشها المشرق اليوم، وإنما بالعكس تماما، الحرب والصراع على السلطة، وإرادة السيطرة للدول، هي التي بعثت الطائفية وأعادت تركيبها، لكن في شكل قوى ملحقة وحليفة، مقاتلة ومندمجة في مشاريع سياسية وإقليمية، ومشاركة فيها، لا يهمها لا مذهب الطائفة ولا حياة أبنائها ولا مصيرهم. والواقع أن تراث الطوائف كلها أصبح اليوم، بما في ذلك الاسم، مخطوفا من قبل نشطاء يعملون في إطار مشاريع سياسية خاصة. ولا تعدو الطائفية السائدة اليوم سوى شعارات وجمل تستخدم لتعزيز آلة الدعاية والحرب النفسية التي تخوضها الأطراف السياسية. ولو نظرنا في الظاهرة عن قرب لاكتشفنا أن ما يسمى بالمشاريع الطائفية ليس له أي مقوم داخلي، وكلها مشاريع مرتبطة بقوى أجنبية. وهذه الطائفية المخطوفة والمجيرة لحسابات سياسية واستراتيجية محض هي التي تهدد تراث الطائفية الاجتماعي، الذي يجسده التضامن الأخوي، والاعتزاز الفطري والطبيعي عند كل فرد بانتمائه الديني او المذهبي او القومي او العائلي. وهذا من معالم الكرامة الشخصية، ولا يربطه شيء بالطائفية التي تعمل كأداة للسيطرة الداخلية أو الخارجية، والتي تضع الانتماءات الجزئية في مواجهة قيم التضامن والتعاون والتكافل الانسانية التي لا تستطيع أن تعمل وتزدهر اليوم إلا في إطار دولة وطنية مدنية يحكمها القانون الذي يساوي أيضا بين جميع أعضائها، ويضمن لهم جميعا، من الحرية والكرامة والحماية وروح التكافل والتضامن، ما حرموا منه للأبد بزوال الحاضنة الاهلية "الطبيعية.

من المسؤول عن إجهاض الدولة الوطنية؟ هذا ما سنجيب عليه في المقال القادم 

samedi, juillet 19, 2014

في الدعوة المتجددة لعقد مؤتمرات وطنية وتجمعات جديدة سياسية



كثير من الاخوة الذين تواصلوا معي في الأسابيع الاخيرة لديهم شعور بان الثورة تمر في مرحلة حرجة، وأنها تفتقر لقيادة تثق بها وتتفاعل مع مشاكلها وترد على التحديات التي تواجهها. وترتفع الاصوات، بسبب ذلك، من جهات متعددة للدعوة إلى مؤتمر أو تجمع وطني يملأ الفراغ الذي تركه تخبط المعارضة وانقسامها وتنازع رجالاتها. وجوابي: 
قبل الاقدام على محاولات جديدة والانفاق على مؤتمرات وطنية أو تشكيل تجمعات وائتلافات سياسية، في الداخل أو في الخارج، ينبغي مراجعة تجربة المعارضة الماضية وتحليل أسباب قصورها وفشلها، حتى لا تقع التشكيلات القادمة في الحفرة نفسها التي وقعت فيها سابقتها وتقود إلى تكريس الفشل وتثبيته.
فليس من المؤكد أن العيوب ذاتها التي أدت إلى ايصال المعارضة إلى طريق مسدود لن تقود أي تجمعات جديدة إلى الطريق المسدود ذاتها. 
من دون الكشف عن تلك العيوب ومعالجتها، ليس من المؤكد أن التجمعات الجديدة ستعمل بشكل أفضل من سابقتها، وأخشى أن تكون أسوأ منها وأكثر إثارة للاحباط والسخط، كائنا من كان ملهمها أو منسقها أو زعيمها.
لن نخرج من الحلقة المفرغة المتمثلة في غياب القيادة، من دون الخروج من مرحلة الطفولة السياسية، التي لا ترى في السياسة سوى الأشخاص وتخلط بين الوظائف العمومية والمصالح الفردية. 
وليس من الممكن بلوغ سن الرشد السياسي من دون مراجعة جدية وعميقة وموضوعية تعيد بناء معنى السياسة ومضمون المصلحة العمومية، أي طبيعة عمل الدولة ووظيفتها، وبناء أخلاقيات المسؤولية في مواجهة ثقاقة الوصولية وخدمة الذات الأنانية.
ولن أشعر أن هناك حركة حقيقية في هذا الاتجاه ما لم تنتشر اللقاءات وحلقات النقاش السياسية بهدف المعرفة والفهم واستخراج النتائج والخلاصات ودروس التجربة المرة الماضية والعثور على المفاتيح التي تستطيع أن تجعل من أي تشكيل قادم إنطلاقة جديدة وتحولا نوعيا في الممارسة السياسية، لا تنازعا إضافيا على مواقع القيادة الخلبية.

jeudi, juillet 17, 2014

إرادة الحرية والكرامة تشعل مقاومة غزة/ مقالي في العربي الجديد


تستعد اسرائيل لشن حرب برية جديدة على غزة تدعي أنها من باب الدفاع على النفس بعد أن اختطف مجهولون ثلاث شبان اسرائيليين وتم العثور عليهم مقتولين في غزة.
لم يقنع تبرؤ حماس وإدانتها، ومعها السلطة الفلسطينية لعملية الاغتيال هذه، السلطات الاسرائيلية. ولإرضاء المستوطنين والمتطرفين الذين تفيض بهم حكومة نتنياهو نفسها، لم تجد اسرائيل وسيلة أفضل للرد سوى ما اعتادت عليه، من نطبيق سياسة العقاب الجماعي والانتقام، البدائية، والتي نجحت اسرائيل في جعلها سياسة رسمية وعلنية، وفرضتها على المجتمع الدولي المماليء لها والخائف من ابتزازها باللاسامية، كوسيلة مقبولة ومشروعة بالنسبة لاسرائيل، بالرغم مما تمثله من انتهاك لكل المباديء والقوانين والشرائع الانسانية واتفاقيات جنيف المتعلقة بالحرب. بل لقد استسهلت استخدامها وتعميم العمل بها حتى سقطت كل المحرمات في صراعات الشرق الأوسط، ولم يعد هناك أي قانون أو عرف يحد من استخدام العنف، وانفتح الباب أمام سياسات الإبادة الجماعيةو والتطهير الاتني، مما نشاهد أمثلة عنه في حرب النظام السوري والنظام العراقي ضد شعبيهما.
كان من الطبيعي أن يثير خبر العثور على جثث الشبان الاسرائيليين الثلاثة موجة عارمة من الغضبن في الشارع الاسرائيلي.لكن، بدل أن تطالب الحكومة الاسرائيلية، حسب ما يجري في العالم كله، بتحقيق موضوعي في عملية اغتيال الشبان، وتطبيق القانون بمعاقبة الجناة، توعدت الفلسطينيين وغزة وحماس بالانتقام، وعبأت الشارع ضد الفلسطينيين وهيجت المشاعر العنصرية، كما لم يحصل من قبل، وشارك في التهييج العنصري قادة سياسيون وأعضاء حكومة صرخوا مع تجمعات العنصريين "الموت للعرب"، و رددوا شعاراتهم التقليدية في الانتقام وإبادة الفلسطينيين. وفي مناخ الخطابات العنصرية وتظاهرات التنديد بالعرب والفلسطينيين والتهديد بحملة برية لترويع سكان غزة وتأديبها، بدأت حملة الاصطياد للاطفال العرب لقتلهم والتمثيل بهم. وفي هذا السياق تم خطف الفتى محمد أبو خضير وتعذيبه ثم إضرام النار في جسده الصغير بأكثر الطرق وحشية.
في اي حكومة تحترم نفسها والتزاماتها القانونية، تقوم الشرطة بالقاء القبض على الجناة ومعاقبتهم للحفاظ على حد أدنى من ماء الوجه ومظاهر سلطة القانون. في اسرائيل، التي أصبحت العنصرية المعادية للفلسطينيين والعرب عقيدتها الحقيقية، لم تتظاهر السلطات حتى بالاهتمام بذلك، ولكنها شجعت على الانتقام الجماعي البدائي واعتبرته سلاحا مشروعا للضغط على الفلسطينيين وإخضاعهم. أصبح كل فلسطيني مذنب بالولادة، ولم يعد قتل العربي يثير أي تحرك قانوني. بمثل هذا السلوك ساهمت الحكومة في دفع الجمهور المتعطش للدماء إلى المزيد من طلب الدماء، وأرادت أن تستغل جو الهيجان العنصري الذي رافق جريمة حرق الفتى أبو خضير من أجل كسب المزيد من الدعم الشعبي وتلبية مطالب اليمين العنصري بتوجيه ضربة لحماس ومعاقبتها على الدخول في تفاهم مع السلطة الوطنية وتصديع الوحدة الفلسطينية.

تعتقد حكومة نتنياهو أن أفضل طريقة للتغطية على الجريمة وانتهاك القانون هي ارتكاب جريمة أكبر. وهذه أيضا سياسة تلميذها بشار الأسد. والآن تهدد تل أبيب بحملة برية على غزة لمعاقبة الفلسطينيين وتركيعهم، والضغط على السلطة الفلسطينية للخلود للصمت والقبول بالأمر الواقع، أي بفشل المفاوضات وعدم التوصل إلى أي نتيجة في الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، والاستمرار في استكمال مشروع استيطان الضفة الغربية وقضمها، بعد تعطيلها المفاوضات على أساس الدولتين.
أي حرب جديدة على غزة تعني حمام دم للسكان المدنيين، بصرف النظر عن الخسائر التي تهدد قوات حماس بإنزالها بجيش الاحتلال. لذلك ينبغي أن يكون حرص الفلسطينيين على وقف إطلاق النار وتجنب مزيد من الضحايا أكبر من أي هم آخر. لكن من جهة أخرى لا تعني المطالب الاسرائيلية التي سربتها الصحافة عن اقتراح وقف إطلاق النار برعاية مصرية إلا استسلاما كاملا لحماس وللفلسطينيين أمام التهديد الاسرائيلي.
على المجتمع الدولي، والولايات المتحدة بشكل خاص، الذين سمحا لاسرائيل بالتوسع على حساب الفلسطينيين، وأغمضوا أعينهم عن استمرار الاستيطان، وتحويل غزة إلى سجن كبير، وتجويع سكانها وعزلهم عن العالم، أن يدرك أن مسايرة المطالب الاسرائيلية وشرعنة سياساتها العدوانية، باسم الدفاع عن النفس وحماية الاسرائيليين، لن تساهم في ايجاد أي حل للنزاع، ولكنها سوف تدفع إلى المزيد من التوتر والعنف والاقتتال. وفي الظرف الإقليمي الراهن، سوف تكون أفضل وقود لتنمية التطرف وتوسيع دائرة نفوذ المنظمات الاسلامية المتشددة وغير المتشددة، في عموم المنطقة المتفجرة.
لن يمكن التوصل إلى أي حل، ولا قيمة لأي تهدئة مرحلية، إن لم تنجح الدول، التي تدعي المساهمة في نزع فتيل الحرب الدموية، في إدراك عمق الاحباط والمعاناة عند الفلسطينيين، وتدفع، بدل إرضاء القوة الاسرائيلية ومسايرتها، إلى فتح باب الحل للقضيةالفلسطينية وتخفيف الضغط الانساني والسياسي والاقتصادي والعسكري على شعب لا يزال يكافح منذ قرن من أجل حقه في الحياة في أمن وسلام وحرية وكرامة. ولن يقبل الفلسطينيون الذين يعيشون في المناخ ذاته الذي فجر ثورات الحرية والكرامة العربية، بالتراجع عن أهدافهم والقبول بقانون الإذعان والقبول بالامر الواقع الذي تحاول أن تفرضه اسرائيل للمرة الألف على ضوء ما يعيشه العالم العربي من أوضاع مأساوية.
لايتعلق الأمر فقط بوضع حد لسياسة الغيتو أو المعزل الذي حبست فيه اسرائيل شعب غزة، وأرادته مستودعا لعزل الفلسطينيين وخنقهم البطيء، وإنما قبل ذلك بمصير القضية الفلسطين بأكملها، بعد أن أوصلتها الإرادة السيئة الاسرائيلية إلى طريق مسدود، وباستعادة حقوق شعبها التي لا تزال اسرائيل تدوسها بأقدام جيوشها وعنصرييها، أمام صمت الغرب ومباركته، هذا الغرب نفسه الذي لم يكف عن تقييد أيادي الفلسطينيين والعرب بوعود الحل التفاوضي على أساس الدولتين، في الوقت الذي لا يكف فيه عن تعزيز قدرات اسرائيل الحربية ومسايرة مشاريعها العدوانية .



هذيان القسم


هذيان الاسد اليوم لا يستحق التعليق. لو كان لديه أدنى درجة من الشرف لخجل من نفسه، وتردد كثيرا قبل أن يتحدث عن ولاية ثالثة وسلطة ونصر. 
عندما يذبح رئيس أبناء شعبه ويشرد أطفاله ونساءه ويدمر مدنه وبلداته من أجل ولاية ثالثة، يخرج من الانسانية ومن المجتمع والدولة ومن الكلام نفسه. يتحول إلى وحش.
وإذا كان موت مئات الآلاف وحصار المدن وتجويع ساكنيها واعتقال مئات الآلاف وتعذيبهم وهدر دمهم، وتهجير الملايين وتشريدهم ، وتركهم من دون مأوى ولا مورد ولا معيل، إذا كان كل ذلك انتصارا للشعب، فلا أدري ماهو معنى النكبة والهزيمة والكارثة
وإذا كان كل مافعله بالسوريين من مآسي وويلات ومصائب كان دفاعا عن خط المقاومة ضد اسرائيل فلا أدري ما ذا أبقى لإسرائيل أن تفعله إذا أرادت أن تظهر غضبها وعداوتها للسوريين،
إذا كان تحطيم سورية وتدمير حضارتها وتشريد شعبها والقضاء على مستقبل أبنائها انتصارا فهو بالتأكيد، وقبل أي شيء آخر، للجبن والخيانة والنذالة والشذوذ.
هؤلاء قتلة محترفون، لا معنى للكلام في أفواههم، ولا يعرفون إلا الكذب والرياء والتزوير.
وراء استخدام كلمة الشعب التي لا يكفون عن تكرارها ، للتغطية على حقيقة الفكر العنصري الذي يخفيه أي أفاق لئيم، تكمن روح الشر والشماتة وإرادة الانتقام والحقد والاستهزاء بالعقل واللغة والفكر والضمير، لا شرف ولا عقل ولا عقيدة ولا وجدان.

