lundi, janvier 14, 2013

في خطر التفاهم الروسي الأمريكي على الثورة السورية


من قرأ ما صرح به وزير الخارجية الروسي البارحة لوكالة الانباء الروسية من أن استبعاد الاسد العملية السياسية مستحيل التنفيذ، وأن على المعارضة أن تقترح افكارا للحوار مع دمشق، ومن يشاهد قطع الاسطول الروسي الذي جاء إلى غربي المتوسط ليقوم بمناورة انزال على الشاطيء السوري، ومن يعاين صمت موسكو المطبق والطويل عما ترتكبه قوات الاسد كل يوم من مجازر وما تقوم به من تدمير للبلاد، يشعر بأن الخصم الحقيقي الذي يقف في وجه السوريين المطالبين بحقهم في الحرية والسيادة ليس نظام الطاغية الصغير وإنما هو روسيا الجديدة، روسية الرأسمالية المتأخرة التي تريد أن تستدرك ما فاتها، بسبب العصر الشيوعي السابق، من مآثر استعمارية وحروب نزاع على النفوذ سبقتها إليها الدول الغربية. وهي مآثر من نوع الأمبريالية الفجة، التي لا حدود قانونية وأخلاقية لها، كانت أولى نماذجها حرب الشيشان التي لا تختلف كثيرا عن حرب "سورية الأسد" ضد شعبه.
لا تختلف هذه الأمبريالية عن الحروب الاستعمارية المتخلفة التي عرفتها الرأسمالية الغربية في طور نشوئها، والتي لم يكن يرف لقادتها جفن امام عذابات الشعوب ودمار بيئتها وشروط حياتها. فهي تستخدم الوسائل نفسها وتبرر أعمالها ومواقفها الشنيعة بالحجج والذرائع ذاتها، وفي مقدمها حماية الأقليات الدينية والاتنية. ومنها التدخل المباشر وغير المباشر من أجل منع تدخل الدول الأخرى، والحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها ورفاهيتها.
سألت صديقا حضر الاجتماع الثلاثي الأخير الفاشل، الذي ضم الروسي بوغدانوف والأمريكي بيرنز والوسيط الدولي والعربي الابراهيمي، حول الأزمة السورية، عن تقييمه للموقف الروسي، فقال: لاشيء جديد على الإطلاق. قلت وما هي حقيقة الموقف الروسي هل هناك بوادر تغير في اتجاه أو آخر؟ قال لاشيء. قلت أتعتقد أنهم يريدون بقاء النظام؟ قال لا. قلت ماذا يريدون إذن؟ قال لا أحد يعرف سر الموقف الروسي. هم ليسوا مع بقاء الأسد لكنهم لا يريدون التخلي عنه. لا أحد يفهم عليهم.
في نظري لا يهم الأسد ونظامه الروس في شيء. إن ما يهمهم هو مصالحهم وحدها. ومصالحهم هي أن يحتفظوا بموقع نفوذ قوي في المنطقة. وقاعدة هذا النفوذ الحقيقية ليست سورية وإنما ايران. ولا ينبغي لنظام الأسد أن يسقط قبل أن تبدأ مفاوضات طهران مع الغرب حول ملفها النووي حتى لا تذهب إليها ضعيفة. لكن سورية مهمة أيضا لذاتها وهم يستخدمون رحيل الأسد كورقة للمفاوضات مع المعارضة على طبيعة نظام ما بعد الأسد وعلى مصير القوى التي يعتمد نفوذهم عليها، وفي مقدمها الجيش والأجهزة الأمنية. باختصار لا مانع لديهم من التغيير لكم ليسوا مستعجلين. ينتظرون من الفريسة أن تسلم وتستسلم من تلقاء نفسها.
ومما يعزز من ثقتهم بربحهم هذه المواجهة مع الثورة السورية التي خسرها الأسد، هو تخلي الغرب لهم فعليا عنها. فمن الواضح اليوم أن أوربة، بالرغم من وزنها الاقتصادي الكبير، ليست صاحبة قرار دولي، وكل دولة منها لا تزن شيئا كبيرا. وهي تعمل في هذا المجال الدولي بمثابة جوقة للترويج للقرار الدولي. أما صاحب القرار في الغرب فهو الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الواضح أن هذه الأخيرة قد قررت أن المكاسب ليست على حجم المخاطر في أي تدخل محتمل يمكن القيام به في سورية، وهي تريد أن تغطي على خيانتها لالتزاماتها الدولية الأخلاقية والإنسانية من خلال رمي الكرة في الملعب الروسي والعربي، وترك الأطراف تقلع شوكها بيدها.
