dimanche, avril 04, 2004

المبادرات الأمريكية لدمقرطة العالم العربي


كلما هدأ النقاش في العالم العربي حول موضوع: من أين يأتي الإصلاح الديمقراطي صدرت الإدارة الأمريكية على لسان أو قلم أحد مسؤوليها معلومات جديدة حول خطة متكاملة تزمع الولايات المتحدة تطبيقها في القريب العاجل لدفع موجة الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الانسان في المنطقة العربية. فبعد مبادرة الشراكة الشرق أوسطية الأمريكية التي تحدث عنها كولن باول في ديسمبر 2002 الذي رصد فيها 29 مليون دولار كدفعة أولى ومشروع دمقرطة الشرق الأوسط الذي نشره وليم بيرنز في منتصف عام 2003 ثم أول إعلان من جورج بوش الابن عن خطة للتغيير الديمقراطي في العراق والشرق الأوسط في مايو ثم في نوفمبر من العام نفسه، حيث ذكر بأن أمريكا التي دعمت الديمقراطية خلال ستين عاما ماضية قد غيرت من اختياراتها، ها هي وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية تتداول من جديد خطة متكاملة يقال أن الإدارة الأمريكية تستعد لنشرها وتطبيقها منذ الصيف القادم لنقل الشرق الاوسط والعالم العربي إلى مصاف الدول الديمقراطية كما حصل لليابان وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة هذا التركيز المتواصل للإدارة الأمريكية على مسألة التغيير والاصلاح الديمقراطي التي تشكل اليوم بؤرة الاهتمام في وسط الرأي العام العربي على مختلف تياراته العقائدية والسياسية وفي جميع قطاعاته يثور النقاش بين العرب حول من يدافع عن العرض الأمريكي ويقبل به أو يراهن عليه ومن يرفضه ويدعو إلى عدم الاعتقاد به والتمسك بالمقابل بمشاريع الاصلاح والتغيير الداخلي. وهكذا انقسم الرأي العام بالفعل بين فريقين متخاصمين. يقول أنصار الحل الأمريكي أن المجتمعات العربية قد أظهرت أنها غير قادرة على الخروج من المأزق الذي وصلت إليه وأنه لا مهرب لنا من اللجوء إلى الدعم الخارجي للخروج من الوضع المأساوي الذي نجد أنفسنا فيه. ومن الواضح أن الولايات المتحدة التي ساهمت في التحويل الديمقراطي للكتلة الشيوعية بأكملها تريد الآن أن تزيل الوضع الاستثنائي الذي فرضته على العالم العربي في الماضي ودعمت فيه الديكتاتورية ولا يمكن أن لا نستفيد من سياستها الراهنة الايجابية. وبالمقابل يعتقد الفريق الآخر أن مبادرات الدريمقراطية الأمريكية دعاوى فارغة تستخدمها فقط للتغطية على مشاريع السيطرة التي تعدها للمنطقة ولا شيء آخر، وأنه لا ينبغي على العرب القبول بالديمقراطية المفروضة وأن يعتمدوا على أنفسهم وقواهم الخاصة للوصول إلى الإصلاحات المنشودة مهما كان الثمن والحال.
وبداية أقول لسنا هنا في معرض رفض الديمقراطية سواء أجاءت من طرف الولايات المتحدة أو من طرف غيرها. فنحن نشكو من أن الولايات المتحدة والدول الصناعية تدعم ولا تزال تدعم الديكتاتوريات في العالم العربي. كما أن المجتمعات العربية لم تنتظر الولايات المتحدة لتدخل في معركة التحويل الديمقراطي في بلدانها. ولا أرى هناك معنى لوضع المسألة في إطار الاختيار. إن ما هو مطلوب اليوم من محللين ومثقفين معنيين بمستقبل العالم العربي هو إعطاء تقديرات واقعية ومنطقية لمدى جدية الالتزام الأمريكي بالديمقراطية إذا كان هناك إلتزام أو الكشف عن الطابع الدعائي لهذه المبادرات في سبيل تنوير الرأي العام وفي مقدمه قادته الذين يجدر بهم أن لا يأخذوا أحلامهم كواقع ولا يضيعوا الفرص التاريخية إذا وجدت أيضا.