lundi, juillet 14, 2014

من المسألة الشرقية إلى مشكلة الطوائف والأقليات


ارتبط اسم المسألة الشرقية بعقيدة التدخل، باسم حماية الأقليات الدينية، من قبل الدول الاوروبية، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وروسية، والتي انخرطت فيها، في ما بعد، النمسا وايطاليا والمانية، في شؤون السلطنة العثمانية. وقد بدأت هذه السياسة باتفاقية كارلوفيتز لعام ١٦٩٩ التي تخلت بموجبها السلطنة عن مناطق واسعة في أوروبة الوسطى، ولم تنته إلا بعد إعلان الجمهورية التركية عام ١٩٢٣، مرورا باتفاقية كوتشوك كينارجي لعام ١٧٧٤ التي قبلت فيها استنبول بتقديم تنازلات او امتيازات سياسية واقتصادية كبيرة لروسية.
لكن حتى بعد ذلك الوقت، استمرت السياسات الأوروبية تنظر إلى الدول الجديدة الناشئة، بما في ذلك تركيا نفسها، من منظار التعدد الأقوامي والمذهبي، وترفض أن تتعامل معها كشعوب تجمع بينها، بالرغم من تمايزاتها الداخلية، الرابطة السياسية، أي رابطة الوطنية التي بدأت تتقدم عند جمهور النخب العثمانية بشكل كبير على العصبيات الطائفية والأقوامية، وكان أكبر مثال على ذلك حرب الاستقلال الوطنية التركية ضد التدخلات الأوربية الرامية إلى تقسيم تركيا نفسها.
وعندما استقلت الأقاليم العربية الآسيوية عن السلطنة العثمانية بدءا من ١٩١٩، لم تغير الدول الاوروبية من نظرتها إليها، واستمرت تتعامل معها بوصفها خليطا غير متجانس من الطوائف والعشائر والاقوام التي لا يجمع بينها شيء، وتبني علاقاتها مع كل طرف على انفراد، في الوقت الذي كانت النخب السورية والعربية الاستقلالية تركز فيه على الانتماء العربي والوطني الجامع، وتعتبر الطائفية والعشائرية والقبلية من مخلفات الماضي المتسم بالجهل، وتعلن حربها ضدها من منظور توحيد الصف الوطني وتأكيد وحدة الشعب والبلاد.
فبعد أن قسمت فرنسا سورية الفيصلية - التي كانت هي نفسها ثمرة تقسيم المشرق حسب اتفاقية سايكس بيكو الشهيرة - إلى خمس دول على اعتبار المذهب والطائفة والمنطقة، اضطرت إلى التراجع عن مشروعها تحت ضغط النخبة الوطنية، التي حاربت فكرة التقسيم في عموم مناطق سورية وتمسكت، على مختلف طوائفها، بمشروع الدولة الوطنية الحديثة التي لا تفرق بين مواطنيها بسبب الطائفة والأصل، وتراهن على بناء وعي وطني وانتماء سوري وعربي يتجاوز أي انتماءات جزئية دينية أو مذهبية.
وفي هذا السياق تبنت النخبة السورية، كبقية النخب العربية في ذلك الوقت، الشعار التاريخي الذي كان في أساس تصور الدولة الوطنية أيضا في مصر : "الدين لله والوطن للجميع"، الذي يعني اسبقية الانتماء الوطني في السياسة، بما يتضمنه من الاعتراف بالمساواة التامة في جميع الحقوق والواجبات بين جميع الأفراد. وهكذا نشأ مفهوم المواطنة والانتماء للدولة، وتقدم مع الوقت على مفهوم الانتماء للطائفة أو الأصل، من دون أن يعني ذلك لأحد أن ذلك كان على حساب الايمان الديني والتمسك بالعقائد الدينية الاسلامية أو المسيحية كان هذا احد أركان مفهوم الدولة الوطنية الحديثة التي سترى النور في كل البلاد العربية في حقبة ما بين الحربين العالميتين.
ما ذكرني بهذه اللحظة التأسيسية في التاريخ السياسي العربي الحديث أمران :
الأول ما شهدته من التركيز المفرط للدول الغربية التي وقفت، إلى هذا الحد أو ذاك، إلى جانب الثورة السورية الراهنة، حتى لا أقول الهوسي والممل، على مشكلة الأقليات، وهي الاسم الجديد للمسألة الشرقية بعد زوال السلطنة العثمانية ونشوء الدول الوطنية في الفضاء العربي، وعودة هذه الدول السريعة إلى تبني مفهوم تجمع الطوائف والأقليات على حساب وجود الشعب كقوة سياسية، في الوقت الذي كانت الثورة فيه لا تكف عن تأكيد وحدة الشعب والدولة وهدفها في الاصلاح السياسي.
والثاني وهو الأخطر، ما برز بالفعل، في سياق ثورات الربيع العربي، من تبن متزايد من قبل قطاعات واسعة من الرأي العام ومن النخب السياسية والاجتماعية العربية لهذا التصور الطوائفي، والتخلي عن المفهوم الوطني المؤسس للدولة، لصالح ما يسمى اليوم بالفدرالية والفصل الطائفي، كوسيلة لمقاومة الاقصاء والتهميش والوصول إلى مزيد من العدالة وحل للنزاعات الأهلية المشتعلة في أكثر من دولة عربية حول مستقبل النظام السياسي. ومع مرور الوقت واستفحال الأزمة، وسقوط آلاف الشهداء والجرحى  من دون أمل بالخلاص القريب من جهة، وتماسك النظم الطائفية القائمة من جهة ثانية، يزداد خيار الفصل الطائفي شعبية داخل صفوف عموم الناس الملوعين بالعنف والقتل العشوائي والدمار، ويضغط بقوة متزايدة أيضا على خيارات النخب التي تجد نفسها أكثر فأكثر أمام انسداد باب المصالحة الوطنية مفتقرة لأي جواب يرد على استمرار الحرب والقتال.
اعتقد ان الوقت قد حان كي نطرح على أنفسنا، بعد عقود من التجربة اللبنانية التي قامت على أساس توزيع طائفي للوظائف السياسية والادارية، أي لمناصب الدولة العليا، الذي لم يصل إلى درجة توزيع المناطق الجغرافية، وأكثر من عقد على التجربة العراقية، التي حاولت فيها سلطة، اعتبرت أنه من الشرعية أن تفرض الأكثرية المذهبية نفسها وطابعها على الدولة، أسئلة رئيسية قد تساعد الاجابة عنها والتفاهم حولها على التوصل إلى حل، واستعادة المقدرة على اطلاق مبادرة وطنية توقف الحرب، تفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة ورسم الخطوط العريضة لمستقبل مختلف للشعب والبلاد فكيف اصبحت قاعدة التفريق الطائفي، التي كنا ننظر إليها بوصفها استراتيجية استعمارية، بديلا مقبولا للفكرة والسياسة القائمتين على أسس وطنية تساوي بين الجميع وترفض التمييز بين المواطنين؟ وما أسباب هذا التحول وأهدافه؟ وهل تنجح الدول أو الدول الطائفية في تحقيق ما عجزت عنه الدولة الوطنية من العدالة والمساواة والاستقرار والحرية والكرامة؟ وما هو حظ مثل هذه المشاريع الطائفية من التحقيق والبقاء؟ هذا ما سوف نسعى إلى تناوله في المقال القادم.


lundi, juillet 07, 2014

من حمزة الخطيب إلى محمد أبو خضير


الفيديو الذي نشرته وسائل الاعلام عن طريقة تعامل عناصر المستوطنين والجيش الاسرائيلي مع الناشطين الفلسطينيين، وتتويجه بقضية محمد أبو خضير، الذي أحرق حيا، من أجل بث الرعب في صفوف الفلسطينيين لمتابعة مشروع استكمال استيطان الضفة الغربية، لا يمكن إلا أن يستدعي إلى ذهن الانسان الكثير من الصور والحقائق المعروفة:
١- التطابق الملفت بين الطريقة التي عرضتها مئات الفديوهات التي تظهر العشرات من ميليشيات الأسد تركل بأبواطها هذا الفتى أو ذاك، لساعات طويلة وربما حتى الموت، مع تشويه الجثامين وحرقها، والطريقة التي عامل بها الجنود الاسرائيليون الفتى الفلسطيني، وفي الحالتين على سبيل الانتقام والردع وإعطاء المثل للآخرين وتأكيد قوة التصميم وانعدام أي مساومة أو حوار .
٢- لا ندري من تعلم من الآخر، جماعات الأسد وشبيحته أم جيش اسرائيل والمستوطنين. لكن ليس هناك شك أنهم تعلموا جميعا في مدرسة واحدة وينتمون إلى مذهب واحد: العنف والتنكيل والإذلال لانتزاع الخضوع والخنوع والإذعان.
٣- الشيء المشترك بين جميع هؤلاء هو أنهم ينظرون إلى السكان الذي يتحكمون بهم، على سبيل الحكم وتأبيد السلطة أو على سبيل الاحتلال، كأعداء نهائيين، لا يمكن كسبهم أو الدخول إلى قلوبهم أو عقولهم بأي وسيلة ولا التفاهم معهم بأي شكل، وليس هناك من وسيلة للعيش معهم إلا بالحكم عليهم بالاعدام السياسي، مع كل ما يستدعيه هذا الاعدام من استعداد للذهاب بعيدا في العنف والاستهانة بالحياة البشرية نفسها وليس فقط بالحقوق السياسية أو المدنية. ولا شيء يمنع، إذا اقتضى الأمر، الانتقال من الاعدام السياسي إلى الإعدام الجسدي والمادي والحكم على شعب كامل بالزوال والرحيل والتسفير.
٤- العنصرية التي تنزع صفة الانسانية عن الخصم أو ما يتحول بسبب وجوده وحده إلى عدو، وتحل بالتالي استباحة دمه، شرط لا غنى عنه لاستباحة حياة البشر بالجملة وعدم التردد في خوض حروب الابادة الجماعية والتطهير العرقي، ومن وراء ذلك ضمان مشاريع الاستيطان والاستعمار
٥- الفوضى والاستهتار بمعاني الحق والقانون الذين يكمنان وراء المحرقة التي يعيشها الانسان، في سورية والعراق وربما المشرق بأكمله، لهما حدث مؤسس أول: العنف الخالص الذي ولدت فيه ومنه دولة إسرائيل، من دون حوار ولا نقاش ولا تسويات ولا سؤال، والاستيطان الذي أصبح هدف الدولة الجديدة، ومبرر وجود اسرائيل ومصدر شرعيتها ومحور حياتها الجمعية وسياساتها، بما يعنيه من اقتلاع للناس وانتزاع الأرض، والذي ما كان له أن يستمر من دون التضحية بكل مفاهيم الحق والعدالة والكرامة البشرية، وفي مقدمها الحق في الحياة وبالسلامة البدنية والنفسية والاستهانة بالحقوق الخاصة والممتلكات.
٦- لكن ما كان لهذا الحدث أن يكون مؤسسا لنظم العنف الراهنة، السياسية والإقليمية،وأن يستمر تأثيرة إلى اليوم، وبالتالي جعل هدر الحقوق أمرا طبيعيا ومقبولا ومبررا، لو لم يصادق عليه الغرب، وهو المرجعية في قضايا حقوق الانسان في العصر الحديث، ويبرره ويرفض معالجة آثاره، مما عنى تخلي المجتمع الدولي في هذه المنطقة من العالم عن كل مبادئه وقيمه وشعاراته.
٧- لا يغير في معنى ما حصل إذا كان الدافع إلى هذه الاستقالة الأخلاقية والسياسية للغرب الشعور بتأنيب الضمير عن الفترة العنصرية واللاسامية أو تعويضا عن السياسات اللاسامية، أو بسبب العنصرية الجديدة النامية تجاه العرب وثقافتهم ودينهم. النتيجة واحدة: القضاء على أي أمل ببناء صرح للحق والقانون والعدالة والتفاهم، ومن باب أولى للديمقراطية والانسانية، في هذه المنطقة المنكوبة.
٨- لن تتوقف تداعيات خيانة معنى الحق والقانون على المشرق والهلال الخصيب الداخل في محرقة بسبب ارتباطه المباشر بمصير نظام العنف الأول. وما لم تعالج آثار هذا العنف الذي أصبح متعدد المصادر والفاعلين، ويصار إلى إعادة تأهيل سريعة لمفاهيم الحق والعدالة والقانون، وفرض احترام حق الحياة والكرامة، ستنتقل العدوى إلى مناطق أخرى من العالم وسيتطور الاستهتار بالحق والقانون بموازاة تدهور فكرة الدولة وصعود أو إحياء العصبيات القبلية والطائفية.
٨- عنف الااستيطان الذي قوض معنى الحق و اسس للانتهاك الشامل لحقوق الانسان، أو الذي عطل أي إمكانية لتوطين هذه الحقوق في الدول المشرقية الحديثة، لم يؤسس فقط لشرعنة الاغتصاب من كل الأنواع، ااغتصاب الارض والكرامة والانسان، من دون عقاب، وإنما سمح لجميع النظم السياسية المكروهة من شعوبها التمثل به والتكيف معه، قبل أن تتمثل قيمه وتتبنى وسائل عمله ومذاهبه المعروفة في استخدام العنف المجنون والحرب الوقائية والانتقام.
من حمزة الخطيب إلى محمد أبو خضير ، رسالة واحدة، مصير واحد، وعنف واحد

dimanche, juillet 06, 2014

إلى أعضاء الائتلاف الوطني السوري بمناسبة انتخابات ٦ تموز ١٤


يلتئم اليوم شمل الهيئة العامة للائتلاف الوطني السوري لانتخاب قيادات المعارضة الجدد بعد نهاية الولاية القانونية السابق.
كان من المنتظر في هذا الظرف الدقيق من تطور الثورة السورية أن يتغلب العقل على الغريزة وحب الذات، وأن تتوحد القوى والجهود جميعا في مواجهة التحديات الخطيرة التي تطلقها التطورات الاقليمية والدولية أمام الشعب والبلاد.
فلا يخفى على أحد ما يواجهه الجيش الحر من ضغوط قوية، من قبل قوات النظام من جهة، وتنظيم داعش من جهة ثانية، تقلص باضطراد من دائرة نفوذه. ولا ما تتعرض له المدن والبلدات المحاصرة من هجومات متصاعدة تهدد بفتح الباب أمام انهيارات جديدة، في حلب وغيرها. ولا ما تشهده مواقف الدول المساندة للثورة من فتور نتيجة الاستنزاف وبروز مخاطر جديدة في العراق وغيره. ولا ما يخطط له من حرف الثورة عن أهدافها الرئيسية وتوجيه قواها لخدمة أجندة أجنبية. ولا ما يلوح أخيرا في الأفق، وهو الأخطر، من ملامح الاعداد لصفقة أو لمساومة دولية وإقليمية واسعة وشاملة، ستكون بالتأكيد على حساب السوريين إن لم تحقق المعارضة حضورا قويا ومؤثرا في الساحتين الاقليمية والدولية.
كان الرد المطلوب على ذلك هو دخول المعارضة بشكل قوي، منظم وموحد، على ساحة المواجهة، يؤكد تفاهم أطرافها وتعاونهم وعملهم كفريق واحد، وحسب خطط جدية وتقاسم واضح للمهام والمسؤوليات يزيد من تمثيليتها وصدقيتها ويرتقي بأدائها.
فشل المساعي التي قمنا بها خلال الشهرين الماضيين لتجاوز الانقسامات وتوحيد الرؤية وبرنامج العمل، يعيدنا إلى المربع الأول، حيث تسود روح التنازع والاقتتال على المواقع والمناصب الفارغة، وتفتح المجال أمام كل أنواع المساومات والصفقات التي تحول السياسة إلى تبادل منافع شخصية وتقضي على أي امكانية للعمل على تحقيق رؤى وخطط سياسية عامة تتطلب التعبئة والتعاون وتعميق الثقة والتنسيق بين الجميع .

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الثورة، وأمام اقتراب الاستحقاقات الخطيرة القادمة، لم يعد من المقبول التسامح مع مثل هذه الممارسات التي أفقدت الائتلاف، الذي يشكل الذراع الوحيد الرسمي للمعارضة، كل ما لديه من صدقية، وحولته إلى عالة على الثورة والشعب، بدل أن يكون سندا لهما. في الوقت الذي تحتاج فيه سورية، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى خطة انقاذ وطني، يتوزع فيها الجميع المهام والمسؤوليات، ولا يمكن ضمان نجاحها من دون التفاهم والتعاون بينهم: قادة وأعضاءا على حد سواء، من داخل الائتلاف وخارجه. هذه هي الشروط للعمل كفريق وطني واحد، وعلى هدى خطة وبرنامج عمل واضحين ومتفق عليهما، ورص الصفوف للدخول من جديد إلى ساحة المواجهة السياسية والعسكرية، التي غيبت المعارضة نفسها عنها، بسبب خلافاتها الداخية، وهي خلافات على التصدر والوجاهة، أو التي غيبتها عنها إرادة بعض الدول التي لا مصلحة لها بانتصار الثورة وتحقيق مطالبها وبرنامجها.
في مناخ الصراع البدائي السائد والمتجدد على المواقع والمناصب والصلاحيات هذا، وفشل الاتفاق على خطة وبرنامج عمل متفق عليهما لمواجهة المهام الكبيرة للمرحلة القادمة، وما ظهر من انعدام روح التعاون والثقة ومعاني الالتزام، لم يعد هناك ما يبرر التفاؤل بإمكانية وضع حد لتدهور الأداء السياسي للائتلاف، أو لامكانية تحويله من إئتلاف المصالح الخاصة والإرادات الصغيرة المتنافسة على اقتسام رصيد الثورة وحسابها، إلى إطار وطني جامع يوحد قوى الثورة، ويستقطب المخلصين والأكفاء من أبناء سورية، ويعمل على تعبئة السوريين جميعا، وشحذ عزيمتهم، من خارج الدولة وداخلها، للخروج من الجحيم، وعبور الكارثة، وإحباط مخططات أعدائهم وقتلتهم، والانتقال نحو مرحلة استعادة السلام والامل واسترجاع البلاد من خاطفيها.
وأمام حقيقة دخوله في الطريق المسدود، الذي طالما حذرنا منه، لن يستطيع الائتلاف، مع سيطرة اسلوب المساومات والصفقات على قيادته على حساب التفكير والعمل السياسيين، تجاوز أزماته السابقة، ولا توحيد المعارضة وقوى الثورة وراءه، ولا تشكيل الرافعة المطلوبة لانقاذ رهانات الثورة والشعب، أو تحقيق أي هدف من أهدافهما. وبصرف النظر عن المرشحين وكفاءاتهم، لم يعد هناك، في هذه الظروف، اي معنى للمشاركة في مسرحية "انتخابات" غايتها الوحيدة هي شرعنة اختطاف الائتلاف داخليا وخارجيا، أو المصادقة على اختطافه، ولن تكون نتائجها العملية سوى تكرار التجربة الأليمة الماضية للتنازع والاقتتال على المواقع والصلاحيات، مع نتائج أكثر ضررا وأشد فتكا بالمعارضة والثورة والشعب السوري.