لم يكن هذا الموقف واضحا منذ البداية. لكن كانت بعض معالمه ماثلة منذ الأشهر الأولى للثورة. فلم تكف الدبلوماسية الأمريكية عن التأكيد، بمناسبة ومن دون مناسبة بأن واشنطن ليس لديها أي نية في التدخل العسكري في سورية. حتى أننا كنا مضطرين دائما، في قيادة المجلس الوطني السوري، لانتقاد الدبلوماسيين الأمريكيين ومطالبتهم، إذا كانوا لا يريدون التدخل فعلى الأقل ألا يرددوا ذلك كل يومين حتى لا يطمئنوا الأسد ويشجعوه على الاستمرار في العنف. وفي السياق ذاته نفهم الآن بشكل أفضل لماذا كان الأمريكيون يصرون على دفعنا إلى الحوار مع روسيا في كل مرة كنا نطلب منهم الضغط عليها.
روسيا في الأزمة السورية ليست وسيطا ولا جزءا من الحل. إنها الخصم الحقيقي والطرف الدولي الأكثر التزاما بإجهاض الثورة السورية. وأنا الآن مقتنع تماما بذلك. هم بالتاكيد ضد الأسد وضد نظامه، لكن ليس لما ارتكبه من جرائم ضد شعبه وبلده وإنما لأنه أفلس ولم ينجح في تحقيق الهدف الذي يسعون إليه. هم يريدون أن يغيروه بالتأكيد، لكن في حالة اقتناعهم بأنهم وجدوا البديل الذي يمكنهم من تخليص سورية مما يعتبرونه خطرا على نفوذهم ليس في سورية والمنطقة الشرق أوسطية فحسب وإنما في البلدان المجاورة لروسيا وربما في روسيا نفسها التي تخشى من عدوى الثورة في حواشيها ومستعمراتها اليوم أكثر مما تخشى من أي شيء آخر، بعد أن انقلبت على سياساتها السابقة، وتحولت إلى قلعة للرجعية والسياسة المحافظة على الصعيد الدولي والداخلي. نحن وحدنا، لأننا لم نفصل بعد تماما في مخيالنا بين روسيا البوتينية، روسيا الرأسمالية المتوحشة الراهنة وروسيا السوفييتية القديمة، صديقتنا وملجأنا ضد الغرب، لا نزال نعتقد أن من الممكن الرهان على تفعيل القيم الإنسانية الأممية والروابط التاريخية التي جمعتنا لعقود طويلة معها في الحقبة الماضية، من أجل تليين الموقف الروسي تجاهنا.
والحال أن روسيا لم تعد روسيا. لقد أصبحت من أكثر الرأسماليات تخلفا وأكثرها ميلا لاتباع سياسات الصراع على مناطق النفوذ وبأكثر الطرق بدائية، أي من دون مراعاة لأي مبدأ أو قانون.
أكتب ذلك وأنا أعي تماما، وهذا ما لم أكف عن ترداده لوزير الخارجية الروسي الذي قابلته مرتين ولنائبه ومعاونيه، أننا بصرف النظر عن أي شيء لن نتخلى عن علاقاتنا مع روسيا حتى لو تخلت هي عنا، لأننا لا نريد أن نكون رهن العلاقات الأحادية الجانب مع الغرب، لأن الغرب يقدم أمن إسرائيل ومصالحها على أي هدف آخر في سياساته في منطقتنا، ونحن لا تزال لدينا أراض محتلة من قبل اسرائيل ولا تزال سياسة الاستعمار الاستيطاني مستمرة ضد أخوتنا الفلسطينيين. لكن هذه هي الحقيقة والواقع، ولا مصلحة لنا في تغذية أوهام سوف تضر بنا وتمنعنا من بلورة استراتيجية سليمة وواقعية.
روسية ليست معنا، لكن روسيا لن تربح حربها ضدنا. وهي تعرف أن حصانها الذي راهنت عليه أصبح كسيحا واهيا، وأن الشعب العظيم الذي صنع المعجزة في الأشهر الطويلة الماضية، أصبح على قاب قوسين أو أدنى من الانتصار. وسيثبت في الأسابيع القادمة، كما حصل من قبل، أنه بفضل الله وتصميم أبنائه وبناته ومساعدة أشقائه العرب، الذين يعرفون أن مصيرهم من مصيره، شعب لا يقهر ولن يقهر. وأنه بعكس ماتردده الدبلوماسية المستقيلة، قادر، بشجاعته وإخلاصه، وتفانيه في سبيل حريته واستقلال وسيادة وطنه، على كسر إرادة خصمه وإجبار الأسد وطغمته على الرحيل، وهذا هو الشرط الموضوعي لبدء حوار وطني حقيقي يعرف الجميع أن سورية لن تستطيع من دونه أن تستعيد سلامها وتنطلق من جديد.