وأقول بداية من منطلق تقدير الحالة هذا أنني لا أعتقد أن نشر الديمقراطية من الهموم الأساسية للولايات المتحدة أو لأي دولة أخرى. وقد أظهر التاريخ القريب المعروف أن الولايات المتحدة استخدمت سلاح الديمقراطية عندما كان هذا السلاح يتماشى مع مصالحها كما هو الحال في مواجهة الكتلة السوفييتية السابقة كما استخدمت سلاح الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية والحكومات المطلقة الأبوية والقبلية عندما كان ذلك يتماشى أيضا مع هذه المصالح كما حصل في دول آسيوية وأمريكية لاتينية وعربية أو شرق أوسطية عديدة خلال العقود الماضية. وبالمثل لا أعتقد أنه يكفي الإشارة إلى أن المبادرات الديمقراطية الأمريكية تشكل جزءا من مشروع السيطرة الامبرطورية على الشرق الأوسط يتم البرهان على بطلانها ومعها دعاوى الدمقرطة الخارجية. إذ من الممكن كما رأينا ذلك في مثال اوروبة الشرقية وروسيا أن يتفق هدف السيطرة الامريكية مع هدف التحويل الديمقراطي. إن موقف الولايات المتحدة من الديمقراطية موقف براغماتي تابع بالفعل لمصالحها. وفي هذه الحالة لن تكون المسألة المهمة هي قبول المبادرات الخارجية للاصلاح أو الوقوف في وجهها ولكن معرفة ما هي بالفعل وجهة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للسنوات القادمة وإلى أي حد يلتقي تحقيق هذه المصالح مع غاية التحول الديمقراطي للنظم السياسية العربية. والسؤال الثاني الذي لا يمكن أن ينفصل عن الأول هو معرفة ما ذا نقصد وتقصد الولايات المتحدة بالديمقراطية؟ هل هو إقامة نظم سياسية تمثيليه تعكس بالفعل الإرادة الجمعية أو السيادة الشعبية في البلاد العربية وتقود إلى سيطرة المجتمعات على مصائرها التاريخية أم هو إقامة واجهات تمثيلية شكلية عبر انتخابات دورية كما هو قائم في العديد من الدول الأفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية، أي إقامة نوع من التعددية التي تسمح للأفراد بحد أدنى من التعبير الحر عن الرأي ومن التنظيم والتنافس على مناصب المسؤولية تختلف كثيرا عما هو سائد من احتكار السلطة ومصادرة حق التعبير والتنظيم والمشاركة والمنافسة على مناصب المسؤولية من قبل فئات محدودة أصبحت سيطرتها الأحادية ترى كأنها عملية سطو مسلحة على العباد والبلاد ومواردهما الرئيسية.

في اعتقادي أن الولايات المتحدة ومن ورائها قوى أخرى من المعسكر الصناعي والأطلسي تفكر في الشرق الأوسط والعالم العربي من خلال أربع مصالح رئيسية: عدم ترك أهم احتياطيات النفط العالمية تحت سيطرة شعوب أو أنظمة عربية غير مضمونة لا في مواقفها ولا في امكانية استقرارها، تأمين كل فرص ووسائل الانتصار في الحرب ضد الارهاب الذي تعتقد أن ظاهرته متجذرة في الأرض العربية، تجريد المنطقة أو الدول العربية بالأحرى من أسلحة الدمار الشامل التي تملكها حتى لا تبقى خطرا كامنا على الدول الصناعية أو على إسرائيل وأخيرا توطين اسرائيل نهائيا وترسيخ جذورها في التربة الشرق أوسطية وتامين القبول بها والتعامل الطبيعي بينها وبين الشعوب العربية، ومن مسلتزمات ذلك الإضافية القبول بمشاريع اسرائيل التوسعية باعتبارها ضرورية لضمان مستقبل إسرائيل ومعاداة كل محاولة تكتل عربية تهدد بتغيير حيوسياسة المنطقة وتوازنات القوى الإقليمية. هذه الأهداف هي التي توجه السياسة الأمريكية أساسا وربما أكثر فأكثر السياسة الأطلسبة.
