mercredi, mai 21, 2008

أزمة لبنان: خطايا الآخرين وأخطاؤنا

الاتحاد 21 مايو 08

أخطأ حزب الله في اندفاعه نحو بيروت مرتين، الأولى لأنه استخدم أسلحته لأغراض سياسية بعد أن قضى عقودا يؤكد أنها مكرسة قطعا لمقاومة إسرائيل، وفقد بالتالي جزءا كبيرا من رصيده السياسي وصدقية استراتيجيته التي اضطر فيها إلى الاعتراف بصورة غير مباشرة أنه لا يمكن الفصل داخل القوة بين استخداماتها الخارجية والداخلية. والثانية لأنه أوحى للجميع بأن حزب الله يملك كل الشروط كي يتحول، إذا وجدت الظروف الملائمة، إلى حزب شمولي لا شيء يمكن أن يقاوم فيه إغراء القوة والتفوق الساحق على كل الخصوم. وقد فعل حسنا بنزوله عند إرادة وفد الجامعة العربية وتلبيته مطالب أغلبية الرأي العام اللبناني في فك الاعتصام وإلغاء العصيان وسحب القوى المسلحة من شوارع بيروت وفتحها للناس.
لكن خطأ حزب الله لا ينبغي أن يغطي على المسؤوليات العديدة التي تكمن وراء الأزمة التي عاشها لبنان في السنوات القليلة الماضية. فكما أنه من المستحيل فهم ولادة حزب الله نفسه من دون التذكير بسياسات إسرائيل الإقليمية واللبنانية والتي جعلت من الجنوب هدفا دائما للغارات والهجمات وعمليات التهجير العمدي للجنوبيين، من المستحيل أيضا فهم الوضع الذي قاد إلى المواجهة بين المقاومة التي يمثلها الحزب والأغلبية الحاكمة في بيروت من دون العودة إلى القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن، بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد حرب ايلول 2006 والذي استهدف حصار حزب الله ونزع سلاحه وجعلت من الشريط الحدودي التي كانت تحتله إسرائيل منطقة عازلة أيضا. فلم تكلف هذه القرارات حكومة لبنان تنفيذ مهام هي غير قادرة عليها فحسب ولكنها حولت اهتمام حزب الله ضرورة، وبالتالي سلاحه أيضا، نحو الداخل الذي أصبح بالنسبة إليه مصدر الخطر الحقيقي على وجوده. بهذا القرار وضعت واشنطن، من وراء مجلس الأمن، بذور الفتنة التي ستنمو باستمرار بين المقاومة والدولة، وفرضت على اللبنانيين الاصطفاف والانقسام بين مؤيد للمقاومة، على حساب استقرار لبنان، ومؤيد للدولة، على حساب المقاومة وما تمثله من اهداف ومصالح تعني ملايين الناس أيضا، داخل لبنان وخارجه.
وبعكس ما تشيعه خطابات الدعاية المتبادلة، ما قضى على حالة التعايش بين المقاومة والدولة، وهو الذي سيدفع المقاومة لتكون معارضة والدولة لتكون حكومة الأغلبية الحاكمة وحلفائها، ليس اعتماد حزب الله على المعونات الايرانية أو انحيازه لسياستها أو ارتماء تيار المستقبل وجنبلاط على الأمريكيين وتعلقهم بدعمهم. فقد بقي الأمر على هذا المنوال عقودا طويلة سابقة. إن الانخراط المتزايد لحزب الله في الاستراتيجية الايرانية والسورية قد جاء نتيجة الضغوط المتنامية التي بدأ يتعرض لها في لبنان نفسه، وكذلك الضغوط التي بدأت تتعرض لها دمشق وطهران أيضا في سياق السياسة الأمريكية الجديدة المعروفه نفسها، تماما كما أن الاعتماد المتزايد لحكومة الأغلبية التي يقودها تيار المستقبل على الدعم الأمريكي والغربي عموما، جاء نتيجة الضغوط التي أصبحت تتعرض لها من حزب الله المهموم بفك الحصار الاستراتيجي عنه، وكذلك الضغوط التي مارستها واشنطن ولا تزال على العواصم العربية القريبة منها، في القاهرة والرياض والأردن، للوقوف في وجه المحور الايراني السوري نفسه. وهكذا تحولت حكومة لبنان فجأة في نظر حزب الله إلى حكومة لاشرعية، بل عميلة، وتحول حزب الله في نظر حكومة الأغلبية إلى أداة لتنفيذ الأغراض الايرانية والسورية.
لا يقلل هذا من مسؤولية ايران ولا سورية بالتأكيد. لكن عصيانهما لا يختلف في جوهره عن العصيان الذي أعلنه حزب الله في لبنان، أعني عن قلب ظهر المجن الأمريكي لهما بعد أن كانا يسعيان بكل الطرق إلى التفاهم أو على الأقل التعايش مع السياسة الأمريكية التقليدية، وبالنسبة لسورية المراهنة على التعاون معها من أجل التوصل إلى تسوية مع اسرائيل تضمن عودة الجولان، أو على الأقل عدم نسيانه في الأجندات الدولية. فمثلما تطور عصيان طهران ودمشق في مواجهة السياسة الأمريكية الجديدة التي جعلت أيضا من حصارهما أحد أغراضها الرئيسية، تطور بالمثل عصيان حزب الله وابتعاده عن حلفائه وتخليه عن تحالفاته التقليدية التي سمحت له أصلا بالوجود والبقاء والنمو، أعني مع رفيق الحريري وتياره ومع جنبلاط أيضا والحركة التقدمية.
قصدي أن السياسة الأمريكية الجديدة الرامية إلى إعادة تركيب المشرق على هوى المصالح الاستراتيجية الأمريكية والاسرائيلية، بقدر ما كانت سياسة خاطئة أخلاقيا وغير متسقة سياسيا، وإلى حد كبير جنونية ومغامرة، كما أظهرت ذلك الحرب على العراق وفيه، دفعت جميع الأطراف المحلية إلى الخطأ، وفرضت عليهم ممارسة سياسات لا تقل جنونا ومغامرة منها، لأنها نابعة مثل السياسة الأمريكية من الخوف والقلق والشك ومندفعة مثلها إلى إقصاء الأطراف الخصم واستبعادها من الخريطة السياسية. هذا هو السياق الحقيقي لاغتيال رفيق الحريري الذي كان هو نفسه مصدرا لأزمة إضافية إقليمية ارتبطت بتكوين المحكمة الدولية وأصبح لها أنصار ومناهضين في لبنان وفي البلاد العربية والعالم، وتحولت إلى قضية قائمة بذاتها. وهو السياق الذي يفسر أيضا ولادة مشروع التقنية النووية الايرانية وطموح طهران إلى امتلاك قوة نووية تقلل بها ما تشعر به من حصار أمريكي، وبالتالي إقليمي، لا يزال مستمرا منذ الثورة الخمينية عام 1979.
لكن إذا كانت السياسة الأمريكية الشرق أوسطية التي اتبعتها حكومة المحافظين الجدد تفسر إلى حد كبير تفجر الأزمات التي شهدها المشرق في السنوات القليلة الماضية، ومنها أزمة لبنان، وأيضا أزمة فلسطين التي فجرت النزاع بين فتح وحماس، وأزمة سورية التي قضت على حلم الانفتاح والتعددية، وقبل ذلك أزمة العراق التي تتمثل في تفجر الحرب الأهلية الطائفية، فهي لا تبرر بأي حال أخطاء الأطراف العربية، الرسمية منها والأهلية. لا تبرر انسياق دول الجامعة العربية وراء أوهام السياسة الأمريكية وإخفاقها في التقدم نحو بناء إطار للتفاهم الجماعي الإقليمي مع ايران وتركيا، مما كان سيعزز استقلال المنطقة نسبيا تجاه الضغوط الأمريكية ويحول دون تحويل ايران إلى لاعب مستقل على حساب العالم العربي. ولا تبرر المغامرة بضرب المحور العربي الثلاثي المصري السعودي السوري الذي سمح داخل الجماعة بالحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق والتناغم في سياسات المشرق العربي لعقود ثلاث متتالية. ولا تبرر أيضا تحرر دمشق من التزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه شعب لبنان وشعب سورية معا، واستخدامهما كأدوات في معركة الدفاع عن النظام والذود عنه. ولا تبرر أخيرا اتخاذ حزب سياسي الدولة اللبنانية رهينة، ونزوله إلى الشارع واحتلاله بالقوة بيروت. ليس لأنه ليس لدى المجموعة العربية ولا سورية ولا ايران ولا حزب الله حقا او دافعا مشروعا لعمل ما قاموا به، وهو الدفاع عن النفس امام موجة هجوم امريكية عاتية. إنما لأنهم تصرفوا جميعا من منطق رد الفعل، وردوا على الخطأ بخطء أكبر، ووقعوا بالتالي في فخ السياسة التي أرادوا مقاومتها، أي تفكيك التحالف العربي، وزرع الفتنة داخل مجتمعاته وشعوبه، وتفجير النزاعات العربية العربية، وتوسيع دائرة الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي يحتاج إليه التدخل الاجنبي لتبرير وجوده الدائم في المنطقة، بينما كان المطلوب ولا يزال بلورة سياسة ايجابية عقلانية تحفظ الانسجام داخل الصف العربي، وتحتوي النزاعات العربية العربية، وتنزع فتيل الحروب الأهلية، أي تحبط عمل الخصم وتجبره على تغيير سياساته. وفي هذه السياسة يشكل ضبط النفس قيمة أساسية لا يبدو أن كثيرا من الاطراف المتنازعة على علاقة بها.
مهما كانت شرعية قضايانا، ليس مبررا أن نخطيء في الدفاع عنها، وعلينا تقع مسؤولية خطئنا بالدرجة الأولى. ولا ينبغي أن نركن إلى صفة الضحية أو نحولها إلى قناع لعجزنا وسوء تقديراتنا وحساباتنا. ينبغي أن نرفض فكرة أن نكون ضحية، وأن نؤمن أننا قادرون على التصرف من مستوى المسؤولية، كدول واحزاب سياسية وقوى مدنية، وأهل للعمل العقلاني المخطط والمنظم الطويل المدى، لا كأوراق خريفية تعبث بها الرياح بل النسمات الضعيفة. والأمل أن يشكل نجاح المبادرة العربية في لبنان الفاتحة في استدراك الأخطاء والتقاط أول الخيط على طريق بناء سياسة عربية جديدة قائمة على المبادرة والعمل المنظم بدل المراهنة على التهديد بالخراب المتبادل.

