jeudi, août 06, 2015

حاجة سورية إلى مبادرة دولية حقيقية

بعد تقديم كوفي عنان، المبعوث الأول للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، استقالته منذ حوالي ثلاث سنوات، استقر الرأي على أن السبب الرئيسي في فشل مهمته افتقار بيان جنيف الذي نال موافقة روسيا والولايات المتحدة إلى آلية للتطبيق، فاستصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 262/67، بتاريخ 15 مايو/أيار عام 2013، ينص، في الفقرة 28، على تشكيل هيئة حكم تنفيذية كاملة الصلاحيات، تشارك فيها جميع الأطراف، وتتعاون في إطارها لإنجاز ما عجزت مفاوضات كوفي عنان عن إنجازه بسبب انعدام الثقة أو الإرادة. وفي الوقت نفسه، ضمان الانتقال السياسي الآمن مع الاحتفاظ بمؤسسات الدولة، وتعزيز دورها في سورية الجديدة. وقد رحبت المعارضة بالقرار، أولاً، لإدراكها استحالة الحسم العسكري مع تنامي الدعم الدولي لحكومة الأسد. وثانياً، لفداحة الخسائر السورية وحتمية التعاون بين جميع السوريين، من أجل مواجهة المشكلات والتحديات الناجمة عن طول أمد الحرب، والطابع التدميري والانتقامي الذي اتخذته، وما نجم عن ذلك من تدهور هائل وسريع في شروط حياة السوريين وانهيار الاقتصاد، وزيادة عدد اليتامى والمعتقلين والمعوقين والمشردين والجائعين، وانقسام الشعب وتنامي الأحقاد والمآسي الإنسانية. وأخيراً، لمواجهة تطور الإرهاب الداعشي الذي أصبح يسيطر على نصف مساحة البلاد، من دون الحديث عن مسألة إعادة الإعمار وتطبيق العدالة الانتقالية لقطع الطريق على سياسات الانتقام الفردي والشخصي، وترسيخ روح القانون. وبدت فكرة هذه الهيئة، في وقتها، إبداعية، لأنها تربط الانتقال نحو النظام الديمقراطي بتشكيل ما يشبه حكومة وحدة وطنية، تجمع بين طرفي النزاع، وتضمن الخروج بحل متوازن يحفظ المصالح الحيوية لجميع الأطراف، ويطمئنها، ويحظى بتأييدها. 
وعلى هذا الأساس، عيّن الأخضر الإبراهمي مبعوثاً جديداً بمهمة أساسية، هي تشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي ترتكز عليها العملية السياسية برمتها، بيد أن السبب الذي أفشل محادثات جنيف1، واضطر كوفي عنان لتقديم استقالته، هو نفسه الذي أفشل محادثات جنيف2، ودفع الأخضر الإبراهيمي إلى تقديم استقالة مماثلة، محملاً حكومة الأسد المسؤولية الرئيسية. وكانت الجولات الثلاث لمفاوضات جنيف2 قد أظهرت بالفعل رفض وفد النظام القاطع للانخراط في أي عملية مفاوضات، حتى بعد أن تفاهم المبعوث الدولي مع المعارضة على تعديل جدول الأعمال، وأقر البدء بنقاش مسألة الإرهاب، قبل الانتقال، في اليوم التالي، إلى نقاش تشكيل الهيئة الانتقالية. 

كان من المنتظر من المبعوث الجديد، ستيفان دي ميستورا، الذي جاء بعد فشل مبعوثين سابقين، وكلاهما دبلوماسيان من الطراز الرفيع، أن يستفيد من الدرس، ويبدأ من حيث انتهيا، أي بتذليل العقبة الرئيسية التي عطلت مفاوضات الحل السياسي السوري، وهي، من دون أي تردد، رفض نظام الأسد الحديث في أي تغيير، وإصراره على كسب الوقت، مدعوماً بحلفائه الإقليميين والدوليين، للوصول إلى الحسم العسكري، وسحق الثورة والمعارضة. ولم يكن أمام دي ميستورا إلا طريقين لتجنب مصير سابقيه: إقناع طهران أو موسكو الكافلتين لحرب الأسد، بالتعاون الجدي لإكراه الأسد على التفاوض، وهو ما لم يحصل، أو تكريس الوقت والاستفادة من المشاورات الموسعة مع الأطراف السورية وغير السورية، لبناء تصور أفضل عن طبيعة هذه الهيئة ومهامها، وتقديم اقتراح للأمين العام بآلية تشكيلها، قبل عرضه على مجلس الأمن ووضع جميع الدول أمام مسؤولياتها في مواجهة تفاقم الأزمة الإنسانية، واتخاذ الحرب شكل التدمير المنهجي، والطرد المنظم للسكان، وأشكالاً مختلفة من التطهير الديني والعرقي والمذهبي.
لكن دي ميستورا، على الرغم مما أبداه من نيات حسنة، في القسم الأخير من مشاوراته وبعثته، لم يختر أياً من هذين الطريقين، وقرر أن يعيد الكرة إلى ملعب السوريين أنفسهم، ويطلب منهم التفاهم على تفسير بيان جنيف، قبل البدء في أي مفاوضات رسمية، وبدا وكأنه يعتقد، بالفعل، أن جرّ حسن عبد العظيم وخالد خوجة ولؤي حسين، وغيرهم من شخصيات مدنية، إلى جانب بعض عناصر المخابرات وشبيحة نظام الأسد، على طاولة واحدة، كاف لفتح ثغرة في الاستعصاء القائم، وتعبيد الطريق نحو مفاوضات جدية، تنهي حرب الأعوام الخمسة. هذا في الوقت الذي لم يعد يخفى فيه على أحد أن السوريين فقدوا السيطرة على قرارهم والتحكم بمصيرهم، وأصبحوا، في أفضل التقديرات، شركاء في حروب بالوكالة، تتبارى فيها القوى الإقليمية والدولية في استخدام العنف والشناعة والتدمير. وأصبح من الواضح لكل متابع أن من يطلب من السوريين أن يتوصلوا إلى تفاهم واتفاق في ظروف تجاذبات القوى الإقليمية واستثماراتها الهائلة في الحرب السورية كمن يطلب من غرقى في بحر متلاطم الأمواج أن يتقاربوا ويتعانقوا. ولو أيد مجلس الأمن هذه الخطة الجديدة وتبناها، لما كان لذلك سوى معنى واحد، هو تأكيد إصرار المجتمع الدولي على التهرب من مسؤولياته، وترك السوريين ينشوون بنار حقد الآخرين وحروبهم، بعد أن دمر بلادهم حقد حكامهم.
لا يعني ذلك أنه لا فائدة، أو ليس هناك ضرورة، لحوار السوريين حول جميع الموضوعات المطروحة، وإنما يعني أن مثل هذا الحوار لن يكون ممكناً، ولن ينتج أي حل، وستبقى سورية تتخبط في دمائها أكثر، فريسة سائغة للحروب الإقليمية التي تجري على أرضها، وبمباركة الأمم المتحدة وتأييدها، ما لم يقم المجتمع الدولي بواجباته، ويضع حدّاً لحروب الوكالة، أو يتدخل لتحرير السوريين منها.
لا يكفي أن تواسي الأمم المتحدة السوريين بإرسال مبعوث خاص، يشهد على انقسامهم، ويحذرهم من غرقهم. المطلوب من الأمم المتحدة أن تدفع للسوريين الغرقى، أو الذين هم على وشك الغرق، قاربَ نجاة قادر على إنقاذهم، ومسؤولية المبعوث الدولي تقديم تصور لصناعة هذا القارب القادر على التقاطهم وجمعهم بالذات.
تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار. وإلا لن يكون نصيب السوريين من مقترحات دي ميستورا لإخراجهم من المحنة أفضل من نصيب ضيف جحا الذي جلس، ليلة كاملة، ينتظر طهو طعام وضعه مضيفه في قدر علق في السقف، وتحته على الأرض شمعة تكاد تلفظ أنفاسها.
ليس المبعوث الدولي وحده المسؤول عن غياب روح المبادرة والعمل الجدي في موضوع الحرب السورية، فهناك قوى إقليمية وداخلية عديدة تريد ذلك، لأنها تعتقد أن من مصلحتها ترك الأمور لمزيد من الاقتتال والفوضى. كما أن المبعوث الدولي يقع، مثل أوساط دبلوماسية دولية كثيرة، بما فيهم من يدّعي الصداقة للشعب السوري، ضحية ميل جارف لجعل الحرب ضد الإرهاب المحور الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للسياسة الإقليمية، والسعي إلى دفع جميع القوى المتنازعة للاتحاد من حولها، وفرض هذا الاتحاد ضد الإرهاب أجندة وحيدة للسياسة الدولية والإقليمية والوطنية، بديلاً لجميع الأجندات الأخرى، وفي مقدمها الأجندة الديمقراطية التي كانت المحرك العميق لثورات الربيع العربي، وما تعنيه من إرادة الخلاص من النظم الاستبدادية، وكل ما ارتبط بها من ظلم واضطهاد واغتيال لحريات الأفراد وكرامتهم وسيادة الشعوب، والانتقال نحو نظم تعددية ومدنية تخضع لإرادة الأفراد، وترد على حاجاتهم وتطلعاتهم. وهذا هو موطن التوافق والإجماع بين السياستين، الأميركية والروسية، في الشرق الأوسط، وفي سورية خصوصاً، والكثير من حلفائهما أيضاً. وربما لا تبتعد رؤية نظم عربية عديدة عن هذه الرؤية، ورغبتهم في الانسياق وراءها، خصوصاً وأن لمعظمها مصلحة في أن تتجنب الحديث عن انتقال سياسي، أو إصلاح. ولا يخرج تقرير دي ميستورا عن ذلك. 

لكن، مهما كان الحال، إن رمي الكرة في ملعب السوريين من جديد، بعد تهميشهم، وإبعادهم عن أي مركز قرار يتعلق بمصيرهم، والتذرع بالحرب على الإرهاب الداعشي، لصرف النظر عن إرهاب الدولة الأسدي، والتستر عليه، بدل التصدي للعقدة الحقيقية التي تحول دون التقدم في طريق الحل، هو برهان إضافي على تخلي المجتمع الدولي، وفي مقدمه الأمم المتحدة، عن مسؤولياته، وتركه الشعب السوري ضحية أطماع الدول وصراعاتها التي دمرت أسس وجوده ووحدته.
لا ينبغي، ولم يعد من المسموح للأمم المتحدة وللدول الكبرى أن تغطي الشمس بغربال. من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها، كما نصت قرارات الأمم المتحدة، وقبلت المعارضة برمتها، لوضع أسس الحكم الديمقراطي والتعددي الجديد، الذي لن تقوم لسورية قائمة، بعد الآن، من دونه. وهو، بالدرجة الثانية، طهران التي تريد فرض وصايتها على دمشق، وتحلم بتحويل سورية إلى درة العقد في إمبرطورية تحلم بإنشائها في الشرق الأوسط منذ عقود، كي ما تتحول إلى قوة دولية، تنافس القوى الكبرى في الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، وتطمح إلى أن تضع نفسها بين كبار الكبار. وهو، بالدرجة الثالثة، تل أبيب التي طالما حلمت بمحو سورية من الخريطة الشرق أوسطية، حتى تضمن دفن ملف القضية الفلسطينية نهائياً، وضم ما تستطيع من أراض عربية وإلحاقها بها.
وما لم تجمع الأمم المتحدة وأصدقاء الشعب السوري المفترضون شجاعتهم، أو ما تبقى لديهم منها، ويعلنوا موقفاً واضحاً مما يجري، ويعملوا على إعادة فرض احترام سيادة الدول، وإرادة الشعوب، فسنخسر سورية والحرب ضد الإرهاب معاً، ولن يبقى لوجود الأمم المتحدة أي صدقية، أو مشروعية.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/8/5/%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9#sthash.djIAGLS4.dpuf

vendredi, juillet 24, 2015

مصير العرب أمام تخلي واشنطن وتغول طهران

حققت الدول الغربية، بالتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا، في 14 يوليو/تموز 2015، إنجازاً استراتيجياً مهماً، من وجهة نظر مصالحها، قدمت موسكو نصيبها من المساهمة فيه، على سبيل المقايضة، لقاء مكاسب مقبلة، يمكن للغرب أن يضمنها لروسيا، في مواقع أخرى، وربما في الشرق الاوسط. وبعكس ما تقوله الدبلوماسية الغربية، لا يتمثل هذا الإنجاز في تأجيل البرنامج النووي العسكري لإيران، وإنما في إنهاء أكثر من ثلاثة عقود من العداء والحرب الباردة الإيرانية الغربية، وتجنب التورط في حرب مباشرة معها. 
في المقابل، حققت طهران، أيضا، بإنهائها حالة العداء هذه، وتصالحها المرتقب مع الغرب، مكاسب رئيسية لا يستهان بها، أهمها الاعتراف بايران قوة إقليمية كبرى، وبالتالي، الاعتراف بمصالحها الإقليمية وحتمية التفاوض معها حولها، ومن ضمنها وجود مليشياتها ودورها في الإقليم. وثاني هذه المكاسب إلغاء العقوبات وفك الحصار الدولي المضروب من حولها منذ عقود، بما يعنيه ذلك من القبول بالنظام الايراني القائم كما هو، وتعزيز وجوده وإضفاء الشرعية التي حرم منها زمناً طويلاً، بسبب طابعه الديني وسياساته التوسعية واعتماده الإرهاب، بكل أشكاله، استراتيجية دولية وإقليمية لفرض مصالحه وتوسيع دائرة نفوذه. ومنها ثالثاً، تحويل طهران من طرف منبوذ وخارج على القانون الدولي إلى طرف رئيسي في أية مفاوضات إقليمية مقبلة، وشريك مقبول ومطلوب في حل النزاعات الإقليمية التي ساهمت هي نفسها في تفجيرها. وبالتالي، الاعتراف لطهران بدور رئيسي في إعادة الأمن والسلام والاستقرار إلى المنطقة، وبحضور قوي ودائم في كل مشاوراتها. ولا أعتقد أن الرأي العام الغربي، أو الإيراني، سوف يعارض، في غالبيته الساحقة، إذا وضعنا جانبا استخدامه في استراتيجية الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة هنا وهناك، هذا الإنجاز. 


