mercredi, février 06, 2013

حذار من الجري وراء سراب اوسلو جديدة



أثارت مبادرة رئيس الائتلاف السوري حول استعداد المعارضة للحوار مع النظام للتوصل إلى حل سياسي يوقف شل الدم حماس العديد من الأوساط، داخل المعارضة والرأي العام السوري، وفي وسط الدول المعنية بالقضية السورية معا، وإن لم يكن للأسباب ذاتها. فالذي دفع السوريين هو الأمل باحتمال وقف جدار النار المتواصل الذي يواجه به النظام الشعب الذي يعتقد أنه تآمر عليه مع الدول الأجنبية وإسرائيل منذ سنتين متواليتين، أو على الأقل الحصول على تهدئة تسمح بالتقاط الانفاس وتدبير شؤون الأسر التي فقدت أبناءها ومساكنها وموارد رزقها وشردت في أكثر من مكان. أما بالنسبة للدول المختلفة، بما فيها الصديقة، فقد جاءت بادرة حوار المعارضة السورية مع النظام كمنقذ لها من الأحراج الاخلاقي والقانوي والسياسي والعاطفي الذي يضعها فيه استمرار القتل المنظم اليومي لعشرات المدنيين السوريين من دون أن تحرك ساكنا، مع أنها لاتكف عن تأكيدها على ضرورة تنحي الأسد وتصويتها على قرارات دولية تؤكد صراحة مسؤولية النظام الرئيسية في العنف القائم وتطالبه.
من فضائل إطلاق هذه المبادرة أنها حركت المياة الراكدة وأعادت إلى الصفحات الأولى القضية السورية بعد أن كانت قد تراجعت إلى المركز الثاني والثالث، وعززت موقع الائتلاف لدى الدول التي كانت تخشىى تصلب المجلس الوطني، كما أنها أحرجت النظام وأنصاره وأصدقائه الروس الذين طالما رددوا أنهم ليسوا متمسكين بالأسد ولكنهم مع حوار سوري سوري من دون تدخل أجنبي.
في هذه الحدود تبقى المبادرة مفيدة. لكنها يمكن أن تفتح أبوابا غير سارة إذا حملت أكثر مما تحتمل وتحولت إلى مبادرة تقوم على الحوار بين المعارضة والنظام ، بشكل مباشر ومن دون الاستناد إلى أي مرجعية سياسية أو قانونية. وأكثر ما يخيف في الاستمرار في تسويقها من قبل وسائل الإعلام والدول الصديقة وغير الصديقة، الراغبة في التخلي عن مسؤولياتها تجاه حماية الشعب السوري وحقوقه، هو أن تتحول من حوار مع النظام على رحيله كما هو معلن اليوم، وهو ما يستبعد أن يتحقق مع معرفتنا بطبيعة النظام السوري ونوايا أصحابه ونوازعهم الأكثر من شريرة، إلى حوار للمعارضة مع النظام حول ما يسمونه مخرجا من الأزمة، أي في الواقع حول تسوية بين المعارضة والنظام ، لا يمكن إلا أن تكون على حساب الثورة ومن أجل إجهاضها. وسيكون هذا هو الاحتمال الأكبر إذا جرت هذه المفاوضات من دون وسيط دولي ولا مرجعية قانونية ولا ضمانات دولية كتلك التي تقدمها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة التي صدرت جميعها للتشديد على نهاية النظام وتأكيد حقوق السوريين التي لا تناقش في وقف المجازر والانتقال نحو حكومة ديمقراطية مدنية تعددية منتخبة.
ينبغي من أجل ان نوقف مخاطر الانزلاق السريع إلى ما يشبه خيار أوسلو الفلسطيني الذي لم يستطع الفلسطينيون حتى الآن أن يتخلصوا من عواقبه أن نعيد الكرة إلى مسارها الطبيعي إذا كنا نريد بالفعل جس امكانية المفاوضات. والمسار الطبيعي هو الشرعية الدولية وقراراتها التي تنص على وقف العنف فورا وسحب الأسلحة الثقيلة من المدن وإعادة القوات العسكرية لثكناتها والإفراج عن المعتقلين والتحقيق في جرائم القتل اليومية قبل بدء حوار وطني وتشكيل حكومة انتقالية تحضر لنقل البلاد إلى نظام ديمقراطي يسمح للشعب أن يقرر مصيره فيه بحرية. وهذا يعني أن علينا، بعد أن حركنا الأجواء لصالحنا وأحرجنا الخصم، ينبغي أن نعود بالحوار إذا كانت هناك فرصة حقيقية للحوار، وهي معدومة حتى الآن، إلى أرضيته الطبيعية، وأن ندخله مسلحين أولا بقرارات الشرعية الدولية وبدعم الدول العربية والصديقة وضماناتها. ولا مصلحة لنا أبدا في الدخول في حوار مباشر مع النظام. مفاوضاتنا ينبغي أن تكون أولا من خلال الأطر الدولية وبوجود الدول العربية والصديقة وراءنا ودعمها لنا. وثانيا اعتمادا على مرجعية واضحة هي قرارات الشرعية الدولية وآخرها جنيف مع تعديلاته المطلوبة للتاكد من صيانة حقوق الشعب الأساسية. وثالثا العودة بأسرع وقت إلى نقاش خطواتنا جميعا في حضن الإئتلاف لإنضاج الموقف وتوحيد الصفوف ورصها من جديد، والتشاور مع قواتنا المقاتلة وتطمينهم على خطواتنا، ومع أشقائنا الآخرين في المعارضة، ممن لم يضمهم الإئتلاف أيضا.
وهذا يعني أنه لم يعد من المفيد الاستمرار في التركيز على مبادرة فردية ومحاورة شخصية ومباشرة عبر وسائل الإعلام أو غيرها، وإلا سنجد أنفسنا وحيدين أمام نظام مارق احترف المماطلة والكذب والرياء وكسب الوقت، وربما تعرضنا، إذا لم نكن على مستوى المسؤولية، للعواقب ذاتها التي تعرضت لها الحركة الوطنية الفلسطينية من انقسامات داخلية وتفتت للموقف الوطني وإحباط، نتيجة التخلي عن الإطار القانوني والسياسي الشرعي للمفاوضات المؤطرة عربيا ودوليا تحت إغراء الدروب المتعرجة والصعبة للمسارات السرية والشخصية التي عبر عنها خيار أوسلو السيء الحظ، والذي دفعت إليه الدول التي كانت تعتبر نفسها صديقة للفلسطينيين أيضا، لكن رافضة لمساعدتهم، ومتحمسة إلى أن ترمي مسؤولية وأعباء تعثر الوصول إلى الدولة الفلسطينية الموعودة، على الشعب الفلسطيني وحده.
نعم للمبادرات السياسية التكتيكية، على شرط أن لا تنقلب إلى مسارات جانبية استراتيجية تهدد وحدة العمل الوطني وتؤخر تحقيق الأهداف المنشودة، في الوقت الذي تعتقد فيه أنها تكسب الوقت. احراج الخصوم نعم، لكن الاصرار وتقديم التنازلات لتجاوز الفشل وكسب المزيد من تأييد الدول الفارغ، مع أمل إبليس بالجنة أن تكون هناك نتائج فعلية لمثل هذه المناورات أو المبادرات، لن يكون سوى جري وراء سراب حلول سياسية ليس لها أي أساس في الواقع. فلن يقبل النظام بالرحيل وقادته بالخروج ما لم يشعروا أن قذائف المقاتلين الثوار على بعد قوسين أو أدنى منهم. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تبقى راسخة في ذهننا في مواجهة هذا النظام. وإذا بقيت فليس هناك خوف من أي مبادرة تكتيكية، شخصية أو جمعية. 

الأسد انتهى ماضير في النفاوض على إخراجه


ما الضير في أن يقاتل الثوار السوريون ويفاوضوا في آن معاً؟
برهان غليون لـ 24 : الأسد انتهى
رئيس المجلس الوطني السوري السابق برهان غليون (أ.ف.ب)
الإثنين 4 فبراير 2013 / 14:33
باريس - خاص 24
أثارت مبادرة رئيس الإئتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب، الداعية إلى "حوار مشروط مع النظام السوري"، جدلاً واسعاً في أوساط المعارضة السورية، انتقل إلى المسرح السياسي
أهمية مبادرةالخطيب تنطلق من كشفها وجود سوريين مؤيدين للتفاوض بوصفه وسيلة موازية في معركة تحقيق أهداف الثورة
أمامنا مرحلة جديدة لم يعد من المقبول فيها الفصل بين السياسة والمقاومة المسلحة
الأسد انتهى والحوار اليوم حول طريقة إخراجه من المشهد مع مختلف القوى الدولية الداعمة له والداعمة لنا.
هناك مثقفون لا تعني لهم الحرية شيئاً سوى أن يقولوا هم ما يشاؤون.
في هذا الحوار مع د. برهان غليون الرئيس الأسبق للمجلس الوطني السوري، قراءة هادئة للفكرة ونقاش حول ما أثارته المبادرة وما كشفته من أحوال المعارضة السورية، لاسيما ما يتصل بطبيعة العلاقة بين السياسي والعسكري في الثورة السورية.

ما الذي دفع الخطيب للقيام بخطوة منفردة وطرح فكرة الحوار مع النظام بطريقة بدت مرتجلة وفاجأت حتى حلفاءه؟


رُبّ ضارة نافعة، على الأغلب أن الخطيب أطلق الفكرة احتجاجاً على تقاعس المجتمع الدولي في تقديم المساعدة للثورة السورية. وما أقوله ملاحظات: إن الفكرة طرحت بشكل مبسط بعض الشيء مما أثار حفيظة قطاع كبير من مؤيدي الثورة السوريين. لكن إعادة تصويب الخطوة من الخطيب وتصريحه أنها تندرج ضمن ما اتفقت عليه رؤية كل من الائتلاف والمجلس وباقي قوى المعارضة من أن مبدأ أية مفاوضات هدفه الأساس رحيل النظام ولا ينبغي أن يخالف ذلك ولن يكون هناك طلبات من أجل أية تسوية مع النظام. وهذا ما ذهبت إليه تصريحات رئيس الائتلاف.

لماذا بدا أن الجميع بوغت بالمبادرة. هل تصرف الخطيب "من رأسه" من دون أية عودة أو اتفاق مسبق مع الأطراف الممثلة على الأقل في الائتلاف والمجلس؟

الذي أساء للمبادرة هو السياق الذي جاءت فيه. فقد سبقها حديث في أوساط المعارضة بوجود مؤامرة تُدبّر للثورة، وجاء ذلك أيضاً في ظل كلام متفاقم مفاده أن المقاتلين يفتقرون يوماً بعد يوم للسلاح والعتاد في ظل تجفيف للموارد العسكرية للثورة، مما خلق إيحاء خاطئاً بأن الثورة وصلت عسكرياً إلى طريق مسدود، وبالتالي بدا وكأن الدعوة إلى الحوار هي دعوة إلى البديل الباقي من "الطريق العسكري". إضافة إلى أن عرض رئيس الائتلاف يطرح سقفاً أقل بكثير من النقاط الست لمؤتمر جنيف والمبادرات الدولية الأخرى. هذا ما أثار الشك والخوف عند قطاعات كبيرة من أن تكون هذه المبادرة مدفوعة من بعض الدول لفرض تنازلات على السوريين.

لكن ألا يفسر هذا الجو التخوفَ الذي نشأ لدى بعض المعارضين السوريين يوم تأسيس الائتلاف من أنه أقيم لتنفيذ تسويات مقبلة اتفق عليها الروس والأمريكيين؟

لا أعتقد ان الائتلاف أقيم لغاية كهذه. لكنه تشكّل بنشوء اعتقاد لدى كثير من الدول الداعمة للثورة السورية مفاده أن المجلس الوطني غير قادر على خوض أي حوار في حال استجدت فرص للحل السياسي. وعليه كان المقصود من تأسيس الائتلاف إيجاد جسم معارض أكثر انفتاحاً على الأطراف المختلفة المكوّنة للمعارضة وأكثر مرونة على الصعيدين السياسي والعسكري.

