mardi, août 24, 2004

تعليق على كتاب النظام السياسي في الاسلام لرضوان زيادة


الدولة في الفكر الإسلامي الدولة الإسلامية.. حقيقة شرعية أم وهم؟
د. رضوان زيادة
24/08/2004
غلاف كتاب النظام السياسي في الإسلام *
مع صعود مد حركات الإسلام السياسي الموصوفة بـ"الإحيائية" لدى مناصريها و"الأصولية" لدى منتقديها، برز مصطلح أخذ رواجا منقطع النظير، إنه مفهوم "الدولة الإسلامية". لقد بدا هذا المفهوم للإسلاميين وكأنه يحقق لهم طموحا أو أملا افتقدوه منذ عقود ولا سيما مع إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924م على يد أتاتورك. لقد بقي هذا المفهوم أشبه بالنموذج المثال الذي يُحدد بالسلب أكثر من تحديده بإحداثياته الخاصة؛ فالنظام الاقتصادي في الدولة الإسلامية -على سبيل المثال- لا يعتمد النموذج الاشتراكي في توسيع القطاع العام وسيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، ولا هو كالنموذج الرأسمالي في إطلاق حرية اقتصاد السوق وانفتاح الأسواق على بعضها، إنه لا هذا ولا ذاك، إنه نموذج خاص بالدولة الإسلامية، لكننا ما نزال -إلى الآن- نفتقد أسسه وفلسفته التي يقوم عليها.
الحركات الإسلامية مدعوة لإعادة النظر في مفهوم "الدولة الإسلامية"
ومع دخول حركات الإسلام السياسي في خصام أو في دوامة العنف مع معظم الأنظمة السياسية في العالم العربي، أو في دخولها في إطار التعددية الحزبية القائمة في بعض الأقطار مثل الأردن والمغرب وغيرهما، بدا أن هذه الحركات مدعوة لإعادة النظر في الكثير من مفاهيمها التي بنت عليها خطابها، وأسُّ هذه المفاهيم هو مفهوم "الدولة الإسلامية" الذي حاول الكثير من المفكرين والمثقفين العرب النظر إليه وفق تاريخيته الزمنية وأصوله المرجعية.
لذلك يحاول برهان غليون في حواره مع محمد سليم العوا حول "النظام السياسي في الإسلام" أن يميز بين ما يسمى بالنظام السياسي في الإسلام ومفهوم "الدولة الإسلامية"؛ فالنظام السياسي يشير إلى مجموعة القواعد والمبادئ والأهداف التي تحدد نمط ممارسة السلطة العامة في المجتمع، سلطة الحكم، أي أسلوب استثمار الموارد المادية والمعنوية التي ينطوي عليها حقل سياسي معين. أما مصطلح الدولة الإسلامية فإنه مصطلح مبتدعٌ حيث يعبر عن تأثر الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر القومي الحديث السائد، ذلك أن هذا الفكر هو الذي يُعطي للدولة هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع؛ لأنه يُطابق فيها بين هوية هذا المجتمع وقيمه ونظامه وغاياته، وهكذا فلم تكن للدولة في الإسلام الأول قيمة إيجابية، ولم يكن لها في الإسلام التاريخي نفسه القيمة التي نميل إلى إعطائها لها اليوم، والتي جاءت بالضبط من السعي إلى التقليل من أهمية الدين، بل تهميشه وخلق بديل عنه.
ولذلك فالصراع اليوم بين الحركات الإسلامية وأعدائها ليس على تعيين حقيقة الإسلام أو على معرفة جوهر رسالته، وإنما يرتبط نزاعهم النظري بالصراع على السلطة الذي يتمحور حول مسألتين رئيسيتين هما: تداول السلطة وعلاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع.
فالحركات الإسلامية تجد في الدين مصدرا مقابلا لشرعية فرض التداول على السلطة، وإزاحة النخب الحاكمة عن مواقعها، وبنفس الوقت فإن مرجعية الدين ودوره في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يشكل أيضا مصدر خلاف حقيقيا بين أنصار الحركات الإسلامية والأحزاب السياسية المنافسة لها.
لكن وبالرغم من الأصول الشرعية والفقهية التي تبني الحركات الإسلامية عليها خطابها، فإن ذلك لا يمنع من نشوء حركة إسلامية ديمقراطية بالمعنى العميق للكلمة كما يرى غليون؛ إذ من شأن هذه الحركة أن تعكس هموم قطاع كبير من الرأي العام العربي الحريص على القيم الدينية، والمتمسك بها، وتعمل مع الحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى على أسس ديمقراطية في التوصل إلى الحلول المطلوبة، لإقامة نظام مجتمعي يضمن المساواة والعدالة، والحريات الفردية لجميع المواطنين.
وإذا كان الكثير من الباحثين يعتقدون بأن الديمقراطية ينبغي أن تكتفي بمصدر الشرعية الشعبية وتنأى بنفسها عن أي علاقة مع الدين، فإن غليون يرى العكس؛ فمحاولات دمقرطة الفكر السياسي الإسلامي يمكن أن تمنح المساعي القائمة لتعزيز فرص التحول الديمقراطي في البلاد العربية: مشروعية إضافية تُساهم في تدعيمها.
فغليون إذن يرفض مفهوم الدولة الإسلامية لاعتبارين: الأول هو عدم مشروعيتها داخل الإسلام كدين، والثاني: أنها شكل من أشكال الدولة الدينية التي تجاوزها الجميع باتجاه الدولة الديمقراطية التي تكفل قيام الحق والقانون، وترسخ مبدأ المواطنية كأساس للتعامل بين الجميع.
وما يمنع العرب من إنجاز دولتهم الديمقراطية، ليس طبيعة التراث الفكري الديني أو العقلي في الحضارة الإسلامية، وإنما يتعلق الأمر بقوانين عمل الديناميكيات الجيوتاريخية السياسية والاقتصادية، ولا سيما إجهاض الثورة الصناعية ومحركها التراكم الرأسمالي في العالم العربي.
نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة.
أما محمد سليم العوا فإنه يقرُّ بداية بأن نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة؛ ولذلك فإن لعلماء المسلمين أن يجتهدوا في شأن هذه الدولة في كل عصر بما يحقق مصلحتهم في عصرهم، ولا يغلق الباب أمام من يأتي بعدهم ليجتهد كما اجتهدوا.
والدولة لدى العوا مرادفة لكلمة الشريعة، التي أثبتتها نصوص صريحة قطعية الورود والدلالة، وأكثرها ظني فيهما أو في أحدهما، وعليه فيكون الفقه المبني على النوعين معا هو الاجتهاد البشري في فهم النصوص القرآنية والنبوية.
لكن قبول العوا هنا لمصطلح "الدولة الإسلامية"، ثم بناء نصه عليه، عبر اجتهاده في قبول التعددية الحزبية وتشريعه لوضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية وغير ذلك يدلنا على أن مصطلح "الدولة الإسلامية" ليس قائما بذاته معينا ومحدد المعالم والقسمات، إذ يمكن -وفقا لذلك- قبول البرلمان، عندها تكون الدولة الإسلامية أشبه بالنظام التداولي، وهكذا يحتفظ العوا بالتسمية لكنه ينفتح باتجاه قبول كل الاجتهادات، بيد أنه من الأفضل له بداية أن مصطلح الدولة الإسلامية ليس تعبديا، وإنما النظام الذي يدعو إليه الإسلام وفق نصوصه المقاصدية يهدف إلى تحقيق المثل أو الغايات العليا وعلى رأسها العمل، ولذلك على المسلمين أن يتوسلوا بأي نظام يحقق هذه المثل، وعندها لن تكون هذه الدولة إسلامية بالمعنى الذي يطلق على الدولة الدينية أو الثيوقراطية، وإنما دولة مدنية تحترم الإسلام في قوانينها وتشريعاتها وتحقق مثله وأهدافه العليا في مبادئها وأطرها العامة.
ويبدو النقد ذاته منطبقا على مفهوم العوا عن التعددية الحزبية؛ إذ يعتبر أنه "لا تثريب اليوم على دولة إسلامية إن هي سمحت بتعدد الأحزاب. وأنها يجوز لها، بل يجب عليها، أن تشترط على هذه الأحزاب الالتزام بقيم الإسلام وأحكامه، ثم تدعها بعد ذلك وما تدعو إليه من برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها".
يبدو عندها مفهوم التعددية ملغيا تماما، ولا يصح إلا على شبيهنا، كما يقول لسان حال العوا، وهذه الحال أشبه بالنظم الشمولية التي تدعي التعددية الحزبية لكنها تربط هذه التعددية بالأحزاب التي تماثلها فكرا وسياسة وعقيدة، وعندها تكون التعددية أشبه بشهادة الزور منها إلى التعددية الحقيقية؛ لذلك يبدو مفهوم التعددية بمثابة المحك الرئيسي الذي يكشف مدى قبول الدولة الإسلامية بالآخر، والاعتراف بالاختلاف المتساوي مع جميع الفرقاء.

mercredi, août 18, 2004

عولمة الديمقراطية أو ديمقراطية العولمة


بعد الضجة الكبيرة التي أثارتها مبادرات الاصلاح الخارجية في سياق البحث عن وسيلة لإضفاء الشرعية على مشروع السيطرة الأجنبية على مقدرات منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية همدت الأمور وصمتت الأصوات جميعا: تلك التي كانت تنادي بالاصلاحات العتيدة في العاصمة الأمريكية وتلك التي كانت تهول في الأمور في أوساط النخب العربية ومحازبيها. وبالرغم من أن هذا التراجع الغربي عن التلاعب بشعارات الاصلاح والديمقراطية حرصا على تعاون الحكومات لم يضعف علاقات التبعية ولا قلل من أثر الهيمنة الأجنبية كما أنه لم يزد فرص الاصلاحات الداخلية إلا أنه أعاد المنطقة إلى السؤالات القديمة ذاتها التي أثارها جمود الأوضاع العربية والتي كنت أعتقد ولا أزال أنه من المستحيل الرد عليها من أفق الخصوصية الإقليمية أو بالأحرى من خارج أفق العالمية. ولعل أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها بعد سقوط غبار هذه المعركة الاصلاحية الوهمية هي أن الحقائق العالمية الكبرى لعصر العولمة قد فرضت نفسها على خصوصيات الأوضاع العربية وبينت أن العالم العربي، بالرغم من كل ما يتميز به وضعه من سمات استثنائية مرتبطة بمسائل النفط وإسرائيل وحساسية الموقع الجيوستراتيجي خضع في النهاية للقوانين العمومية لحقبتنا التاريخية.
وكانت العولمة قد طرحت منذ عقود وقبل أن تتفجر الأزمة الكبرى الشرق أوسطية مسائل التحول الديمقراطي ضمن الاشكالية العالمية على النحو التالي: هل تقود العولمة إلى زيادة فرص التحول نحو الديمقراطية في البلاد العربية كما هو الحال في بقية الدول النامية بل والعالم أجمع؟
وقد برزت في الاجابة على هذاالسؤال وجهتا نظر متناقضتان. تقول الأولى إن العولمة بقدر ما تضعف من سيطرة الدولة الوطنية على فضاءاتها الثقافية والإعلامية الخاصة، وبالتالي بقدر ما تقلل من قدرتها على تكوين قاعدة إجتماعية واسعة من الزبائن السياسيين، وتربط مصير التنمية فيها بالسوق العالمية، لا بد أن تدفع إلى زيادة فرص التحولات الديمقراطية وتوسيع دائرة الانخراط فيها من قبل المزيد من بلدان العالم الثالث ومنها البلدان العربية.
أما وجهة النظر الثانية التي يدافع عنها تيار نقد العولمة، وريث الاتجاهات اليسارية الماركسية والنقدية عموما، فقد كانت ترى عكس ذلك تماما، أي أن العولمة تشكل أكبر تهديد للنظام الديمقراطي، ليس في البلاد النامية فقط ولكن في بلدان الديمقراطية الناضجة والراسخة ذاتها، أعني البلدان الصناعية الكبرى نفسها. وأهم الحجج التي قدمت لتفسير ذلك تركزت على ما بدا ولا يزال وكأنه جوهر العولمة والدافع الحقيقي والعميق لها, أي توسع الرأسمالية. فبقدر ما تتقدم عملية التوسع الرأسمالي هذه وما تعنيه من دمج للأسواق وفتح لأسواق جديدة كانت مغلقة أو هامشية أو مهمشة سوف يسيطر منطق الربح الذي هو منطق الرأسمال على حياة المجتمعات ويدفع إلى الخلف جميع المعايير والمؤشرات الأخرى الثقافية والسياسية والاجتماعية. وبقدر ما يسيطر منطق البحث الشامل عن أقصى الأرباح، ويعم جميع بقاع الكرة الأرضية سوف تفقد الدولة والسلطة السياسية التي تمثلها محتواها ومقدرتها على عمل أي شيء، وتتحول برمتهاإلى مسرح يضم حشدا من رحال مسلوبي الإرادة. وفي هذه الحالة لا بد أن تفقد الديمقراطية التي هي المحتوى الحقيقي للدولة الحديثة أو الدولة الأمة شرعيتها. ومن هنا تصور هؤلاء أن العولمة ستكون لا محالة مصيدة الديمقراطية.
ولا يعني فقدان الدولة الحديثة لمحتواها الديمقراطي شيئا آخر هنا سوى تراجع سيطرة المجتمع على السلطة العمومية أو المركزية لصالح أقلية من المضاربين الدوليين ورجال الأعمال والمافيات العالمية والشركات المتعدية الجنسية التي سوف تستخدم نفوذها وأدوات سيطرتها أو ضفطها على السلطة العمومية كي تفرض سياساتها على الحكومات وتهيمن على الأسواق الدولية.
باختصار تفيد نظرية تعارض العولمة مع الديمقراطية بأن الخضوع لمنطق الاقتصاد، أو بالأحرى منطق الربح، لا بد أن يفرغ الديمقراطية من محتواها ويضع السلطة جميعها في أيدي أصحاب الرساميل الذين يقررون وحدهم، في الواقع، ومن منطلق تحصيل أقصى الأرباح، مصير المجتمعات البشرية. وبالعكس، تحتاج الديمقراطية إلى أخلاقية الحرية وإلى دولة قانونية وتوازنات سياسية اجتماعية يضمنها التنظيم الحزبي والنقابي التعددي والمجتمع المدني عموما، كما تحتاج إلى حد أدنى من التضامن والتوزيع العادل للثروة. ولا يمكن تحقيق ذلك في سياق تطور العولمة وما تقود إليه من تهميش متزايد للجمهور الواسع وتعميم للبطالة.

في الواقع ينطلق أصحاب وجهة النظر الأولى التي تراهن على العولمة في سبيل تحقيق المزيد من الاصلاحات الديمقراطية من فرضيتين رئيسيتين أولاهما أن الدول الكبرى الديمقراطية تسعى إلى، أو هي معنية بتحقيق الديمقراطية في البلاد النامية على سبيل تعميم نموذجها الاجتماعي السياسي وتوسيع دائرة انتشار قيم الحرية الفردية التي تؤمن بها. وثانيهما أن رأسمالية السوق نفسها، وهي السائدة منذ الآن في العالم كله، تفترض وتتطلب ما يمكن اعتباره سوقا سياسية مماثلة ومقابلة لها تقوم على قاعدة التنافس بين أفراد النخبة الاجتماعية على الوصول إلى مناصب المسؤولية. وهذا يعني أنه بقدر ما تتجه الأمور في اتجاه الليبرالية الاقتصادية وتتوسع دائرة النفوذ والسيطرة الغربية على المقدرات العالمية، ترتفع حظوظ تحقيق الديمقراطية في البلاد النامية.
والحال ليس هناك تاريخيا ومنطقيا ما يدعم هاتين الفرضيتين. إن الدول الديمقراطية الكبرى تتحدث بالفعل عن تعميم القيم الديمقراطية، وهي تخشى سيطرة النظم الشمولية مثل النظم الفاشية والشيوعية، لكن ليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأنها مستعدة لوضع الخيار الديمقراطي في مقدمة أولوياتها في علاقاتها بالدول الأخرى. إن الدول سواء أكانت صغيرة أو كبيرة لا تحدد سياساتها على أساس عمل الخير وتحسين نمط حياة أو طريقة حكم المجتمعات الأخرى، ولكن على أساس مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. وبعد انهيار النظم الشمولية القوية، لم يعد هناك أي تهديد حقيقي للنظم الديمقراطية القائمة يفرض عليها من وجهة نظر مصالحها الاستراتيجية التعبئة باسم الديمقراطية ضد الخطر المحتمل. إن وجود نظم مستبدة وضعيفة ولا شعبية يمكن الضغط عليها بسهولة وتحقيق مصالح الدول الكبرى عبرها أكثر فائدة لها من وجود ديمقراطيات لا بد أن تعكس طموح شعوب العالم الثالث وجوعها للعدالة العالمية والتنمية والمشاركة في السياسات الدولية. وبالمثل، كل التجارب الحديثة، الناجحة أو شبه الناجحة، التي نشأت في القرن العشرين دلت على أن من الصعب تحقيق تنمية رأسمالية تبعية في البلاد النامية في إطار المنافسة الدولية العالية اليوم من دون اتباع سياسات قمعية هي وحدها التي تسمح بالاحتفاظ بمعدل منخفض للأجور وبطاعة كلية للنظام. فالرأسمالية المحلية المحصورة بين مطرقة السوق العالمية وسندان المجتمعات المنكوبة لا يمكن أن تكون ليبرالية وهي تتطلب حتما الاستبداد السياسي، وهو ما لا تزال صوره بارزة في نموذج التنانين والنمور الآسيوية، وفي الصين وكل الدول التي تسعي إلى تحقيق تراكم رأسمالي سريع في العصر الراهن. إن عصر التوافق بين نظام الحرية الاقتصادية ونظام الحرية السياسية قد ولى منذ زمن طويل. لكن هذا لا يمنع بالتأكيد أن تسعى الدول الكبرى، وهو ما تقوم به بالفعل، إلى فرض الصبغة الديمقراطية والتعددية الشكلية على نظم قمعية في الجوهر، تتحكم بها نخب محدودة مرتبطة بالخارج، وتقوم بتنظيم الأمن والاستقرار فيها أجهزة أمنية تستخدم خبراء من الدول الديمقراطية ذاتها. فهذه الصبغة من المحسنات الضرورية لنظام الهيمنة الدولي القائم، ومن مستلزمات كسب الشرعية.