mercredi, mai 07, 2008

في معنى المعارضة السياسية ووظيفتها

الاتحاد 7 مايو 2008

كثيرا ما يؤخذ على المعارضات السياسية عجزها عن إحداث التغيير الذي ينتظره الرأي العام. وفي حالات كثيرة تستخدم النظم التسلطية هذا العجز لإقناع الجمهور بأنه لا قيمة للمعارضة ولا جدوى منها. .والحال أن المعارضة لا تستطيع أن تكون وسيلة تغيير إلا في إطار نظم ديمقراطية، تعترف بشرعية المعارضة وتحترم حقوقها، وفي مقدمها حقها في التداول على السلطة عند حصولها على أكثرية نيابية. خارج هذا الإطار لا يمكن لحركة التغيير أن تستند إلى المعارضة السياسية، خاصة وأن هذه المعارضة تكون سرية أو شبه سرية وبالتالي مقيدة إلى حد كبير.
يرتبط تغيير النظم بالتقاء عاملين : نمودج النظام وسياساته ووضعه العام من جهة وتحول الاوضاع الدولية وموقعه فيها من الجهة الثانية. وهذا ما يفسر أن التغييرات في النظم تتخذ شكل موجات تعكس تحولات عميقة في الأوضاع والتوازنات الدولية وتجرف عددا كبيرا من الانظمة التي تجاوزتها الأحداث والمعايير الدولية في أكثر من موقع ومكان. ومن الأمثلة على دلك تلك الموجة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وعكست في الوقت نفسه تراجع قوة الدول الاستعمارية الاوروبية بعد الحرب العالمية الثانية من جهة وفقدان النظم المجتمعية التي أقامتها في المستعمرات لأي صدقية.
وفي سياق الحرب الباردة التي ساهمت في توسيع هامش مناورة الدول الصغيرة والضعيفة، شهدت الستينات من القرن الماضي موجة ثانية من التغييرات التي استلهمت النظام السوفييتي الذي بدا في ذلك الوقت النموذج الأمثل لاستدراك التأخر والصعود إلى مصاف الدول الكبرى. وقد كان لانهيار هذا النموذج وتفكك الاتحاد السوفييتي أثر كبير على نشوء موجة ثالثة من التغيير، حلت بموجبها النظم شبه الليبرالية في العديد من بلدان العالم النامي والبلدان الشيوعية محل النظم الاحادية، الاشتراكية أو القومية، التي صعد نجمها في التغير السابق.
لكن القول بأن المعارضة ليست أداة التغيير الرئيسية في النظم السياسية وبشكل خاص استبدادية لا يعني أنها عديمة القيمة أو لا دور لها في التغيير. فهي تستمد أهميتها من انها الوسيلة الوحيدة للتغيير داخل النظم وحفظها من الفساد والانحطاط، وبالتالي ضمان أن لا يتحول الحكم السياسي، مهما كان نوعه إلى حكم العصبية والولاءات الشحصية المدمرة لروح القانون والعدالة والمخربة للأوطان والأعمال. وهذا ما يفسر وجودها وتعددها وتنوع مشاربها في معظم الدول والمجتمعات. فهي لا تستمد شرعيتها من مقدرتها على التغيير وقلب نظم الحكم، وإنما من قيامها بوظائف أخرى ضرورية حتى من دون تغيير النظام، بل بسبب امتناع هذا التغيير أو صعوبة تحقيقه. وفي مقدم هذه الوظائف واهمها مراقبة الحكومة ومتابعة سياستها، وبالتالي بث حد أدنى من التوازن في السلطة، وبشكل أكبر، عندما يتعلق الأمر بنظم يتحول فيها البرلمان صورة تعكس إرادة السلطة التنفيدية وأداة طيعة في يدها. وتشكل مراقبة الحكومة وتحليل سياستها ونقدها، مدرسة أساسية لتأهيل النخب الاجتماعية والسياسية، المشاركة في الحكم والموجودة خارجه، وتدريبها على تمثل مفهوم المصالح الوطنية والتعامل مع تعدد المصالح الاجتماعية والتمرس على إدارة الشؤون العمومية.
ومن هده الوظائف عقلنة حركات الاحتجاج وترجمتها إلى مطالب سياسية يمكن النقاش فيها والتفاهم من حولها. وإلغاء المعارضة أو تغييبها يخلق فراغا كبيرا لا يمكن لأي حزب حاكم مهما كان نوعه ملأه لأنه يمثل الحكومة، ولا يستطيع مهما فعل أن يعبر عن مطالب وطموحات القوى والفئات الاجتماعية الأخرى التي لا تشارك فيها أو التي تتناقض مصالحها مع سياساتها الخاصة. والافتقار إلى المعارضات السياسية الشرعية والقانونية يهدد بتحويل أي حركة احتجاج أو اعتراض أو نزاع، مهما كان حجمها ومحدودية مطالبها وضيق مجال انتشارها، إلى ما يشبه الثورة أو التمرد على النظام، بقدر ما يحرم المجتمع من آلية التوسط التي تمثلها المعارضة بين المصالح الخاصة والعامة. ويشير هذا إلى الدور البنيوي التي تمثله المعارضة في أي نظام، أعني تحويل حركات الاحتجاج إلى مطالب سياسية وتجنيبها الانخراط في منطق الانشقاق والتمرد والمواجهة.
فوجود المعارضة هو التعبير الأبسط عن وجود السياسة ذاتها. فكما أنه لا مكان للسياسة ولا وجود من دون معارضة، ليس للمعارضة أيضا وجود ولا مكان في مناخ المواجهة والمجابهة والانفجار. فهي صمام الأمان الوحيد ضد احتمال تحول النزاعات الداخلية على المصالح إلى انفجارات أو صراعات وحروب أهلية. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن هذا هو الوضع القائم للأسف في العديد من البلاد العربية إن لم يكن في معظمها. فبسبب إلغاء السياسة واستبعاد المعارضة أو التنكيل المستمر بها وعدم الاعتراف بقيمتها ودورها وحرمانها من الشرعية، تكاد جميع حركات الاحتجاج الاجتماعية تتحول إلى حركات انشقاق إتنية أو طائفية أو عقائدية وتعامل كأنها حركات تقويض للنظام القائم وتمرد عليه. وهو ما يفسر أيضا مناخ المواجهة التي تعيشه هذه المجتمعات. بل إن المعارضة السياسية نفسها لا تجد، بغياب السياسة، مبررا لوجودها خارج المشاركة في حركة التمرد والانشقاق وتقمص روحها وجدول أعمالها. وهكذا تفقد المعارضة أيضا دورها التوسطي والمعقلن للنزاعات الأهلية، لتتحول إلى فريق احتجاج من نوع آخر، يضاف إلى جماعات الاحتجاج الأهلية الاخرى.
بتحويل المعارضة إلى حركة انشقاق معزولة عن المجتمع مرتبطة بأجندتها الخاصة، لا أجندة التحول الاجتماعي العام، تضمن السلطة تفريغ النظام الكامل من السياسة وإقفاله تماما أمام أي احتمال إعادة إحيائها. وفي سبيل ذلك لا تكف السلطة عن استفزاز المعارضة والتحرش المستمر بها لدفعها إلى الدخول في منطق رد الفعل والتحدي والمجابهة، ومنعها من العمل بالسياسة وحسب منطق السياسة، أي كوسيط بين المصالح الخاصة المتعددة والمتنازعة والمصلحة العامة، وبالتالي كمحول سياسي ومركز استقطاب اجتماعي. وبمقدار ما تنجح في تقويض ديناميكية المعارضة السياسية، تستطيع السلطة أن تفرض على أعضائها صورة المنشقين وتعاملهم معاملة المجرمين، تماما كما عاملت السلطات عمال المحلة الكبرى جنوب القاهرة في أبريل 2008، وكما تعامل سلطات عديدة المشاركين في الاحتجاجات الإتنية أو الطائفية.
وهذا ما حصل بالفعل. فبقبولها الدخول في منطق الانشقاق، سقطت المعارضة في فخ النظام ذاته، ودخلت هي نفسها في هوس القيامة أو الانقلاب الوشيك للأوضاع. فتحولت إلى قوى اعتراض واحتجاج على نظام السيطرة القائم أكثر مما هي معارضات منظمة تعمل حسب أصول وقواعد مرعية ومشروعة كسلطة بديلة محتملة. وأصبح مفهوم التغيير شعارها الرئيسي، وهو في ذهنها رديف تغيير النظام أو قلبه، ويطرح عادة كنقيض للإصلاح أو للتغييرات التي يمكن الحصول عليها بالتفاهم والحوار. والواقع أن العجز عن التمييز بين مفهوم المعارضة السياسية ومهامها من جهة، ومفهوم التغيير الجدري للنظام ومهامه من جهة ثانية يشكل، بالإضافة إلى القهر الفكري والسياسي الذي تمثله السلطة التسلطية بل شبه الإقطاعية السائدة اليوم في البلاد العربية، السبب الرئيسي لفشل المعارضة، بمقدار ما وضعها أمام تحد ليس مطروحا عليها وليست قادرة على رده.
القول أن المعارضة ليست أداة تغيير النظم ولا شرطه الرئيسي لا يعني أننا لسنا أمام مهمة تغيير ولكن بالعكس أن لكل نوع من التغيير، أقصد تغيير النظام والتغيير ضمن النظام، شروطه وأدواته. ولا يمكن للمعارضة السياسية أن تحل محل الثورة أو الانقلاب كما لا يمكن لأي إنقلاب أن يتحول إلى تغيير فعلي للنظام من دون إعداد طويل وعميق للنخب والرأي العام وتغيير مسبق في سلم القيم والأولويات، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون السياسة وخارج السياسة، بصرف النظر عن طبيعة النظم ووسائل القمع وحجم القوى الانقلابية أو طبيعتها. وكما يقول الشاعر العربي: ووضع القنا في موضع السيف بالوغى مضر كوضع السيف في موضع القنا.