أردت القول إن فكرة الخطيب تنطلق أهميتها من كشفها وجود قطاع من الرأي العام السوري مؤيد للتفاوض ليس بوصفه بديلاً من الثورة، وإنما لتحقيق أهدافها، كما بينت أن هناك مخاوف حقيقية لدى قطاع آخر من السوريين من وجود نوايا للقوى الدولية بالالتفاف على الثورة وإجهاضها، لذلك كان من الضروري أن تبدأ القيادة السياسية، وعلى رأسها الخطيب، في تصويب خطواتها سواء السياسية منها المتعلقة بخوض أي حوار أو العسكرية التي بدت في وقت من الأوقات وكأنها تتحرك من دون رؤية سياسية أو من دون تنسيق بينها وبين القوى السياسية المعبرة عن الثورة. أي ممارسة عسكرية تفتقر إلى الرؤية السياسية المرتبطة بها والموجهة لها.

ما هي آفاق مبادرة الخطيب رغم أن نظام بشار الأسد ليس لديه ما يفاوض عليه. هل المطلوب منها إذاً إحراج روسيا وإيران. أم ماذا؟
أعتقد أن الحافز للمبادرة هو اعتقاد الجميع أن النظام لا يقبل أي حوار جِدّي وهو الذي أجهض المبادرات الدولية كلها للوصول إلى حل سياسي. وكان هدف مبادرة الخطيب من القوى الدولية التي تلقتها وشجعتها أن تبرهن لروسيا التي ما تزال ممسكة بمصير النظام في مجلس الأمن، أن الأسد لا يمكنه قبول أي حل سياسي من دون أن يفرض عليه بقرار من مجلس الأمن. بهذا المعنى الهدف من المبادرة ليس إحراج الأسد والجميع متفق على أن هذا الرجل لا يمكن إحراجه وإنما المستهدف الفعلي هو روسيا ومن تبقّى من أصدقاء النظام.

في تصورك الشخصي كيف ستتفاعل المبادرة دولياً وإقليمياً وما الذي ستثمر عنه في النهاية؟

الواضح أن المبادرة حركت المياه الراكدة للسياسة الدولية تجاه القضية السورية. لكن ينبغي أن ندرك بشكل واضح أيضاً أن الحل السياسي ليس ولا ينبغي له أن يكون بديلاً من الحل العسكري والعكس صحيح. بمعنى أنه علينا في الوقت نفسه تطوير وتعزيز القدرة العسكرية لمقاتلينا للتقدم في الميدان. ومن ثم نقوم نحن بالمناورات والمبادرات السياسية استثماراً لهذا التقدم وتحويله إلى مكتسبات سياسية للثورة.

أعتقد أننا سنكون في حاجة أكثر للوزن العسكري للثورة في أي نوع من التفاوض وليس العكس، وأننا لن ننجح في انتزاع أي مكسب في المفاوضات السياسية إن لم نعزز قدراتنا القتالية على الأرض فلا ينبغي، بداهة، فصل المعركة السياسة عن العسكرية، خطؤنا حتى الآن، أننا نفاضل بين الحل السياسي والعسكري، ففقدنا فضائل السياسة ولم ننجح في استثمار فضائل الانتصارات العسكرية. والمطلوب منا اليوم هو ربط العمل السياسي بالعسكري وإحكام التنسيق بينهما. 

نحن أمام مرحلة جديدة لم يعد من المقبول فيها فصل السياسة عن المقاومة المسلحة، هما كل متكامل وهي معركة واحدة، ومن دون هذا الربط المستمر بينهما لن تكون لدينا أية فرصة للممارسة السياسية ولن تكون للممارسة العسكرية ثمار نقطفها وسنظل حينها في حرب بلا نتائج.
لذلك نحن أمام تحد لبناء خطة متكاملة تجمع بين العمل السياسي والميداني بجوانبه العسكرية والإغاثية والمدنية، بوجه عام، وتنسق بين جميع القوى الفاعلة في الثورة. 

ألا تظن أن أخطاراً ما تزال تحيق سياسياً بالثورة وأن على أطرافها امتلاك اليقظة التامة لما يدبره لها النظام وأصدقاؤه؟

نظام الطغيان هلك تماماً ولم يبق له أي أمل بالبقاء. وأعتقد أن ترحيب الروس والإيرانيين بالحوار هو تعبير من نوع ما عن قطع الأمل بالأسد ونظامه والبحث عن تواصل مع سوريا الجديدة ولو على نحو خجول حتى الآن. فنحن، وهذا هو هدف التفاوض، نواجه مرحلة جديدة لن يكون فيها التفاوض الفعلي مع نظام الأسد، وإنما مع أهل الحرب الحقيقيين: روسيا وإيران. يجب أن نعي أن الحوار يعني لهؤلاء الحفاظ على جزء من مصالحهم مقابل تخليهم عن الأسد.

الأسد انتهى والحوار اليوم حول طريقة إخراجه من المشهد مع مختلف القوى الدولية الداعمة له والداعمة لنا.

في رحلتك الأولى إلى موسكو خلال فترة رئاستك للمجلس الوطني السوري، قلت للروس إن مصالحكم ستكون معنا وبالتالي فإنها ستكون مضمونة مع الشعب السوري لا مع النظام. ما الذي تغيّر في سلوك النظام حقاً ليقبل الروس بصفقة مع قوى الثورة مقابل التخلي عن الأسد؟

الذي تغير عملياً أن النظام أخفق تماماً في استعادة السيطرة، وأنه لم يعد بوسع أحد في العالم، تحت ضغط الرأي العام، القبول بعد الآن باستمرار المذابح اليومية من دون القيام بعمل ما، لم يعد من الممكن أن تتحمل الدول ما يجري من فظاعات في مدن سوريا وقراها. لابد من اتخاذ قرارات حاسمة. آخر تصريح لرئيس الوزراء الروسي يقول: إن "الأسد ارتكب أخطاء قاتلة وحظوظه في البقاء في السلطة قليلة". هذا يفسر استعداد الروس للحوار على خروج الأسد لقاء ضمان مصالحهم الرئيسية.

لنفترض أن الحوار مع هذه القوى سيقود إلى حل، فما هو شكل هذا الحل؟ وهل سينجو الأسد أم سنراه في محكمة دولية. أي هل ستكون هناك صفقة أم مجرى طبيعياً للعدالة الدولية؟


لا أحد يهتم بمصير الأسد من الدول المدافعة عنه الآن، هم يستخدمونه واجهة يحاربون من خلفها. لكن عندما يسقط لن يقبلوه حتى في بلدانهم. وعاجلاً أم آجلاً سيلقى المصير الذي يستحقه.

الروس من الممكن أن "يبيعوا" الأسد مقابل مصالحهم لأن الأمر بالنسبة اليهم مسألة مصالح، لكن ماذا عن الإيرانيين الذين يقاتلون ليس فقط لمصالح وإنما لهذه وقد خالطتها اعتبارات أيديولوجية محلية وإقليمية. هل سيسمح خروج الأسد من المشهد ببقاء ايران في المتوسط بالمعنيين السياسي والعسكري. الحوار بالنسبة إلى الإيرانيين بنتائجه التي يأملها السوريون بمثابة كارثة؟

الإيرانيون أكثر براغماتية من الروس، إنما الحوار معهم أصعب بكثير لأنهم يعتقدون أن مطالبهم هي مصالح مشروعة. وهي مطالب كبيرة جداً وتتناقض مع مصالح الشعب السوري في السيادة والاستقلال والعلاقات العربية. الإيرانيون يريدون أن تكون سوريا ذراعاً ضاربة لهم ضد بلدان الخليج العربي بشكل رئيس، ويريدون منها أيضاً أن تؤمن لهم هيمنة كاملة على المنطقة وأن تبقى جزءاً لا يتجزأ من مناطق نفوذهم. 

بفي لمقابل سوريا لا يمكن أن تكون حرة وديمقراطية من دون أن تعزز استقلالها الوطني، ولا تستطيع أن تقدم لإيران أكثر من علاقات طبيعية، كما هو الحال مع جميع الدول الأخرى الصديقة، ولا يمكن أن تلعب في المستقبل دور الذراع الضاربة لأي دولة ضد محيطها العربي.

هل تظن أن الروس يمكن أن يتخلوا عن حليفهم الإيراني الذي يرتبطون معه بمصالح في غير منطقة من آسيا؟ 

لو نجح الروس في أن ينتزعوا منا ما يريدون لهم ولحلفائهم لما تركوا لنا شيئاً. المهم تعزيز موقفنا بشكل يمكننا من أن نحد إلى أبعد الحدود من التنازلات ولا يمكن ذلك إلا بتعزيز قدراتنا العسكرية على الأرض. في هذه الحال فقط، سنكون أسياد الموقف ومن يقرر شروط التعامل مع الآخر. وكل هذا يؤكد على أنه لا فائدة من أي تفاوض سياسي اذا لم يكن مدعوماً بقوة عسكرية فاعلة.

في مرات كثيرة كان المقاتلون يضطرون للانسحاب من معارك رابحة بسبب انقطاع مفاجئ في إمداد الذخائر. ما الذي ظل يحكم مساندة المجتمع الدولي للثورة السورية؟ 

ليس صحيحاً أن هناك إرادة واضحة بتجفيف منابع الدعم العسكري. وليس من مصلحة لأي بلد من البلدان الداعمة للثورة في إعطاء فرصة للأسد لاستعادة السيطرة. إنما المسألة هي في وجود سوء تنظيم من جهة نحن مسؤولون عنه، وهناك من جهة أخرى إهمال من العديد من أصدقائنا سببه أن ليس لأحد في المنطقة والعالم مصلحة كبيرة بانتصار ثورة ديمقراطية. لذلك اتسم موقف الجميع بالدعم اللفظي أكثر منه العملي المتواصل والمستمر، وبالتردد وبانعدام الحماسة.

تقصد أن المسألة جزء من سياق مضطرب لاعتبارات عديدة، وليست بفعل قرار من الداعمين الدوليين والإقليميين بحجب الدعم؟

نعم، ليس هناك قرار. والواقع أن سوريا ليست ليبيا، أي ليس فيها مصالح نفطية كبرى مغرية، ليس فيها ثروات كبيرة. بلد مكلف سياسياً واقتصادياً لأنه أيضاً على حدود إسرائيل وهو عدو بطبيعته لإسرائيل التي هي عملياً بقرة مقدسة عند الغرب.

هل تعتبر إذاً أن العامل الإسرائيلي إقليمياً لعب أدواراً، وليس دوراً واحداً، في تأخير انتصار الثورة السورية؟

لاشك عندي في أن من مصلحة إسرائيل أن لا تخرج سوريا سليمة من هذا الصراع الداخلي وأن تُستنزف إلى أبعد الحدود، بل أن تدمر نفسها لو أمكن ذلك، يتم تحييدها لعقود طويلة وتُشلّ قدراتها العسكرية والسياسية لوقت طويل. ولا أحد يشك بالنفوذ الذي تمارسه إسرائيل على السياسات الدولية من أمريكا إلى العديد من الدول الأوروبية ومن بينها روسيا. 

إلى أي مدى يمكن ربط مستقبل المشروع الديمقراطي لسوريا ما بعد الأسد بما يجري عملياً في مصر من صراع على فكرة الديمقراطية أو فهم فكرة الديمقراطية، وهل يقلقك كعالم اجتماع ظهور العنصر الإسلاموي في الثورة السورية؟

من المفهوم أن تكون هناك أحزاب إسلامية في الحالة الطبيعية للبلدان العربية وهو الحال أيضاً في غالبية الدول بعد الحرب. أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية سيطرت على معظم دولها حكومات ديمقراطية مسيحية.

الغريب في الوضع العربي الراهن ليس وجود أحزاب تستلهم القيم الإسلامية وإنما تضخم هذا التيار واتساع قاعدته الاجتماعية من جهة، ومضمون أفكاره المتشددة من جهة أخرى. وكلاهما تعبير عن الاحتقان الذي عاشته المجتمعات العربية خلال نصف القرن الماضي في ظل أنظمة فاقدة للشرعية ومستندة في استمرارها بشكل رئيسي لآلة القمع العسكرية والمخابراتية. سوف تعاني الديمقراطيات الناشئة بعد الثورة من مرحلة تستمر فيها، لفترة، مظاهر الأزمة التاريخية الناجمة عن عقود طويلة من القهر والحرمان والاحتقار الموجّه للشعب، وسيشكل هذا المدخل الضيق للعبور نحو مرحلة ثانية ديمقراطية بالفعل. ليس هناك ثورة صافية ولا انتقال قطعي من نظام العنف والاستبداد إلى نظام ديمقراطي. سيستمر الصراع لحقبة أولى عنيفاً بين قيم الديمقراطية وقيم الاستبداد التي ستتخذ اشكالاً أخرى وتعبيرات مختلفة. لكن جوهر التحول الذي نشهده اليوم هو الدخول في مسارات مآلاتها للوصول إلى نظم ديمقراطية. 