هذا ما يفسر في الواقع انهيار الآمال التي عقدت في السنوات القليلة الماضية على سياسات العولمة الجديدة في سبيل توسيع دائرة ممارسة الحريات الديمقراطية في العالم، تماما كما انهارت من قبل آمال المراهنة على النظام العالمي الجديد الذي وقفت وراءه الدول الكبرى في سبيل توفير حد أدنى من احترام القانون الدولي والتقليل من استخدام المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين في العلاقات الدولية. فلا عملت الدول الكبرى كما وعدت على تطبيق القانون الدولي ولا تعمقت مسيرة الديمقراطية في البلدان العربية والنامية. إن ما حصل كان العكس من ذلك تماما، فقد ترافق نشوء ما سمي بالنظام العالمي الجديد بانفجار الحروب الداخلية والعرقية في العديد من البلاد الفقيرة، وبازدياد شراسة الدول الصناعية في سعيها لاقتسام الأسواق ومناطق النفوذ والموارد العالمية في مواجهة تصاعد وتيرة المنافسة بينها لتحسين صادراتها على حساب غيرها وتجاوز أزمة البطالة التي تعرفها مجتمعاتها. كما ترافق تطور العولمة مع تفريغ الديمقراطيات الوطنية من محتواها وتعميم نظم فاشية جديدة موجهة بشكل أساسي ضد الشعوب ولصالح حفنة من رجال الأعمال المتلاعبين بالقانون ومن النخب التي تتعيش على فتات موائدهم، سواء أأخفت هذه النظم حقيقتها وراء واجهة تعددية أم احتفظت، كما هو الحال في العديد من البلاد العربية، بصورتها التقليدية الكالحة.

lundi, août 16, 2004

تجويف الدولة الوطنية

يناير 2005
يعمل الاستمرار في إخضاع السوق إلى منطق السيطرة السياسية العسكرية، بقدر ما يولد ارستقراطية مالية جديدة ويكرس سيطرتها الآلية، على تفريغ الدولة الحديثة من مضمونها، أي من مفاهيم الوطن والمؤسسة والمواطنية والقانون والحرية الشخصية. وهو ما يفسر العودة القوية في إطار السلطة القائمة إلى تعبئة العصبيات العشائرية والعائلية وتكريس قانون القرابة والولاء والانتماء الخاص والتمديد له إلى ما لانهاية. فمن خلال اختراق الدولة الحديثة من قبل البنيات والقيم الزبائنية فقط تستطيع الارستقراطية الجديدة أن تحول مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية إلى ما يشبه ميليشيات القرون الوسطى التي تضمن لها التفوق والاستمرار. وهكذا تتحول الدولة الحديثة من إطار قانوني وسياسي يضمن للمجتمع المكون من أفراد أحرار ومتساوين تنظيم شؤونهم وتجاوز تناقضاتهم وحلها بالوسائل السلمية، ومن ثم تحقيق وحدتهم وتضامناتهم مع تجنب الحرب والصراع الأهليين، إلى أداة لإخضاع المجتمع بالقوة واستخدام العنف الشرعي لقهره وتركيعه.
هذا ما آلت إليه في الواقع عملية الانتقال من اقتصاد الدولة إلى إقتصاد السوق في ظروف الإبقاء على نظام السيطرة الشمولية المعتمد على تعليق القانون وإلغاء المراقبة والمساءلة الوطنية وتكريس العلاقات الزبونية. وهو الذي يفسر أن الانفتاح الاقتصادي لا يقود هنا إلى نشوء آليات سوق رأسمالية قائمة على درجة أو أخرى من التنافسية والشفافية وحرية الحركة للقوى الاجتماعية وإنما إلى نشوء سوق رأسمالية مقيدة ومحكومة بالتوازنات العشائرية والسياسية والأمنية وبالتالي مفتقرة بالضرورة للشفافية والمنافسة القانونية معا. وهي تسير جنبا إلى جنب مع تحلل عناصر الدولة الحديثة القانونية والموطنية وتنامي القوانين والإجراءات المقيدة للحريات جميعا والقائمة على التمييز والرشوة المنظمة. وبقدر ما يعكس هذا الوضع افتقار رأسمالية العائلة والعشيرة الناشئة في أحشاء بيرقراطية الدولة إلى أي حافز للتغيير السياسي يؤكد راهنية الإبقاء على أنماط الحكم العسكري والأمني وحتمية إعادة إنتاجها. وكما أنه لا أمل لهذه الرأسمالية في الوجود والاستمرار مع تشغيل أليات ووسائل المراقبة والمحاسبة والشفافية والمساءلة القانونية والسياسية، فليس بإمكانها التطور والنماء من دون االاستخدام المعمم للعنف الذي يضمن لها وحده لجم القوى الاجتماعية المنتجة والعاطلة والمهمشة والاستمرار في الاستفادة من الميزات الاستراتيجية نفسها التي استفاد منها جيل آبائها للانتقال من حال البؤس إلى مصاف الطبقة الارستقراطية المكرسة، أي احتكار السياسة والاستخدام المعمم للعنف العملي أو الرمزي المستبطن .
وبعكس ما يراهن عليه الاتحاد الأوروبي الذي يعتقد أن تدعيم القطاع الخاص مهما كان نوعه لا بد أن يفتح باب التعددية السياسية والديمقراطية في المستقبل، وليس من الضروري الاصرار منذ البداية في إطار التعاون مع دول الجنوب التمسك بملفات الديمقراطية وحقوق الانسان، أظهرت التجربة أن الدمج بين السياسات النيوليبرالية الجديدة والسلطة العشائرية الارستقراطية التسلطية لا يقود في أي مرحلة لاحقة إلى الانفتاح السياسي ولا إلى تجديد قواعد عمل النظام والطبقة الحاكمة. فرأسمالية العشيرة مدانة حتما بالاعتماد الدائم على تعبئة العصبية العائلية والعشائرية وتفكيك اللحمة الوطنية وتذريرها. وهي بالضرورة رأسمالية Clanique أرستقراطية ومافيوزية معا تعتمد التلاعب بالقوانين والمداخلات الشخصية. ولذلك فهي غير منتجة وليس في برنامجها ولا مشروعها ولا طاقتها إطلاق عملية التنمية أو خلق فرص عمل جديدة. ولا يكمن السبب فقط في أن تكوين هذه الطبقة الزبونية لا يتم إلا على حساب نشوء الطبقة الوسطى المنتجة ولكن في أن هذا التكوين لا يمكن أن يتحقق من دون أن يقطع الطريق على نشوء طبقة رأسمالية عمومية نشيطة وحية مكونة من رجال الأعمال الأكفاء والمنتجين والمبادرين. والرأسمالية العشيرية ليست في الواقع إلا نوعا من رأسمالية المضاربة التي برزت في سياق عملية الانتقال البسيط للثروة، ومن دون جهد ومن دون منافسة، داخل قائمة العائلات والأسر نفسها التي سيطرت على الدولة واستغلت نفوذها فيها لتحقيق طفرتها التاريخية.
يلقي هذا التحليل بالمقابل بعض الضوء على مسألة استشراء الفساد وغياب أي سياسة جدية لمكافحته أو الحد منه. فالفساد لا يصدر هنا عن انحراف أو نقص فعالية في النظام وإنما هو قانون النظام الحقيقي، أي الأساس لنشوء التراكم الرأسمالي بالنسبة لرأسمالية ارستقراطية مرتبطة بالسيطرة السياسية وتابعة بشكل جوهري لها. لذلك ما كان من الممكن للتحرير الاقتصادي أن يعني هنا تراجع الفساد بقدر ما عنى تفاقمه بموازاة تقدم عملية التحرير بل تحوله هو نفسه إلى قاعدة نمو الاقتصاد الجديد ومحركها. فتحقيق هذا التراكم على أكمل وجه وفي أسرع شكل هو الذي يقود سياسات تحديث النظام القائم وتطويره وليس أي حساب اجتماعي آخر أو مصلحة وطنية عامة. فمحرك نشاط وعمل ارستقراطية الدولة والسوق المبتورة القائمة لا يرتبط لا بالتفكير في مستقبل البلاد ولا يتطور الانتاج ولا بتوسع استثماراتها في الداخل وإنما جمع أكثر ما يمكن من الثروة قبل أن يحين وقت تصديرها على شكل ودائع واستثمارات إلى السوق العالمية. وهي تريد أن تستفيد من كل يوم يمر قبل الانفجار الاجتماعي الذي تنظر إليه كقدر لا بد منه وتعد قوى الأمن لتحقيق الانتصار عليه. إنها تعيش في حرب مستمرة كامنة مع المجتمع. وليس النظام السياسي وتشكيلات السلطة التي طورتها إلا تعبيرا وتجسيدا لإرادة التعايش بشكل دائم، سياسيا وفكريا، مع هذه الحرب.
لكن إذا كان استمرار النظام التسلطي والشمولي شرطا لنشوء الرأسمالية العشيرية وأرستقراطية المال ولأعمال المافيوزية فهو ليس ثمرة لها. إن استمراره لا يمكن تفسيره إلا بوضعه داخل دائرة العلاقات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي حددت شروط تكون الدول وبلورة القوى السياسية وتوازناتها داخل البلاد العربية8.
والمهم أن ندرك أنه، ما لم يتعرض نظام الاحتكار المطلق للسلطة السياسية والاقتصادية والثقافية الذي يمثله الحكم في إطار قوانين الطواريء وحرمان المجتمع من أي حياة مدنية أو سياسية للانهيار من تلقاء نفسه، كما حصل في البلاد الأخرى الشمولية، أو أن يواجه معارضة قوية وقادرة من طرف المجتمع، لن يكون هناك أي أمل بأي تغيير جدي سياسا كان أم إقتصاديا. فليس للطبقة-العشيرة أي مصلحة في أن تعدل في آليات السيطرة الكلية والاحتكار المرتبطة بالنظام الشمولي أو تأهيلها. فهي تقدم لها أفضل الشروط لتحقيق التراكم السريع أو بالاحرى لتمديد مرحلة التراكم البدائي القائم على استخدام القوة المجردة لرفع عوائد ريع الموقع السياسي إلى حدها الأقصى، وإذا أمكن، مراكمة الثروة ورأس المال من دون أي استثمار آخر سوى الرشوة الضرورية لكسب المحاسيب والأعوان قبل الاستثمار في الخارج. فكيما تضمن لنفسها الانطلاق من ضيق الاقتصاد الوطني الصغير نحو رحابة السوق العالمية التي تشكل منذ الآن امتدادا طبيعيا لها ليس عندها خيار آخر سوى تحقيق المعادلة الصعبة: أقصى معدلات التراكم بأسرع وقت وبأدنى تكلفة. وهو ما يقود إلى منطق عمل السخرة ونمطه.

الرأسمالية العائلية وفشل الانفتاح الاقتصادي

الوطن 14 يناير 2005

جاء تصريح المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي مارك براون الذي قال فيه، في حديث نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية السبت الماضي، ان العالم العربي هو المنطقة الوحيدة التي يتراجع مستوى حصتها الاقتصادية من الرفاهية العالمية بينما تتقدم مناطق أخرى أو على الأقل تراوح مكانها، ليذكرنا من جديد، إذا كانت هناك حاجة للتذكير، بالمأزق الكبير الذي لا تزال تواجهه عملية التنمية الاقتصادية ومشاريع الاصلاح العتيدة في البلاد العربية. لكن الأهم في تصريح مارك براون هو تأكيده أيضا بأنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن طبيعة النظم التسلطية القائمة في العالم العربي وما تعنيه من نقص شديد في المشاركة السياسية. والسؤال الذي يثيره تصريح المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية لا يتعلق بمدى صحة الارتباط بين التنمية الاقتصادية والنظام السياسي أو نقص المشاركة ولكن يتعلق بالأسباب التي دفعت معظم الحكومات العربية إلى تصور عملية الاصلاح الاقتصادي بعيدا عن أي عملية موازية للاصلاح السياسي خلافا لما حصل في المناطق العالمية الأخرى. فليس هناك شك في أن ما ميز تجربة البلاد العربية في الانتقال نحو اقتصاد السوق والاندراج في السياسات النيوليبرالية هو تمسك الحكومات العربية بسياسة الفصل بين الانفتاح الاقتصادي والانفتاح السياسي. كما أنه ليس هناك شك في أن الاحتفاظ بالنظم التسلطية القديمة ما كان له إلا أن يساهم في إفراغ عملية الاصلاح الاقتصادي نفسها من محتواها بما عناه من تكريس سيطرة الحكومات والنخب الفاسدة نفسها ومن الاستمرار في التلاعب بالقانون وغياب المعايير الموضوعية والمحاسبة العمومية وانعدام الشعور بالمسؤولية العامة والافتقار للشفافية.
ينبغي القول بداية أن الفصل بين الانفتاح الاقتصادي والانفتاح السياسي أو التفكير بالاصلاح الاقتصادي بمعزل عن السياسة ليس اختيارا تقنيا أو فنيا. إنه بالدرجة الأولى اختيار سياسي واجتماعي يهدف إلى ضمان تحكم الفئات الحاكمة بعملية الانفتاح وبثمارها معا ومنع فئات أخرى من الاستفادة منها, سواء أكانت فئات رأسمالية، أي مالكة لرأس المال وطامحة إلى المشاركة في الاستثمار، أم شعبية تريد استغلال فرص الانفتاح السياسي لتعزيز نفوذها وتقوية تنظيمها والحفاظ على مصالحها في مواجهة رجال المال والأعمال.
ومن هنا يشكل الاحتفاظ بالنظم التسلطية القائمة في البلاد العربية في إطار تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي أفضل وسيلة لضمان سيطرة العائلات والأسر الحاكمة على موارد الاقتصاد الرأسمالي الجديد أو النامي في إطار الانفتاح على الخارج والاندماج في السوق العالمية. فهي تقدم لهم فرصة التحكم الكلي بعملية الانفتاح ووتيرتها كما تمكنهم من إدارة دفة توزيع المصالح بصورة منهجية. فالنخب الحاكمة ومن يرتبط بها من الأقرباء العائليين والمحاسيب والأزلام هم الذين يستفيدون بالدرجة الأولى من قوانين الانفتاح وما يرتبط بها من عمليات تخصيص ومن صفقات ومعونات وتدفقات خارجية وإعادة تأهيل لبعض القطاعات وتوسيع دائرة الاستثمار فيها. ولعل أكثر ما يقدمه الاحتفاظ بالنظم التسلطية من فوائد لأصحاب الحظوة والحكم في إطار الانفتاح الاقتصادي الجاري هو إخضاع القوانين الجارية لخدمة مصالحهم المباشرة بما يعنيه ذلك من امتيازات في الوصول إلى المعلومات والحصول على الصفقات ومن الاستفادة من مناخ السرية وغياب المنافسة ومن أمكانية تطبيق أسعار احتكارية على السلع والخدمات والأسواق تؤمن الربح السريع أو بالأحرى الهوامش الريعية الكبيرة. ولا يمكن لمثل هذا التحكم شبه الكامل بموارد الاقتصاد أن يحصل من دون الامساك معا وفي الوقت نفسه من قبل العائلات الحاكمة بالسلطتين الاقتصادية والسياسية. فهي تضمن بذلك تحييد جميع الأطراف الاجتماعية الأخرى بمن فيها رجال الأعمال والرأسماليين غير التابعين أو غير المحسوبين على النظام وإخراجهم من دائرة المنافسة الاقتصادية بل القضاء عليهم.
ومن الطبيعي أن يترتب على هذا التطور الاستثنائي نشوء رأسمالية من طبيعة خاصة تستغل علاقات المصاهرة والقرابة والزبونية لضمان توافق السلطتين الاقتصادية والسياسية وتأمين السيطرة البسيطة على آلية تراكم رأس المال. ولا يغير في ذلك ميل الطبقة الجديدة إلى أن تتكون على شكل شبكات مصالح متضاربة ومتنافسة تتنازع للحصول على مناقصات الدولة التي تحدد هي نفسها هامش الريع المرتبط بها، أي تتصارع على تقاسم الثروة العامة واقتسامها لا على مراكمتها عبر تطوير الاستثمار وتوسيع دائرة الانتاج والانفاق لتطوير القاعدة التقنية والعلمية. وبالمقابل، وبالرغم من تراكم الثروات الكبيرة وتوسع الأسواق، تبقى الرأسمالية رأسمالية ضعيفة فاقدة للحيوية والابتكار كما يستمر الافتقار الشديد إلى طبقة رأسمالية ذات تقاليد ووعي وطني ومواطني ورؤية استراتيجية شاملة وطويلة المدى.
في هذا النمط الخصوصي والعائلي من الانتقال نحو اقتصاد السوق العالمية أو المعولمة نجد التفسير والتبرير الوحيد للابقاء على نظام الوصاية الفكرية والمدنية والسياسية التي يجسدها نظام الحزب الواحد أو إلغاء الحياة السياسية ورفض إجراء أي تعديل أو تغيير أو إصلاح على قواعد العمل العمومي القائمة والتقوقع بشكل أكبر على مفهوم السلطة الأحادية والشاملة. وفيه نجد أيضا معنى حرص أصحاب المناصب بمختلف مستوياتهم على البقاء في مناصبهم إلى النهاية مع الأمل والعمل أيضا على توريثها لأبنائهم. وفي هذا النمط الخاص أيضا نجد التفسير المناسب لنشوء رأسمالية من طبيعة مافيوزية تجنح إلى التصرف كأرستقراطية جديدة أو تعيد بناء المجتمع على أسس الأبوية الإقطاعية والفاشية الجديدة. والواقع، كما يشكل الفصل بين السلطة السياسية وأصحاب المصالح الاقتصادية سمة رئيسية من سمات الدولة القانونية الحديثة ومصدر الحراك الطبقي في مجتمعات عصرنا يشكل الاندماج بين السلطتين سمة أساسية من سمات الدولة أو السلطة الإقطاعية القديمة التي كانت تقوم على منع الحراك الاجتماعي وتثبيت السكان والفئات الاجتماعية في مراتب جامدة وتكريس السلطة والثروة معا كحق محسوم وثابت لارستقراطية وراثية محصورة في جزء محدود من العائلات التي نجحت عن طريق تفوقها في تنظيم الميليشيات المسلحة في وضع يدها على السلطة ولا تزال تملك القوة الكافية للاحتفاظ بها.
أما الحجج التي ترددها الارستقراطية المالية الجديدة لتبرير رفض الاصلاح السياسي والانفتاح، وما تدعيه من حرص على جعل الأولوية في خياراتها لتأمين لقمة الخبز وفرص العمل للعاطلين والنمو الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، وهو ما كذبه ويكذبه واقع الحال كل يوم, فليس سوى ذرائع للتغطية على عملية نقل الثروة والسلطة في دائرة العائلات الحاكمة ذاتها من جيل الآباء إلى جيل الأبناء لا غير ولا علاقة لها بأي خيارات سياسية جدية وعملية. والأمر نفسه ينطبق أيضا على ما يشاع من ذرائع حول خطر الفوضى الكامن وراء الانفتاح السياسي.
يشكل هذا النمط من الانتقال نحو اقتصاد السوق في البلاد العربية وبعض البلدان الأخرى الموجودة في وضعيات مشابهة التربة الخصبة لنشوء رأسمالية خاصة قائمة على المضاربة والاحتكار واستغلال النفوذ وفي سياقها لولادة وازدهار ارستقراطية مالية تعتمد علي نفوذها السياسي وموقعها الاحتكاري لتأمين وجودها واستمرارها أكثر مما تعتمد على كفاءتها الاقتصادية التنافسية. كما يشكل أيضا العقبة الرئيسية أمام ولادة الرأسمالية بالمعنى الموضوعي والتاريخي للكلمة, أي الاستثمار الرأسمالي الذي يعتمد التراكم فيه على تثمين العمل وزيادة الانتاج وتحسين الانتاجية والتقدم التكنولوجي, ويكون بالتالي منبعا للتجديدات والابتكارات التقنية والعلمية والإدارية. لكن أهم ما تحمله صيغة هذا الانتقال نحو اقتصاد السوق من دون انفتاح سياسي هو تأمين استمرار احتكار السلطة السياسية من قبل الفئات العائلية ذاتها بالرغم من تغيير النظام الاقتصادي. فبفضلها تضمن الارستقراطية الجديدة وقاعدتها العشائرية والزبونية أن لا يتحول الانتقال من اقتصاد الدولة إلى إقتصاد السوق إلى مناسبة لبروز طبقة رجال أعمال جديدة رأسمالية بالمعنى الحقيقي للكلمة تنازعها على ما أصبح يبدو لها نوعا من الملكية الشخصية الموروثة أو التي يمكن وراثتها. فهي تقطع الطريق على نشوء طبقة رأسمالية فعلية مستقلة عن السلطة والإدارة وبالتالي وبالضرورة طبقة حاملة لإمكانية ولادة قوة سياسية جديدة تعبر عنها وتفرض إعادة النظر في طبيعة السلطة وقواعد ممارستها وتضع موضع السؤال الاستمرار في احتكارها.
فليس هناك شك، وهذا ما تراهن عليه القوى الخارجية التي تدعم الانتقال نحو اقتصاد السوق، أن نشوء طبقة رأسمالية قائمة على المنافسة الفعلية والسوق الحرة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي رأسمالية ذات مضمون سياسي لا يمكن إلا أن تهدد على المدى البعيد، بل المتوسط، نظام سيطرة النخب العائلية الجامدة التي لا يماثلها إلا ما كان عليه الحال في مجتمعات القرون الوسطى. ومن أجل قطع الطريق على مثل هذا الاحتمال تجد هذه النخب نفسها مدفوعة إلى تطبيق سياسات تتعارض مع أي تنمية اقتصادية حقيقية لأنها تهدف إلى منع نشوء رأسمالية موضوعية وتنافسية كما تهدف إلى تفكيك أي حقيقة سياسية وطنية وإحلال صيغ التفاهم العشائري والعائلي محلها. هذا ما يفسر الواقع المؤلم الذي تحدث عنه المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة، واقع أن البلاد العربية وحدها تتراجع في مسيرة التنمية الانسانية بينما تتقدم بلاد أخرى لا تحظى بالقليل من الموارد التي تملكها.