mercredi, avril 23, 2008

العالم العربي في مهب الريح

الاتحاد 23 أفريل 08

مثل العالم العربي اليوم كسفينة ضلت طريقها، تضربها العواصف وتتقاذفها الأمواج، في محيط بلا قرار. وفي كل لحظة تهدأ فيها العاصفة قليلا يسرع الأقوى من ركابها إلى إلقاء مراكب النجاة الصغيرة في البحر للهرب بأنفسهم، بينما لا تجد الغالبية من الركاب خيارا سوى الاستسلام للمصير المحتوم، والانشغال عن العاصفة بالتضرع إلى الله وطلب رحمته وغفرانه. أما داخل غرفة القيادة فالصراع على أشده بين فريق من الركاب، الذي انتدب نفسه لإنقاذ السفينة، وقبطانها الذي يصر على أنه هو وحده صاحب الحق بقيادتها، ولن يحيد عن االطريق التي اختارها، مهما عظمت المخاطر والتحديات. والنتيجة المنتظرة كارثة محققة للجميع، لن ينجو منها من هرب ولا من سلم أمره ولا من انتدب نفسها لانقاذها ولا قبطانها الأحمق أيضا.
والقصد أن السبب في ما وصلنا إليه هو ببساطة غياب القيادة، لا بمعنى وجود الزعيم الملهم والقائد الفذ الذي يفرض نفسه بالقوة ويجبر الجميع على اتباعه والسير وراءه، ولكن بالعكس، بمعنى وجود الرؤية الصائبة التي تتحدد فيها الأهداف والوسائل وخطة العمل وتحظى بقبول الشعوب وتأييدها، والمعرفة الصحيحة بمنطق التطورات والأحداث الجارية، والحكمة الضرورية لمواجهة النزاعات وحل التناقضات التي تخترق كل المجتمعات وإشراك الجميع في المسؤولية. ولا قيادة من دون رؤية توضح الاتجاه. ولا رؤية من دون معرفة سليمة وموضوعية بالوقائع والامكانيات والاحتياجات. بالمقابل، دفع تقاطع سلبي للحوادث والتطورات في العقود الماضية، إلى منصب القيادة، في معظم البلاد العربية، فئات ليس لها أي رؤية لما هو مطلوب لتحرير المجتمعات وانعتاقها وتقدمها، لا تحظى بالكثير من المعرفة، ولا تملك الخبرة، ومن باب أولى الحكمة النظرية والعملية اللازمة للتعامل مع المجتمعات المتصدعة وتوحيد إرادتها وجهودها، تحركها العواطف والضغائن والأحقاد اكثر مما تحفزها الأفكار، تفتقر لموهبة التواصل مع شعوبها، كما تفتقر للمقدرة على إدارة الدولة، بل على فهم منطق عملها والعمل المؤسسي بشكل عام. لا تشعر بالراحة والسعادة إلا في جو الزعامة الشخصية والولاءات العائلية أو العشائرية أو الزبائنية. هكذا حلت الأمزجة الشخصية وإرضاء الطموحات الفردية محل السياسات المنبثقة من العمل المنهجي والمنظم على بلورة مصالح الجماعة الوطنية وتعظيمها. وانتصرت أساليب التعبئة العصبوية (زعيم وأتباع) على أسلوب العمل المؤسسي المستند إلى الخبرة الصحيحة والمستقل عن الأشخاص وطموحاتهم وأمزجتهم الذاتية. وفي سياق نشوء هذا "النظام" الجديد، لن تزول الحاجة للمعرفة العقلية، أي النقدية، فحسب، ولكن سينظر إليها أكثر من ذلك على أنها نزعة تخريبية، بل خيانة وطنية لأنها تقوض الأسس التي تقوم عليها القيادة الملهمة، التي هي بالتعريف قيادة إستثنائية، لا تدرك بالعقل ولا تخضع لمعاييره وحساباته، بمقدار ما تستدعي الايمان والتصديق. وفي السياق ذاته تنتفي الحاجة إلى إدارة مؤسسية، تستند إلى توزيع واضح للسلطات والصلاحيات، وترتبط بمبدا المسؤولية، وتتطلب الاحتكام إلى معايير ثابتة في المحاسبة والمساءلة السياسية والقانونية. فكل ذلك مما يهدد أسس الزعامة الإلهامية التي تميل إلى إنكار أي تراتبية فعلية تتوسط بين الزعيم الملهم وأتباعه، أو تفرض على الاتباع الخضوع لسلطات إضافية لا تنبثق منه مباشرة وفورا، أو حيازة مسؤوليات خاصة أو مستقلة، تقلل من صدقية السلطة الواحديه وتحد من وهجها وتنتقص من شمولها واستقلالها وإطلاقيتها. فهذه الأخيرة لا تعمل إلا إذا عمقت، لدى من تمارس عليهم، الشعور بأنها هي وحدها العقل والروح والحكمة الأبدية التي تحرك أناسا وأفراد لا يتخذون قيمتهم، ولا يحتلون مكانتهم، ولا يحققون دورهم، ولا يبلغون سعادتهم، إلا بمقدار ما يتخلون عن إرادتهم ويتحولون إلى أدوات، بل إلى مرايا جاهزة لالتقاط القبس الإلهي وعكسه على العالم. من دون ذلك ليس هناك نظام ولا وحدة ولا استقرار. ليس المقصود بالقيادة هنا القيادة السياسة التي تتألف من أصحاب المسؤولية العمومية والذين يحتلون مناصب الدولة الرئيسية فحسب، وإنما جميع القيادات الروحية والثقافية والإقتصادية والأهلية التي يتوقف عليها بث الاتساق والانتظام في الهيئة الاجتماعية، وتسيير شؤونها، وتغذيتها بالمعارف والأفكار النافعة، ومساعدتها على رسم الخطط والاستدلال على الطريق المؤدي للانجاز والتثمير والتنمية الانسانية. فلكل من هذه القيادات نصيبه في نشر الظلام، وتشويش الرؤية، وإضعاف مقدرة الأفراد على إدراك تحديات الحاضر والمستقبل، ومعرفة الأهداف الصحيحة وتجنب الاختيارات الخاطئة التي لا تقود إلى أي هدف. ولها جميعا مساهمتها الخاصة في تعميم مفهوم للزعامة والرئاسة والسلطة يتعارض تعارضا كليا مع تنمية روح الحرية والمسؤولية والمبادرة والمشاركة والتفكير المنظم والعمل الجماعي.بالتأكيد، يقف في المقدمة منظومات السلطة السياسة وقيمها القرسطوية أو شبه السلطانية التي تحرم على الشعوب أي شكل من أشكال المشاركة أو المشاورة الشعبية أو النقاش أو النقد او الإصلاح، ويتلبسها الحمق والجنون لمجرد شعورها بأن هناك من ينافسها على القيادة أو يطمع فيها، مهما ضؤلت مقدراته وضعف أمله في تحقيق مثل هذا الهدف. لكن لا ينبغي لهذا أن يمنعنا من إدراك فساد منظومات الزعامة الأهلية، الدينية والمدنية، القائمة على العنترية التي تعوض عن الاستسلام الحقيقي للقوة والخضوع لها والانقياد لأصحابها وتغطي عليه في الوقت نفسه. ولا فساد منظومة النخبة الاجتماعية التي تدفع أصحاب المال والثروة والمجد والجاه، إلى التصرف كأرستقراطية أجنبية، لا يهمها مصير المجتمعات التي تعيش فيها إلا من حيث هي مصدر للعوائد والمنافع والثروات، وهي على استعداد للفرار والتخلي عن أي مسؤولية لدى أول شعور بوجود مخاطر عليها أو نقص في عوائد السيطرة أو تحديات غير منتظرة للنظام. ولا فساد منظومات المعارضة التي لا ترى في المقاومة للنظم القائمة سوى مناطحة على طريقة فرسان القرون الوسطى، تمتح من بحر الشجاعة والفروسية والعنجهية والتناحة الشخصية، بل المراهنة على ما تمثله الشعوب وتختزنه معا من قوة معنوية ومادية، وما يمكن أن ينتج عن العمل المنهجي على تنظيمها وتأهيلها بالحكمة والرأي السديد من إمكانيات واحتمالات.
هذا المزيج غير المدرك وغير المفكر فيه من الجشع والغرور وضيق الأفق واحتقار الرأي وانعدام الحكمة ونفاذ الصبر وغياب الثقة والخوف من الآخر، الذي يميز منظومة القيادة والسلطة، على جميع مستوياتها وفي كل ميادين ممارستها في مجتمعاتنا، هو المسؤول الحقيقي عن الضياع وغياب الرؤية والتخبط في تحديد الأهداف الصحيحة، وعن سيطرة الجهل بأحوال الأمم والمصائر التاريخية والعجز عن مواجهة تحدياتها. وهو في الوقت نفسه التعبير الأقسى عن الفقر الإنساني الذي تعاني منه مجتمعات تستثمر في العنف والحرب الداخلية والخارجية، وتنفق على الآلات العسكرية والأجهزة القمعية، أكثر بكثير مما تنفق على تأهيل أبنائها، وتمكينهم، بالمعرفة والحكمة والمثال الصالح، من أن يتصالحوا مع العالم المحيط بهم، ويكونوا أعضاء فاعلين، ايجاببين، منتجين ومبدعين، في حضارة عصرهم. وبالفعل، من دون علم ولا حكمة ولا فضائل أخلاقية كيف يمكن أن يقوم، على غير القوة والقهر، حكم أو نظام. وقديما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ولا سراة إذا حهالهم سادوا.

samedi, avril 12, 2008

مشكلتا العرب: الديمقراطية والاتحاد

8-3-2008مقابلة مع مجلة شؤون استراتيجية، المغرب الأقصى
* كتبتم عن الديمقراطية، مند سنوات من خلال مقالاتكم وكتبكم، مثل كتابكم "بيان من اجل الديمقراطية" و"العالم العربي أمام تحديات القرن 21". هل ترى أن الأمور تسير في اتجاه تحقيق الديمقراطية في العالم العربي، بمعنى الفصل الحقيقي بين المؤسسات( التنفيدية والقضائية والتشريعية)، وتحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام الحريات الصحافية واحترام حرية التعبير، وتشجيع الشباب على المشاركة السياسية، وتشجيع المبدعين منهم في المجالات المختلفة الخ... ؟

غليون :
واضح أن الأوضاع سارت منذ ذلك الوقت نحو الأسوأ على جميع المستويات التي ذكرت. والسبب في ذلك التحالف القائم على حساب الشعوب، منذ ما يقارب نصف قرن، بين النخب المحلية الحاكمة والدول الصناعية المهتمة بتأمين مصادر الطاقة والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن أي مباديء أو قيم أخلاقية أو سياسية. ولا ينبغي أن تخدعنا المظاهر، ليس للنخب الحاكمة التي جعلت من البلاد مزارع شخصية وعائلية لها أمل في البقاء ومقاومة الشعوب المظلومة والمحرومة إلا بالالتصاق بالغرب والاستفادة من مظلته السياسية وحمايته الاستراتيجية. والعكس صحيح أيضا، ليس للدول الغربية الداخلة في منافسة اقتصادية شديدة في ظل بناء السوق الاقتصادية العالمية من أمل في الابقاء على مناطق نفوذها ومصالحها النفطية والاستراتيجية سوى بالتحالف مع قوى الاستبداد القائم ودعمها وحمايتها من السقوط. هذه هي الحقيقة حتى لو حصلت خلافات من فترة لأخرى بين الحلفاء لا تفسد حقيقة العهد المشترك. كل ما عدا ذلك خداع ونفاق.