يتبادر إلى ذهني الآن جمل وأفكار لمثقفين سورين وعرب عبرت عن موقفها من الثورة السورية، تحديداً، بدا سلبياً للغاية، أبرز هذه التعبيرات ما قدمه أدونيس من اتهام فاضح للثورة السورية ورفض لها لاعتبارات تتعلق بالمظهر الإسلامي المبكر والمعبر عن نفسه بمظاهرات تخرج من المسجد. كعالم اجتماع ما تعليقك على ذلك؟

هناك مثقفون لا تعني لهم الحرية شيئاً سوى أن يقولوا هم ما يشاؤون. تماماً كما أن هناك أشخاص في كل المجتمعات لا يدافعون إلا عن مصالحهم الخاصة. هذا هو دين الأنانية والنرجسية الذي لا يرى شيئاً مهماً إلا ما يتعلق بصاحبه وما يحيل إليه. "الحرية التي تحيل إلى غيرنا ليست حرية والأمر الذي لا يفيدنا ليس مصلحة لأحد".

أعتقد أن المثقفين غالباً ما استخدموا في بلداننا في هذه الحقبة مظاهر الإسلامية كذريعة لنفي شرعية المطالب الشعبية ولتبرير الموقف السلبي منها وإخفاء المصالح الحقيقية لهم في حماية السلطات والنظم الديكتاتورية. 

ألم يحن الوقت لعودة المثقفين السوريين إلى التراب السوري انطلاقاً من الأراضي المحررة للإسهام إلى جانب حملة البنادق الثائرة في إعادة تشكيل البنية المعرفية لسوريا الجديدة على الأرض؟

دور المثقفين أن يكونوا مثقفين يبنون ثقافة الديمقراطية ويتحولون بالضرورة إلى مربّين. شعبنا حرم لعقود طويلة من الثقافة الحرة. مؤكد أن وجودهم على الأرض إلى جانب الشعب والمقاتلين كجزء عضوي من مجتمع الثورة الجديد أهم بكثير من التواصل عن بعد ومن أي شيء آخر. لكن هذا القرار راجع لتقدير كل فرد منا. لا ينبغي أن نجعل من هذا الكلام شعارات، لا نريد أن نعطي أوامر وإرشادات للمثقفين. من البديهي أن المثقف لا يكون مثقفاً إلا في مناخ حر. إنه صنو الحرية، ونظام الحرية هو البيئة الخلاّقة لفعل الحرية ولازدهار الثقافة الحرة.

lundi, février 04, 2013

نحو مرحلة جديدة في مسيرة الكفاح الوطني السوري

Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000028171 StartFragment:0000000457 EndFragment:0000028155

أثارت بعض التصريحات الخاصة لرئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة زوبعة داخل أوساط الهيئة العامة للائتلاف وداخل صفوف الثورة والمعارضة الشعبية عامة. فقد فتحت بالنسبة للبعض نافذة أمل بعد سنة ونصف من الحرب والمقاومة راح ضيحتها آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين وملايين المهجرين والنازحين عدا عن تدمير أجزاء كبيرة من المدن والقرى والأحياء. وأثارت بالنسبة للبعض الآخر مخاوف كبيرة من احتمال غدر النظام والتفريط بأهداف الثورة الكبرى وما يعنيه ذلك من ضياع هذا الكم الهائل من الاستثمار فيها، من دماء الشباب والأطفال والنساء ومعاناة شعب ذاق الأمرين في الأشهر الماضية للحفاظ على تماسكه وثباته بأمل الفوز والانتصار على العدوان الهمجي والطغيان.
لا أدري كيف اتخذ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف وزعيم المعارضة اليوم قراره باطلاق ما سوف يسمى مبادرة الحوار مع النظام، لكنه بالتأكيد لم يقصد لا الدخول في مفاوضات مع النظام من أجل أي تسوية، وسوف يؤكد ذلك في مابعد، ولا أراد أن يتحرر من دعم أبطال المقاومة المسلحة من الثوار الذين شكلوا حتى الآن الركيزة الرئيسية لاستمرار الثورة وثباتها أمام تصعيد النظام الذي لا ينتهي في سياسة القتل الجماعي وتدمير البيئة الطبيعية لحياة الانسان في سورية الحضارة والسلام.
على الأغلب أن الدافع الرئيسي للشيخ معاذ كان ارسال رسالة احتجاج لأصدقاء سورية الذين لا يكفون عن الاعلان عن تأييدهم لثورة شعبها ويبخلون بتقديم الوسائل الناجعة لانتصارها. وقد اصبح هذا واضحا منذ أشهر مع ما ظهر من الجمود النسبي لخطوط الجبهة العسكرية في دمشق خاصة. لكن تصريحه كشف أيضا عن حقيقة أن العديد من الدول الصديقة أو التي تدعي الصداقة للشعب السوري، وهي ليست كاذبة في ذلك، كانت تنتظر بادرة من هذا النوع من قبل المعارضة السورية لتعزز خيارها في الحل السياسي وتبرر تقاعسها عن تقديم الدعم العسكري، حتى لا نقول الالتزام بمبدأ حماية المدنيين الذي تفرضه عليها مواثيق الأمم المتحدة. فهي لا تزال مترددة منذ سنتين في اتخاذ أي موقف عملي ينم عن الانخراط العملي مع الثورة السورية، حتى أصبحت تأكيداتها على دعمها مضحكة وغير ذات معنى. وتلقفت هذه الدول بادرة الانتفاح على الحوار التي أطلقها رئيس الائتلاف كما لو كانت خشبة خلاص لها تنقذها من الاحراج، وكذلك فعل وزير خارجية روسيا وايران الذين دخلت سياستهما في مأزق وطريق مسدود مع إصرارهما على رفض أي تدخل دولي غير تدخلهما وتمسكهم بوجود النظام كطرف رئيسي في اي حوار أو حل سياسي.
ليس المهم اليوم ما حدا بمعاذ الخطيب اتخاذ هذه الخطوة، ولا تقليب النظر فيما إذا كانت متفقة مع وثائق الائتلاف والمعارضة أم لا، فالمطلوب ليس محاكمة نوايا الخطيب، ولا الكشف عن مغزى مواقفه، وهو رجل ثقة من كل النواحي وبامتياز، إنما تقييم الخطوة وتصحيحها إذا كانت تحتاج إلى التصحيح من أجل استخدامها كمنطلق بالفعل لهجوم سياسي منظم من قبل المعارضة لاحراج حماة النظام ووضعهم أمام حقيقتهم العارية باعتبارهم سدنة لنظام القتل المنظم والذي لا يمكن ان يستمر من دون الاستمرار في القتل.
لا ينبغي أن نسمح أن تستخدم هذه البادرة أيضا من قبل النظام وأنصاره كمنفذ لبث الخلاف والانقسام داخل صفوف الائتلاف والثورة والمعارضة عموما. وبالعكس، ينبغي أن نستفيد منها في سبيل إعادة تعزيز الموقف الوطني وتوحيد الصف داخل قوى الثورة والمعارضة والاعداد لمرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري التي تقربنا أكثر من الهدف.
والوصول إلى ذلك يقتضي أولا أن نؤكد ثقتنا برئيس الائتلاف وتضامننا معه ووقوفنا وراءه. وهذا أهم عامل في تعزيز موقفنا في أي مفاوضات محتملة بصرف النظر عن هدفها ومآلها. فليس هناك أكثر خطرا علينا في المرحلة القادمة التي ستشهد بالتأكيد تقدما للعمل السياسي على هامش العمل العسكري أو بموازاته، من أن ندخلها مقسمين ومشتتين يشكك واحدنا بالآخر وننزع ثقة بعضنا ببعض. مثل هذا الوضع سيدمر موقفنا التفاوضي ويعطي ورقة تفوق إضافية للنظام .
وثانيا أن نفهم العمل الثوري على أنه بالضرورة مزيج من العمل السياسي والعمل العسكري. فلا يمكن استثمار نتائج القتال ونجاحاته من دون تعزيز الرؤية السياسية وتطوير العلاقات الدولية للثورة بموازاته. لدى النظام والدول القريبة منه موارد قتالية أكثر منا بكثير. ما يجعل لقتالنا معنى ويعطيه أسبقية وتفوقا على قتال النظام الهمجي وحماته، هو القضية التي نوظفه فيها، قضية الحرية والكرامة والعدالة الانسانية، قضية التحرر من الطغيان والذل والعبودية.
في هذه الحالة ينبغي أن نكف أيضا، قادة وثوارا عاديين، عن المفاضلة بين حل سياسي وحل عسكري أو عن الفصل بينهما. لا يمكن تحقيق مطالب الثورة السورية بالحوار فحسب، ولو كان ذلك ممكنا لما تورط سوري واحد بحمل السلاح ووضع روحه على كفه والنزول في مواجهة حراب نظام القتل والدمار. وليس هناك ايضا حل عسكري صاف، ولن يستطيع السلاح أن يحسم معركة جوهرها السياسة: أي إعادة ترتيب ميزان القوى الداخلي، وهو يعني نخب وفئات وطبقات اجتماعية واعية وذات مصالح خاصة، وإعادة ترتيب علاقات القوى الإقليمية والدولية. كل تقدم على الأرض وبالسلاح يهز توازن اجتماعي ويفتح باب مفاوضات على إعادة ترتيب المواقع. ولا بد أن يترافق بكلام والتزامات ومواقف واضحة تتجاوز لغة السلاح وقعقعته.
القصد أن المطلوب الآن ليس أن ننتقل من الحل العسكري إلى الحل السياسي، فلم تكن العسكرة بالنسبة لنا هي الحل أصلا، ولا أن نعتبر الحل السياسي بديلا عن العسكرة واستخدام السلاح. هذا مايريده الخصوم لنا، وأولهم النظام الذي يطالب بتجريدنا من السلاح كي يفرض علينا الاستسلام. وليس الهدف من الدخول في جولة مفاوضات تعيد ترتيب المواقف وتحصد نتائج استخدام السلاح توفير الأرواح، فليس من المؤكد أن لا يرافق الجولة السياسية مزيد من العنف من الطرفين لدعم الموقف وتحسينه، او هكذا كان الحال في ما شهدناه في العالم من حروب سياسية بالاساس.
ينبغي على السياسة ان ترافق السلاح وهي التي تضمن استخدامه بفاعلية وعقلانية. فالحوار والمفاوضة لا ينبغي أن ينفصلا عن القتال من أجل إضعاف العدو وإجباره على الانصياع لإرادة الشعب. لا انتزاع لتنازلات سياسية من دون ضغط بالقوة ولا قيمة للتوسع في استخدام القوة إن لم تكن هناك صيغة لاستثمار نتائجها في الآن. وخطؤنا في الأشهر الماضية هو أننا، في مواجهة رفض النظام لأي مبادرة سياسية، ومعظمها كان من صنع المجتمع الدولي، أصبحنا نعتقد أنه لا جدوى من أي حوار او مفاوضات، وأن القتال وحده هو الذي سيحسم المعركة.
وثالثا، بعد سنتين من الثورة العارمة والقتال البطولي والصمود الأسطوري لشعبنا، تضعضع النظام، وهلك سياسيا ونفسيا وعسكريا من حيث السيطرة على الأرض، وهلكت أيضا من الناحية السياسية القوى الإقليمية والدولية التي تدعمه، وصار هناك ضرورة لقطف الثمرة الأولى لهذا الكفاح وتلك التضحيات الغزيرة التي قدمها الشعب السوري. والثمرة هي موقف مختلف من الروس والدول المؤيدة للنظام التي فقدت الثقة بقادته وهي مستعدة للتفاوض على بدائل إذا أمكنها ذلك. من هنا أصبح من الضروي فتح باب الحوار.
لكن يجب أن يكون واضحا في وعينا أنه غذا كان العالم بما فيه الروس والايرانيين قد قطعوا ورقة كما نقول للأسد وزبانيته، وأصبحوا مستعدين للتفاوض عليه، فإن نظام هذا الأخير لم يعترف بعد بالهزيمة ولن يقبل الاستسلام، ولا يزال مصرا بالعكس على القتال أملا في تعويض كبير مقابل الانسحاب من الميدان. وبالتالي لا ينبغي أن نفكر لحظة أن دخولنا في أي مفاوضات يوفر علينا العمل العسكري والتسليحي. ستكون هذه خطيئتنا الكبرى. بالعكس لن نكون بحاجة إلى ان تكون قوتنا العسكرية فاعلة في الميدان وجاهزة لكل الاحتمالات كما سنتحتاجها عندما ندخل في أي عملية تفاوض سياسي. ودعم المفاوض بتحقيق الانتصارات في الميدان كان دائما قاعدة استراتيجية أولية. شعار البندقية في يد وغصن الزيتون في يد ينبغي أن يكون أيضا شعارنا. فشرط نجاح الحوار وتوفير الضحايا هو استمرار الضغط العسكري وبأقوى وسيلة على النظام، مما يعني أيضا أن تنظيم المقاتلين وزيادة قدرتهم التسليحية ينبغي أن تسبق أو على الأقل تترافق مع الدخول في أي جولة مفاوضات.
ورابعا، ينبغي أن لاندخل المفاوضات من دون أن نضمن بعض الشروط الضرورية للنجاح فيه. وأولها أن تكون لدينا رؤية واضحة واستراتيجية مدروسة تحدد أهدافنا منه والصعاب التي تواجهنا وأساليب العمل لتجاوزها، وأن نقنع بها ثانيا جميع الأعضاء بحيث يكون الجميع على بينة من الأمر ونتجنب مخاطر تضارب المواقف والتشكيك والانقسام والخوف، وهو كما قلت أكثر ما يمكن أن يسيء لموقفنا التفاوضي . وثالثا أن نبقى على تواصل دائم مع المقاتلين لحثهم على الاستمرار ورفع معنوياتهم وعدم السماح بأن يدخل الشك ولو لحظة إلى أفئدتهم بأنهم أصبحوا مشاركين من الدرجة الثانية أو أن قتالهم لم يعد ضروريا وأن الكرة أصبحت في ملعب السياسيين وكواليس السياسة. وهذا يعني أن على المفاوضين أن يدركوا ان القوة المسلحة القتالية سوف تبقى الركيزة الرئيسية لموقفنا التفاوضي، وأن تعزيزها تعزيز له وليس العكس، وأن نعمل المستحيل حتى نكسب ثقة المقاتلين بعملنا ونشركهم في النقاش حول الخطة السياسية ونبين لهم الدور الحاسم لعملهم في نجاحها أيضا.
أظهرت بادرة الخطيب بفتح حوار سياسي الحاجة الكبيرة عند السوريين للحوار، على المستوى الوطني والدولي، على أمل استكشاف آفاق التقدم على طريق الحل للصراع الدامي، وفي الوقت نفسه الخوف لدى السوريين أنفسهم على الثورة التي وهبوها أرواحهم وممتلكاتهم خلال السنتين الماضيتين من آلاعيب نظام أصبح مثالا للخديعة والغش والرياء ومناورات مجتمع دولي لا يعبأ بالضحايا البشري ولا تحركه سوى حسابات المصالح. وعلينا أن نستجيب للطلبين معا: استكشاف آفاق الحوار المنتج الذي من المحتمل أن يقدمنا نحو اهدافنا التي لا ينبغي أن تتغير، وأخذ كل الاحتياطات والمحاذير حتى نتجنب الوقوع في فخ التسويق الرخيص الذي درجت عليه الدول الكبرى، التي تكاد لا ترى في أي حوار غير خدمة حساباتها الاستراتيجية،وتعزيز فريق العمل السياسي والتفاوضي، لتطمين أهلنا القلقين على نتائج تضحياتهم الهائلة.
لا ينبغي أن نجعل من هذه البادرة التي كان لها على الأقل فضل دفعنا إلى التفكير بمراجعة طريقة عملنا ونبهتنا إلى ضرورة تحريك ما هو راكد من قناعاتنا، مصدر ضرر كبير لنا بترك المخاوف والشكوك تغزونا وبفقدنا الثقة ببعضنا وبانفسنا وبالسعي إلى توظيفها لتحقيق مصالح آنية بدل ان نحاصر مفاعليها السلبية ونعزز العناصر الايجابية التي احدثتها، وفي مقدمها تنشيط المجتمع الدولي وحثه على المشاركة في البحث عن حل لبقاء نظام الغدر والقتل، وإخراجه من حالة العطالة المديدة التي عرفناها حتى الآن. وقد عمل الخطيب نفسه على تصحيح الانطباع الأول عنها بإدراجها ضمن رؤية أشمل للمفاوضة على رحيل النظام، وهذا ما ينسجم مع خط الائتلاف والمعارضة والثورة معا. وليس هناك أي ضرر في أن نستمر في اعتبار إطلاق سراح المعتقلين بمثابة بادرة حسن نية وإجراء لبناء الثقة مطلوبين من قبل النظام قبل الحديث في أي تفاوض محتمل مع التأكيد على أن المفاوضات الحقيقية على رحيل النظام ليست ولا يمكن أن تكون مع نظام الاسد في هذه المرحلة وإنما مع الدول التي تحاربنا من وراء النظام.
في اعتقادي أن من المهم الآن أن نظهر وقوفنا بقوة وراء رئيس المعارضة وأن نستوعب الأزمة ونلملم الآثار السلبية التي تركتها، لنضمن وحدة المعارضة والثورة، ونسقط رهان النظام وأنصاره على تقسيم المعارضة أو إضعافها، ونحول البادرة التي قام بها معاذ الخطيب، لدق ناقوس الخطر وتوجيه تحذيرات في كل الاتجاهات، من مناسبة لإخراج الدول الصديقة من إحراجها بعد صمتها الطويل على حرب الإبادة الجماعية في سورية، إلى فرصة لإحراج النظام وحماته من الدول. وعلينا جميعا تقع مسؤولية الارتقاء إلى مستوى تضحيات شعبنا والحفاظ على ثورة الحرية والكرامة في أقصى درجات اشتعالها وحشد القوى الدولية مع قضيتنا لتقييد أيدي النظام القاتل ومحاصرته. وجوهر هذا كله الحفاظ على وحدة شعب الثورة ووحدة المعارضة والإئتلاف وتجديد الثقة بزعيمه ودعمه في مواجهة كل عمليات التشويش و زعزعة الثقة وشق المعارضة التي برع النظام في تنظيمها منذ عقود.
ليس هناك أي سبب أو مصلحة لأحد في الاستنفار ودق طبول الحرب داخل صفوف المعارضة كما ينزع البعض. فلا للحوار الذي يراهن عليه البعض بمعزل عن استمرا الثورة حظ في ايصالنا إلى الهدف، ولا الاستمرار في القتال قادر على وضع حد للعنف والقضاء على النظام من دون عمل سياسي مرافق يؤمن له التحالفات والدعم الضروري السياسي والدولي والمادي الذي يحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى. المهم أن ندرك أننا على ابواب مرحلة جديدة من الكفاح علينا تقع مسؤولية أن نعد لها أسلحتها المناسبة، من خطط سياسية ومخططات عسكرية ما زلنا نفتقر كليا إليها.  