mercredi, août 11, 2004

أزمة تداول السلطة في العالم العربي

الجزيرة نت 7 فبراير 2002

قد يبدو استمرار النخب الحاكمة لعقود طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه جميع الدول والحكومات من أجل خلق مناخ ملائم للتنمية وجذب الاستثمار. هذا صحيح عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة من خلال مسار طبيعي واستشارة شعبية واضحة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام القاسي للقوة أو التلاعب بالرأي العام ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. ففي هذه الحال لا ينبغي الحديث عن الاستقرار ولكن عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، والمقصود هنا وظائف التعبير عن التوازن الفعلي للمصالح الاجتماعية المتعددة، وتتجسد في الاختناق والانسداد وما ينجم عنهما من تفاقم للتوترات والتناقضات واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة تحت سطح الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها يجنح جميع اطراف النظام إلى تطوير التقنيات والساحات الموازية وغير الشفافة للسياسة والتي تعبر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه التقنيات والساحات الموازية والأسواق السوداء للسياسة النزعات الطائفية والعشائرية واالدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها وتضمن حضورها السياسي واستمرارها في عالم الصراع الدموي من أجل الحفاظ على النفوذ والبقاء.
هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية الى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره في الميدان ليس عن طريق ما يحققه من انجازات للمجتمع, فهذا ممتنع عليه بسبب انشغاله بالحرب ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية أالتي تسيطر عليها اليوم القوة الأمريكية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها. فبإثارته المشاكل أمام النظام يطمح الطرف المهمش والمنبوذ الى تأمين مشاركته في الحياة العمومية حتى لو كان ذلك بوسائل غير صحية. وما يفعله الأصوليون تفعله الكثير من القوى الاجتماعية المنبوذة داخل المجتمع وعلى الصعيد الدولي بوسائل أخرى وللسبب ذاته. وهذا ما يقود إلى ما أسميه بحرب المواقع المستمرة في حياتنا السياسية. فلا وجود عموميا ممكنا ولا تأكيد للحضور والنفوذ وبالتالي مشاركة في الحياة العمومية إلا بالمقاومة السلبية والحرب غير العلنية. ولا يستطيع أحد أن يفرض اعترافه في ساحة سياسية مغلقة ومحرمة إلا بقدر ما يظهر قدرته على خرق المحرمات وكسر جدران العزلة والمنع. ولذلك تتحول السياسة أيضا إلى تراشق بالقذائف والشتائم والاتهامات والتخوين المتبادل. ويحل التناحر الدائم بين جميع القوى الواقفة بعضها للبعض الآخر بالمرصاد محل التعاون والتفاهم والحوار والتداول. وهذا ما يفسر ما نشهده في جميع الدول العربية من تنابذ وانعدام ثقة وصراع لا يرحم بين العلماء والأحزاب الحاكمة منها وغير الحاكمة والجيش وقوى الأمن والإدارة وغيرها من مراكز القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتكون في هذا النظام في وجه بعضها البعض وتدخل في تنازع وتنافس عدائي يدفع بها الى التفتت الدائم والانقسام. وحرب المواقع هذه هي حرب التحييد المتبادل أيضا. فكل من لا يستطيع التعبير عن نفسه وتأكيد وجوده بوسائل ايجابية أي بالمشاركة في الانجاز يسعى إلى تحقيق هدفه بمنع الآخر من الانجاز وسد السبل أمامه وإضعاف فرص نجاحه. هذا هو قانون أو منطق العمل في نظام احتكار السلطة العمومية وانعدام التداول الحر والسليم بها من قبل أطراف المجتمع المختلفة.لكن حرب التحييد المتبادل لا تمثل رد الفعل الحتمي على انعدام تداول السلطة أو التعويض عنه فحسب وإنما تؤسس أيضا لمنطق اقتسام الغنائم في الدولة وتوزيع الموارد الوطنية على قاعدة ميزان القوة. فالذي يفرض نفسه بأي وسيلة كانت : قرابة عائلية أو قوة عسكرية أو مركز نفوذ داخلي أو خارجي, يؤهل نفسه بالضرورة للمشاركة في الغنيمة وتقاسم الثروة ويطمح عن جدارة في أن يحصل على نصيب من العقود والكمسيونات والمنافع والكرامات يعادل قدرته على تهديد التوازنات الداخلية. ومن هنا يختفي مفهوم الفساد نفسه. فالحصول على المزايا الخاصة لا يبدو في وعي المرتشين ولا مستغلي النفوذ خرقا للقاعدة والعرف والأخلاق ولكنه كتكريس للقانون السائد وللعرف المقبول وللأخلاق "الخصوصية" "الوطنية". وكل من يحصل على مزايا تبدو في الأحوال الطبيعية لا قانونية يعتبر أنه لم يحصل في الواقع إلا على حقه وأنه لو لم يأخذ هو الرشوة لأخذها خصمه ومنافسه. فهو لم يسيء لأحد ولكنه نفع نفسه. والواقع أن سيطرة منطق توزيع الغنائم على حساب منطق التداول على السلطة كأساس للاعتراف بالأهلية بين قوى النخبة المتعددة يعني في الوقت نفسه زوال الشعور بالمصالح العمومية وفناء التفكير من وجهة نظر الارتقاء بشروط حياة المجتمعات كموضوع للسياسة والممارسة العمومية. إن النظام التوزيعي يعطي للجميع الانطباع, وأعني جميع المتنافسين على السلطة والنفوذ, بأنه لا يوجد في الواقع إلا مصالح خصوصية, ومن حق كل فرد أن يدافع عن تعظيم هذه المصالح الخاصة. وبالمقابل يبدو المعارضون الذين يذكرون بالمصلحة العمومية ويطالبون بنشر رؤية أشمل للمسائل السياسية والاقتصادية الوطنية وكأنهم هم الغشاشون والمخادعون الذين يخفون سعيهم لدخول ميدان تقاسم المنافع وراء شعارات أخلاقية ووطنية لا أساس لها من الواقع والحقيقة. فغير المستفيد أوغير الباحث عن تعظيم منافعه الشخصية لا بد أن يكون مزاودا أشرا يسعى إلى زعزعة النظام والاستقرار ويعمل من دون أن يدري وربما بوعي لخدمة الدول الأجنبية. وينبغي للنظام أن يبذل جهدا أكبر في الكشف عن هؤلاء المزاودين وتحييدهم أو كف يدهم مما يبذله لكشف المسيئين للمصالح العامة ومعاقبتهم. فمشكلة هؤلاء معروفة وبسيطة هي الانتفاع الشخصي أما صاحب المباديء فهو يتطلع إلى السلطة ويسعى إلى قسمة جديدة يخرج فيها القائمين ويحل محلهم. هكذا لا يعود الفساد ظاهرة خطيرة ولا شاذة ولا يظهر في عين صانعيه خروجا على المباديء ولكن ممارسة طبيعية وتعبيرا عن الولاء والتوافق مع النظام ورفض المعارضة والمزاودة المبدئية.
فالنخبة الحاكمة لاتشجع على الفساد من خلال الرشوة التي تقدمها للموالين لها فحسب ولكنها تدفع إلى استفحاله أيضا بضربها المستمر لأصحاب المباديء وتحييدهم ومعاقبتهم. فهم بالنسبة إليها الخطر الفعلي لأنهم يظهرون بالضبط معارضة فعلية, حتى لو لم ينطقوا بكلمة واحدة, للأساس الذي يقوم عليه النظام ويبني عليه قاعدته الاجتماعية, أعني قاعدة تقاسم الغنائم والرشوة المنظمة المعممة.
والواقع أن مجتمعات التحييد المتبادل وتقاسم الغنائم هي الوجه المقابل للمجتمعات الفعلية التي لا تقوم ولا تستمر إلا بسبب خلقها شروطا أفضل لتبادل المنافع وزيادة المكاسب القانونية والفكرية والسياسية والحضارية والاقتصادية للجميع. فهي إذن مجتمعات مضادة للاجتماع تماما كما نتحدث عن المادة وضد المادة. ولا يكسب فيها الأفراد شيئا ولكنهم يخسرون جميعا لصالح فئة تقل عددا باستمرار من المسيطرين سيطرة متزايدة أيضا وعائلية أكثر فأكثر على مقدرات البلاد. ففي هذه المجتمعات يحل قانون التخويف المتبادل أي تبادل الأضرار والأذى محل قانون تبادل المنافع كأساس لبقاء الاجتماع والحفاظ على وحدة النظام. ففي الأصل يبعث اللقاء في إطار مجتمع واحد وثقافة ودولة وتاريخ مشترك مشاعر تقارب وتراحم بين الناس ويعمق التعاون والتضامن والتفاهم والثقة بين الأفراد. ويعمل هذا التعاون على تعظيم فرص كل واحد منهم في التقدم وتحسين الأحوال. ومن هنا يعتبر تبادل المنافع هو مبرر وجود المجتمعات وبقائها. فإذا انعدم تبادل المصالح والمنافع أو ضعف لم يعد لوجود المجتمعات واستمرارها بشكل مستقل عن غيرها قيمة وأصبح من المحتم أن تندمج بغيرها من المجتمعات الأخرى التي نجحت بشكل أفضل في الاحتفاظ بقيم النزاهة والصدق والثقة والتعاون والتفاهم والتنظيم, أي بالقيم التي تمكنها من تحقيق التراكم المادي والمعرفي والتقني التي لا بد منها للارتفاع بمستوى حياة أفرادها وضمان استمرارهم يعيشون على مستوى معايير حضارة عصرهم. وهذا هو أساس نشوء الإمبرطوريات التاريخية التي ضمت شعوبا كثيرة مختلفة وقامت على أنقاض دول قومية أو شبة قومية لا تحصى.
ومن الصعب تصور مخرج من هذا النظام أو أي تغيير له من دون تصور نشوء ديناميكية تنافس سياسي جديدة تزعزع استقرار منطق التوزيع القائم للغنائم والمكارم والمكاسب وتفرض آلية جديدة لتداول السلطة السياسية وتوزيعها، من منطق المسؤولية الجماعية وتراكم الثروة والخبرة الوطنية. وهذا هو ما ترمي إليه النضالات الديمقراطية والعمل لتوسيع دائرة الحريات ونقل الصراع من الميدان الاقتصادي إلى الميدان السياسي والفكري. ففي البقاء في المستوى الاقتصادي وحده، سواء أتعلق الأمر باقتصاد السوق أو اقتصاد التخطيط، ليس هناك أي أمل في المس بمنطق نظام تقاسم المغانم وزعزعته.

mardi, mai 18, 2004

في أصول النزعة الأمبرطورية الأمريكية وسبل مواجهتها


بالرغم من أن القسم الاكبر من المحللين لم يكونوا يتوقعون قبل سنة من اليوم ما تواجهه الولايات المتحدة الامريكية التي خرجت المنتصرة الوحيدة من الحرب الباردة، من صعوبات متزايدة للسيطرة على العراق، خاصة بعد الانهيار السريع لنظام صدام حسين، إلا أن أحدا لم يكن يتوقع أيضا أن تتم هذه السيطرة بسهولة ويسر. ولا يحصى عدد المحللين الذين حاولوا أن يبرهنوا، ونحن منهم، أن سعي الولايات المتحدة إلى بسط نفوذها الشامل وملء الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفييتي السابق بالقوة وحدها سوف يقود العالم نحو التفكك والفوضى. فبقدر ما عززت الثورتين التقنية والعسكرية من موارد القوة التي تمكن دولة عظمى تتحكم بتجديداتهما من التفوق الساحق على جميع خصومها العسكرييين، خلقت في الوقت نفسه مناخا فكريا وأخلاقيا ونفسيا عالميا يجعل من المستحيل إخضاع الشعوب بالقوة وبالتالي تحقيق السيطرة الخارجية أو أهدافها بالاستخدام المجرد للعنف. ولعل أفضل مثال على هذه المفارقة التاريخية التي تجوف قانون القوة في الوقت نفسه الذي تعمل على تفجير طاقاتها وتطوير وسائل استخدامها هو ما يحصل في فلسطين نفسها منذ عقدين. فإذا كان من الصحيح أن إسرائيل قادرة على هزيمة أي قوة عسكرية شرق أوسطية يمكن أن تقف في وجهها فهي عاجزة كما هو واضح للعيان اليوم عن إخضاع شعب صغير أعزل ومجرد من السلاح وليس لديها أي أمل، مهما نجحت في تعزيز ترسانة القوة في كسر المقاومة الأهلية والشعبية التي لا تفيد معها القوة ولا يحسمها التفوق العسكري الاستراتيجي. وكما أنه لا أحد يشك في أن الانتفاضة الفلسطينية تنهك إسرائيل وتقوض أركان وجودها المادية والسياسية والنفسية كما لم تفعل من قبل ولا تفعل أي قوة عسكرية عربية منظمة فإن أحدا أيضا لا يستطيع أن يخفي أن ما تكبدته القوات الأمريكية في مواجهة جيش العراق النظامي عام 2003 لا يمثل شيئا يذكر مما تكابده وتعاني منه اليوم في مواجهة قوى خفية صغيرة لا تحظى حتى بإجماع الشعب العراقي بكل فئاته وتياراته على غير ما هو الحال بالنسبة لقوى الانتفاضة في فلسطين.

لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست وتمارس اليوم دور الدولة العظمى الوحيدة في العالم وسوف تظل تمارسه في المدى المنظور على الأقل، بالرغم من كل ما يواجهها وسوف يواجهها من عقبات وما سوف يثيره اندفاعها الجامح للسيطرة من قلاقل وفوضى واضطراب. فليس هذا الاندفاع مسألة مزاجية شخصية بالرغم مما يمكن للمزاج الشخصي أن يلعبه في تحديد أسلوب العمل لفرض الهيمنة والسيطرة العالمية للقوة الأمريكية. إنه نابع من وجود القوة ذاتها وهو مبرر وجودها ومصدر استمرارها معا. فأي قيمة أو تبرير للانفاق الهائل على التسلح الأمريكي من دون تحويل هذا التسلح إلى مصادر للسيطرة والمنفعة وتحقيق مصالح حيوية واستراتيجية. وكيف يمكن إعادة إنتاج هذه القوة وتعزيزها من دون السيطرة الخارجية وتحقيق منافع إضافية أو إستثنائية لا يمكن تحقيقها بغير القوة والتفوق العسكري والاستراتيجي.
والواقع أنه، بعكس ما يعتقده الرأي العام الشعبي بل وقطاعات واسعة من الرأي العام الرسمي والمحللين السياسيين، لا ينبع النزوع الامبرطوري الاميركي وإرادة الهيمنة الدولية الشاملة عند الإدارة الامريكية اليوم وعند غيرها غدا من وجود التفوق الاستراتيجي فحسب. إن مصدره الحقيقي وأصل نشوئه الرئيسي قائمين في الفراغ الايديولوجي الاستراتيجي والسياسي الذي تعيشه الساحة الدولية الناجم هو نفسه عن عجز المجموعة الدولية بأطرافها المختلفة عن التوصل إلى أجندة عالمية واحدة ومشتركة. وهو ما يسمح لصاحب القوة الأكبر أن يفرض أجندته القومية على العالم أو يحولها إلى أجندة عالمية.
وهذا يعني إن جذور المشروع الامبرطوري الأمريكي قائم في انهيار أو تحلل مشاريع العمل والكتل الدولية التاريخية التي كانت تساهم في تحقيق الحد الأدنى من توازن القوة وفي مقدمها كتلة الدول النامية وعدم الانحياز الذي كان يقف وراءها عدد لا يحصى من حركات التحرر الوطني الشعبية النشطة والفاعلة وهي اليوم قاع صفصف لا روح فيها. ومنها أيضا الكتلة السوفيتية التي تبخرت في ربع القرن الأخير في حين أن أوروبة الديمقراطية التي زاد الرهان عليها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لموازنة إرادة القوة الأمريكية تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالرغم من نجاحها في تشكيل اتحاد أوروبي اقتصادي قوي وعملة واحدة، أكثر تفككا استراتيجيا من أي حقبة سابقة. وهي تجمع بين انعدام الرؤية الشاملة وفقدان الإرادة إن لم نقل من التبعية العميقة لواشنطن في جميع المسائل الكبرى الاقتصادية والجيوستراتيجية والثقافية معا. لا بل إن الولايات المتحدة الامريكية قد اخترقتها من الداخل عن طريق الدول الصغيرة التي تساندها والتي تراهن على تحالفها مع واشنطن لتعزز مواقعها داخل الاتحاد الأوروبي. أما ما تبقى من الدول القومية الموزعة في العالم من دون رابط يربط فيما بينها فهي ليست مؤهلة لبلورة أجندة أو جدول أعمال عالمي بل إن معظمها إن لم يكن جميعها يفتقر للقدرة والإمكانية لبلورة أجندة إقليمية أو حتى وطنية وداخلية تختلف عن أجندة الحفاظ على النظام أو تأمين الاستقرار في حده الأدنى للدولة والمجتمع في المرحلة العاصفة من التحولات الدولية.
هذا الوضع العالمي المفكك من جميع النواحي، والذي لا تلحمه لا ايديولوجيات تقدمية أو رجعية كما كان عليه الأمر في الحقبة السابقة، ولا برامج عملية مشتركة معبئة كما تريد قطاعات كبيرة من الرأي العام الدولي المؤيدة لقيام حركة تضامن عالمي إنساني من أجل السلام والتنمية، هو الذي يقدم لواشنطن الفرصة والظرف المناسب لتحويل تفوقها الاستراتيجي إلى نفوذ عالمي استثنائي، ولجعل تحرير الأسواق وتطوير الاستهلاك ايديولوجية قائمة بذاتها، أعني أيديولوجية عصر كامل. وهذا هو الذي يزيد الطلب العالمي على الأمركة من حيث هي تدخل في الشؤون الداخلية في العالم، أي قيادة استراتيجية، ومن حيث هي رؤية ايديولوجية، أي موجهة للتحولات العالمية المجتمعية، ومن حيث هي عامل توازن إقليمي بل وطني لا غنى عنه لضمان الحد الأدنى من الاستقرار والوحدة الشكليتين. إن هذا الطلب الكبير على قوة عظمى تدخلية ونشطة وقادرة على لملمة الأوضاع الوطنية والإقليمية والعالمية هو الأساس الحقيقي للهيمنة الأمريكية الأمبرطورية. وهو الذي يكمن وراء الانخراط الواسع الذي تظهره الدبلوماسية الأمريكية في قضايا العالم كلها، صغيرها وكبيرها، بحيث لا تكاد تبرز مسألة في هذه المنطقة أو تلك، مهما كانت محلية، إلا وتظهر واشنطن موقفها تجاهها وترسل مبعوثيها لمعالجتها. بل إن واشنطن قد أصبحت عاملا رئيسيا في تركيب النظم والحكومات في العدد الأكبر من الدول المسماة وطنية والتي أصبحت تبدي عجزا محيرا عن إفراز التفاهم الداخلي والاجماعات القومية الضرورية لاستمرار الدولة والنظام. إن واشنطن تتصرف بالفعل كقيادة عالمية أو كعاصمة للعالم لأن العالم ككل وكأقاليم ودول أصبح يفتقر هو نفسه للقيادة واللحمة والسيادة والسيطرة الذاتية.
ويكفي أن نفكر في هذه المناسبة بما يحصل في منطقتنا العربية وداخل دولها نفسها أيضا. فنحن لا نكف عن مطالبة الولايات المتحدة بالتدخل لوقف الهجومات الاسرائيلية وايجاد حل للقضية الفلسطينية منذ عقود. كما لا نتوقف عن دعوتها للمساهمة في تحقيق السلام والأمن في المنطقة. والآن هناك عدد كبير من الدول العربية يعتمد عليها في ضمان الأمن والحماية الوطنية من خلال اتفاقات رسمية بينما تراهن العديد من القوى الاجتماعية والسياسية على التدخلات والضغوط الأمريكية لتحقيق التغيير الذي تطمح إليه ويستجيب لمصالحها المغبونة أو لآمالها. ومن الواضح أن قوة واشنطن في الشرق العربي نابعة من عجز هذا الشرق دولا ومنظمات إقليمية عن التوصل إلى تسويات وطنية حية ومستقرة تلبي مصالح الجميع وتحترمها، أفرادا وشعوبا وأقليات، وكذلك إلى تسويات إقليمية قادرة على ضمان الأمن والاستقرار للجميع.
بالتأكيد لن يمر احتلال العراق والمشاكل التي واجهتها القوات الأمريكية فيه من دون ترك آثار على خطط التوسع الامبرطوري الأمريكي. وسوف يزداد الضغط الخارجي والداخلي على واشنطن لمنعها من القيام بمغامرات جديدة. لكن ذلك لن يثنيها عن إرادة التوسع والتمدد السياسيين، ما دامت الظروف التي تحدثنا عنها باقية. وربما ستزيدها هذه التجربة قوة لأنها ستعلمها ضرورة الاقتصاد في استخدام العنف لصالح العمل السياسي والدبلوماسي الاكثر مردودا والقائم على تأمين السيطرة والنفوذ بشكل أكبر عن طريق التفاهم والحوار. وهو سلاح أمضى خاصة عندما تتقنه الدول ذات التفوق الاستراتيجي كما برهنت على ذلك القوة البريطانية في عصر امبرطوري سابق.
لكن المخاطر على العالم والعالم العربي بشكل خاص لن تزول نتيجة ذلك. فمن جهة تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على التفكك العميق الحاصل في العديد من أقاليم العالم ودوله لتبرير تدخلها السياسي والعسكري كما تستطيع أن تراهن على الأزمة الشاملة التي يعيشها الاقتصاد الدولي من أجل الحفاظ على نفوذها. وتقدم الحرب العالمية ضد الارهاب نموذجا حيا لما يمكن لواشنطن أن تستخدمه من وسائل وتكتيكات من أجل تعبئة الأنظمة والكتل الدولية وجرها وراءها لتحقيق أجندة سيطرتها الدولية الخاصة. فلا تكاد توجد دولة في العالم اليوم لا تجعل من الحرب ضد الارهاب التي لم تكن تذكر في المناقشات الدولية قبل عشر سنوات البند الأول في أجندتها الوطنية، وفي مقدمة هذه الدول الدول العربية نفسها المعنية الرئيسية بهذه الحرب أو بالأحرى المستهدفة فيها.
وفي جميع البلاد التي تعتقد الإدارة الأمريكية أن السيطرة المباشرة عليها ضرورية لتحقيق السيطرة العالمية تستطيع الولايات المتحدة أن تراهن على الشروخ العميقة التي خلفتها أنظمة القهر في بقاع عديدة من أجل تأمين قوى حليفة أو استخدامها كحصان طروادة. ويقدم العراق نموذجا حيا لهذه التكتيكات والوسائل معا. ويشكل تكوين مجلس الحكم الانتقالي على أساس التمثيل الأقوامي والطائفي صورة مجسدة لطبيعة التوازنات التي تسعى واشنطن إلى بنائها في بلدان السيطرة هذه والاعتماد عليها في سبيل الابقاء على دور محوري لها في استمرار الدول القائمة.
وما حصل لمؤتمر القمة العربية الأخير في تونس يعبر بشكل واضح عن الامكانيات الكبيرة التي تملكها الولايات المتحدة للتحكم بلعبة السيطرة العالمية في مناطق تفتقر للحد الأدنى من التفاهم الإقليمي وتتعرض مجتمعاتها لأزمة تفكك عميقة بعد عقود طويلة من الحكم السياسي المفروض وانهيار المجتمع المدني وعودة العصبيات القديمة الطائفية والأقوامية وغياب المؤسسات الوسيطة.
والخلاصة، لن يتوقف الزمن القادم عن التأكيد على محدودية عامل القوة في تحقيق السيطرة العالمية، ولا عن تأكيد تنامي الفوضى والعنف وعدم الاستقرار في العالم بموازاة تطور مشروع السيطرة الأمريكية الامبرطورية. لكن لن يغير ذلك من الموقع الفعلي الذي تحتله الولايات المتحدة اليوم في شؤون العالم والسياسات الدولية. ولن تتخلى الولايات المتحدة عن سلوكها الامبرطوري الراهن ما لم تتبلور مع الوقت، وفي مواجهة هذا السلوك نفسه وردا عليه، أجندة سياسية عالمية مشتركة بالفعل وما لم يتحقق ما ينبغي تسميته منذ الآن عقدا دوليا تشارك فيه جميع الكتل العالمية ويعكس التفاهم في ما بينها ودرجة كبيرة من توازن المصالح والاعتراف بضرورة السعي المشترك إلى حل المشاكل الخطيرة التي تواجهها المجموعة الدولية، سواء ما تعلق منها بتحقيق السلام العالمي أو معالجة مسألة التأخر وانعدام النمو أو تعميم الديمقراطية واحترام الحقوق الانسانية. وكل ذلك يتوقف قبل أي شيء آخر على تجاوز الدول والجماعات الوطنية لأزماتها الداخلية ونجاحها في تحقيق التفاهمات الداخلية الضرورية لبقائها واستمرارها وتطورها من الداخل. باختصار إن السيطرة العالمية الامريكية تتغذى قبل أي شيء آخر وتبرر نفسها من الفراغ السياسي والفكري والروحي الذي تعيشه الجماعات الوطنية في العالم أجمع وتجعل من سيطرتها الخارجية تعويضا لا بديل عنه لفقدان السيطرة الذاتية في معظم بقاع الأرض.

dimanche, avril 04, 2004

محنة الاصلاح في العالم العربي 1


الانهيار الذي عرفته قمة الاصلاح التي كان من المتوقع أن تعقد في العاصمة التونسية في نهاية شهر آذار مارس الحالي يقدم البرهان القاطع على المحنة التي واجهها الاصلاح ولا يزال في العالم العربي منذ عقود طويلة. وبالرغم من أن الأمين العام لجامعة الدول العربية قد أعلن عن الاتفاق لعقد هذه القمة مجددا في تونس في مايو القادم إلا أن الأمل في احراز تقدم حقيقي فيه يكاد ينعدم اليوم بسبب المناخ الذي خلقته الدعاية الرسمية العربية في الأشهر القليلة الماضية. فقد نجحت هذه الدعاية في حرف المناقشة حول الاصلاح عن هدفها الرئيسي عندما ركزت الجهود كلها على موضوع واحد ووحيد : من أين تأتي الاصلاحات؟ من الداخل وبأيادي عربية أم من الخارج وبأيادي أجنبية. والنتيجة لم يعد أحد يفكر في طبيعة الاصلاحات المطلوبة ومضمونها وأهدافها ووتيرتها ولكن في طبيعة المصدر الذي يتحدث بها وعنها. بل ليس من المبالغة القول إن الدعاية العربية الرسمية قد نجحت في وضع مسألة الاصلاحات في مواجهة المسألة الوطنية لا بتزاز الرأي العام وفرضت عليه الاختيار بين التمسك بالقيم الوطنية ورفض الاصلاح أو القبول بالاصلاح والخضوع لإرادة القوى الأجنبية. فقد ربطت مبادرة الاصلاح بحل المسألة الفلسطينية أو بتحرير الأراضي المحتلة كما لو كان هذا التحرير جزءا من مهام الدول الأجنبية وثمنا لقبول الدول العربية بالاصلاحات الداخلية، أو كما لو أن مثل هذا التحرير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمسك بنظم استبدادية تستبعد بشكل دائم ومطلق أي احتكام حر للإرادة الشعبية وتفتقر إلى المؤسسات وينعدم فيها حكم القانون لصالح قانون المحسوبية والولاءات الشخصية للزعامات أو الطوائف أو العشائر ولا يسمح فيها لقوة منظمة بالبقاء سوى قوى الأجهزة الامنية.

وإذا عبر هذا المنطق عن شيء فإنما يعبر عن تهافت معنى الاصلاح في أذهان العديد من النخب العربية أو بالأحرى عن انعدام أي امل فيه في إطار النظم وقواعد العمل والحكم القائمة في معظم البلاد العربية. وبالفعل، إن الوقت الذي كان بالامكان الإصلاح عبر النظم القائمة قد فات منذ زمن طويل ولم يعد هناك بديلا من الاعتراف بأن أي إصلاح مهما كان ضعيفا وجزئيا أصبح يستدعي كشرط ومقدمة له تغييرا في طبيعة الحكم وأساليبه وقواعده وغاياته ورجالاته أيضا، أي يستدعي التحول من نمط الحكم القائم على الوصاية أو القيادة الطليعية أو الأبوية إلى نمط الحكم المستند إلى تفويض مباشر وعن طريق انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية من قبل الشعب والخاضع لمراقبة ممثليه أو نوابه. ومن غير ذلك لن يتقدم مشروع الاصلاح خطوة واحدة سواء كان الدافع إليه الضغط الخارجي أو الضغوط الداخلية. وكل الجهود المادية والمعنوية التي ستبذل أو يمكن أن تبذل في هذا الاطار قبل التغيير سوف تضيع وتساهم أكثر من ذلك في إضاعة الوقت على المجتمعات العربية التي تعيش حالة خطيرة من الاحباط والاحتقان والقلق والخوف من المستقبل.

ومهما كان الامر لا أعتقد أن حالة التخبط والتمزق والانهيار التي نعيشها على جميع مستويات حياتنا الجمعية، في جبهة النزاع العربي الاسرائيلي وفي الميدان الاقتصادي وفي الميدان السياسي والاجتماعي والفكري، هي بأي معنى أو شكل مقدمة للاصلاح، أي إصلاح كان، بقدر ما هي النتيجة الطبيعية لفشل الاصلاح الذي كان منتظرا منذ عقود ولم يمكن تحقيقه. وإذا كنا لا نزال نتحدث عن الاصلاح أو إذا عدنا إلى مفاهيم الاصلاح بعد طول نسيان فليس ذلك لأننا أصبحنا أكثر وعيا بمتطلبات الاصلاح ودواعيه وإنما كي ما نغطي، نحن ودول الغرب الأطلسية التي تمارس دور الوصي علينا معا، على إخفاق الاصلاح وانعدام فرصه وآفاقه.
يعني الاصلاح كما تتحدث عنه الولايات المتحدة وأوروبا اليوم وكما تتحدث عنه النظم العربية التي تريد تمييز مشروعها عن المشاريع الأجنبية حتى لا تبدو وكأنها وكيلة لها في المنطقة، أن النظم القائمة، بالرغم ما بدا منها من قصور في تحقيق الأهداف والمطالب المجتمعية، لا تزال سليمة بالعموم وليس من الضروري تبديلها أو تغييرها. إن المطلوب في نظرها، وهذا واضح من المشروع الامريكي الذي وجدته النظم العربية طموحا بالنسبة لها، هو تعديل بعض القوانين التي تحد من عمل النظام أو تعيق اشتغاله بشكل صحيح. ومن ذلك الاصرار على توسيع قاعدة المشاركة السياسية للطبقة الوسطى بما يعنيه ذلك من الحد من السيطرة الشمولية والشاملة للحزب أو للفريق الحاكم على وسائل السلطة والثقافة والاعلام والاقتصاد والإدارة معا والحد من الفساد المستشري وإدخال إصلاحات تتعلق باكتساب المعرفة والتقنيات الحديثة وزيادة مشاركة المرأة في الحياة العمومية. ومن المفروض أن يطلق كل ذلك دينامية التنمية الاقتصادية الضرورية لامتصاص البطالة المتزايدة والحد من توسع دائرة الفقر وبالتالي التخفيف من مشاعر الاحباط ومن التوترات التي تعرفها المجتمعات العربية اليوم والتي تهدد باتساع دائرة الخروج على النظام وربما الانتماء إلى منظمات العنف والتمرد المحلي والعالمي. إن المقصود هو باختصار إجراء بعض التعديلات الضرورية حتى تستعيد الأنظمة الراهنة بعض الصدقية وتخفف من المفرزات المدمرة والخطيرة للأزمة التاريخية التي تعيشها مئات الملايين الثلاثة العربية والتي ليس لها في الأفق المنظور أي حل.
في اعتقادي كان من الممكن لمثل هذا المشروع الاصلاحي، بصرف النظر عن الداعي له أو المشجع عليه، أن يتحقق ويفتح آفاقا جديدة لو حصل في الثمانينات، أي في الفترة ذاتها التي شهدت موجة عامة من الاصلاحات في العالم أجمع وبشكل خاص في الدول الشيوعية والفاشية أو شبه الفاشية التي انضمت في ما بعد إلى أوروبة والتي كانت تشابه في بنية أنظمتها أنظمة معظم النظم العربية. فلم تكن الأزمة التي شهدتها البلاد العربية في تلك السنوات أقل حدة ولا أقل تجليات مما حدث في أوربة الشرقية واليونان والبلقان واسبانيا والبرتغال. وقد بدأت ثورات الخبز منذ بداية الثمانينات وامتدت إلى أكثر من بلد عربي وتكررت المواجهات بأشكال مختلفة ولأسباب واحدة بين قوات الامن العربية وحركات الاحتجاج الشعبي التي كانت في أغلب الاحيان حركات عفوية قبل أن تتحول في مرحلة لاحقة لمنظمات تسميها الدول اليوم إرهابية تستخدم السلاح وتجعل من العنف وسيلتها الرئيسية لمقاومة السلطات المحلية. وأعقب هذه الحركات انتفاضات واعتصامات وإضرابات مختلفة مناطقية وقطاعية ومهنية في أكثر من مكان أيضا قتل فيها في بعض الأحيان المئات من المواطنين بل الآلاف.
وبالرغم من هذه التظاهرات الكبيرة والخطيرة للأزمة المجتمعية والاحتقان العميق الذي بدأت تفرزه وتزايد حسابات القتلى والسجناء، لم تظهر النظم الحاكمة أي قلق ولم تبد أي تساؤل عما حدث وما يمكن أن يحدث في المستقبل. لقد كانت أكيدة مئة بالمئة من صحة توجهها ولم تر في حركات الاحتجاج والاعتصام والتشكي سوى محاولات من قبل القوى الأجنبية للضغط عليها والانتقاص من سيادتها أو من قبل قوى المعارضة التي لا تستحق حتى اسمها في نظرها لمنافستها على السلطة والثروة. ولأنها رفضت الاعتراف حتى بحصول أخطاء جزئية أو اتباع مناهج أو السير في توجهات غير مناسبة لم يكن من الممكن لها التفكير حتى بفكرة الاصلاح. لقد كانت تعترف في أفضل الأحوال بوجود صعوبات لكن لتؤكد أن كل خياراتها السياسية والاستراتيجية والثقافية والتعليمية كانت صحيحة وعلى صواب. واالنتيجة هي ما نعرفه اليوم من خروج مسألة الاصلاح من بين أيدينا وتبنيها من قبل الدول الاجنبية.