* إذا لم تتحقق الديمقراطية العربية حتى الآن، متى ستولد في نظركم؟

غليون:
الديمقراطية لن تخرج من قلب المجتمعات كما يخرج الجنين من بطن أمه. إنها ثمرة مخاض وصراع طويل يبدأ بتكوين المجتمعات وتأهيلها وتربيتها على مباديء أخلاق الحق والقانون والمساواة والعدالة والحرية، وهو ما يقع على كاهل المفكرين والمثقفين والأدباء والفنانين. فمن دون فرد يملك الحد الأدنى من الشخصية، أي من الوعي والإرادة الحرة والقدرة على الالتزام والعمل الجمعي، لن تنشأ القوى الاجتماعية والسياسية الضرورية لإحداث التغيير. ومن دون قوى حية ومنظمة لن يكون من الممكن إعادة بناء ميزان القوى وتعديل الكفة لصالح سلطة تمثل الأغلبية المجتمعية. وسيكون من المستحيل الوصول إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي القائم، بل إلى تعديله. وهذه هي حالتنا اليوم. الديمقراطية لا تولد ولكنها تنتزع من المتسلطين كالحرية، وانتزاعها يعني أنها معركة طويلة بالكاد قد بدأت. ولكنها مع ذلك موجودة ومستمرة. إنها متجسدة في مقاومة النظم الاستبدادية والاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تشارك فيه جماعات وقطاعات رأي متزايدة في العديد من بقاع العالم العربي. وهي موجود وقائمة في الأدبيات والإبداعات النقدية الفكرية والفنية، وفي المقاومات السلبية التي تتخذ شكل مقاطعة السلطة والتبرؤ منها. وستكون ثمرة تراكم هذه المقاومات ونضوجها وفي سياقها نضوج معنى الانسانية وقيمها في مجتمعاتنا التي أقفلت عليها عهود الظلام وحرمتها من الضوء والمعرفة والثقة بالذات.

* ادا كانت التجارب السياسية قد اثبتت أن الديمقراطية لا يمكن استيرادها جاهزة وتطبيقها في البلاد العربية، فكيف في نظركم يمكن الاستفادة من الديمقراطية الغربية مع احترام الخصوصية العربية؟

غليون:
لا يستطيع شعب حتى لو أراد أن يقلد شعبا آخر في نماذج حكمه السياسية، اللهم إلا إذا حصل التغيير من خلال انقلاب فوقي أو احتلال أجنبي. وفي هذه الحالة لن يكون النموذج المأخوذ مماثلا لنموذج الغرب أو صورة عنه، ولكن بالعكس تماما، غطاءا للانقلاب العسكري أو للاحتلال الأجنبي. فما هو ثمرة كفاح الناس لا يمكن إلا أن يتأثر بطبيعة الناس وثقافاتهم وشروط حياتهم وظروف انتصارهم التاريخية. وهذا يعني، لن تكون هناك ديمقراطية عربية أو في البلاد العربية إلا بقدر ما تنجح الشعوب العربية في تحرير نفسها من الاستبداد والظلم الذي يمثله، وستكون ديمقراطيتها في صيغتها ومضمونها وبرنامج عملها تجسيدا لهذا التحرير وانعكاسا له. إن الديمقراطية تخلق بالكفاح أي بالعمل والفعل، الفردي والجمعي. وبقدر ما يقود هذا الفعل الكفاحي إلى التغيير الذاتي ويستدعي نمو الفضائل السياسية عند الأفراد والجماعات، يفتح المجال أمام التغيير الموضوعي، أي أمام إعادة بناء النظام المجتمعي والدولة على أسس غير تلك التي قام عليه الاستبداد ولا يزال. الكفاح الشعبي من أجل الديمقراطية هو شرط قيام الديمقراطية ومدخلها الحقيقي بقدر ما يشكل مسار التربية الجديدة للشعوب على الجد والتضحية والتضامن والمسؤولية.

*من جهة أخرى لمادا في نظركم نجح الاتحاد الأوروبي في توحيد أوروبا، خصوصا في المجالات الاقتصادية والمالية (الاورو) والعسكرية وفي السياسة الخارجية، بل كاد أن ينجح في تكريس دستور أوروبي واحد، هدا الاتحاد الأوروبي الذي مافتئ يستقطب دولا من أوروبا الشرقية التي كانت في وقت سابق محسوبة على المعسكر الشرقي، في حين ان جامعة الدول العربية أخفقت في توحيد البلدان العربية خصوصا في المجالات الاقتصادية (السوق العربية المشتركة) والعسكرية (اتفاقية الدفاع العربي المشترك)، خصوصا ونحن نعيش في زمن التكتلات الدولية أكثر من أي يوم وقت مضى؟

غليون
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر إخفاق العرب في التوصل إلى اتفاق سياسي للتعاون والتحالف والوحدة الاقتصادية. الأول هو افتقار العرب لحكومات ونخب اجتماعية مهمومة فعلا بمصير الناس ومنشغلة بضمان حقوقهم ومستقبلهم. معظم النخب العربية الحاكمة، على الأقل في الدول المركزية أو الكبيرة ذات التأثير، هي جماعات مصالح خاصة، لا تفكر إلا في خدمة نفسها وزبائنها الذين تعتمد عليهم للبقاء ولتأمين قاعدة دعم، وأجهزة أمنية قوية. ولهذا لا تملك هذه النخب سياسات وطنية حتى تنتقل منها إلى رؤية المصلحة الوطنية في الوحدة أو لاتحاد مع الدول المجاورة أو القريبة. بل إنها تخشى أن تفرض عليها مثل هذه العملية التوحيدية التزامات وشروط لممارسة السلطة داخل بلدانها نفسها تحرمها من قدرتها على الاستمرار في الحكم أو في النهب السافر لموارد شعوبها.
والسبب الثاني خوف البلاد الغربية قبل الاستعمار وخلاله وبعده من أن تتكون، على بعد أقل من ألف كيلو ميتر في جنوبها، قوة اقتصادية وبالتالي عسكرية يمكن أن تهدد أمنها في يوم ما، أو تفرض عليها شروطا للتبادل والتعايش تلغي نهائيا نظام الاستعمار الجديد الذي أقامته في المنطقة وحولتها من خلاله إلى مناطق نفوذ، وأحيانا حقول صيد خاصة. وللسبب نفسه لا تخفي هذه الدول إرادتها في رفض أي انتقال للتقنية الحديثة أو أي تطور سياسي يمكن أن يخل بموازين القوى القائمة ويؤثر على نفوذها الراهن. ولا شك ان هذا الموقف الغربي الذي لا يزال مستمرا من دون تغيير منذ عقود متوالية، والذي تمخض عن حروب عديدة واعتداءات مستمرة أيضا، هنا وهناك، كان ضحيتها الرئيسية الشعب الفلسطيني، لكن ليس وحده، هو الذي يشجع النخب العربية الحاكمة على خيانة شعوبها، بقدر ما يحبط إرادتها المستقلة ويخصيها ويدفعها إلى التخلي عن نزوعاتها الوطنية. فهو يؤكد لها أن بقاءها مرهون بسيرها في ركاب الاستراتيجية الغربية وقبولها بها. هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمته هذه النخب من تجربة عبد الناصر في الستينات والتجربة الفلسطينية، إن لم نقل المأساة الفلسطينية المستمرة منذ نصف قرن.
أما السبب الثالث فهو طبيعة الجامعة العربية نفسها. فمن الواضح من ظروف تأسيسها ولوائحها التنظيمية أن هذه الجامعة لم تقام من أجل توحيد الدول العربية ولكن من أجل منع مثل هذه الوحدة، والتغطية على ذلك بأشكال فلكورية من التعاون والتشاور وتبويس اللحى. والبرهان على ذلك أنها، وهي أول منظمة إقليمية نشات بعد الحرب العالمية الثانية في العالم، لا تزال كما كانت، لم يطرأ عليها أي تغيير، ولم تنجح في تجديد أي من لوائحها أو نظمها الداخلية ولا في بناء أي إطار لأي شكل من أشكال التعاون العربي، الجدي والثابت، المستقبل عن رغبات الحكام ومزاجهم، اقتصاديا كان أم ثقافيا أو سياسيا أم قانونيا. الأمر الوحيد الذي نجحت فيه، والذي يتفق مع مصالح الأطراف العضوة جميعا، هو التنسيق الأمني بين وزراء الداخلية وأجهزة الامن الوطنية في سبيل الوقوف صفا واحدا في وجه حركات التغيير أو منع انتشارها.

* بالنسبة للاتحاد المتوسطي الذي اقترحه الرئيس الفرنسي ساركوزي الا يعد نوعا من إعادة مفهوم الاستعمار الجديد من خلال رسم ادوار قديمة جديدة لفرنسا المستعمرة في المنطقة المغاربية ، فرنسا التي كان ينبغي عليها ان تقدم الاعتذار مثلا للجزائر على سنوات الاستعمار الطويلة. بدلا من دلك هربت إلى الأمام خلال زيارة ساركوزي التسويقية في المغرب العربي لمشروع الاتحاد المتوسطي بتوقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة، هل معنى هدا ان الكرامة العربية تلاشت أمام الاتفاقيات والمصالح؟

غليون: التعاون الوثيق بين الكتلة العربية التي ينبغي تكوينها بأي ثمن والاتحاد الاوروبي المجاور شرط التنمية في بلداننا والأمن والاستقرار، وبالتالي الازدهار في أوروبة. وينبغي أن نكون نحن معنيين جدا بتطوير هذا التعاون. لكن للأسف لا تزال الدول الأوروبية تستخدم مسألة التعاون مع الدول العربية لأهداف سياسية تكتيكية، لا علاقة لها بأي خطة عمل صادقة وطويلة المدى. هذا هو الذي قوض صيغة برشلونة وجعل الاتفاقات الأورومتوسطية من دون فائدة ولا أثر. وهو نفسه الذي يجعل من الاتحاد من أجل المتوسط الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي سركوزي واضطر إلى أن يقلص فيه من طموحاته، مشروعا فارغا من المعنى. ففي الحالتين ليس الهدف خلق مستقبل أفضل للشعوب الاوروبية والعربية وبناء أسس تعاون دائم ومثمر، وإنما ايجاد إطار يسمح لاسرائيل بالاندماج في الشرق الأوسط على حساب العرب ومن دون التراجع عن السياسات الاستعمارية والاستيطانية المستمرة منذ قرن. وفي زيارته الأخيرة في العاشر من شهر مارس الجاري 2008 لفرنسا، لم يخف الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس حماسته لمشروع اتحاد المتوسط السركوزي ولا هدفه، فصرح من دون تردد إن الاتحاد سوف يكون إطارا لجمع العرب والاسرائيليين في رابطة واحدة. وهو على حق تماما. فلم يبق ولن يبق من هذا المشروع هدفا آخر بالفعل سوى هذا الهدف. وكانت واشنطن قد حلمت أيضا بإقامة سوق شرق أوسطية مرتبطة بها تضم العرب والاسرائيليين.
للعرب مصلحة كبرى في التعاون مع أوربة، كما ذكرت. لكن لا ينبغي أن ينظر لهذا التعاون من زاوية تحقيق المصلحة الاسرائيلية أولا وربما أخيرا، ولا على أنه بديل للتعاون والتكتل بين العرب أنفسهم. وكل من يرفض مبدأ الاتحاد العربي ويصر على الاتحاد في إطار آخر، ينفي العربية أو يهمشها، لا يفكر في مصلحة العرب والمنطقة عموما، وإنما في مصلحة إسرائيل وحدها. ولا أدري لمادذا يكون الاتحاد العربي مشروعا مرفوضا، وخطرا ينبغي الوقوف ضده، بينما تصبح مشاريع التوحيد القائمة على طمس الهوية العربية، المتوسطية منها والشرق أوسطية، مشاريع خير وازدهار وتجميع ضروري للطاقات يستحق الثناء والدعم.