أدعو جميع أؤلئك الذين بقوا مخلصين للائتلاف حتى الآن، وتحملوا، بدافع الخوف من فراغ التمثيل، او الأمل باصلاحه وتطويره، كل ما خالط مسيرته وسياساته من نقص وخذلان للثورة السورية وتجاهل لآلام الشعب ومعاناته، أن يمتنعوا عن التصويت، ويتركوا المرشحين جميعا عراة أمام ضمائرهم، حتى يتم وضع حد لهذه المسرحية المأساوية، التي تمثل على جثمان الشعب وبدموع نسائه ودماء أبنائه.  

lundi, juin 30, 2014

عن امريكا والعرب وايران

سياسة الصمت والتردد وترك الأمور على غاربها، والتي اتبعتها الإدارة الأميركية في المشرق العربي، منذ ثلاث سنوات من عمر المحنة السورية، لم تأت على سبيل العفوية، أو الجهل، أو عدم الاهتمام.
آن الأوان أن ندرك أن أميركا، ككل امبرطورية، لا تقيدها تحالفات تاريخية، ولا يهمها من الرابح أو الخاسر خارج مجال مصالحها الحيوية المباشر، إنما هي تصادق على سيطرة كل من ينجح في أن يكون شرطياً، يضمن الأمن والاستقرار في المناطق، ومستعدة لمشاركته النفوذ، وخصوصاً في المناطق المتوترة والساخنة، بمقدار ما يوفر عليها التدخلات المباشرة المكلفة.
لهذا، تركت واشنطن طهران تتصرف في العراق ومن بعد في سورية، من دون أن تحرك ساكناً أو بالكاد، وغضت النظر عن  ميليشيات حزب الله وأبو الفضل العباس وعصائب الحق والحرس الثوري وقاسم سليماني وقادة الأمن والمخابرات الإيرانيين، وسمحت لهم أن يصولوا ويجولوا، ويستبيحوا الدول وحرمات الشعوب والجماعات على هواهم، خلال سنوات طويلة متعاقبة.
الآن فقط شعرت واشنطن بالمشكلة، أو بأن هناك مشكلة. والسبب أنها انتبهت إلى أن طهران أخفقت إخفاقا ذريعاً في أن تكون الضابط لأمن المنطقة واستقرارها. فشلت في العراق في السنوات الثماني الماضية، وفشلت في سورية في ثلاث سنوات من القتال والدمار الشامل الذي استخدمت فيه كل الأسلحة المباحة والمحرمة، بما فيها الأسلحة الكيماوية. وبدل أن تشكل، بحرسها وميليشياتها ومخابراتها ورجال دينها، حاجزاً أو رادعاً أمام انتشار ما تنظر إليه واشنطن على أنه الفوضى وعدم الاستقرار، فاقمت "العهدة" الإيرانية في المنطقة من تمدد داعش والقاعدة ومخاطر توسع دائرة نفوذهما ودولتهما الخاصة.
تحتاج واشنطن، اليوم، بعد غياب مقصود دام أكثر من ثلاث سنوات، وانتهى باندلاع حريق الأنبار الكبير، حلفاء إضافيين ضد القاعدة، ما جعلها "ترى" أو تكتشف وجود الجيش السوري الحر، أو ما تسميها القوى المعتدلة فيه. في وقت كان فيه هذا الجيش، في عامين كاملين، يواجه داعش والنظام والميليشيات الطائفية الأجنبية المتطرفة جميعها، بصدور شبه عارية. وما كان يحتاجه هذا الجيش لا يعادل واحداً في المائة مما تستعد الإدارة الأميركية لدفعه الآن، من أجل الحد من  مخاطر التطرف والانجراف والانهيار الذي يهدد المشرق بأكمله اليوم.
ليس هناك أي مؤامرة تجمع واشنطن وطهران ضد العرب. ولا يوجد أي تحالف أميركي إيراني في المنطقة، ولا تزال الحسابات المعلقة كبيرة بين العاصمتين منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979. طهران وواشنطن متفاهمتان موضوعياً، ليس من خلال عقود وعهود موقعة وثابتة، ولكن، بسبب التقاء مصالحهما في ضبط المنطقة والتحكم بمصيرها، واستهدافهما المشترك، وللسبب نفسه، روح التحرر عند الشعوب العربية، واستبعادهما حتى فكرة استقلالها، وقلة تقديرهما هويتها وثقافتها، وشكهما بقدرة هذه الشعوب على الدخول في شراكة دولية حقيقية، وانعدام ثقتهما بكفاءة قادتها، وشعور زعمائها بالمصلحة العامة وبالمسؤولية، والنتيجة استسهال استباحتهما منذ عقود طويلة، ومن دون أي تفكير، دماء هذه  الشعوب وأرضها ومواردها، وعدم سؤالهما عن مصير أبنائها ومستقبلها.
ما تريده أميركا من العرب، الذين لا تنظر طهران وواشنطن إليهم إلا كـ"عربان"، أن يخلدوا للصمت، ويكفوا عن تعكير صفو" الأمن" و"السلام" الأميركي والعالمي في هذه المنطقة الحساسة من المعمورة. لا يجوز لهؤلاء، وليس من حقهم، أن يفجروا ثورات ويشعلوا انتفاضات، ولا حتى أن يسيروا مظاهرات احتجاج لا جدوى منها، ولن تقود إلا إلى إزعاح العالم وتهديد أمنه. كما كانوا دائماً عليهم أن يبقوا: نكرات وإمعات وحرادين وزواحف وحراس آبار، وفي أفضل الأحوال، أدلة سياحيين. كل ماعدا ذلك يثير قلاقل، ويشكل مصدر قلق وتوتر واضطراب في العقل والسياسة العالميين.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/88cd9f6e-cf0f-4851-ab31-0690c7249780#sthash.X4rJXgYE.dpuf

samedi, juin 28, 2014

عربيا رجل السلطة غير مسؤول

يونيو 2014 العربي الجديد 28
رفض رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، نوري المالكي، تشكيل حكومة إنقاذ وطني، واعتبرها انقلاباً على الدستور. لماذا يترك الحكم، ما ذنبه إذا تآمر عليه الآخرون، وانتشر في عهده الارهاب؟
يريد المالكي، ببساطةٍ، أن يقول، في هذه العبارات، إنه ليس مسؤولاً عما حصل، هذه مؤامرة تستهدفه شخصياً، وتهدف إلى إزاحته عن السلطة، ولا يمكن أن يقبلها، وما عليه إلا أن يقاوم، بل من واجبه أن يقاوم. 
أكاد أقول إنه على حق... لأنه لا يمكن لإنسان أن يعرف معنى المسؤولية، من دون أن يعرف معنى الواجب. المالكي، مثل نظيره الأسد، وربما الأغلبية الساحقة من الحكام العرب، لا يعرف غير الحق، حقه في أن يحكم، ربما لأنه من الأغلبية المذهبية، أو لأنه صاحب أكبر كتلة برلمانية، أو لأنه الذي انتخبه الشعب، ووضعه على رأسه، أو لأنه انتزع السلطة، هو أو أبوه بقوة السيف. 
في ثقافتنا السياسية المرتبطة بعصر مديد من سيطرة أنظمة الاستيلاء والحكم بالإكراه، المحكومون هم المسؤولون عن كل ما يحصل من أخطاء وكوارث. وهم الذين يدفعون الثمن، ولو لم يكن لهم فيها لا ناقة ولا جمل. أما الحاكمون فغير مسؤولين، لأن المسؤولية تعني القبول بالمساءلة تجاه طرف آخر، وهم لا يشعرون بأن عليهم واجباً تجاه محكوميهم، فهم لا يدينون بوجودهم في الحكم لشعوبهم، وإنما لأزلامهم وسيفهم. ولا يمكن لمن فرض نفسه بقوة السلاح أن يقبل تقديم حساب لأحد، أو أن يخضع نفسه لمساءلةٍ ومحاسبةٍ ممن هزمهم بسيفه، وأخضعهم بقوته، فما بالك بأن يعترف أمامهم بأخطائه، ويقبل بدفع ثمنها لهم؟  
لو كان المالكي رجل سياسة، لا رجل حرب، لأدرك أن هناك مشكلة سياسية في العراق الذي يحكمه منذ أكثر من عقد، وحتى لو كانت تقتصر بالفعل، (وليست هذه الحال)، على اتساع دائرة انتشار الإرهاب، تعني أنه فشل في إدارة دفة الحكم في البلاد، وأن من واجبه أن يفسر للناس ماذا حصل، ويقدم هو نفسه، مع ظهور أول بوادر صدام دموي، استقالته، مع الاعتذار للشعب الذي أولاه ثقته، وسلمه مقاليد أموره، ولكان بحث مع زملائه السياسيين من كل الاتجاهات في اليوم ذاته عن مخرج سياسي، يجنب البلاد الحرب والقتال، ويفتح الطريق أمام تشكيل جبهةٍ وطنيةٍ واسعةٍ، هي وحدها القادرة على محاصرة الارهاب والقضاء عليه. 
لكن، على طريق نظيره السوري السيئ الصيت، لا يزال المالكي مصراً على أنه غير مسؤول، وأن العراق بخير، وأن الحق على الآخرين المتآمرين عليه، السعوديين والأتراك والسنة والكرد ومنافسيه من السياسيين الشيعة أيضا، وأن تسديد الحساب الوحيد لهؤلاء الخونة لا يكون إلا بإعمال السيف، وإلقاء مزيد من البراميل المتفجرة على رؤوس السكان الآمنين، وتلقين القاصي والداني درس القتل الجماعي، واستباحة الحرمات والأعراض، حتى يتم ردع المعتدين من العراقيين المرتدين، وكيل الصاع صاعين لحماتهم الحاسدين والناقمين، والاستقواء بالنفير الطائفي وثارات الحسين وباسدران طهران. وأي تراجع أو تلويح باحتمال ترك الحكم يعني اختيار طريق الهزيمة الإرادية، وخيانة معسكر الأصدقاء، لا يهم بعد ذلك مصير العراق وشعبه، ولا الشيعة والسنة والأكراد. 
نعم، لأي مواطن الحق في الحكم، إذا ملأ شروطه، لكن الواجب يفرض عليه أن يحترم حقوق الآخرين، وأن يتقدم أمامهم بنتائج أعماله، ويقبل المحاسبة على أفعاله، فيتنحّى إذا كانت النتيجة فشله في القيام بالواجب، من دون حاجةٍ لإسالة الدماء، ويجدد ويمدد إذا اعترف له الناس بالنجاح، وأولوه من جديد ثقتهم، واعترافهم بالجميل.
ليس هناك حق منفصل عن الواجب. ومن ليس لديه مفهوم للواجب لا يعرف من الحق إلا إرضاء الشهوات والتغول على حقوق الآخرين، والاستعداد للتضحية بالمبادئ والقيم والقانون، للاحتفاظ بما أصبح ينظر إليه حقاً أبدياً، أو بالأحرى مُلكاً شخصياً. ومثل هؤلاء لا يستحقون أن يتسلموا، ولا ينبغي أن يحتلوا أي منصب مسؤولية عمومية، ولا يصلحوا لها.  

vendredi, juin 27, 2014

الائتلاف في المحطة الأخيرة


نشر سمير سعيفان منذ أيام مقالا في زمان الوصل يقرع فيه ناقوس الخطر في ما يتعلق بانتخابات الائتلاف الوطني القادمة (٤/٥/٦ حزيران). ومن بين ما كتبه أن محاولتنا الأخيرة، للتوصل إلى قائمة توافقية تجنبنا المشهد المخزي لتجدد الصراع على مناصب سياسية يفرغها التنازع الصبياني من أي قيمة ومعنى، لا يبدو أنها ستنجح، وأن ما حصل هو بالضبط ما كنا نخشى منه، أي أن يتحول اللقاء التشاوري الذي التأم ليتجنيب الائتلاف مزيدا من السخرية والسقوط، إلى طرف يعمل لفريق ضد فريق آخر، وهو كما يشير سميرة القائمة الديمقراطية التي ينتمي إليها رئيس الائتلاف الراهن، أحمد الجربا. ولو صح ذلك لكان يعني فشلنا جميعا في دفع الائتلاف على طريق العمل كفريق، خاصة وأنه ليس هناك أساس لأي اختلاف سياسي أو عقائدي.
إود أن أؤكد  بهذه المناسبة، وأعتقد أن هذا ما فهمه أغلب من حضر الاجتماع التشاروي 
١. أن اللقاء التشاوري الذي انعقد في استنبول في ١٩ من هذا الشهر، وشارك فيه أعضاء في الائتلاف ينتمون إلى تيارات وكتل مختلفة، ودعي إليه أيضا احمد الجربا رئيس الائتلاف الحالي، ليس طرفا في اي تنافس انتخابي ولن يكون طرفا أبدا. وهذا كان مبرر وجوده والمبدأ الذي قام عليه. لقد أعلن المجتمعون بشكل واضح أن هدفهم، بالعكس تماما، هو إخراج الائتلاف من الانقسام إلى معسكرين، وجمع أعضائه معا في فريق عمل واحد، وبناء على برنامج طرحه اللقاء في ١٣ نقطة، والتزامات من المرشحين والأعضاء، بالمباديء والمحددات التي طرحت واتفق عليها الجميع. 
٢. بعكس ما ورد في المقال، كان الاتفاق بشكل واضح لا لبس فيه على أن اللقاء لا يقدم مرشحا ولا يؤيد أي مرشح، وأن وظيفته هي اقناع المرشحين بأن هناك كسب أكبر في تقاسم الوظائف والعمل المشترك من الدخول في منازعات ستدمر الائتلاف وتقضي على صدقية المرشحين مهما كانوا. ولهذا لم يقدم اللقاء أي توجيه في ما يتعلق بالمناصب، ابتداءا من الرئيس حتى الأمين العام، وإنما وضع لائحة المرشحين الذين قدموا ترشيحاتهم وطلب من أعضائه المتواجدين في استنبول التشاور مع كل الكتل والمجموعات المكونة للائتلاف لاستمزاج رايهم ومعرفة من هو المرشح المحتمل الذي يحقق أوسع قاعدة من التوافق والاجماع. وعلى هذا الاساس لن يعلن اللقاء عن أي مرشح ولكنها يدعم تشكيل قائمة موحدة. هذا يعني أن وظيفة اللقاء التشاوري تقتصر على تقديم المساعي لمساعدة الائتلاف على ايجاد مرشح توافقي. والكتل هي التي ستتوافق وليس أعضاء اللقاء.
٣. أكد المشاركون في اللقاء أن الأهم من تعيين اسم الرئيس الجديد هو التوافق على برنامج عمل سياسي للائتلاف، وتبني آليات عمل جديدة تسمح لجميع الأعضاء أن يكونوا مشاركين وفاعلين. ومن هنا تم التركيز على أنه، بموازاة الانتخابات، ينبغي العمل على برنامج لاصلاح الائتلاف والارتقاء بأدائه وأساليب عمله وتواصله مع قوى الثورة والشعب. ولا يمكن تحقيق ذلك إذا استمر الائتلاف ساحة للصراع بين طرفين أو أكثر، وبالتالي استمرار أسلوب تخاطف الولاءات والاصوات على حساب التفكير المشترك والعمل كفريق لخدمة قضية واحدة، قضية السوريين التي تجاوزت اليوم قضية الثورة ذاتها وأصبحت قضية وجود وحياة وبقاء لملايين البشر.
٤. وفي ما يتعلق بهذا الاصلاح اعتقد أن المطلوب، وهذا ما ذكرته للعديد من المهتمين بالمشروع في الائتلاف، ليس إصلاحا تجميليا ولا جزئيا، وإنما إعادة تأسيس وبناء حقيقيين. مما يعني إعادة نظر جدية بالنظام الداخلي وبهيكل الائتلاف وآليات عمله واتخاذ القرارات فيه، وتجديد دمائه عن طريق تبديل نصف المقاعد على الأقل لصالح عناصر جديدة أثبتت جدارتها في السنتين الماضيتين في الثورة ولا تزال على تواصل معها في العمل الميداني أو والسياسي والإعلامي والإغاثي. وبالتالي زج الائتلاف في الحراك الحقيقي الداخلي المتعدد الأشكال، وتشكيل مجلس تشاوري يضم أبرز الشخصيات الوطنية المعارضة أو من منظمات المجتمع المدني، لرفده بالمشورة والتحليلات والاقتراحات والأفكار. 
٥ . إذا ثبت أن التوافق لم يحصل، وأن هناك كتل تراجعت عن التزاماتها،  وكانت هناك حاجة بالفعل للمزيد من العمل لتحصيل مثل هذا التوافق ولإنضاج برنامج الاصلاح أو إعادة تأسيس الأئعلاف على قاعدة سليمة وقوية، فلا أجد غضاضة في أعطاء أنفسنا وقتا أكثر للمحاولة. لكن في هذه الحالة ينبغي التفاهم بسرعة على إعضاء المجموعة التي ستتولى السعي لتحقيق هذا الاصلاح، واعداد النفوس والعقول له؟ 
الوقت يلح بشكل كبير. ونكاد نفقد الأمل بالتقدم على طريق الاصلاح، ولا أذيع سرا إذا قلت إن صبر بعضنا قد نفذ لولا أننا نخشى على المعارضة، في هذا الظرف العصيب الذي تتعرض فيه للتقزيم من قبل أكثر من طرف، من التشتت والانجراف المخيف، وأن الشك يراودنا اليوم، أكثر من أي فترة سابقة، وبعد مقاومة عنيدة، في قدرة الائتلاف على التعافي، وفي قدرتنا على الاستمرار في عيادته إلى ما لانهاية.
ليس لأحد مصلحة في ان يبقى الاطار الوحيد المنظم والمعترف به دوليا للمعارضة نهب الصراعات الشخصية والمحاصصات والولاءات. ولا فائدة من وجوده إذا لم يتحول بسرعة، وفي هذه المرحلة الدقيقة من عمر الكفاح السوري، وأمام المخاطر الهائلة التي تواجه السوريين والدولة السورية نفسها، إلى أداة فعالة للعمل الوطني، يوحد قوى الثورة والمعارضة، ويستقطب أكثر العناصر المخلصة والكفؤة والمسؤولة، ويساهم في وضع خطة واضحة تلهم السوريين وتقرب في ما بينهم وتحثهم على العمل والتعاون لإخراج البلاد من الكارثة الأكبر التي حلت بها. 
لكن ليس لأحد أيضا رغبة في أن ينفخ إلى ما لانهاية في قربة مثقوبة، ويغذي أمالا كاذبة بانتشال إطار سياسي منفصل عن قضايا الشعب وهمومه، وغارق في نزاعات متجددة على مناصب ومواقع وهمية، وهو يشاهد يوميا كيف ينتقل القرار الفعلي، من دون أدنى رد فعل، وبسبب غياب التفاهم والتشاور والعمل المهني في الائتلاف، من السوريين إلى أيادي القوى الأجنبية، التي تجد في ضعف الائتلاف وتنافس رجاله أفضل فرصة لفتح خطوط تواصل مباشرة مع القوى الحية للثورة والمعارضة، مكرسة بذلك حالة افتقار الثورة للقيادة السياسية وللموارد والامكانيات في الوقت ذاته.  وفي نظري اذا تبين أنه من غير الممكن إخراج الائتلاف من دوامة التنازع بين فريقين على أساس الولاءات والتحزبات الشخصية فلن يكون هناك فائدة منه ولا معنى للمشاركة أو للبقاء فيه.