lundi, janvier 28, 2013

عن العدالة الانتقالية والمحنة السورية



شاركت الأمس بندوة من تنظيم المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية حول العدالة الانتقالية. 
وتعني العدالة في الحالة الطبيعية للمجتمعات الحديثة تطبيق القانون بالعدل والنزاهة باعتباره تنظيما للحقوق انبثق عن سلطة شرعية تمثل الشعب. أما العدالة الانتقالية فهي مفهوم للعدالة النوعية خاص بمراحل استثنائية تمر فيها المجتمعات تتعرض فيها لهزات خطيرة وجماعية في مايتعلق بتطبيق القانون وانتهاكات حقوق الانسان يصبح فيها التطبيق الحرفي والوحيد للقانون غير قادر على مواجهة الفوضى واخراج المجتمع من النزاع وإطلاق دورة الحياة الطبيعية من جديد. ولا بد في هذه الحالة من استخدام آليات ووسائل أخرى غير قانونية إضافة إلى تطبيق القانون. من هذه الوسائل ما هو سياسي كالتوافق على ميثاق وطني جديد، وماهو اقتصادي مثل التعويضات المادية للمتضررين، وما هو اجتماعي مثل الحوار، وما هو نفسي مثل الاعتراف والاعتذار للمتضررين والصفح من قبل هؤلاء في إطار عملية مصالحة وتنقية للنفوس من المشاعر السلبية التي احدثتها الكارثة، والعمل على بناء الذاكرة وتخليد ذكرى الضحايا إلخ، وقبل ذلك محاكمة المسؤولين الرئيسيين عن الجرائم ومعاقبتهم.
وعلى سبيل المثال يحصل اثناء الحروب والحروب الأهلية بشكل خاص ان يشارك آلاف وربما ملايين الافراد المتحاربين في انتهاك حقوق الانسان، وسيكون من المستحيل تقديم جميع المشاركين إلى المحاكم العادية والتحقيق بشكل سليم في الجرائم أو الاخطاء التي ارتكبت، كما سيكون من المستحيل أيضا ضمان إطلاق الحياة الطبيعية وتحقيق التفاهم ووقف دوامة الانتقام المتبادل بين الاطراف من دون تحديد دائرة المحاسبة في فئة محدودة تتحمل مسؤولية الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت. ويصبح من الضروري البحث عن وسائل أخرى لرد الحقوق والتعويض عن المظالم بالنسبة لقسم كبير من الضحايا. 
ففي جنوب أفريقيا لعب الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه بالاعتذار للضجايا من قبل البيض دورا كبيرا في دفع السود الذين عوملوا كعبيد خلال قرون إلى الصفح ووقف عمليات الملاحقة والإدانة، وبالتالي في ولادة دولة جنوب افريقية الديمقراطية والقضاء على نظام التمييز العنصري، ليس في النصوص فقط وإنما داخل النفوس أيضا. وقد ساهم ذلك في تفكيك النظام العنصري والخروج منه إلى الأبد وبناء نظام ديمقراطي جديد يساوي بين الجميع، وأهم من ذلك إعادة بناء الثقة بين الجماعتين البيضاء والسوداء وبدء حياة وطنية مشتركة.
والأمر ذاته، لكن بأشكال أخرى، حصل حيثما كانت هناك حروب أهلية او نزاعات سياسية تمت فيها انتهاكات خطيرة وبالجملة مثل البوسنة وصربيا وتشيلي والمغرب وتونس وغيرها. ويعتقد أصحاب هذا المفهوم للعدالة الانتقالية المرتبط بمراحل انتقال صعبة أن تطبيق آليات العدالة الانتقالية قد ساهم في كسر دوامة العنف والحد من روح الانتقام والانتقام المضاد وسهل للمجتمعات العودة إلى الحياة الطبيعية. 
في تقاليدنا ينتمي هذا المفهوم إلى حقل الاحسان الذي هو اعلى مرتبة دينية وأخلاقية من الاقتصاص. لكن ليس لهذا المفهوم معنى إلا في حالة واحدة، عندما يقود التنازل عن بعض الحقوق الفردية إلى كسب او اكتساب حقوق جماعية أكبر، مثل إنهاء الحروب والنزاعات الأهلية ولا يطبق بالتالي إلا بعد نهاية النزاع وبعد اعتراف المسؤولين عن الانتهاكات بأخطائهم والاعتذار العلني عنها، وتصحيح المسار وتوبة المخطئين وقبولهم بالالتزام بالقانون واحترام الميثاق الجديد والتخلي عن الافكار والمسالك التي قادتهم إلى الضلال.
على العموم، تطوير مثل هذه المفاهيم مهم وضروري من أجل تعزيز روح التسامح والمصالحة في كل المجتمعات التي ابتليت بنزاعات خطيرة، ولا توحد حياة اجتماعية من دون روح التسامح والصفح والكرم الأخلاقي الذي يشكل الرصيد الحقيقي لبقاء المجتمعات واستقرارها. لكن لا ينبغي أن يؤثر ذلك على قدسية احترام الحقوق والقانون. ولا أن يحول دون محاكمة المسؤولين الرئيسيين عن الانحراف الجماعي الذي حصل، أعني أصحاب القرار عن قتل الأبرياء والتنكيل بهم. لأن التغاضي عن مثل هذا العمل يهدر حقوقا جماعية أساسية، ويقضي على معنى المسؤولية ويدمر بالتالي أسس النظام الجديد قبل أن يظهر.
وفي سورية من المهم أن نفكر بكل ذلك بالرغم من أن الوقت لم يحن بعد لتحقيقه، ومن المفيد أن نعد القوائم بالمجرمين المنتهكين لحقوق الناس وبالضحايا حتى نكون على بينة من أمرنا حال سقوط النظام ولا نترك الجراح العميقة تتقيح، ومن اللازم أن نعد منذ الآن ورش التعويضات عن هذه الانتهاكات الخطيرة في ما يخص مثلا النساء الذين تعرضن للعنف والاغتصاب والأطفال المعاقين والمشردين والذين فقدوا أسرهم وعائلاتهم، وأسر الشهداء وغير ذلك من الحالات الخطيرة والأليمة التي ملأت حياة سورية والسوريين لسنتين متتاليتين، لم يمارس فيهما من قبل نظام القتلة سوى العنف على الجميع، والعنف بجميع صوره وأشكاله، المادية والمعنوية، الجماعية والفردية. وسنحتاج بالتأكيد لورشات عمل كثيرة ولسنوات طويلة حتى ننجح في تصريف هذا الكم الفائض والهائل من العنف ونستعيد تاريخا طبيعيا، تاريخ الشعوب التي تحظى بحكم العدالة والقانون. 
لكن الأولوية الآن ينبغي أن تظل لوقف هذا العنف وإسقاط النظام الذي لم يعرف يوما وسيلة للتعامل مع الشعب غيره. ويكفي جزء بسيط من هذا العنف الذي تحمله السوريون في العامين السابقين للحكم بالإدانة القاطعة والشاملة على بالموت على هذا النظام الذي جعل من الإرهاب سياسة دولة وعقيدة حكم، ومن إذلال الناس وإهانتهم والدوس اليومي على كرامتهم وتجريدهم من حقوقهم وهوياتهم مصدر فخر وشرف للحاكمين ورخصة قتل مفتوحة في يد خصيان متسيدين .