* إنني اقترح لو يتم تأسيس اتحاد حقيقي يمكن تسميته بالاتحاد العربي الأوروبي ، يجمع اتفاقية موقعة بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية وغيرها ردا على الاتحاد المتوسطي على الأقل يكون أمر عضوية إسرائيل في هدا الاتحاد العربي الأوروبي محسوما ما رأيكم؟

غليون:
كما ذكرت، أعتقد أن أوروبة لا تزال غير مهتمة بمصير العالم العربي وغير قادرة على تقدير مخاطر تركه للفوضى والعنف والتأخر. وهي لا تأخذه بأكمله على محمل الجد. ولذلك من الصعب أن تفكر باتحاد جدي معها. إن ما يهمها من الاتحاد هو كما قلت دمج إسرائيل في المنطقة والتأمين على وجودها ومستقبلها. ما عدا ذلك هي حريصة على استمرار التجزئة والقطيعة العربية بالرغم من كل ما يقال. ولن يكون للاتحادات التي تقترحه بروكسيل أي قيمة أو منفعة للعرب، وسيقتصر إنجازها الحقيقي على تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية فقط. بعد ذلك ستتبخر كل الوعود بدعم التنمية العربية وتشجيع الاستثمارات العاملة على تحقيقي الازدهار، اللهم إلا عندما تكون لهذه الاستثمارات فوائد مباشرة مستقلة عن الاتحاد وأهدافه.
ألقد رفض الاتحاد الأوروبي حتى فكرة إعادة إطلاق الحوار العربي الاوروبي الذي أطلق في الثمانينات، واستبدله بالحوار الأوروبي المتوسطي حتى يلغي هوية الجنوب وحاجاته السياسية والثقافية. وهو لا يزال يتردد منذ ثلاثة عقود في ضم تركيا، الجمهورية العلمانية إلى عضويته، فكيف تريد له أن يضم العرب جميعا ويتحمل عبء الارتقاء بشروط معيشتهم البائسة إلى مستوى معيشة الاوروبيين كما يفعل في أوربة الشرقية وبولونيا، وهو يرى فيه بؤرة التطرف والعنف والبطالة والفقر وانعدام المستقبل؟ لا أعتقد أن هناك أي أساس ممكن لمثل هذا المشروع.

* عندما تشرفت بمحاورة المفكر الاستراتيجي الأمريكي السيد ليندون لاروش اقترحت عليه تأسيس نظام إنساني عالمي جديد ميني على الحوار الحقيقي العادل بين الأمم والشعوب واحترام الديانات والحضارات، ما رأيكم ؟
غليون:
هذه هي المعضلة الكبرى. لقد قام نظام العلاقات الدولية منذ ثلاثة قرون على أساس ميزان القوة، ولا تكاد فكرة وجود قانون دولي تتبلور بعد، بالرغم من كل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن من قرارات. ولا شك أن استمرار هذه العلاقات قائمة على منطق الغاب هو الثغرة الأكثر خطورة في نظام الحداثة بأكمله. وهو الآن، كما يظهر في الشرق الأوسط الذي نحن الشركاء الأكبر فيه، السبب الرئيسي في انتشار العنف والعداون والسقوط في الهمجية. وليس هناك مخرج من هذا السقوط من دون الانتقال نحو نظام جديد قائم بالفعل، كما هو الحال في العلاقات الاجتماعية داخل الدول القطرية، على مبدأ الحق والعدالة والقانون..
أجرى الحوار محسن الندوي مدير مجلة شؤون إستراتيجية- المغرب

mercredi, avril 09, 2008

في تهافت ثقافتنا السياسية

الاتحاد 9 أبريل 08
ينزع قطاع كبير من المثقفين العرب اليوم، على طريق العديد من الباحثين في الشؤون العربية والاسلامية في الولايات المتحدة واوروبة، إلى الاعتقاد بأن الاستبداد قيمة من قيم الثقافة الاسلامية، أو هو كامن في بنية الدين الذي يطمح إلى أن يكون دينا كليا، لا يقبل التفريق بين مجال العقل ومجال الوحي، يدمج الحياة الفردية بالحياة الجمعية، ويرى حلول المشاكل الاجتماعية جميعا قائما في الدين بصورة مسبقة، ويجهل التمييز بين المجتمع المدني والدولة. وتبدو أنظمة الحكم القائمة في العالم العربي، مثلها مثل حركات المعارضة الاسلامية التي تواجهها متساوية في انكارها لقيم المواطنية والعلمانية، معبرة بذلك عن تناقض الثقافة العربية البنيوي مع قيم الديمقراطية "الغربية". ولا يخفى أن مثل هذه الاستنتاجات، التي بررت في الماضي دعم النظم التسلطية والتغاضي عن انتهاكاتها للحقوق المدنية والسياسية لشعوبها، يمكن أن تبرر، كما حصل في بداية هذا العقد، عندما جعلت الإدارة الأمريكية من القضاء على النظام الديكتاتوري ذريعة لغزو العراق وفرض التبعية المتزايدة على بقية الدول العربية، سياسات التدخل الأجنبي والاحتلال. وهو ما ينطبق على علاقة النخب العربية المثقفة أو معظمها بشعوبها أيضا.
ليس هناك شك في أن تهافت ثقافة المجتمع السياسية عنصر أساسي في تحليل مسار النظم الاستبدادية. لكن لا أعتقد أن هناك حاجة لنظرية جوهرانية في الثقافة العربية لفهم هذا التهافت، ومن باب أولى لفهم أسباب تغول الدولة الحديثة وخروجها عن السيطرة في معظم البلاد العربية. ولعل انجراف نخب هذه البلدان، مثلها مثل العديد من نخب العالم الأخرى، وراء العقائديات الثورية واليسارية، وهو ما يعكس أيضا انحسار جاذبية ثقافاتها التراثية، يفسر أكثر من ثقافة الماضي ما طرأ على نظمها من توجهات معادية لليبرالية وللتعددية معا. ولم يكن وراء هذا الانجراف الوفاء للتراث بقدر ما كان الطموح إلى تحقيق أقصى ما يمكن من التقدم الحضاري الحديث وبأسرع وقت، ومجاراة المجتمعات الأخرى في معايير سلوكها الفردية والجمعية. وقد استند معظم هذه النخب في تبرير سياسات تقييد حريات الأفراد وإخضاعهم بالقوة إلى النظريات التقدمية الحديثة، وجعل من الانجازات المادية ورفع مستوى الفعالية عند المجتمعات معيارا ومبررا لبناء النظم الشمولية. وقبل أن يصبح الاسلام الرصيد الرئيسي لحركات المعارضة المحافظة الساعية إلى تجريد النخب الحاكمة من الشرعية، وانتزاع السلطة منها، أو فرض التنازلات السياسية عليها، كان لأكثر من قرن، أي منذ نشوء الاصلاحية الدينية، المعين الأول للحجج التي استندت إليها النخب الليبرالية لتأكيد شرعية حركة التحديث، على مستوى الأفكار والقيم والهياكل والقوانين والمؤسسات وقواعد العمل، وتعزيز الهوية الوطنية والقومية.
لم تنشأ الثقافة الاستبدادية المعاصرة إذن كامتداد لثقافة الماضي وقيمه. كما انها لم ترتبط بأفكار الوطنية والقومية والعدالة الاجتماعية الحديثة التي ميزت الحقبة الأولى من حركة النهضة العربية. إنها بالأحرى ثمرة انحطاط النظم والسلطات ونماذج الحكم التي ورثتها، وسارت بها نحو طريق مسدود. هكذا أصبحت الوطنية التي كانت تنزع خلال فترة الاحتلال الأجنبي، وجزئيا بعد الاستقلال، إلى تطوير منظومة قيم مواطنية قائمة على المساواة والعدالة والادماج الوطني للطبقات الشعبية والفلاحية خاصة، وللأقليات الدينية والإتنية، أقول أصبحت تميل إلى التعبئة الشكلية والشوفينية ضد الأجنبي، وتخلق هي نفسها، كي تبرر وجودها وتعزز نفوذها، الأجنبى أو الغريب الداخلي، المتجسد في فئات إجتماعية مثقفة أو أقليات أو معارضات. وبالمثل، هكذا تحولت القومية التي كانت تميل إلى تنمية قيم التضامن والتعاون والتفاهم بين شعوب المنطقة المنتمية إلى ثقافة واحدة، وتوحيد مصيرها، إلى ذريعة لتبرير النزاع بين الزعامات الفارغة، والتغطية على إخفاق النخب والسقوط في المآزق التي قادت إليها سياساتها. وقد أصبح من الصعب جدا العثور اليوم على آثار الأفكار الليبرالية أو الديمقراطية أو القانونية في ايديولوجيات قومية ووطنية ضيعت جوهرها، وتحولت إلى وسائل للتلاعب بعواطف الجمهور وابتزاز القوى السياسية والنخب المنافسة بقصد تمديد البقاء في السلطة أو تبرير الوصول إليها.
وما يقال عن العقائديات الوطنية والقومية السائدة في المنطقة، يقال كذلك عن العقائديات الاسلاموية واليسارية المعارضة. فمن الصعب أن يستمد الفرد من نظريات الحاكمية الإلهية، ومطابقة الشريعة المراد تطبيقها مع القانون الوضعي، والتسليم بقيادة أمراء الدين الجدد من الشباب والفتيان، الذين نادرا ما توفرت لهم أصلا ثقافة دينية جدية وكافية، قيم ثقافة ديمقراطية أو حتى شبه ديمقراطية. إن القيم الحقيقية التي تجسدها معظم الحركات الاسلامية السياسية، حتى الآن على الأقل، مع بعض الاستثناءات الفردية، هي قيم التسليم لأمير الجماعة الذي يدعي أنه وحده الذي فهم الأمر الديني وتمثل متطلبات تحقيقه، وهذا ما يقود إلى قتل الفكر الشخصي والنقدي معا، والامتثال لسلطة تعتبر نفسها، حتى لو لم تجرؤ على التصريح العلني بذلك، سلطة دينية أو منسجمة انسجاما كبيرا مع متطلبات الدين. وفي هذه الحالة من المستحيل بناء مفهوم للمسؤولية الفردية لا بل الإنسانية، ومن باب أولى بناء نظام للمشاركة السياسية والتعبير الحر عن الرأي والمراقبة والمحاسبة والمساءلة العمومية. إن الثقافة السياسية التي بثتها معظم حركات الاسلام السياسي المتطرفة في العقود الثلاث الماضية، وهي مقلوب الايديولوجيات القومية المتفسخة الحاكمة ومثيلها، تقود لا محالة إلى تعزيز ثقافة التسليم لأولي الامر، السائدة أصلا منذ فترة طويلة لدى الجمهور العربي المهمش، والمبعد بالقوة عن مناقشة شؤون حياته العمومية، وإلى الهرب من المسؤولية والخضوع والاتكال على قوى تنظر لنفسها على أنها ملهمة أو استثنائية، لا تخضع لمراقبة الرأي العام ولا يمكنه التحكم في سلوكها.
وقد بينت تجربة البلدان الشيوعية الدارسة أن النظم السياسية التسلطية والشمولية التي تنزع إلى تقديس الاستقرار، وتخشى أي شكل من أشكال التغيير والتحول، تشجع على الفكر الامتثالي وتحث على الخضوع والطاعة. كما أن العنف الذي يرافق هذه النظم، وأزمة الشرعية الدائمة التي تميزها، تجعلان المجتمع يعيش في حالة من الحرب الدائمة، وتحرمانه من فرص إنضاج وتطوير مفاهيم سليمة للتعامل الاجتماعي وللسياسة والدولة معا. ولا شك أن القومية الشعبوية، التي سيطرت على الحياة السياسية العربية في العقود القليلة التي أعقبت الاستقلال، قد ساهمت في تأخير إدراك راهنية التفكير النظري والعقلي بمسائل تنظيم المجتمع والحياة السياسية، وكان لها أثر كبير في استلاب المجتمعات العربية للدولة، بقدر ما منعتها من فهم آليات عملها ومن السيطرة النظرية والعملية عليها. ولذلك ستبقى الدولة أجنبية، لا بمعنى أنها بضاعة غير عربية، ولكن بمعنى كونها خارجية بالنسبة للمجتمع وخارجة على إرادته، كما لو أن المجتمعات التي تكبدت مشقة الكفاح لأكثر من قرن من أجل بناء الدولة الحديثة وتوطينها قد أصبحت، بعد الاستقلال، رهينة هذه الدولة المستقلة وضحيتها معا. والحال أنها رهينة السلطة السالبة التي اختطفتها. ولا تهدف المزاودة بالوطنية التي أصبحت ايديولوجية سائدة، بل ثقافة سياسية بحد ذاتها، والمستخدمة بكثافة من قبل النخب الحاكمة، إلى شيء آخر سوى قطع الطريق على أي محاولة جدية لوضع مسألة التحكم بالدولة موضع البحث ومناقشة علاقتها بالمجتمع وبالأفراد الخاضعين لها. إنها لا ترمي إلا إلى تمديد أجل الاستلاب الراهن للدولة واستلاب الدولة نفسها للقوى الحاكمة، مع ما يعنيه ذلك من انعدام آفاق التأهيل السياسي للمجتمعات والبقاء في أفق الفوضى العقلية والسياسية وتحت تهديدهما الدائم.