في محنتها العظيمة الراهنة، تحتاج سورية إلى أداة فعالة للعمل الوطني أكثر من أي شيء آخر. ولن يكون أي إطار سياسي سوري فعالا ما لم يكن جامعا ومنفتحا وقادرا على استيعاب الجميع وتفجير طاقاتهم وتثمين مشاركاتهم ومساهماتهم، تفكيرا وتنظيما وتنفيذا.  
وما يحتاجه الائتلاف حتى يتحول إلى أداة فعالة لخدمة القضية السورية هو الشعور بالمسؤولية والواجب، والتفكير بأولوية المصلحة العامة، والاستعداد للتضحية من أجل الشعب والبلاد، ودفع الرجال القادرين والصادقين إلى المقدمة حتى ننجح في تحقيق الأهداف النبيلة التي نسعى إليها ونخرج شعبنا وبلادنا من الكارثة التي لا تزال تتخبط فيها منذ سنوات. وقد فتحت لنا الثورة العراقية فرصة كبيرة لدفع العالم إلى إعادة الاهتمام بقضيتنا وبذل جهد مضاعف لمساعدة السوريين على تحقيق أهدافهم، علينا أن نستثمرها ولا نضيعها. 
لا ينبغي أن نسمح للآخرين من خصومنا أن يقولوا عنا ما كنا نردده عن حق: أن نظام الأسد هو نظام الفرص الضائعة. 
لدى المعارضة اليوم فرصة كبيرة للقفز إلى الأمام وعقد تحالفات بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل الثورة والبلاد، لا ينبغي أن نسمح لنزاعاتنا الصغيرة بتضييعها. 

jeudi, juin 26, 2014

الائتلاف في محطته الأخيرة



نشر سمير سعيفان في زمان الوصل مقالا يقرع فيه ناقوس الخطر في ما يتعلق بانتخابات الائتلاف الوطني القادمة (٤/٥/٦ حزيران). ومن بين ما كتبه أن محاولتنا الأخيرة، للتوصل إلى قائمة توافقية تجنبنا المشهد المخزي لتجدد الصراع على مناصب سياسية يفرغها التنازع الصبياني من أي قيمة ومعنى، لا يبدو أنها ستنجح، وأن ما حصل هو بالضبط ما كنا نخشى منه، أي أن يتحول اللقاء التشاوري الذي التأم ليتجنيب الائتلاف مزيدا من السخرية والسقوط، إلى طرف يعمل لفريق ضد فريق آخر، والطرف الآخر، كما يشير سمير، القائمة الديمقراطية التي ينتمي إليها رئيس الائتلاف الراهن، أحمد الجربا. ولو صح ذلك لكان يعني فشلنا جميعا في دفع الائتلاف على طريق العمل كفريق، خاصة وأنه ليس هناك أساس لأي اختلاف سياسي أو عقائدي.
إود أن أؤكد  بهذه المناسبة، وأعتقد أن هذا ما فهمه أغلب من حضر الاجتماع التشاروي 
١. أن اللقاء التشاوري الذي انعقد في استنبول في ١٩ من هذا الشهر، وشارك فيه أعضاء في الائتلاف ينتمون إلى تيارات وكتل مختلفة، ودعي إليه أيضا احمد الجربا رئيس الائتلاف الحالي، ليس طرفا في اي تنافس انتخابي ولن يكون طرفا أبدا. وهذا كان مبرر وجوده والمبدأ الذي قام عليه. لقد أعلن المجتمعون بشكل واضح أن هدفهم، بالعكس تماما، هو إخراج الائتلاف من الانقسام إلى معسكرين، وجمع أعضائه معا في فريق عمل واحد، وبناء على برنامج طرحه اللقاء في ١٣ نقطة، والتزامات من المرشحين والأعضاء، بالمباديء والمحددات التي طرحت واتفق عليها الجميع. 
٢. بعكس ما ورد في المقال، كان الاتفاق بشكل واضح لا لبس فيه على أن اللقاء لا يقدم مرشحا ولا يؤيد أي مرشح، وأن وظيفته هي اقناع المرشحين بأن هناك كسب أكبر في تقاسم الوظائف والعمل المشترك من الدخول في منازعات ستدمر الائتلاف وتقضي على صدقية المرشحين مهما كانوا. ولهذا لم يقدم اللقاء أي توجيه في ما يتعلق بالمناصب، ابتداءا من الرئيس حتى الأمين العام، وإنما وضع لائحة المرشحين الذين قدموا ترشيحاتهم وطلب من أعضائه المتواجدين في استنبول التشاور مع كل الكتل والمجموعات المكونة للائتلاف لاستمزاج رايهم ومعرفة من هو المرشح المحتمل الذي يحقق أوسع قاعدة من التوافق والاجماع. وعلى هذا الاساس لن يعلن اللقاء عن أي مرشح ولكنها يدعم تشكيل قائمة موحدة. هذا يعني أن وظيفة اللقاء التشاوري تقتصر على تقديم المساعي لمساعدة الائتلاف على ايجاد مرشح توافقي. والكتل هي التي ستتوافق وليس أعضاء اللقاء.
٣. أكد المشاركون في اللقاء أن الأهم من تعيين اسم الرئيس الجديد هو التوافق على برنامج عمل سياسي للائتلاف، وتبني آليات عمل جديدة تسمح لجميع الأعضاء أن يكونوا مشاركين وفاعلين. ومن هنا تم التركيز على أنه، بموازاة الانتخابات، ينبغي العمل على برنامج لاصلاح الائتلاف والارتقاء بأدائه وأساليب عمله وتواصله مع قوى الثورة والشعب. ولا يمكن تحقيق ذلك إذا استمر الائتلاف ساحة للصراع بين طرفين أو أكثر، وبالتالي استمرار أسلوب تخاطف الولاءات والاصوات على حساب التفكير المشترك والعمل كفريق لخدمة قضية واحدة، قضية السوريين التي تجاوزت اليوم قضية الثورة ذاتها وأصبحت قضية وجود وحياة وبقاء لملايين البشر.
٤. وفي ما يتعلق بهذا الاصلاح اعتقد أن المطلوب، وهذا ما ذكرته للعديد من المهتمين بالمشروع في الائتلاف، ليس إصلاحا تجميليا ولا جزئيا، وإنما إعادة تأسيس وبناء حقيقيين. مما يعني إعادة نظر جدية بالنظام الداخلي وبهيكل الائتلاف وآليات عمله واتخاذ القرارات فيه، وتجديد دمائه عن طريق تبديل نصف المقاعد على الأقل لصالح عناصر جديدة أثبتت جدارتها في السنتين الماضيتين في الثورة ولا تزال على تواصل معها في العمل الميداني أو والسياسي والإعلامي والإغاثي. وبالتالي زج الائتلاف في الحراك الحقيقي الداخلي المتعدد الأشكال، وتشكيل مجلس تشاوري يضم أبرز الشخصيات الوطنية المعارضة أو من منظمات المجتمع المدني، لرفده بالمشورة والتحليلات والاقتراحات والأفكار. 
٥ . إذا ثبت أن التوافق لم يحصل، وأن هناك كتل تراجعت عن التزاماتها،  وكانت هناك حاجة بالفعل للمزيد من العمل لتحصيل مثل هذا التوافق ولإنضاج برنامج الاصلاح أو إعادة تأسيس الأئتلاف على قاعدة سليمة وقوية، فلا أجد غضاضة في أعطاء أنفسنا وقتا أكثر للمحاولة. لكن في هذه الحالة ينبغي التفاهم بسرعة على إعضاء المجموعة التي ستتولى السعي لتحقيق هذا الاصلاح، واعداد النفوس والعقول له؟ 
الوقت يلح بشكل كبير. ونكاد نفقد الأمل بالتقدم على طريق الاصلاح، ولا أذيع سرا إذا قلت إن صبر بعضنا قد نفذ لولا أننا نخشى على المعارضة، في هذا الظرف العصيب الذي تتعرض فيه للتقزيم من قبل أكثر من طرف، من التشتت والانجراف المخيف، وأن الشك يراودنا اليوم، أكثر من أي فترة سابقة، وبعد مقاومة عنيدة، في قدرة الائتلاف على التعافي، وفي قدرتنا على الاستمرار في عيادته إلى ما لانهاية.
ليس لأحد مصلحة في ان يبقى الاطار الوحيد المنظم والمعترف به دوليا للمعارضة نهب الصراعات الشخصية والمحاصصات والولاءات. ولا فائدة من وجوده إذا لم يتحول بسرعة، وفي هذه المرحلة الدقيقة من عمر الكفاح السوري، وأمام المخاطر الهائلة التي تواجه السوريين والدولة السورية نفسها، إلى أداة فعالة للعمل الوطني، يوحد قوى الثورة والمعارضة، ويستقطب أكثر العناصر المخلصة والكفؤة والمسؤولة، ويساهم في وضع خطة واضحة تلهم السوريين وتقرب في ما بينهم وتحثهم على العمل والتعاون لإخراج البلاد من الكارثة الأكبر التي حلت بها. 
لكن ليس لأحد أيضا رغبة في أن ينفخ إلى ما لانهاية في قربة مثقوبة، ويغذي أمالا كاذبة بانتشال إطار سياسي منفصل عن قضايا الشعب وهمومه، وغارق في نزاعات متجددة على مناصب ومواقع وهمية، وهو يشاهد يوميا كيف ينتقل القرار الفعلي، من دون أدنى رد فعل، وبسبب غياب التفاهم والتشاور والعمل المهني في الائتلاف، من السوريين إلى أيادي القوى الأجنبية، التي تجد في ضعف الائتلاف وتنافس رجاله أفضل فرصة لفتح خطوط تواصل مباشرة مع القوى الحية للثورة والمعارضة، مكرسة بذلك حالة افتقار الثورة للقيادة السياسية وللموارد والامكانيات في الوقت ذاته.  وفي نظري اذا تبين أنه من غير الممكن إخراج الائتلاف من دوامة التنازع بين فريقين على أساس الولاءات والتحزبات الشخصية فلن يكون هناك فائدة منه ولا معنى للمشاركة أو للبقاء فيه.

في محنتها العظيمة الراهنة، تحتاج سورية إلى أداة فعالة للعمل الوطني أكثر من أي شيء آخر. ولن يكون أي إطار سياسي سوري فعالا ما لم يكن جامعا ومنفتحا وقادرا على استيعاب الجميع وتفجير طاقاتهم وتثمين مشاركاتهم ومساهماتهم، تفكيرا وتنظيما وتنفيذا.  
وما يحتاجه الائتلاف حتى يتحول إلى أداة فعالة لخدمة القضية السورية هو الشعور بالمسؤولية والواجب، والتفكير بأولوية المصلحة العامة، والاستعداد للتضحية من أجل الشعب والبلاد، ودفع الرجال القادرين والصادقين إلى المقدمة حتى ننجح في تحقيق الأهداف النبيلة التي نسعى إليها ونخرج شعبنا وبلادنا من الكارثة التي لا تزال تتخبط فيها منذ سنوات. وقد فتحت لنا الثورة العراقية فرصة كبيرة لدفع العالم إلى إعادة الاهتمام بقضيتنا وبذل جهد مضاعف لمساعدة السوريين على تحقيق أهدافهم، علينا أن نستثمرها ولا نضيعها. 
لا ينبغي أن نسمح للآخرين من خصومنا أن يقولوا عنا ما كنا نردده عن حق: أن نظام الأسد هو نظام الفرص الضائعة. 
لدى المعارضة اليوم فرصة كبيرة للقفز إلى الأمام وعقد تحالفات بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل الثورة والبلاد، لا ينبغي أن نسمح لنزاعاتنا الصغيرة بتضييعها. 

mercredi, juin 25, 2014

أوباما وهزيمة الأسد/ العربي الجديد

24 يونيو 2014



لا أدري إذا كان هناك جديد في زيارة وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الحالية للمنطقة، في وقت لا يبدو فيه أن الولايات المتحدة انتهت من رسم سياسة واضحة في مواجهة أكبر أزمة شهدها الشرق الأوسط، منذ تدشينه اسماً وصورة. وكان لافتاً للنظر اعتراف الرئيس الأميركي، باراك أوباما، قبل أيام، في مقابلة تلفزيونية مع شبكة "سي بي إس" الإخبارية، بأن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام  "داعش" استغل حدوث فراغ في السلطة في سورية لجمع الأسلحة والموارد وتوسيع سلطته وقوته على الأرض. وعندما سئل عمّا إذا كان مثل هذا الفراغ سيبقى في حال دعمت الولايات المتحدة قوات المعارضة المعتدلة، رد أوباما أن "فكرة وجود قوة سورية معتدلة جاهزة لهزيمة الأسد ليست صحيحة، وبالتالي، فإنه في كل الأحوال الفراغ سيكون موجوداً".