ليس من بين هذه الأهداف هدف واحد يسمح بالحديث عن الالتقاء بين الأجندة الأمريكية ومشروع نشر للديمقراطية في المنطقة. فالسيطرة على النفط لا يهدف إلى أمر آخر سوى منع الدول أو النظم العربية، تحت ضغط شعوبها، من استخدامه كأداة في الحرب أو الضغط على الدول الصناعية. وذكرى الحظر النفطي العربي عام 1973 هي التي تدفع الغربيين للتدخل المباشر اليوم وتبرره. وبالمثل من الصعب الاعتقاد بأن محاربة الارهاب تستدعى فتح المجال السياسي في العالم العربي بعد أن ساهمت في تكبيله وتقليص الحريات أو الضمانات الدستورية للحريات في موطن الديمقراطية الأمريكية نفسها. ولا أدري ما هي العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين نزع أسلحة الدمار الشامل العربية ودمقرطة الحياة السياسية في الشرق الأوسط. أما في ما يتعلق باسرائيل فأنا على يقين بأن أنصار هذه الدولة في واشنطن يعتقدون بقوة بأن الرأي العام العربي رأي معاد للسامية وكاره لليهود وأن الديمقراطية لا يمكن أن تكون إلا الطريق الأسرع لسيطرة القوى الاسلامية المتعصبة والمعادية لليهود والغرب على السلطة في معظم إن لم يكن في جميع الأقطار العربية. هل يعني هذا إذن أن دعوة الولايات المتحدة إلى تطبيع الحياة السياسية والعودة إلى سيادة القانون والحريات العامة والديمقراطية في البلاد العربية هي دعوة فارغة وملغومة؟


لا أعتقد أن خطاب الإدارة الأمريكية الجديد حول التحويل الديمقراطي والاصلاح في البلاد العربية دعاية فارغة ولا خدعة لفظية لا تهدف إلا إلى ضمان تأييد العرب لمشاريعها الامبرطورية في احتلال العراق وتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية من دون تحقيق مطالب الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي المحتلة. وفي نظري أن مصدر الحديث عن مبادرات ديمقراطية للعالم العربي موجود في مكان آخر غير الدفاع المباشر عن المصالح المادية والسياسية والاستراتيجية التي تحدثنا عنها. إنه يكمن في الاقتناع الصحيح بأن النظم العربية قد أخفقت في تحقيق أي هدف من الاهداف التي لا بد منها لاستقرار الشعوب والمجتمعات والبلدان، سواء ما تعلق منها بالتنمية الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية أو بناء الأنظمة السياسية الشرعية، وأن النتيجة الطبيعية لهذا الإخفاق هو تدهور شروط الحياة العربية وتفاقم البطالة والفقر ومن ورائهما تنامي التناقضات والنزاعات الداخلية وبالتالي انفجار أزمة تاريخية طويلة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلها ولا بعواقبها على المصالح الأمريكية والغربية والاسرائيلية عموما، بل وعلى استقرار الشرق الأوسط والقدرة على حكمه والسيطرة عليه. وعلى هامش هذه الأزمة الطاحنة والسائرة حتما نحو التفاقم مع توليد المزيد من التعصب والتوتر والاقتتال والعنف لا يبدو في المشهد السياسي أحد أعني فاعل جمعي يقف على رجليه أو يبدو كذلك ويقدر على التدخل لتجيير الأحداث ودفعها في اتجاه واضح على الأقل من وجهة نظره سوى القوى الاسلامية التي تمتح من معين المشاعر والاعتقادات والتقاليد الجمعية الدينية والمدنية معا. وأمام تفكك هذا النظام الشرق أوسطي ومخاطره الكبيرة على تدفق النفط الطبيعي وسلام وأمن إسرائيل وانتشار أسلحة الدمار الشامل إن لم يكن استخدامها من قبل مجموعات منظمة صغيرة واتساع دائرة ما يسمى اليوم بالارهاب لا يسع الولايات المتحدة ولا بلدان المعسكر الصناعي الأخرى التي تدعمها وتقف ورائها، حتى عندما تختلف معها في الخطط التكتيكية، إلا أن تتدخل مباشرة في عين المكان لتعيد ترتيب الأوضاع وتقطع الطريق على أي مفاجآت أو تطورات غير متوقعه ومهددة للمصالح الغربية.