mercredi, mars 26, 2008

القمم العربية جعجعة بلا طحن

الاتحاد 26 مارس 08

عندما يحين موعد انعقاد قمة إقليمية، في أي منطقة من مناطق العالم، ينكب المحللون عادة على تحليل مواقف الدول من مختلف المسائل المطروحة على جدول أعمالها، ونقاط الاختلاف والاتفاق بين أعضائها، ونوعية التسويات التي يمكن أن تحصل فيها لتجاوز الاختلافات والخروج بحلول ترضي الجميع إلى هذا الحد أو ذاك. وباستثناء حالات نادرة يتجاوز فيها تضارب المصالح الحد الذي يسمح بتسوية، تكون النتائج قريبة إلى حد كبير من توقعات المحللين، لأن مواقف الدول من القضايا المطروحة على بساط البحث تكون معروفة مسبقا بالنسبة لجميع الأعضاء. بالمقابل، تكاد الانشغالات الرئيسية التي تسبق انعقاد أي قمة عربية تقتصر على معرفة من سيحضر ومن سيقاطع، وهل ستعقد القمة أم ستؤجل، وإذا عقدت هل ستنج أم ستفشل. ويتجسد النجاح عادة في حضور جميع الرؤساء أو أكثرهم وعدم المقاطعة أو الإكتفاء بتمثيل من مستوى أدنى. وبالكاد يعرف الرأي العام شيئا عن جدول أعمال القمة واتجاهاتها. فليس لذلك قيمة كبيرة، لأن غاية اللقاءات هي التعبير عن وحدة الصف العربي في مواجهة الضغوط أو العدوانات الأجنبية التي لا تتغير، لا تحقيق جدول أعمال يتعلق ببناء المجتمعات العربية نفسها، داخليا وعلى مستوى المجموعة كلها. وحتى عندما تؤخذ القرارات فهي نادرا ما تثير اهتمام المراقبين ذلك أن الجميع أصبح يدرك أن معظمها يتخذ لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام ولا يشعر أي طرف من الموقعين عليها بأنها ملزمة، وهي حسب اللوائح التنظيمية للمنظمة بالفعل غير ملزمة إلا لمن يريد تطبيقها.
كان هذا هو الوضع قبل إقرار الطابع الدوري الثابت لمؤتمرات القمة العربية، ولا يزال بعده. وفي معظم الأحيان تتحقق التوقعات تماما، فلا تنعقد المؤتمرات إلا بشق النفس وبعد تسويات شكلية مضنية ليس لها أي علاقة مباشرة بالقضايا المطروحة وإنما بمعالجة إشكالات بروتوكولية وتسوية حساسيات شخصية وتقديم ترضيات مسبقة تتعلق مباشرة بالموافقة على حضور القمة المعنية.
يعتقد الكثير من المحللين، كما هو الحال بالنسبة للرأي العام العربي، أن هذه الوضعية الطريفة لمؤتمرات القمة ناجمة عن تباعد سياسات الأقطار العربية عن بعضها البعض، إن لم نقل تناقضها وتعارضها في مسائل عديدة وواسعة تبدأ باختلاف أمزجة رؤساء الدول وتنافرها، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها، وتنتهي بتباين المواقف الاستراتيجية المتعلقة بالأمن الوطني والإقليمي، مرورا بالاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة هي نفسها بطبيعة النظم السياسية، ووشائج القربى التي تجمع بينها وتجمعها مع الدول غير العربية، في الإقليم وخارجه.
والواقع أن الاختلاف في وجهات النظر بين الدول، في مثل هذه المسائل جميعا، ليس سمة عربية، وإنما هو الأمر الطبيعي الذي يسم جميع المنظمات الأقليمية في العالم، نظرا لتفاوت مصالح أطرافها الاقتصادية والسياسية والأمنية واختلاف رؤيتها لأهداف اتحادها وتكتلها. ومع ذلك، أمكن لمنظمات إقليمية عديدة أن تطور عملها وتقطع مراحل طويلة في اندماجها الاقتصادي والسياسي، بينما بقيت الجامعة العربية عاجزة عن تحقيق أي إنجاز من هذا النوع، بالرغم من أنها هي أول منظمة إقليمية نشات في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال، لم تمنع الحساسيات القومية والأمزجة الشخصية المتباينة والمصالح المتعددة والمتفاوتة دول أوروبا، وفي مقدمها فرنسا وألمانيا المعروفتين بعدائهما الشديد منذ الحرب الأولى، وهما قطبي الرحى في التنظيم الإقليمي الاوروبي، من قيام الاتحاد الأوروبي. وانقسام أعضاء هذا الاتحاد نفسه بين المتحمسين للسير وراء واشنطن وتبني سياساتها الدولية والإقليمية من جهة، والمدافعين عن أوروبة مستقلة وريثة للنزعة الديغولية من جهة ثانية، لم يوقفا تقدم هذا الاتحاد على مسارات عديدة رئيسية، اقتصادية وتقنية وعلمية واجتماعية وسياسية وثقافية. وربما كان نجاح العملة الأوروبية التي أصبحت أقوى عملة في العالم في سنوات معدودة البرهان الساطع على ذلك.
ما الذي يفسر هذا العجز المزمن لمؤتمرات القمة والجامعة العربية معا عن التقدم وتحقيق أي إنجاز، وعن تحويل اجتماعات القادة العرب إلى مناسبات لاستعراض الأمزجة وتأكيد القطيعة بشكل أكبر بدل تذليل الخلافات للتوصل إلى اتفاقات جدية كان من شأن تنفيذها لو حصل أن يجعل من العالم العربي منطقة تعاون وتكامل وبالتالي ازدهار وتنمية استثنائية في العالم كله؟
بعكس زملائهم في المناطق الأخرى، لا يأتي القادة العرب إلى مؤتمرات القمة ليحققوا أهدافا ترتبط بمستقبل شعوبهم ومصالحها، ولكن ليبريء كل واحد منهم ذمته إزاء المآسي التي تجري في البلاد العربية بسبب غياب التعاون والتفاهم والعمل المشترك، أي ليبرر، أمام الرأي العام العربي، الذي ينزع إلى التضامن وتحركه مشاعر عميقة بوحدة الهوية والمصالح، هربه من المسؤولية الجماعية. وقليل منهم من يأتي بمشاريع تتعلق بمصير مجتمعاتهم، ومن أتى منهم بما يشبه ذلك فطلبا للمعونة ولتحقيق إنجازات خاصة أو ذاتية. وأشك بأن يعتقد أكثرهم بإمكانية قيام مشروع عمل عربي جماعي مفيد له وللجميع. فهم ميالون بسبب نقص ثقتهم بأنفسهم وأخوتهم معا إلى قصر الشراكة على الدول والشركات الأجنبية التي توفر لهم الخبرة والدعم والتغطية الأمنية. أما المؤتمرات العربية فهي تهدف إلى إظهار الوحدة الشكلية وتحقيق المصالحات الوقتية للظهور بمظهر الحرص على الدفاع عن المصالح العربية المشتركة أمام جمهور عربي غاضب واتهامي وفاقد للثقة. ولذلك قليلا ما يتجاوز عمل القمة تسوية النزاعات الشخصية، ونادرا ما تجد الوقت لمناقشة النزاعات الحقيقية التي تفرق بين الدول العربية، وأقل من ذلك للاتفاق على مشاريع واقتراحات تتوخى مصالح الشعوب العربية وتكامل مسيرتها. وبقدر ما تشكل المؤتمرات ساحة للمناورة بالنسبة للزعماء، تتحول أيضا إلى مناسبة لاستعراض أمزجتهم وقدراتهم الخطابية، وتأكيد المصالح الخاصة بأنظمتهم القائمة، والتباري في الخروج من القمة بأقل ما يمكن من الالتزامات الجماعية. وباستثناء المسؤولين الذين تتعرض أقطارهم لأزمات أو تهديدات خارجية، لا يرى معظم المشاركين في حضور القمة مناسبة لتطوير سياسات وتحقيق أهداف ايجابية، بقدر ما ينظرون إليها كواجب، بل كامتحان لا مهرب منه. وهو ما عمق خيبة الجمهور منها وأفقدته الثقة في أي قرار يصدر عنها.
لا يمكن لمؤتمرات القمة العربية أن تتحول، كبقية المؤتمرات الإقليمية، إلى أطر جدية للعمل الايجابي والإنجاز، ما لم يكن الدافع إلى حضورها إحساس المشاركين بالمسؤولية تجاه شعوبهم وحرصهم على العمل على تحسين شروط حياتها الإنسانية. ولا إحساس بمثل هذه المسؤولية عند نظم تفتقر للشرعية ولا تملك سياسة وطنية، همها الوحيد الدفاع عن امتيازات أصحابها والحفاظ على سلطتهم الاستثنائية. وإذا كان من غير الممكن لها أن تنتج سياسة وطنية، فمن باب أولى أن لا تنتج سياسة عربية جماعية. ولهذا ليس من المستغرب أن لا تحقق مؤتمرات القمة العربية على تعاقبها أي تقدم ملموس في أي ميدان، بل ولا أن تنجح حتى في الحد من تدهور العلاقات العربية. ففي غياب هذه السياسة الوطنية ينبغي الكشف عن مفتاح عجز المسيرة التكاملية العربية، لا في مثالية الحركة القومية، كما يعتقد كثير منا اليوم.