من سيدفع ثمن المصالحة الغربية الإيرانية؟
السؤال الرئيسي الذي يطرح علينا، نحن الذين نعيش في المنطقة التي تطمع فيها إيران، والخاضعة أيضا لهيمنة الغرب: ما مصير النزاعات التي تفاقمت داخل الإقليم المشرقي، على هامش هذا النزاع الأول؟ وهل سيساهم حل الخلاف الغربي الايراني في إخراج المنطقة من حالة الصراع والفوضى المعممة التي تغذت من هذا النزاع؟ أم أن المنطقة هي التي ستدفع ثمن هذه المصالحة في المستقبل، كما دفعت فاتورة المفاوضات من دم أبنائها في سورية والعراق واليمن، وغيرها من البلدان التي حاولت طهران، من خلال زعزعة استقرارها، إظهار قوتها، والضغط على المفاوض الغربي؟
على الرغم من المؤشرات العديدة التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ما سيحصل بعد الاتفاق لن يختلف عما حصل من أجل إنجازه، إلا أن الجواب ليس حاضراً ولا سهلا. ولا أقصد أن من الممكن لواشنطن، بعد أن ضمنت مصالحها الرئيسية في إنهاء النزاع مع إيران، أن تبدل من سياسة مسايرة النزوعات التوسعية لطهران، في المشرق العربي، حفظاً لتوازنات المنطقة الأساسية، أو تطمينا لحلفائها الآخرين، في الخليج. فسياسة الدول وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر قائمة على تقدير قوة بعضها البعض ونفوذها، ومن الممكن لواشنطن أن تعتبر نفوذ إيران ضمانة لحد أدنى من الاستقرار في المنطقة، وأن تراهن حتى على تعاونها وقدرتها على تعبئة "الحشود الشعبية"، من أجل مواجهة داعش والمنظمات المتطرفة، وهي مصلحة رئيسية أيضا للغرب، بعد تأجيل قنبلة إيران النووية. وفي هذه الحالة، سوف تطلب واشنطن من العرب، أيضاً، مهلة أخرى، لغض النظر عن سياسات طهران التوسعية والتخريبية، وربما، أكثر من ذلك، دعم إيران في مجهودها ضد داعش، والتعاون معها باعتبارها الدولة الأقدر على توفير المليشيات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.
ولا أقصد من ذلك، أيضاً، احتمال أن يغير الموقف الإسرائيلي المناوئ لأي اتفاق بين الغرب وطهران، من إصرار واشنطن، فليس من الصعب على تل أبيب أن تتعايش، اليوم، مع الاتفاق كما تعايشت من قبل مع احتمال صنع القنبلة النووية الإيرانية في الفترة السابقة، من دون أن تخفف من استعدادها للتدخل العسكري عند الضرورة، مستندة على العرف الدولي الذي تطور إزاءها على أنها دولة فوق أي قانون. بل أعتقد أن القادة الإيرانيين الذين بنوا سمعتهم الثورية على مناوأة إسرائيل، كما بنوها من قبل على مناوأة الشيطان الأكبر، قادرون، وبسرعة أكبر مما يتصور الإيديولوجيون في معسكرنا، على قلب الأوراق، وعقد تفاهم سري، وحتى شبه علني مع إسرائيل، إذا تيقنوا من أن سياستهم الإقليمية لن تلقى أية مواجهة جدية من العرب، وأن في وسعهم تقاسم النفوذ في المنطقة مع تل أبيب، والاحتفاظ، نتيجة ذلك، بمشروعهم الامبراطوري. ولن ترفض إسرائيل أن تعترف لطهران، بضم ما تسميه الهلال الشيعي في مقابل أن تضم هي ما تبقى من جنوب سورية، وتطلق يدها في بقية المناطق. وهذا هو معنى مطالبة بعض المسؤولين الإسرائيليين الدول الاعتراف بضم الجولان السوري، بذريعة أن الدولة السورية لم يعد لها وجود.
ما قصدته أن جزءاً مهما من الجواب يتوقف علينا، أو على ما سنفعله نحن العرب، وأخص بالذكر دول المشرق العربي، ومنها دول الخليج التي تجد نفسها اليوم في خط الدفاع الأول، بعد سقوط سورية والعراق تحت النفوذ الإيراني. فإذا اقتصرنا، في نظرنا، كما كنا نفعل ولا نزال دائماً، على بناء حساباتنا على تحليل منطق المصالح الدولية، سواء ما تعلق منها بمصالح الولايات المتحدة والغرب عموما وإسرائيل، بل وبعض الحكومات العربية الأخرى، بدل التفكير في ما ينبغي علينا نحن أن نفعله إزاء التطورات الإقليمية، وما نستطيع فعله، فلن نجد هناك أية بارقة أمل في أن نرى الأمور تتقدم بشكل يضمن الحد الأدنى من مصالحنا. حتى نعرف في ما إذا كان في وسعنا الوقوف في وجه تفاهم أميركي إيراني يحصل على حسابنا، ينبغي أن نقرر، أولاً، نحن أنفسنا، ماذا نريد وماذا يتوجب علينا فعله للتأثير بأقصى ما نستطيع على رسم مصير المنطقة. وهذا يعني أن ما سيحدد فيما إذا كان التفاهم سيتم على حسابنا أم لا ليس ما تريده الأطراف الأخرى وحدها. ولكن، ماذا نريد نحن، وماذا نستطيع أن نفعل.
فإذا فقدنا الإرادة في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا، أو راهنا فقط على تناقضات المصالح الأجنبية (مثلا إسرائيل وإيران، تركيا وإيران)، أو اعتمدنا على الحماية التي من المفروض أن توفرها الأمم المتحدة، وما يسمى بالمواثيق والقوانين الدولية، بعد أن فقدنا الحماية الأميركية الحقيقية، فسيكون الجواب حتما، أننا، كما دفعنا ثمن التوقيع على الاتفاق النووي من دم أبنائنا في سورية، وقبل العالم كله، بما في ذلك الأمم المتحدة، أن يصرف النظر عن جرائم الإبادة الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، حتى لا يتعكر جو المفاوضات الدولية مع طهران، سوف ندفع ثمن تطبيق الاتفاق، وما يهدف إليه من مصالحة إيرانية غربية، وأكثر من ذلك احتمال مصالحة روسية غربية أيضا. ولا علاقة لذلك بأية مؤامرة خفية، أو تفاهمات مسبقة بين واشنطن وطهران، أو بأية حظوة لمذهب، أو دين على حساب مذهب أو دين آخر. الدول وحوش كاسرة، لا تتردد في أكل بعضها بعضاً، إن وجدت لذلك سبيلا، وليست هناك رحمة في صراع الشعوب والدول، عندما يغيب القانون. وقد أظهرت الأحداث الكارثية للسنوات الخمس الماضية أنه لا توجد روادع قانونية لأي عدوان، عندما تتلاقى المصالح بين الدول والجماعات، حتى داخل القبيلة نفسها. وشاعرنا زهير هو من قال:
وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ/ يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الـنَّاسَ  يُظْلَمِ

هل من مشروع لتوحيد الشباب العربي؟
حتى لا نكون كبش الفداء للمصالحة الغربية الإيرانية المنتظرة منذ سنوات، ليس هناك سوى حل واحد، هو أن نكون موجودين. يعني أن نكون موجودين بذاتنا لا بغيرنا، وأن نكون بذاتنا يعني أن نكون بقوة شعوبنا ووحدتنا، وأن نشعر بمسؤولياتنا ونتحملها، وأن تكون لدينا خططنا واستراتيجياتنا ودفاعاتنا، ووسائل الحفاظ على أمننا، وحماية حقوق مجتمعاتنا، أي أن يكون لدينا تصورات واضحة ومتفق عليها لمصالحنا الوطنية والعربية المشتركة، مستقلة عن مصالح النخب الحاكمة ونظمها، التي يمكن أن تبرر، كما حصل في سورية، التحالف مع الأعداء لضمانها، ولو أدى ذلك إلى دمار البلاد، وتشريد الشعب وانهيار الدولة. وهذا يعني، أيضاً، أن نعترف لشعوبنا بالحق في مناقشة شؤوننا بحرية ونقد سياساتنا وتطوير خططنا وخياراتنا، وهذا هو محتوى التفكير الاستراتيجي. وهذه هي وظيفة السياسة التي حرمت الشعوب العربية من ثمارها، خلال عقود طويلة، لحساب الحكم بالقوة والقهر والإرهاب. 

وهذا مطروح قبل أن يوقع الاتفاق النووي، ومطلوب سواء وقع أم لا. إنه يتعلق بوجودنا ومصيرنا ومصير دولنا، وشروط حياة شعوبنا وقيمنا. ومشكلتنا هي، حتى الآن، أننا كنا غائبين عن أنفسنا، أو مغيبين أنفسنا لصالح الأطراف الأخرى التي نعتقد أنها صاحبة الصولة والجولة والقوة، التي تقرر مصيرنا من ضمن تقريرها مصير العالم بأكمله، وليس لدينا خيارات سوى استرضائها أو الإذعان لها، والنتيجة استقالتنا الاستراتيجية التي تضاف إلى استقالتنا السياسية والأخلاقية تجاه مستقبلنا ومصير شعوبنا.
نحن بحاجة إلى إصلاح شؤوننا، سواء غيرت واشنطن أو طهران من سياستها تجاهنا، أو لم تغيرها، وسواء نجح التحالف مع تركيا أو لم ينجح. وكنا بحاجة له قبل أن تبدأ طهران مشروعها النووي، وبعد التوقيع على وقفه، وقبل أن تتدخل في شؤوننا، وبشكل أكبر اليوم، وهي تصول وتجول في بلداننا وتفتت مجتمعاتنا. ولم يعمل إجهاضنا ثورات الربيع العربي بدل الاستجابة لتطلعات شعوبنا، إلا في تعميق الثغرة التي جرأت الآخرين علينا. ما حصل لنا، في السنوات الماضية، من تغول إيران علينا واستهانة الغرب بحقوقنا وإرادتنا وصرفه النظر عن مصالحنا وتخليه عنا هو نتيجة سوء نظمنا وتنظيمنا، وتخبط سياساتنا، وضعف خياراتنا، وإخفاقنا في تحقيق الحد الأدنى من واجباتنا تجاه مجتمعاتنا. إنه ثمرة تخلينا عن شعوبنا وخيانتنا التزاماتنا.
مشكلتنا الرئيسية هي نحن. بقاؤنا في هذا العصر المضطرب، من دون مبدأ وطني جامع، منقسمين على أنفسنا داخل دولنا، وفي ما بين حكوماتنا، في مشرق تتنازعه المطامع الإقليمية والدولية، يقوض قدراتنا ويحرمنا من أي أمل في الحفاظ على مصالحنا، الآن وفي المستقبل. وما لم نقم بمراجعة حقيقية لسياساتنا الوطنية والإقليمية والدولية، سنكون فريسة سهلة لكل الطامعين بنا. ولا يكفي، في هذا المجال، ترقيع علاقتنا العربية/العربية، ولا الإصلاحات الشكلية لنظم مجتمعية فاسدة ومتهاوية، ولا زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والجيوش والذخيرة والسلاح، ولا الرهان على تناقض مصالح الدول الأجنبية، فلا يمنع العداء وتناقضات مصالح الدول التي هي وحوش مفترسة، من التوصل إلى تفاهم، لتقاسم جسدنا، إذا سمحنا لأنفسنا بأن نتحول إلى فريسة سهلة وسائغة.
نحن بحاجة إلى مشروع سياسي ومجتمعي، يلهم الشباب ويحمسهم، ويستدرك خمسين عاما من الخيارات الخاطئة والسياسات الضعيفة وغير الوطنية، ويرد على تطلعات أجيالنا للاندماج في العالم ومسايرة قيم العصر. وبديله الوحيد النكوص إلى قيم القرون الوسطى وتقاليد "داعش" والغبراء.
ولا يوجد مشروع سياسي من دون قاعدة شعبية عريضة، فقوة تركيا اليوم نابعة من نجاحها في توحيد الأتراك حول ثورة تنموية، ومشروع اللحاق بالغرب ومساواته. وهو في الواقع مشروع تركيا الحديثة، منذ نشوء حزب الاتحاد والترقي والثورة الأتاتوركية، ولو أنه استعيد اليوم بغلالة إسلامية. اما إيران فهي تعيد تبني مشروع الشاه القديم، وتعبئ شعبها حول مشروع الهيمنة الإقليمية والتفوق القومي والمذهبي، مستفيدة من الزخم الذي وفرته الثورة الشعبية التي اتخذت صبغة دينية.
وبالنسبة للعرب، لا يوجد مشروع آخر يمكن أن يعيد لهم الروح، ويوحد صفوف شبابهم، ويحرر طاقاتهم سوى مشروع الربيع العربي الذي ضحوا في سبيله بأرواحهم، وكل ما يملكون، ووقفت في وجهه، ولا تزال، كل قوى الجمود والظلام والفساد، المحلية والأجنبية. العمل على تلبية مطالب الحرية والعدالة والكرامة والمساواة وبناء المنظومة العربية، المحلية والإقليمية، اللازمة لذلك، هو المشروع الوحيد الممكن والقابل للحياة، فحكم الطغيان إلى زوال، ولن يكون هناك بديل آخر، سوى تفاقم الانقسام والفوضى والهزيمة والخراب.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/23/%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D9%88%D8%AA%D8%BA%D9%88%D9%84-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86#sthash.5aJRticA.dpuf