المقصود من هذا الكلام هو الرد على المحللين والسياسيين الأميركيين، وغيرهم الذين أصبحوا مقتنعين، اليوم، بأن السبب الرئيسي في تطور قوى التطرف في سورية هو تقاعس الإدارة الأميركية عن تقديم الدعم للمعارضة السورية، حتى تضع حداً للمجازر وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الأسد منذ ثلاث سنوات بحق شعبه، وتتهمه بالمسؤولية في ترك الأمور تتفاقم، حتى أصبحت داعش قوة يحسب لها حساب. 
وهذا ما يردده منذ فترة مسؤولون أميركيون، معربين عن اعتقادهم، في أكثر من مناسبة، أن دعم المعارضة المعتدلة هو الطريق لمواجهة داعش، وفي الوقت نفسه، لتغيير حسابات الأسد، ودفعه إلى القبول بالانتقال السياسي. لكن، من الواضح أن أوباما، حسبما تشير تصريحاته الأخيرة، لا يزال غير مقتنع تماماً بخيار دعم المعارضة السورية، وأنه يساير في الدعم القليل الراهن سياسيين معترضين على سياسته التي يمكن أن نسميها، بالفعل، سياسة النأي بالنفس، ليس عن الحرب الدائرة في سورية ضد شعب بأكمله، وإنما عن الأوضاع المشرقية عموماً، تاركا لقادة إيران وروسيا الحرية الكاملة في تحقيق ما ينشدونه من أهداف، على حساب أمن المنطقة ومصالح شعوبها. 
ما يخيف في هذا التصريح ليس تأثيره السلبي على معنويات المقاتلين من أجل الحرية، في سورية بشكل خاص، فهم لم يصدقوا يوماً، ولم يحلموا بتدفق المساعدات الأميركية العسكرية لهم، وإنما تأكيده من جديد افتقار الإدارة الأميركية لرؤية واضحة، ليس في ما يتعلق بكيفية ملء الفراغ الذي يتحدث عنه أوباما، وإنما أكثر من ذلك لما يجري في الشرق الأوسط، وما تخبئه له الأشهر المقبلة من مفاجآت. 
فإذا كان باراك أوباما لا يعتقد بفائدة تدعيم الجيش الحر والكتائب المعتدلة، من أجل تغيير الوضع والحسابات السياسية، بحيث يتحقق الخروج من الأزمة السياسية، ويستتب الأمن وينحسر الفراغ ومعه الارهاب، والبيئة المشجعة عليه، ولا يريد، في الوقت نفسه، أن يتدخل بأي شكل، مباشر أو غير مباشر، لوقف شلال الدم النازف في سورية منذ ثلاث سنوات، والذي بدأ يفيض على جيرانها، فما هي الخطة، وما معالم الحل؟ كيف يأمل باراك أوباما إلحاق الهزيمة بالأسد؟
لم أجد تفسيراً لكلام أوباما، في هذا الظرف بالذات، سوى أمرين. إما إنه أصبح يعتقد أن الإرهاب سيستمر، ولا أمل في محاربته أو القضاء عليه، مهما فعلنا، أو إنه، وهذا أخطر، لا يعتقد أن من الممكن للمعارضة السورية أن تتقدم، ولا للوضع الراهن أن يتغير، وإنه يراهن على أمر وحيد، هو إمكانية التفاهم مع إيران، بوصفها العرّاب الحقيقي لكل ما تعرفه المنطقة من تطرف وتشنج واحتراب أهلي وعابر للحدود، منذ نجاح الباسيج والبسدران في اختطاف الثورة الإيرانية وتحويل البلاد إلى بؤرة تصدير للتطرف في عموم المنطقة، تحت إمرة بعض كبار رجال الدين الشيعة وإشرافهم. 
لكن، مهما كان الحال، لا يقل الأذى الذي يتسبب به انعدام الرؤية والسياسة المتسقة في واشنطن، لما يحصل في الشرق الأوسط، عن الأذى الذي تتسبب به الأطماع الجنونية للنخبة الحاكمة الإيرانية، وما تقود إليه من تجييش للقوى وشحن للعصبيات والمشاعر الطائفية، وما تنتجه من نزاعاتٍ لن تكون إيران في معزل عنها على الأمد الطويل. فافتقار واشنطن إلى مثل هذه الرؤية السياسية تجاه تحولات المنطقة ومصيرها، وهي المنطقة التي خضعت عقوداً طويلة للهيمنة الأميركية، يخلق حالة من الانفلات والتفكك والضياع لدى جميع القوى، ويدمر كل أمل في الخروج السريع من الفوضى والقتل والدمار والخراب.

mardi, juin 24, 2014

تكبدت إيران الكثير حتى الآن.. وهي تعرف جيدا استحالة كسبها الحرب | الشرق الأوسط

تكبدت إيران الكثير حتى الآن.. وهي تعرف جيدا استحالة كسبها الحرب | الشرق الأوسط


د. برهان غليون
آخر تحديث: الأحد 24 شعبان 1435 هـ - 22 يونيو 2014 مـ , الساعة: 23:13
وهل ترى ملامح إنهاك إيراني يفضي إلى تسهيلها تسوية سياسية في سوريا؟

تكبدت إيران الكثير حتى الآن.. وهي تعرف جيدا استحالة كسبها الحرب
إذا فشلت المساعي الكثيرة الراهنة في جر إيران إلى مفاوضات جدية حول سوريا، وأصرت طهران على عروضها المذلة للعرب والسوريين، ستتجه الأمور - على الأغلب - نحو «حرب استنزاف» طويلة... يراهن فيها الغربيون والعرب على الوقت لتقويض أسس الجمهورية الخمينية وزعزعة أركانها. وهذه المساعي لا تحتاج من أجل ذلك سوى إلى تقديم الدعم العسكري للمعارضة للحفاظ على توازن للقوى يمنع أيا من الطرفين من تحقيق نصر حاسم على الطرف الآخر، وتلقي على عاتق السوريين والميليشيات التابعة لإيران حمل العبء الأكبر من الحرب.

ويكفي هنا أن نشير إلى التكاليف العالية لسياسة إيران الخارجية.

لقد أنفقت إيران على امتلاك القنبلة النووية، منذ بداية حكمها «الجمهوري»، أكثر من مائة مليار دولار أميركي.

وإذا ما أضفنا ما أنفقته إيران على الحرب العراقية، والحروب الكثيرة التي خاضتها في لبنان وعلى حدود إسرائيل، إلى ما تنفقه للحفاظ على نظام الأسد التابع لها في سوريا، ثم إلى مصاريف الحرب الدائرة ضد ثورة السوريين منذ ثلاث سنوات، وهي في مستوى عشرات المليارات من الدولارات بالتأكيد، بالإضافة إلى تكلفة تشكيل الميليشيات اللبنانية والعراقية وتسليحها، وشراء السلاح للنظام وتمويل الاقتصاد السوري المتهاوي بسبب ظروف الحرب، ودفع مرتبات موظفي حكومة الأسد خلال أكثر من سنتين... إذ ذاك ندرك حجم الخسائر التي تتكبدها إيران لتأكيد هيمنتها الإقليمية، وما يمكن أن يكون لسياسة «حرب الاستنزاف» من عواقب وخيمة على الأوضاع الاجتماعية للشعب الإيراني، الذي شهد تراجعا مطردا في مستوى معيشة غالبيته الساحقة خلال العقود الماضية.

لهذه الأسباب ستتردد طهران كثيرا - على الأغلب - قبل أن ترمي بنفسها في فخ «حرب استنزاف» غير مضمونة النتائج، ولا تستطيع الانسحاب منها من دون خسائر معنوية كبيرة، ولا تستطيع الاستمرار فيها من دون تضحيات... ستصبح أكثر فأكثر صعبة الاحتمال، خاصة أن ربح الحرب سيكون مستحيلا ولن يكون له معنى عندما تتحول البلاد برمتها إلى خرائب محزنة ويتهجر معظم شعبها ويقضي في القتال خيرة أبنائها وشبابها.

ثم إن طهران لا يمكن أن تستمر على خط تحدي الغرب وتهديد مصالحه ومصالح حلفائه في الوقت الذي تتفاوض معه وتبحث عن التقرب منه بأي ثمن. وأخيرا، وهذا هو الأهم، لن تستطيع طهران مهما فعلت، أن تتجاهل ما يمكن أن يؤدي إليه إصرارها على كسر إرادة السوريين لفرض اختيارها عليهم، من أزمة خطيرة في العلاقات السنية - الشيعية... لن تكون في صالحها، بل ستزيد من تدهور صورة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع.

إيران بلد قوي ومهم في منطقة الشرق الأوسط، ولقد أظهرت نخبته الدينية الحاكمة قدرة لا يستهان بها على المناورة إقليميا ودوليا، وبرهن شعبها على قدرة على الصبر لا تجارى. لكن كل هذا لا يكفي لتغيير مجرى التاريخ وقهر إرادة شعب آخر قرر التحرر والانعتاق. يكفي أن نذكر القادة الإيرانيين، في هذا المجال، بمثال الولايات المتحدة الأميركية، وهي الدولة الأعظم عسكريا واقتصاديا ونفوذا سياسيا، وما تعرضت له من كوارث في فيتنام، بصرف النظر عن قدراتها العسكرية والتقنية، واستخدامها أكثر الأسلحة تطورا في مواجهة شعب لا يملك إلا قدميه ويديه وبعض الأسلحة الخفيفة. وهناك أيضا مثال روسيا التي فقدت في حرب أفغانستان إمبراطوريتها مجسدة بانهيار الاتحاد السوفياتي، واضطرارها – وهي ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم – إلى الانسحاب المذل لصالح جماعات المجاهدين وميليشيات محدودة التدريب والتسليح من طلبة العلوم الدينية.

نعم، إيران مُنهَكة، ومن مصلحتها العمل على إيجاد حلول سياسية لا تقتصر فائدتها على ضمان مصالح نظام طهران وحده، وإنما تلحظ أيضا مصالح الإيرانيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين وشعوب المنطقة المهددة كلها... وإلا فإن الجنون سيكون «سيد الموقف» وستكون عواقبه الأوخم على من مشعل الحرائق أولا!

vendredi, juin 20, 2014

التقرير الاستراتيجي السوري الثالث حزيران يونيو ٢٠١٤

http://sdsc.org/wp-content/pdf%20files/third-stratigy-report.pdf



المركز السوري لدعم القرار


حل تفاوضي أم حرب استنزاف طويلة


حزيران ٢٠١٤



إعداد مجموعة من الباحثين تحت إشراف د برهان غليون




أولاً: المشهد السياسي: انتخابات رئاسية خارج سياق الحل


شهدت القضية السورية في الشهر الماضي تسارعا ملفتا للأحداث على المستويين السياسي والعسكري شاركت فيه كل الأطراف المنخرطة في الصراع. وبرز دور ايران الرئيسي فيه كما لم يظهر من قبل. فبموازاة مضاعفتها دعمها العسكري للنظام، لم تكف ايران، على لسان مسؤوليها العسكريين والسياسيين، عن تأكيد دورها الحاسم في الحرب، ومسؤوليتها عن صمود النظام وبقائه، لدرجة أثارت فيها ردود فعل داخل دائرة قرار النظام الضيقة . وبالمقابل شهد الموقف الأمريكي والعربي تطورا ملفتا على مستويين، مستوى تجاوز الخلافات والتوافق على التنسيق والعمل الجماعي بين جميع الأطراف المساهمة في دعم النشاط العسكري لقوى الثورة، ومستوى الخطط السياسية والعسكرية التي تهدف إلى مواجهة نتائج إجهاض النظام مشروع المفاوضات التي لم يتسن لها التقدم في جنيف، وتصميمه على الحسم العسكري وتحدي قرارات الأمم المتحدة، وبشكل خاص القرار ٢١٣٩ المتعلق بمواجهة الكارثة الانسانية وتقديم الدعم للمعوزين ووقف حملة البراميل المتفجرة ضد المدنيين. ولعل أهم ما جسد هذا التطور تجديد الاعتراف بالائتلاف الوطني كممثل شرعي للشعب السوري، والسماح له بفتح سفارات وممثليات في عاصمة الولايات المتحدة وغيرها من عواصم «تجمع دول أصدقاء الشعب السوري»، وتأكيد واشنطن وبلدان أخرى عديدة زيادة مساعداتها العسكرية للثوار، وأخيرا تقديم مشروع قرار لمجلس الأمن لدفع الملف السوري لانتهاكات حقوق الانسان إلى محكمة الجنايات الدولية. ولا ينفي وضع موسكو والصين الفيتو على هذا القرار هذا التطور الايجابي لصالح قضية الشعب السوري. أمام هذه التحولات زاد النظام السوري والميليشيات التابعة لايران، وعلى رأسها ميليشيات حزب الله الذين يشعرون الآن جميعا أنهم في سباق مع الزمن، من ضغطهم العسكري على مواقع الثوار، ومن استخدام الهجمات الجوية وتدمير الأحياء والقرى بالبراميل المتفجرة، أملا باستعادة السيطرة على المنطقة الحيوية أو المركزية من البلاد، ووضع الأطراف الدولية والسورية الأخرى أمام الأمر الواقع. كما كثفت هذه القوى من جهودها الرامية إلى استعادة المبادرة السياسية أو التظاهر باستعادتها، مثل السعي لتوسيع دائرة توقيع الهدن والتسويات المحلية مع مقاتلين تم حصارهم وعزلهم خلال السنتين الماضييتين وحرمانهم من كل وسائل الحياة. ويدخل في دائرة تكثيف الضغوط على المقاتلين والمدنيين السوريين توسيع دائرة تدمير المدن والاستخدام المتجدد للاسلحة الكيماوية كالكلور وغيره من الغازات السامة التي اضطرت بعثة تدمير الأسلحة الكيماوية السورية إلى إرسال بعثة خاصة لتقصي الحقائق عنها

الانتخابات الرئاسية ورقة في المفاوضات
لكن أبرز ما قام به النظام خلال هذه الفترة في هذا السياق تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها في ٣ حزيران/ يونيو، من أجل إعادة انتخاب بشار الأسد لولاية ثالثة، على أمل إعادة تأهيله سياسيا كزعيم منتصر، بالرغم من كل ما شهدته البلاد، خلال ولايته الثانية، من دمار وخراب، ومن الكارثة الانسانية التي لا يمكن فصلها عن إصرار رجال النظام على البقاء في السلطة وتهربهم من أي مفاوضات جدية مع المعارضة للتوصل إلى تسوية من أجل مرحلة انتقالية تلبي مطالب حركة الاحتجاج الشعبية.
أه فري من الباحثين السوريين تحت إشراف الدكتور برهان غليون
وبالرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهتها الأمم المتحدة والعديد من الدول لانتخابات أجريت في ظروف استثنائية وقصف بالبراميل المتفجرة وجبهات مفتوحة في معظم مناطق سورية، يعتقد النظام أنه قد كسب بتنظيمها مواقع سياسية تمكنه من فرض الحل الذي يريده، ومعه حليفته الرئيسية ايران، ولم يبق للمعارضة خيارا آخر سوى الانضواء تحت راية النظام من جديد والمشاركة في حكومة إئتلافية تسيطر عليها النخبة العسكرية والأمنية التابعة سيطرة شبه كاملة. كما أشارت التصريحات الكثيرة التي أعقبت تنظيم هذه الانتخابات وفي مقدمها تصريحات الامين العام للامم المتحدة والمبعوث السابق الدولي العربية الاخضر الابراهيمي قضت هذه الانتخابات على اي أمل لإعادة فتح المفاوضات على الحل السياسي. وهذا كان هدفها ايضا كما يشير إلى ذلك تصريح الأسد نفسه وحليفه زعيم حزب الله الذين قالا أن جنيف ١وجنيف٢ لم يعد لهما وجود، وصارا من الماضي. لكن من غير المحتمل أن يتحقق نتيجة هذه الانتخابات ما يطمح إليه النظام السوري، طالما أن المعارضة ترفض التفاوض خارج إطار اتفاق مباديء جنيف، وأنها لا تزال تحظى، وربما أكثر من أي وقت آخر، بالدعم العسكري والسياسي اللازمين لتغيير حسابات النظام وإجباره على العودة عن سياسة فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. مما يعني أن الانتخابات الوحيدة الجانب بدل أن تساعد النظام على فرض أجندته للحل السياسي وضعته في طريق مسدود وأثارت ضده الدول العديدة التي كانت تراهن على حل تفاوضي يجنب سورية والمنطقة المزيد من التدهور الأمني والسياسي. ولن تفيده في تجنب ذلك نداءات طهران وموسكو ودعواتهما المعارضة والدول الصديقة إلى العودة السريعة إلى طاولة المفاوضات على شروطهما الخاصة ولتثبت مكاسب النظام العسكرية والسياسية
ربما يكون المستفيد الوحيد من هذا التصعيد السياسي الذي قام به نظام الاسد هو طهران التي تعتقد أن نجاحها في فرض بشار الأسد من خلال انتخابات رئاسية، مهما كانت صفتها، لسنوات سبع قادمة، أكد أنها قادرة على فرض إرادتها وتوجيه الأحداث في الاتجاه الذي يخدم رؤيتها ومصالحها. وهذه بداية قوية للتقدم إلى الصفوف الامامية والتخلي عن مظاهر الدولة الداعمة للنظام السوري للعمل على مسرح الاحداث السياسية وربما العسكرية، من منطلق الشراكة الكاملة في النزاع، على قدم المساواة مع الاطراف الإقليمية والدولية الأخرى، مما يؤهلها لأن تكون طرفا رئيسيا في أي مفاوضات قادمة حول مصير الدولة السورية. فبموازاة التقدم على مفاوضات الملف النووي مع الدول الغربية، تشعر ايران أن مفاوضات التسوية السورية قادمة، وأن من مصلحتها أن تتخلى عن موقف المكوث في الظل، وأن تؤكد قدرتها على لعب دور حاسم فيها، وربما تطمح بأن تكون هي الماسكة لزمام التفاوض على مستقبل سورية ومستقبل النظام معا، بدل أن تترك النظام يستخدم دعمها كورقة في مفاوضات تتعلق بمصير نظامها ومستقبله بالدرجة الأولى
ولا يخفي السياسيون والعسكريون الايرانيون اليوم، ومنذ أشهر، دورهم الأساسي في الحرب، وتهديدات مسؤوليهم بتدريب وارسال المزيد من الميليشيات التابعة لهم. لكنهم يسعون اليوم بشكل أكبر إلى تأكيد حضورهم السياسي أيضا سواء في عقد الهدن المحلية بين المقاتلين والنظام أو في المفاوضات الاقليمية المرتقبة التي يدعون إليها. في هذا الإطار من الملفت أن توقيع الهدنة التي أدت إلى خروج المقاتلين من حمص القديمة المحاصرة بأسلحتهم نحو الريف الشمالي للمدينة، كان تحت إشراف مبعوث ايراني هو الذي حسم النقاش بعد أن كانت الخلافات بين اجنحة النظام العسكرية وميليشياتها قد عطلت عقدها لأشهر عديدة. ويسعى الايرانيون إلى تكرار الأمر نفسه في الهدنة المنتظرة في حمص الجديدة المسماة الوعر، حيث يحاول المبعوث الايراني أن يفرض نفسه وسيطا بين النظام والمقاتلين ويمهد لفتح مكتب خاص به في المدينة لمتابعة تطور الوضع. أما على المستوى الاقليمي فقد ظهر تطلع ايران لتأكيد حضورها بصورة أوضح بعد إطلاق سلسلة المفاوضات مع الدول الخليجية، وبشكل خاص المفاوضات التي تزمع إجراءها مع المملكة العربية السعودية في القريب.