samedi, janvier 26, 2013

jeudi, janvier 24, 2013

المسؤولية الدولية في بقاء النظام السوري المدان



بالرغم من المصاعب التي يواجهها مقاتلو الجيش الحر في التموين والتمويل والتنظيم، ونقص المضاد للطائرات، فهو لا يزال يخيم ومنذ أكثر من شهر على مشارف القصر الجمهوري في دمشق وعلى طريق المطار، ولم يتوقف عن أسقاط مواقع عسكرية ومطارات وأفواج مهمة يوميا في مناطق متعددة من الجمهورية. وهو يتصدى اليوم بنجاح في حمص وريف دمشق وداريا بشكل خاص لأكبر هجوم يشنه النظام، مستخدما أقوى ما عنده من أسلحة صاروخية، بالاضافة إلى الاسلحة الثقيلة الأخرى. وليست قوة جيش النظام ولا عنترية رئيسه الاخرق هما اللتين سمحا له بالتفكير أن باستطاعته السيطرة من جديد على محيط العاصمة، ولا تنظيم الحرس الشبيحي الجديد على شكل جيش إضافي، وإنما عدم رغبة الدول في أن يكون سقوط النظام عن طريق الحسم العسكري مخافة أن يؤدي ذلك إلى الفوضى أو استمرار الاقتتال في مناطق أخرى كما تعتقد. وتمسكها، بل اتفاقها على أن تكون الأولوية للحل السياسي. ولذلك تأخر رفد مقاتلي الجيش الحر بالسلاح والإغاثة إلا ما نجح في اغتنامه من انتصاراته الأخيرة.
الآن يدرك الجميع، حتى أولئك الذين كانوا يتعاطفون إلى هذا الحد أو ذاك مع الطرح الروسي الذي هو تزويق للطرح الايراني، أن النظام غير مستعد لأي حل غير القضاء على الثورة. وهو يكرر كعادته بعد كل فشل برنامجا واحدا لم يتغير: المزيد من تصعيد العنف واستخدام اسلحة أقوى والحديث الكاذب عن حوار وتشكيل حكومة جديدة توحي بأنه على طريق الاستقرار، قبل أن يكتشف من جديد هو ومن يحميه، أو يلعب به كبيدق محلي، أن الحسم العسكري مستحيل عليه، فما بالك بإعادة السيطرة على الوضع. 
يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة في استمرار المذابح والدمار بحق الشعب السوري ليس لأنه يقدم بتقاعسه وتردده الوهم للنظام بإمكانية البقاء فحسب وإنما لأنه حرم الثوار من وسائل الحسم، ولم يقم بما يتوجب عليه من أجل جعل الحل السياسي، الذي يعرفه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صوتت عليه أكثر من مئة وثلاثين دولة بأنه تحقيق الانتقال بسورية نحو دولة ديمقراطية تعددية ومدنية، ممكنا وسريعا. ولن يكون هناك حل إلا بالعودة إلى تفعيل هذا القرار وتأمين المجتمع الدولي والأمم المتحدة وسائل تطبيقه كما ذكرت في البندين الأول والثاني الذين ينصان بالحرف على أن الجمعية العامة

١ - "تــدين اســتخدام الــسلطات الــسورية المتزايــد للأســلحة الثقيلــة، بمــا في ذلــك القـصف العـشوائي مـن الـدبابات وطـائرات الهليكـوبتر، في المراكـز الـسكانية، وعـدم سـحب قواتهـا وأسـلحتها الثقيلـة إلى ثكناتهـا، الأمـر الـذي يتعـارض والفقـرة ٢ مـن قـرار مجلـس الأمـن
٢٠١٢) ٢٠٤٢( والفقرة ٢ من قرار الس ٢٠١٢) ٢٠٤٣(؛
٢ - تدين بشدة مواصلة السلطات السورية والميليشيات الموالية للحكومـة انتـهاك حقوق الإنسان والحريات الأساسية بشكل خطير منـهجي واسـع النطـاق، مـن قبيـل اسـتخدام القوة ضد المدنيين والمذابح وعمليات الإعدام التعسفي وقتل المتظاهرين والمدافعين عـن حقـوق الإنـسان والـصحفيين واضـطهادهم والاحتجـاز التعـسفي والاختفـاء القـسري والحيلولـة دون الحصول على العلاج الطـبي والتعـذيب والعنـف الجنـسي وسـوء معاملـة الأشـخاص، بمـن فـيهم الأطفال، وأي انتهاكات لحقوق الإنسان ترتكبها جماعات المعارضة المسلحة."
العودة من جديد إلى الجمعية العامة لتفعيل هذا القرار واتخاذ الاجراءات العملية لتنفيذه، هذا أقل ما يمكن أن يطلبه الشعب السوري من الذين وقعوا على هذا القرار. وليس هناك أي حاجة للعودة إلى مجلس الأمن من جديد لحصد فشل رابع، خاصة وأن قرار الجمعية العامة ملزم في هذه الحالة بعد استعصاء اتخاذ قرار فيه نتيجة تعمد روسيا إعاقة عمله لثلاث مرات متتالية.
لكن، إذا عجزت الجمعية العامة والدول التي صوتت على هذا القرار واعترفت بالانتهاكات غير المسبوقة من قبل النظام لحقوق الشعب السوري الأساسية والطبيعية، عن تنفيذ قرارها بوسائلها الخاصة، فمن أقل واجباتها أن تمكن هذا الشعب من الخروج من هذه المذبحة اليومية بنفسه وذلك بتقديم ما يلزم لحسم المعركة على الأرض ووضع حد لنظام قاتل يقصف شعبه بالصواريخ والطائرات والمدفعية والقنابل المحرمة بما فيها الكيماوية.
أثناء ذلك، يتوجب علينا نحن السوريين، الجيش الحر والمعارضة والمجتمع المدني معا، أن نطور، أكثر فأكثر، قدرتنا على تشكيل مؤسسات وطنية فاعلة ودامجة للجميع، والتفاعل مع المؤسسات الوطنية القائمة حتى نكون البديل الملموس. فإذا كان نظام القتلة القائم مدانا بالفناء فلأنه من المستحيل أن يستوعب جميع فئات وقطاعات واطياف الشعب ولا يقوم إلا على التفرقة والتمزيق والاقصاء والتمييز والارهاب. وبالعكس، ليس للنظام الديمقراطي المدني التعددي الحر الذي غذت فكرته الثوار منذ البداية من شرعية إلا لأنه هو الوحيد القادر على استيعاب جميع السوريين، من كان مواليا للثورة ومن لم يكن مواليا لها. ومعيار تقدمنا على طريق تحقيق هذا الحلم الواقعي الكبير هو نجاح كل منا ونجاحنا جميعا، نحن دعاة التغيير والنظام الجديد، على بث المزيد من الانضباط والتنظيم وحسن الإدارة وروح المسؤولية العمومية في مجتمعنا المهدد بالتفكك والانقسام تحت وقع التدهور المرعب لشروط الحياة الذي قادنا إليه عنف النظام. وإن الحرص على معالجة التجاوزات التي تهدد الوحدة الوطنية هو مقياس تقديم المصلحة العامة على المصالح الفئوية أو الخصوصية، وأساس ضمان مصير الوطن ومستقبل الشعب والبلاد.

mercredi, janvier 23, 2013

الاتحاد من أجل الحرية



نجح نظام العبودية والاستبداد، من خلال تقسيم أبناء الشعب السوري وتشجيع البعض على البعض الآخر، إلى أزمة ثقة عميقة بين أبناء الشعب السوري الواحد في شمال البلاد، زاد من حدتها نفخ بعض التيارات المتطرفة في نار القومية الضيقة ووتهييج المشاعر وتغذية المخاوف لدى الأطراف المختلفة العربية والكردية. ويكاد يشعل أوار حرب جهوية تهدد بتحويل المنطقة إلى مسرح تنفيس لنزاعات القوى الإقليمية على حساب الشعب السوري ومستقبله. 
إن استمرار الحرب الدائرة في الشمال السوري بين المنظمات المسلحة الكردية وبعض كتائب الجيش الحر لن تحسم شيئا، ولن تضمن حقوق أي طرف من الأطراف، ولكنها تضر بالجميع، وهي تهدد بأن تفتح جرحا عميقا في خاصرة وطننا سيحتاج اندماله إلى سنوات طوال، إذا لم يتحول إلى متنفس دائم لنزاعات القوى الإقليمية. ومهما كان الباعث لها، وهو ما يعرفه الجميع وما يتوجب عليهم إعادة النظر فيه، ينبغي العمل بسرعة على حقن الدماء، والاتحاد حول قضية التحرير الوطني الكبرى، معركة الحرية والديمقراطية التي لا تهدف أصلا إلا إلى توحيد الشعب السوري بجميع فئاته واطيافه على قاعدة المواطنية، أي على اسس الحرية والعدالة والمساواة واحترام هوية كل طرف وثقافته وأمنه وتطلعاته السياسية في إطار الوحدة الوطنية. 
وأنا أهيب بأخوتي العرب والأكراد وجميع أبناء المنطقة للعمل سوية من أجل وقف نزيف الدم بانتظار تنظيم طاولة مستديرة تضم جميع الأطراف، بما في ذلك الاطراف الإقليمية المعنية، للبحث في حل دائم للأزمة، والعمل على محاصرة أسباب الخلاف، وعلى إعادة بناء الثقة على أساس إزالة مخاوف كل الأطراف وضمان حقوقها المتبادلة جميعا، وحفظ حياة وتقلهم ومستقبل أبنائها من العرب والكرد والأشوريين والسريان وغيرهم من سكان المنطقة من دون استثناء.
ليس للشعب السوري، بجميع فئاتها وأطيافه، سوى عدو واحد هو الديكتاتورية الفاشية البغيضة، وكل ما يفتت قوى الشعب أو يدفع إلى الفتنة يصب في خانة النظام ويقوض القاعدة الرئيسية للثورة التي ليس لها اسم آخر سوى الاتحاد من أجل الحرية.