mardi, juillet 14, 2015

تقسيم سورية

كثر الحديث، في الأشهر الأخيرة عن تقسيم سورية. بعض القائلين به يفعل ذلك إقراراً بأمر واقع، بعد انحسار سلطة الدولة، وسيطرة المليشيات المسلحة المتعادية على مناطق مختلفة منها. وبعضهم الآخر اعتقاداً بأن المكونات الطائفية والقومية السورية لن تستطيع أن تتعايش، بعد سنين طويلة من الحرب الدموية، وأن الاعتراف لكل منها بدويلة خاصة مستقلة، أو تابعة لفدرالية واهية، هو أقصر طريق لوضع حد للحرب، بعد أن فشلت كل الجهود السياسية في إيجاد حل يضمن بقاء الدولة السورية الراهنة، ووحدة أراضيها واستمرارها. ويريد بعض ثالث التقسيم، من باب الأمل بإنهاء سورية كقوة ومحوها من الخارطة، أو بهدف الحصول على حصة من اقتسامها. ولا يعدم هذا المشروع متحمسين سوريين، من بين النخب الجديدة الصاعدة التي تفتقر للخبرة، وتريد الوصول إلى السلطة بأي ثمن وأسرع وقت. 
يفترض هذا، أولاً، أن تقسيمات الأمر الواقع الناجمة عن حرب السنوات الخمس الماضية من الحرب ليست اعتباطية خاضعة للتحول مع تغير المعطيات العسكرية، وإنما هي ترجمة لحقائق عميقة قومية أو مذهبية، وأن لسيطرة المليشيات على هذه المساحة أو تلك من سورية مشروعية: حماية أتباع أو استعادة حقوق. ومن ضمن هذا الافتراض أن "داعش" تمثل السنة مثلاً، وأن نظام الأسد يمثل العلويين، وأن حزب الاتحاد الديمقراطي يمثل الأكراد، وأن الجيش الحر يمثل المناطق التي يسيطر عليها، وأن هذه السيطرة يمكن أن تكون مستقرة ودائمة لن تتغير. وهو يفترض كذلك أن السوريين "مكونات"، أي، كما تستخدم المفردة اليوم، جمع أو حشد من جماعات أهلية، تحركها عصبية الحفاظ على هويتها الخاصة، أكثر مما تشدها قيم الوطنية والمواطنة والكرامة الفردية والحرية والإنجازات الحضارية العالمية، وأنه لا يوجد خارج هذه الأطر الأهلية سوريون متحررون من عصبياتهم، ينظرون إلى أنفسهم مواطنين، أو يطمحون إلى أن يكونوا مواطنين؛ أي أفراد مستقلون وأحرار، لهم الحق في تقرير مصيرهم من دون وصاية، وبصرف النظر عن موقف زعماء عشائرهم وقبائلهم ورجال دينهم وكنائسهم، قبل أن يكونوا سنة وشيعة ومسيحيين ومسلمين، أو يفترض ربما أن هؤلاء السوريين المواطنين المستقلين عن عصبية عشائرهم وقبائلهم ومذاهبهم لا يكونون إلا نسبة ضئيلة، لا يعتد بها، ولا ينبغي أن يحسب لها حساب. كما يفترض أن لهذه "المكونات" القومية والمذهبية قيادات مكرسة ومعروفة ومعترفاً بها، ولها أجندات موحدة، أو واحدة، تتحرك على أساسها، وأن من ضمن هذه الأجندات الانفراد بحكم ذاتها، والانفصال في شؤونها إلى هذا الحد أو ذاك عن شؤون الجماعات الأخرى. 

وهذا يفترض أكثر من ذلك أن كل ما عرفه السوريون، في القرنين الماضيين، من حياة ذات سمة حديثة ووطنية، وما بذلوه من جهود للتغلب على عطالة الماضي، وتقاليد القرون الوسطى، والانغراس في ثقافة العصر وتمثل قيم الحداثة السياسية والاجتماعية وشعاراتها، من مواطنة وتفكير حر وإيمان بقيمة العلم والتقدم والسعادة الدنيوية ومواكبة الحضارة العالمية لم يكن إلا سراباً، وأن كل ما عاشوه من تجربة سياسية، منذ نشوء الدولة في العشرينيات من القرن الماضي، وما خاضوه من معارك وطنية ضد الاحتلال الأجنبي، وما نجم عن ذلك من نهضة سياسية، ومن انتشار للأحزاب والنقابات والأفكار الجديدة، وكذلك كل ما قدموه من تضحياتٍ، في صراعهم المرير والدامي ضد الديكتاتوريات، الأولى والثانية والثالثة، ثم ضد حكم عائلة الأسد الهمجي، وكل مشاركاتهم السياسية والعسكرية في قضايا العرب الكبرى الفلسطينية والقومية، وما حفلت به ثقافتهم الحديثة من إبداعات في كل العلوم والآداب والفنون، وما أنتجه كفاحهم الطويل من أفكار وأحلام وتطلعات من أجل الحرية والكرامة والمشاركة والتقدم، لم يكن سوى أوهام أو حلم صيف انقضى.
بل هو يفترض، وهذا هو الأهم، أن ثورة آذار التي جمعت السوريين بالملايين في شوارع مدن سورية وقراها، هاتفين من أجل الكرامة والحرية، بكل اللغات، ومنشدين لكل رموز الوطنية السورية، بصرف النظر عن أصولهم القومية والدينية، لم تكن سوى خداع للذات، وكذب على النفس، يخفي الحرب المقيمة والأبدية بين "المكونات" الطائفية والقومية. وأن حافز السوريين للثورة لم يكن التطلع إلى نهاية الديكتاتورية والقمع والقتل والإرهاب، وفي سبيل انتزاع حقوقهم الإنسانية، وإنما انتقام الأكثرية المذهبية من الأقليات الدينية والقومية، والقضاء على كل مختلف وغريب، لا ينسجم مع الهوية الأصلية. ويفترض، أيضاً، أن ما عرفته سورية، في السنوات الخمس الماضية، لم يكن له علاقة بأي ثورة ديمقراطية أو وطنية، وإنما كان انفجارا للحرب الأهلية الباردة المستمرة منذ عقود، بل قرون طويلة، والتي تتغذى، كما يقول أنصار الأسد، من الأحقاد والضغائن الطائفية المكبوتة من الأكثرية الخائفة على ثقافتها وهويتها التقليدية وجمودها والعاجزة عن مسايرة العصر. وهو يفترض، أخيرا، أن السوريين حمقى، وأن التاريخ عبث، وأن بشار الأسد على حق، وأنه لا علاج لتخلف السوريين، والسنة منهم خصوصاً، سوى بنصب محرقة على امتداد الأرض السورية ووضعهم فيها. وهذا هو مضمون ما يردده قادة مليشيات الأسد السوريون والإيرانيون واللبنانيون والعراقيون وأتباعهم من المثقفين الضالين، وهذا هو خطابهم اليومي العلني والمكتوب. وهذا ما يحصل بالفعل منذ سنوات خمس متتالية. 

عوامل الانقسام

ليس هناك شك في أن خمس سنوات من الحرب الدموية زعزعت المجتمع السوري، ومزقت نسيجه القومي والديني، وعمقت المخاوف وعدم الثقة المتبادلة بين جميع الطوائف والجماعات، بما في ذلك داخل الطائفة والجماعة الواحدة، وليس بينها فحسب. لكن، على الرغم من ذلك، لا يحتاج الأمر إلى عبقرية خاصة، لمعرفة أن شبه "الكانتونات"، القائمة هنا وهناك بالقوة، ليست ثابتة، ولا تترجم، في معظمها، حقائق قومية أو مذهبية، بمقدار ما تعبر عن معطيات عسكرية متحولة، وأن قادة هذه المليشيات أبعد ما يكونون عن تمثيل الجماعات المنحدرين منها، وأن جميع السياسات والخطط التي طبقها النظام وطهران، لتفجير النزاعات الطائفية والإثنية وتغذية غول الإرهاب لم تجعل أغلبية السوريين يشيحون بنظرهم عن أهداف ثورتهم الحقيقية، وهي إسقاط الأسد، والخلاص من كابوس الاستبداد وجميع الاحتلالات الداخلية والخارجية التي ارتبطت به، وأصبحت جزءاً منه، وأنه حتى داخل الجماعات التي نجحت هذه المخططات في استعدائها، بعضها على بعض، ودفعها إلى التناحر، لا تزال الأمور بعيدة عن الحسم، ولا يزال هناك أغلبية ساحقة من السوريين، من كل الطوائف والقوميات، متمسكة بتراث سورية الحديثة وهويتها، وأن مطالب الدولة والحرية والكرامة التي كانت وراء ثورة آذار لا تزال محرك كفاح السوريين على اختلاف تياراتهم، حتى لدى القطاعات التي استعادت تحت النار تضامناتها الأهلية التقليدية، على حساب روح المواطنة وقيمها، وأن جلافة الأسد وحلفائه ومراهنتهم الوحيدة على العنف لم تنقذا رهاناتهم السياسية، لكنهما حكمتا عليهم بالفشل، وسوف تقودهما إلى الانتحار. 
لا يعني هذا أنه لا يوجد تهديد للوحدة السورية، بل هناك عمليات عسكرية في أكثر من منطقة، لا هدف لها سوى رسم حدود الدول الجديدة التي يطمح أصحابها إلى إقامتها على أشلاء الدولة السورية. إنما ليس هؤلاء كل السوريين، ولا يمثلون بالضرورة تطلعات أغلب أفراد الجماعات التي ينحدرون منها. كما أن ذلك لا يعني أن سورية لا يمكن أن تتفجر وتنقسم، بل يكاد موضوع تقسيمها يصبح حديث الساعة في الصحافة والدبلوماسية الدولية. لكنه يعني أن سورية إذا كانت ستتقسم، فليس ذلك بسبب الحرب الأهلية التي دفعتها إليها طغمتها الحاكمة وحلفاؤها، ولا هشاشة بنيانها ونسيجها الوطني، كما هو الحال في كل البلدان الحديثة النامية، ولا نتيجة قرار أحد أمراء الحرب، مهما كانت قوته العسكرية، وإنما إذا قرر المجتمع الدولي والأطراف النافذة فيه تقسيمها. وأفضل مثال على ذلك لبنان الذي لا يزال يحافظ على وحدته الشكلية، على الرغم من 17 عاما من الحرب الأهلية. 

ومن الواضح أن مثل هذا القرار لم يتخذ بعد لدى أي دولة كبرى، لكن فرضية التقسيم، باسم الفدرالية أحيانا، تزداد تواتراً في الأوساط الدبلوماسية الغربية، وتبدو وكأنها الخيار الوحيد المطروح لوقف العنف وبسط السلام والأمن، بعد خمس سنوات من القتل والاقتتال والدمار. وهي، في الواقع، ليست فرضية ولا تنطوي على أي خيار، وإنما تشكل طريقاً للهرب من استحقاق الحرية والديمقراطية والمواطنة لجميع السوريين، واستبداله بإرضاءات رمزية لتطلعات هوياتية وهمية، لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي خداع من المجتمع الدولي، للتغطية على فشل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتأكيد من الدول الكبرى المتنازعة على استهتارها بالمواثيق الدولية، واستعدادها الدائم للإخلال بالتزاماته، وإمعانها في إخضاع مصير سورية وشعبها لأجندة صراعات المصالح الدولية.
ليس الهدف من التقسيم، ولن يكون، كما يدعون، إرضاء جوع السوريين المفترض للهوية ما قبل الوطنية، وحل مشكلة التوترات الطائفية والقومية، بما في ذلك بالنسبة للأكراد والعلويين الذين يطرحون، من دون شك، اليوم أسئلة حقيقية على المدافعين عن مشروع بناء سورية الموحدة المقبلة، وإنما إرضاء جميع الأطراف الدولية والإقليمية على حساب السوريين جميعا، وتحويل البلاد إلى مناطق نفوذ على هذه الطوائف والقوميات نفسها، وإخضاع هوية السوريين الوطنية وهوياتهم الأهلية معا لمصالح هذه الدول الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. وستكون في هذا التقسيم نهاية سورية، في صورتها الوطنية الجامعة والمتعددة الجديدة. وبدل أن نعمل على استعادة دولة كبيرة فاشلة، وإنقاذها سوف يترتب علينا إدارة خمس دول فاشلة ومفتقرة كل مقومات الدول الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية التي تحتاجها، لكي تتحول إلى دولة بالفعل. وفي المدى المتوسط، لن يستفيد أي طرف من هذا التهديم والإعدام السوري، لا محلياً ولا إقليمياً، بما في ذلك طهران، وإنما سيكون الرابح الأكبر داعش وأخواتها، أي روح الضغينة والحقد والانتقام والعنف والفوضى. 
في المقال المقبل، سأبين أن تكاليف التقسيم، الإنسانية والسياسية والجيوسياسية، ستكون أكبر بكثير في سورية من تكاليف إعادة بنائها، حتى لو احتاج الأمر إلى تحقيق بعض التسويات، والقيام بتضحيات من أكثر من طرف، لتحقيق ذلك، وخصوصاً من الأكثرية العربية والسنية التي سيكون تقسيم سورية على حسابها، وبهدف إضعافها وتحييدها، وتهجير القسم الأكبر من أبنائها. - See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/13/%D8%AA%D9%82%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9#sthash.bQH2da21.dpuf

samedi, juillet 04, 2015

داعش، انهدام في الحضارة

لا يشك أحد في أن داعش يشكل، اليوم، تهديدا خطيرا لأكثر من جماعة وطرف، على المستويات، المحلي والإقليمي والدولي، وأنه ليس من الممكن مواجهته، ووضع حد لتهديداته، من دون تعاون عدد كبير من الأطراف، داخل المنطقة المشرقية وخارجها. لكن، من الواضح أن التركيز الكبير على خطره لم ينعكس في أي خطط جدية مشتركة لمحاربته، أو حتى لاحتواء نموه وتهديداته. ولذلك، لا يزال، على الرغم من الإجماع الدولي الذي أثاره ضده، يتمدد ويشن هجمات متوازية على أكثر من جبهة، ويشكل، أكثر من ذلك، مصدر إغراء وإغواء لآلاف الشباب، منزوعي الهوية في الشرق المعدم، وفي الغرب الغني، على حد سواء. 