mercredi, mars 12, 2008

نفاق الغرب

الاتحاد 12 مارس 08

بنيت ثقافة الغرب الحديث بأكملها على أخلاقيات الاستقامة والصراحة والصدق والشفافية، التي يعززها الاعتراف بشرعية اختلاف المصالح بين فئات المجتمع، وشرعية الاختلاف في الاعتقادات والأراء والأفكار والآراء ووجهات النظر. وكان لهذه الأخلاقيات الجديدة الفضل الأكبر في تأسيس حياة مدنية سليمة قائمة على مباديء الحق والمساواة والعدالة والاحترام المتبادل، وفي بناء حياة سياسية ديمقراطية قائمة على التنافس النزيه ونبذ الحرب والعداون بين أفراد المجتمع الواحد وفئاته المختلفة. وبالتالي في نشوء مفهوم السياسة والوحدة الوطنية، بل وجود الوطنية نفسها كمفهوم وممارسة، وتحضر الدول، وتطور مفهومها ووظائفها، واستقرار المجتمعات. فبفضل هذه الأخلاقيات، لم يعد الإنسان فيها، فردا كان أم مجموعة، بحاجة إلى اللف والدوران والكذب والغش والخداع، أو ما كان يسمى في أدبياتنا العربية الكلاسيكة الحيلة، حتى يضمن حقه في الوجود المختلف، ويحفظ مصالحه، ولا يعرض نفسه في ذات الوقت لبطش أصحاب السلطة أو المال او الجاه. وبالعكس، كان علم الحيل والاحتيال في ماضي ما قبل الحداثة السلاح الوحيد الذي يسمح بتعديل منطق القوة ذي الاتجاه الواحد، وبإدخال عناصر أخرى، من ذكاء ودهاء وحنكة ومناورة، في معادلة العلاقات الاجتماعية والدولية وميزانها.
بيد أن ما كانت ثقافة القرون الوسطى السياسية تختزنه، في كل المجتمعات، من إرث الحيلة والاحتيال، وما سيتخذ في ما بعد خطأ اسم المكيافيلية، نسبة لذاك الذي أخرج السياسة من منطق العقيدة، وألغى بالتالي الحاجة إلى الخداع والاحتيال، وجعل منهما جزءا من خطط أكبر للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، لن يزول من الوجود. إنه سوف ينمو ويتجمع ليتحول إلى مادة أساسية في نظام توجيه الممارسة التي طبعت ولا تزال تطبع علاقة الدول الغربية بالمجتمعات والبلاد الأخرى. فعلى هذا الإرث من القيم سوف تستند الممارسة الاستعمارية التي أوقعت بالشعوب، وأدخلتها في شراكها، وأخضعتها لمصالحها واهدافها، من دون أن تتخلى لحظة في خطابها، أمام الآخرين أو أمام جمهورها، عن مديح الحرية والمساواة والعدالة الانسانية. وفي قلب هذه الممارسة القائمة على الخداع وبموازاتها يتحول النفاق إلى ممارسة كاملة، تقول غير ما تفعل، وتعلن غير ما تضمر، وتوعد غير ما تقرر. وهو يفسر وحده كيف أمكن لأصحاب المشروع الاستعماري أن يجمعوا بين خطاب الإنسية وتلك الممارسات الوحشية التي رافقت وضع اليد على أراضي القارات المختلفة، وتحويل شعوبها لعقود طويلة إلى عبيد أو ما يشبه ذلك، أي أن يجمعوا بين منطق الدفاع عن تحرر الانسانية وانعتاقها والسقوط في بربرية العنصرية والإبادة الجماعية.
لم أذكر ذلك لأكشف عن أحد مظاهر العطب والنقص الذي لا يزال يميز الحداثة ويفسر موجه الاحتجاج والارتداد العنيفة عليها وعلى قيمها في مناطق واسعة من المعمورة، وليس في البلاد الإسلامية فحسب، وأعني بهذا العطب استمرار قيام العلاقات الدولية وبين المجتمعات على أسس "ميكيافيلية"، تضعف من صدقية قيم الحرية والمساواة والعدالة التي تؤسس جوهر الحداثة فحسب. ولم أذكره أيضا لأشير إلى المأساة التي نجمت عن انتقال هذا الإرث الاستعماري نفسه إلى النخب المحلية السائدة في البلاد التي استعمرت سابقا، وتبنيها له ولقيمه بالجملة. إن ما ذكرني به هو ما جري ويجري في غزة ومن حول مأساتها، والذي يشكل هو نفسه امتدادا لما جرى في المشرق العربي من ممارسات أدخلت الشرق الأوسط بأكمله في متاهة لا مخرج منها، وتهدد بتقويض أسس السلام العالمي نفسه. ولا أقصد هنا الإشارة إلى السياسات الاستعمارية القديمة التي لا تزال هنا راهنة، وإنما إلى الطريقة التي نظر بها الغرب، وأعني هنا بالغرب الحكومات والرأي العام معا، ولا يزال ينظر بها إلى المسألة الفلسطينية، التي نشأت من رميه نتائج سياساته العنصرية تجاه اليهود على العرب، وعلى الفلسطينيين منهم بشكل خاص.
فكيف نفسر، من دون هذا النفاق، نجاح إسرائيل التي ما كان من الممكن أن تقوم ولا أن تبقى، باعتراف قادتها أنفسهم، من دون احتضان الغرب ودعمه السياسي والأخلاقي والعسكري، في الاستمرار في المراوغة وتحدي إرادة الغرب الذي يدعي الالتزام بالسلام والتسوية والحل العادل للقضية الفلسطينية، وفي إحباط مبادراته، المتكررة منذ أكثر من نصف قرن، وحلوله المقترحة، ونصائح لجانه الرباعية وغير الرباعية، وفي الوقت نفسه رفض الحكومات الغربية، بما فيها الاوروبية المؤيدة كما تقول للحقوق الفلسطينية، اتخاذ أي عقوبات ضد الدولة العبرية. بل بالعكس عدم الخجل من الاحتفاء بها في المناسبات الدولية وجعلها، كما هو الحال هذا الشهر في فرنسا، ضيف الشرف على معرض الكتاب العالمي، بالرغم من ممارساتها اللاإنسانية، حسب عبارة منظمات حقوق الانسان الدولية، في غزة وغيرها من المناطق الفلسطينية؟ وكيف نصدق أنه، لا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا روسيا ولا غيرها من الدول الكبرى الصديقة والقريبة لاسرائيل، وكلها تدعي الإخلاص لقيم الحرية والعدالة والمساواة، والصداقة للعرب والمسلمين أيضا، لا تملك أن تتخذ أي إجراء لثني إسرائيل عن ممارساتها العنصرية وتشجيعها على الدخول في منطق السلام والتسوية السياسية؟
ما الذي يمكن أن نحسه غير الاحباط، وأن نفكر به غير النفاق، إزاء وعود تتكرر ولا تنفذ منذ قرن، ومبادرات سلام، أمريكية أو اوروبية، تتوالى كل سنتين او ثلاثة دون جدوى، ومؤتمرات دولية تعقد وتموت من دون اكتراث، وموائد حوار تنظم من دون ثمرة ولا إنجاز، ومشاورات عالمية لا تتوقف، ومباحثات تعددية او ثنائية يقوم بها مبعوثون مخصوصون للشرق الأوسط لا تثير حتى فضول الصحافة المحلية، ومفاوضات لا تنتج غير البيانات المنمقة التي لا تهدف إلا إلى خداع العرب وتسكين غضب الرأي العام؟ وإلى متى سيحتمل العرب مهزلة السلام الموعود، الذي أخذ الغرب ثمنه سلفا بدمج الدول العربية في الحرب ضد الإرهاب، ولهاث حكوماتهم وراء سراب حلول ومبادرات، يعرف الجميع منذ البداية، ورعاتها الغربيون أولهم، أن الهدف الفعلي لها غير الهدف المعلن، ولا تفيد إلا في إعطاء إسرائيل المزيد من الوقت لتحقيق أهدافها، مع مراعاة مصالح النظم العربية وحفظ ماء وجهها، وتصبير الفلسطينيين على جراحهم وآلامهم، بانتظار أن تتحقق الغاية، ويصبح لا مناص لهم من الاعتراف بعدم وجود أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية بالمعنى الحقيقي للكلمة، والقبول نتيجة ذلك بما قسم لهم، أي بمجموعة من المعازل المقطوعة والمعدمة داخل إسرائيل الكبرى، حتى لو أطلق على هذه المعازل اسم دولة، وربما جماهيرية عظمى.
ثم ما الفائدة من ترديدنا التحليلات نفسها، والتذكير بالمسؤوليات، والتحذير من النتائج، مادامت سياسة الخداع والكذب والغش مستمرة، وطالما لم تدرك الحكومات ورأيها العام، في الغرب والدول الصناعية الكبرى والعالم أجمع، أن قيم الحداثة الإنسانية ليست نهائية ولكنها قابلة للارتداد، وأن خيانتها المستمرة، على أي مستوى من مستويات العلاقات الإجتماعية والدولية، ومن قبل أي طرف كان، يقود لا محالة إلى النكوص الجماعي عنها، بما يعنيه ذلك من تعميم مشاعر الشك والخوف وقيم العنصرية والعدوان، والتهديد بتوسيع دائرة حرب عالمية بدأ فتيلها يشتعل بالفعل، منذ الآن، في أكثر من بقعة من بقاع المعمورة.