هكذا يعقتد الأمريكيون والغربيون عموما أن سبب الإخفاق الخطير الذي تشهده المنطقة في جميع المستويات والذي يحمل تهديدات لا يمكن تجاهلها للمصالح الغربية هو سوء حكم وإدارة النخب العربية الحاكمة وأن من المستحيل درء مخاطر الإخفاق الشامل في المنطقة من وضع حد لما أصبح يبدو عمليات سطو جماعي مسلحة على موارد البلاد وسكانها أكثر مما يبدو سياسات مدنية وعقلانية مستمدة من حاجات بناء المجتمعات وضمان عمل المؤسسات وتكوين الدول الفاعلة. إن ما يهدف إليه الحديث الأمريكي وما يدعو إليه من إصلاح وديمقراطية هو تبني برنامج الاصلاح الذي أصبح برنامجا عربيا شعبيا لتبرئة نفسها من مسؤولية الوضع الكارثي القائم وانتزاع المبادرة في توجيه وقيادة المرحلة القادمة التي ستخلف مرحلة تفكك النظم العربية القائمة. وهكذا تبدو الولايات المتحدة التي كانت الداعم الأول لنظم الحكم اللاشعبية باسم الحفاظ على الاستقرار وكأنها الشريك الأول للشعوب العربية في السعي نحو الخروج من الأزمة. والمضمون الحقيقي لمشروعات الاصلاح الأمريكية هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل النظم والنخب العربية بما يحقق استعادة زمام الأمور في منطقة استثنائية في موقعها وقيمتها الاستراتيجية، أي بما يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية الأوروبية. ولا يمكن تحقيق ذلك في نظر التحالف الغربي إلا بوضع حد لسياسات الهدر والاستهتار والانفلات القانوني والإداري التي تشكل اليوم أكبر تهديد للاستقرار وبوقف مسار التدهور المعنوي والمادي والسياسي وإنقاذ الوضع الشرق أوسطي من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها من كوارث محققة. ولا شك أن الديمقراطية بما تعنيه من إعطاء حد أدنى من الحريات والتعددية للشعوب العربية وتأكيد معنى المسؤولية والمحاسبة السياسية تشكل اليوم أحد العناوين الأساسية إن لم تكن العنوان الرئيسي لأي برنامج إصلاح عربي.
لكن لا ينبغي أن نفهم من المشروع الأمريكي لنشر الديمقراطية في البلاد العربية إعادة السيادة للشعب والقبول بمطالبه وجعل السلطة العمومية ممثلة بالفعل لمصالحه وتوجهاته. فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الشعوب العربية على أنها شعوب بدائية ضعيفة التكوين الروحي والفكري والسياسي لا يمكن الإطمئنان لها أو السيطرة عليها. إن ما يهدف إليه هو بالأحرى وضع الأنظمة أو النخب العربية التي تدين ببقائها وتدعيمها للولايات المتحدة تحت الوصاية المباشرة للمعلم وحرمانها من التصرف بحرية بما أصبح يبدو لها، من بلاد وعباد وثروات وموارد وطنية، وكأنه من أملاكها الخاصة وحكرا قائما عليها. أي في الواقع وضع حد لعربدتها الداخلية الاستثنائية. وهو من قبيل وصاية الأب على الولد الجاهل والفاسد معا.
يطمح الحلفاء، والأمريكيون على رأسهم، أن يحقق لهم نظام الوصاية الجديد إشرافا أفضل على مسار التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة والسيطرة المباشرة عليها بعد أن خرجت أو كادت تخرج في نظرهم عن سيطرة الفئات الحاكمة. فهذه العقلنة هي التي تضمن في نظرهم منع برميل البارود الذي هو العالم العربي برمته من الانفجار وتدمير كثير من المصالح حوله. كما يطمحون أيضا، من خلال إدخال درجات أكبر من الشفافية على النظم السياسية الجديدة أو المجددة، ضمان النفاذ بشكل أفضل إلى سلطة القرار والتحكم به عن قرب ومنع حصول تطورات خطيرة ، لايمكن التحكم بنتائجها، مثل تطوير اسلحة الدمار الشامل. وهم يطمحون كذلك إلى تقريب الطبقات الوسطى لإضفاء طابع من الاستقرار على النظام الجديد أو المجدد وذلك من خلال تأمين شكل من أشكال التعددية السياسية وضمان الحريات الفردية الأساسية. باختصار إنهم يريدون شراء المجتمعات العربية أو طبقاتها الوسطى ونخبها الرئيسية لضمان استمرار أطول واستقرار أكثر وأقوى مقابل الإبقاء على ما ينبغي تسميته نظام السيطرة المشتركة العربية الأمريكية. وبهذا المعنى قلت إن هدف ديمقراطيتهم الليبرالية الفردوية هو قطع الطريق على الديمقراطية الحقيقية التمثيلية التي تعترف بسيادة الشعب والمجتمع وتعبر عن طموحاته وأهدافه وآماله.