dimanche, janvier 20, 2013

الائتلاف بين الاعتراف والانصراف



يجتمع اليوم في استنبول اعضاء الهيئة العامة للائتلاف لمناقشة تقارير النشاط المختلفة التي قام بها الائتلاف خلال الشهر السابق. وهذا من الاجتماعات الدورية العادية التي تهدف الى متابعة النشاطات العامة.
الشيء الايجابي هو ادراك الجميع للقصور، الذي يميز عمل الائتلاف في جميع الميادين، السياسية والاغاثية والميدانية والاعلامية والطبية والمالية اولا والشعور المرافق بنقاط الضعف العديدة التي لايزال يعاني منها الائتلاف سواء في ما يتعلق بجانب التنظيم والادارة وما اصبحنا نطلق عليه في ادبيات المعارضة بنقص المأسسة، او بتمثيل الائتلاف لمختلف اطياف المجتمع السوري والثورة والمعارضة او في ما يتيعلق ببلورة خطط وبرامج واضحة وقابلة للتطبيق للرد على متطلبات تقدم مسيرة الثورة والحاجات المتزايدة لضحايا العنف ولمنكوبي الشعب السوري من جرحى ولاجئين ونازحين والمحتاجين ممن فقدوا موارد الرزق ولم يعد لديهم الا الدعم للحفاظ على البقاء.
الاعتراف بالقصور لا يقدم شيئا ان لم يترافق بتحليل صحيح لاسبابه اولا ثم بتقديم الحلول السليمة التي تسمح بتجاوزه والخروج باجابات تفي بالحاجات المطلوبة ومواجهة التحديات الكبيرة المطروحة، سواء في المجال السياسي او الاغاثي او بشكل خاص المييداني العسكري.
الجواب الاسهل الذي يسوقه المسؤولون والقياديون حول الاسباب هو ان الائتلاف يفتقر للموارد المالية الضرورية الضرورية لاي انجاز، وتحميل الدول الصديقة المسؤولية بسبب عدم الوفاء بالتزاماتها والتحلل من وعودها التي قطعتها على نفسها قبل تشكيل الائتلاف ولتشجيع المعارضة على القبول بالفكرة والتخلي عن الصيغ السابقة لتجمع المعارضة واولها المجلس الوطني السوري.
والجواب الاسهل الذي ينزع اليه اعضاء الائتلاف الذين يشعرون بالتهميش هو التركيز على نقص المشاركة وعدم اهتمام القيادة بالطاقات الموجودة داخل الائتلاف.
والسببان المذكوران لاجدال فيهما وهما مترابطان. فلا يمكن القيام بنشاطات مهما كان نوعها من دون موارد ولا يمكن اشراك اعضاء الائتلاف بالعمل اليومي من دون هذه النشاطات.
حتى لو كان هناك جزء من الحقيقة في ذلك فهو لا يكفي والا لما كان هناك جواب سوى تقديم الائتلاف استقالته من العمل. ينبغي الذهاب ابعد من ذلك والتعمق اكثر في اسباب تردد الدول او عدم التزامها بوعودها وما الذي دعاها الى ذلك، وماذا فعلت القيادة لتشجيعها على الوفاء بالتزاماتها، وفي ما وراء ذلك ينبغي بلورة الجواب والحل البديل الممكن سواء من حيث البحث عن موارد مختلفة جديدة او من حيث رسم خطط للتعامل مع الدول العربية والاجنبية.
التوقف عند معاينة القصور لا يكفي ويمكن ان يقودنا الى الاستقالة العملية وتبرير الفشل. ينبغي ان نجد الحلول العملية وهذه مسؤولية الائتلاف الذي طرح نفسه ممثلا وقائدا للثورة والمعارضة والا فيتنحى ويترك المجال لغيره اعترافا بتقديراته غير الصحيحة.
لكنني لا اتفق مع هذا الراي. وارى ان هناك الكثير من البحث عن الاعذار في رمي المسؤولية على الدول الممولة. لان المطلوب هو ان نبحث للثورة عن موارد من اجل الاستمرار. واذا كانت هناك دول لا تريد للثورة ان تتقدم او تنتصر فان هناك بالمقابل قوى عربية ودولية كثيرة ليست لها مصلحة لا في استمرار القتل والمذابح اليومية والدمار ولا في تراجع الثورة امام نظام الجريمة المنظمة والارهاب. وهي التي يتوجب على الائتلاف البحث عنها والتعامل معها ودفعها هي نفسها الى التدخل لصالح الثورة السورية ومن اجل انتصارها.
Voir la traduction

lundi, janvier 14, 2013

في خطر التفاهم الروسي الأمريكي على الثورة السورية


من قرأ ما صرح به وزير الخارجية الروسي البارحة لوكالة الانباء الروسية من أن استبعاد الاسد العملية السياسية مستحيل التنفيذ، وأن على المعارضة أن تقترح افكارا للحوار مع دمشق، ومن يشاهد قطع الاسطول الروسي الذي جاء إلى غربي المتوسط ليقوم بمناورة انزال على الشاطيء السوري، ومن يعاين صمت موسكو المطبق والطويل عما ترتكبه قوات الاسد كل يوم من مجازر وما تقوم به من تدمير للبلاد، يشعر بأن الخصم الحقيقي الذي يقف في وجه السوريين المطالبين بحقهم في الحرية والسيادة ليس نظام الطاغية الصغير وإنما هو روسيا الجديدة، روسية الرأسمالية المتأخرة التي تريد أن تستدرك ما فاتها، بسبب العصر الشيوعي السابق، من مآثر استعمارية وحروب نزاع على النفوذ سبقتها إليها الدول الغربية. وهي مآثر من نوع الأمبريالية الفجة، التي لا حدود قانونية وأخلاقية لها، كانت أولى نماذجها حرب الشيشان التي لا تختلف كثيرا عن حرب "سورية الأسد" ضد شعبه.
لا تختلف هذه الأمبريالية عن الحروب الاستعمارية المتخلفة التي عرفتها الرأسمالية الغربية في طور نشوئها، والتي لم يكن يرف لقادتها جفن امام عذابات الشعوب ودمار بيئتها وشروط حياتها. فهي تستخدم الوسائل نفسها وتبرر أعمالها ومواقفها الشنيعة بالحجج والذرائع ذاتها، وفي مقدمها حماية الأقليات الدينية والاتنية. ومنها التدخل المباشر وغير المباشر من أجل منع تدخل الدول الأخرى، والحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها ورفاهيتها.
سألت صديقا حضر الاجتماع الثلاثي الأخير الفاشل، الذي ضم الروسي بوغدانوف والأمريكي بيرنز والوسيط الدولي والعربي الابراهيمي، حول الأزمة السورية، عن تقييمه للموقف الروسي، فقال: لاشيء جديد على الإطلاق. قلت وما هي حقيقة الموقف الروسي هل هناك بوادر تغير في اتجاه أو آخر؟ قال لاشيء. قلت أتعتقد أنهم يريدون بقاء النظام؟ قال لا. قلت ماذا يريدون إذن؟ قال لا أحد يعرف سر الموقف الروسي. هم ليسوا مع بقاء الأسد لكنهم لا يريدون التخلي عنه. لا أحد يفهم عليهم.
في نظري لا يهم الأسد ونظامه الروس في شيء. إن ما يهمهم هو مصالحهم وحدها. ومصالحهم هي أن يحتفظوا بموقع نفوذ قوي في المنطقة. وقاعدة هذا النفوذ الحقيقية ليست سورية وإنما ايران. ولا ينبغي لنظام الأسد أن يسقط قبل أن تبدأ مفاوضات طهران مع الغرب حول ملفها النووي حتى لا تذهب إليها ضعيفة. لكن سورية مهمة أيضا لذاتها وهم يستخدمون رحيل الأسد كورقة للمفاوضات مع المعارضة على طبيعة نظام ما بعد الأسد وعلى مصير القوى التي يعتمد نفوذهم عليها، وفي مقدمها الجيش والأجهزة الأمنية. باختصار لا مانع لديهم من التغيير لكم ليسوا مستعجلين. ينتظرون من الفريسة أن تسلم وتستسلم من تلقاء نفسها.
ومما يعزز من ثقتهم بربحهم هذه المواجهة مع الثورة السورية التي خسرها الأسد، هو تخلي الغرب لهم فعليا عنها. فمن الواضح اليوم أن أوربة، بالرغم من وزنها الاقتصادي الكبير، ليست صاحبة قرار دولي، وكل دولة منها لا تزن شيئا كبيرا. وهي تعمل في هذا المجال الدولي بمثابة جوقة للترويج للقرار الدولي. أما صاحب القرار في الغرب فهو الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الواضح أن هذه الأخيرة قد قررت أن المكاسب ليست على حجم المخاطر في أي تدخل محتمل يمكن القيام به في سورية، وهي تريد أن تغطي على خيانتها لالتزاماتها الدولية الأخلاقية والإنسانية من خلال رمي الكرة في الملعب الروسي والعربي، وترك الأطراف تقلع شوكها بيدها.
لم يكن هذا الموقف واضحا منذ البداية. لكن كانت بعض معالمه ماثلة منذ الأشهر الأولى للثورة. فلم تكف الدبلوماسية الأمريكية عن التأكيد، بمناسبة ومن دون مناسبة بأن واشنطن ليس لديها أي نية في التدخل العسكري في سورية. حتى أننا كنا مضطرين دائما، في قيادة المجلس الوطني السوري، لانتقاد الدبلوماسيين الأمريكيين ومطالبتهم، إذا كانوا لا يريدون التدخل فعلى الأقل ألا يرددوا ذلك كل يومين حتى لا يطمئنوا الأسد ويشجعوه على الاستمرار في العنف. وفي السياق ذاته نفهم الآن بشكل أفضل لماذا كان الأمريكيون يصرون على دفعنا إلى الحوار مع روسيا في كل مرة كنا نطلب منهم الضغط عليها.
روسيا في الأزمة السورية ليست وسيطا ولا جزءا من الحل. إنها الخصم الحقيقي والطرف الدولي الأكثر التزاما بإجهاض الثورة السورية. وأنا الآن مقتنع تماما بذلك. هم بالتاكيد ضد الأسد وضد نظامه، لكن ليس لما ارتكبه من جرائم ضد شعبه وبلده وإنما لأنه أفلس ولم ينجح في تحقيق الهدف الذي يسعون إليه. هم يريدون أن يغيروه بالتأكيد، لكن في حالة اقتناعهم بأنهم وجدوا البديل الذي يمكنهم من تخليص سورية مما يعتبرونه خطرا على نفوذهم ليس في سورية والمنطقة الشرق أوسطية فحسب وإنما في البلدان المجاورة لروسيا وربما في روسيا نفسها التي تخشى من عدوى الثورة في حواشيها ومستعمراتها اليوم أكثر مما تخشى من أي شيء آخر، بعد أن انقلبت على سياساتها السابقة، وتحولت إلى قلعة للرجعية والسياسة المحافظة على الصعيد الدولي والداخلي. نحن وحدنا، لأننا لم نفصل بعد تماما في مخيالنا بين روسيا البوتينية، روسيا الرأسمالية المتوحشة الراهنة وروسيا السوفييتية القديمة، صديقتنا وملجأنا ضد الغرب، لا نزال نعتقد أن من الممكن الرهان على تفعيل القيم الإنسانية الأممية والروابط التاريخية التي جمعتنا لعقود طويلة معها في الحقبة الماضية، من أجل تليين الموقف الروسي تجاهنا.
والحال أن روسيا لم تعد روسيا. لقد أصبحت من أكثر الرأسماليات تخلفا وأكثرها ميلا لاتباع سياسات الصراع على مناطق النفوذ وبأكثر الطرق بدائية، أي من دون مراعاة لأي مبدأ أو قانون.
أكتب ذلك وأنا أعي تماما، وهذا ما لم أكف عن ترداده لوزير الخارجية الروسي الذي قابلته مرتين ولنائبه ومعاونيه، أننا بصرف النظر عن أي شيء لن نتخلى عن علاقاتنا مع روسيا حتى لو تخلت هي عنا، لأننا لا نريد أن نكون رهن العلاقات الأحادية الجانب مع الغرب، لأن الغرب يقدم أمن إسرائيل ومصالحها على أي هدف آخر في سياساته في منطقتنا، ونحن لا تزال لدينا أراض محتلة من قبل اسرائيل ولا تزال سياسة الاستعمار الاستيطاني مستمرة ضد أخوتنا الفلسطينيين. لكن هذه هي الحقيقة والواقع، ولا مصلحة لنا في تغذية أوهام سوف تضر بنا وتمنعنا من بلورة استراتيجية سليمة وواقعية.
روسية ليست معنا، لكن روسيا لن تربح حربها ضدنا. وهي تعرف أن حصانها الذي راهنت عليه أصبح كسيحا واهيا، وأن الشعب العظيم الذي صنع المعجزة في الأشهر الطويلة الماضية، أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الانتصار. وسيثبت في الأسابيع القادمة، كما حصل من قبل، أنه بفضل الله وتصميم أبنائه وبناته ومساعدة أشقائه العرب، الذين يعرفون أن مصيرهم من مصيره، شعب لا يقهر ولن يقهر. وأنه بعكس ماتردده الدبلوماسية المستقيلة، قادر، بشجاعته وإخلاصه، وتفانيه في سبيل حريته واستقلال وسيادة وطنه، على كسر إرادة خصمه وإجبار الأسد وطغمته على الرحيل، وهذا هو الشرط الموضوعي لبدء حوار وطني حقيقي يعرف الجميع أن سورية لن تستطيع من دونه أن تستعيد سلامها وتنطلق من جديد.  