الاتحاد أفريل 04

عام على احتلال العراق


من الواضح ان احتلال العراق يشكل ورطة بالنسبة للإدارة الأمريكية التي توقعت نصرا سريعا وحسما أسرع للوضع لكنها لا تكف عن مواجهة أوضاع تتعقد أكثر مع مرور الوقت. وبالرغم من مظاهر الاستمرار في استعراض القوة تدرك واشنطن أكثر فأكثر أن المخرج الوحيد الذي بقي لها هو السعي إلى تحقيق التفاهم مع الدول الأوروبية لاتخاذ قرارات جديدة في مجلس الأمن تسهل نقل السلطة إلى العراقيين وتخفف العبء عن الأمريكيين. إنها تتراجع شيئا فشيئا عن غطرستها الأولى وتقبل بالشراكة مع حلفائها الذين رفضت مشاركتهم في السابق.
بيد أن المخاطر على العراق لم تتضاءل ولن تتضاءل بسبب ذلك. فمن جهة أولى لا تزال لدى الولايات المتحدة القدرة على نشر الخراب والحروب الداخلية لتبرير بقائها العسكري والسياسي وقطع الطريق على استقلال ناجز للعراق. وهي تستطيع في هذا المجال أن تعتمد على الكثير من القوى الصغيرة المتطرفة كما تستطيع أن تعتمد على أجهزتها ووسائلها الخاصة لتحويل الحرب من حرب وطنية بالنسبة للعراقيين إلى حرب داخلية أهلية. ومما يضاعف المخاوف في هذا المجال الاختلاط الكبير الحاصل في وضع المقاومة الوطنية العراقية نفسها. فإذا كانت الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي تقف بشكل واضح ضد الاحتلال وتريد إخراجه من العراق، لا يختلف في ذلك السنة والشيعة، فإن الاختلافات التي بظهرها العراقيون بخصوص تحديد طرق هذه المقاومة وأساليبها تزيد من مخاطر الانقسام داخل الصف العراقي. لكن ما هو أهم من كل ذلك الغموض الذي يلف المقاومة المسلحة والطابع شبه الطائفي الذي تنزع إلى اتخاذه. فبالاضافة إلى أن هذه المقاومة لا تزال تفتقر للهوية الواضحة ولا تعلن عن أي أهداف واضحة بخصوص مستقبل العراق لا يزال من الصعب على المراقب التمييز بين أعمال المقاومة الوطنية الحقيقية والعمليات الاجرامية الكثيرة التي تستهدف المدنيين العراقيين وتخفي إرادة تفجير الحروب الداخلية. وللأسف لا يبدو أن هذه المقاومة تدرك حتى الآن مخاطر هذا الاختلاط والالتباس الحاصل وتقوم بما ينبغي القيام به لتمييز نفسها وعملياتها بصورة حاسمة عن الأجهزة المشبوهة وعمليات العنف الأعمى، كما أنها لا تظهر إدراكا كبيرا لضرورة وأهمية أن تتحمل هي أيضا المسؤولية في المشاركة في وضع حد للمجازر التي ترتكب في العراق والتي لا تستهدف الاحتلال بقدر ما تستهدف وحدة الشعب العراقي وفرصه في الخروج من الفوضى والخراب.
ومن جهة ثانية يشكل الخلاف حول مسألة ا لفيدرالية بين العرب والأكراد مصدر قلق آخر بشأن مستقبل عراق ما بعد الفاشية. فإذا كان من المكن تبرير مشروع االفيدرالية على أساس غير أقوامي كما تسعى إلى التأكيد عليه الأطراف العربية في إطار الاعتراف بالشروخ العميقة التي خلفها النظام الطغياني داخل المجتمع والعمل على تجاوز ضياع الثقة فيما بينها، فإن مشروع الفيدرالية القائمة على التقسيم الأقوامي أو العرقي كما تريد الأحزاب الكردية يخفي من دون شك إرادة الانفصال سواء أجاء ذلك مع إعلان قيام الدولة الكردية المستقلة أو من دونه. وإذا كان هذا هو الهدف فلتفتح المفاوضات منذ الآن ومن دون لف ودوران حول وضع المنطقة الكردية ومستقبل علاقاتها بالعراق بدل أن تدور المعركة في الظل ومن وراء ظهر الشعب العراقي وفي خفية عنه.
ومن المؤكد أن عدم توصل العراقيين بين سنة وشيعة وعربا وأكرادا وتركمان إلى تفاهم فيما بينهم سوف يقدم للولايات المتحدة فرصة ثمينة لتأجيل الاعتراف بسيادة العراق أو لفرض سيادة ناقصة عليه. وسوف يشجعهم من دون شك على تبني مواقف شبيهة بتلك التي لجأت إليها بريطانيا في حقبة ما بين الحربين العالميتين لتكريس احتلالها الدائم للعراق، أي تطبيق نوع من الوصاية غير المعلنة على عراق منقسم على نفسه يحكمه العراقيون أنفسهم من حيث المظهر فحسب في حين يبقى القرار الحقيقي في يد مندوب سام معين بالاسم أو من دون تعيين رسمي.
ومن جهة ثالثة، وفي حالة من الغياب الكامل للعالم العربي عن الأحداث الدولية والإقليمية التي تهزه يخشى أن تقود المقاومة العراقية إلى تحقيق أهداف غير التي تسعى إليها. فمن الممكن تماما أن يؤدي الضغط العسكري الكبير على قوى الاحتلال الأمريكي البريطاني إلى دفع الأمريكيين، للحد من تدهور الوضع السياسي والعسكري في العراق، إلى التقرب من جديد من الاوربيين الذين لا يطمحون إلى شيء آخر في العراق سوى المشاركة في الغنيمة وتجنب الاستبعاد، والتفاهم لاستصدار قرارات جديدة في الأمم المتحدة تعزز مواقفهم جميعا. ومن المؤكد أن مثل هذا التفاهم، بعكس ما يعتقده الساسة العرب، لن يكون إلا على حساب مصالح العرب وضدهم. فمثل هذا التفاهم الأمريكي الأوروبي هو القاعدة الأساسية لتعزيز السيطرة الأطلسية على المنطقة العربية.
كما أن من الممكن لاستمرار تدهور الموقف السياسي والعكسري الأمريكي في العراق أن يشجع بعض صقور واشنطن وهم كثر إلى تبني سياسة الهرب إلى الأمام وتوسيع دائرة الحرب لتشمل سورية، خاصة وأن مثل هذا الهرب يمكن أن يخدم أيضا خطط الحكومة اليمينية الاسرائيلية التي تسعى إلى الخروج من ورطة الحرب الفلسطينية. وكما أن من الممكن أن يساهم توسيع دائرة الحرب، بصرف النظر عن الفوضى التي سيثيرها، إلى التغطية على المأزق الأمريكي في العراق، من الممكن أن يقدم نقل الحرب إلى سورية وسيلة للتغطية على انسحاب حكومة شارون من غزة والضفة الغربية وما يعبر عنه هذا الانحساب من إخفاق في تحقيق أهداف الحرب الاسرائيلية الجارية لتصفية القضية الفلسطينية. ومما يزيد من مثل هذه المخاطر، هو أن أجندة الولايات المتحدة في سورية أو بالنسبة لسورية هي أجندة إسرائيلية أكثر حتى مما هي أمريكية. ومن الطبيعي أن يتفاقم الخطر على سورية عندما تتعرض حكومة شارون إلى هزة كبيرة وتحتاج كي تتجاوزها إلى عمل يعزز موقفها في الداخل وتجاه الفلسطينيين. والأمر يتوقف في الأشهر القادمة على نجاح هذه الحكومة في تحقيق إنسحابها من الأراضي من دون الحاجة إلى عمليات استعراضية للتغطية على مأزق التورط، من دون أمل في تحقيق أي هدف من أهدافها الأصلية، في حرب الدمار الفلسطينية.
وكما ذكرت في أحد مقالاتي الماضية أن الحرب التي تدور في العراق ليست حربا أمريكية عراقية فحسب ولكنها أيضا حرب اسرائيلية عربية. فتحت رداء الحرب الأمريكية كانت تل أبيب تخوض ولا تزال حربها الخاصة. وإذا كانت أحد أهداف الحرب الأمريكية ا لسيطرة على العراق، ومن ورائه تثبيت سيطرتها على الخليج ونفطه، فإن هدف الحرب الاسرائيلية منع العراق من الاستقرار وإذا أمكن دفعه نحو التمزق والتفتت. ولا أستبعد أن تكون العديد من العمليات الارهابية التي عرفتها المدن والمواقع الدينية العراقية والمؤسسات الدولية من صنع أيادي المخابرات الاسرائيلية.
ثم إن اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ظروف تؤكد بشكل متزايد تصاعد شعبية المرشح الديمقراطي قد تدفع الإدارة الأمريكية الراهنة إلى التشدد أكثر في المنطقة العربية لتحسين صورة وسمعة الرئيس بوش لدى الرأي العام الذي يميل بشكل أكبر لصالح تأكيد القوة والقدرة على السيطرة الأمريكية.
ومهما كان الأمر، وهذه هي المسألة المحورية، لا يمكن لمصير العراق أن ينفصل عن مصير المنطقة العربية برمتها. فإذا استمر الوضع العربي في التدهور لن يكون هناك أمل في أن ينجح العراقيون في السيطرة على استراتيجيات الهيمنة والتمزيق التي تستهدفهم من قبل الولايات المتحدة واسرائيل. لكن إذا نجج العالم العربي المكرسح في أن يقف على قدميه، وشرط ذلك إعادة إدخال المجتمعات العربية في الحياة السياسية ووقف الارهاب الرسمي المنظم الذي يمارس ضدها في سبيل ضمان الازدهار والانتعاش الأبدي لحفنة قليلة من اللصوص والطفيليات، فلن يستطيع العراق الخروج من قمقم الاحتلال ولكن الاحتلال هو الذي سيزيد من هامش مبادرته وسينجح في تعزيز موقفه في البلاد العربية الأخرى.

المبادرات الأمريكية لدمقرطة العالم العربي


كلما هدأ النقاش في العالم العربي حول موضوع: من أين يأتي الإصلاح الديمقراطي صدرت الإدارة الأمريكية على لسان أو قلم أحد مسؤوليها معلومات جديدة حول خطة متكاملة تزمع الولايات المتحدة تطبيقها في القريب العاجل لدفع موجة الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الانسان في المنطقة العربية. فبعد مبادرة الشراكة الشرق أوسطية الأمريكية التي تحدث عنها كولن باول في ديسمبر 2002 الذي رصد فيها 29 مليون دولار كدفعة أولى ومشروع دمقرطة الشرق الأوسط الذي نشره وليم بيرنز في منتصف عام 2003 ثم أول إعلان من جورج بوش الابن عن خطة للتغيير الديمقراطي في العراق والشرق الأوسط في مايو ثم في نوفمبر من العام نفسه، حيث ذكر بأن أمريكا التي دعمت الديمقراطية خلال ستين عاما ماضية قد غيرت من اختياراتها، ها هي وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية تتداول من جديد خطة متكاملة يقال أن الإدارة الأمريكية تستعد لنشرها وتطبيقها منذ الصيف القادم لنقل الشرق الاوسط والعالم العربي إلى مصاف الدول الديمقراطية كما حصل لليابان وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة هذا التركيز المتواصل للإدارة الأمريكية على مسألة التغيير والاصلاح الديمقراطي التي تشكل اليوم بؤرة الاهتمام في وسط الرأي العام العربي على مختلف تياراته العقائدية والسياسية وفي جميع قطاعاته يثور النقاش بين العرب حول من يدافع عن العرض الأمريكي ويقبل به أو يراهن عليه ومن يرفضه ويدعو إلى عدم الاعتقاد به والتمسك بالمقابل بمشاريع الاصلاح والتغيير الداخلي. وهكذا انقسم الرأي العام بالفعل بين فريقين متخاصمين. يقول أنصار الحل الأمريكي أن المجتمعات العربية قد أظهرت أنها غير قادرة على الخروج من المأزق الذي وصلت إليه وأنه لا مهرب لنا من اللجوء إلى الدعم الخارجي للخروج من الوضع المأساوي الذي نجد أنفسنا فيه. ومن الواضح أن الولايات المتحدة التي ساهمت في التحويل الديمقراطي للكتلة الشيوعية بأكملها تريد الآن أن تزيل الوضع الاستثنائي الذي فرضته على العالم العربي في الماضي ودعمت فيه الديكتاتورية ولا يمكن أن لا نستفيد من سياستها الراهنة الايجابية. وبالمقابل يعتقد الفريق الآخر أن مبادرات الدريمقراطية الأمريكية دعاوى فارغة تستخدمها فقط للتغطية على مشاريع السيطرة التي تعدها للمنطقة ولا شيء آخر، وأنه لا ينبغي على العرب القبول بالديمقراطية المفروضة وأن يعتمدوا على أنفسهم وقواهم الخاصة للوصول إلى الإصلاحات المنشودة مهما كان الثمن والحال.
وبداية أقول لسنا هنا في معرض رفض الديمقراطية سواء أجاءت من طرف الولايات المتحدة أو من طرف غيرها. فنحن نشكو من أن الولايات المتحدة والدول الصناعية تدعم ولا تزال تدعم الديكتاتوريات في العالم العربي. كما أن المجتمعات العربية لم تنتظر الولايات المتحدة لتدخل في معركة التحويل الديمقراطي في بلدانها. ولا أرى هناك معنى لوضع المسألة في إطار الاختيار. إن ما هو مطلوب اليوم من محللين ومثقفين معنيين بمستقبل العالم العربي هو إعطاء تقديرات واقعية ومنطقية لمدى جدية الالتزام الأمريكي بالديمقراطية إذا كان هناك إلتزام أو الكشف عن الطابع الدعائي لهذه المبادرات في سبيل تنوير الرأي العام وفي مقدمه قادته الذين يجدر بهم أن لا يأخذوا أحلامهم كواقع ولا يضيعوا الفرص التاريخية إذا وجدت أيضا.
وأقول بداية من منطلق تقدير الحالة هذا أنني لا أعتقد أن نشر الديمقراطية من الهموم الأساسية للولايات المتحدة أو لأي دولة أخرى. وقد أظهر التاريخ القريب المعروف أن الولايات المتحدة استخدمت سلاح الديمقراطية عندما كان هذا السلاح يتماشى مع مصالحها كما هو الحال في مواجهة الكتلة السوفييتية السابقة كما استخدمت سلاح الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية والحكومات المطلقة الأبوية والقبلية عندما كان ذلك يتماشى أيضا مع هذه المصالح كما حصل في دول آسيوية وأمريكية لاتينية وعربية أو شرق أوسطية عديدة خلال العقود الماضية. وبالمثل لا أعتقد أنه يكفي الإشارة إلى أن المبادرات الديمقراطية الأمريكية تشكل جزءا من مشروع السيطرة الامبرطورية على الشرق الأوسط يتم البرهان على بطلانها ومعها دعاوى الدمقرطة الخارجية. إذ من الممكن كما رأينا ذلك في مثال اوروبة الشرقية وروسيا أن يتفق هدف السيطرة الامريكية مع هدف التحويل الديمقراطي. إن موقف الولايات المتحدة من الديمقراطية موقف براغماتي تابع بالفعل لمصالحها. وفي هذه الحالة لن تكون المسألة المهمة هي قبول المبادرات الخارجية للاصلاح أو الوقوف في وجهها ولكن معرفة ما هي بالفعل وجهة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للسنوات القادمة وإلى أي حد يلتقي تحقيق هذه المصالح مع غاية التحول الديمقراطي للنظم السياسية العربية. والسؤال الثاني الذي لا يمكن أن ينفصل عن الأول هو معرفة ما ذا نقصد وتقصد الولايات المتحدة بالديمقراطية؟ هل هو إقامة نظم سياسية تمثيليه تعكس بالفعل الإرادة الجمعية أو السيادة الشعبية في البلاد العربية وتقود إلى سيطرة المجتمعات على مصائرها التاريخية أم هو إقامة واجهات تمثيلية شكلية عبر انتخابات دورية كما هو قائم في العديد من الدول الأفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية، أي إقامة نوع من التعددية التي تسمح للأفراد بحد أدنى من التعبير الحر عن الرأي ومن التنظيم والتنافس على مناصب المسؤولية تختلف كثيرا عما هو سائد من احتكار السلطة ومصادرة حق التعبير والتنظيم والمشاركة والمنافسة على مناصب المسؤولية من قبل فئات محدودة أصبحت سيطرتها الأحادية ترى كأنها عملية سطو مسلحة على العباد والبلاد ومواردهما الرئيسية.