samedi, mars 08, 2008

L’Orient face à la politique des puissances

mardi 4 mars 2008 - Burhan Ghalioun - Confluences Méditerranée

Tous les gouvernements arabes ont été surpris par le changement survenu, après les évènements du 11 septembre 2001, dans la stratégie des Etats-Unis d’Amérique au Moyen-Orient.
La plupart d’entre eux ont considéré l’insistance de Washington à promouvoir des réformes politiques et sociales visant à garantir une stabilité durable, comme une lourde erreur, non seulement du point de vue de leurs intérêts mais aussi du point de vue des intérêts des Etats-Unis eux-mêmes.
Un tel processus ébranlerait la stabilité et mettrait peut-être fin aux régimes eux-mêmes. Aussi les gouvernements arabes n’ont-ils pas hésité, en dépit du risque que cela comportait pour leur avenir, à manifester leur désaccord avec Washington et à s’employer à convaincre les Etats-Unis de revenir sur leur décision.
C’est qu’il ne s’agit pas là d’intérêts partiels relatifs à l’état en tant que tel ou la société, mais du destin des gouvernements et des régimes dans leur totalité. En moins de deux ans, les gouvernements arabes ont réussi, sans réaliser le moindre changement, à convaincre Washington que les ambitieux projets de réformes ne sont de l’intérêt de personne, ni des gouvernements du Moyen-Orient, ni des Etats-Unis. Et avec l’apaisement sécuritaire survenu en Irak et le lancement de nouveaux pourparlers de paix à Annapolis, les choses ont repris leur cours, ou presque.
Ainsi peut-on dire qu’à la faveur d’intérêts convergents, les gouvernements arabes ont compris l’Amérique mieux qu’elle ne l’a fait elle-même ; ils l’ont aidée à revenir sur la bonne voie pour conserver ses intérêts, étant donné que ces intérêts sont impliqués de fait avec les intérêts des forces arabes sur lesquelles est fondé l’ordre actuel ou le système traditionnel, qui a succédé au mouvement nationaliste arabe. La base de ce système et l’alliance américano-arabe qui le sous-tend, c’est l’intérêt commun à écarter les peuples arabes de la maîtrise de leur destin et les priver de leur souveraineté.
Dans cette lutte, comme dans les nombreuses autres luttes liées à la réforme et au changement, les gouvernements arabes, sous toutes leurs formes, ont utilisé -et utilisent - l’hostilité envers l’Occident pour détourner l’attention de l’opinion publique arabe des problèmes et des défis intérieurs et diriger sa rancœur vers l’extérieur. Dans ce contexte, ils ont œuvré -et oeuvrent toujours- pour répandre une forme d’hostilité qui , au-delà d’un refus des politiques occidentales , va jusqu’au refus de la civilisation, de la culture et de tout ce qui concerne l’histoire et l’identité des pays occidentaux.
Ils ont tiré profit -et tirent profit - de certains courants racistes occidentaux pour faire de la haine de l’Occident en tant que tel, un moyen pour ériger une barrière infranchissable entre l’opinion publique et les acquis de la modernité politique, législative et civique, mobiliser l’opinion derrière eux et se présenter, eux et leurs régimes, comme la citadelle qui protège de la domination étrangère, -culturelle et politique.
Ainsi les régimes arabes ont réussi à lier les politiques occidentales et américaines avec la culture, la civilisation et l’ identité de l’Occident, au lieu de les imputer aux élites dominantes, telles les néo-conservateurs à Washington ; ils ont transformé l’hostilité aux politiques occidentales en hostilité à l’Occident et à faire de la mobilisation permanente contre lui un substitut pour justifier nombre de leurs propres choix stratégiques et politiques, ce qui empêche la cristallisation de toute politique arabe positive, utile et efficace, visant l’opinion publique occidentale et œuvrant auprès d’elle pour défendre les intérêts et les droits des Arabes..
Certes, de nombreuses raisons poussent les peuples arabes à éprouver de l’hostilité envers l’Occident, sans faire la distinction entre les politiques d’un état et la culture de la société, et à ignorer les divisions de son opinion publique. Parmi ces raisons, le manque de considération pour les droits des Arabes, la mauvaise image qui en est donnée, la présentation négative de leur culture dans la presse écrite et les moyens audiovisuels ; de plus, à la suite du développement des mouvements terroristes liés au monde arabe, surtout après les évènements de septembre 2001, sont apparus des manifestations de mépris et de dénigrement envers les Arabes, regardés comme des sociétés non civilisées, et des sentiments nouveaux fondés sur la peur, la haine et la méfiance, et même le désir de vengeance, comme l’a montré la dernière guerre d’Irak avec son cortège de tortures et de traitements cruels et inhumains envers les prisonniers irakiens et les civils.
Malgré cela, il n’est pas de l’intérêt des Arabes de confondre les politiques occidentales et les sociétés qui leur sont assujetties, et de considérer ces politiques comme le reflet naturel de leur culture, voire de leurs intérêts nationaux lointains. De même, c’est une erreur de regarder l’Occident, avec tout ce qu’il comporte ou crée, comme s’il était le mal ou la source du mal ; c’est aussi une grande erreur de confondre pouvoir et société dans quelque pays que ce soit. Cela ne sert qu’à cacher notre échec à cristalliser des politiques capables d’influer sur les politiques des grandes puissances.
Cela crée un ogre mythique qu’on ne peut affronter, devant lequel nous n’avons pas le choix : l’insulter et le maudire en pensée et, dans les faits, traiter avec lui et nous y soumettre, comme c’est le cas. En réalité, l’Occident, avec l’Amérique, n’est ni un ogre ni un bloc impénétrable. Il est parcouru de courants nombreux qui ne sont pas nécessairement animés d’une hostilité foncière envers les Arabes ou les peuples pauvres. Et il n’est pas de notre intérêt d’ignorer ces forces ; nous ne pouvons pas, vis-à-vis de l’Occident, espérer construire une politique qui garantisse notre indépendance et nos droits, contre les politiques agressives de ses gouvernements, sans reconnaître ces courants et entretenir une relation positive avec eux.
Peut-être ces forces démocratiques qui aspirent à un monde où règnent la paix et la justice, sont-elles bien plus grandes en Occident que dans les pays arabes eux-mêmes. Et peut-être leur capacité à offrir leur concours au causes arabes est-elle bien supérieure à ce que peuvent offrir les forces arabes elles-mêmes.
Pour faire face à l’Occident et ses politiques agressives, nous avons constamment fait appel à un recours venu de l’extérieur, représenté dans un premier temps par l’Union Soviétique. Nous rêvons d’une alliance semblable avec la Chine et la Russie émergentes. Mais nous n’avons pas recueilli un gain notable de cette politique, car les causes qui sont les nôtres restent toutes en souffrance, et cela depuis des décennies, elles se sont même aggravées. La raison en est que la plupart de nos problèmes sont liés à l’Occident, et il n’est pas possible de les résoudre en l’ignorant, que ce soit contre lui ou sans lui.
De même, toutes les forces sur lesquelles nous avons misé et sur lesquelles nous miserons ont besoin de la coopération et de l’amitié de l’Occident pour garantir des intérêts qui nous dépassent et devant lesquels nous ne pesons guère. En réalité, il n’est possible de résister à l’Occident colonialiste et impérialiste, dont nous sommes les premières victimes, qu’avec un Occident démocratique et pacifiste, oeuvrant pour la justice dans le monde, c’est-à-dire de l’intérieur même de l’Occident.
Les peuples qui ont une situation proche de la nôtre et nous-mêmes avons la responsabilité de pousser l’Occident vers une politique positive. Non pas en oeuvrant à construire une large entente entre les états qui souffrent des politiques occidentales seulement, mais surtout en consolidant l’entente et la coopération avec les forces démocratiques occidentales et en les aidant à combattre les visées impériales et impérialistes.
Mais pour y parvenir, il nous faut nous prouver à nous-mêmes que nous sommes attachés aux valeurs de justice, d’égalité, de liberté individuelle et que nous représentons des peuples capables eux aussi de traiter avec le monde sur la base du respect mutuel, de l’indépendance, de la légitimité et de la loi. Nous ne pouvons pas changer la politique de l’Occident et lui imposer le respect de la démocratie mondiale sans nous transformer, sans que nos pays ne deviennent des pays démocratiques respectueux des droits et des gens à la fois, jouissant par conséquent du respect.
Quand je dis nous, je ne veux pas dire les pays arabes seuls mais tous les pays qui subissent aujourd’hui les politiques impérialistes et agressives de l’Occident, avec à leur tête les Etats-Unis d’ Amérique.
13 février 2008 - Confluences Méditerranée - Vous pouvez consulter cet article à : http://www.confluences-mediterranee.com/

mardi, mars 04, 2008

LIBAN Autant en emporte le vent

5 février 2008 - Confluences méditerranée

Depuis l’expiration du mandat du président pro-syrien Emile Lahoud, le 23 novembre, le Liban est privé de chef de l’Etat. Le gouvernement de Fouad Siniora et l’opposition dominée par le Hizb Allah se sont mis d’accord sur le choix du chef de l’armée, le général Michel Souleïmane, comme candidat de consensus à la présidence. Mais, pour que le nouveau président puisse être élu par le parlement, le quorum des deux tiers des députés doit être réuni.
Or l’opposition refuse de participer à une séance du Parlement avant dR