التصعيد العسكري بانتظار المفاوضات
لا يعبر تقدم ايران إلى الواجهة في الصراع السوري، وسعيها إلى انتزاع المبادرة في المفاوضات الاقليمية حول سورية، عن واقع توزع القوى الفعلي على الأرض، والذي تشارك ايران فيه بشكل أكبر من كل القوى الأخرى فحسب، وإنما هو يستجيب أكثر لمصالح ايران نفسها التي تشكل سيطرتها على سورية ورقة تحاول الاستفادة منها إلى أقصى حد في مفاوضاتها المصيرية مع الغرب. وهي تدرك، مع تدهور الوضع العسكري والامني في العراق
بعد سورية وفي عموم المنطقة، أن بإمكانها الانتقال من مفاوضات جزئية على الملف النووي نحو مفاوضات شاملة تضم سورية وغيرها من الملفات المفتوحة في المنطقة بهدف الخروج بصفقة شاملة يعترف الغرب بموجبها لطهران بدورها المتقدم والأول في إدارة المنطقة والهيمنة عليها. وهو ما لا يخفيه الساسة الايرانيون في أحاديثهم مع الأطراف الأخرى
وفي ما يتعلق بسورية، تشعر القيادة الايرانية بأنها حققت أقصى ما يمكن تحقيقه في الميدان العسكري والسياسي، وأن من مصلحتها فتح المفاوضات الآن حول سورية لتكريس انتصارها واستباق الهجوم المعاكس التي تعد له قوى المقاومة والمعارضة بعد أن تلقت وعودا قوية بتغيير ميزان القوى على الأرض. ويامل نظام الخامنئي أيضا أن يتم التوصل إلى اتفاق مع الغرب يضمن الاعتراف له بأسبقية دوره في سورية ما بعد الأسد، وقطع الطريق على مخاطر تحول الحرب في سورية إلى حرب استنزاف طويلة، هو ما يخبؤه الغرب لطهران في سورية لتقويض قدراتها وإضعاف دورها في المنطقة. هذا ينذر بأن نشهد مرحلة يتنافس فيها التصعيد الخطير في العنف بهدف تغيير ميزان القوى أو تكريس المكاسب لهذا الطرف أو ذاك من جهة، والتسابق على إطلاق مبادرات التفاوض
حول التوصل إلى حل سياسي، وبالتالي تفاقم مأساة المدنيين الذين كانوا وسيبقون الضحية الرئيسية للتصعيد السياسي والعسكري معا. ومنذ الآن تتداول الأوساط الدبلوماسية مقترحات لايران تقبل فيها التضحية بالأسد مقابل الحفاظ على بنية الجيش وأجهزة الأمن وسيطرة أنصارها عليها. لكن هذه المقترحات لا تزال بعيدة جدا عن أن تشكل أرضية لمفاوضات جدية
ومن المستبعد أن يقبل، حتى السوريون الذين يوصفون بالاعتدال من بين اطراف المعارضة السياسية، بمثل هذه المبادرات التي يرى فيها الكثيرون إرادة طهران في تكريس نوع من الوصاية الايرانية على مستقبل ومصير البلاد. ومن الصعب كذلك أن تقبل الدول العربية مثل هذه النتيجة للحرب السورية، وأن تشرعن الهيمنة الاقليمية الايرانية، وتنهي عقودا طويلة من مساعيها لتعزيز أمنها القومي ضد ما تعتبره السياسة التوسعية الايرانية في الخليج والمشرق العربي عموما
إذا فشلت المساعي الكثيرة الراهنة في جر ايران إلى مفاوضات جدية حول سورية، واصرت طهران على عروضها المذلة للعرب والسوريين، ستتجه الأمور على الأغلب نحو حرب استنزاف طويلة يراهن فيها الغربيون على الوقت لتقويض أسس الجمهورية الخمينية وزعزعة أركانها. ولا تحتاج من أجل ذلك سوى إلى تقديم الدعم العسكري للمعارضة للحفاظ على توازن للقوى يمنع أيا من الطرفين من تحقيق نصر حاسم على الطرف الآخر، وتلقي على عاتق السوريين والميليشيات التابعة لايران حمل العبء الأكبر من الحرب
لا يخفي الايرانيون خوفهم من التورط في ما يمكن أن نسميه فيتنام ايرانية مهلكة في سورية، لكنهم، بعد كل ما استثمروه في الحرب السورية، يبدون واثقين من حقهم في تكريس مكتسباتهم العسكرية وشرعنتها. وهم يراهنون في تحقيق ذلك على قوى الحرس الثوري الايراني التي تمرست في الصراع وخوض الحروب بالوكالة، وقدرتهم المالية المرتبطة بتصدير النفط، ودعم روسية والصين، ونفوذهم الواسع في الاوساط الدينية الشيعية، وانصياع الشعب الايراني بعد أن انعدمت خياراته السياسية على إثر إخماد الثورة الخضراء عام ٢٠٠٩. ولعلهم يراهنون، بشكل خاص، لصرف النظر عن التكاليف الانسانية والمادية والسياسية التي تصبح أقل فأقل احتمالا على ايران والشعب الايراني وشعوب المنطقة بأكملها، وفي مقدمها الطوائف التي تدعي طهران حمايتها، على التعبئة الايديولوجية لميليشياتهم المتعددة الجنسيات، وإحياء ذاكرة التجارب السلبية الماضية وعلاقات ايران المعقدة والمتوترة مع الغرب منذ السنوات الأولى للثورة الخمينية. وهم يعتقدون أن بإمكانهم، من خلال الشحذ المزدوج للوعي القومي والديني المكلوم، أن يتغلبوا على نقص الموارد المتفاقم في جميع الميادين الأخرى، إذا اضطروا إلى الاستمرار في الحرب. ولعل ما يشجعهم على ذلك شعورهم بالموقف المتردد للغرب والولايات المتحدة بشكل خاص

 الخوف من حرب استنزاف طويلة
لكن لن يكون لدى ايران القدرة على تموين حرب استنزاف طويلة المدى لا تكاد تكلف الغرب شيئا سوى تسليح المعارضة وتدريبها. ولن يقود طريق المراهنة على القوة لتركيع الغرب إلى أي مكان، سوى إلى المزيد من الضحايا السوريين والعراقيين واللبنانيين والايرانيين. ويكفي أن نشير إلى التكاليف العالية لسياسة ايران الخارجية. فقد انفقت ايران منذ بداية حكمها الجمهوري على امتلاك القنبلة النووية أكثر من مئة مليار دولار. وإذا أضفنا ما أنفقته ايران على الحرب العراقية، والحروب العديدة التي خاضتها في لبنان وعلى حدود اسرائيل، إلى ما تنفقه للحفاظ على نظام الاسد التابع لها في سورية، ثم إلى مصاريف الحرب الدائرة ضد ثورة السوريين منذ ثلاث سنوات، والتي تتجاوز عشرات المليارات من الدولارات بالتأكيد، بالاضافة إلى تكلفة تشكيل الميليشيات اللبنانية والعراقية وتسليحها، وشراء السلاح للنظام وتمويل الاقتصاد السوري المتهاوي بسبب ظروف الحرب، ودفع مرتبات موظفي حكومة الأسد خلال أكثر من سنتين، أدركنا حجم الخسائر التي تتكبدها ايران لتاكيد هيمنتها الإقليمية، وما يمكن أن يكون لسياسة حرب الاستنزاف من عواقب وخيمة على الأوضاع الاجتماعية للشعب الايراني الذي شهد تراجعا مضطردا في مستوى معيشة الأغلبية الساحقة منه خلال العقود الماضية
لهذه الاسباب ستتردد طهران كثيرا على الأغلب قبل أن ترمي بنفسها في فخ حرب استنزاف غير مضمونة النتائج، لا تستطيع الانسحاب منها من دون خسائر معنوية كبيرة، ولا تستطيع الاستمرار فيها من دون تضحيات ستصبح أكثر فأكثر صعبة الاحتمال، خاصة وأن ربح الحرب سيكون مستحيلا ولن يكون له معنى عندما تتحول البلاد برمتها إلى خرائب محزنة ويتهجر أغلب شعبها ويقضي في القتال خيرة أبنائها وشبابها. ولن تستطيع طهران مهما فعلت، أن تتجاهل ما يمكن أن يقود إليه إصرارها على كسر إرادة السوريين لفرض اختيارها عليهم، من أزمة خطيرة في العلاقات بين الطوائف الاسلامية وعلى صورة الاسلام نفسه على مستوى الشرق الأوسط والعالم. ايران بلد قوي ومهم في منطقة الشرق الأوسط أظهرت نخبته الدينية الحاكمة قدرة لا يستهان بها على المناورة الإقليمة والدولية، وبرهن شعبها على قدرة على الصبر لا تجارى. لكن هذا لا يكفي لتغيير مجرى التاريخ وقهر إرادة شعب قرر التحرر والانعتاق
يكفي أن نذكر القادة الايرانيين في هذا المجال بمثال الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة الأعظم عسكريا واقتصاديا ونفوذا سياسيا، وما تعرضت له من كوارث في فيتنام، بصرف النظر عن قدراتها العسكرية والتقنية، واستخدامها أكثر الاسلحة تطورا في مواجهة شعب لا يملك إلا قدميه ويديه وبعض الاسلحة الخفيفة. وهناك أيضا مثال روسية التي فقدت في حرب الأفغانستان امبرطوريتها مجسدة بانهيار الاتحاد السوفييتي، واضطرارها، وهي ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، إلى الانسحاب المذل لصالح جماعات المجاهدين وميليشيات محدودة التدريب والتسليح من طلبة العلوم الدينية. لكن مثال أفريقيا الجنوبية التي شهدت انهيار اعتى نظام تمييز عنصري بعد خمسة قرون من السلطة البيضاء الصافية هو من دون شك الأكثر سطوعا على هذه الحقيقية الأبدية وهي أنه لا يمكن لأي دولة أن تفرض إرادتها على شعب قرر التحرر والاستقلال.

ثانيا: المشهد الاقليمي و الدولي عشية «مسرحية» الانتخابات
حدثت «الانتخابات» الرئاسية السورية دون تبعات إضافية على الصعيد الخارجي، إذ ظلت القوى الدولية على اختلافها تتحدث عن استحالة الحسم و ضرورة الحل السياسي دون أن تحدد كيف و متى و بأي آليات يمكن التوصل اليه. و على العموم فقد جاءت ردود الفعل الدولية على اجراء الانتخابات الرئاسية متطابقة مع الانقسام الحاصل حول الازمة منذ بدايتها، ففي حين أعلن حلفاء النظام - ايران روسيا التي ساءت علاقاتها مع الغرب على خلفية الازمة الاوكرانية – عن دعمهم اجراء الانتخابات الرئاسية، ندد خصوم النظام الاقليميين و الدوليين بالخطوة و اعتبروها مهزلة في ظل استمرار اعمال العنف في مختلف انحاء اليلاد. مع ذلك فقد جاءت ردود الفعل المعارضة لاجراء الانتخابات ضعيفة أول الامر، الا ان الاصرار على المضي فيها جعل هذه الردود تكبر مثل كرة الثلج. فتقدم المبعوث الدولي الاخضر الابراهيمي باستقالنه الى الامين العام للأمم المتحدة، بعد ان اعتبر ان إجراء انتخابات رئاسية في سورية ينسف جهود التسوية الرامية لوضع حد لثلاث سنوات من النزاع. كما اتهم دمشق باللجوء إلى «مناورات تسويفية» لتعطيل الحل. الدول الاوربية من جهتها اختارت الرد على قرار دمشق اجراء انتخابات رئاسية بمنع اجراء تصويت للسوريين المقيمين على اراضيها، وقد حذت بعض الدول العربية حذوها في منع اجراء الانتخابات الرئاسية على اراضيها وقد استهلت المنع دولة الامارات العربية المتحدة، في حين ذهب الأردن الى حد طرد السفير السوري لديه مع التوجه الى فتح ممثلية للائتلاف المعارض على اراضيه.
كما قامت فرنسا مدعومة اوربياً بالتقدم بقرار الى مجلس الامن لاحالة ملف سورية ًالى المحكمة الجنائية الدولية، ردت عليه روسيا بمشروع قرار لدعم المصالحات و التسوية السياسية في سورية اعتمادا على ما اعتبرته «الخبرة الايجابية للمصالحة في حمص»، و ذلك قبل ان تعود بالتنسيق مع الصين وتستخدم حق النقض «الفيتو» للمرة الرابعة في مجلس الأمن لحماية النظام السوري من أي اجراءات عقابية سياسية او قانونية تترتب على مشروع القرار الفرنسي، هذا في حين اعتبر سفير موسكو في الامم المتحدة فيتالي تشوركين أن «بيان جنيف لا يحظر إجراء الانتخابات الرئاسية في سورية». اما ايران التي بدأت تقدم نفسها راعيا ً لمصالحة سورية داخلية، تجري بمساعدة دولية، فقد قامت بتسهيل اتفاق خروج مقاتلي المعارضة من حمص وطرحت خطة لحل الأزمة بعد الانتخابات الرئاسية التي اعربت عن دعمها الكامل لها. كما ارسلت مندوبين للاشراف عليها
لكن رد الفعل الابرز جاء من واشنطن التي اعتبرت الانتخابات «مهزلة». و جاء ردها على مستويين الاول دبلوماسي حيث قامت بطرد البعثة الدبلوماسية السورية، ورفعت مستوى تمثيل الائتلاف الى بعثة خارجية، كما جرى تنظيم زيارة لقيادة الائتلاف كانت الاولى الى واشنطن و ترتيب لقاء مع الرئيس اوباما في البيت الابيض. من جهة ثانية، زادت واشنطن من مساعدتها للمعارضة بما فيها تقديم مساعدات عسكرية مثل صواريخ تاو التي جرى استخدامها بفعالية في شمال سورية ضد دبابات النظام و مدرعاته. كما أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما «برنامج لتدريب وتجهيز» مقاتلي المعارضة المعتدلين ضد نظام الرئيس بشار الاسد، في الوقت الذي كانت تجري فيه مناورات «الأسد المتأهب» المتعددة الجنسية في الاردن، بمشاركة ما يزيد على ١٢ الف عسكري يمثلون ٢٢ دولة
مع ذلك لا بد من الاشارة الى أن هذه الاجراءات الاميركية جاءت في سياق التعبير عن امتعاض واشنطن من تجاهل النظام و حلفاءه لكل مواقفها فيما يخص الحل السياسي، واصرارهم على اجراء الانتخابات، أكثر منها تعبيراً عن استراتجية او مقاربة فعالة لحسم الصراع
لا شك أن زيارة وفد الائتلاف الى واشنطن برفقة قيادات من هيئة الاركان، والتي تطرقنا إليها سابقا ولقاءه بالرئيس الأميركي باراك أوباما عبرت عن احتضان أميركي سياسي لما يمثله الائتلاف، ودعم معنوي ورمزي لأركانه في هذا المنعطف من النزاع في سورية. غير أن هذا الدعم ما زال يصطدم بسقف عسكري وديبلوماسي يمنعه من تخطي اطار التصعيد البطيء والتدريجي، مثل ترقية مكاتب الائتلاف الى بعثات أجنبية، أو تقديم معونات انسانية أو أسلحة غير نوعية سرا. فواقع الأمور على الأرض وحال الفوضى التي ساهم أوباما بشكل غير مباشر في الوصول اليها، تمنع الادارة اليوم من ارسال صواريخ مضادة الطائرات أو ايصال سلاح بكميات كبيرة، كما أن التطورات الأخيرة في العراق، وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على كثير من الاسلحة الأميركية ( عربات، مدرعات، ذخيرة ) سوف يزيد من مخاوف الأميركيين وترددهم في تسليح المعارضة، إذ ستقدم الإدارة الأميركية الساحة العراقية «حجة» للانتقادات الداخلية والخارجية المتكررة لاستراتيجيتها في سورية. ومن جهة أخرى، يفرض اتفاق السلاح الكيماوي واخراج الترسانة الكيماوية بالكامل من سورية نمطا بطيئا في أي تصعيد تراه واشنطن ضروريا لتقوية المعارضة وتفادي تراجعها امام نظام الأسد و حلفاءه. فتنفيذ الاتفاقية يحتاج الى تعاون من النظام وتسهيل وصول المفتشين والمراقبين من منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الى المواقع، وتسهيل نقلها وتدميرها. وهذا ميدانيا يتضارب مع أي تصعيد عسكري جدي قد يعرقل ممرات اخراج السلاح الكيماوي، أو يدفع النظام لاستخدامه بشكل عشوائي في الداخل أو ضد دول اقليمية
كما ان معادلة تغيير التوازن على الأرض للوصول الى حل سياسي والتي يلتقي حولها الائتلاف والادارة الأميركية بعد فشل «جنيف ٢»، لن تتم بين ليلة وضحاها. فحجم العوائق على الأرض والحاجة الى عمل تنظيمي لترتيب وضع المعارضة المسلحة قبل المضي في أي عمل عسكري جدي، ما زالت تحول دون اندفاع اميركي و اقليمي بهذا الاتجاه. من هنا يجب أن تشهد مرحلة ما بعد زيارة واشنطن، جهودا مكثفة لدعم وتعزيز الهيكلية المركزية للقيادة السياسية والعسكرية للائتلاف، والمحاربة على جبهتين ضد النظام وضد تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش) . فالمخاوف من وصول الصواريخ والأسلحة النوعية الى هذه المجموعات حاضر في ذهن الدوائر الغربية، كما أن هناك رغبة في دعم القدرات التنظيمية للجناحين السياسي والعسكري للائتلاف. مع ذلك، وبحسب المراجعة الأخيرة التي أعدها مستشارو أوباما حول سورية، فان واشنطن ذاهبة على الارجح باتجاه قلب المعادلة ضد النظام السوري، من دون المجازفة بتدخل أميركي أو تكرار تجربة أفغانستان، و ان كان الامر سيتم بصورة تدريجية و بطيئة.
و لان النظام يدرك ذلك ويدرك وجود مقاربة اميركية جديدة قد تضطره الى القبول بحل سياسي و تنازلات لا يرتضيها فقد سارع في اجراء الانتخابات الرئاسية. فبالرغم من كل الاعتراضات الاقليمية و الدولية وعدم امكانية مشاركة نصف السوريين بسبب ظروف اللجوء والتهجير، ورغم تعذر اجراء الاقتراع الا على مساحة تبلغ نحو 4٠ في المئة من الأراضي السورية، فإن النظام ظل مع ذلك مصمماً على اجراء الانتخابات الرئاسية لفرض واقع سياسي جديد، يلغي كل فكرة الحل القائم على انشاء هيئة انتقالية تستبعد الاسد. و في سعيه للحصول على ما يستطيع أن يزعم أنه تفويض شعبي للاستمرار في سياساته و حفظ بقاءه يتجاهل النظام حقيقة تحول السوريون الى أكبر تجمع لاجئين في العالم، في الوقت الذي تعرض
فيه نحو ٣ بالمائة منهم الى القتل او التشوه او الاصابة. امام هذا الواقع، فإن فرص الحل السياسي سوف تتراجع على الأرجح خلال الفترة التي تعقب الانتخابات مباشرة، قبل ان تعود لتصبح محل اهتمام أكبر مع ارتباطها بنتائج المفاوضات حول الملف النووي الايراني، و التصعيد التدريجي الاميركي في دعم المعارضة عسكرياً. و عليه يرجح أن يستمر النظام وحلفائه والمعارضة والدول الداعمة لها بالعمل على تعزيز الموقع العسكري والتفاوضي قبل انطلاق اي عملية سياسية محتملة مع استمرار حصول اتصالات «المسار الثاني» في شكل غير معلن بين ايران ودول غربية حول الازمة السورية. وحتى يتم التوصل الى تفاهم اقليمي ودولي، سيحاول النظام وحلفاءه استثمار « الانتخابات» الرئاسية للقيام بمجموعة من الخطوات للإيحاء بأنه انتصر داخليا وخارجية، وبأنه وحده من يحق له فرض الحل السياسي والقائم وفق التالي؛ الاستمرار بعقد المصالحات في مناطق مختلفة وتقليص مساحات الصراع المسلح، الإفراج عن بعض المعتقلين والاشتغال على هذه المسألة دعائيا في الخارج، تاليف حكومة جديدة قد تضم مجموعة من « معارضي» الداخل وبعض الشخصيات في الخارج في مسعى منه لشق صفوف المعارضة وتكفييها، أما ميدانيا فسوف يعتبر النظام مسرحية الانتخابات، والموقف الدولي المتراخي ضده بمنزلة «التفويض» لاستكمال معركته ضد الثورة مستندا إلى الدعم المادي والبشري الذي يوفره له حلفاءه. والجدير بالذكر أن المعارضة السورية، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني، ما تزال تخوض معركتها ضد النظام السوري وحلفاءه دون استراتيجية واضحة المعالم ، إذ على الرغم من معرفتها قبل فترة كافية بنية النظام في إجراء الانتخابات إلا أنها لم تجهز الوسائل والآليات والخطط والمبادرات اللازمة للرد عليها، وإعادة تأكيد قيم الثورة السورية في الحرية والكرامة وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة. واليوم بعد الانتخابات فإن المعارضة ستكون في وضع حرج إن لم تسع نحو تنظيم صفوفها سياسياً وعسكرياً، وتحصين نفسها من انشقاقات متوقعة بفعل تواصل النظام مع بعض أجزائها أو ضغط عدد من الدول أو بحكم حالة الإحباط التي يمكن أن تصيب بعض أطرافها، وإلى جانب ذلك هناك ضرورة للقيام بدور سياسي إعلامي مختلف وتقديم خطاب وطني جامع والسعي لإعادة توكيد القضية السورية في المجتمع الدولي بوصفها قضية سياسية وطنية وليست مجرد عمليات إغاثة إنسانية.