في اعتقادي أن الولايات المتحدة ومن ورائها قوى أخرى من المعسكر الصناعي والأطلسي تفكر في الشرق الأوسط والعالم العربي من خلال أربع مصالح رئيسية: عدم ترك أهم احتياطيات النفط العالمية تحت سيطرة شعوب أو أنظمة عربية غير مضمونة لا في مواقفها ولا في امكانية استقرارها، تأمين كل فرص ووسائل الانتصار في الحرب ضد الارهاب الذي تعتقد أن ظاهرته متجذرة في الأرض العربية، تجريد المنطقة أو الدول العربية بالأحرى من أسلحة الدمار الشامل التي تملكها حتى لا تبقى خطرا كامنا على الدول الصناعية أو على إسرائيل وأخيرا توطين اسرائيل نهائيا وترسيخ جذورها في التربة الشرق أوسطية وتامين القبول بها والتعامل الطبيعي بينها وبين الشعوب العربية، ومن مسلتزمات ذلك الإضافية القبول بمشاريع اسرائيل التوسعية باعتبارها ضرورية لضمان مستقبل إسرائيل ومعاداة كل محاولة تكتل عربية تهدد بتغيير حيوسياسة المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية. هذه الأهداف هي التي توجه السياسة الأمريكية أساسا وربما أكثر فأكثر السياسة الأطلسبة.
ليس من بين هذه الأهداف هدف واحد يسمح بالحديث عن الالتقاء بين الأجندة الأمريكية ومشروع نشر للديمقراطية في المنطقة. فالسيطرة على النفط لا يهدف إلى أمر آخر سوى منع الدول أو النظم العربية، تحت ضغط شعوبها، من استخدامه كأداة في الحرب أو الضغط على الدول الصناعية. وذكرى الحظر النفطي العربي عام 1973 هي التي تدفع الغربيين للتدخل المباشر اليوم وتبرره. وبالمثل من الصعب الاعتقاد بأن محاربة الارهاب تستدعى فتح المجال السياسي في العالم العربي بعد أن ساهمت في تكبيله وتقليص الحريات أو الضمانات الدستورية للحريات في موطن الديمقراطية الأمريكية نفسها. ولا أدري ما هي العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين نزع أسلحة الدمار الشامل العربية ودمقرطة الحياة السياسية في الشرق الأوسط. أما في ما يتعلق باسرائيل فأنا على يقين بأن أنصار هذه الدولة في واشنطن يعتقدون بقوة بأن الرأي العام العربي رأي معاد للسامية وكاره لليهود وأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلا الطريق الأسرع لسيطرة القوى الاسلامية المتعصبة والمعادية لليهود والغرب على السلطة في معظم إن لم يكن في جميع الأقطار العربية. هل يعني هذا إذن أن دعوة الولايات المتحدة إلى تطبيع الحياة السياسية والعودة إلى سيادة القانون والحريات العامة والديمقراطية في البلاد العربية هي دعوة فارغة وملغومة؟


لا أعتقد أن خطاب الإدارة الأمريكية الجديد حول التحويل الديمقراطي والاصلاح في البلاد العربية دعاية فارغة ولا خدعة لفظية لا تهدف إلا إلى ضمان تأييد العرب لمشاريعها الامبرطورية في احتلال العراق وتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية من دون تحقيق مطالب الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي المحتلة. وفي نظري أن مصدر الحديث عن مبادرات ديمقراطية للعالم العربي موجود في مكان آخر غير الدفاع المباشر عن المصالح المادية والسياسية والاستراتيجية التي تحدثنا عنها. إنه يكمن في الاقتناع الصحيح بأن النظم العربية قد أخفقت في تحقيق أي هدف من الاهداف التي لا بد منها لاستقرار الشعوب والمجتمعات والبلدان، سواء ما تعلق منها بالتنمية الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية أو بناء الأنظمة السياسية الشرعية، وأن النتيجة الطبيعية لهذا الإخفاق هو تدهور شروط الحياة العربية وتفاقم البطالة والفقر ومن ورائهما تنامي التناقضات والنزاعات الداخلية وبالتالي انفجار أزمة تاريخية طويلة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلها ولا بعواقبها على المصالح الأمريكية والغربية والاسرائيلية عموما، بل وعلى استقرار الشرق الأوسط والقدرة على حكمه والسيطرة عليه. وعلى هامش هذه الأزمة الطاحنة والسائرة حتما نحو التفاقم مع توليد المزيد من التعصب والتوتر والاقتتال والعنف لا يبدو في المشهد السياسي أحد أعني فاعل جمعي يقف على رجليه أو يبدو كذلك ويقدر على التدخل لتجيير الأحداث ودفعها في اتجاه واضح على الأقل من وجهة نظره سوى القوى الاسلامية التي تمتح من معين المشاعر والاعتقادات والتقاليد الجمعية الدينية والمدنية معا. وأمام تفكك هذا النظام الشرق أوسطي ومخاطره الكبيرة على تدفق النفط الطبيعي وسلام وأمن إسرائيل وانتشار أسلحة الدمار الشامل إن لم يكن استخدامها من قبل مجموعات منظمة صغيرة واتساع دائرة ما يسمى اليوم بالارهاب لا يسع الولايات المتحدة ولا بلدان المعسكر الصناعي الأخرى التي تدعمها وتقف ورائها، حتى عندما تختلف معها في الخطط التكتيكية، إلا أن تتدخل مباشرة في عين المكان لتعيد ترتيب الأوضاع وتقطع الطريق على أي مفاجآت أو تطورات غير متوقعه ومهددة للمصالح الغربية.
هكذا يعقتد الأمريكيون والغربيون عموما أن سبب الإخفاق الخطير الذي تشهده المنطقة في جميع المستويات والذي يحمل تهديدات لا يمكن تجاهلها للمصالح الغربية هو سوء حكم وإدارة النخب العربية الحاكمة وأن من المستحيل درء مخاطر الإخفاق الشامل في المنطقة من وضع حد لما أصبح يبدو عمليات سطو جماعي مسلحة على موارد البلاد وسكانها أكثر مما يبدو سياسات مدنية وعقلانية مستمدة من حاجات بناء المجتمعات وضمان عمل المؤسسات وتكوين الدول الفاعلة. إن ما يهدف إليه الحديث الأمريكي وما يدعو إليه من إصلاح وديمقراطية هو تبني برنامج الاصلاح الذي أصبح برنامجا عربيا شعبيا لتبرئة نفسها من مسؤولية الوضع الكارثي القائم وانتزاع المبادرة في توجيه وقيادة المرحلة القادمة التي ستخلف مرحلة تفكك النظم العربية القائمة. وهكذا تبدو الولايات المتحدة التي كانت الداعم الأول لنظم الحكم اللاشعبية باسم الحفاظ على الاستقرار وكأنها الشريك الأول للشعوب العربية في السعي نحو الخروج من الأزمة. والمضمون الحقيقي لمشروعات الاصلاح الأمريكية هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل النظم والنخب العربية بما يحقق استعادة زمام الأمور في منطقة استثنائية في موقعها وقيمتها الاستراتيجية، أي بما يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية الأوروبية. ولا يمكن تحقيق ذلك في نظر التحالف الغربي إلا بوضع حد لسياسات الهدر والاستهتار والانفلات القانوني والإداري التي تشكل اليوم أكبر تهديد للاستقرار وبوقف مسار التدهور المعنوي والمادي والسياسي وإنقاذ الوضع الشرق أوسطي من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها من كوارث محققة. ولا شك أن الديمقراطية بما تعنيه من إعطاء حد أدنى من الحريات والتعددية للشعوب العربية وتأكيد معنى المسؤولية والمحاسبة السياسية تشكل اليوم أحد العناوين الأساسية إن لم تكن العنوان الرئيسي لأي برنامج إصلاح عربي.
لكن لا ينبغي أن نفهم من المشروع الأمريكي لنشر الديمقراطية في البلاد العربية إعادة السيادة للشعب والقبول بمطالبه وجعل السلطة العمومية ممثلة بالفعل لمصالحه وتوجهاته. فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الشعوب العربية على أنها شعوب بدائية ضعيفة التكوين الروحي والفكري والسياسي لا يمكن الإطمئنان لها أو السيطرة عليها. إن ما يهدف إليه هو بالأحرى وضع الأنظمة أو النخب العربية التي تدين ببقائها وتدعيمها للولايات المتحدة تحت الوصاية المباشرة للمعلم وحرمانها من التصرف بحرية بما أصبح يبدو لها، من بلاد وعباد وثروات وموارد وطنية، وكأنه من أملاكها الخاصة وحكرا قائما عليها. أي في الواقع وضع حد لعربدتها الداخلية الاستثنائية. وهو من قبيل وصاية الأب على الولد الجاهل والفاسد معا.
يطمح الحلفاء، والأمريكيون على رأسهم، أن يحقق لهم نظام الوصاية الجديد إشرافا أفضل على مسار التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة والسيطرة المباشرة عليها بعد أن خرجت أو كادت تخرج في نظرهم عن سيطرة الفئات الحاكمة. فهذه العقلنة هي التي تضمن في نظرهم منع برميل البارود الذي هو العالم العربي برمته من الانفجار وتدمير كثير من المصالح حوله. كما يطمحون أيضا، من خلال إدخال درجات أكبر من الشفافية على النظم السياسية الجديدة أو المجددة، ضمان النفاذ بشكل أفضل إلى سلطة القرار والتحكم به عن قرب ومنع حصول تطورات خطيرة ، لايمكن التحكم بنتائجها، مثل تطوير اسلحة الدمار الشامل. وهم يطمحون كذلك إلى تقريب الطبقات الوسطى لإضفاء طابع من الاستقرار على النظام الجديد أو المجدد وذلك من خلال تأمين شكل من أشكال التعددية السياسية وضمان الحريات الفردية الأساسية. باختصار إنهم يريدون شراء المجتمعات العربية أو طبقاتها الوسطى ونخبها الرئيسية لضمان استمرار أطول واستقرار أكثر وأقوى مقابل الإبقاء على ما ينبغي تسميته نظام السيطرة المشتركة العربية الأمريكية. وبهذا المعنى قلت إن هدف ديمقراطيتهم الليبرالية الفردوية هو قطع الطريق على الديمقراطية الحقيقية التمثيلية التي تعترف بسيادة الشعب والمجتمع وتعبر عن طموحاته وأهدافه وآماله.
لكن في ما وراء وضع الوصاية الأمريكية المباشرة تشكل إعادة بناء وترسيخ قواعد النظام الشرق أوسطي شبه الاستعماري الذي يشكل جزءا تابعا للنظام الغربي منذ الحرب العالمية الثانية الوسيلة الوحيدة أيضا لقطع الطريق على أي تحول حقيقي نحو سيطرة الشعوب العربية على مقدراتها الحقيقية، أي نحو ديمقراطية تضمن تقرير المجتمعات لمصيرها فعلا من دون ضغوط ولا قيود ولا تدخلات أجنبية. إنها تعني الحفاظ على نظام التدخلات الأجنبية التي طبعت مصير الشرق العربي وحددت اتجاهات تطور نظمه وعمليات استتباع نخبه في الوقت نفسه خلال العقود الطويلة الماضية بعد انقضاء حقبة التحرر من السيطرة الاستعمارية.
ومع ذلك يمثل هذا الوضع تقدما بالمقارنة مع الوضع السابق الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة يد الفئات الحاكمة في البلاد العربية طالما بقيت هذه الفئات منسجمة مع استراتيجياتها الإقليمية، سواء أعلنت تحالفها معها أم لا. فهو يعني حدا أفضل من تطبيق المعايير الدولية والمراقبة الخارجية وبالتالي نوعا ما من المحاسبة كما يعني حدا أدنى من احترام القانون والحقوق والحريات الفردية. والأهم من ذلك في نظري أن هذا النظام الذي يعاني من الانهيار والتفتت اليوم لن يستطيع أن يصلح ولا أن يستعيد الحياة. وسوف تنقلب أي إجراءات ديمقراطية مهما كانت ضعيفة على أصحابها. لن ينجح الأمريكيون في نظري في إعادة الحياة إلى نظام الشرق الأوسط الخنوع والخاضع والتابع لهم ولن يفيدهم ترقيعه في شيء. وهذا يعني أن الأمريكيين ووكلاءهم المباشرين وغير المباشرين يعيشون في مأزق سواء أنجحوا في فرض التجديد والاصلاح على النظم التي رعوها في العقود الماضية وانكشفت عورتها اليوم للعامة والخاصة أو لم ينجحوا واضطروا إلى التعامل مع ازمة النظم العربية المتفجرة بوسائل وطرائق أخرى، بما فيها ربما الحرب المستمرة.
من هنا، لا ينبغي التقليل أيضا من أثر التأكيد العالمي، والأمريكي منه بشكل خاص، على مأزق الأنظمة العربية وافتقارها للديمقراطية واحترام الانسان. فالواقع أن استقرار الاستبداد ذاته لم يحصل في البلاد العربية إلا بسبب الصمت والتغطية على اننهاكات الأنظمة العربية لجميع التزاماتها تجاه مواطنبها من قبل الدول الغربية، وبالتالي بسبب ثقة النخب الحاكمة بأنها منسجمة في سياساتها القمعية مع الاستراتيجية الأمريكية. ولذلك فهي تشعر اليوم بالضياع ولا تفهم شيئا مما يحصل حولها بسبب تغيير الولايات المتحدة خطابها وإظهارها ميولا مختلفة لمعالجة معضلات الأوضاع الشرق أوسطية. ولا شك أن حديث الإدارة الأمريكية عن المبادرات الديمقراطية يزعزع استقرار هذه الأنظمة أو بالأحرى يساهم في تعميق زعزعتها لأنه يحرمها من الغطاء السياسي الخارجي الأساسي والذي لا غنى لها عنه في استمرارها مع غياب التأييد أو الشرعية الشعبية والانتخابية. وهذا ما يفسر أنها بالرغم من كل ما حصل ومن كل المبادرات الأمريكية حول الديمقراطية والاصلاح لا تزال معظم النخب الحاكمة الحائرة والمنكوبة تتأمل خيرا وتراهن على الوقت لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن خططها والعودة إلى رشدها، أي إلى التعاون والتفاهم مع النظم القائمة لقاء التنازلات العربية المطلوبة.
ومهما كان الأمر، ليس لدينا أي سبب لرفض أي تحولات ديمقراطية مهما كان الباعث لها. بل نحن الذين كنا ولا نزال نتهم الدول الغربية بخيانة مبادئها باستمرار ودعم الاستبداد والنظم اللاشعبية في المنطقة. ولا يمكن أن نطالبهم اليوم بالعودة عن خطابهم وتأكيد موقفهم التقليدي من جديد. لكننا نقول لهم أولا أن الحديث عن تعميم الديمقراطية في المنطقة لا يمكن أن يستقيم وأن يكون حقيقيا طالما لم تربط الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون مثل هذه المبادرات بايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية واليوم لقضية احتلال العراق. كما لا يمكن أن يستقيم ثانيا ما لم تغير الولايات المتحدة والغرب بشكل عام من نظرته لطبيعة مصالحه في المنطقة ومن اعتقاده بأن ضمان هذه المصالح لا يمكن أن يتحقق بالتفاهم مع شعوبها ولكن بإخضاعهم وتأمين السيطرة المباشرة عليهم، أي بحرمانهم من حقهم في المشاركة الفعلية في التعبير عن مصالحهم، سواء أجاء هذا الاعتقاد نتيجة الشك في المجتمعات الاسلامية وقدرتها على التعامل مع معايير الحضارة العصرية أو بسبب الخوف من أن يؤدي تسليمها مقاليد أمورها إلى صعود نخب إسلامية معادية للغرب في معظم البلاد العربية.
ليس هناك إذن ما يمكن أن يوحي بالثقة بأن المبادرة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ليست مجرد وسيلة للتغطية على إرادة السيطرة أو التمديد لها في المنطقة ولحرف نظر الشعوب العربية عن المسائل الخطيرة العالقة بين العرب والأمريكيين وفي مقدمها المسألة الفلسطينية. وبالرغم من الحديث المكرور عن الاصلاح بل ربما بسببه فإن هناك شكوك كبيرة حول جديه الولايات المتحدة. ومن الممكن أن لا تكون جميع هذه المبادرات سوى وسيلة لذرا للرماد في العيون وللضغط على النظم العربية حتى تستجيب بشكل أكبر للمطالب الأمريكية. فإلى جانب الإرادة الضعيفة التي تظهرها واشنطن تجاه زبائنها من النظم العربية هناك من دون شك الحسابات المعقدة أيضا في التوفيق بين المصالح القريبة والبعيدة. ثم إنه لا شيء يؤكد أن لدى واشنطن القدرة، بالرغم من كل شيء، على مواجهة النخب التي أطلقت يدها خلال عقود طويلة في البلاد العربية والتي استشرست وأتقنت اللعب على كل الحبال واستخدام جميع وسائل المراوغة والتحايل والخديعة، بما فيها الحروب الأهلية، لقطع الطريق على أي تغيير يحد من نفوذها أو يهددها بالتخلي عن ممتلكاتها، أعني عن الدول التي تسيطر عليها كإقطاعات القرون الوسطى القديمة مع كل شعوبها ومواردها. وكلها مستعدة لتفجير هذه الدول ودفعها نحو الهاوية بكل الوسائل إذا كانت النتيجة المتوقعه لأي إصلاح إخراجها منها أو تقليم أظافرها.
والخوف كل الخوف أن تنجح المخاوف الأمريكية من الانفتاح السياسي والمراوغة التقليدية للنخب المتسلطة على الدول والبلدان في الدفع نحو توقيع صفقة جديدة، وهذا هو المرجح في نظري، بين الفئات الحاكمة والإدارة الأمريكية الراهنة أو القادمة تكون نتيجتها التضحية المشتركة بالديمقراطية، أي بالمصالح الشعبية، مقابل التزام الدول الصناعية بتقديم مساعدات كبيرة اقتصادية وأمنية للنظم الحالية وقبول الأخيرة بتنازلات كبيرة في مسائل الاستقلال والسيادة والهوية الوطنية والتمسك بحل عادل للمسألة الفلسطينية وبآفاق التنمية المستقلة والوحدة والتحرر من السيطرة والاحتلال الأجنبي. لا يمنع هذا بالتأكيد القيام ببعض الإصلاحات الشكلية لإقامة واجهة من التعددية السياسية العقيمة والحريات الفردية الفارغة لكنه يضمن إعادة بناء النظام الشرق أوسطي القديم وتجديد الشراكة التقليدية بين النخب الحاكمة والتحالف الغربي على الأسس ذاتها التي ضمنت في الماضي حرمان الشعوب العربية من الحرية والمشاركة والسيادة وبالتالي من التنمية، وبالتالي الاستمرار في الإحياء الاصطناعي لدول فارغة إلا من وظيفة الوكالة الخاصة.