samedi, janvier 12, 2013

فشل مؤتمر جنيف ٢



فشلت محادثات جنيف. ولم يكن هذا غير متوقع. فالروس مثلهم مثل نظام الارهاب السوري لا يفهمون سوى لغة القوة، ولا يعرفون التعامل إلا بلغة القوة، لذلك من المستحيل التوصل إلى مخرج من المأساة الراهنة مع الروس، لا سياسيا ولا عسكريا، من دون تغيير ميزان القوة ووضع قصر رئاسة دميتهم تحت القصف، 
فمعركتنا اليوم ليست مع دجال سورية فحسب وإنما مع حلفائه بشكل أساسي. ولو لم يشجعه الروس، الذين راهنوا على تردد الأمريكيين، لما جاء خطابه على الصلف الذي شهدناه. وما دفع الروس إلى هذا الموقف المتصلب بعد إعطاء بعض الإشارات على الانفتاح على الرأي الآخر هو تردد الموقف الأمريكي الواضح وشعور قادة موسكو بأن بإمكانهم الاستمرار في لعب الورقة السورية إلى النهاية لابتزاز أكثر ما يمكن من المصالح والمزايا والتنازلات من الشعب السوري ومن الغرب معا. ومن ضمن هذه المصالح وأهمها، الحفاظ على النظام الايراني الذي هو حليف النظام السوري وحليفهم الرئيسي في المنطقة. 
لكن كسر ظهر النظام هو وحده الذي يقنع الروس بخطأ مثل هذا الرهان. وسبيل ذلك تغيير ميزان القوة على الأرض السورية. وهو ما ينبغي أن يكون هدفنا الأول منذ الآن. وننحتاج لتحقيقه إلى توفير شرطين: الأول الحصول على السلاح المكافيء، وليس لنا غير العرب للوصول إليه، لما لهم من مصلحة وطنية في إزاحة كابوس ارهاب الدولة الذي أفسد حياة المشرق بأكمله وصار من غير الممكن لهم التعايش مع نظام يشن الحرب عليهم من خلال قتل السوريين واستباحة مدنهم وقراهم. والثاني إعادة تنظيم كتائب الجيش الحر وتوحيدها وإعدادها الإعداد اللازم لخوض المعركة الحاسمة، حسب خطة عسكرية محكمة. 
وهذا يعني ان على القيادة العسكرية الموحدة أن تفكر في كيفية الاستفادة من جميع عناصر القوة التي يمكن لها أن تحشدها، وعلى رأسها الضباط المحترفين المنشقين، في سبيل تحقيق الانتصار الذي طال انتظاره ضد قتلة الشعب وخائنيه. أن ما يلوح في الأفق في الأسابيع القادمة، وهو الرد الوحيد على صلف النظام وغطرسة الروس، هو معركة قاسية ومكلفة من دون شك، لكنها معركة فاصلة، تنهي تاريخ التوحش الأسدي ولا أخلاقية السياسة الروسية في الوقت نفسه، وتفتح لسورية والسوريين باب الحرية الذي أوصدته المصالح الدولية عليهم خلال عقود طويلة عجنت بالدم والقهر والإذلال. 
لن نقول الموت أو النصر وإنما النصر أو النصر.

mercredi, janvier 09, 2013

ليس للسوريين سوى اولوية واحدة هي اسقاط الاسد


تستضيف وزارة الخارجية البريطانية اجتماعا دوليا للترتيب للفترة التي ستعقب رحيل الأسد القاتل. ويشارك في الاجتماع الذي سيعقد يومي الأربعاء والخميس بمشاركة خبراء متخصصون في الشؤون السورية وأكاديميون متخصصون في تحقيق الاستقرار بعد الصراعات وممثلون للمعارضة السورية.
وقال وليام هيج وزير الخارجية البريطاني على حسابه الشخصي على تويتر “رحيل الأسد عن سوريا بات محتموما. من الضروري أن يخطط المجتمع الدولي لليوم التالي لرحيله في سوريا.”
هناك حاجة بالتاكيد للتفكير بسورية ما بعد الاسد وبالمشاريع اللازمة لاعادة البناء لكن في الوقت الذي تعلن فيه المؤسسات الانسانية تهديد مليون سوري من اللاجئين وغير اللاجئين بالمجاعة وموت العديد من الاطفال من البرد، واستمرار عملية القتل الجماعي والتدمير الممنهج للمدن والقرى وبيئة الحياة في سوريا كلها ما تقوم به المجموعة الدولية باسم بناء سورية ما بعد الاسد لا يهدف الى بناء شيء وانما الى التغطية على الاستقالة الاخلاقية والسياسية ان لم نقل عن النذالة. وهي وسيلة رخيصة من قبل المجموعة للهرب من التزاماتها وواجباتها الانسانية.
ليس هناك اليوم ولا ينبغي ان يكون سوى هدف واحد للجميع ، السوريين والمجتمع الدولي، هو اسقاط النظام باسرع وقت لتوفير المزيد من الضحايا وحماية الشعب والبلاد من الدمار. ووواجب الجميع توفير كل الوسائل الضرورية لتحقيق هذا الهدف. كل ما يحرف النظر عن ذلك ويشتت الجهود يعمل بوعي او من دون وعي في خدمة النظام.

dimanche, janvier 06, 2013

من أجل حل سياسي ينصف المظلومين لا حل يكافيء المجرمين


من الواضح أن عددا كبيرا من الدول الغربية التي ايدت الثورة بشكل واضح في الأشهر الماضية بدأت تخشى من أن ينجم عن الحسم العسكري لصالح الثوار نتائج ليست في مصلحتها أو مصلحة حلفائها الإقليميين وإسرائيل بشكل خاص، ومنها احتمال فقدان السيطرة وانتشار الفوضى أو في أحسن الأحوال سيطرة الاسلاميين على السلطة. وهي وإن كانت مجمعة على ضرورة التخلص من الأسد إلا أنها تحلم بأن يكون بالإمكان الحفاظ على مؤسسات النظام الرئيسية، العسكرية والأمنية، بعد ترميمها، التي تستطيع وحدها ضمان الانتقال السلس للسلطة واستعاد المفاجآت غير السارة.
ولذلك، بعكس الوعود التي قدمت للمعارضة عند تشكيل الائتلاف الوطني السوري، لم يحصل الثوار على أي سلاح أو مساعدة مالية ذات معنى. وبعد أن كانت روسيا تعتبر مع ايران العائق الأول أمام التوصل إلى حل، تكاد هذه الدول أن تعطي لروسيا الدور الأول في التوصل إلى تسوية سورية سورية. لا بل إنها مستعدة اليوم كما هو واضح لمشاركة الايرانيين الذين يريدون الآن أن يقايضوا تجميد التخصيب النووي مقابل الحفاظ على نفوذهم الاستثنائي في سورية.
هذا هو ما تشير إليه أيضا الحركة الدبلوماسية المتعددة الأطراف التي تشهدها الساحة الدبلوماسية الدولية اليوم والتي تكاد تتسابق مع حركة الجيش الحر في تقدمه على الأرض. حتى أنه لم يبق في الأيام القليلة الماضية مسؤول دولي أو عربي لم يذكر أن الحل في سورية سيكون أو ينبغي أن يكون سياسيا. بل إن ايران التي لم يحصل أن قبلت في أي مشاورات حول الوضع ا لسوري تحلم بأن تكون شريكا في الحل بالرغم من تدخلها السافر في الشؤون السورية بدعم النظام
وفي هذا السياق أيضا بشرتنا وكالة الأنباء السورية سانا بخطاب الحل الذي وعدت أن الأسد سيلقيه غدا الأحد.
وفي موازاة ذلك بدأت الآلة الإعلامية الدولية في قلب الصورة رأسا على عقب بحيث تبدو المعارضة هي التي ترفض الحل السياسي بينما النظام هو الذي يسعى إلى مثل هذا الحل.
لكن الحقيقة غير ذلك تماما. لم تتوقف المعارضة عن الحديث عن حل سياسي إنما ليس تحت تهديد السلاح وتحت القصف الجوي ونيران البراميل الحارقة والصواريخ وراجمات الصواريخ. وليس في سبيل إشراك النظام من جديد في مرحلة انتقالية، بعد ما قام به من قتل منظم ومبرمج لعشرات ألوف الأبرياء وتشريد الملايين وتدمير المساكن على رؤوس ساكنيها من السوريين.
فلا ينبغي للحل السياسي أن يعني ايجاد تسوية مع النظام وإنما أسلوب أقل دموية لتحقيق مطالب الشعب وإتاحة الفرصة أمامه ليعبر عن رأيه ويقرر مصيره من دون قمع وقتل ممنهج واستخدام للاسلحة الخفيفة والثقيلة كما لو كنا في حرب مع عدو. وليس هناك امكانية لوقف الثورة والبدء بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها من دون تحقيق هذه المطالب المشروعة والعادلة، اليوم أكثر من اي فترة سابقة، بعد أن دفع الشعب من دماء ابنائه ثمنها الباهظ. وكل تنازل أمام هدف تحقيق مطالب الشعب وحقوقه الطبيعية سيبدو خيانة للشهداء وتفريطا بدمائهم الطاهرة.
إن ما يتطلع إليه الأسد،والدول الخائفة من تحقيق نصر واضح للثورة السورية، هو تسوية من نوع ما حصل في البوسنة تجمع بين القتيل والقاتل، والضحية والجلاد، وتفرض عليهما التعايش والتفاهم. أي تسوية تكافيء القاتل بأن تقدم له مخرجا مشرفا وتطهره من ذنوبه وتجعله شريكا في الوطن الذي قام بتدميره، وتعاقب القتيل بأن تفرض عليه التعاون مع القاتل على خيانة المباديء التي ضحى من أجلها آلاف الشهداء وتشرد في سبيل تحقيقها ملايين الأبرياء وفقدوا أبناءهم وممتلكاتهم.
والهدف من كل ذلك الالتفاف على الثورة والحفاظ على المؤسسات القمعية لمنع الشعب من تقرير مصيره واختيار ممثليه بحرية في سورية الجديدة، بل اغتيال سورية الجديدة هذه ومنعها من القدوم، لصالح سورية الممرغة بوحل الخيانة للمباديء والقيم ودم الشهداء.
لكن ما يحلم به صاحب خطاب الحل وشركاؤه، والذين كانوا في أساس تنصيبه وتعزيز نظامها خلال نصف قرن، هو من قبيل الأوهام التي لن تتحقق ولا يمكن أن تتحقق طال الزمن أو قصر. ولن يكون الاعلان عن "خطاب الحل" كما وصفته وكالة أنباء النظام إلا مقدمة للإعلان عن الهزيمة واعتراف بأن النظام لم ولن يستطيع أن يحقق الأهداف التي رسمها لنفسه في سحق الثورة، التي رفض الاعتراف بها منذ البداية، وصورها دائما على أنها من عمل العصابات الارهابية. ولعله يسعى إلى تلبيس الهزيمة شكل الحل السياسي أو التسوية، فربما يربح من هذا عطف الدول الغربية الخائفة أيضا من مستقبل الوضع السوري.
حتى يكون هناك امل في إطلاق مشروع حل سياسي ينبغي حسم ثلاثة أمور الأول وقبل أي شيء آخر الاعتراف بشرعية مطالب الشعب السوري وبأن الهدف من الحل هو بوضوح تفكيك النظام الاجرامي القائم وإقامة نظام ديمقراطي يمثل إرادة الشعب السوري مكانه، والثاني القبول بمبدأ تنحي جميع أؤلئك الذين كانوا وراء قرار استخدم العنف والارهاب ضد هذا الشعب أو شاركوا في اتخاذ القرار، وعلى رأسهم بشار الأسد، والثالث تشكيل حكومة وطنية بقيادة المعارضة ومشاركة ممثلي جميع السوريين، مهمتها إعادة البلاد إلى الوضع الطبيعي، بما يعنيه ذلك من بسحب القوات العسكرية التابعة للنظام وعودتها إلى سكانتها وحل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام وإعادة النظر بشكل جذري في تشكيل أي جهاز أمني جديد وفي تحديد وظائفه بما يتفق والنظام الديمقراطي، وتنظيم عمليات الإغاثة وعودة اللاجئنين وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بالمشاركة مع العاملين فيها.