ثالثا: انتكاسات عسكرية خطيرة وفرص قائمة 
شهدت الساحة السورية خلال شهر أيار/ مايو ومنتصف حزيران/ يونيو ٢٠١4 تطورات عسكرية هامة في أكثر من ساحة وجبهة، ولعل أبرزها ما جرى في حلب ودير الزور من تقدم لقوات النظام في حلب ومحاولته فرض حصار عليها، وتقدم لتنظيم الدولة الإسلامية في دير الزور مدينة وريفا واطباقه الحصار على الأحياء الخاضغة لسيطرة المعارضة. وبموازة الانتكاسات السابقة شهدت مناطق عدة من سورية انتصارات نوعية للمعارضة السورية من أبرزها السيطرة على مدينة خان شيخون الاستراتيجية في ريف ادلب الجنوبي، والتقدم في ريف حمص الشمالي بالسيطرة على قرية ام شرشوح، واعادة فتح المعركة من جديد في القلمون واستهداف ميليشيات حزب الله في جبهات عدة كقرية رنكوس وعسال الورد .. الخ. واخيرا التقدم النوعي الذي حققه الثوار في المنطقة الجنوبية بالسيطرة على تل الجموع الاستراتيجي والذي يعتبر امتدادًا للانجازات العسكرية السابقة التي خصصنا لها مساحة واسعة في التقرير السابق. ولسوف نتوقف في هذا
التقرير على عدد من الجبهات وفق الأتي:
6
 حلب مهددة بالحصار :
بعد سلسلة من الانجازات العسكرية الهامة في مدينة حلب والتي حققتها فصائل المعارضة المسلحة خلال شهري أذار/ مارس و نيسان/ أبريل ٢٠١4 بشكل اتاح لها وللمرة الأولى فرصة فرض حصار خانق على قوات النظام ومواقعه الرئيسية والأحياء التي يسيطر عليها، حصلت مجموعة من التطورات العسكريّة أعادت خلط الحسابات، وأطاحت مرحليا بمسعى المعارضة لانتزاع حلب من سيطرة النظام أو على الإقل إخراجها عن تحكمه.
فقد تمكنت قوات الجيش النظامي مدعومة بميليشيات عراقية من تحقيق اختراق نوعي في جبهة الشيخ نجار والمدينة الصناعية من المدينة، ولم تسطع « الغرفة المشتركة لأهل الشام» حتى الآن من استعادة المواقع التي خسرتها، او على الأقل وقف تقدم النظام البطيء فيها. لقد اثبتت الوقائع العسكريّة خلال العامين الماضيين ومنذ اقتحام قوات المعارضة لمدينة حلب ٢١ تموز/ يوليو ٢٠١٢، أن استراتيجية « تحرير» مراكز المدن غير مجدية عسكريّة، فبالإضافة إلى تكلفتها واعبائها العسكرية الباهظة على الطرف المهاجم، خلفت هذه الاستراتيجية غير المدروسة تداعيات إنسانية مؤلمة لجهة اللجوء والنزوح، ومادية لجهة الدمار والتدمير الذي ألحقه قصف النظام للأحياء التي تحتضن قوات المعارضة وتدميرها، كما ألقت على قوات المعارضة أعباء إضافية تتعلق بمسألة إدارة المناطق المحررة وتوفير الاحتياجات الأساسية وصرف الرواتب، وتفريغ عدد كبير من المقاتلين وتحويلهم إلى رجال شرطة لمواجهة انتشار مظاهر العنف الاجتماعي والسرقة والخطف التي ظهرت بعد غياب السلطة القائمة.
لا يأتي الكلام السابق في إطار تبريري لما حصل في حلب من تراجع فالمعركة في حلب أضحت رمزية ومعنوية وتفوق في أهميتها الحسابات العسكرية والتأثيرات الممكنة على مسار الصراع المسلحة، لكن استحضار هذا الكلام ضروري لتجنب تكرارها مستقبلا ولللإضاءة على نماذج عسكريّة حاضرة سنعرضها لاحقا، اثبتت نجاعتها وجدواها على كافة الأصعدة. بالعودة إلى التطورات العسكريّة في مدينة حلب، يمكن القول إن الاختراق الذي حققه الجيش النظامي والميليشيات الطائفية التي تقاتل إلى جانب له تداعيات خطيرة على مسار العمل الثوري والمسلح في المدينة وفق الأتي ( انظر الخريطة ١ ) :




فرض حصار خانق على الأحياء الشرقية ولاسيما مدينة هنانو والشيخ مقصود، وجبل بدرو الخاضعة لسيطرة ا لمعارضة.
قطع طرق الإمدادات الفرعية القريبة من المنطقة الصناعية والشيخ نجار، واضطرار المعارضة للاعتماد على الطرق الرئيسية المكشوفة بالنسبة لطيران النظام.
في حال أتم السيطرة عليهما بشكل كامل، ستصبح المنطقة الصناعية والشيخ نجار قواعد عسكرية ونقطة انطلاق لقوات النظام لشن حملات عسكرية على بعض قرى الريف الشمالي والشرقي أو القريبة منها.
إعادة خلط الحسابات وتغيير الاستراتيجية، اذ ستضطر قوات المعارضة إلى الدفاع عن مناطق تمركزها، وهو ما سيخفف الضغط عن مواقع وأحياء أخرى لاسيما في الجزء الجنوبي والغربي من المدينة. وبالنظر إلى أسباب التراجع في الجبهات المذكورة، فنجد أن غالبيتها تنظيمية، فقد شهد الشهر الماضي تباينات بين القوى المشكلة للغرفة المشتركة لأهل الشام حول قضايا الدعم والإمدادات والأولويات العسكرية، وهو ما القى بتداعياته على انخفاض مستوى التنسيق بينها، وتفعيل العمل العسكري كما كان في الأشهر الماضية.
وبناء عليه، فإن توفير الدعم، والتنسيق بين الفصائل المشاركة في الغرفة والفصائل الثورية الأخرى هو السبيل لمواجهة الخطر المحدق بمدينة حلب، لسد الثغرات والضغط على النظام في مناطق سيطرته. ولتحقيق ذلك، لابد من توسيع وتعميق النظرة العسكرية والبدء بوضع استراتيجية عسكرية تهدف قبل أي شيء أخر إلى افقاد النظام مرتكزات قوته في الريف وقطع طرق إمداده، وحصار المواقع الهامة داخل المدينة، وذلك قبل التفكير في اقتحام هذا الحي أو ذاك. وقد تنبهت الفصائل المسلحة إلى خطر استراتيجية النظام والقائمة بمحاولة تكرار نموذج حمص في حلب، لذلك تحركت في مناطق مختلفة في محاولة لمنع حصوله، كما جرى في قرية عزيزة في الجهة الجنوبية من حلب، واستعادة خان طومان، والهجوم على جبل عزان.
إن كسب معركة حلب لصالح المعارضة، ليست بالأمر الصعب، كما أنها ضرورية للتفرع إلى جبهات مستعجلة واخطار محدقة كجبهة ريف حلب الشرقي، حيث يتمركز تنظيم الدولة الإسلامية في ثلاث مدن رئيسية هي الباب، ومنبج، وجرابلس وهو ما يجعل مدينة حلب مهددة في أي لحظة ولاسيما بعد التطورات الأخيرة في دير الزور والعراقة والانتعاشة العسكرية لتنظيم الدولة وحصوله على غنائم عسكرية قد ييستخدمها لإعادة التقدم في مدينة حلب وريفها.

 تنظيم الدولة يطبق الحصار على دير الزور :
بموازة الانتكاسات في حلب، شهدت محافظة دير الزور تطورات عسكرية قد تلقي بتداعياتها السلبية على الحراك الثوري والعسكري في المدينة وفي عموم سورية، إذ نجح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبعد أن تمكن من تجميع قواه الذاتية والاستقرار في حيز جغرافي آمن هو مدينة الرقة وريف حلب الشرقي في شن هجوم عسكري واسع في عموم ريف دير الزور، وتمكن من السيطرة على مساحات واسعة، ووصل إلى مداخل المدينة وفرض حصار عليها في محاولة لاجبار الفصائل العاملة هناك على تسليمها والخروج منها.
ثمة عوامل عديدة ساهمت في هذه الانتكاسة الكبيرة من ضمنها، انشغال مقاتلوا المدينة وفصائلها بقضايا نفعية كاستثمار النفط والسيطرة على الابار والمنشأت، بدل من خوض المواجهة والتي حصلت قبل شهرين مع تنظيم الدولة إلى نهايتها وازالة خطره نهائيا من محافظة دير الزور. وعلى الرغم من المقاومة الشرسة التي تبديها الفصائل العاملة في مدينة دير الزور على اختلافاتها ( مجلش شورى المجاهدين، جيش العشائر، الجيش الحر )، إلا التطورات الأخيرة في العراق وما نتج عنها من سيطرة لتنظيم الدولة على الموصول ومعبر اليعربية الحدودي، قد تنعكس بتداعيات سلبية، وقد تسقط المدينة أو جزء منها في يد التنظيم. وفي حال حصل ذلك، فإن تنظيم الدولة سوف يسيطر على مناطق شاسعة تمتد من أسوار بغداد إلى تخوم حلب، وسوف يشكل ذلك تهديدا كبيرا للثورة وللفصائل المسلحة التي تعاني بالاصل من صعوبات جمة تجعلها غير قادرة على مواجهة النظام المدعوم بميليشيات طائفية وتنظيم الدولة المدعوم بانتصارات ميدانية في آن واحد. انطلاقا
من ذلك، فإن التوصيات السريعة هي كالأتي
توفير مقومات الصمود لكتائب مدينة دير الزور وبشكل عاجل بما يمكنها من اكمال المواجهة والحؤول دون حصار المدينة بشكل كاما.
التخطيط المحكم لإشعال معارك ومواجهات في ريف الزور تستهدف وبشكل كبير اشغال مقاتلي التنظيم في جبهات عدة لمنع تركيزهم على جبهة واحدة ألا وهي المدينة.
دعم الخاصرة الرخوة في ريف حلب الشمالي والشرقي، من خلال توفير دعم عاجل للكتائب التي تقاتل التنظيم في تلك المنطقة، والتي استطاعت في الأسابيع الأخيرة تحقيق اختراقات وانتصارات جيدة كالسيطرة على بلدة الراعي الحدودية، وقرى اخرى محاذية لمدينة الباب في ريف الشمالي، وفي ريف الرقة. في هذه الأثناء، وفي ظل ما يحيط بالثورة في تلك حلب ودير الزور من مخاطر يغيب دور مؤسسات المعارضة وتدخلها لانقاذ الوضع في مختلف الميادين، وهو ما يفرض تساؤلات جدية عن مؤسسات المعارضة المدنية والعسكرية لاسيما وأنها تتجاهل باستمرار النداءات والتحذيرات المتكررة لانقاذ ما يمكن انقاذه متذرعة بنقص التمويل والامداد الخارجي او الانشغال بقضايا تتعلق بخلافاتها وتبايناتها الداخلية.