samedi, février 28, 2004

بين الديمقراطية العربية والديمقراطية الأمريكية



مع انهيار الحركات القومية ووصول أـنظمتها بالمجتمعات العربية إلى طريق مسدود لا تستطيع هي نفسها أن تنكره، تتنامى في أوساط الرأي العام، وبشكل خاص الرأي العام الشبابي، والعالمي أيضا، نزعة عدائية تجاه البرامج والشعارات والأهداف التي استحوذت في الماضي القريب على عقول الناس وأفئدتهم لعقود طويلة. وينهال النقد بصورة عشوائية على كل البرنامج الوطني العربي الذي بلورته الحركات الشعبية منذ بدايات القرن العشرين في مواجهة الاحتلالات الغربية للأقطار العربية أولا ثم في مواجهة علاقات التبعية والاستعمار الجديد ثانيا. حتى إن البعض أصبح يتندم على خروج الاحتلال والاستعمار، بل لقد سمعت صديقا يردد ولو على سبيل المزاح الذي لا يخلو من الجدية إن ما نحتاج إليه هو الخلاص من الاستقلال.
والمشكلة ليست في نقد البرامج الوطنية ولكن في بروز نزعة عدمية وسوداوية تجاه الحقب السابقة لا تفرق بين أخطاء الزعماء وتهافت الطبقات السياسية وتضحيات الشعوب. فلا ينبغي للاحباط الهائل الذي تعيش فيه الشعوب العربية اليوم أن يدفع إلى مثل هذا الموقف التعميمي العدمي. ولا يمكن لمثل هذا الموقف أن يقود إلى تصحيح الحال بقدر ما يعمل على تعميق الظلمة وانعدام الوعي. إن من واجبنا أن نعيد النظر بماضينا من دون أدنى تردد. لكن لا ينبغي أن يكون ذلك في سبيل نفي هذا الماضي أو صبغه بالسواد. فرفض الماضي والتنكر له لا يفيدنا في فهم ما يحصل لنا ولا يساعدنا على فهم الأسباب التي تكمن وراء إخفاقنا وكيف ومن هو المسؤول عن هذا الإخفاق. أعني أنه لا يساعدنا على أن نميز بين سياسات أو اختيارات سياسية واستراتيجية خاطئة وسياسات ايجابية ينبغي بلورتها وتطويرها حتى نخرج من المأزق الذي نحن فيه. والسبب بالضبط هو أن شتم الماضي والتنكر له لا يعني نقده ولا تمحيصه ولكن بالعكس الاستمرار في العماء الذي قاد إلى الفشل والإخفاق،.ولا يكفي أن نجلد أنفسنا ونشتم تاريخنا ونحقر ثقافتنا حتى نكتشف طريق التجدد والخلاص،
والسؤال الذي ينبغي على جميع المتصدين لمثل هذا النقد أن يطرحوه هو التالي: هل ترجع الأوضاع المأساوية التي نعيشها اليوم إلى خطأ الاختيارات والأهداف التي حددتها لنفسها بعد الاستقلال الحركة او الحركات الوطنية العربية؟ هل كان من الخطأ مثلا تبني شعار الاستقلال عن الأجنبي، والتفكير الذي ساد خلال الخمسينات والستينات بالوحدة أو بالتقارب بين الدول العربية؟ وهل كان من الخطأ التفكير في تقليص الفوارق بين الطبقات وتطبيق معايير أفضل للعدالة الاجتماعية وتحرير الفلاحين وتطبيق برامج الاصلاح الزراعي وإدخال الفلاحين والعمال إلى الحياة السياسية؟ هل كان من الخطأ العمل على التعبئة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في مواجهة الاستعمار الاستيطاني الزاحف ؟ وهل كان من الخطأ البحث عن تحالفات استراتيجية أخرى غير تلك التي كانت معقودة مع الدول الغربية خلال حقبة الاستعمار، أو شراء الأسلحة السوفييتية وتكوين الجيوش الوطنية؟ وهل كان الموقف الصحيح يتطلب الصلح بأي ثمن مع اسرائيل والتفاهم مع الدول الغربية والتعاون معها كما تسعى إلى فعله النظم العربية اليوم؟ وهل هذا السعي وما يعنيه من تخل عن الاختيارات الوطنية العربية السابقة من قبل الأنظمة الراهنة هو عمل صحيح وهو المطلوب وأن ما كان قائما كان خطأ أم أن هناك طريقا آخر ممكنا للتعامل مع الأوضاع الراهنة؟

هذه الأسئلة مطروحة على العرب اليوم بقوة وبراهنية. والاجابة العقلانية عنها تشكل عاملا أساسيا للخروج من حالة التخبط والفوضى الفكرية والايديولوجية والضياع السياسي التي يعيشها الرأي العام العربي. فمن دون ذلك سوف يستمر الوضع القائم كما هو، ويستمر الجمهور العربي في رفض الماضي والحاضر معا جملة وتفصيلا . ولا شك أن هذا الرفض للواقع القائم رفض محق. لكنه لن يستطيع أن ينتقل من السلب إلى الايجاب أي من رفض الواقع إلى بناء رؤية عقلانية وسليمة لإعادة بنائه وإصلاح أحواله من دون مراجعة عقلانية وجدية لسياسات الماضي واختياراته الأساسية.
في اعتقاتدي كان للبرنامج الوطني في العالم النامي بأجمعة ثلاثة محاور عمل أساسية. الأولى تأكيد الهوية السياسية أو الوطنية، وعندنا الهوية العربية أو المصرية أو اللبنانية او السورية أو الجزائرية أو المغربية، في مواجهة الهويات أو التماهيات التقليدية الدينية والطائفية والعشائرية والجهوية، بل انعدام الهوية، ومن دونه لم يكن من الممكن بناء الدولة الحديثة ولا الدخول في منطق سياسة العصر وتنظيمه المدني. والثاني حل مسألة الريف العربي ودمج الفلاحين الذين كانوا يشكلون الأغلبية من السكان، لكن الأغلبية المهمشة والمنبوذة، في الحياة الوطنية، ومن ضمنها تحقيق عدالة اجتماعية أفضل. وهو شرط تكوين نسيج وطني والخروج من منطق القرون الوسطى القائم على التمييز في المراتب والمقامات وعلى إلغاء الفردية أو إغراقها في العصبيات الجماعية. والثالث هو التحديث الإداري والتصنيع الاقتصادي الذين لا بديل عنهما من أجل دمج البلدان العربية بدورة النمو الصناعي والاقتصادي العالمي وايجاد فرص العمل الضرورية لأجيال الشباب المتنامية.
وفي العالم العربي ولأسباب خاصة يمكن أن نضيف إلى هذا البرنامج محورين آخرين الأول هما مواجهة واقع الاستعمار الاسرائيلي الذي جاء ليصادر في فلسطين على نتائج حركة التحرر من الاستعمار ويفرض وقائع جديدة استيطانية وجيواستراتيجية كبيرة التأثير. والثاني هو مسألة ترتيب العلاقات بين الأقطار العربية وإدارة الإرث الثقافي والتاريخي والعاطفي المشترك، سواء أخذ هذا الترتيب صورة التكتل في إطار الجامعة العربية أو الطموح الأكثر جذرية ليناء دولة عربية واحدة أو اتحاد عربي. ومما زاد من قوة الدفع نحو شعار الوحدة وتشكيل تكتل عربي هو تصاعد قوة الدولة الاسرائيلية وحاجات الرد على تحديات حركة الاستيطان تحت حماية التحالف الذي انعقد بين مشروع الاستعمار الاسرائيلي في فلسطين ومشاربع السيطرة على النفط من قبل القوى الكبرى ونزوعها إلى الابقاء على العالم العربي في دائرة النفوذ والتبعية للغرب وتكريس علاقات الاستعمار الجديد في المنطقة بهدف التحكم الطويل المدى بمصادر الطاقة النفطية.
ليس الخطأ في البرنامج الوطني العربي ولا في محاوره المختلفة التي صاغتها في الواقع حركة الجماهير العربية نفسها خلال عقود طويلة من اختبار السلطة الاستعمارية والصراع معها. وليس تحقيق هذا البرنامج هو المسؤول عن الكارثة التي يعيشها العالم العربي اليوم المهدد بتجريده من سيادته واستقلاله وموارده معا. إن الخطأ هو في خيانة النخب العربية هذا البرنامج الوطني وفي عدم تحقيقه واستبداله بمشاريع سيطرة أقلوية تتمحور حول خدمة الفئات الحاكمة وحدها وقاعدتها الزبائنية بدل خدمة المجتمعات. إن الخطأ قائم في مصادرة هذه النخب والنظم التي أسستها لهذا البرنامج ومن ورائه لمصير المجتمعات ومصالحها.
وما نشهده اليوم ليس إفلاس البرنامج الوطني العربي ولا خطئه أـو لا معقوليته وعدم اتساقه، فهو لم ينفذ حتى جزئيا، ولكن إفلاس النخب العربية الحاكمة وسياساتها وبرامجها غير الوطنية وغير العقلانية وبؤسها الفكري والسياسي والأخلاقي. فليس من العبث التأكيد على حقوق الشعوب العربية في الاستقلال والسيادة ورفض الاستيطان وسلب الأرض ولا العمل على توزيع أفضل للثروة المادية والرمزية على السكان، سواء أجاء ذلك باسم الاشتراكية أو العدالة الاجتماعية، ولا السعي لبناء هوية أو تعزيز الانتماء إلى دائرة ثقافية وسياسية عربية تستدعي التضامن والتكافل بين الشعوب ولا الانخراط في برامج التنمية والتصنيع. إن عدم تحقيق ذلك هو مصدر الخطأ والعبث لأنه لم يعن شيئا آخر سوى التضحية بالمصالح العربية الوطنية والقومية معا على مذبح المصالح الخاصة وأحيانا الشخصية.
ومن هنا لن يفيد التنكر لهذا الإرث الوطني العربي في تقدم الحركة الشعبية أو الديمقراطية أو التحديثية، وليس المطلوب تصفيته والتنكر للتضحيات الكبيرة التي قامت بها الأجيال العربية السابقة من أجل رسم طريق التحرر من التبعية وتحديث البنى الوطنية السياسية والمدنية خلال ما يقارب القرنين من الزمن. إن المطلوب، بالعكس من ذلك، محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن التخلي عن هذا الإرث والتنكر للتضحيات التاريخية والاستهتار بالمصالح الشعبية الوطنية والعربية.
ذكرت كل ذلك لأقول إنه لا ينبغي أن نطرح مسألة الديمقراطية اليوم في مواجهة اختياراتنا الوطنية في فلسطين وفي مسائل الهوية العربية والتنمية والتصنيع والتكتل والاتحاد أو كبديل عنها، وإنما علينا بالعكس أن نعزز الالتفاف حول شعارها والانتماء لها وترسيخ جذورها باستيعاب هذا البرنامج الذي سقطت النخب البيرقراطية المستبدة، المدنية والعسكرية، في امتحان تحقيقه. ولن يكون للديمقراطية مستقبل من دون أن تنجح في تحقيق هذه المهام الوطنية والاجتماعية المرتبطة بهذا البرنامج . باختصار، لن يكون بإمكان العرب التحرر والارتقاء بمستوى حياة السكان المادية والأخلاقية والاندماج في المسيرة الحضارية العالمية من دون استكمال برنامج التحرر الوطني هذا بما يشمله من وضع حد للتسلط الاسرائيلي وحركة الاستيطان وتجاوز التفتت والتشرذم السياسي العربي الذي يعيق انتشار الابداعات وتنقل المبدعين والمنتجين وعناصر التقدم في المنطقة ويقسم الأسواق والشعوب ويزرع التوترات والانقسامات والنزاعات بين الأقطار العربية. ولن يكون من الممكن استكمال هذا البرنامج الذي تخلت عنه النخب الحاكمة وإعادة إطلاق حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز التكافل والتضامن والعدالة الاجتماعية إلا بتجديد الحياة السياسية وتكوين نخب قيادية جديدة وتغيير موازين القوى الداخلية والإقليمية، وهو ما يتوجب على الحركة الديمقراطية العربية أن تحققه أو تثبت قدرتها على تحقيقه. وإلا فلن يكون لها مستقبل ولن تحظى بالشرعية التاريخية التي تحتاج إليها للبقاء والتنامي والرسوخ في التربة العربية. وسوف تستمر المجتمعات العربية في التخبط والضياع لعقود طويلة قادمة.
إن الذين يرون الديمقراطية بديلا للحركة الوطنية ونقيضا لها هم الليراليون اليمينيون أو رجال الأعمال والأسواق الحرة وحدهم. وهذا هو مشروع الديمقراطية الأمريكية المقترح للعالم العربي. ولسان حالهم يقول: بيعونا الاستقلال والنفط وفلسطين ونعطيكم الحريات الفردية.

ويخشى أنه إذا سيطرت على ذهن الأجيال الجديدة فكرة أن كل ما فكر به وعاش وضحى من أجله جيل الآباء كان خطأ ولا معنى له، وأن البحث عن العدالة في فلسطين والتكتل في إطار العالم العربي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الهوية والاستقلال الثقافي والسياسي، ليس سوى وهم وعبث لا أمل فيه ومن الأسلم عدم التفكير فيه والتفرغ فقط للدفاع عن الحريات الفردية والحقوق الإنسانية والسعادة اليومية والاندماج في الثورة الاليكترونية والمعلوماتية، فستكون الولايات المتحدة وشار بيرل ورمسفيلد وبوش هم الرابحون ويكون المستقبل في المنطقة للديمقراطية الأمريكية بالفعل، أي للأمريكيين يحكمون ويتحكمون ويحلون محل النخب القديمة المنهارة. ولن يكون هناك عرب ولا من باب أولى ديمقراطية عربية ولكن مناطق مفتوحة يعبث بها خبراء السلاح والمال والشعوذة الإعلاماتية العربية و الغربية.

jeudi, février 26, 2004

أي استراتيجية لانقاذ الأمة العربية



هناك إجماع عربي اليوم بين جميع تيارات الفكر والسياسة المتنافسة أو المتضاربة، بل بين جميع قطاعات الرأي العام على مختلف مستوياتها وتوجهاته، على أمرين رئيسيين. الأول أن ما تعيشه المجتمعات العربية هو حالة من التقهقر والانهيار والبؤس يصل إلى درجة المحنة. والثاني أن أركان هذه المحنة وعناصرها الكبرى هي الاستبداد السياسي والإخفاق الاقتصادي والفراغ الثقافي والروحي، وما ينجم عن ذلك من تدهور في شروط الحياة المادية والفكرية والمعنوية وفساد للمباديء القانونية والأخلاقية وامتهان لكرامة الأفراد وحرياتهم وحقوقهم الأساسية وفي النتيجة وضع الفئات الحاكمة بالقوة والعنف يدها على موارد البلاد وتوظيفها العلني لخدمة مآربها السياسية والاجتماعية.
لكن إذا كان هناك إجماع عربي اليوم على تشخيص الداء الذي تعاني منه المجتمعات العربية إلا أن العرب لا يزالون مختلفين على أمرين رئيسيين يتعلقان بعلاج هذا الداء. الأول هو طبيعة النظام الأمثل لمواجهة المحنة الراهنة والخروج منها، هل هو النظام المستمد من مباديء الشريعة الدينية أم من مباديء العقل الوضعي، هل هو نظام الديمقراطية أم نظام الشورى، هل هو نظام الفردية الحرة والمواطنية المتساوية أم هو نظام الجماعة والتكافل الديني أو الجمعي، إلخ. والثاني هو طريق أو منهج العمل للخلاص من المحنة الراهنة.

وفي هذا المجال تتنازع الجمهور العربي ثلاثة برامج أو أجندات يشكل تضاربها وعدم القدرة على التنسيق في ما بينها مصدر التشتت الفكري والانقسام والصراع السياسي والضياع الاستراتيجي الذي تعيشه المجتمعات العربية. الأول هو برنامج الحرب الوطنية أو والحضارية والثاني هو برنامج الإصلاح أو إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية والثالث هو برنامج التحويلات الديمقراطية.
ينطلق البرنامج الاول من الايمان بأن ما تعيشه الأمة العربية أو العربية الاسلامية اليوم هو حرب حضارية معلنة للتحكم بمصير المجتمعات العربية والاسلامية جميعا وربما للقضاء عليها، وأن المطلب الرئيسي اليوم لتغيير الأوضاع ووقف التدهور والانحطاط هو تأمين وسائل النجاح على هذه الجبهة الخارجية. ويشكل التيار الاسلامي الرديكالي رأس الحربة في الدفاع عن برنامج المواجهة الخارجية لكنه لا يقتصر عليها. فهو يجمع بين قطاعات واسعة من الحركات القومية التي فقدت الثقة بقياداتها التقليدية وبرامجها السابقة ونقلت ميدان معركتها من الصراع ضد القوى العميلة المحلية المتحالفة مع الأجنبي كما كانت تفعل في السابق إلى الصراع على الساحة الدولية مباشرة. وفي نظر هؤلاء تتلخص محنة المجتمعات العربية والوضع المأساوي الذي وصلت إليه في سيطرة القوى الأجنبية وبشكل خاص القوى الغربية المعادية على مقدرات الشعوب العربية، سواء بصورة مباشرة عن طريق الاحتلال كما هو الحال في فلسطين والعراق اليوم أو عبر التحالف مع الفئات الحاكمة المحلية، وتحكمها بمصير البلاد ومواردها. وليس هناك مخرج للمجتمعات العربية من هذه المحنة التي تعيش فيها إلا بالتخلص من هذه السيطرة بأشكالها المتعددة الثقافية والسياسية والاجتماعية والعسكرية.
إن الذي يوحد بين جميع قوى المقاومة الخارجية دفاعا عن الهوية والسيادة هو الاعتقاد إذن بأن المجتمعات العربية تعيش حالة مواجهة بل حالة حرب مع الدول الغربية الاستعمارية أو شبه الاستعمارية، وأن جميع الجهود ينبغي أن تنصب اليوم في معركة دحر السيطرة الغربية والتحرر منها. وشعار هذه القوى جميعا هو العمل على كسر شوكة الغرب والابتعاد عن كل ما يمكن أن يقسم صف العرب والمسلمين أو يفرق بينهم ويبعدهم عن المعركة الرئيسية هذه. ومن هنا يأخذ العمل على تعميق الانتماء والولاء لعالم الاسلام دينا وجماعة أهميته القصوى ليس عند الحركات الاسلامية فحسب، وهو أمر منتظر، ولكن حتى عند الحركات القومية التي كانت أميل إلى العلمانية. فهو يشكل في نظر قوى المقاومة جميعا اليوم المصدر الرئيسي للتعبئة الوطنية تماما كما يصبح اللقاء بين القوى الاسلامية الوطنية والقوى القومية مهمة رئيسية على جدول أعمال الحركة العربية الرامية إلى تعزيز الهوية والروح الاستقلالية.
لا ينفي أصحاب هذا البرنامج المشاكل الأخرى التي تعاني منها المجتمعات العربية ولا ينكرون أهمية التحرر من انظمة القهر أو حتى محاربتها والتخلص منها كما لا ينفون ضرورة القيام بإصلاحات داخلية ومؤسسية أساسية في الدول والمجتمعات ولكنهم لا يعتقدون أن لها اليوم الاولوية. أو بمعنى آخر إنهم يعتقدون أن المدخل إلى مثل هذه الاصلاحات وإلى تقويض أسس النظم التسلطية هو بالضبط الضرب المستمر على رأس الأفعى وأساس الشر الذي هو نظام التسلط الغربي العالمي الذي لا يشكل القهر في البلاد العربية إلا أحد إمتداداته ولايمثل الحاكمون فيه إلا صنائع له. وهذا هو نمط التفكير الذي قاد الحركات الاسلامية التي عملت في العقود الماضية على محور تحقيق الاصلاحات السياسية والاجتماعية الوطنية إلى التحول أكثر فأكثر، مع اكتشافها انسداد الطريق أمام هذه الاصلاحات، نحو العمليات الخارجية ونقلها المعركة إلى الساحات الدولية.
هذا هو السياق الذي يفسر تعاطف قطاعات سياسية أو عقائدية أو اجتماعية واسعة مع برنامج المقاومة السياسية والمسلحة ودفاعها عن أي نظام يتبنى شعارات العداء للغرب ويشهر به وبسيطرته الاستعمارية، حتى لو جاء ذلك في إطار دعائي ومن قبل أنظمة استبدادية فاسدة وجائرة. ومن هذا المنطلق أيضا يمكن أن نفهم نمط التفكير الذي جعل الكثير من الحركات الوطنية التي بدأت تتحول نحو الديمقراطية والعديد من الحركات الاسلامية التي تعرضت لقهر كبير تميل إلى أن تغفر للأنظمة الدموية منذ اللحظة التي تتعرض فيها للتهديدات الاسرائيلية أو الأمريكية.
هناك إذن بالتأكيد برنامج وطني يشغل بال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والاسلامي ويعتبر أن جوهر العمل للاصلاح والخروج من المحنة التي تعيشها الأمة العربية والاسلامية يكمن في تركيز جميع الجهود على جبهة المواجهة مع السيطرة الامبريالية والصهيونية المجسدة اليوم في الاحتلالين الاسرائيلي والأمريكي للعراق. ولا يرتبط هذا البرنامج الذي يعبر عن نفسه عبر العداء للامبريالية الأمريكية وإسرائيل، وربما الحضارة الغربية عموما، بفلسفة واحدة سياسية أو دينية. إنه يجمع بين قطاعات من الرأي العام العربي متنوعة المذاهب والمشارب، قومية وإسلامية ويسارية معا. وتنبع قوة هذا البرنامج الوطني وثبات فاعليته وجاذبيته من الاعتقاد العميق الذي خلفه استهتار التحالف الغربي بالمصالح العربية عموما، وبشكل خاص في فلسطين، بأن لمنطقة العربية والاسلامية مستهدفة من قبل التحالف الغربي بسبب ما تنطوي عليه من مصادر الطاقة وفي سبيل حماية الاستقرار والأمن والتوسع الاسرائيلي، وأن إرادة السيطرة الغربية المتجسدة في السياسات العدوانية ضد العرب هي المسؤولة عن إخفاق التنمية وتعزيز نمط حكم الاستبداد وتدهور الأوضاع وفشل برامج الاصلاح والنهضة جميعا في البلاد العربية. بل أكثر من ذلك، أن استمرار هذه السيطرة يحرم المجتمعات من التحكم بمصيرها ويغلق عليها كل أبواب النجاة. وينجم عن ذلك أنه لا مخرج للعرب والمسلمين من المأزق الذي يجدون أنفسهم فيه إلا بتقويض أسس هذه السيطرة الغربية والأمريكية بشكل خاص، ليس في المنطقة العربية فحسب وإنما في العالم أجمع أيضا، طالما أن السيطرة الشرق أوسطية ما هي إلا امتداد للسيطرة العالمية. وهناك من يعتقد بالفعل أنه ما إن يتحقق تقويض هذه السيطرة أو إضعافها حتى تتقوض من تلقاء نفسها الأسس التي تقوم عليه نظم الاستبداد والتسلط القائمة في المنطقة وبالتالي حتى تنشأ فرص أفضل لقيام نظم أكثر تمثيلية وتعبيرا عن إرادة المجتمعات العربية والاسلامية.
لا ينبع إذن التمسك بهذا البرنامج الذي فات أوانه في معظم دول العالم الأخرى من تصورات وهمية أو تثبتات عقائدية متحجرة أو شوفينية قومية كما يعتقد الكثير من الباحثين الأجانب والعرب معهم اليوم، ولكنه يستند بقوة إلى واقع عنيد وعنيف من الصعب تجاهله أو إشاحة النظر عنه هو واقع الحرب الاستراتيجية المستمرة التي قادتها ولا تزال تقودها الدول الغربية منذ عقود ضد الشعوب العربية للتحكم بمصيرها ومواردها وفرض الأمر الواقع عليها، ومثالها ورمزها الرئيسي الحرب الاسرائيلية المدعمة من الخارج في فلسطين والرامية إلى تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وقبول الدول الكبرى جميعا تقريبا بمشروع نظام التمييز العنصري الذي فرضته إسرائيل وتحاول تكريسه بالجدار العازل. فمن الآلام الناجمة عن العنف التي تستخدمه قوى السيطرة الخارجية تنبع مشاعر العداء والرفض القومي والديني للسياسات الغربية ويستمد برنامج المواجهة قوته وزخمه كما تؤمن حركات المقاومة الوطنية والاسلامية شعبيتها الواسعة ونفوذها في أوساط الملايين وتضمن ما يشبه الشرعية أو على الأقل التبرير شبه الأخلاقي لعمليات يذهب ضحيتها في فلسطين والعراق والعديد من الدول العربية الأخرى التي تحولت إلى ساحات مواجهة آلاف المدنيين.