هل داعش منتج عربي وإسلامي؟
بخلاف ما تشيعه الصحافة والإعلام العالميان، داعش ليس منتجاً عربياً أو إسلاميا بالدرجة الأولى، حتى لو أن عربا ومسلمين هم من يملأون صفوفه، وأن شعوبهم هي التي تدفع الثمن الأفدح لانتشاره وجنونه. كما أن مشكلته لا تختصر في مسألة الإرهاب والتطرف فحسب، ولا يمكن مواجهته، كما تأمل دول التحالف الدولي، بتحييده عن جميع القضايا الأخرى، السياسية والاجتماعية والدينية والجيوسياسية. 

يمد داعش جذوره في عمق المشكلات الوطنية والدولية والاجتماعية غير المحلولة، أو التي تركت تتعفن من دون حل، وهو ينمو في ثنايا وتناقضات السياسات المحلية والدولية لنظام العالم الذي ولد، بعد نهاية الحرب الباردة، وما ارتبط به من انتهاكات خطيرة، بقيت من دون رد، وقوّضت مفهوم حكم القانون، على مستوى الدول ومستوى الإقليم والمجتمع الدولي معاً، وشجعت على استسهال التضحية بالقيم والمبادئ الإنسانية المكرسة في مواثيق الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان، وفي الدساتير الوطنية، في كل مكان. وكان لهذه الانتهاكات الدور الأكبر في زرع روح الكراهية والحقد والانتقام والعدمية عند أعداد كبيرة من سكان العالم، ممن فقدوا الأمل بحياة طبيعية كريمة، وعانوا من ظلم الأجهزة الأمنية، ومن استهتار الدول المجهضة، أو أشباه الدول التي تولت التحكم بشؤون الجماعات وتسييرها، بحقوقهم، وفشلها في تقديم الحد الأدنى من الأمان والاستقرار النفسي والمادي لملايين البشر، والذين وجدوا في حفنة من المغامرين والخارجين على الدين والشريعة والقانون المعول الذي يسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم، وهدم الهيكل بأكمله على رؤوس الجميع.
ليس هناك مثال أكثر تعبيراً عن انهيار الآمال التي علقت على نهاية الحرب الباردة، مما حصل ويحصل في سورية والمشرق. فقد رفع زوال الاستقطاب الدولي والنزاع التاريخي الذي ارتبط به بين نظامين متخاصمين، يطمحان إلى الهيمنة العالمية، من مستوى توقعات الشعوب والمجتمعات، وجعلها تعتقد أن حقبة جديدة من بسط السلام والأمن والتعاون الدولي واحترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي قد ولدت، وأن القضايا المعقدة التي أوجدتها الحرب الباردة، أو ساعدت على تعفنها، ومنها قضية فلسطين، لكن ليس وحدها، سوف تجد، أخيراً، الحل المناسب لها بتعاون الدول وتفاهم الشعوب.
لكن العقود الأربعة التي أعقبت انهيار جدار برلين، بحروبها ونزاعاتها وتدخل الدول الكبرى بشكل أو آخر، وما حدث في أفغانستان وإيران والعراق والبوسنة وبلدان إفريقية عديدة، من مذابح جماعية وعمليات إبادة موصوفة، وما يحدث في سورية وليبيا والمشرق عموما اليوم، ومنذ خمس سنوات، من مجازر وجرائم وصلت إلى حد استخدام الأسلحة الكيماوية، قد أسقطت كل الأوهام، وأظهرت أن ميثاق الأمم المتحدة الذي التزمت به الدول، وأقر حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق المدنيين بالحماية وبالتضامن ضد جرائم الحرب والإبادة، لم يكن سوى حبر على ورق، وأن عمليات القتل المنظم والمبرمج وعمليات التطهير القومي أو الطائفي أو الديني لم تصبح أبداً من الماضي، ولا يكاد مرتكبوها يخشون أي عقاب، بينما يقف المجتمع الدولي مكتوف اليدين، عاجزاً عن القيام بأي رد فعل عملي. هذا يعني أننا على الرغم من الضجيج الإعلامي والبيانات الدبلوماسية واللقاءات والمؤتمرات ودعوات التعاون والحفاظ على السلام والاستقرار، لا نزال نعيش في مجتمع دولي تحكمه القوة، ويكاد يعترف رسمياً بحق الفتح والغزو. 

لا يمس تقويض معنى القانون والتضامن الإنساني منظومة الأمم المتحدة العاجزة وحقل العلاقات الدولية فحسب. نجد صورة أكثر سوداوية له في حقل العلاقات الإقليمية في أكثر من منطقة وقارة. وهنا، أيضاً، تبرز حالة المشرق والشرق الأوسط عموما حالة استثنائية في الاستهتار بحقوق الشعوب وأمنها واستقرارها والمحافظة على مستقبل أجيالها. ولا تكاد توجد هنا حدود لإرادة السيطرة والعمل بجميع الوسائل العسكرية والاقتصادية والسياسية والدينية، من أجل كسر التوازنات القائمة وتقويض حياة المجتمعات واستقرارها، وسرقة مواردها، بما في ذلك أرضها وتراثها، إلى درجة لم تعد تخشى فيها الدول الطامحة في زيادة وزنها ونفوذها من الإفصاح عن إرادتها و"حقها" في بسط سيطرتها على هذه الدولة أو تلك، أو إلحاقها بشكل علني بها، أو محو الحدود وإعادة بناء إمبراطوريات بائدة تعود إلى (ما قبل التاريخ). كما أن الشعوب التي أملت أن نهاية الحرب الباردة سوف تخفف من الضغوط الخارجية، وتسمح بولادة موجة جديدة من التحولات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لم تجد أمامها سوى تعزيز النظم المافيوية، والمزيد من التسلط والنهب والقهر وخرق القانون، أو تعليقه بشكل رسمي، من خلال قانون الطوارئ، وأخيراً في تنظيم حروب أهلية وبرمجة القتل المنظم وحصار التجويع والدمار الشامل الذي تقوم به أنظمةٌ، كانت تحظى بدعم الغرب وروسيا والصين، في الوقت نفسه، ولا تزال. واليوم، يقف الشرق الأوسط كله في طريق مسدود، وعلى شفا حرب طاحنة، تهدد بالقضاء على مستقبل المنطقة بأكملها، إن لم تكن قد قضت عليه بالفعل.

داعش وتقويض حكم القانون
داعش ليس ثمرة وجود آلاف الأفراد المتعطشين لسفك الدماء والخارجين على القانون في بلدانهم، والناقمين على السلام والأمن الدوليين، والمطلوب قنصهم وتصفيتهم، فحسب. إنه الابن الشرعي لتقويض حكم القانون واستسهال هدر حياة الإنسان والتضحية بالملايين لأتفه المصالح، وتمريغ كرامة البشر بالوحل، وإخضاعهم بالقوة، وإذلالهم بالعنف والاحتيال. وفي الوقت نفسه، الرد الصاعق عليه بسياسات أكثر همجية، تجعل من الهدر المسبق لحياة الإنسان، وتقويض الأمن والسلام والاستقرار في العالم، المبدأ والغاية والمصير والقانون. هذا يعني أن داعش ليس ابن الماضي، وما بقي في تراث الشعوب من قيمه البدائية، ولا ابن القرن الماضي وخبرته الاستعمارية الأليمة وحساباته المعلقة. إنه الوجه الهمجي لنظام حضارتنا القائم اليوم، وتناقضات مبادئه وممارساته، وقد تحول إلى دولة مسخ، وصار يحلم بإرساء أسس مدنية وحضارة مبدأها الاستهتار بحياة الإنسان. هو ابن الخوف والرعب الدائم الذي كتب على ملايين البشر بسبب تغول الدول الأكبر، وطمع الدول الطامحة إلى العظمة في تعزيز أمنها على حساب أمن الآخرين ووجودهم، وتجاهل مصالح وحيوات ملايين البشر الذين تركهم نظام نيوليبرالية العولمة الجديد على قارعة التاريخ، من دون أمل ولا مستقبل. إنه الانهدام الأخطر داخل (نظام العالم الجديد) الذي وعد بمستقبل زاهر، ولم يأت إلا بمزيد من الظلم والقهر والاستهتار بحقوق الناس وهدر حياتهم وحرياتهم. داعش هو الخلاصة المكثفة لسياسات الغزو والإبادة الجماعية والتهجير والحكم بقانون الطوارئ والأحكام الاستثنائية، والفساد المالي، ومراكمة الثروة وسرقة الموارد وهدرها على حساب التضامن الإنساني وحريات الأفراد وحقوقهم، والرد الوحشي عليها، في الوقت نفسه.
من الطبيعي أن يكون هذا الانهدام في الحضارة الأعنف والأعمق في الشرق الأوسط على قدر المظالم والاختلالات والتفاوت في الحقوق والمصالح والثروات وتناقض الوقائع مع الآمال والتوقعات: انهداما في الروح والعقيدة والمذهب، وانهداما في العلاقات الوطنية والاجتماعية، وفي الدولة، فكرة ومؤسسة، لصالح المليشيات المتطرفة وغير المتطرفة الدينية والقومية والعشائرية والطائفية، وفي منظومة العلاقات الإقليمية التي تحدد قواعد تعامل الدول مع بعضها في المنطقة، واحترام كل منها سيادة الأخرى، وفي علاقة المنطقة بأكملها بالمجتمع الدولي الذي انسحب تماما من المشرق، وتركه فريسة صراع القوة المجردة، وحروب الاستنزاف والموت الجماعي المبرمج. وأخيراً انهداما في منظومة حقوق الشعوب والإنسان التي أقرت المساواة والعدالة والأخوة والتضامن الانساني ضد حروب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات المتكررة للحق والقانون. يكفي أن نتابع ما يجري منذ سنوات في سورية وليبيا واليمن وغيرها، وما يكتب حول مصيرها وتقسيمها أو اقتسامها ومستقبل شعوبها، حتى ندرك أننا لا زلنا نعيش في القرون الوسطى، وأن "قانون" القوة المجردة والعنف البدائي وحده الذي يقرر، اليوم، وفي هذه المنطقة، مصير الأفراد والجماعات والدول والأقاليم.
لأن الحكومات المسؤولة تدرك أن داعش ليس مسألة تطرف وإرهاب فحسب، وإنما هو أكثر من ذلك، ولا يمكن مواجهته من دون معالجة الثغرات الخطيرة في بنية نظام العالم الراهن المنتج كل أشكال الهمجية، للجوع والفقر والخوف والتشرد والموت، مثل ما ينتج السلام والأمن والرفاه والرخاء، إن لم يكن أكثر، والذي يراكم من الخيرات بمقدار ما ينتج من النفايات والبؤس، النظام الذي يدعي تأسيس حكم القانون والتضامن الإنساني، ولا يتردد في فرض نفسه بالقوة المجردة والتدخلات الهمجية والاحتيال. أقول، لأنها تدرك صعوبة حل مشكلة داعش، مع الحفاظ على السياسات الفاسدة نفسها، فهي تحجم عن أي التزام جدي بمواجهة داعش، وتترك الأمر للشعوب المعدمة، بعد أن قوّضت توازناتها ومزقت نسيجها سياسات السيطرة والسطو والتهميش والابتزاز التي كلفت بها عملاءها المحليين الصغار. باختصار، إنها تتخلى عنها للإرهاب، وتحكم عليها بالحرب الدائمة والدمار والموت. 

شيطنة داعش هي أفضل وسيلة لتبرير الهرب من مسؤوليات مواجهته، ورمي المسؤولية على الآخرين، أولئك الذين كانوا، ولا يزالون، ضحاياه الحقيقيين. هكذا يتحول داعش إلى خطيئة أصلية قادمة من خارج التاريخ والعالم والعقل، كعفريت خرج من قمقم الدين من دون إنذار، لا قبل لأحد ولا لدولة في مواجهته، أو حتى وضع حد لشهوة القتل التي تسكن أعضاءه. ولا يهدف التركيز المتزايد عليه كأجندة شبه وحيدة للسياسة الدولية، مع غياب أي مبادرات عملية لوقف تمدده، إلا إلى تجنيب السياسات الفاسدة التي تكمن وراء ولادته ونموه الصاعق أي نقد، وإلى الحفاظ من دون تغيير على ضيق أفق الأجندات القائمة على تعظيم المصالح القومية ومنطق الهيمنة وتراكم الثروات والمكاسب الفئوية، على جميع المستويات المحلية والوطنية، الإقليمية والعالمية، على حساب الآخرين.
داعش هو مختصر ثقافة الأنانية والعنف والقهر والإكراه ومستنقع إعادة إنتاجها في الوقت نفسه. إنه الثمرة المرة للاستقالة الجماعية والتخلي عن قيم التضامن الإنساني وهدر الحياة الإنسانية والكرامة البشرية. ليس مستغرباً بعد ذلك أن نجد بين الدول من يطالب بالتحالف مع النظم البدائية والهمجية نفسها التي كانت وراء نشوء داعش، وأحيانا خططت له، لوضع حد لتمدده، مع التأكيد على أن أحداً لا يعرف متى يمكن القضاء عليه، بل في ما إذا كان ذلك ممكناً حقاً.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/3/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A7%D9%86%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9#sthash.CwUVLM6V.dpuf

lundi, juin 22, 2015

النخبة المستنيرة والشعب المتوحش


في مقاله العميق أدونيس ونهاية عالم يترنح (المدن 23/02/2013)ليس المقصود ولا المهم في تحليل بكر صدقي ادونيس كشاعر ولا كإنسان لكن ما يمثله من نموذج متميز لنمط من الوعي النخبوي الذي سيطر على اذهان شرائح واسعة من النخب الاجتماعية العربية وسمح باستمرار الاستبداد وحكم القهر والتعسف بتحويله محور النقد من النظم والنخب السياسية الفاسدة والجائرة الى الشعب اي الى الفرد البسيط المجرد من اي سلطة وحق والمحكوم بالعنف. وهذا لاينطبق على من يسمونهم بالعلمانيين فحسب وإنما يشمل شرائح واسعة ممن يسمون بالاسلاميين. وخلاصة الدرس لهذا الوعي هي: المجتمع مخطيء وهو المسؤول عن بؤسه حتى لو كانت القيادة سيئة، . والنتيجة : ١-تجنيب النخبة السائدة المثقفة والاقتصادية والسياسية والادارية والدينية اي مسؤولية عن البؤس والفشل والخراب الحاصلان، وقلب الامور بحيث لن يعود المطلوب تغيير القيادة والسياسات الفاسدة التي تطبقها والتي اوصلت البلاد الى الطريق المسدود وإنما تغيير الشعب. أو على الأقل شل إرادته ومنعه من أي تأثير على مصائر البلاد. وهذا ما تجسده اليوم استراتيجيات الحروب الأهلية التي تهدف الى إلغاء الشعب ككيان وكمفهوم سياسيين من خلال إعادته إلى بناه الأهلية القبلية والطائفية والعشائرية والمناطقية، وهي نفس الاستراتيجيات التي وصلت في سورية الى مستوى الإبادة الجماعية الحقيقية للبشر ووضع مشاريع تغيير البنية السكاتية وتدمير المجتمع ماديا، بوصفها الحل الجذري لتمرد الشعب "الجاهل والمتوحش".