لكن في ما وراء وضع الوصاية الأمريكية المباشرة تشكل إعادة بناء وترسيخ قواعد النظام الشرق أوسطي شبه الاستعماري الذي يشكل جزءا تابعا للنظام الغربي منذ الحرب العالمية الثانية الوسيلة الوحيدة أيضا لقطع الطريق على أي تحول حقيقي نحو سيطرة الشعوب العربية على مقدراتها الحقيقية، أي نحو ديمقراطية تضمن تقرير المجتمعات لمصيرها فعلا من دون ضغوط ولا قيود ولا تدخلات أجنبية. إنها تعني الحفاظ على نظام التدخلات الأجنبية التي طبعت مصير الشرق العربي وحددت اتجاهات تطور نظمه وعمليات استتباع نخبه في الوقت نفسه خلال العقود الطويلة الماضية بعد انقضاء حقبة التحرر من السيطرة الاستعمارية.
ومع ذلك يمثل هذا الوضع تقدما بالمقارنة مع الوضع السابق الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة يد الفئات الحاكمة في البلاد العربية طالما بقيت هذه الفئات منسجمة مع استراتيجياتها الإقليمية، سواء أعلنت تحالفها معها أم لا. فهو يعني حدا أفضل من تطبيق المعايير الدولية والمراقبة الخارجية وبالتالي نوعا ما من المحاسبة كما يعني حدا أدنى من احترام القانون والحقوق والحريات الفردية. والأهم من ذلك في نظري أن هذا النظام الذي يعاني من الانهيار والتفتت اليوم لن يستطيع أن يصلح ولا أن يستعيد الحياة. وسوف تنقلب أي إجراءات ديمقراطية مهما كانت ضعيفة على أصحابها. لن ينجح الأمريكيون في نظري في إعادة الحياة إلى نظام الشرق الأوسط الخنوع والخاضع والتابع لهم ولن يفيدهم ترقيعه في شيء. وهذا يعني أن الأمريكيين ووكلاءهم المباشرين وغير المباشرين يعيشون في مأزق سواء أنجحوا في فرض التجديد والاصلاح على النظم التي رعوها في العقود الماضية وانكشفت عورتها اليوم للعامة والخاصة أو لم ينجحوا واضطروا إلى التعامل مع ازمة النظم العربية المتفجرة بوسائل وطرائق أخرى، بما فيها ربما الحرب المستمرة.
من هنا، لا ينبغي التقليل أيضا من أثر التأكيد العالمي، والأمريكي منه بشكل خاص، على مأزق الأنظمة العربية وافتقارها للديمقراطية واحترام الانسان. فالواقع أن استقرار الاستبداد ذاته لم يحصل في البلاد العربية إلا بسبب الصمت والتغطية على اننهاكات الأنظمة العربية لجميع التزاماتها تجاه مواطنبها من قبل الدول الغربية، وبالتالي بسبب ثقة النخب الحاكمة بأنها منسجمة في سياساتها القمعية مع الاستراتيجية الأمريكية. ولذلك فهي تشعر اليوم بالضياع ولا تفهم شيئا مما يحصل حولها بسبب تغيير الولايات المتحدة خطابها وإظهارها ميولا مختلفة لمعالجة معضلات الأوضاع الشرق أوسطية. ولا شك أن حديث الإدارة الأمريكية عن المبادرات الديمقراطية يزعزع استقرار هذه الأنظمة أو بالأحرى يساهم في تعميق زعزعتها لأنه يحرمها من الغطاء السياسي الخارجي الأساسي والذي لا غنى لها عنه في استمرارها مع غياب التأييد أو الشرعية الشعبية والانتخابية. وهذا ما يفسر أنها بالرغم من كل ما حصل ومن كل المبادرات الأمريكية حول الديمقراطية والاصلاح لا تزال معظم النخب الحاكمة الحائرة والمنكوبة تتأمل خيرا وتراهن على الوقت لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن خططها والعودة إلى رشدها، أي إلى التعاون والتفاهم مع النظم القائمة لقاء التنازلات العربية المطلوبة.