وكما أن من الخطأ في اعتقادي تجاهل القلق الشعبي العميق من استمرار الضغوط الخارجية العسكرية والسياسية والثقافية على الرأي العام العربي، من الخطأ أيضا التقليل من الأهمية التي يتمتع بها برنامج المقاومة العربية للسيطرة الخارجية أو الاستهانة بالتعاطف الذي يحظى به. وربما كان برنامج المقاومة ولا يزال البرنامج الأقوى بين جميع الخيارات السياسية في أوساط الفئات الشعبية. وبالمثل أعتقد أنه من الخطأ الاستهانة بحجم النفوذ المعنوي الذي تتمتع به القوى التي تأخذ على عاتقها مهمة المواجهة الخارجية. خاصة وأنها تكاد تنفرد لوحدها، من دون القوى الرسمية أو القوى الديمقراطية في الرد على اعتداءات يعيش الرأي العام آثارها وصراعاتها يوما بيوم وبالصور الحية ويدفع فيها من دمه ومن خبزه اليومي ومن أمنه ومستقبل أبنائه.

فبقدر ما تبدو الحاجة ملحة وهائلة لمواجهة السيطرة الخارجية تبدو الساحة العربية والدولية مفتقرة إلى قوى جدية وذات صدقية قادرة على أن تتحمل أعباءها أو تأخذ على عاتقها جزءا من مهام تحقيقها. وهو ما يضفى غلى المقاومة الاسلامية الراهنة، بالرغم مما تتميز به غالبا من طابع جزئي ومشتت وارتجالي، قيمة وآثارا رمزية تتجاوز بكثير نتائجها الفعلية. فهي تحتل مسرحا هجرته القوى الأخرى الوطنية والديمقراطية، الأهلية والرسمية، منذ عقدين. فالقوى الرسمية، مثلها مثل أغلب الأحزاب والتجمعات الديمقراطية اليسارية والليبرالية أصبحت حساسة لمسائل إصلاح مؤسسات الدول القائمة وتحسين عملها وفاعليتها أكثر مما هي حساسة للتخلص من السيطرة أو الهيمنة العالمية وتغيير نظام العلاقات الدولية. فهل تملك هذه البرامج البديلة فرصا أكبر لإنقاذ الأمة العربية؟ هذا موضوع مقالات تالية.

برنامج الديمقراطية العربية



بالرغم من كل ما شهده العالم العربي في العقدين الأخيرين من محن كان المسبب الرئيسي فيها نظام الحكم المطلق واستبعاد أي مشاركة أو مشاورة شعبية، لا يزال الرأي العام مترددا جدا في تبني الديمقراطية لا من حيث هي هدف للتغيير ولكن أقل من ذلك من حيث هي مدخل ضروري للتغيير. ولا يزال الاعتقاد قويا لدى قطاعات واسعة من النخبة العربية التي فقدت الايمان بالشعارات القومية والاسلاموية القديمة إلى حد كبير بأن الديمقراطية ليست مسألة أساسية في علاج أوجاع البلاد العربية ولا يمكن أن تولى أجندتها موقع الأرجحية أو الأسبقية.
فقسم كبير من الرأي العام المثقف والسياسي الذي يميل إلى طروحات الاسلاميين أو يراهن على حركاتهم السياسية يميل إلى الاعتقاد بأنه لا حل ممكنا لمشاكل العرب المصيرية والداخلية من دون توجيه ضربة قوية للاستعمار ولسياسات الهمينة والسيطرة الأجنبية، والأمريكية بشكل خاص، على الأوطان العربية. ونسيان أسبقية هدف التصدي للعدوان يقود أو يمكن أن يقود في نظر هؤلاء إلى الوقوف في صف واحد مع القوى الخارجية ويهدد بقطع الطريق على أي تحولات أخرى في طريق الاصلاح، اقتصادية كانت أم سياسية أم ثقافية. المهم اليوم في منظور هذا الفريق توجيه جميع البنادق ضد العدو وتحويل جميع الكلمات والشعارات والخطوات إلى بنادق ورصاص يستهدف الوجود الأجنبي ويضربه. ويستدعي هذا الموقف من بين ما يستدعي تجاوز الخلافات العقائدية والسياسية والاجتماعية التي تفصل المجتمعات أو النخب الاجتماعية المهمشة والنخب الحاكمة، بل ربما دعم هذه النخب وتجاهل أخطائها طالما أظهرت استقلالها أو ساهمت ولو رمزيا في الوقوف في وجه القوى الأجنبية. وقسم كبير من أصحاب هذا الرأي يجرمون المعارضات العربية التي تتناول بالانتقاد السياسات الرسمية وتدعو الحكومات إلى الانفتاح والاعتراف بالتعددية واحترام حقوق الانسان وحرياته الأساسية. فليس الوقت وقت تحقيق مثل هذه الطلبات ولن يكون لهذه المطالبات الدائمة نتيجة أخرى غير تقسيم الرأي العام والتشويش على الموقف الشعبي والحيلولة دون نشوء الاجماع الوطني.
أما الفريق الثاني من الرأي العام المثقف والسياسي فهو يعتقد أن الأجندة الرئيسية التي ينبغي الأخذ بها اليوم هي أجندة إعادة بناء الدولة الوطنية و أو القومية وإصلاح الأوضاع الداخلية، وأن الديمقراطية ليست مدخلا حتميا لهذا الإصلاح ولا مهمة ذات أولوية. بل من الممكن أن تقود إلى عكس ما تهدف له. ومن هنا ينبغي أن تعطى الأولوية للاصلاح. إذ بقدر ما تفترض أجندة الصراع ضد الهيمنة الأجنبية الثقافية والسياسية والاستراتيجية أنه ليس من الممكن إصلاح النظم الوطنية المحلية والقضاء على الفساد والظلم والاستبداد من دون تغيير أساسي بل جذري في موازين القوى الدولية تسمح للعرب والمسلمين أن يفرضوا أنفسهم وينتزعوا اعتراف العالم بحقوقهم وكف يد العدوان عنهم، تفترض أجندة إصلاح الدولة ومكافحة الفساد الاقتصادي والإداري أنه من المستحيل قيام ديمقراطية من دون وجود بنية أساسية اقتصادية واجتماعية وإدارية سليمة وفعالة. وإن التحول نحو الديمقراطية يمكن أن يقود إلى انفجار المجتمعات وتفتتها إذا لم يرافقه تحسن مواز في إعادة بناء التوازنات الاقتصادية الرئيسية ورفع مستوى الدخل للفرد والارتقاء بمستوى الأداء الإداري والفني للنخب العلمية والتقنية والبيروقراطية.
وفي المقابل هناك فريق ثالث يعتقد أن الديمقراطية هي المدخل الحتمي والأول لأي تحولات ايجابية عربية سواء أكانت على مستوى العلاقات الدولية أو مستوى الإصلاحات الداخلية. وأن من المستحيل التقدم على جبهة الصراع الوطني من أجل التحرير وتأمين السيادة والاستقلال ولا على جبهة الاصلاح الداخلي والقضاء على الفساد والترهل والانكماش الاقتصادي من دون إحراز تقدم أول وأساسي في ميدان الحريات الفردية والمحاسبة والمراقبة الشعبية على عمل الحكومات والأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية.

والمشكلة في اعتقادي أن الكثير من المشاركين في هذا النقاش يعرضون طروحاتهم كما لو كانت مناقضة واحدتها للأخرى وليست مكملة لها. فالمجاهد الوطني أو الديني يعتقد أن الحديث في الديمقراطية هو تبن مباشر لطروحات وأجندة أعمال الدول الأجنبية المعادية للأمة العربية والاسلامية كما أن الحديث عن برنامج إصلاح الدولة هو إضفاء للشرعية على النظم القائمة الاستبدادية والطغيانية. فليس هناك في نظره أي أجندة ديمقراطية أو وطنية حقيقية أي موضوعية وتستحق الاهتمام بها وكل ما يقال في هذا الميدان هو من قبيل التلاعب بالألفاظ أو التأثر بالأفكار والقيم والتقاليد والنماذج الغربية الاستعمارية. والاصلاحي الوطني والقومي يعتقد بالمثل أن برنامج الصراع ضد الغرب والدول الاستعمارية لم يعد ذو أولويةوأن ما يقوم به الاسلاميون وبعض القوميين من حملات ضد الهيمنة والسيطرة الاجنبية السياسية والثقافية يعكس ضعف تفكيرهم وابتعادهم عن مشاكل العصر وواقع الاندماج التفاعل العالميين. كما أن هذا الفريق الاصلاحي لا يجد في أجندة الديمقراطية شيئا آخر سوى شعارا يستخدم في الصراع على السلطة أو أسلوبا ملتويا تستخدمه المعارضة الاسلامية لتعبئة الجماهير الشعبية والوصول إلى السلطة.
وفي المقابل يعتقد الديمقراطي الذي يجعل من التعددية وإطلاق الحريات الشخصية أس الإصلاحات المجتمعية كاملة أن الاستمرار في إعطاء الأولوية لبرنامج إصلاح الدولة والنظم القائمة بما في ذلك نظام العلاقات العربية العربية في سبيل تعزيز السيادة الوطنية والقومية، ليس إلا وسيلة لقطع الطريق على الإصلاحات الحقيقية وتمكين النخب الحاكمة من تمديد أجل سيطرتها ونفوذها بالرغم من الإخفاقات الكبيرة التي تكبدتها. أما أجندة الصراع ضد الغرب لتعديل ميزان القوى العالمي وإصلاح نظام العلاقات الدولية فهو لا يفيد إلا في تعميق عداء العالم لنا وزيادة ضغطه على المجتمعات العربية التي تتحول إن لم تكن قد تحولت في نظره إلى وكر للحركات الإرهابية المدانة من قبل جميع الأمم. وبمثل هذه الأجندة تستطيع قوى السيطرة الامبرطورية الأمريكية تبرير سياساتها العدوانية وتوحيد الصف العالمي ضد القوى العربية والاسلامية. فالديمقراطية لا تشكل المدخل الطبيعي والحتمي لأي إصلاح للدولة الوطنية وإعادة الصدقية للدولة الوطنية فحسب ولكنها تقرب بين المجتمعات العربية الاسلامية والمجتمعات الغربية الحديثة وتساعدنا على تجاوز العزلة التي وضعنا أنفسنا فيها وتمهيد الطريق إلى التحاور والتفاهم مع المنظومة الدولية التي تكاد تتفق على إدانة ثقافتنا وحضارتنا وتقف صفا واحدا ضدنا.


في نظري تشكل الديمقراطية المدخل لأي إصلاحات عربية حقيقية أو جدية. وكون الديمقراطية مدخلا يعني أنها ليست بحد ذاتها الحل الجاهز لجميع المشاكل والتحديات التي تواجه المجتمعات العربية. بل إنها لن تستقر وتصبح نهائية لا رجعة عنها ولن تتقدم هي نفسها في البلاد العربية ما لم تنجح في أن تحل، من خلال تحقيقها لبرنامجها الخاص المتمحور في المجتمعات العربية حول تفكيك النظم التسلطية وتوسيع دائرة الحريات والحقوق الفردية، مهام ثورة التحرر الوطني غير المكتملة في بلادنا بسبب قوة النفوذ الأجنبي المجسد بشكل رئيسي في الاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي والدعم المطلق له من قبل الدول الغربية وما تبع ذلك من مشاريع سيطرة إقليمية تشارك فيها الدول الكبرى منذ حلف بغداد حتى اليوم. كما لا يمكن أن تتطور وتتقدم وتستقطب الرأي العام العربي وتقنعه بصدقيتها من دون أن تستوعب في برنامجها ذاته مهام ثورة إصلاح الدولة الوطنية التي حولتها النظم التسلطية إلى مزرعة شخصية أو فئوية أو عائلية وإعادتها إلى المجتمعات أو جعلها دولة الشعب أو الامة بالمعنى الحقيقي للكلمة لا ناطقة باسمها لخدمة مصالح خصوصية. ومن دون ذلك سوف تبقى الديمقراطية حركة أقلية ثقافية وسياسية من دون جذور شعبية.

والنتيجة لن يكون تحرر الفرد أساسا لتحرر المجتمع واستقلاله بنفسه واندراجه في دورة الحضارة العالمية، وليس مناسبة لانهيار الدولة وتحلل الجماعة وتشرذمها وعودتها إلى عصبياتها الطائفية والأقوامية، إلا عندما تنجح الديمقراطية في أن تستوعب في برنامجها ذاته المهام المثلثة المطلوب تحقيقها في أي حركة خلاص عربي، مهام تحرير للفرد والمجتمع من الطغيانات السياسية والثقافية أولا ومهام الاصلاح الداخلي وإعادة بناء الدولة كمؤسسة وطنية عمومية وقانونية معا ثانيا ومهام تنظيم المقاومة ضد الاحتلال والوقوف في وجه مشاريع السيطرة والهيمنة الدولية ثالثا. هذا هو التحدي الذي يواجهه الرهان الديمقراطي العربي والذي لن يتحقق من دون أن يبين قدرته على رده.
ولا يمكن لهذا أن يحصل بصورة عفوية وتلقائية. إن تحقيق ذلك يستدعي العمل على محاور متعددة ومتوازية في الوقت نفسه. محور التعبئة الثقافية والسياسية لتهديم أسس تجديد علاقات السلطة المطلقة والتعسفية، وهو ما يشكل جوهر برنامج الديمقراطية التقليدية، ومحور توسيع دائرة التحالفات الوطنية في اتجاه جميع القوى الاصلاحية في سبيل إعادة بناء دولة العدالة والمساواة القانونية الذي يشكل جوهر البرامج الوطنية، ومحور العمل لتكوين قوة دولية أهلية من داخل الأطر والمجتمعات المدنية العالمية تقف في مواجهة مشاريع السيطرة الاستعمارية وتناضل جنبا إلى جنب مع الحركة الديمقراطية العربية لتقييد هذه السيطرة وكسر شوكتها.
بغياب مثل هذه الحركة الديمقراطية العاملة في الوقت نفسه على تحرير الفرد وإعادة بناء الدولة وتغيير نظام العلاقات الدولية لن يكون هناك مخرج من الأزمة الطاحنة التي تعصف بالمجتمعات العربية ولا بديل عن برنامج السلطات الراهنة القائم على استفراد المصالح الخاصة بالموارد الوطنية وتفكيك الدولة السابقة شبه الوطنية وشبه الاقطاعية وبيعها كقطع غيار في الأسواق المحلية والدولية والارتماء في أحضان القوى الخارجية والعمل لصالح استراتيجياتها الهيمنية.