لعنة الطائفية؟ العربي الجديد


يخلق الخوف المتزايد من الطائفية وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية من دون ان تسطيع فعل اي شيء. وبقدر ما يفقد هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة التي تتبارى في اتهام بعضها البعض بإخفاء النوايا والرهانات الطائفية يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله في إمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد ويفرض عليهم مصيرا مشتركا.

التعددية في المجتمعات
والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكا لمخاطر حقيقية وحتمية بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي والوطني المحلي الذي اتجه في سعيه لإقامة دولة وطنية حديثة وإضفاء المشروعية السياسية عليها إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج بدل بناء مفهوم المواطنة والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط تحقيقها وهي الحرية والمساواة القانونية وحكم القانون الذي لا تقوم من دونه أي مواطنة ولا رابطة سياسة، أي وطنية. وقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية بالرغم من حديثها المكرور عن الدولة الوطنية الحديثة، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية الواحدة والأصول التاريخية المشتركة. وهكذا حولت الوطنية من حقوق وواجبات وممارسات ملموسة تخص كل شخص وتقرر مصيره، إلى ايمان بعقيدة سياسية قومية جديدة. وكانت النتيجة مضاعفة في السوء : تحويل الوطنية إلى مسألة هوية وتوليد نزعة وطنية انصهارية صماء تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية سياسية، ووضع القومية كهوية جديدة في تنافس مع الهويات الأهلية الطائفية أو القبلية وبموازاتها. وهكذا أصبح التعدد الطائفي الذي ينبغي أن ينظر إليه على أنه ثروة وطنية بدل أن يعاش كعاهة مجتمعية يبدو وكأنه نقمة إلهية أو طبيعية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته المجتمعات منذ قرون وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية بما تعبر عنه من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والاسلامية، وضعا نشازا أو تعبيرا عما ينبغي تسميته الخطيئة الأصلية، يميز المجتمعات العربية ويفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية ويحط من قدرها وقيمتها الجوهرية.
والحال ليس تعدد الطوائف ولا استمرار البنيات العشائرية هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية، ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني وتقدم مسارات التحويل الديمقراطي. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة، ويمكن تخفيضها جميعا إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية وغيرها. وما لم تتعرض الهويات الأهلية لتحديات كبيرة، ومحاولات عدائية، تبقى التناقضات الاجتماعية أو الاقتصادية أكثر حدة من الخلافات الدينية والقومية في كل البلدان والأحيان. كما أن المجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية اليوم طائفيا وعرقيا من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموما يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية التي تبدو في هذا المنظور مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية. وهذا التعدد الواسع في المجتمعات الأسيوية يعكس تراكما تاريخيا طويلا للثقافات والقوميات، ويعبر، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار وما يرتبط به من نمو قيم التسامح والتعايش، وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات، وما يفرزه من هامش تسامح فردي وجمعي، هو الذي يدفع إلى نشوء التعددية بقدر ما يسمح بنشوء الهويات المتمايزة أي بالتغاير داخل المجتمع الواحد بين مجموعات الرأي والثقافة، وكذلك بقدر ما يؤلف قوة جذب كبيرة للجماعات البعيدة، وبشكل خاص للجماعات المضطهدة والمقهورة في المناطق الأخرى "المتأزمة".
ولا حاجة للذهاب بعيدا لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة أو المغايرة سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية التي تستقطب القسم الأكبر من مهاجري جميع الجنسيات، بسبب ما يسود في هذه الدول من ازدهار اقتصادي وتسامح فكري وتنوع عقائدي، أي من تقدم المدنية. وهم يعززون من طابع هذه المجتمعات التعددي، في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية مثلها مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى إلى تعزيز الطلب على التجانس وكبت التنوع والخوف من التمايز حتى داخل الطائفة أو الجماعة العرقية أو الدينية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم في المدنية ولا التشكل الوطني ولا التسامي الديني بأي حال.
إن استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة يعكس ثقة المجتمعات بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج، ومتانة مؤسساتها السياسية والاجتماعية، بينما يعبر طرد الأقليات بصورة مقصودة أو غير مقصودة عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس عند المجتمعات الطاردة وتهافت مؤسساتها الدستورية والاقتصادية والاجتماعية. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية أو دينية متجانسة دور كبير في خلق شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ، وبالتالي لنشوء الدول ورسوخ الحضارة في منطقة من المناطق، تشكل الأقليات المنفتحة باستمرار وبشكل أكبر على الخارج، بسبب اختلافها ووجودها العابر غالبا لحدود البلدان، ناقلا استثنائيا للمكتسبات التقنية والعلمية والفكرية، وبالتالي حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.
والقصد، إن التعددية بكل وجوهها وأشكالها ليست خطأ تاريخيا ولا بنية نشازا ولكنها الأمر الطبيعي والشائع أيضا في أي مجتمع متمدن لا يمكن أن ينحدر في منطق انتظامه إلى مستوى منطق الأسرة أو العشيرة أو الطائفة الواحدة. وقد كانت الطوائف موجودة دائما في المجتمعات العربية، وستظل موجودة في المستقبل. وهي موجودة ايضا في بلدان عديدة تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وهي لا تشكل، كما تبين ذلك تجربة الهند التي تعج باللغات والأقليات الدينية والعرقية على حد سواء، عائقا امام قيام نظام ديمقراطي. فهي تستطيع أن تتأقلم بسرعة بالغة معه، بل هي لا تستطيع أن تستمر إلا في إطاره ، لما يوفره من أطر ثقافية وقانونية وسياسية تضمن وحدة الجماعة الوطنية على قاعدة الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات وفي الوقت نفسه هامش الحرية والخصوصية التي تحتاج إليه الجماعات الأهلية الدينية أو القومية للحفاظ على البقاء.

الوطنية بين الدولة والهوية

لا تتحول التعددية الطائفية الى مشكلة تهدد الدولة الوطنية إلا عندما تفتقر هذه الدولة لشروط بناء المواطنة كإطار أعلى وأشمل لتفاعل الأفراد، أو تفشل في تأمينها وبالتالي في توليد الروح الوطنية المستمدة من المشاركة في دولة الحرية والحياة القانونية، وهذا هو وضع الدولة الاستبدادية والديكتاتورية. وغالبا ما تحاول هذه الدولة نفسها أن تغذي العصبيات الأهلية أو تعبأها في سبيل تأمين قاعدة اجتماعية مضمونة لها عندما تفتقر إلى برنامج وطني/مواطني حقيقي أو تعجز عن تحقيقه. وتسعى إلى تعبئة بعض العصبيات الأهلية لتخفي فشلها وتؤمن لنفسها العصبية الداعمة كبديل عن الشرعية الديمقراطية والدستورية. ولذلك أكثر ما تترسخ العصبيات الطائفية والعشائرية وتتحول إلى بديل للانتماء الوطني في ظل النظم الاستبدادية التي تلغي الحريات وتنزع فيها النخبة الحاكمة إلى كبت الاختلافات والتمايزات بالقوة والقهر لتخفي الطبيعة الاهلية والطائفية لخطة سيطرتها الأحادية. في هذه الحالة لا يبقى من الوطنية سوى التأكيد الخارجي على الانتماء لثقافة أو هوية مشتركة أو تاريخ واحد، وتتطابق فكرتها مع العصبية الأهلية الدينية والطائفية، وتتنازع معها على ولاء الأفراد وانتماءاتهم، وتطلب منهم أن يؤمنوا بها، فتتحول الوطنية إلى هوية شبه إلزامية تتنازع مع الهويات الأهلية بدل أن تكون علاقة جديدة مؤسسة لحرياتهم وضامنة لممارستهم حقوقهم وكافلة لالتزاماتهم بواجباتهم تجاه الجماعة والدولة.
والواقع من الصعب للتمايز المذهبي أو الإتني أن يتحول إلى عصبية مناقضة أو معادية للوطنية الجامعة، وبالتالي أن يحظى بقيمة تبادلية سياسية، إلى جانب قيمته الاصلية كمكون لهويات خصوصية، ما لم يحظ باهتمام النخب السياسية والثقافية وتوظيفها له في الصراع على السلطة. وهذا ما يميز نظام الملل الذي طبع بنية المجتمعات الوسيطة بما يمثله، بصرف النظر عن المراتبية، من اعتراف رسمي بالتنوع الديني والمذهبي، وحرية ممارسة شعائرية منفصلة عن السياسة إلى حد كبير، عن نظام الطائفية الذي ولد مع نشوء السياسة الحديثة وعلى النقيض من مفهوم السياسة الوطنية المتعاملة مع أفراد الشعب بصرف النظر عن انتماءاتهم الأهلية. فالعصبية الطائفية تتميز عن الشعور بالهوية المذهبية في أنها عصبية موجهة نحو هدف سياسي واضح، وهو تأمين رصيد إضافي لجزء من النخب الوطنية يعزز حظوظها في المعركة السياسية المفتوحة من حول الدولة والموارد العامة. فهذه المعركة هي التي تدفع إلى شحن التمايز المذهبي والقبلي بقيم جديدة وتبدل في هويته ومضمونه. ومن دون ذلك لا تنتج التمايزات الثقافية والأقوامية من تلقاء نفسها مكافئات سياسية ومواقف جماعية متماثلة. فلا يتقدم الولاء المذهبي بشكل عفوي على الولاء للدولةـ لا في الدولة الملية الماضية ولا في الدولة الوطنية الحديثة. كي يحصل ذلك لا بد من تسييسه وأدلجته وربطه بأهداف تختلف كليا عن أهداف العبادة والايمان. وهذا من عمل النخب السياسية والاجتماعية وفي سياق صراعها للسيطرة ولا يتحول إلى أزمة تهدد الهوية الوطنية نفسها إلا عندما تقود أزمة السلطة إلى تفكك هذه النخب وانهيار العهد الوطني الذي كان يوحد أطرافها.
والسؤال الذي يطرح عندئذ هو ما الذي يفسر تفكك النخبة الوطنية في ظرف ما وانقسامها على أسس طائفية، بدل سعيها إلى تكوين نخبة وطنية واحدة، تعكس في وحدتها نفسها مشروع توحيد المجتمعات المتعددة الطوائف على أسس سياسية، أي تكوين رابطة وطنية؟ الجواب هو أنه لا توجد أسباب واحدة لتفكيك النخب الوطنية. قد يحصل هذا التفكيك نتيجة انهيار الدولة وسقوطها كما كان عليه الحال في أوروبة الشرقية بعد انهيار الشيوعية ونهاية عهد الوصاية السوفياتية. وقد يحصل بسبب ضعف الدولة واختراقها من قبل القوى الخارجية المحيطة، دولا او جماعات دينية أو إتنية، كما هو الحال في لبنان، وقد يكون نتيجة احتكار نخبة من أصول مذهبية أو إتنية واحدة او شبه واحدة للسلطة والقرار وحرمانها النخب الأخرى من حقها في المشاركة أو الانتقاص الواضح من ممارسة هذا الحق، كما هو الحال في معظم الدول العربية التي تسيطر فيها نخبة قبلية أو عائلية أو مذهبية على القرار، بواجهة وطنية واحيانا من دون واجهة وطنية شكلية على الإطلاق.