 خان شيخون نموذج يحتذى :
احكمت فصائل المعارضة أواخر شهر أيار/ مايو ٢٠١4 سيطرتها على مدينة خان شيخون الواقعة على الطريق الدولي بين حماة وادلب، وقد جاء هذا الانجاز النوعي لكتائب المعارضة ثمرة لتخطيط واستراتيجية متقنة ركزت على صد المحاولات المتكررة لجيش النظام لاقتحام بلدة مورك في ريف حماه الشمالي والواقعة ايضا على الطريق الدولي، وهو ما أدى إلى قطع إمدادات النظام والمتجهة من حماة إلى مدينة خان شيخون واطباق الحصار على الحواجز والمواقع العسكرية الموجودة فيها وصولا إلى تحرير المدينة اوتوماتيكيا بعد اقتحام جاحز الخزانات. يمكن القول إن « تحرير» مدينة خان شيخون يعد بمنزلة « النموذج الأمثل» للتكتيكات والاستراتيجية العسكرية لقوات المعارضة، فبخلاف المرات السابقة تجنبت فصائل المعارضة دخول واقتحام المدينة والتمركز في أحياءها بل ركزت على ضرب الحواجز خارجها ( انظر الشكل ٢)، الأمر الذي جنب المدينة ويلات الدمار والمواجهة وحقق النتيجة المرجوة بإخراج قوات النظام منها. تعد السيطرة على خان شيخون تطور عسكري هام بالنسبة للفصائل المعارضة في تلك المنطقة، فعدا عن كونها تقطع الطريق نهائيا أمام النظام لإمداد قواته في ريف ادلب الجنوبي الامر الذي يمنح المعارضة فرصة لاطباق الحصار على معسكر وادي الضيف والمعسكرات الأخرى، يفيد تحرير خان شيخون في تقوية جبهة ريف حماه الشمالي ولاسيما في مورك الصامدة حتى الآن على الرغم من المحاولات الحثيثة واليومية لقوات النظام لاقتحامها، وهو ما سيعيد خلط حسابات النظام العسكرية في حماه وريفها.


 استفاقة متاخرة لكتائب ريف حمص الشمالي :
بعد انفاذ اتفاق حمص والذي نص على خروج المقاتلين المحاصرين وانتقالهم إلى الريف الشمالي، وتضييق النظام على حي الوعر لاجبار المقاتلين هناك على تكرار التفاوض للخروج منه، تحسست كتائب الريف الشمالي الخطر المحدق بها في حال تهدئة الأوضاع العسكرية بشكل كامل في مدينة حمص. وفي محاولة لاستباق هجوم محتمل ومتوقع لقوات النظام خلال الأشهر القادمة بدأت الكتائب العاملة في ريف حمص الشمالي العمل على تعزيز مواقعها وتأمين تواصل جغرافي بين القرى الخاضعة لسيطرة المعارضة لمنع عزلها وحصارها مستقبلا من قبل قوات النظام. في هذا السياق أعلن عن معركة « الآن نغزوهم» للسيطرة على قرية أم شرشوح الواقعة بين مدينة الرستن وقرية تلبيسة، ونجحت الكتائب في السيطرة عليها وعلى حواجز وقرى تحاذيها جغرافيا. من شأن هذه المعركة، واذا توافرات الإرادة الجدية للكتائب أن تساهم في تقوية الجبهة الأخيرة والمتبقية في محافظة حمص، ويمكن إذا ما احسنت ادراة المعركة الضغط على النظام داخل مدينة حمص، وبالطبع فإن هذا الأمر يتطلب ابتعاد الكتائب عن المناطقية والنزعة الذاتية والتي تميز كثير من كتائب حمص. كما أن تحسين مواقع الثوار في هذه الجبهة الممتدة من بوابة حمص إلى بوابة حماه سوف يساهم في الضغط على قوات النظام وفتح جبهات اخرى تشغله في ريف حماه الجنوبي.


رابعاً: الجانب الحقوقي والإنساني : فيتو رابع ضد إحالة ملف سورية للمحكمة الجنائية الدولية :
استمرت قوات النظام السوري في استهدافها المتعمد والمنهجي اليومي للأحياء السكنية عبر عمليات القصف بالقنابل البرميلية والصواريخ منتهكة بذلك قرار مجلس الأمن ٢١٣٩ الصادر بتاريخ ٢٢ شباط/فبراير ٢٠١4 والذي توعد باتخاذ إجراءات إضافية في حال عدم الالتزام ببنوده، وعبر القصف بالغازات السامة منتهكة بذلك القرار ٢١١8 الصادر بتاريخ ٢7أ يلول/ سبتمبر ٢٠١٣ والذي يحظر على النظام السوري استخدام الغازات السامة وتدمير تراسنته الكيميائية. إذ تنص الفقرة ٢١ من القرار بشكل صريح : «في حالة عدم الامتثال لهذا القرار، بما يشمل نقل الأسلحة الكيميائية دون إذن، أو استخدام أ ي أحد للأسلحة الكيميائية في الجمهورية العربية السورية، أن يفرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة» على الرغم من ذلك، فقد بلغ عدد الهجمات التي استخدمت فيها قوات النظام السوري غازات الكلور السامة ( من بعد توقيع الحكومة السورية اتفاقيه نزع الأسلحة الكيميائية بتاريخ ١4 أيلول/ سبتمبر ٢٠١٣ ) نحو ٢6 هجوم بحسب ماوثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان. كما أن التقرير الصادر عن هيومان رايتس ووتش أثبت استخدام قوات النظام السوري للغازات السامة في عدة مناطق في ريف حماة. وبناء عليه، فإن النظام السوري حافظ على وتيرة القتل اليومي المستمر منذ ثلاث سنوات بمعدل 8٠ مواطنا مدنيا، إضافة إلى عشرات المقاتلين. وقد دفعت الانتهاكات السابقة لقرارات مجلس الأمن، فرنسا وبالتنسيق مع بعثة لوكسمبورغ إلى تقديم مشروع قرار ينص على إحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية رحبت به 6١ دولة من بينها 5 دول عربية هي : تونس وليبيا و السعودية والإمارات وقطر، على أن يصدر القرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وعلى الرغم من إشارة القرار إلى وجوب النظر في الانتهاكات واسعة النطاق من قبل السلطات السورية والميليشيات الموالية للحكومة، والمجموعات المسلحة والمعارضة المسلحة أيضا، فقد قوبل المشروع بفيتو روسي_صيني مقابل موافقة ١٣ عضو من أعضاء مجلس الأمن
وهذه هي المرة الرابعة على التوالي التي تسخدم فيها كل من روسيا والصين حق النقض في مجلس الأمن فيما يتعلق بالمسألة السورية وهي سابقة على مستوى الأمم المتحدة وكانت أكثر من ١٢٠ منظمة حقوقية حول العالم قد أصدرت بيانا بتاريخ ١5أيار/ مايو ٢٠١4 تحث فيه مجلس الأمن على قبول إحالة الملف في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية على غرار ما فعله مجلس الأمن في دارفور عام ٢٠٠5 و ليبيا عام ٢٠١١. وانطلق البيان من أن سورية ليست طرفاً في نظام روما الأساسي وهو المعاهدة المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، لذلك لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية الحصول على ولاية قضائية على الجرائم الرتكبة هناك إلا إذا أحال مجلس الأمن الوضع في سورية إلى المحكمة، أو بقبول سورية طوعاً لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية
لم تقم الحكومة السورية منذ عام ٢٠١١ وحتى الآن بمحاسبة أي مسؤول على الرغم من التقاير العديدة التي أصدرتها جهات مختلفة ابرزها لجنة التحقيق المستقلة بشأن سورية. في ظل هذه الظروف، ومع إعادة التجديد للأسد لولاية ثالثة، فإن العمل العاجل يجب أن يركز على الكشف الفوري لأسماء المجرمين المدرجين ضمن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الاخرى لملاحقتهم أمام المحاكم الدولة والعادية المختلفة، وحشد التاييد الدولي والشعبي للضغط على الدول الحليفة للنظام باعتبارها توفر الغطاء لمجرمي الحرب.
أما على الصعيد الإغاثي، وفي ظل الجرائم المرتكبة وساسية الحصار، فإن على مؤسسات المعارضة حشد جهودها داخل الامم المتحدة وفي المنظمات الدولية، والطلب منها التوقف على اعتبار النظام طرفا رئيسيا في توصيل المساعدات، والضغط من أجل ايجاد بدائل لألية توزيع المساعدات خارج الأطر التقليدية، والتي جعلت انصار النظام هو المستفيدين من المساعدات الدولية المقدمة للاجئين والنازحين والمحتاجين في سورية.

خاتمة وتوصيات :
مع التصعيد المتواصل للحرب ورفض مخرج الحسم العسكري للأزمة، يصل النزاع في سورية إلى منعطف حاسم، إما تسوية مرضية للجميع يحقق فيها كل طرف بعضا من رهاناته الرئيسية أو حرب استنزاف طويلة لن يستفيد منها أحد سوى بعض القوى الدولية الراغبة في تقويض القدرات العسكرية والاقتصادية لدول الشرق الأوسط ومن بينها ايران والخليج وتركيا. ولن تكون التسوية مرضية وقابلة للتحقيق إذا سعت ايران إلى فرض رؤيتها الخاصة التي تنبع من الدفاع عن مصالحها القومية ومصالح حليفها الوحيد في الساحة السورية. ولن يقبل أي طرف آخر، لا الأغلبية الساحقة من الشعب السوري ولا الأطراف العربية التي وضعت أيضا مصيرها في الرهان، بتسوية جوهرها التفاوض على توسيع دائرة مشاركة المعارضة في النظام مع الحفاظ عليه كما تقترح طهران. مثل هذا التصور يعني تكريس انتصار نظام هو سبب اندفاع الشعب إلى الثورة وتكريس انتصار الجمهورية الاسلامية الايرانية على القوى الإقليمية العربية والتركية والكردية. ولن تكون مثل هذه النتيجة مقبولة من قبل أحد، ولن تساهم في وقف الحرب وفتح آفاق السلام لا في سورية ولا في المنطقة
كي تكون هناك امكانية لفتح مفاوضات جدية والتوصل إلى حل مقبول من الجميع، المطلوب 
أولاً من جميع الاطراف الاعتراف بحق السوريين في نظام يعكس إرادتهم، ويمثل تطلعاتهم التي ضحوا من أجلها، ويلبي مطالبهم في الانتقال السياسي نحو نظام جديد، قائم على مباديء الحرية والعدالة والمساواة. وهو النظام الديمقراطي الذي ثاروا من أجله
وثانيا الاعتراف بأن نظام الأسد قد انتهى وفقد شرعيته في الحرب الدموية التي تسبب في في تفجيرها، أو التي لم ينجح في تجنبها أو تجنيب البلاد والشعب ويلاتها. ومن أجل دفع الأسد إلى تغيير حساباته بعد الانتخابات التي نظمها بصورة أحادية الجانب في ٣ حزيران، على الدول التي تسمي نفسها صديقة للشعب السوري :أن تزيد بشكل ملموس من الدعم العسكري واللوجستي للمعارضة، وأن تبذل جهودا أكبر لتطبيق قرارات مجلس الامن الخاصة بالمرحلة الانتقالية، واتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان تطبيق قرار مجلس الأمن رقم ٢١٣٩ (٢٢ شباط ٢٠١4) القاضي بوقف القصف العشوائي وفتح ممرات آمنة لايصال الدعم الانساني والإغاثة لكل المحتاجين. وأخيرا، عدم التلكؤ في تقديم ملف جرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية التي قام بها النظام بأسرع وقت إلى محكمة الجنايات الدولية أو إلى محكمة مختلطة دولية سورية لمحاكمة مجرمي الحرب. وثالثا، التفاوض الوحيد الذي يفتح أفق الحل هو الذي يمكن الأطراف من الاتفاق على مرحلة انتقالية، والخروج برؤية مشتركة ومقبولة لنظام جديد لا يعكس التوازنات العسكرية الراهنة بمقدار ما يخلق الأمل عند شعب كاد يفقد الأمل بالمجتمع الدولي وبصدقية الالتزامات السياسية والقانونية و الأخلاقيه، نظام قائم على قواعد ومباديء حكم القانون والممارسة الديمقراطية، ولا يتعارض هذا مع اتخاذ الاجراءات التي تراعي المخاوف الأمنية الخاصة ببعض الأطراف التي يهدد التغير المفاجيء جزءا من مصالحها التقليدية .
هذا هو الإطار الذي ينبغي أن يحكم أيضا حدود التسويات التي تنهي النزاعات الإقليمية والدولية التي ثارت من حول النزاع السوري الداخلي وعلى هامشه. مما يعني أن تحقيق مصالح أي طرف إقليمي أو دولي في مثل هذه التسويات لا ينبغي أن يكون على حساب المصالح الأساسية للسوريين، في الانتقال إلى نظام جديد يحترم حقوقهم ويضمن أمن أبنائهم وتفاهمهم. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي لا يمكن التوصل إلى تسوية ما لم نضمن أن لا يعني الانتقال السياسي المحتم داخل سورية بالضرورة تبديلا جذريا في ميزان القوى الإقليمية لصالح فريق ضد آخر، أو للتشجيع على تشكيل تكتل ضد آخر.
وأفضل طريقة لتجنب ذلك هو أن تحترم سيادة سورية ويعترف بحق شعبها في تقرير مصيره، وأن يكون الحل السياسي في سورية منطلقا لتفكير أعمق في تجاوز النزاعات الإقليمية نفسها في اتجاه العمل على بناء نظام إقليمي جديد قائم على التعاون والتفاهم والعمل المشترك لضمان الامن والتقدم لجميع شعوب المنطقة ودولها، وليكن على شكل منظمة إقليمية للأمن والتعاون والتنمية المشتركة. هكذا تصبح سورية همزة وصل وأرضية للتعاون بدل أن تكون غطاءا لصدع سياسي وجيوسياسي وديني يفصل بين أطراف متنازعة أو فاقدة الثقة بعضها بالبعض الآخر، أو منبعا للتوتر يغذي هذا النزاع ويضاعف من فقدان الثقة المتبادل بين جميع الأطراف
وعلى ايران وتركيا ومجلس التعاون الخليجي والعراق ولبنان والاردن ومصر وكل الدول الإقليمية أن تعترف بأن سورية هي سورية، وهي ملك السوريين، وهم وحدهم الذين يملكون الحق باختيار قادتهم وتقرير مصير حكوماتهم. وأن سورية لن تكون ولا ينبغي أن تكون مسرحا لحرب تصفية الحسابات الايرانية الغربية ولا ورقة للمساومة مع الخصوم الدوليين مهما كان الحال
بالمقابل على السوريين أن يستعدوا لتسويات داخلية قد تبدو أليمة من الوهلة الأولى لكن آلامها ستكون أكثر احتمالا بكثير من آلام حرب استنزاف طويلة المدى ستقود لا محالة إلى انهيار المحور الايراني لكن مقابل فقدان سورية أيضا هويتها وربما وحدتها ومستقبلها. ولعل أهم التنازلات المطلوبة هي القبول بمرحلة انتقالية، قائمة على أسس واضحة وأكيدة، تضمن التحول التدريجي من منطق حرب الوجود التي فرضها خيار الحفاظ بأي ثمن على النظام إلى منطق استعادة الوحدة الوطنية وتحقيق مباديء العدالة والحرية والمساواة الكاملة في المواطنية
هذا هو المضمون الحقيقي للديمقراطية وليس تنظيم مسرحية الانتخابات الهزلية. ومنها أيضا القبول بدرجة من الإشراف الدولي على انتقال يستدعي الحفاظ على علاقات ايجابية بناءة ومتوازنة لسورية مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية وتطمينها على مصالحها الأساسية، مما يمكن أن يعني ضرورة أن يتماشى مسار استعادة السيادة الكاملة للشعب في الدولة السورية، المجسدة بالمساواة الكاملة بين المواطنين الأفراد، بصرف النظر عن أصلهم او جنسهم أو دينهم أو مذهبهم السياسي، بخطوات موازية لاستعادة وحدة الشعب وتجاوز الانقسامات العمودية التي أضافتها أو عمقتها الحرب
ومع ذلك تبقى الكلمة الأولى في تقرير الاختيار بين التفاوض على تسوية مقبولة من الجميع أو الانخراط في حرب الاستنزاف الطويلة للحكومة الايرانية التي تمسك من خلال ميليشياتها، والميليشيات التابعة لها على الأرض السورية، بمصير النظام، وبالتالي بقرار السلام والحرب في سورية والمشرق معا.

هوامش:
 حتى اضطرت مستشارة الأسد بثينة شعبان إلى إطلاق تصريحات مضادة (الصحافة، منتصف١- 
 نيسان ١٤) تؤكد فيها «هذا الأمر مرفوض، فسوريا صمدت بشعبها الذي قدم إلى الآن أكثر من ربع مليون شهيد»!!، قبل أن تعود وتنفيه، قائلة، إن «حزب الله ولبنان في جبهة المقاومة وما نسب إلي على فيسبوك لا يمكن أن يصدر عن أي مواطن سوري، نحن نواجه أعداء سوريا الذين يخدمون الصهيونية» 
وكان أكثر التصريحات الايرانية تقويضا لسمعة النظام السوري ما جاء على لسان العميد حسين حمداني نائب قائد الحرس الثوري اللواء قاسم سليماني، الذي قال من دون مواربة، أن حدود دفاع ايران اصبحت في جنوب لبنان، وأن بشار الأسد يخوض الحرب بالنيابة عنا، أو هو نائبنا في سورية، بعد أن أكد كثير من المسؤولين قبله أنه لا تفاوض على بقائه في السلطة.


--------------------------------------------
12
التقرير الاستراتيجي السوري تقرير شهري يعنى بمتابعة تطورات الثورة السورية على المستويات المختلفة، ويحرص على تقديم تحليل موضوعي لمجريات الأحداث