على جميع أؤلئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم التلاعب بدماء الشعب السوري وتضحياته أن يعرفوا أن إرادة التحرر عند الشباب السوريين لم تتزعزع ولن تتزعزع، وأن تصميمهم على القتال حتى النصر لن تؤثر فيه لا ضغوط خارجية ولا مصاعب داخلية. ويعرفوا أن الشعب السوري لم يكن في أي يوم موحدا ضد الأسد ونظامه الذي أسفر عن وجهه الإجرامي كما هو اليوم، وأن يعرفوا أخيرا أنه إذا كانت الدول الغربية غير متحمسة لتسليح الثورة السورية خوفا على مصالحها ومصالح اسرائيل فإن الدول العربية التي لا تقل مصالحها الوطنية الاستراتيجية، في الخلاص من نظام الجريمة المنظمة والإرهاب الداخلي والإقليمي، عن مصالح الشعب السوري في التحرر من نظام الاحتلال الأسدي، تستطيع أن تكسر حظر السلاح، وهي قادرة عليه، حتى تضمن للجيش الوطني الحر تحقيق التقدم اللازم من أجل إجبار الاسد على الفرار أو الانتحار.

mercredi, janvier 02, 2013

٢٠١٣ عام النصر


بالرغم مما شهده عام ٢٠١٢ من مآسي على الشعب السوري، مع قوافله المستمرة من الشهدا والجرحى والمعتقلين والمختفين والنازحين والمهجرين، إلا أنه كان ايضا عاما مليئا بالبطولات. وفيه انقصم ظهر هذا النظام الظالم وقوض الثوار بنيانا قضى الطغاة والمتآمرون على حقوق الشعب السوري وحرياته ومستقبله ما يقارب النصف قرن في إقامته وتعزيزه، بدعم من كل الدول التي كانت لها مصلحة في تحييد الشعب السوري وشل إرادته، سواء من اجل التحكم بمصيره أو اغتصاب اراضيه أو تشييد صرح امبرطورية إقليمية على حسابه. واليوم يتهاوى هذا الصرح الشامخ لنظام لم يتقن شيئا أكثر من اتقانه سياسة الارهاب والقتل والابتزاز والاحتيال، وتتساقط أعمدته كقلعة من الورق المقوى.
في بداية هذا العام الجديد نجدد العهد لثورة الحرية والديمقراطية، لسورية الجديدة الواحدة الموحدة، لشعب سورية البطل الذي لم يعرف ثقافة العنف والحقد والقتل والانتقام والارهاب في كل تاريخه، ولن يقبل الانزلاق، مهما حاول مجرموا النظام دفعه، إلى مثل هذه الثقافة البغيضة، لشباب سورية الأحرار الذين حملوا الثورة على اكتفاهم، ووقفوا، خلال شهور طويلة، متسلحين بإرادة كالحديد وتصميم أسطوري في مواجهة ألة الحرب و الارهاب والقتل، متحدين كل المخاطر والتهديدات.
التحية لنساء سورية وشاباتها اللواتي حملن النصيب الأكبر من معاناة الشعب في هذه المحنة العظيمة، وضربن في هذه الثورة المثل بما تميزن به من روح الكرم والعطاء والتضحية ونكران الذات. ولهن يرجع الفضل الأكبر في استمرار الثورة وصلابة تصميم الرجال الذين خاضوها ولا يزالون يخوضونها.
التحية لشهداء الحرية والكرامة الذين خطوا بدمائهم تاريخ سورية الجديدة وصنعوا من بطولاتهم مستقبلا جديدا لكل السوريين. ونعاهدهم على ان نبقى أوفياء للقيم التي ماتوا من أجلها وان يظلوا في قلوبنا نورا نستضيء به ونبراسا يوجهنا في طريقنا. المجد والخلود لهم والرحمة على أرواحهم الطاهرة.
التحية لجميع السوريين الذين تحملوا، وحيدين، بإباء عز نظيره، ما لم يتحمله شعب، للقضاء على أحد أركان نظام الارهاب والقهر والاذلال العالمي، وقبلوا بكل التضحيات من أجل ان يحرروا بلدهم من طغيان الجهل والحقد والجريمة المنظمة، وأن يصنعوا منه وطنا للحرية ومدرسة للقيم الانسانية .
التحية والشكر لهؤلاء جميعا، بانتظار ان نحتفل والعالم أجمع هذا العام بالنصر الذي لا يستحقه شعب كما يستحقه السوريون، النصر على النظام الظالم بالتأكيد، لكن أكثر من ذلك ومن وراء ذلك على كل القيم التي جسدها وكانت وراء استمراره: قيم الأنانية والاستقالة الأخلاقية والاستهانة بالانسان والاستهتار بالحياة والكرامة وروح الوطنية.
كل عام وسورية في انتصار والخزي والعار لأعداء الانسانية، قتلة الشعوب وجلاديها.

mardi, janvier 01, 2013

عن أي حل سياسي نتحدث


يقوم الابراهيمي بمساع حثيثة منذ استلام مهمته كوسيط مشترك عربي ودولي من اجل التوصل الى مخرج سياسي يساعد سورية على الخلاص من العنف اليومي الذي تعيشه منذ اكثر من واحد وعشرين شهرا. ومن الواضح ان هذه المهمة لم تسفر عن اي نجاح.
لا يكمن السبب في تعقد المشكلة وتعدد القوى والاطراف المنخرطة في هذه القضية فحسب ولكن في المقاربة التي تبناها المبعوث الدولي والعربي. فلا يمكن ان يكون محور البحث وهدفه وقف العنف هكذا بالمطلق وانما لا ان يكونا في المسائل التي تكمن وراء تفجر العنف. هناك شعب او اغلبية شعبية ترفض نظام الذل القائم وتسعى الى التغيير في اتجاه الحرية والديمقراطية ونظام يستخدم كل وسائل العنف بما فيها المحرمة دوليا من قنابل عنقودية وفسفورية ومن المذابح الجماعية لارعاب الناس وارهابهم واجبارهم على التراجع والاستسلام. وهو ما لا يمكن ان يقبل به شعب قدم حتى الان ارواح ابنائه وجزءا كبيرا من شروط حياته الطبيعية من اجل التحرر من الظلم والاقهر والاضطهاد. فالهوة عميقة جدا بين الطرفين لدرجة من الوهم الاعتقاد ان من الممكن تجاوزها ببعض التقنيات التفاوضية او ببعض التنازلات من هنا وهناك. ومن غير المتوقع ان يقبل اي طرف من الاطراف المتنازعة التخلي عن اي جزء جدي من حقوقه او ما يعتبر انه يمثل حقوقه الشرعية.
لن يكون هناك اي امل للخروج من دوامة العنف مهما حصل من قسوة ووحشية من دون ان يعترف الوسيط بلب المشكلة وان يقدم لها الجواب الشافي. ولب المشكلة تحقيق طموحات الشعب السوري في حياة ديمقراطية سليمة بعد نصف قرن من الاستبداد الضاري والقهر الخارج عن اي معيار. وهذا يتطلب ان يصدر عن المجتمع الدولي كله اعتراف رسمي بحقوق الشعب السوري الطبيعية، وبشكل خاص من روسيا التي تريد ان تلعب دورا رئيسيا في الوساطة، وبلورة المخرج السياسي من جهة، وبحرمان النظام الذي استمرأ استخدام القوة الاشد من اجل منع الشعب من تحقيق مطامحه المشروعة من قدرته على الاستمرار في الحرب من جهة ثانية او اعطاء الشعب الثائر وسائل دحر هذه القوة وتحييدها.
وبالنسبة للثوار ليس هناك تناقض بين المقاومة المسلحة لنظام همجي وبين المفاوضات، التي تتخذ بالضرورة هنا شكل المفاوضات مع الدول المعنية وليس مع النظام بسبب رفض هذا النظام اي اعتراف بحقوق الطرف الاخر الشعبي ومراهنته المستمرة على الانتصار في الحرب واجهاض الثورة. فليس للاستمرار في القتال بالنسبة للشعب وللنظام هدف اخر سوى الوصول الى حل او بالاحرى مخرج سياسي. لكن هذا المخرج يختلف من طرف لاخر. وبالنسبة للشعب الذى ضحى بكل شيء يعني المخرج المشرف تحقيق النصر على الديكتاتورية والاستبداد مهما كان السبب. ربما تكمن فرصة وقف العنف واطلاق مبادرة سياسية ناجحة في اعلان اقوى من قبل الدول وروسية خاصة لالتزامهم بتحقيق هذا الهدف والانخراط في عملية تحقيقه منذ الان حتى لو كانت العملية تدريجية ومرحلية، بل لانها لا يمكن ان تكون الا كذلك. وهذا هو التنازل الوحيد الذي يمكن للثوار ان يقدموه في اي مخرج او تسوية سياسية: التدرج في تحقيق الاهداف وضمان الحقوق الشرعية وليس في التخلي عن جزء هذه الاهداف والحقوق او المساومة على اي منها.  وينبغي على اي وسيط ان ينطلق من هذه الحقيقة ثم يبني علىها. الهدف ليس وقف العنف باي ثمن وانما الاعتراف بالحقوق الشرعية وتبيان الطريق الأكيد لتحقيقها. وهذا ما لايزال المجتمع الدولي وروسية يساومان عليه او لا يراعونه تماما كما يظهر من تقاعسهما في دعم السوريين سياسيا وانسانيا وعسكريا في مواجهة النظام الذي يعترف الجميع بوحشيته وظلمه. 
ليس هناك حل وسط في مثل هذه القضايا الكبرى. وبمقدار ما تنخرط المجموعة العربية والدولية في تحقيق اهداف ومطامح الشعب تساهم في تقدم الحل السياسي ووضع حد للعنف. وبالمقابل لا يخدم  تصوير الامر على انه حرب اهلية الوصول الى الحل. فالمقصود من تعريف النزاع بأنه حرب أهلية هو تغيير طبيعة الصراع وهويته وبالتالي نزع الشرعية عنه ووضع القاتل والمقتول المجرم والضحية على مستوى واحد من المسؤولية والحق. مما يعني إغلاق الباب أمام اي تفاهم ليس بين الشعب والنظام فحسب وإنما أكثر من ذلك بين الشعب ووسيط السلام والحل السياسي وكل الدول التي تقف وراءه. هناك بالتأكيد بعض الأخطاء والتجاوزات التي تحصل هنا وهناك بسبب انفلات الأمن وغياب الهيكلية المواحدة للكتائب الثورية المسلحة واختراقها من قبل جماعات وربما مجموعات لا علاقة لها بالثورة وأهدافها، ولكن مثل هذه التجاوزات لا يمكن أن تبدل في هوية الثورة وطبيعتها. وكل مسعى إلى طرح المسألة وكانها نزاع داخلي بين طوائف أغلبية وأقلية أو حتى بين معارضة وسلطة يشوش على حقيقة الوضع ويقطع الطريق على أي تفاهم ممكن ويقضي على مساعي أي وسيط أو على مستقبل أي مبادرة للحل السياسي.