samedi, mars 16, 2013


أول دروس الديمقراطية
أكثر ما يسيء لعملنا في جميع مؤسسات الثورة، أو المرتبطة بها او المدعية مثل هذا الارتباط، اعتقاد بعض الأطراف أن لها حق طبيعي في أن تضع يدها على مفاتيح القرار أو في الواجهة أو في مناصب المسؤولية، بسبب ما تتمتع به من مزايا تنظيمية أو فكرية أو مناوراتية، في أي مؤسسة جامعة يتم إنشاؤها. وهي عادة تعرف ما تتمتع به من ميزة مقارنة وتسعى إلى استغلاله أعظم استغلال من أجل أن تهمش الأطراف الأخرى وتنصب نفسها في الواجهة. والنتيجة أن الأطراف الأخرى الأقل تنظيما أو حنكة سياسية بالرغم من كونها غالبا الأكثر إخلاصا للعمل والأبعد عن التنافس وحب الظهور، تجد نفسها مغيبة تماما وفاقدة لحقوقها. ويجد أفرادها أنفسهم محرومين من أي فرصة في أن يظهروا أو يعرفوا عن أنفسهم أو يمارسوا أي سلطة قرار أو نفوذ. ويحيلنا هذا إلى الداء الرئيسي التي تعاني منه مؤسساتنا الجماعة في كل أزماننا : تعميق انعدام الثقة بيننا، وتنامي الشك المتبادل. وبدل أن يصبح أي تنظيم جامع جديد أساسا لتنمية قوانا وتوحيدها ولارتقاء بأدائنا السياسي أو العسكري، بما يرفدنا به من التضامن والتعاون والعمل المشترك، يتحول إلى مصدر إضافي للفرقة والانقسام، وندخل في دينامية الصراعات الداخلية والاتهام والتحييد المتبادلين. 
أكتب هذا الكلام بمناسبة الاجتماع الذي نظمه البارحة في استنبول بعض الأخوة الناشطين من أجل جمع الأطراف الحمصبة مع بعضها وتكوين صندوق واحد لدعم الكتائب وتموينها. 
هناك من يستخدم الانتخابات، باسم الديمقراطية، لتحقيق الهدف ذاته الذي كانت تستخدم الديكتاتورية من أجله، أي ضمان هيمنة فئة واحدة على القرار أو الواجهة أو الاعتراف. مع فارق أن الديكتاتورية تفرض الرأي الواحد بالعنف والقهر والاقتراع الديمقراطي المزعوم أو الملغوم يفرضه بالغش والتلاعب. 
الديمقراطية ليست حجة على التهميش، ولا تستقيم إذا استخدمناها كلعبة للضحك على الآخرين وإخراجهم من المنافسة الجدية، حتى لو حصل ذلك بطريقة ناعمة. وليست شرعية تلك النتائج التي تستمد من انتخابات مغشوشة سلفا لأنها تمثل جمعية انتخابية هي نفسها لا تمثل الأطراف المطلوب توحيد إرادتها وصفها. اذا لم تنتج الديمقراطية إرادة جماعية، أي لم تكن وسيلة لتوحيد إرادة الجميع بما تضفيه من شرعية على أصحاب المسؤولية، أو السلطة أو الوجاهة، الفائزين، بحيث يقبل بها أو بحكمها الخاسرون والرابحون معا، فليس فيها فائدة وليست لها شرعية، ويمكن أن تدفع إلى الانقسام والاقتتال أكثر بكثير من الديكتاتورية الفاسدة.
ينبغي أن يكون هدفنا الأول اليوم توحيد الكلمة وتوحيد الصف، وهذا مقدمة ضرورية لتوحيد السلاح وتنظيم استخدامه وتحسين أداء الكتائب بما يمكننا من التقدم في حسم الصراع الراهن مع النظام وعدم السماح له بتمديد حالة العنف والنزاع والقتل المجاني اليومي. ولا يمكن تحقيق ذلك بالتلاعب بالانتخابية الديمقراطية في ميؤسساتنا الوليدة على هامش الثورة، وإنما هو يستدعي التوصل إلى تسويات بين جميع العاملين، والحصول على رضاهم وقناعتهم، وإزالة الحساسيات القائمة مهما كان مصدرها وسببها بينهم، والتوصل إلى آليات لتجاوزها والدفع بعجلة التعاون والتضامن والتفاهم إلى الأمام.
أكاد اجزم الآن أن إخفاق كل اجتماعاتنا التي كانت تهدف إلى تشكيل إطار جامع، سياسية كانت أم اقتصادية أو ثقافية أم عسكرية، عائد إلى أنها كانت ملغمة من الداخل بسبب إرادة الهيمنة التي تميز بعض الأطراف وتدفعها إلى نسيان أهمية إرضاء الأطراف الاخرى وتشجيعها على التعاون والعمل المشترك. وكانت لذلك تجهل دائما أن وظيفتها الرئيسية هي أن تجمع المختلف لا أن تفرض الواحد على الأخر، وهذا ما يحصل عادة عندما تعتقد فرقة أو مجموعة أنها مؤهلة للقيادة، أو أن الآخرين غير كفء للقيادة، وأنها الأجدر بمواقع المسؤولية والقرار حتى لو كانت أقلية. وجرثوم التسلط هذا، بأي شكل حصل، هو الذي قوض جميع النظم السياسية العقائدية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ
إذا بقينا نعمل بهذا المنطق لن نتقدم أبدا. والأفضل أن تبدأ الديمقراطية عندنا من بلورة آليات الحد من احتمال الهيمنة  المنفردة أو من قدرة أحد الأطراف على فرض سيطرته من دون رغبة الآخرين، وأن نراعي مشاعر الجميع ومصالحهم، أي أن ندرك مخاطر الأنانية الحزبية وهي أسوأ من مخاطر الأنانية الشخصية على أي عمل جماعي. 
لا قيمة لأي اقتراع لا يشعر الجميع بأنه كان نزيها، وأنه حصل في شروط طبيعية وسليمة، أي من دون تلاعب لا في طريقة التصويت ولا في طريقة حشد وتكوين الجمعية الناخبة. ومثل هذه الأعمال هي التي تقوض الفكرة الديمقراطية وتدفع الأطراف الأضعف إلى استخدام العنف في مقابل الغش والتزوير الذي يجيده أصحاب المزايا الخاصة.