أساس الحرب الطائفية فساد السياسة الوطنية

هذا يعني أن آليات توحيد النخب الوطنية ودمجها في إطار واحد مرتبطة هي ذاتها بوجود مشروع بناء أمة وجماعة وطنية >سياسية<. وهذا المشروع لا يوجد من تلقاء نفسه ولا نعثر عليه في الطبيعة كما هو وإنما هو ثمرة جهد فكري وسياسي منظم لبناء علاقات الوحدة من قبل النخب أو اجزاء منها ومن قبل القادة الوطنيين الكبار. ولا يمكن ان يتقدم إلا بمقدار ما ينجح هؤلاء في تأسيس قواعد هذه الوحدة الوطنية، من أسس دستورية ومساواة قانوية ومشاركة فعلية لجميع أبناء الطوائف والقبائل والعشائر والقوميات على قدم المساواة،. فالوطنية كرابطة فوق قومية وفوق طائفية هي الثمرة المباشرة لتوسيع دائرة المواطنة وتطبيقها بوصفها مشاركة في بناء الدولة الحرة لأفراد أحرار ومتساوين، وبالتالي كمشروع مشترك وجامع وصاهر أيضا لكل النخب ومن جميع الطوائف والمذاهب. وأصل توحيدها هو الاشتراك في هذا المشروع نفسه، فهي موحدة عليه ومن اجله وفيه.
والحال أن مثل هذه المشروع اصطدم في معظم الأقطار العربية ولا يزال بإرادة السيطرة التي تتجلى عند بعض الفئات الاجتماعية، عسكرية أو أمنية أو بيرقراطية، وتدفعها، حتى عندما لا تكون ذات نزعة طائفية، إلى اللجوء إلى التعبئة الطائفية او تقسيم الرأي العام إلى طوائف متناحرة على مبدأ فرق تسد، من أجل الاحتفاظ بالسلطة واحتكار القرار السياسي، وتجيير الدولة لخدمة مصالحها الخاصة. وإن دلت عملية تقويض الدولة من الداخل على شيء، وهذا هو مضمون ما حصل لدولة ما بعد الاستقلال الوطنية، فإنه يدل على هشاشة ركائز هذه الدولة الدستورية واهتزاز قاعدتها المؤسسية من جهة، وعدم وضحالة تكوين النخب السياسية أو عدم نضجها الكبير وسوء تأهيلها من جهة ثانية. من دون أن يعني ذلك نفي عوامل الاختراق الداخلية والخارجية. فمشروع بناء الدولة الوطنية بمعنى دولة المواطنة المتساوية والمشاركة السياسية العامة، لا يقوم ويتقدم ويتعمق بمعزل عما يجرى حوله وخارج السياق التاريخي الاقليمي والعالمي الحي. إنه تكوينه هو جزء من الصيرورة الجيوسياسية العالمية، وهو يخضع أيضا لصراعات وتوازنات القوة داخل الدول وفي محيطها القريب والبعيد.
الأزمة الطائفية التي تعيشها مجتمعاتنا منذ عقود والحرب المشتعلة اليوم نتيجة انفجارها ليست دينية، ولا يفسرها التنوع الطائفي ولا جهل العامة ولا تخلف رجال الدين. بالعكس تماما إنها النتيجة الطبيعية لبؤس السياسة المستحدثة التي طبقتها منذ نشوء الدولة الوطنية نخب اجتماعية تفتقر إلى ثقافة الدولة ولا ترى في الوطنية إلا عصبية إضافية تضاف إلى العصبيات الأخرى، وتتناقض سيطرتها مع اي التزام بمبدأ الحرية وحكم القانون، سياسة صاغها وخطط لها وطبقها رجال محدودوا الأفق وغالبا جاهلين بحاجات الدول والشعوب، بصرف النظر عن منشئهم، مدنيا كان أم دينيا. وليس لهذه الحرب أي فرصة في أن تستمر من دون إرادة السياسيين

jeudi, juin 11, 2015

احباط الفتنة الطائفية في حوران


احباط الفتنة الطائفية في حوران يشكل هزيمة للأسد لا تقل عن هزائمه العسكرية على طريق إعادة بناء سورية الحرة وكسر الاحتلال.
حاول نظام الأسد، وهو يفقد السيطرة ويراقب عاجزا انهيار حصونه في سورية كلها وأخيرا في اللواء ٥٢ وامس في مطار الثعلة أن يهرب من مصيره باستكمال إشعال الفتنة الطائفية في كل مكان وفتح طريق تقدم داعش في جميع الجبهات وإثارة الفوضى الشاملة التي وعد بها العالم في حال طرده من سورية وبلاد الشام.
وهكذا حاول أن يفعل بقصفه للسويداء ومحاولته استغلال جريمة قرية قلب لوزة الدنيئة التي ذهب ضحيتها عشرين سوريا برئيا بدوافع طائفية محضة.
لكن يقظة الجميع، شيوخ الكرامة وقادة الدروز السياسيين وعلى رأسهم وليد جنبلاط وقادة الجيش الحر وجميع السوريين الوطنيين، أحبطت خططهم وسوف تقود لامحالة إلى طردهم من السويداء نفسها في أسرع مما يعتقدون.
بيان الكرامة وتصريحات قادة الثورة والمعارضة هو خطوة كبيرة على طريق إعادة بناء الإجماع الوطني الذي حاول الأسد تدميره، واستعادة التواصل والتفاهم والثقة بين السوريين، في ما وراء انتماءاتهم الاهلية، الدينية والمذهبية والقومية.
وهذه هي اللبنة الأولى في مشروع إعادة بناء سورية الجديدة نفسها، سورية الحرة، لشعب حر، ومواطنين متساوين. وهذه هي اللحظة كي يعلن جميع السوريين ولاءهم لسورية المستقبل هذه وتخليهم عن سورية الوحشية التي بناها الأسد وأعوانه على دماء السوريين وفي سبيل استعبادهم.
سورية الحرة ستنتصر

مؤتمر وحيد تحتاج إليه المعارضة السورية اليوم

مؤتمر وحيد تحتاج إليه المعارضة السورية اليوم

11 يونيو 2015

يذكّرني تكاثر مؤتمرات المعارضة السورية، وتراجع تأثيرها ودورها معا، بالمؤتمرات التي كانت تعقدها المعارضة نفسها خلال الأشهر الستة التي سبقت تشكيل المجلس الوطني، وكانت تعكس تسابق المجموعات المختلفة على إعلان أبوتها لأي تشكيل جامع جديد، وقطع الطريق على المجموعات الأخرى. ولم ينجح المجلس الوطني في وقف هذه الديناميكية التسابقية، إلا عندما رفضنا الإقصاء، وفرضنا مبدأ التوافق، والتوجه إلى جميع الاتجاهات والتيارات والكتل، لتشكيل جسم تمثيلي واحد. ولم يضعف دور المجلس الوطني ويدخل في موته السريري إلا عندما عادت الأطراف التي شكلته إلى رياضتها التقليدية في التنازع والتسابق على أبوة المجلس، ووضع اليد عليه، أو إقصاء أطراف أخرى، بهدف التسلط عليه، وفي النهاية قتله. 
 

مؤتمرات للتغطية على عجز دائم
المبررات الرئيسية التي تنعقد بحجتها المؤتمرات التي تحولت، في السنة الماضية، إلى رياضة سياسية، وصارت الإنتاج الوحيد للمعارضة السورية، تتركز على أن الاعتراض على الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إما لأنه لا يمثل جميع أطياف المعارضة، أو لا يعبر عن كل فئات الشعب السوري، أو أنه لا يقوم بالمهام الملقاة على عاتقه، أو أنه مرتبط بتيارات وعواصم معينة، من دون أن يراعي مصالح عواصم أخرى وأدوارها. وفي جميع هذه المبررات والذرائع وجهات نظر ليست خاطئة تماما، لكن الوقوف عندها، وترجمتها باستبدال الائتلاف، تقود إلى إعادة إنتاج تشكيلاتٍ، تنطبق عليها المآخذ نفسها بصورة أكبر وأشد. 

والحقيقة أن معظم ما يحصل من مؤتمرات باسم المعارضة السورية ينبع من طموح بعض الشخصيات، المشروع أحياناً، للعب دور وتبوّء مركز لم يسمح لها به الائتلاف، أو لا تريد أن تلعبه من داخله، وتجد لدى بعض العواصم الطامعة، أيضاً، في تأكيد حضورها في المناورة الإقليمية والدولية التي تدور على ساحة المشرق، تجاوباً يعكس الاختلاف الكبير في المصالح والتوجهات والمقاربات لدول المشرق ومحيطه. لكن الخاسر الأول من ذلك كله هو القضية السورية والمعارضة التي تفقد صدقيتها، بمقدار ما تتحول إلى معارضاتٍ، تدّعي كل منها شرعية تمثيل السوريين، وتتنافس في ما بينها على كسب ود الدول، وتأمل أن تحظى بدعمها ومساعدتها.
مع ذلك، إذا كانت الدوافع لعقد هذه المؤتمرات، التي تكاد تشمل جميع العواصم الدولية التي أظهرت اهتماما بالوضع المشرقي في السنوات الماضية، هي الطموحات الشخصية، واستغلال بعض الدول هذه الطموحات، فإن استمرارها يعكس أيضا حاجة موضوعية نابعة من تكلس التشكيلات الائتلافية القائمة، وعجزها عن التطور، بموازاة ما يحصل من تغيرات عميقة، في ظروف الصراع على الأرض من جهة، وعلى الفاعلين الرئيسيين، أيضاً. وبالتالي، عن تجديد أشخاصها وأفكارها وأساليب عملها للقيام بالحد الأدنى من المهام التي يفرضها عليها التطور الكارثي للأوضاع السورية والإقليمية. وتشكل المؤتمرات المتجددة فرصة مناسبة للتغطية على العجز، وإظهار تفوق الإرادة، حيث تنعدم القدرة على الإنجاز.
كما كان الحال في الفترة التي سبقت ولادة المجلس الوطني، تحتاج المعارضة السورية، بالفعل، إلى إعادة تشكيل، وإلى انتفاضة داخلية، تخرجها من تكلسها وتكيسها، وتُجدد دماءها، وتطلق قواها وقدراتها، وتحولها إلى أداة فعالة في مواجهة التحديات المتنامية التي يواجهها السوريون، وهم يتعرضون لحرب إبادة حقيقية، أمام صمت العالم، وفي غياب أي إطار تمثيلي معارض، قادر على إبراز معاناة الشعب السوري، وحمل راية كفاحه البطولي المرير، ومواكبة محنته التاريخية غير المسبوقة.
لكن، ما تحتاج إليه المعارضة السورية لتخرج بنفسها من الموت السريري، وتتحول إلى فاعل في الساحة السورية هو تماما عكس ما تقوم به شخصياتها وتجمعاتها اليوم، والتي تكاد كل طائفة منها تكرر ما تقوم به الطائفة الأخرى، في الفكر والعمل والطريقة والأداء، وفي الوثائق والبيانات التي تصدرها، والتي تكاد لا تتميز بعضها من البعض الآخر، إلا بركاكة متساوية في اللغة والأسلوب، وخصوصاً في الأهداف التي تتركز جميعا في طموح كل واحد منها إلى أن يكون حصان السباق في يد هذه العاصمة، أو تلك، لنيل الشرعية والدعم الدولي، واستقطاب المعونات والمساعدات.
بالعكس، ما ينقص المعارضة السورية هو مؤتمر تركيبي، وليس مؤتمرات تجزيئية أو تقسيمية، تزيد من عدد التجمعات المتنافسة والمتسابقة إلى تحقيق مهماتٍ، يفترض إنجازها قبل أي شيء آخر وحدة موقف المعارضة وتفاهمها وتعاونها وائتلافها ويمتنع بانقسامها. فأكبر ما تواجهه المعارضة من تحديات هو التحدث مع السوريين، وباسمهم، بخطاب واحد ولغة واحدة، والتعبير عن مطالبهم في التحكم بمصيرهم ومستقبلهم، ووقف التلاعب الدول والعواصم المتنازعة بمصيرهم، وتمثيل إرادتهم الموحدة في وضع حد للحرب وللنظام المتهالك وتجسيد إرادة العيش المشترك والتفاهم الوطني، والعمل لإعادة بناء سورية الحرة المستقلة الديمقراطية السيدة. ويتطلب هذا كله وجود قيادة سياسية، أي تعاوناً واتفاقاً في الرؤية والمنهج، ويتنافى مع التنافس على اقتسام تمثيلها أو التنازع على شرعية هذا التمثيل، والتسابق إلى تقديم الخدمات للدول والأطراف الدولية بين الأشخاص والقوى والفصائل والتكتلات والمؤتمرات التي تكاد لا تنتهي في عاصمة، حتى تبدأ في أخرى. 

فلم يعد يخفى على أحد أن سورية، بعد أن تم حسم موضوع بقاء الأسد ونظامه، وخسرت طهران وحلفاؤها الحرب، مقبلة على حقبة جديدة. وأن معظم الجهود الدولية والإقليمية أصبحت متركزة بصراحة، اليوم، على التفكير في مرحلة ما بعد الأسد، ومتمحورة حول وسائل مقاربتها وتقاسم الأدوار فيها، وأنه لم يعد لدى الأطراف شاغل سوى ترتيب أوراقها، وبلورة تفاهماتها، وحجز مواقعها في سورية الآتية، وأن الأعمال الحربية الجديدة نفسها التي تهدد طهران بتطويرها لصالح حماية الأسد من السقوط قد تحولت إلى وسيلة ابتزاز، للضغط على مفاوضات الحل، أو وسيلة للتموضع استباقا لها. وهذا هو أصلا أحد الدوافع الرئيسية لتنظيم المؤتمرات والاجتماعات التشاورية التي تحاول، من خلالها، بعض الأطراف، الدولية والإقليمية، أن تنتزع لنفسها موقعا في المعارضة، أو أجزاء منها، تعزيزا لدورها، وتوسيع هامش مناورتها الدبلوماسية، قبل بدء المفاوضات السياسية الرسمية المنتظرة.

بين صراعات الزعامة والإعداد للانتقال السياسي
في المقابل، لايزال التفكير في طبيعة هذه المرحلة الجديدة والإعداد لها بالكاد يبدأ في صفوف قوى المعارضة المسلحة والسياسية. ومن المحتمل، إذا لم ننجح في إدراك شروط الصراع فيها، والمهام التي يتوجب علينا القيام بها لمواجهة تحدياتها، أن يكون الشعب السوري، على الرغم من التضحيات غير المسبوقة التي قدمها، الخاسر الرئيسي فيها، وأن يحل تقسيم مناطق النفوذ بين الأطراف الإقليمية والدولية محل مشروع إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، على قاعدة المبادئ والتطلعات التي ألهمت الشعب السوري ثورته وتضحياته غير المسبوقة، في الحرية والكرامة والسيادة، وأن يكرس التفاهم الدولي والإقليمي مبدأ تقاسم المصالح بين القوى الخارجية على حساب مصالح السوريين، ووحدة إرادتهم وأرضهم وإعادة بناء وطنهم المدمر، واستعادة سيطرتهم على مصيرهم ومستقبلهم.
إعداد المعارضة المسلحة والسياسية لمواجهة هذه الحقبة التي سوف يتوازى فيها التصعيد العسكري غير المسبوق والقتل الهمجي، كما تشير إليه مجازر النظام في الأيام الماضية، من دون أي رد فعل دولي، حتى ببيانات الإدانة، مع أوسع المناورات السياسية والدبلوماسية، لاستباق اختفاء الأسد من الساحة، والتي سوف يتقرر فيها مصير سورية وشعبها، وبالتالي، المشاركة في وضع أسس المرحلة الانتقالية ومؤسساتها، هو ما ينبغي أن يحدد طبيعة المؤتمر الجديد للمعارضة، والذي يشبه في بعض ملامحه مؤتمرها الجامع الأول الذي عقد في القاهرة في 4 يوليو/تموز 2012، والذي أجهضته تلك الأطراف التي رفضت أن تخرج منه أي لجنة تواصل أو متابعة.
لكن، بخلاف المؤتمرات التي دعت إليها، أو رعتها، أطراف دولية، لا ينبغي أن تقتصر أهداف هذا المؤتمر التركيبي، أو التجميعي، على تجديد وثائق المعارضة وتحديثها، ولا على إنشاء بدائل تحل محل التشكيلات القائمة، أو تتقاسم معها النفوذ داخل سورية وخارجها، ولا على إنشاء كيان أكثر تمثيلا أو فاعلية، ولا ترويج مبادرة سياسية أو رؤية خاصة، وإنما ينبغي أن تتركز على تطوير الرؤية، ووضع الخطط العملية، وتوزيع المهام على الأطراف المشاركة، وتنظيم صفوفها ومساعدتها على العمل تحت قيادة واحدة، أي إعدادها لمواجهة احتمالات تجدد الحرب مع مزيد من التورط الإيراني، أو انهيار النظام المفاجئ، أو تقدم داعش في مناطق المعارضة لحساب النظام، وإعداد الخطط للحيلولة دونها وبناء السلطة البديلة، لبنة لبنة، في إطار الحفاظ على وحدة الدولة وفاعلية المؤسسات والأمن والسلام الأهليين.
باختصار، المطلوب مؤتمر تستعيد فيه المعارضة السورية صدقيتها وفاعليتها وتمثيليتها في الوقت نفسه، إذ تكاد تفقدها جميعا، وهي تفقدها أكثر بمقدار تشتتها وتكرار مؤتمراتها وتشكيلاتها المتنافسة والمتنابذة والمتنازعة. ولن يعيدها الجمع الحسابي للقوى، ولا عدد المجتمعين، ولا البحث عن هويات واهية، يسعى، من خلالها، كل فريق إلى التركيز على أي نقطة اختلاف، حتى يبرر استقلاله بنفسه، وتشكيله قطبا إضافيا قائما بنفسه، ولا تشويه صورة الهويات أو التشكيلات المنافسة، ولا التسابق على كسب تأييد واعتراف الدول الصديقة أو الشقيقة، وإنما، بالعكس، تنمية روح الاتحاد والتفاهم، وتطوير آليات التشاور والتنسيق والتعاون والتكامل، ووضع قواعد ثابتة ومقبولة للتعامل بين الأطراف تساعدها على حل التناقضات وتجنب الانقسامات والمنازعات والعمل كقوة وطنية واحدة. ولتحقيق ذلك لا بد للمؤتمر المنشود من:
- أن يجمع الفاعلين، من عسكريين وسياسيين وناشطين مدنيين، أثبتوا في السنوات الماضية وجودهم بعملهم على الأرض، وفي كل الميادين، لا أن يكون تجميعا للموالين، كائناً من كان من يوالونه، شخصاً أم دولة أم حزبا.
 أن يكون هدفه الأول وضع أسس التعاون والتنسيق والعمل المشترك بين الفصائل، وتحديد مرجعيات هذا العمل ومعاييره، وبالتالي، أن يكون هدفه توحيد القيادة، لا أن يكون هدفه تبرير إقصاء الآخرين، أو تحويل فرض قيادة مؤتمر أو شخص أو فصيل على الجميع ودمجهم، بالقوة أو بالوهم، في بوتقته الواحدة. 

 أن يعنى بالإعداد للمؤتمر، من الأول إلى الآخر، بما في ذلك تنظيمه وتحرير وثائقه وتحديد قوائم المدعوين إليه وتعيين أهدافه، لجنة تحضيرية من السوريين المخلصين والنائين بأنفسهم عن المناصب والنزاعات، من دون أن يستبعد ذلك التشاور والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة المنخرطة في الصراع، إلى جانب المعارضة، بل بالتأكيد على ضرورتهما.
 أن يتم التحضير له عبر نقاشات موسعة مسبقة، تجمع بين الفاعلين السياسيين والعسكريين والناشطين المدنيين، بحيث يأتي تتويجا لتفاهم تم الاشتغال عليه، ويصبح جوهر نشاطه المصادقة، ربما مع تعديلات بسيطة، على الوثائق، وتثبيت الالتزامات المتبادلة، وتوزيع المهام المطلوب إنجازها، لتنفيذ خطة حسم الحرب وترحيل النظام القائم، أو ما تبقى من أنقاضه، ووضع النظام البديل.
 أن يزود بوثائق دقيقة ومفصلة ومرتبطة بالواقع، تعد بمشاركة خبراء في كل الميادين، تشمل الرؤية الوطنية لسورية المقبلة، وخطة العمل، والخطوات التنفيذية للانتقال من سورية التوحش إلى سورية المدنية والحضارة، دولة العدالة والكرامة والحرية والقانون.
لا ينبغي للمعارضة السورية أن تضيّع مزيدا من الوقت. فعلى الرغم من التصريحات الانتصارية الاستعراضية لطهران وحزب الله، لم يعد ممكناً لأي طرف، مهما فعل، أن يعيد إحياء نظام الأسد، أو المحافظة على بقائه. فقد تفككت دولته، وانهارت قواته العسكرية، ودب الخلاف داخل قياداته، وفقد جميع مقومات وجوده الأخلاقية والسياسية. ولن تغير القوات الجديدة التي أرسلتها طهران لتعزيز قوات النظام المنهارة في دمشق وحلب، وغيرها من المناطق، ولا الإعلان عن تقلد قاسم سليماني قيادة العمليات على كامل الأراضي السورية، من مصير الحرب، وإن مدّدت في أجلها أشهرا، أو ربما سنوات جديدة، وفاقمت من عمليات القتل والتدمير العشوائية للبلاد. فمصير كل أجهزة السيطرة الاستعمارية التهشيم والدمار. ولن يكون ذلك مستحيلاً على السوريين الذين واجهوا طهران في السنوات الأربع الماضية وحلفائها وهزموهم جميعا.
مطلوب من المعارضة السورية أن تبدأ، منذ الآن، التفكير ببناء نظام سورية البديل، والعمل عليه في كل خطوة وكل وثيقة وكل تحرك تقوم به. وهذه هي أوراق اعتمادها الوحيدة لدى السوريين، أعني تشكلها قوة منظمة قادرة على العمل المتسق والطويل المدى والهادف، بصرف النظر عن الأشخاص وألاعيب السياسة. آن الأوان للمعارضة السورية أن تنضج وتتحرر من هيجانات المراهقة السياسية وارتكاساتها.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/6/10/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%AF-%D8%AA%D8%AD%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D8%A5%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85#sthash.1pzqPqsq.dpuf

mercredi, juin 10, 2015

مؤتمر القاهرة٢: يطعمك الحج والناس راجعة


لا يشك أحد في أن مؤتمر القاهرة٢ للمعارضة السورية قد حقق نتائج أفضل بكثير مما فعل مؤتمر القاهرة١، ومما كان متوقعا منه. فقد أقر أخيرا ولو بصعوبة بالغة بأنه لا مكان للأسد في أي حل قادم للحرب السورية.
صحيح أنه تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا، إنما أن تأتي بعد أن غادر القطار كأنك لم تأت. فلم يعد أحد اليوم لا في سورية ولا في العالم ولا داخل صف النظام نفسه وحماته يعتقد أن النقاش لا يزال حول هذه النقطة، وأن المشكلة تتجسد في دور الأسد. هذه معركة فتحت وانتهت مع إعلان الايرانيين استعدادهم للدفاع عن نظام الأسد حتى النهاية وإرسالهم آلاف المقاتلين المرتزقة الجدد. وانتهت أيضا مع التصعيد المستمر في القتل الهمجي والعشوائي للمدنيين بالبراميل المتفجرة والغازات. والدول الكبرى نفسها التي كانت تسعى إلى تأهيل الأسد لمواجهة داعش لا تتداول اليوم إلا في سبل مواجهة احتمال انهياره المفاجيء. وحتى دي ميستورا صرح أخيرا بأن الأسد لا دور ولا مكان له في أي حل سياسي. موقف مؤتمر القاهرة٢ الجديد خطوة ايجابية كبيرة نحو الأمام لكن لأنها جاءت متأخرة كثيرا عن الواقع أصبحت جهدا ضائعا كمن يجمع كل قوته لخلع باب مفتوح على مصراعيه.
المشكلة لم تعد اليوم: حل سياسي مع الأسد أم بدونه، من يطرح المسألة السورية بهذه الطريقة كأنه يخوض حرب القرن الماضي، المشكلة هي ما الحل بعد أن فشلنا في دفع الأسد إلى القبول بالحل السياسي وتخفيف الخسائر والدمار في البلاد؟
يطعمك الحج والناس راجعة.: هذا هو التعليق الوحيد الذي يستحقه مؤتمر القاهرة٢ في نظر السوريين ضحايا حرب البراميل والغازات السامة والتهجير القسري والتطهير الطائفي.

samedi, juin 06, 2015

تأكيد مجلس الامن قلقه مجددا لن يوقف براميل الموت


عبر مجلس الامن من جديد ببيان صدر امس الجمعة عن قلقه من استمرار الاسد في القاء البراميل المتفجرة على المدنيين وأدانه، وكان قد أصدر في شباط/فبراير ٢٠١٤ القرار ٢١٣٩ الذي طالب فيه القاتل نفسه بوقف القصف بالبراميل وحصار التجويع والسماح بدخول قوافل الإغاثة من دون نتيجة، بالرغم من تهديد المجلس باتخاذ اجراءات إضافية لم تر النور.
ولا أدري أمام هذه الادانة والتعبير عن القلق ماذا نقول: هل نشكر مجلس الامن على تذكره لمحنتنا أم نرثى له أم نترحم عليه أم ندين أعضائه بالتواطؤ مع جرائم الإبادة الجماعية المستمرة في سورية منذ ٤ سنوات باعتراف التقارير الانسانية الدولية.
الأمر الأكيد هو أن مجلس الامن أصبح يفقد من هيبته وصدقيته أكثر بعد نشر أي بيان يتعلق بسورية، من دون أن يستطيع اتباع الأقوال بالأفعال. وعندما يفقد مجلس الأمن من صدقيته يقوض أسس ما كان يسمى في اللغة الدبلوماسية الشرعية الدولية والأمن والسلام الدوليين.
إذا كان الأسد قد دمر بلده شعبا ووطنا وحضارة فإن تواطؤ مجلس الأمن أو تساهل أعضائه مع التزاماتهم واستهتارهم ب "قانونهم" يدمر أسس الحياة الدولية ويفرغ العلاقات بين الدول من أي مضمون أخلاقي، أي إنساني، ليتركها حبيسة المصالح الرخيصة وفي مهب القوة والعنف

lundi, juin 01, 2015

المعارضة السورية أمام تحدي انتزاع السلطة

1 يونيو 2015
برهان غليون

لا يستمر نظام الأسد، لأنه لا يزال قادراً على الصمود، أو لما تبقى له من رصيد عسكري

ومعنوي، وإنما لعدم جاهزية منظومة المعارضة، في نظر الرأي العام السوري والدولي أيضاً، لاستلام السلطة والحفاظ على وحدة الدولة واستمرارها. ولذلك، لم يعد التحدي الذي يواجهه السوريون، اليوم، إسقاط الأسد وتفكيك نظامه، لكن بناء نواة النظام البديل الذي يعيد توحيد الشعب الذي قسمته الحرب، طائفياً وسياسياً وأيديولوجياً، ويضمن بسط الأمن والسيطرة على المليشيات والقوى المسلحة الصديقة والعدوة، وتنظيم شؤون الدولة والإدارة وتوفير الخدمات الضرورية، أو على الأقل الذي يقدم من الدلائل ما يظهر قدرته على ذلك. 
وتجد المعارضة اليوم نفسها أمام فرصة نادرة لاستثمار الانهيار المعنوي والسياسي للنظام، حتى في نظر أصدقائه وحاضنته الاجتماعية، من أجل توجيه الضربة القاضية له، وهي بالتأكيد ضربة سياسية، قبل أن تكون عسكرية. وجوهر ما هو مطلوب منها لتحقيق ذلك، وانتزاع السلطة التي تنتظر من يلمها ويلتقطها، الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية، وتجاوز حالة التنافس والانقسام التي سادت في الفترة الماضية، ووضع قاعدة التعاون والتنسيق والتفاهم والدعم المتبادل محل قاعدة التنافس والتنازع على النفوذ. ليست اللحظة لحظة الانتقادات وسوق الاتهامات والتذكير بالمآخذ المتبادلة، وإنما لحظة التضامن والتعاون والتكتل من أجل سورية الواحدة، وإيجاد الحل المناسب للمعضلات الكبرى التي حالت، حتى الآن، دون انتصار السوريين، وأدت إلى خروج مقاليد الأمور من بين أيديهم، وإلى إضعاف العمل الوطني وإفشال مؤسسات المعارضة الثلاث، الائتلاف والمجلس العسكري الأعلى والحكومة المؤقتة، وسيطرة الدول على مصيرها. 


أربع معضلات 
المعضلة الأولى هي غياب الإجماع والتوافق السياسي، وهذا ما حال دون توحيد قوى الثورة، ووضعها في خدمة مشروع واحد، يشجع الشعب على الالتفاف من حوله. وللأسف، لم تساهم تجمعات المعارضة الكبرى، في المجلس الوطني ثم في الائتلاف الوطني السوري، كثيرا في مساعدة السوريين على تجاوز انقساماتهم، فبدل أن تعمل إطاراً لتجميع القوى وتوحيد الرؤية وتوليد إجماع سياسي، تحولت إلى منتديات مغلقة على أعضائها، وتجاهلت تساؤلات ومخاوف قطاعات الرأي العام السوري بأكملها، كما تجاهلت حاجات الفصائل العسكرية ومشكلاتها. وعندما حاولت الانفتاح، توجهت إلى قوى معارضة ثانوية أكثر هامشية منها، وأكثر بعداً عن مشكلات الشعب وعن الفصائل المسلحة معا، كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة، وأمثالهما. وبقيت تعتمد، في نفوذها ورصيدها، على دعم القوى العربية والدولية، ولم تبذل أي جهد لبناء قوة دعم داخلية، شعبية أو عسكرية، فعلية. ولا يختلف عن ذلك وضع تنظيمات المعارضة السياسية الأخرى التي بقيت تعيش على معارضة الائتلاف أو مناكفته، وتعاني من انفصال أكبر عن حركة الأحداث، وعن التفاعل مع حاجات ومطالب الجمهور والشعب. ولم تنجح المعارضة، بكل تنظيماتها، في تحقيق أي إنجاز سياسي، بعد مؤتمر توحيد مواقفها الذي عقد في القاهرة عام 2012. 


والنتيجة أنها بقيت بعيدة عن التحولات العميقة التي غيرت وجه الثورة ورهاناتها، وعجزت عن مواجهة أكبر شرخ حصل في صفوف الثورة، مع تبلور مشروعين متصادمين ومتنافسين، الجهادي والوطني. وقد غلب على قيادات المعارضة السياسية موقف تجاهل الأمر والتغطية عليه، مع تغذية الأمل بأن يتغلب الشعور الوطني عند الجهاديين على أي مشاعر أخرى. وراهنت على نفوذ بعض رجال الدين المعتدلين للتأثير على بعض القوى الجهادية، أو التخفيف من غلوائها. ومن الواضح، الآن، للجميع أن ما يجمع قوات المعارضة السياسية والعسكرية اليوم هو عداؤها المشترك للأسد، وما يقسمها هو اختلافها على طبيعة النظام البديل. ويوفر هذا النزاع بين المشروعين المتنافيين داخل صفوف الثورة واختياراتها ورؤيتها ذريعة للقوى الداعمة للأسد، والخائفة من التغيير، بمقدار ما يهدد بفتح حقبة حرب جديدة، ربما لن تقل ضراوة عن سابقتها، كما يشكل العقبة الرئيسية أمام بناء تحالف وطني واسع في مواجهة تحديات الانتقال. 
والآن، وصلنا إلى اللحظة التي ندرك فيها أننا لن نستطيع إقناع السوريين، ولا المجتمع الدولي، بقدرتنا على إدارة الدولة، وحقنا في استعادتها من خاطفيها، من دون أن نقرر في اختياراتنا النهائية: دولة وطنية لشعبها من السوريين الذين عانوا أقسى المعاناة دفاعاً عنها، أو مسرحاً لحرب جهادية يشكل الشعب السوري وقودها، وسورية وحضارتها ومدنها ضحيتها الرئيسية. 
والمعضلة الثانية هي التشتت الواسع للفصائل والقوى العسكرية، وامتناعها عن العمل تحت راية واحدة وقيادة مشتركة، تزيد من فاعليتها، وتحد من مخاطر واحتمالات تفجر النزاعات في ما بينها، وتعمل على توحيد جهودها وتنسيقها، للارتقاء بأدائها وتمكين قياداتها من العمل ضمن استراتيجية وخطة سياسية عسكرية شاملة، وتشكيل النواة التنظيمية للجيش الحر التي تسمح بدمج ما يتبقى من الجيش النظامي داخلها، بعد زوال النظام القائم. ويشكل هذا التشتت والتعدد في مراكز القوى والقرار العسكري مصدر خوف وقلق عميقين لقطاعات واسعة من الشعب السوري وللدول الداعمة، أو الرافضة بقاء الأسد، وتعطل إمكانية التوصل إلى تفاهم دولي، لوضع حد للمحنة السورية. وليس من المبالغة القول إن الدول الكبرى تخشى اليوم، بسبب تعدد الفصائل وتباين توجهاتها واحتمالات توسع دائرة نزاعاتها، من الانهيار المفاجئ لنظام الأسد أكثر مما تخشى من استمرار المأساة، خوفا من الانتقال إلى مزيد من الفوضى والحرب الشاملة. 
والمعضلة الثالثة هي الفشل في تشكيل إدارة تتمتع بالحد الأدنى من الفاعلية، وتستجيب لحاجات السكان في المناطق المحررة، سواء ما يتعلق منها بتسيير مرافق الدولة والمؤسسات العامة والمجالس المحلية، أو بتقديم الخدمات والاستفادة من الكوادر والخبرات السورية، فقد كانت مساهمة الحكومة المؤقتة في إنجاز هذه المهام الرئيسية، مثل العدالة والقضاء والصحة والتعليم واستثمار الموارد ورعاية الشرائح المتضررة من اللاجئين والمهجرين والفقراء والمشردين، ضعيفة إلى درجة مؤسية. وقد أضعف هذا الفشل كثيراً من صدقية المعارضة، وشكك في مقدرتها على قيادة الانتقال إلى نظام ما بعد الأسد. وترجع أسباب هذا الفشل إلى تخبط المعارضة السياسية، الممثلة بالائتلاف الوطني، والتنازع المستمر الذي ميز أسلوب قيادته وتعامله مع الحكومة، كما ترجع إلى ضعف الدعم الخارجي المنتظر. لكن، قبل ذلك إلى عجز الحكومة نفسها عن تكوين هامش مبادرة لها، مهما كان محدوداً، تجاه الائتلاف والقوى الداعمة معا، ووجود خطة عمل للاستفادة من الموارد المحلية، وتشغيل الطاقات الموجودة من الكوادر والمبادرات داخل سورية وعند السوريين في كل مكان. 
أما المعضلة الرابعة فتتعلق بالرد على تحدي داعش، وما تمثله من تهديد لمكاسب الثورة برمتها، ومن مخاطر على وجود الدولة السورية نفسها. وفي هذا المجال، لم تبد المعارضة السياسية أي اهتمام يذكر ببلورة موقف موحد من هذا التنظيم الذي عمل بالتنسيق الموضوعي أو المدرك مع نظام الأسد، ولا في صوغ رؤية واضحة للطريقة التي ينبغي أن تواجه بها تقدم هذا التنظيم في مناطق المعارضة المحررة نفسها، واكتفت الفصائل المقاتلة بتبني موقف الدفاع عن النفس في المواقع التي تعرضت للهجوم فيها. وبالإجمال، لا تزال المعارضة مترددة في تقدير إمكانات تطور القوة الداعشية، ومخاطرها على الثورة والدولة السورية نفسها. 



الحوار بين الفصائل مفتاح الحل 
لا توجد حلول أخرى لحل المعضلة السياسية، وتجاوز الشرخ القائم في صفوف القوى السورية المناهضة للأسد ونظامه بين مشروعين، جهادي ووطني، سوى التفاهم، من خلال حوار منظم وطويل بين قادة الفصائل العسكرية المختلفة، والقادة السياسيين، على قاعدة إدارة هذا الخلاف واحتواء نتائجه ومخاطره، على أمل أن يعيد هذا الحوار بناء الثقة بين الأطراف، ويساعدها على تفهم مخاوف وقلق بعضها، والعمل، المضني ربما، لتشكيل حد أدنى من التوافق الوطني. من دون ذلك، سوف تخسر الثورة تضحياتها، ولن يكون من الممكن تحقيق أي انتقال سياسي ذي معنى. ولا ينبغي أن نتوهم، كما نفعل حتى الآن، أن هناك حلا في التصفيات المتبادلة، أو أن هناك في هذا المجال مكانا لتسويات عقائدية، يمكن انتزاعها بالوعظ والإقناع الديني أو الفكري، فالتصفيات، باسم التطرف وغيره، لن تقود إلا إلى تمديد أجل الحرب والنزاع، في وقت يعرف فيه الجميع أن المسائل العقائدية لا تقبل التسويات. 


ما ينبغي تحقيقه، في المرحلة الأولى من الحوار، هو اتفاق على إدارة الخلافات، وتحييد بعض مجالات النشاط السياسي والعسكري والاجتماعي عنها. وهذا يعني أمرين: الأول، الاعتراف المتبادل بشرعية الخلاف العقائدي وحق الجميع في حرية الرأي والاعتقاد، والثاني، الاتفاق على القاعدة التي ينبغي أن تحكم الخلافات وتديرها بشكلٍ يضمن للجميع الاحترام والمشاركة، وفي الوقت نفسه الحد الأدنى من التفاهم والتعاون والتنسيق. وهناك، في نظري، قاعدة واحدة ممكنة لتحقيق هذا الهدف، هي رفض أن يقرر فريق وحده مصائر المجتمع والسياسة والدولة والدين، وجميعها موضوعات يثير الاستئثار بقرارها أو فرض كل فريق موقفه فيها على الآخرين ثوراتٍ لا تخمد، وخير مثال عليها ثورة آذار العظيمة نفسها التي قامت ضد الاستئثار بالقرار، وإقصاء المجتمع والشعب والاستفراد بالسلطة والرأي. وهذا يعني، أيضاً، أنه لا مخرج من الصراع ومخاطر اندلاع حروب جديدة، إلا بالتسليم من كل الأطراف بحق الشعب كمجموع، لا أي طرف بمفرده فيه، في تقرير الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية الكبرى، وهذا ما نسميه السياسة أو السياسات، وتحديد الأسوب الذي يريد أن يسود في حكم نفسه وإدارة شؤونه في كل الميادين. وهذه هي الوسيلة الوحيدة لضمان ممارسة الاختلاف في الرأي مع حفظ وحدة الشعب والبلد وضمان استقرار الدولة وفاعليتها وازدهار العمران. 
بالنسبة لتعدد الفصائل والقيادات ومراكز القرار العسكري، حصل تقدم كبير في الأشهر القليلة الماضية، نتيجة تقارب الفصائل المقاتلة على مختلف الجبهات، وكان له نتائج بارزة على مكاسبها في الميدان. وهناك دول عديدة تسعى، أيضاً، إلى الضغط على بعض هذه الفصائل، لحثها على الالتزام بخطة عمل واحدة، لكن حركة التقارب والتنظيم الموحد لم تتعد المشاركة في غرف عمليات موحدة. ومن الصعب لهذه العملية أن تتقدم أكثر، ما لم تحل المعضلة السياسية التي تقسم المعارضة المسلحة أكثر من المعارضة السياسية، وهي، كما ذكرت، وجود مشروعين معلنين ومتناقضين للثورة على النظام: الأول مشروع الثورة المدنية الذي سعى النظام، بكل قوته، إلى تدمير أسسه، وتشريد حاضنته الشعبية وحوامله من النخب المدينية ونخب الطبقة الوسطى، تنفيذاً لخطته في تصوير الثورة على أنها حركة تمرد طائفية، لعزلها ونزع الشرعية عنها. ومشروع الحركة الجهادية الذي تعزز، مع مرور الوقت، وتوافد المجاهدين الأجانب وتوسع انتشار الثورة داخل الأرياف والمدن الصغيرة، وتلقيها المزيد من المعونات والدعم من المحيط العربي والإسلامي. ويعتقد أصحابه أن قتالهم لم يكن في سبيل تحرير الشعب وتسليمه مقاليد الأمور، وتمكينه من حقه في تقرير مصيره، وإنما في سبيل الله، 


 وبالتالي، تطبيق شرعه وشريعته، كما يفسرها رجال الدين المعترف بهم منهم. 
ولن يمكن النجاح في تجاوز هذا الانقسام أو الشرخ من دون حسم المواقف السياسية، وإعادة العلاقة بين الفصائل والمؤسسات العسكرية القائمة، من غرف عمليات ومجالس قيادة في الجبهات، ومراكز إعلام مرتبطة بها، والتنظيمات السياسية أو الهيئات المختلفة العاملة على الصعيد السياسي، وتجاوز القطيعة القائمة بين القيادات العسكرية والقيادات السياسية والتفاهم على خطة المرحلة الانتقالية، التي ينبغي أن يكون محورها إنقاذ سورية، شعباً ووطناً ودولة، بصرف النظر عن أي طموحات أو تطلعات أو غايات أخرى. 
وغياب هذا التفاهم هو الذي يفسر فشل تجارب تجميع الفصائل المقاتلة في السنوات الماضية، من تجربة المجلس العسكري الأعلى إلى تجربة هيئة الأركان، ثم في ما بعد، وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة. 
وفي ما يتعلق بالحكومة المؤقتة والإدارة، فليس هناك أمل في توفير الحد الأدنى من الإدارة الفعالة، إن لم تقرر الفصائل والتنظيمات السياسية، التعاون معها، ودعمها وتجاوز الخلافات العقائدية والسياسية في التعامل معها، وما لم تقرر الحكومة المؤقتة نفسها أن تلتزم بصلاحياتها التنفيذية، وتكف عن تشتيت جهودها في أي أمور أخرى، كما فعلت حتى الآن. 

وفي موضوع مواجهة تنظيم الدولة، فلا بد من خطة مواجهة دفاعية، في انتظار إنهاء الحرب الأسدية وإعادة تأهيل وهيكلة الجيش والدولة، والاستعانة بعد ذلك بقوى التحالف العربية والدولية. 
 والنتيجة سوف تستمر فصائل المعارضة المسلحة في تحقيق الانتصارات على الأرض، لأن قوى النظام قد تهالكت، ومن المحتمل أن تدفع مكاسبها إلى تقويض استقرار النظام أو انحسار نفوذه إلى منطقة ضيقة، وربما انهياره، قبل أن يستطيع حلفاؤه تقديم الدعم الكافي لمساعدته على الوقوف، لكنها لن تستطيع أن تضمن ولاء الشعب وانحيازه لها، ولا تحقيق التطلعات العميقة التي كانت وراء تضحيات السوريين الهائلة، ما لم تجد الحل لهذه المعضلات، وهو الحل الوحيد الذي يفتح طريق إعادة بناء الدولة، وتوحيد قوى الشعب، ويحيي الأمل في عودة الأمن والاستقرار، ويجنب البلاد حقبة ثانية من الحرب الأهلية بالمعنى الصحيح للكلمة.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/5/31/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9#sthash.u8MefdZ1.yspmumM8.dpuf