ومهما كان الأمر، ليس لدينا أي سبب لرفض أي تحولات ديمقراطية مهما كان الباعث لها. بل نحن الذين كنا ولا نزال نتهم الدول الغربية بخيانة مبادئها باستمرار ودعم الاستبداد والنظم اللاشعبية في المنطقة. ولا يمكن أن نطالبهم اليوم بالعودة عن خطابهم وتأكيد موقفهم التقليدي من جديد. لكننا نقول لهم أولا أن الحديث عن تعميم الديمقراطية في المنطقة لا يمكن أن يستقيم وأن يكون حقيقيا طالما لم تربط الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون مثل هذه المبادرات بايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية واليوم لقضية احتلال العراق. كما لا يمكن أن يستقيم ثانيا ما لم تغير الولايات المتحدة والغرب بشكل عام من نظرته لطبيعة مصالحه في المنطقة ومن اعتقاده بأن ضمان هذه المصالح لا يمكن أن يتحقق بالتفاهم مع شعوبها ولكن بإخضاعهم وتأمين السيطرة المباشرة عليهم، أي بحرمانهم من حقهم في المشاركة الفعلية في التعبير عن مصالحهم، سواء أجاء هذا الاعتقاد نتيجة الشك في المجتمعات الاسلامية وقدرتها على التعامل مع معايير الحضارة العصرية أو بسبب الخوف من أن يؤدي تسليمها مقاليد أمورها إلى صعود نخب إسلامية معادية للغرب في معظم البلاد العربية.
ليس هناك إذن ما يمكن أن يوحي بالثقة بأن المبادرة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ليست مجرد وسيلة للتغطية على إرادة السيطرة أو التمديد لها في المنطقة ولحرف نظر الشعوب العربية عن المسائل الخطيرة العالقة بين العرب والأمريكيين وفي مقدمها المسألة الفلسطينية. وبالرغم من الحديث المكرور عن الاصلاح بل ربما بسببه فإن هناك شكوك كبيرة حول جديه الولايات المتحدة. ومن الممكن أن لا تكون جميع هذه المبادرات سوى وسيلة لذرا للرماد في العيون وللضغط على النظم العربية حتى تستجيب بشكل أكبر للمطالب الأمريكية. فإلى جانب الإرادة الضعيفة التي تظهرها واشنطن تجاه زبائنها من النظم العربية هناك من دون شك الحسابات المعقدة أيضا في التوفيق بين المصالح القريبة والبعيدة. ثم إنه لا شيء يؤكد أن لدى واشنطن القدرة، بالرغم من كل شيء، على مواجهة النخب التي أطلقت يدها خلال عقود طويلة في البلاد العربية والتي استشرست وأتقنت اللعب على كل الحبال واستخدام جميع وسائل المراوغة والتحايل والخديعة، بما فيها الحروب الأهلية، لقطع الطريق على أي تغيير يحد من نفوذها أو يهددها بالتخلي عن ممتلكاتها، أعني عن الدول التي تسيطر عليها كإقطاعات القرون الوسطى القديمة مع كل شعوبها ومواردها. وكلها مستعدة لتفجير هذه الدول ودفعها نحو الهاوية بكل الوسائل إذا كانت النتيجة المتوقعه لأي إصلاح إخراجها منها أو تقليم أظافرها.
والخوف كل الخوف أن تنجح المخاوف الأمريكية من الانفتاح السياسي والمراوغة التقليدية للنخب المتسلطة على الدول والبلدان في الدفع نحو توقيع صفقة جديدة، وهذا هو المرجح في نظري، بين الفئات الحاكمة والإدارة الأمريكية الراهنة أو القادمة تكون نتيجتها التضحية المشتركة بالديمقراطية، أي بالمصالح الشعبية، مقابل التزام الدول الصناعية بتقديم مساعدات كبيرة اقتصادية وأمنية للنظم الحالية وقبول الأخيرة بتنازلات كبيرة في مسائل الاستقلال والسيادة والهوية الوطنية والتمسك بحل عادل للمسألة الفلسطينية وبآفاق التنمية المستقلة والوحدة والتحرر من السيطرة والاحتلال الأجنبي. لا يمنع هذا بالتأكيد القيام ببعض الإصلاحات الشكلية لإقامة واجهة من التعددية السياسية العقيمة والحريات الفردية الفارغة لكنه يضمن إعادة بناء النظام الشرق أوسطي القديم وتجديد الشراكة التقليدية بين النخب الحاكمة والتحالف الغربي على الأسس ذاتها التي ضمنت في الماضي حرمان الشعوب العربية من الحرية والمشاركة والسيادة وبالتالي من التنمية، وبالتالي الاستمرار في الإحياء الاصطناعي لدول فارغة إلا من وظيفة الوكالة الخاصة.

Aucun commentaire: