mercredi, mars 26, 2008

القمم العربية جعجعة بلا طحن

الاتحاد 26 مارس 08

عندما يحين موعد انعقاد قمة إقليمية، في أي منطقة من مناطق العالم، ينكب المحللون عادة على تحليل مواقف الدول من مختلف المسائل المطروحة على جدول أعمالها، ونقاط الاختلاف والاتفاق بين أعضائها، ونوعية التسويات التي يمكن أن تحصل فيها لتجاوز الاختلافات والخروج بحلول ترضي الجميع إلى هذا الحد أو ذاك. وباستثناء حالات نادرة يتجاوز فيها تضارب المصالح الحد الذي يسمح بتسوية، تكون النتائج قريبة إلى حد كبير من توقعات المحللين، لأن مواقف الدول من القضايا المطروحة على بساط البحث تكون معروفة مسبقا بالنسبة لجميع الأعضاء. بالمقابل، تكاد الانشغالات الرئيسية التي تسبق انعقاد أي قمة عربية تقتصر على معرفة من سيحضر ومن سيقاطع، وهل ستعقد القمة أم ستؤجل، وإذا عقدت هل ستنج أم ستفشل. ويتجسد النجاح عادة في حضور جميع الرؤساء أو أكثرهم وعدم المقاطعة أو الإكتفاء بتمثيل من مستوى أدنى. وبالكاد يعرف الرأي العام شيئا عن جدول أعمال القمة واتجاهاتها. فليس لذلك قيمة كبيرة، لأن غاية اللقاءات هي التعبير عن وحدة الصف العربي في مواجهة الضغوط أو العدوانات الأجنبية التي لا تتغير، لا تحقيق جدول أعمال يتعلق ببناء المجتمعات العربية نفسها، داخليا وعلى مستوى المجموعة كلها. وحتى عندما تؤخذ القرارات فهي نادرا ما تثير اهتمام المراقبين ذلك أن الجميع أصبح يدرك أن معظمها يتخذ لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام ولا يشعر أي طرف من الموقعين عليها بأنها ملزمة، وهي حسب اللوائح التنظيمية للمنظمة بالفعل غير ملزمة إلا لمن يريد تطبيقها.
كان هذا هو الوضع قبل إقرار الطابع الدوري الثابت لمؤتمرات القمة العربية، ولا يزال بعده. وفي معظم الأحيان تتحقق التوقعات تماما، فلا تنعقد المؤتمرات إلا بشق النفس وبعد تسويات شكلية مضنية ليس لها أي علاقة مباشرة بالقضايا المطروحة وإنما بمعالجة إشكالات بروتوكولية وتسوية حساسيات شخصية وتقديم ترضيات مسبقة تتعلق مباشرة بالموافقة على حضور القمة المعنية.
يعتقد الكثير من المحللين، كما هو الحال بالنسبة للرأي العام العربي، أن هذه الوضعية الطريفة لمؤتمرات القمة ناجمة عن تباعد سياسات الأقطار العربية عن بعضها البعض، إن لم نقل تناقضها وتعارضها في مسائل عديدة وواسعة تبدأ باختلاف أمزجة رؤساء الدول وتنافرها، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها، وتنتهي بتباين المواقف الاستراتيجية المتعلقة بالأمن الوطني والإقليمي، مرورا بالاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة هي نفسها بطبيعة النظم السياسية، ووشائج القربى التي تجمع بينها وتجمعها مع الدول غير العربية، في الإقليم وخارجه.
والواقع أن الاختلاف في وجهات النظر بين الدول، في مثل هذه المسائل جميعا، ليس سمة عربية، وإنما هو الأمر الطبيعي الذي يسم جميع المنظمات الأقليمية في العالم، نظرا لتفاوت مصالح أطرافها الاقتصادية والسياسية والأمنية واختلاف رؤيتها لأهداف اتحادها وتكتلها. ومع ذلك، أمكن لمنظمات إقليمية عديدة أن تطور عملها وتقطع مراحل طويلة في اندماجها الاقتصادي والسياسي، بينما بقيت الجامعة العربية عاجزة عن تحقيق أي إنجاز من هذا النوع، بالرغم من أنها هي أول منظمة إقليمية نشات في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال، لم تمنع الحساسيات القومية والأمزجة الشخصية المتباينة والمصالح المتعددة والمتفاوتة دول أوروبا، وفي مقدمها فرنسا وألمانيا المعروفتين بعدائهما الشديد منذ الحرب الأولى، وهما قطبي الرحى في التنظيم الإقليمي الاوروبي، من قيام الاتحاد الأوروبي. وانقسام أعضاء هذا الاتحاد نفسه بين المتحمسين للسير وراء واشنطن وتبني سياساتها الدولية والإقليمية من جهة، والمدافعين عن أوروبة مستقلة وريثة للنزعة الديغولية من جهة ثانية، لم يوقفا تقدم هذا الاتحاد على مسارات عديدة رئيسية، اقتصادية وتقنية وعلمية واجتماعية وسياسية وثقافية. وربما كان نجاح العملة الأوروبية التي أصبحت أقوى عملة في العالم في سنوات معدودة البرهان الساطع على ذلك.
ما الذي يفسر هذا العجز المزمن لمؤتمرات القمة والجامعة العربية معا عن التقدم وتحقيق أي إنجاز، وعن تحويل اجتماعات القادة العرب إلى مناسبات لاستعراض الأمزجة وتأكيد القطيعة بشكل أكبر بدل تذليل الخلافات للتوصل إلى اتفاقات جدية كان من شأن تنفيذها لو حصل أن يجعل من العالم العربي منطقة تعاون وتكامل وبالتالي ازدهار وتنمية استثنائية في العالم كله؟
بعكس زملائهم في المناطق الأخرى، لا يأتي القادة العرب إلى مؤتمرات القمة ليحققوا أهدافا ترتبط بمستقبل شعوبهم ومصالحها، ولكن ليبريء كل واحد منهم ذمته إزاء المآسي التي تجري في البلاد العربية بسبب غياب التعاون والتفاهم والعمل المشترك، أي ليبرر، أمام الرأي العام العربي، الذي ينزع إلى التضامن وتحركه مشاعر عميقة بوحدة الهوية والمصالح، هربه من المسؤولية الجماعية. وقليل منهم من يأتي بمشاريع تتعلق بمصير مجتمعاتهم، ومن أتى منهم بما يشبه ذلك فطلبا للمعونة ولتحقيق إنجازات خاصة أو ذاتية. وأشك بأن يعتقد أكثرهم بإمكانية قيام مشروع عمل عربي جماعي مفيد له وللجميع. فهم ميالون بسبب نقص ثقتهم بأنفسهم وأخوتهم معا إلى قصر الشراكة على الدول والشركات الأجنبية التي توفر لهم الخبرة والدعم والتغطية الأمنية. أما المؤتمرات العربية فهي تهدف إلى إظهار الوحدة الشكلية وتحقيق المصالحات الوقتية للظهور بمظهر الحرص على الدفاع عن المصالح العربية المشتركة أمام جمهور عربي غاضب واتهامي وفاقد للثقة. ولذلك قليلا ما يتجاوز عمل القمة تسوية النزاعات الشخصية، ونادرا ما تجد الوقت لمناقشة النزاعات الحقيقية التي تفرق بين الدول العربية، وأقل من ذلك للاتفاق على مشاريع واقتراحات تتوخى مصالح الشعوب العربية وتكامل مسيرتها. وبقدر ما تشكل المؤتمرات ساحة للمناورة بالنسبة للزعماء، تتحول أيضا إلى مناسبة لاستعراض أمزجتهم وقدراتهم الخطابية، وتأكيد المصالح الخاصة بأنظمتهم القائمة، والتباري في الخروج من القمة بأقل ما يمكن من الالتزامات الجماعية. وباستثناء المسؤولين الذين تتعرض أقطارهم لأزمات أو تهديدات خارجية، لا يرى معظم المشاركين في حضور القمة مناسبة لتطوير سياسات وتحقيق أهداف ايجابية، بقدر ما ينظرون إليها كواجب، بل كامتحان لا مهرب منه. وهو ما عمق خيبة الجمهور منها وأفقدته الثقة في أي قرار يصدر عنها.
لا يمكن لمؤتمرات القمة العربية أن تتحول، كبقية المؤتمرات الإقليمية، إلى أطر جدية للعمل الايجابي والإنجاز، ما لم يكن الدافع إلى حضورها إحساس المشاركين بالمسؤولية تجاه شعوبهم وحرصهم على العمل على تحسين شروط حياتها الإنسانية. ولا إحساس بمثل هذه المسؤولية عند نظم تفتقر للشرعية ولا تملك سياسة وطنية، همها الوحيد الدفاع عن امتيازات أصحابها والحفاظ على سلطتهم الاستثنائية. وإذا كان من غير الممكن لها أن تنتج سياسة وطنية، فمن باب أولى أن لا تنتج سياسة عربية جماعية. ولهذا ليس من المستغرب أن لا تحقق مؤتمرات القمة العربية على تعاقبها أي تقدم ملموس في أي ميدان، بل ولا أن تنجح حتى في الحد من تدهور العلاقات العربية. ففي غياب هذه السياسة الوطنية ينبغي الكشف عن مفتاح عجز المسيرة التكاملية العربية، لا في مثالية الحركة القومية، كما يعتقد كثير منا اليوم.

القمم العربية جعجعة بلا طحن

الاتحاد 26 مارس 08
برهان غليون
عندما يحين موعد انعقاد قمة إقليمية، في أي منطقة من مناطق العالم، ينكب المحللون عادة على تحليل مواقف الدول من مختلف المسائل المطروحة على جدول أعمالها، ونقاط الاختلاف والاتفاق بين أعضائها، ونوعية التسويات التي يمكن أن تحصل فيها لتجاوز الاختلافات والخروج بحلول ترضي الجميع إلى هذا الحد أو ذاك. وباستثناء حالات نادرة يتجاوز فيها تضارب المصالح الحد الذي يسمح بتسوية، تكون النتائج قريبة إلى حد كبير من توقعات المحللين، لأن مواقف الدول من القضايا المطروحة على بساط البحث تكون معروفة مسبقا بالنسبة لجميع الأعضاء. بالمقابل، تكاد الانشغالات الرئيسية التي تسبق انعقاد أي قمة عربية تقتصر على معرفة من سيحضر ومن سيقاطع، وهل ستعقد القمة أم ستؤجل، وإذا عقدت هل ستنج أم ستفشل. ويتجسد النجاح عادة في حضور جميع الرؤساء أو أكثرهم وعدم المقاطعة أو الإكتفاء بتمثيل من مستوى أدنى. وبالكاد يعرف الرأي العام شيئا عن جدول أعمال القمة واتجاهاتها. فليس لذلك قيمة كبيرة، لأن غاية اللقاءات هي التعبير عن وحدة الصف العربي في مواجهة الضغوط أو العدوانات الأجنبية التي لا تتغير، لا تحقيق جدول أعمال يتعلق ببناء المجتمعات العربية نفسها، داخليا وعلى مستوى المجموعة كلها. وحتى عندما تؤخذ القرارات فهي نادرا ما تثير اهتمام المراقبين ذلك أن الجميع أصبح يدرك أن معظمها يتخذ لحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام ولا يشعر أي طرف من الموقعين عليها بأنها ملزمة، وهي حسب اللوائح التنظيمية للمنظمة بالفعل غير ملزمة إلا لمن يريد تطبيقها.
كان هذا هو الوضع قبل إقرار الطابع الدوري الثابت لمؤتمرات القمة العربية، ولا يزال بعده. وفي معظم الأحيان تتحقق التوقعات تماما، فلا تنعقد المؤتمرات إلا بشق النفس وبعد تسويات شكلية مضنية ليس لها أي علاقة مباشرة بالقضايا المطروحة وإنما بمعالجة إشكالات بروتوكولية وتسوية حساسيات شخصية وتقديم ترضيات مسبقة تتعلق مباشرة بالموافقة على حضور القمة المعنية.
يعتقد الكثير من المحللين، كما هو الحال بالنسبة للرأي العام العربي، أن هذه الوضعية الطريفة لمؤتمرات القمة ناجمة عن تباعد سياسات الأقطار العربية عن بعضها البعض، إن لم نقل تناقضها وتعارضها في مسائل عديدة وواسعة تبدأ باختلاف أمزجة رؤساء الدول وتنافرها، وهم أصحاب الأمر والنهي فيها، وتنتهي بتباين المواقف الاستراتيجية المتعلقة بالأمن الوطني والإقليمي، مرورا بالاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة هي نفسها بطبيعة النظم السياسية، ووشائج القربى التي تجمع بينها وتجمعها مع الدول غير العربية، في الإقليم وخارجه.
والواقع أن الاختلاف في وجهات النظر بين الدول، في مثل هذه المسائل جميعا، ليس سمة عربية، وإنما هو الأمر الطبيعي الذي يسم جميع المنظمات الأقليمية في العالم، نظرا لتفاوت مصالح أطرافها الاقتصادية والسياسية والأمنية واختلاف رؤيتها لأهداف اتحادها وتكتلها. ومع ذلك، أمكن لمنظمات إقليمية عديدة أن تطور عملها وتقطع مراحل طويلة في اندماجها الاقتصادي والسياسي، بينما بقيت الجامعة العربية عاجزة عن تحقيق أي إنجاز من هذا النوع، بالرغم من أنها هي أول منظمة إقليمية نشات في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال، لم تمنع الحساسيات القومية والأمزجة الشخصية المتباينة والمصالح المتعددة والمتفاوتة دول أوروبا، وفي مقدمها فرنسا وألمانيا المعروفتين بعدائهما الشديد منذ الحرب الأولى، وهما قطبي الرحى في التنظيم الإقليمي الاوروبي، من قيام الاتحاد الأوروبي. وانقسام أعضاء هذا الاتحاد نفسه بين المتحمسين للسير وراء واشنطن وتبني سياساتها الدولية والإقليمية من جهة، والمدافعين عن أوروبة مستقلة وريثة للنزعة الديغولية من جهة ثانية، لم يوقفا تقدم هذا الاتحاد على مسارات عديدة رئيسية، اقتصادية وتقنية وعلمية واجتماعية وسياسية وثقافية. وربما كان نجاح العملة الأوروبية التي أصبحت أقوى عملة في العالم في سنوات معدودة البرهان الساطع على ذلك.
ما الذي يفسر هذا العجز المزمن لمؤتمرات القمة والجامعة العربية معا عن التقدم وتحقيق أي إنجاز، وعن تحويل اجتماعات القادة العرب إلى مناسبات لاستعراض الأمزجة وتأكيد القطيعة بشكل أكبر بدل تذليل الخلافات للتوصل إلى اتفاقات جدية كان من شأن تنفيذها لو حصل أن يجعل من العالم العربي منطقة تعاون وتكامل وبالتالي ازدهار وتنمية استثنائية في العالم كله؟
بعكس زملائهم في المناطق الأخرى، لا يأتي القادة العرب إلى مؤتمرات القمة ليحققوا أهدافا ترتبط بمستقبل شعوبهم ومصالحها، ولكن ليبريء كل واحد منهم ذمته إزاء المآسي التي تجري في البلاد العربية بسبب غياب التعاون والتفاهم والعمل المشترك، أي ليبرر، أمام الرأي العام العربي، الذي ينزع إلى التضامن وتحركه مشاعر عميقة بوحدة الهوية والمصالح، هربه من المسؤولية الجماعية. وقليل منهم من يأتي بمشاريع تتعلق بمصير مجتمعاتهم، ومن أتى منهم بما يشبه ذلك فطلبا للمعونة ولتحقيق إنجازات خاصة أو ذاتية. وأشك بأن يعتقد أكثرهم بإمكانية قيام مشروع عمل عربي جماعي مفيد له وللجميع. فهم ميالون بسبب نقص ثقتهم بأنفسهم وأخوتهم معا إلى قصر الشراكة على الدول والشركات الأجنبية التي توفر لهم الخبرة والدعم والتغطية الأمنية. أما المؤتمرات العربية فهي تهدف إلى إظهار الوحدة الشكلية وتحقيق المصالحات الوقتية للظهور بمظهر الحرص على الدفاع عن المصالح العربية المشتركة أمام جمهور عربي غاضب واتهامي وفاقد للثقة. ولذلك قليلا ما يتجاوز عمل القمة تسوية النزاعات الشخصية، ونادرا ما تجد الوقت لمناقشة النزاعات الحقيقية التي تفرق بين الدول العربية، وأقل من ذلك للاتفاق على مشاريع واقتراحات تتوخى مصالح الشعوب العربية وتكامل مسيرتها. وبقدر ما تشكل المؤتمرات ساحة للمناورة بالنسبة للزعماء، تتحول أيضا إلى مناسبة لاستعراض أمزجتهم وقدراتهم الخطابية، وتأكيد المصالح الخاصة بأنظمتهم القائمة، والتباري في الخروج من القمة بأقل ما يمكن من الالتزامات الجماعية. وباستثناء المسؤولين الذين تتعرض أقطارهم لأزمات أو تهديدات خارجية، لا يرى معظم المشاركين في حضور القمة مناسبة لتطوير سياسات وتحقيق أهداف ايجابية، بقدر ما ينظرون إليها كواجب، بل كامتحان لا مهرب منه. وهو ما عمق خيبة الجمهور منها وأفقدته الثقة في أي قرار يصدر عنها.
لا يمكن لمؤتمرات القمة العربية أن تتحول، كبقية المؤتمرات الإقليمية، إلى أطر جدية للعمل الايجابي والإنجاز، ما لم يكن الدافع إلى حضورها إحساس المشاركين بالمسؤولية تجاه شعوبهم وحرصهم على العمل على تحسين شروط حياتها الإنسانية. ولا إحساس بمثل هذه المسؤولية عند نظم تفتقر للشرعية ولا تملك سياسة وطنية، همها الوحيد الدفاع عن امتيازات أصحابها والحفاظ على سلطتهم الاستثنائية. وإذا كان من غير الممكن لها أن تنتج سياسة وطنية، فمن باب أولى أن لا تنتج سياسة عربية جماعية. ولهذا ليس من المستغرب أن لا تحقق مؤتمرات القمة العربية على تعاقبها أي تقدم ملموس في أي ميدان، بل ولا أن تنجح حتى في الحد من تدهور العلاقات العربية. ففي غياب هذه السياسة الوطنية ينبغي الكشف عن مفتاح عجز المسيرة التكاملية العربية، لا في مثالية الحركة القومية، كما يعتقد كثير منا اليوم.

mercredi, mars 12, 2008

نفاق الغرب

الاتحاد 12 مارس 08

بنيت ثقافة الغرب الحديث بأكملها على أخلاقيات الاستقامة والصراحة والصدق والشفافية، التي يعززها الاعتراف بشرعية اختلاف المصالح بين فئات المجتمع، وشرعية الاختلاف في الاعتقادات والأراء والأفكار والآراء ووجهات النظر. وكان لهذه الأخلاقيات الجديدة الفضل الأكبر في تأسيس حياة مدنية سليمة قائمة على مباديء الحق والمساواة والعدالة والاحترام المتبادل، وفي بناء حياة سياسية ديمقراطية قائمة على التنافس النزيه ونبذ الحرب والعداون بين أفراد المجتمع الواحد وفئاته المختلفة. وبالتالي في نشوء مفهوم السياسة والوحدة الوطنية، بل وجود الوطنية نفسها كمفهوم وممارسة، وتحضر الدول، وتطور مفهومها ووظائفها، واستقرار المجتمعات. فبفضل هذه الأخلاقيات، لم يعد الإنسان فيها، فردا كان أم مجموعة، بحاجة إلى اللف والدوران والكذب والغش والخداع، أو ما كان يسمى في أدبياتنا العربية الكلاسيكة الحيلة، حتى يضمن حقه في الوجود المختلف، ويحفظ مصالحه، ولا يعرض نفسه في ذات الوقت لبطش أصحاب السلطة أو المال او الجاه. وبالعكس، كان علم الحيل والاحتيال في ماضي ما قبل الحداثة السلاح الوحيد الذي يسمح بتعديل منطق القوة ذي الاتجاه الواحد، وبإدخال عناصر أخرى، من ذكاء ودهاء وحنكة ومناورة، في معادلة العلاقات الاجتماعية والدولية وميزانها.
بيد أن ما كانت ثقافة القرون الوسطى السياسية تختزنه، في كل المجتمعات، من إرث الحيلة والاحتيال، وما سيتخذ في ما بعد خطأ اسم المكيافيلية، نسبة لذاك الذي أخرج السياسة من منطق العقيدة، وألغى بالتالي الحاجة إلى الخداع والاحتيال، وجعل منهما جزءا من خطط أكبر للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، لن يزول من الوجود. إنه سوف ينمو ويتجمع ليتحول إلى مادة أساسية في نظام توجيه الممارسة التي طبعت ولا تزال تطبع علاقة الدول الغربية بالمجتمعات والبلاد الأخرى. فعلى هذا الإرث من القيم سوف تستند الممارسة الاستعمارية التي أوقعت بالشعوب، وأدخلتها في شراكها، وأخضعتها لمصالحها واهدافها، من دون أن تتخلى لحظة في خطابها، أمام الآخرين أو أمام جمهورها، عن مديح الحرية والمساواة والعدالة الانسانية. وفي قلب هذه الممارسة القائمة على الخداع وبموازاتها يتحول النفاق إلى ممارسة كاملة، تقول غير ما تفعل، وتعلن غير ما تضمر، وتوعد غير ما تقرر. وهو يفسر وحده كيف أمكن لأصحاب المشروع الاستعماري أن يجمعوا بين خطاب الإنسية وتلك الممارسات الوحشية التي رافقت وضع اليد على أراضي القارات المختلفة، وتحويل شعوبها لعقود طويلة إلى عبيد أو ما يشبه ذلك، أي أن يجمعوا بين منطق الدفاع عن تحرر الانسانية وانعتاقها والسقوط في بربرية العنصرية والإبادة الجماعية.
لم أذكر ذلك لأكشف عن أحد مظاهر العطب والنقص الذي لا يزال يميز الحداثة ويفسر موجه الاحتجاج والارتداد العنيفة عليها وعلى قيمها في مناطق واسعة من المعمورة، وليس في البلاد الإسلامية فحسب، وأعني بهذا العطب استمرار قيام العلاقات الدولية وبين المجتمعات على أسس "ميكيافيلية"، تضعف من صدقية قيم الحرية والمساواة والعدالة التي تؤسس جوهر الحداثة فحسب. ولم أذكره أيضا لأشير إلى المأساة التي نجمت عن انتقال هذا الإرث الاستعماري نفسه إلى النخب المحلية السائدة في البلاد التي استعمرت سابقا، وتبنيها له ولقيمه بالجملة. إن ما ذكرني به هو ما جري ويجري في غزة ومن حول مأساتها، والذي يشكل هو نفسه امتدادا لما جرى في المشرق العربي من ممارسات أدخلت الشرق الأوسط بأكمله في متاهة لا مخرج منها، وتهدد بتقويض أسس السلام العالمي نفسه. ولا أقصد هنا الإشارة إلى السياسات الاستعمارية القديمة التي لا تزال هنا راهنة، وإنما إلى الطريقة التي نظر بها الغرب، وأعني هنا بالغرب الحكومات والرأي العام معا، ولا يزال ينظر بها إلى المسألة الفلسطينية، التي نشأت من رميه نتائج سياساته العنصرية تجاه اليهود على العرب، وعلى الفلسطينيين منهم بشكل خاص.
فكيف نفسر، من دون هذا النفاق، نجاح إسرائيل التي ما كان من الممكن أن تقوم ولا أن تبقى، باعتراف قادتها أنفسهم، من دون احتضان الغرب ودعمه السياسي والأخلاقي والعسكري، في الاستمرار في المراوغة وتحدي إرادة الغرب الذي يدعي الالتزام بالسلام والتسوية والحل العادل للقضية الفلسطينية، وفي إحباط مبادراته، المتكررة منذ أكثر من نصف قرن، وحلوله المقترحة، ونصائح لجانه الرباعية وغير الرباعية، وفي الوقت نفسه رفض الحكومات الغربية، بما فيها الاوروبية المؤيدة كما تقول للحقوق الفلسطينية، اتخاذ أي عقوبات ضد الدولة العبرية. بل بالعكس عدم الخجل من الاحتفاء بها في المناسبات الدولية وجعلها، كما هو الحال هذا الشهر في فرنسا، ضيف الشرف على معرض الكتاب العالمي، بالرغم من ممارساتها اللاإنسانية، حسب عبارة منظمات حقوق الانسان الدولية، في غزة وغيرها من المناطق الفلسطينية؟ وكيف نصدق أنه، لا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا روسيا ولا غيرها من الدول الكبرى الصديقة والقريبة لاسرائيل، وكلها تدعي الإخلاص لقيم الحرية والعدالة والمساواة، والصداقة للعرب والمسلمين أيضا، لا تملك أن تتخذ أي إجراء لثني إسرائيل عن ممارساتها العنصرية وتشجيعها على الدخول في منطق السلام والتسوية السياسية؟
ما الذي يمكن أن نحسه غير الاحباط، وأن نفكر به غير النفاق، إزاء وعود تتكرر ولا تنفذ منذ قرن، ومبادرات سلام، أمريكية أو اوروبية، تتوالى كل سنتين او ثلاثة دون جدوى، ومؤتمرات دولية تعقد وتموت من دون اكتراث، وموائد حوار تنظم من دون ثمرة ولا إنجاز، ومشاورات عالمية لا تتوقف، ومباحثات تعددية او ثنائية يقوم بها مبعوثون مخصوصون للشرق الأوسط لا تثير حتى فضول الصحافة المحلية، ومفاوضات لا تنتج غير البيانات المنمقة التي لا تهدف إلا إلى خداع العرب وتسكين غضب الرأي العام؟ وإلى متى سيحتمل العرب مهزلة السلام الموعود، الذي أخذ الغرب ثمنه سلفا بدمج الدول العربية في الحرب ضد الإرهاب، ولهاث حكوماتهم وراء سراب حلول ومبادرات، يعرف الجميع منذ البداية، ورعاتها الغربيون أولهم، أن الهدف الفعلي لها غير الهدف المعلن، ولا تفيد إلا في إعطاء إسرائيل المزيد من الوقت لتحقيق أهدافها، مع مراعاة مصالح النظم العربية وحفظ ماء وجهها، وتصبير الفلسطينيين على جراحهم وآلامهم، بانتظار أن تتحقق الغاية، ويصبح لا مناص لهم من الاعتراف بعدم وجود أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية بالمعنى الحقيقي للكلمة، والقبول نتيجة ذلك بما قسم لهم، أي بمجموعة من المعازل المقطوعة والمعدمة داخل إسرائيل الكبرى، حتى لو أطلق على هذه المعازل اسم دولة، وربما جماهيرية عظمى.
ثم ما الفائدة من ترديدنا التحليلات نفسها، والتذكير بالمسؤوليات، والتحذير من النتائج، مادامت سياسة الخداع والكذب والغش مستمرة، وطالما لم تدرك الحكومات ورأيها العام، في الغرب والدول الصناعية الكبرى والعالم أجمع، أن قيم الحداثة الإنسانية ليست نهائية ولكنها قابلة للارتداد، وأن خيانتها المستمرة، على أي مستوى من مستويات العلاقات الإجتماعية والدولية، ومن قبل أي طرف كان، يقود لا محالة إلى النكوص الجماعي عنها، بما يعنيه ذلك من تعميم مشاعر الشك والخوف وقيم العنصرية والعدوان، والتهديد بتوسيع دائرة حرب عالمية بدأ فتيلها يشتعل بالفعل، منذ الآن، في أكثر من بقعة من بقاع المعمورة.

samedi, mars 08, 2008

L’Orient face à la politique des puissances

mardi 4 mars 2008 - Burhan Ghalioun - Confluences Méditerranée

Tous les gouvernements arabes ont été surpris par le changement survenu, après les évènements du 11 septembre 2001, dans la stratégie des Etats-Unis d’Amérique au Moyen-Orient.
La plupart d’entre eux ont considéré l’insistance de Washington à promouvoir des réformes politiques et sociales visant à garantir une stabilité durable, comme une lourde erreur, non seulement du point de vue de leurs intérêts mais aussi du point de vue des intérêts des Etats-Unis eux-mêmes.
Un tel processus ébranlerait la stabilité et mettrait peut-être fin aux régimes eux-mêmes. Aussi les gouvernements arabes n’ont-ils pas hésité, en dépit du risque que cela comportait pour leur avenir, à manifester leur désaccord avec Washington et à s’employer à convaincre les Etats-Unis de revenir sur leur décision.
C’est qu’il ne s’agit pas là d’intérêts partiels relatifs à l’état en tant que tel ou la société, mais du destin des gouvernements et des régimes dans leur totalité. En moins de deux ans, les gouvernements arabes ont réussi, sans réaliser le moindre changement, à convaincre Washington que les ambitieux projets de réformes ne sont de l’intérêt de personne, ni des gouvernements du Moyen-Orient, ni des Etats-Unis. Et avec l’apaisement sécuritaire survenu en Irak et le lancement de nouveaux pourparlers de paix à Annapolis, les choses ont repris leur cours, ou presque.
Ainsi peut-on dire qu’à la faveur d’intérêts convergents, les gouvernements arabes ont compris l’Amérique mieux qu’elle ne l’a fait elle-même ; ils l’ont aidée à revenir sur la bonne voie pour conserver ses intérêts, étant donné que ces intérêts sont impliqués de fait avec les intérêts des forces arabes sur lesquelles est fondé l’ordre actuel ou le système traditionnel, qui a succédé au mouvement nationaliste arabe. La base de ce système et l’alliance américano-arabe qui le sous-tend, c’est l’intérêt commun à écarter les peuples arabes de la maîtrise de leur destin et les priver de leur souveraineté.
Dans cette lutte, comme dans les nombreuses autres luttes liées à la réforme et au changement, les gouvernements arabes, sous toutes leurs formes, ont utilisé -et utilisent - l’hostilité envers l’Occident pour détourner l’attention de l’opinion publique arabe des problèmes et des défis intérieurs et diriger sa rancœur vers l’extérieur. Dans ce contexte, ils ont œuvré -et oeuvrent toujours- pour répandre une forme d’hostilité qui , au-delà d’un refus des politiques occidentales , va jusqu’au refus de la civilisation, de la culture et de tout ce qui concerne l’histoire et l’identité des pays occidentaux.
Ils ont tiré profit -et tirent profit - de certains courants racistes occidentaux pour faire de la haine de l’Occident en tant que tel, un moyen pour ériger une barrière infranchissable entre l’opinion publique et les acquis de la modernité politique, législative et civique, mobiliser l’opinion derrière eux et se présenter, eux et leurs régimes, comme la citadelle qui protège de la domination étrangère, -culturelle et politique.
Ainsi les régimes arabes ont réussi à lier les politiques occidentales et américaines avec la culture, la civilisation et l’ identité de l’Occident, au lieu de les imputer aux élites dominantes, telles les néo-conservateurs à Washington ; ils ont transformé l’hostilité aux politiques occidentales en hostilité à l’Occident et à faire de la mobilisation permanente contre lui un substitut pour justifier nombre de leurs propres choix stratégiques et politiques, ce qui empêche la cristallisation de toute politique arabe positive, utile et efficace, visant l’opinion publique occidentale et œuvrant auprès d’elle pour défendre les intérêts et les droits des Arabes..
Certes, de nombreuses raisons poussent les peuples arabes à éprouver de l’hostilité envers l’Occident, sans faire la distinction entre les politiques d’un état et la culture de la société, et à ignorer les divisions de son opinion publique. Parmi ces raisons, le manque de considération pour les droits des Arabes, la mauvaise image qui en est donnée, la présentation négative de leur culture dans la presse écrite et les moyens audiovisuels ; de plus, à la suite du développement des mouvements terroristes liés au monde arabe, surtout après les évènements de septembre 2001, sont apparus des manifestations de mépris et de dénigrement envers les Arabes, regardés comme des sociétés non civilisées, et des sentiments nouveaux fondés sur la peur, la haine et la méfiance, et même le désir de vengeance, comme l’a montré la dernière guerre d’Irak avec son cortège de tortures et de traitements cruels et inhumains envers les prisonniers irakiens et les civils.
Malgré cela, il n’est pas de l’intérêt des Arabes de confondre les politiques occidentales et les sociétés qui leur sont assujetties, et de considérer ces politiques comme le reflet naturel de leur culture, voire de leurs intérêts nationaux lointains. De même, c’est une erreur de regarder l’Occident, avec tout ce qu’il comporte ou crée, comme s’il était le mal ou la source du mal ; c’est aussi une grande erreur de confondre pouvoir et société dans quelque pays que ce soit. Cela ne sert qu’à cacher notre échec à cristalliser des politiques capables d’influer sur les politiques des grandes puissances.
Cela crée un ogre mythique qu’on ne peut affronter, devant lequel nous n’avons pas le choix : l’insulter et le maudire en pensée et, dans les faits, traiter avec lui et nous y soumettre, comme c’est le cas. En réalité, l’Occident, avec l’Amérique, n’est ni un ogre ni un bloc impénétrable. Il est parcouru de courants nombreux qui ne sont pas nécessairement animés d’une hostilité foncière envers les Arabes ou les peuples pauvres. Et il n’est pas de notre intérêt d’ignorer ces forces ; nous ne pouvons pas, vis-à-vis de l’Occident, espérer construire une politique qui garantisse notre indépendance et nos droits, contre les politiques agressives de ses gouvernements, sans reconnaître ces courants et entretenir une relation positive avec eux.
Peut-être ces forces démocratiques qui aspirent à un monde où règnent la paix et la justice, sont-elles bien plus grandes en Occident que dans les pays arabes eux-mêmes. Et peut-être leur capacité à offrir leur concours au causes arabes est-elle bien supérieure à ce que peuvent offrir les forces arabes elles-mêmes.
Pour faire face à l’Occident et ses politiques agressives, nous avons constamment fait appel à un recours venu de l’extérieur, représenté dans un premier temps par l’Union Soviétique. Nous rêvons d’une alliance semblable avec la Chine et la Russie émergentes. Mais nous n’avons pas recueilli un gain notable de cette politique, car les causes qui sont les nôtres restent toutes en souffrance, et cela depuis des décennies, elles se sont même aggravées. La raison en est que la plupart de nos problèmes sont liés à l’Occident, et il n’est pas possible de les résoudre en l’ignorant, que ce soit contre lui ou sans lui.
De même, toutes les forces sur lesquelles nous avons misé et sur lesquelles nous miserons ont besoin de la coopération et de l’amitié de l’Occident pour garantir des intérêts qui nous dépassent et devant lesquels nous ne pesons guère. En réalité, il n’est possible de résister à l’Occident colonialiste et impérialiste, dont nous sommes les premières victimes, qu’avec un Occident démocratique et pacifiste, oeuvrant pour la justice dans le monde, c’est-à-dire de l’intérieur même de l’Occident.
Les peuples qui ont une situation proche de la nôtre et nous-mêmes avons la responsabilité de pousser l’Occident vers une politique positive. Non pas en oeuvrant à construire une large entente entre les états qui souffrent des politiques occidentales seulement, mais surtout en consolidant l’entente et la coopération avec les forces démocratiques occidentales et en les aidant à combattre les visées impériales et impérialistes.
Mais pour y parvenir, il nous faut nous prouver à nous-mêmes que nous sommes attachés aux valeurs de justice, d’égalité, de liberté individuelle et que nous représentons des peuples capables eux aussi de traiter avec le monde sur la base du respect mutuel, de l’indépendance, de la légitimité et de la loi. Nous ne pouvons pas changer la politique de l’Occident et lui imposer le respect de la démocratie mondiale sans nous transformer, sans que nos pays ne deviennent des pays démocratiques respectueux des droits et des gens à la fois, jouissant par conséquent du respect.
Quand je dis nous, je ne veux pas dire les pays arabes seuls mais tous les pays qui subissent aujourd’hui les politiques impérialistes et agressives de l’Occident, avec à leur tête les Etats-Unis d’ Amérique.
13 février 2008 - Confluences Méditerranée - Vous pouvez consulter cet article à : http://www.confluences-mediterranee.com/

mardi, mars 04, 2008

LIBAN Autant en emporte le vent

5 février 2008 - Confluences méditerranée

Depuis l’expiration du mandat du président pro-syrien Emile Lahoud, le 23 novembre, le Liban est privé de chef de l’Etat. Le gouvernement de Fouad Siniora et l’opposition dominée par le Hizb Allah se sont mis d’accord sur le choix du chef de l’armée, le général Michel Souleïmane, comme candidat de consensus à la présidence. Mais, pour que le nouveau président puisse être élu par le parlement, le quorum des deux tiers des députés doit être réuni.
Or l’opposition refuse de participer à une séance du Parlement avant d’arriver avec la majorité à un accord sur le gouvernement futur, dit d’union nationale, dans lequel l’opposition revendique le droit de blocage. Ainsi, pour la douzième fois depuis le 25 septembre, l’élection du président libanais sera de nouveau reportée. Mais chacun des deux antagonistes campant sur ses propres positions et s’accusant mutuellement de bloquer le processus de l’élection du nouveau président, il y a très peu de chance de voir la situation rapidement évoluer.
En effet, l’assassina du Président du Conseil Rafiq Hariri le 14 mars 2005, suivi par le départ précipité des troupes syriennes contrôlant le Liban depuis 1975, a ouvert l’une des plus grandes crises politiques que le pays a connu depuis sa sortie de la longue guerre civile de 15 ans. À la division confessionnelle traditionnelle de la société libanaise s’est ajoutée une division politique entre une majorité parlementaire pro-occidentale et une minorité dominée par Hizb Allah pro-iranien.
Articulé sur des rivalités régionales opposant l’axe Téhéran-Damas au camp conservateur arabe dominé par l’Arabie Saoudite et Le Caire, le conflit interne libanais se trouve doublé d’un conflit régional interarabe recoupant lui-même un conflit international qui, après l’enlisement américain en Irak et l’échec de la politique israélienne en Palestine, fait du contrôle du Liban un des principaux enjeux stratégiques.
Dès le début de la crise, tous les protagonistes, internes, régionaux et internationaux, avaient conscience que le sort du Liban ne se joue pas sur le territoire libanais et que le vrai défi n’est pas de trouver une répartition équitable des postes ministériels au sein du gouvernement libanais, mais de palier à la crise de la stratégie occidentale, américaine en particulier, dans la région.
Face à l’intransigeance iranienne dans l’affaire de l’enrichissement de l’Uranium, les capitales européennes, faisant pression sur les va-t-en-guerre à Washington, favorisent les négociations. Elles ne voient d’autre issue à l’impasse que le dialogue avec Damas. En espérant détourner la Syrie de son alliance stratégique avec Téhéran, les Européens pensaient atteindre d’une pierre deux objectifs : stabiliser le régime libanais de 14 mars et favoriser l’approche politique de l’affaire iranienne contre l’option militaire.
Ainsi, le langage du dialogue avec Damas va remplacer, dès la fin de 2005, la logique de l’intimidation, et l’ostracisme imposé à la Syrie, dans le sillage de la mise en place de l’enquête sur l’assassinat du Hariri, n’a plus de raison d’être. La nouvelle approche n’a pas été, contrairement à l’apparence, sans effets. Elle a donné des résultats tangibles à travers le changement d’attitude de Damas et sa coopération efficace dans deux des grands dossiers conflictuels : Irakien et palestinien.
Les Syriens ont accepté de mettre fin à l’infiltration des combattants islamistes à travers leurs frontières et, contre l’avis des Iraniens, Damas a accepté de participer à la conférence d’Annapolis, après avoir annoncé clairement que la solution de la question palestinienne relève de la seule compétence des Palestiniens. Ce sont ces succès mêmes du dialogue avec Damas qui ont encouragé les Occidentaux, comme leurs alliés arabes à Riad et au Caire, à s’attaquer avec espoir au dossier libanais. Plusieurs projets de compromis, sous forme de médiation, ont été tentés à l’égard de Damas, dont les plus importantes restent sans doute l’initiative française (visite de Bernard Kouchner à Beyrouth les 18-22) et celle de la ligue des Etats arabes qui vient d’échouer.
L’objectif a été, il est toujours, de neutraliser le Liban ou de le soustraire aux multiples conflits et confrontations qui opposent les acteurs régionaux et internationaux. Pour y arriver on a essayé de rassurer Damas sur sa position et celle de ses alliés au Liban. On lui a promis également l’ouverture et la coopération de l’Europe, des aides économiques, la signature de l’accord de partenariat euro syrien, une éventuelle ouverture des négociations sur le Golan.
Il en va de même en ce qui concerne la Ligue arabe qui a promis à Damas contre sa collaboration au Liban de mettre fin à son isolement et d’ouvrir la porte de la coopération économique et politique. L’échec de l’initiative française, très critiquée en France comme au Liban, celui de la Ligue arabe, plonge le Liban dans le désespoir et risque de menacer les réalisations précédentes sur le dossier irakien et palestinien. Ainsi, Les Syriens se rétractent. Ils reviennent au discours de la résistance et donnent leur accord pour la tenue, le 23 janvier dernier, de la conférence de l’opposition palestinienne à Damas, ce qui avait été refusé il y seulement deux mois.
Qu’est-ce qui rend le dialogue avec Damas sur le Liban si difficile ? Il est évident pour tous ceux qui connaissent la configuration des forces dans la région que le Liban occupe une position particulière dans la stratégie syrienne. D’une part le contrôle de son gouvernement permet au régime syrien d’espérer pouvoir desserrer l’étau du tribunal international qui reste la source d’angoisse principale de Damas. D’autre part, le contrôle de la scène libanaise constitue la pierre angulaire de l’axe Damas Téhéran sur lequel se base toute la stratégie de survie du régime baathiste.
Abandonner le Liban ou y accepter une position d’infériorité stratégique laisse Damas, aux yeux de ses dirigeants, sans atout, voire désarmé face à ses multiples adversaires dans la région. En préparant la démilitarisation du Hizb Allah, que les Syriens considèreNT comme leur seule véritable armée face à Israël, un recule mal calculé au Liban risque de miner profondément sa position régionale et de sonner le glas de l’alliance stratégique avec Téhéran.
Bref, Damas pense que faire des concessions au Liban avant de sécuriser sa position stratégique globale est un risque majeur qui équivaut à un suicide. Les Syriens pensent même que les concessions consenties à leurs interlocuteurs occidentaux et arabes en Irak et en Palestine ont été faites dans l’intention d’obtenir une contrepartie au Liban à leur profit. Ils pensent qu’elles devraient les habiliter à y préserver leurs intérêts majeurs et maintenir une position prépondérante. C’est ce que Damas continuera à chercher.
Ceci dit, pour débloquer la situation au Liban, les dirigeants syriens demandent aux Occidentaux et aux arabes d’accepter de sortir au préalable le régime syrien de l’impasse dans laquelle il a été mis à cause de la rupture occidentale, des sanctions internationales de 2004, et de l’isolement arabe à la suite de l’assassinat du premier ministre Rafiq Hariri en 2005. Or, régler le problème libanais en premier prive Damas de toute carte de pression dans ses négociations futures et menace l’existence même de l’axe stratégique Damas-Téhéran-Hizb Allah, sur lequel se fonde tout l’espoir du régime syrien.
L’on voit ici à quel point les crises nationales et internationales sont enchevêtrées et entremêlées, les une renforçant les autres. Cela dit, il est de plus en plus difficile d’envisager des solutions individuelles, qui ne peuvent qu’apparaître d’ailleurs aux yeux des uns et des autres comme des manœuvres politiques face aux crises nationales de la région. Seule une approche globale susceptible de prendre en compte l’étroite interdépendance des problèmes posés est en mesure d’aider l’ensemble du Moyen-Orient à sortir de la crise généralisée qu’il connaît. Une telle approche demande de répondre aux aspirations légitimes de toutes les parties, et dépend de la capacité des puissances extérieures de changer profondément leur approche géostratégique de la région.
La politique américaine de tutelle, d’occupation, de multiplications des bases militaires à travers la région, d’intimidations et de menaces, doit être remplacée par une politique de respect mutuel et de coopération. Cela doit inciter les grandes puissances occidentales à agir dans le sens de la normalisation des relations interétatiques : entamer le dialogue avec Téhéran afin de mettre fin à l’isolement qui lui est injustement imposé depuis le renversement de la monarchie en 1979, encourager la coopération entre les pays arabes, instaurer un climat de paix et de sécurité, redonner un espoir aux peuples meurtris, favorisant ainsi les conditions de l’éclosion d’une véritable démocratie dans la région.
A défaut d’une telle approche globale, la crise ira s’aggravant, et aucun compromis local ne sera viable, quelques soient les efforts consentis. L’état de confrontation qui polarise le Moyen Orient continuera d’en amplifier les divisions et à y augmente les besoins et la demande des interventions extérieures.
5 février 2008 - Confluences méditerranée - Vous pouvez consulter cet article à : http://www.confluences-mediterranee.com/v2/spip.php?article1948

mercredi, février 27, 2008

في جذور الثقافة السلبية

الاتحاد 27 فيفرييه 08

ا1- اللحظة الاستعمارية
كما أن من الصعب فهم الوضع الذي وصلت إليه المجتمعات العربية من دون اعتبار الشروط الجيوسياسية والعوامل الخارجية التي جعلت من منطقة الشرق الأوسط مركز نزاعات دولية استراتيجية، وشلت حركة أبنائه عن بناء حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية بصورة طبيعية، من الصعب أيضا فهم التخبط الذي تعيشه هذه المجتمعات وعجزها عن التحرر والانعتاق السياسي، أي عن التحكم بشرط وجودها التاريخي، من دون اعتبار طبيعة الثقافة السياسية التي تسيطر عليها، وتوجه عقول أبنائها وقلوبها.
وليس المقصود بهذه الثقافة ثقافة العرب أو المسلمين الكلاسيكية، أي ما بقي حيا من التراث العربي المدني والديني، وإنما تلك الاختيارات والتوجهات والاستعدادات الذهنية الجديدة التي نمت وتطورت وترسخت خلال القرن الماضي، وتحولت إلى ثقافة رئيسية، تطبع تفكيرنا وسلوكنا وتوجه أفعالنا الفردية والجمعية، وتشكل أساس هويتنا. وهي نمط من الثقافة السلبية والسالبة التي تعززت في المواجهة مع العدوان الخارجي - وفي مرحلة لاحقة مع العدوان الداخلي الذي تمثله النظم الاستبدادية الداخلية. وبصرف النظر عما حققته من نتائج في مواجهة الاستعمار، رسخت هذه الثقافة قيما وأنماطا من التفكير والنظر تنحو إلى توجيه التفكير نحو استيعاب المخاطر الخارجية وإحباطها، أكثر مما تعمل على تنمية النظر إلى النفس والتأمل في نقائص الذات والعمل على إصلاحها وبناء الحياة الجمعية المنظمة والأخلاقية. ومن مقدمة تلك المواجهات وما آلت إليه الموقف الذي يسيطر على رؤيتنا للغرب وطرق الكفاح ضد سيطرته والتعامل معه.
وضعت التجربة الاستعمارية منذ القرن التاسع عشر العرب أمام معضلة مواجهة القوة الضاربة للعسكرية الأوروبية التي كانت تجهلها من قبل. وقد زاد من الشعور بخيانة الغرب مبادئه وتعاليمه اتسام ثقافة النخبة العربية التي كانت سائدة في ذلك الوقت بالقيم الليبرالية وتمثلها العميق لها أحيانا، مما جعلها تعتقد وتتصرف على أساس أنها ند لأخواتها الغربيات وشريكة لها في بناء عالم الحداثة والديمقراطية والازدهار الاقتصادي.
لكن مواجهة الاستعمار وضعت العرب في وضعية جديدة. فقد كان من الطبيعي والمنتظر أن يكفوا عن أن ينظروا إلى أنفسهم كشركاء للغرب في الحضارة وحلفاء له في الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية في وجه الامبرطوريات المحافظة، كما حصل خلال مرحلة النهضة الثقافية في القرن التاسع عشر، وأن ينظروا بالعكس إلى الدول الغربية كخصم أو عدو ينبغي مقاومته واتقاء شره. وعلى هذه الأرضية سوف تولد منذ العقود الأولى للقرن العشرين حركات الاسلام السياسي المحذرة من الغرب والداعية إلى الفصل بين الأخذ بالمدنية أو الحداثة والتحالف مع الدول الغربية أو الخضوع لها، كما ستولد الحركات اليسارية أو الشيوعية العربية المعادية أيضا للغرب بوصفه مركز الاستعمار والامبريالية. وإلى هذه الحقبة يرجع شك العرب بالغرب وبنواياه الحقيقية والتشكيك الأول بالحداثة ذات المصدر الغربي، نفسها، وخلطها البسيط أحيانا بثقافة الغرب وخياراته.
وقد جاءت المسألة الاسرائيلية لتمدد في عمر هذه اللحظة الاستعمارية وتزيد في تعميق الشرخ الذي أحدثته في ثقافتنا السياسية. لقد كان تبني الغرب مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين، ثم الاعتراف بإسرائيل دولة مستقلة على أرض فلسطين أو على جزء منها، ضد آمال الفلسطينيين والشعوب العربية جميعا، ثم تزويدها بالوسائل والأسلحة التي تمكنها من فرض سيطرتها بالقوة على العرب والانتصار عليهم في حروب عديدة متوالية، وأخيرا تهرب الدول الغربية من مسؤولياتها تجاه الفلسطينيين وإزاء ما نجم عن إنشاء إسرائيل ودعم مشاريع توسعها العسكرية من نزوح للفلسطينيين وتفاقم محنتهم الانسانية والوطنية، ومن الحروب الدورية العربية الاسرائيلية، والاستيطان والعنف، كان كل ذلك سببا في إحداث شرخ لا يرمم بين العرب والغرب. وقد تجاوز هذا الشرخ اليوم حلبة النزاع السياسي والعسكري ليدخل مجال الثقافة والدين والأخلاق، ويؤسس لما أصبح يسمى بالحرب الحضارية أو الثقافية. لم يعد المطلوب مقاومة الغرب أو سيطرته الاستعمارية بسلاحه، أي بسلاح الوطنية والدولة القومية والمقاومة المسلحة والسياسية لتأكيد الحرية والاستقلال. أصبح من الضروري التبرؤ من التحالف معه ومن نمط تنظيمه المدني والسياسي وازدواجية المعايير التي تميز أخلاق ساسته وأهله. وهكذا سيقود إخفاق المقاومة الوطنية للتوسع الاسرائيلي إلى نشوء "المقاومة" الاسلامية بكل ما يعنيه ذلك أيضا من إعادة أسلمة النظم المدنية والسياسية العربية والتحرر كليا إذا أمكن مما تركته الحقب السابقة من آثار للغرب في الحياة العامة والعمومية. لم تعد المقاومة تعني هنا في الواقع سوى القطيعة مع الغرب بكل ما يعنيه ويعبر عن هويته، أي الانسحاب ببساطة من العالم الذي يسيطر هذا الغرب عليه وعلى توجهاتها الرئيسية.
تشير هذه اللحظة الاستعمارية وما تلاها من مناورات وصراعات عنيفة إلى بعض الشروط التي قادت إلى بلورة الاتجاهات السلبية البعيدة المدى التي سوف تسم موقف الرأي العام العربي من الغرب ومن ورائه من العالم الحديث بأكمله، وتعكس النتائج السلبية التي أدت إليها. ولعل الاتجاه الأكثر تعبيرا عنها هو الانقلاب الذي طرأ على الموقف الايجابي الذي ولد في منتصف القرن التاسع عشر، عند المثقفين والنخب الاجتماعية، من العالم ومن الحداثة المكتشفة. فبعد التماهي مع ايديولوجيات التقدم الغربية والسعي إلى تمثلها ونقلها إلى الثقافة العربية بكل السبل، ساد موقف سلبي لم يلبث حتى تحول إلى موقف العداء للحداثة نفسها بوصفها هوية الغرب وجزءا من تراثه.
أما في ما يتعلق بالنتائج السلبية لهذه التجربة المرة، فتتجسد، في المشرق العربي بشكل خاص، في ما أدت إليه من دفع النخب العربية إلى خيانة مبادئها هي نفسها. ففي السعي إلى بناء رد فعال على هذه السيطرة الاستعمارية، لم يكن امام هذه النخب سوى المراهنة على تشكيل وطنيات محلية تعتمد عليها ضمن حدود الدول القائمة لخوض معركتها الخاصة، مبتعدة بذلك بشكل متزايد عن الفكرة العربية التي أسست عليها شرعية استقلالها عن السلطنة العثمانية وتكوينها مشروع دولة عربية مستقلة عن الخلافة والدين. وكان هذا أول انشقاق يحصل في الضمير السياسي العربي، ويدخل التشوش والنزاع داخل مفهوم الأمة وتصورها، مما لا يزال مستمرا حتى اليوم، بين الانتماء القومي العربي والانتماء الوطني المحلي. ومما فاقم من أزمة المفهوم والضمير القوميين معا هو استناد هذا المشروع القومي منذ البداية إلى التحالف مع الدول الغربية. وهو ما لم توفر استغلاله في ما بعد الحركات الاسلامية أثناء انتقامها من سيطرة الأفكار القومية الحديثة على الرأي العام.
ولعل هذا يفسر إلى حد كبير لماذا لم يكن بمقدور الحقبة الاستقلالية ولا الكفاح ضد السيطرة الغربية أن يسفرا، كما كنا نتوقع ونسعى، عن قيام دولة العرب القومية ولا عن بناء دولة أمة، عربية كانت أم قطرية، بقدر ما أدى إلى تخبط الرأي العام العربي وتنامي نزاعاته الداخلية إزاء تحديد مفهوم الأمة ومفهوم الدولة نفسها، ومفهوم الهوية والقومية. مما ترك مؤسساتنا السياسية مفتقرة لأي مبدأ محرك واضح أو رؤية متسقة سياسية وأخلاقية.

vendredi, février 15, 2008

في مخاطر الاستهتار بحق المعارضة وهدر القانون

الجزيرة نت فيفرييه 08
الحياة السياسية في العديد من البلاد العربية مأساة حقيقية، يخاطر فيها المرء بدفع سنوات طويلة من عمره في السجون والمعتقلات لممارسة نشاطات لا تتجاوز التعبير السلمي عن الرأي أو المشاركة في ندوة أو اجتماع غالبا ما يحصل داخل أسوار قاعات الاستقبال الشخصية، بينما يحتل الحزب الحاكم وأجهزته دوائر الدولة من القمة إلى القاعدة ويسيطر، بترتيبات شبه قانونية أو قانونية مزيفة، على جميع المؤسسات الأهلية النقابية وغير النقابية، ولا يترك مساحة داخل أجهزة الإعلام الرسمية والخاصة حتى للتعبير عن اختلاف وجهات النظر داخل صفوف الحزب أو الإئتلاف الحاكم نفسه.
يعتقد الكثير من المسؤولين أن قهر حركات المعارضة وأعضائها لا يؤثر كثيرا على حياة البلاد ما دام الأمر لا يتعلق إلا بمجموعة قليلة من الأفراد الذين يرفضون الانصياع للأمر الواقع، ويصرون على الاشتغال في قضايا، أدرك الجمهور الواسع أن لا أمل في الاشتغال بها، ولم يعد لممارستها، والمقصود هنا بالتأكيد السياسة، أي قاعدة شرعية. و ربما اعتقد بعضهم أن هذا القهر، بأي ذريعة جاء، يصب في النهاية في مصلحة المجتمع بقدر ما يجنب البلاد مشاكل التنازع السياسي والتنافس على السلطة، ويضمن مناخا هادئا لجذب الاستثمارات والعناية بالتنمية الاقتصادية. فهو ثمن بخس لكسب المزيد من سنوات الاستقرار وضمان التحكم بمستقبل البلاد ومصيرها بعيدا عن تيارات التوتر الداخلية والنفوذ الخارجية.
لكن الواقع غير ذلك تماما. وبصرف النظر عما تمثله هذه السياسة من اعتداء على حقوق الأفراد الشخصية - فنحن نفترض أنهم مناضلون يعرفون منذ انخراطهم في عملهم أنهم اختاروا طريق التضحية ونكران الذات - من الواضح اليوم أن هذه السياسة أصبحت تدفع بالدول بشكل أكبر إلى الوقوع في المخاطر التي تسعى إلى تجنبها بالضبط، أي إلى الاحباط والتوتر والانقسام في الداخل، وانهيار الثقة الخارجية بمستقبل واضح ومستقر للبلاد. فهي تظهر أكثر فأكثر للرأي العام، العربي والعالمي، الطبيعة الاحتكارية والانفرادية للسلطة القائمة، وطلاقها الكامل، في سبيل تأكيد نفسها وفرض احترامها على مجتمعها، مع المباديء المدنية والسياسية الرئيسية التي لا تقوم من دونها حياة مدنية ولا سياسية في أي مجتمع معاصر. أعني مبدأ الشرعية واحترام الحريات الفردية والمساواة القانونية والمشاركة السياسية لجميع الأفراد. ولعل أخطر ما تشير إليه هو أن السلطة لا تقوم في هذه البلاد على مبدأ ولا نظام، وإنما هي سلطة تعسفية واعتباطية، يتصرف فيها القابض على زمام الأمر أو يستطيع أن يتصرف ويبيح لنفسه أن يفعل ما يشاء بمن يشاء وأينما شاء. فهي تعطي للعالم صورة عن مجتمعات بدائية لا تخضع في سلوكها لقانون آخر سوى قانون الغلبة والاستئثار. وهي تعيد تربية مجتمعاتها بالفعل على حسب قاعدة الغلبة والاستئثار التي تتحول إلى قانون مستبطن ومتمثل من قبل جميع الأفراد والفئات.
والحال أن منطلق تكوين الأمم والدول والشعوب هو تأكيد قانون الحق مقابل حكم القوة. ذلك أنه من دون حق يعلو على القوة ليس هناك أمل في بناء أي علاقات ايجابية ومثمرة بين الأفراد. وهذا هو الذي ميز منذ البداية مجتمع الإنسان عن مجتمع الحيوان، وجعله منتجا لثقافة وحضارة ومدنية. ولم تنشأ الدولة في العصر الحديث وتستقطب ولاء الناس وتتحول إلى مركز رابطة سياسية، أي أمة، بديلا عن السلطنة وحكم العصبية الطبيعية أو قوة الاستيلاء، إلا بقدر ما أصبح مفهومها متطابقا مع مفهوم الحق أو قانون الحق، وتكريس سلطة القانون وضمان ممارسة هذه السلطة بما يعزز كل يوم بشكل أكبر مفهوم الحق والعدل والانصاف والمساواة، ويحد من إقامة العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع الواحد على قاعدة القوة والغلبة الطبيعية، أي الحيوانية.
هذا هو الذي يفرق في الواقع بين الحضارة والبربرية، أي بين العنف الذي تمارسه سلطة سياسية شرعية، باسم القانون وتطبيقا له بالفعل، والذي يشكل أساس المدنية والسلام والاستقرار الاجتماعيين، بقدر ما يلغي الحاجة إلى استخدام الخواص للقوة، والعنف الذي تمارسه ميليشيات خاصة كانت تخضع في القرون الوسطى للاقطاعيين وتمكنهم من فرض الخضوع وعمل السخرة على الفلاحين الأقنان، وتمارسه اليوم الميليشيات المتنافسة على السلطة والموارد في البلاد العديدة التي انهارت فيها الدولة وأصبحت نهبا لأصحاب المشاريع الشخصية والخاصة من هواة الحرب والقتال. وهو الذي يفرق بين السلطة القائمة على مؤسسات تعمل بموضوعية وثبات، والسلطة الشخصية المستندة إلى إرادة الحاكم الفرد وتفضيلاته وأهوائه ومشاعره الذاتية. فبدل أن يكون الحاكم أو صاحب السلطة والمسؤولية خادما للدولة وأداة في يدها لتحقيق مطالب العدل القائم على تطبيق قواعد قانونية متساوية وموضوعية، أي لا تتبدل حسب وضع الشخص وأصله، تتحول الدولة ومؤسساتها من إدارة وشرطة وجيش وحكومة وبرلمان وقضاء إلى أدوات في خدمة إرادة شخصية تنزع بطبيعة سلطتها المطلقة إلى تبني سياسة العظمة والسمعة الذاتية، وتقود حتما إلى الاستبداد.
يهدف هدر معنى القانون والحق وإقامة العلاقات الاجتماعية على منطق العنف والقوة في البلاد العربية وغيرها إلى الحؤول دون ظهور أي قوى واعية ومنظمة بديلة، وتحطيم أي قوى ناشئة مهما كانت جنينية. والنتيجة تعقيم المجتمع ومنعه من توليد أي نخب سياسية يمكن أن تشكل تحديا في يوم ما للنخبة الحاكمة. وهذا ما تشهده مجتمعاتنا العربية تماما. فعلى مدى نصف قرن، لم تكف آلة التعقيم عن تصفية أي نواة نخب سياسية جديدة نشأت في سياق تفاقم الأزمات والتناقضات الداخلية أو تبدل السياقات الخارجية. وقد طورت لتحقيق ذلك ترسانة هائلة من الدعاية الايديولوجية والتلاعب بالتمايزات الدينية والقومية، وتأبيد القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية والحكم بالطرق العسكرية والأمنية والإدارية، التي لا تقيدها فيها قوانين، ولا تلزمها دساتير، ولا تضطرها لإخضاع عملها لأي قواعد مرعية ثابتة سوى إرادة الحاكم وحاجة السلطة لتأكيد قوتها وإبراز عظمتها أو تلقين من يطمح إلى معاداتها أو حتى تجاهلها درسا في القسوة والانتقام. هكذا أصبحت حالة الطواريء هي الحالة العادية وصارت العودة إلى الحالة الطبيعية التي يسود فيها القانون وتحترم فيها حقوق الأفراد مشروع ثورة سياسية حقيقية.
يضمن غياب القانون للحاكم أن يقضي على خصومه من دون أن يتحمل أي مسؤولية، وأن يحرم المجتمع من إمكانية توليد نخب بديلة سياسية، وأن يلقن الأفراد الذين يرفضون الخضوع للأمر الواقع درسا لا ينسى في ضرورة الإذعان والانصياع لحكم القوة. ويحلم بسبب ذلك بأن يبقى على سدة السلطة من دون رقيب، وأن لا يكون لحكمه حدا زمنيا واضحا ولا معقولا، أي بأن يتحول حكمه إلى قضاء وقدر. وهو غالبا ما ينجح في ذلك، لكن مقابل تكليف المجتمع ثمنا باهظا قد لا ينجح في تحمله. فالنتيجة الطبيعية لمثل هذا الحكم وتلك الإدارة هي خراب البلدان وجعل شروط الحياة الإنسانية والمدنية الطبيعية مستحيلة في البلاد. فأول ما يتأثر بغياب القانون والحق هو الاستثمار، عند الأفراد والجماعات معا، ليس بالمعنى الشائع والضيق اليوم لاستثمار رؤوس الأموال ولكن، أكثر من ذلك بكثير، بمعنى الاستعداد للانخراط الايجابي في العالم، مما لا غنى عنه لحث الأفراد على بذل الجهد وشحذ الإرادة والإجادة والإبداع.
والحال، لا تجد النخب المتكونة والمحرومة من فرص تحقيق ذاتها والمشاركة في تقرير مصيرها، في مجتمعات يغيب عنها منطق الحق وحكم القانون، سوى الرحيل نحو فضاءات أرحب تستطيع أن تثمر مواهبها فيها بشكل أفضل، أو الانخراط في سياسة المواجهة الانتحارية القاتلة. بينما تصبح الاستقالة الوطنية والإنسانية هي القاسم المشترك للنخب المندمجة في النظام والطامحة إلى الاندراج في مشروع سلطة يكاد ينحط إلى مستوى المؤامرة على مصير شعب والتعاون على سلبه سيادته وحقوقه وموارده. وهكذا بينما تتجمع مواهب المجتمع وصفوة أعضائه الأكثر استعدادا لبذل الجهد والتضحية في الخارج، تفرض شروط الإذعان والانصياع على النخب الباقية التقزيم الذاتي، السياسي والفكري والأخلاقي، بل التجرد من القيم الوطنية والإنسانية معا، وتحل المنافسة بين أفرادها على احتلال مواقع الحظوة عند الحاكمين محل المنافسة على حمل المسؤوليات العمومية والنجاح فيها، ويسود التصفيق والتسبيح بحمد الحاكم وتمجيده محل الاجتهاد والجد في تكوين الكفاءات وتحسين الخبرات والمهارات.
ليس من الصعب أن يتحول الحاكم في مثل هذا النظام القائم على قاعدة الالحاق الشخصي والاستتباع والانصياع، إلى ملك إله، ويترسخ عنده الاعتقاد بامتلاك رسالة كونية أو شبه كونية انتدب لتحقيقها، سواء أرادت الغالبية من المجتمع ذلك أم لا. وهو ما يفسر عودة نظمنا إلى تقاليد وممارسات العهود البائدة التي اعتقدنا أنها ذهبت إلى الأبد، أعني عهود السلاطين الذين يتصرفون ببلادهم وعبادهم كما لو كانوا أتباعا لهم، ولا يطلبون من رعاياهم مشاركة ولا مشورة سوى الدعاء لهم في المساجد والجامعات، والتسبيح بحمدهم ومديح أفعالهم وأقوالهم في وسائل الإعلام. وهم يرون في هؤلاء الرعايا عبئا عليهم، ولا يشعرون تجاههم بأي واجب أو التزام، بل يتوجب على هؤلاء في نظرهم تقديم فروض الطاعة اليومية والتعبير عن تبجيلهم وامتنانهم للحاكمين لتوفيرهم شروط إبقائهم على قيد الحياة. وينعكس تأليه الحكام وتقديسهم تلقائيا ومباشرة في تبخيس قيمة الأفراد أمام أنفسهم، وتحويلهم بل تحولهم الطوعي إلى عبيد وأرقاء وأقنان. فهم يشعرون حقا بعد فترة من الزمن بأنهم مدينون بوجودهم وحياتهم وأمنهم واستقرارهم وحلهم وترحالهم لصاحب أمرهم، الذي هو في الوقت نفسه ولي نعمتهم ومربيهم ومعلمهم. هو وحده الذي يستحق الشكر والعبادة، وهم جميعا، من أعلى الهرم إلى أسفله، عيال لا عقل ولا إرادة لهم، ولا صلاح لأمرهم إلا برضى سيدهم وكرمه وغفرانه.
غياب القانون بمعنى وجود مفهوم للحق واحترام الحقوق، هو جوهر نظام العرب السياسي الراهن، وهو القاعدة التي يقوم عليها استمرار السلطة الراهنة وتجديد النظام. وكما يفسر الخراب العام الذي تعيشه البلاد في جميع ميادين النشاط الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي والفكري، وتنامي مشاعر الاحباط والبؤس وانعدام الثقة والمسؤولية معا عند الغالبية العظمى من فئات المجتمع وأفراده، يفسر أيضا استقطاب المجتمع بين أباطرة مؤلهين، من ذوي السلطة والمال والجاه، الذين يفعلون ما يريدون، ويأمرون، ولا يسألون عما يفعلون، وعبيد محرومين، لا يملكون مالا ولا سلطة ولا عطفا ولا جاها، لا قيمة لهم ولا احترام.

في مخاطر الاستهتار بحق المعارضة وهدر القانون

الجزيرة نت فيفرييه 08
الحياة السياسية في العديد من البلاد العربية مأساة حقيقية، يخاطر فيها المرء بدفع سنوات طويلة من عمره في السجون والمعتقلات لممارسة نشاطات لا تتجاوز التعبير السلمي عن الرأي أو المشاركة في ندوة أو اجتماع غالبا ما يحصل داخل أسوار قاعات الاستقبال الشخصية، بينما يحتل الحزب الحاكم وأجهزته دوائر الدولة من القمة إلى القاعدة ويسيطر، بترتيبات شبه قانونية أو قانونية مزيفة، على جميع المؤسسات الأهلية النقابية وغير النقابية، ولا يترك مساحة داخل أجهزة الإعلام الرسمية والخاصة حتى للتعبير عن اختلاف وجهات النظر داخل صفوف الحزب أو الإئتلاف الحاكم نفسه.
يعتقد الكثير من المسؤولين أن قهر حركات المعارضة وأعضائها لا يؤثر كثيرا على حياة البلاد ما دام الأمر لا يتعلق إلا بمجموعة قليلة من الأفراد الذين يرفضون الانصياع للأمر الواقع، ويصرون على الاشتغال في قضايا، أدرك الجمهور الواسع أن لا أمل في الاشتغال بها، ولم يعد لممارستها، والمقصود هنا بالتأكيد السياسة، أي قاعدة شرعية. و ربما اعتقد بعضهم أن هذا القهر، بأي ذريعة جاء، يصب في النهاية في مصلحة المجتمع بقدر ما يجنب البلاد مشاكل التنازع السياسي والتنافس على السلطة، ويضمن مناخا هادئا لجذب الاستثمارات والعناية بالتنمية الاقتصادية. فهو ثمن بخس لكسب المزيد من سنوات الاستقرار وضمان التحكم بمستقبل البلاد ومصيرها بعيدا عن تيارات التوتر الداخلية والنفوذ الخارجية.
لكن الواقع غير ذلك تماما. وبصرف النظر عما تمثله هذه السياسة من اعتداء على حقوق الأفراد الشخصية - فنحن نفترض أنهم مناضلون يعرفون منذ انخراطهم في عملهم أنهم اختاروا طريق التضحية ونكران الذات - من الواضح اليوم أن هذه السياسة أصبحت تدفع بالدول بشكل أكبر إلى الوقوع في المخاطر التي تسعى إلى تجنبها بالضبط، أي إلى الاحباط والتوتر والانقسام في الداخل، وانهيار الثقة الخارجية بمستقبل واضح ومستقر للبلاد. فهي تظهر أكثر فأكثر للرأي العام، العربي والعالمي، الطبيعة الاحتكارية والانفرادية للسلطة القائمة، وطلاقها الكامل، في سبيل تأكيد نفسها وفرض احترامها على مجتمعها، مع المباديء المدنية والسياسية الرئيسية التي لا تقوم من دونها حياة مدنية ولا سياسية في أي مجتمع معاصر. أعني مبدأ الشرعية واحترام الحريات الفردية والمساواة القانونية والمشاركة السياسية لجميع الأفراد. ولعل أخطر ما تشير إليه هو أن السلطة لا تقوم في هذه البلاد على مبدأ ولا نظام، وإنما هي سلطة تعسفية واعتباطية، يتصرف فيها القابض على زمام الأمر أو يستطيع أن يتصرف ويبيح لنفسه أن يفعل ما يشاء بمن يشاء وأينما شاء. فهي تعطي للعالم صورة عن مجتمعات بدائية لا تخضع في سلوكها لقانون آخر سوى قانون الغلبة والاستئثار. وهي تعيد تربية مجتمعاتها بالفعل على حسب قاعدة الغلبة والاستئثار التي تتحول إلى قانون مستبطن ومتمثل من قبل جميع الأفراد والفئات.
والحال أن منطلق تكوين الأمم والدول والشعوب هو تأكيد قانون الحق مقابل حكم القوة. ذلك أنه من دون حق يعلو على القوة ليس هناك أمل في بناء أي علاقات ايجابية ومثمرة بين الأفراد. وهذا هو الذي ميز منذ البداية مجتمع الإنسان عن مجتمع الحيوان، وجعله منتجا لثقافة وحضارة ومدنية. ولم تنشأ الدولة في العصر الحديث وتستقطب ولاء الناس وتتحول إلى مركز رابطة سياسية، أي أمة، بديلا عن السلطنة وحكم العصبية الطبيعية أو قوة الاستيلاء، إلا بقدر ما أصبح مفهومها متطابقا مع مفهوم الحق أو قانون الحق، وتكريس سلطة القانون وضمان ممارسة هذه السلطة بما يعزز كل يوم بشكل أكبر مفهوم الحق والعدل والانصاف والمساواة، ويحد من إقامة العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع الواحد على قاعدة القوة والغلبة الطبيعية، أي الحيوانية.
هذا هو الذي يفرق في الواقع بين الحضارة والبربرية، أي بين العنف الذي تمارسه سلطة سياسية شرعية، باسم القانون وتطبيقا له بالفعل، والذي يشكل أساس المدنية والسلام والاستقرار الاجتماعيين، بقدر ما يلغي الحاجة إلى استخدام الخواص للقوة، والعنف الذي تمارسه ميليشيات خاصة كانت تخضع في القرون الوسطى للاقطاعيين وتمكنهم من فرض الخضوع وعمل السخرة على الفلاحين الأقنان، وتمارسه اليوم الميليشيات المتنافسة على السلطة والموارد في البلاد العديدة التي انهارت فيها الدولة وأصبحت نهبا لأصحاب المشاريع الشخصية والخاصة من هواة الحرب والقتال. وهو الذي يفرق بين السلطة القائمة على مؤسسات تعمل بموضوعية وثبات، والسلطة الشخصية المستندة إلى إرادة الحاكم الفرد وتفضيلاته وأهوائه ومشاعره الذاتية. فبدل أن يكون الحاكم أو صاحب السلطة والمسؤولية خادما للدولة وأداة في يدها لتحقيق مطالب العدل القائم على تطبيق قواعد قانونية متساوية وموضوعية، أي لا تتبدل حسب وضع الشخص وأصله، تتحول الدولة ومؤسساتها من إدارة وشرطة وجيش وحكومة وبرلمان وقضاء إلى أدوات في خدمة إرادة شخصية تنزع بطبيعة سلطتها المطلقة إلى تبني سياسة العظمة والسمعة الذاتية، وتقود حتما إلى الاستبداد.
يهدف هدر معنى القانون والحق وإقامة العلاقات الاجتماعية على منطق العنف والقوة في البلاد العربية وغيرها إلى الحؤول دون ظهور أي قوى واعية ومنظمة بديلة، وتحطيم أي قوى ناشئة مهما كانت جنينية. والنتيجة تعقيم المجتمع ومنعه من توليد أي نخب سياسية يمكن أن تشكل تحديا في يوم ما للنخبة الحاكمة. وهذا ما تشهده مجتمعاتنا العربية تماما. فعلى مدى نصف قرن، لم تكف آلة التعقيم عن تصفية أي نواة نخب سياسية جديدة نشأت في سياق تفاقم الأزمات والتناقضات الداخلية أو تبدل السياقات الخارجية. وقد طورت لتحقيق ذلك ترسانة هائلة من الدعاية الايديولوجية والتلاعب بالتمايزات الدينية والقومية، وتأبيد القوانين الاستثنائية والأحكام العرفية والحكم بالطرق العسكرية والأمنية والإدارية، التي لا تقيدها فيها قوانين، ولا تلزمها دساتير، ولا تضطرها لإخضاع عملها لأي قواعد مرعية ثابتة سوى إرادة الحاكم وحاجة السلطة لتأكيد قوتها وإبراز عظمتها أو تلقين من يطمح إلى معاداتها أو حتى تجاهلها درسا في القسوة والانتقام. هكذا أصبحت حالة الطواريء هي الحالة العادية وصارت العودة إلى الحالة الطبيعية التي يسود فيها القانون وتحترم فيها حقوق الأفراد مشروع ثورة سياسية حقيقية.
يضمن غياب القانون للحاكم أن يقضي على خصومه من دون أن يتحمل أي مسؤولية، وأن يحرم المجتمع من إمكانية توليد نخب بديلة سياسية، وأن يلقن الأفراد الذين يرفضون الخضوع للأمر الواقع درسا لا ينسى في ضرورة الإذعان والانصياع لحكم القوة. ويحلم بسبب ذلك بأن يبقى على سدة السلطة من دون رقيب، وأن لا يكون لحكمه حدا زمنيا واضحا ولا معقولا، أي بأن يتحول حكمه إلى قضاء وقدر. وهو غالبا ما ينجح في ذلك، لكن مقابل تكليف المجتمع ثمنا باهظا قد لا ينجح في تحمله. فالنتيجة الطبيعية لمثل هذا الحكم وتلك الإدارة هي خراب البلدان وجعل شروط الحياة الإنسانية والمدنية الطبيعية مستحيلة في البلاد. فأول ما يتأثر بغياب القانون والحق هو الاستثمار، عند الأفراد والجماعات معا، ليس بالمعنى الشائع والضيق اليوم لاستثمار رؤوس الأموال ولكن، أكثر من ذلك بكثير، بمعنى الاستعداد للانخراط الايجابي في العالم، مما لا غنى عنه لحث الأفراد على بذل الجهد وشحذ الإرادة والإجادة والإبداع.
والحال، لا تجد النخب المتكونة والمحرومة من فرص تحقيق ذاتها والمشاركة في تقرير مصيرها، في مجتمعات يغيب عنها منطق الحق وحكم القانون، سوى الرحيل نحو فضاءات أرحب تستطيع أن تثمر مواهبها فيها بشكل أفضل، أو الانخراط في سياسة المواجهة الانتحارية القاتلة. بينما تصبح الاستقالة الوطنية والإنسانية هي القاسم المشترك للنخب المندمجة في النظام والطامحة إلى الاندراج في مشروع سلطة يكاد ينحط إلى مستوى المؤامرة على مصير شعب والتعاون على سلبه سيادته وحقوقه وموارده. وهكذا بينما تتجمع مواهب المجتمع وصفوة أعضائه الأكثر استعدادا لبذل الجهد والتضحية في الخارج، تفرض شروط الإذعان والانصياع على النخب الباقية التقزيم الذاتي، السياسي والفكري والأخلاقي، بل التجرد من القيم الوطنية والإنسانية معا، وتحل المنافسة بين أفرادها على احتلال مواقع الحظوة عند الحاكمين محل المنافسة على حمل المسؤوليات العمومية والنجاح فيها، ويسود التصفيق والتسبيح بحمد الحاكم وتمجيده محل الاجتهاد والجد في تكوين الكفاءات وتحسين الخبرات والمهارات.
ليس من الصعب أن يتحول الحاكم في مثل هذا النظام القائم على قاعدة الالحاق الشخصي والاستتباع والانصياع، إلى ملك إله، ويترسخ عنده الاعتقاد بامتلاك رسالة كونية أو شبه كونية انتدب لتحقيقها، سواء أرادت الغالبية من المجتمع ذلك أم لا. وهو ما يفسر عودة نظمنا إلى تقاليد وممارسات العهود البائدة التي اعتقدنا أنها ذهبت إلى الأبد، أعني عهود السلاطين الذين يتصرفون ببلادهم وعبادهم كما لو كانوا أتباعا لهم، ولا يطلبون من رعاياهم مشاركة ولا مشورة سوى الدعاء لهم في المساجد والجامعات، والتسبيح بحمدهم ومديح أفعالهم وأقوالهم في وسائل الإعلام. وهم يرون في هؤلاء الرعايا عبئا عليهم، ولا يشعرون تجاههم بأي واجب أو التزام، بل يتوجب على هؤلاء في نظرهم تقديم فروض الطاعة اليومية والتعبير عن تبجيلهم وامتنانهم للحاكمين لتوفيرهم شروط إبقائهم على قيد الحياة. وينعكس تأليه الحكام وتقديسهم تلقائيا ومباشرة في تبخيس قيمة الأفراد أمام أنفسهم، وتحويلهم بل تحولهم الطوعي إلى عبيد وأرقاء وأقنان. فهم يشعرون حقا بعد فترة من الزمن بأنهم مدينون بوجودهم وحياتهم وأمنهم واستقرارهم وحلهم وترحالهم لصاحب أمرهم، الذي هو في الوقت نفسه ولي نعمتهم ومربيهم ومعلمهم. هو وحده الذي يستحق الشكر والعبادة، وهم جميعا، من أعلى الهرم إلى أسفله، عيال لا عقل ولا إرادة لهم، ولا صلاح لأمرهم إلا برضى سيدهم وكرمه وغفرانه.
غياب القانون بمعنى وجود مفهوم للحق واحترام الحقوق، هو جوهر نظام العرب السياسي الراهن، وهو القاعدة التي يقوم عليها استمرار السلطة الراهنة وتجديد النظام. وكما يفسر الخراب العام الذي تعيشه البلاد في جميع ميادين النشاط الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي والفكري، وتنامي مشاعر الاحباط والبؤس وانعدام الثقة والمسؤولية معا عند الغالبية العظمى من فئات المجتمع وأفراده، يفسر أيضا استقطاب المجتمع بين أباطرة مؤلهين، من ذوي السلطة والمال والجاه، الذين يفعلون ما يريدون، ويأمرون، ولا يسألون عما يفعلون، وعبيد محرومين، لا يملكون مالا ولا سلطة ولا عطفا ولا جاها، لا قيمة لهم ولا احترام.

mercredi, février 13, 2008

لوكالة آكي حول القمة العربية في مارس في دمشق

برهان غليون لـ آكي: توظيف القمم العربية للضغط على الحكومات أمر مضر
دمشق (12 شباط/ فبراير) وكالة (آكي) الإيطالية للأنباءاستبعد المفكر والباحث السوري برهان غليون أن تقوم السعودية ومصر بمقاطعة مؤتمر القمة نهاية الشهر المقبل في العاصمة السورية دمشق، مؤكداً أن توظيف اجتماعات القمة كوسائل للضغط على الحكومات "أمر مضر للعرب عموماً"، ودعا إلى نقل نتائج القمة والخلافات فيها إلى الرأي العام "حتى يوضع كل طرف عربي أمام مسؤولياته"، على حد تعبيره وأشار غليون، الأستاذ في علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس، في تصريح لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء، إلى أنه كان هناك بالفعل رهان كبير على أن يدفع انعقاد مؤتمر القمة العربية المقبل في دمشق الحكومة السورية إلى "تطرية يدها" في لبنان والتشجيع على تسوية هناك تسمح بانتخاب العماد ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية. وقال "ربما شكل التلويح باحتمال مقاطعة الرياض والقاهرة لهذا المؤتمر أحد أوراق الضغط التي استخدمت لحث النظام السوري على القبول بتسوية ولو جزئية ومؤقتة في لبنان"، ومع ذلك، تابع غليون، "لا أعتقد أن هاتين العاصمتين ستقاطعان المؤتمر بالفعل، وأنا لست مع هذه المقاطعة.. ولا ينبغي أن يكون الخلاف بين الحكومات، مهما كانت درجته، سبباً في تجميد الاتفاقات أو الاستحقاقات القانونية سواء أتعلق الأمر بالقمة العربية أم بغيرها".
وجدد غليون "أعتقد أن من المضر للعرب عموماً أن تستخدم اجتماعات القمة كوسائل للضغط مهما كان السبب، لأن نتيجة ذلك ستكون تعطيل هذه المؤتمرات والتضحية بالاتفاقات والقرارات التي صوتت عليها الجامعة العربية بصعوبة في الماضي لا أكثر"، على حد تعبيرهوبالمقابل رأى الباحث السوري أنه "على الدول العربية حضور جميع الاجتماعات، واستغلالها لطرح مسائل الخلاف والتوصل إلى حلول بشأنها، وربما الخروج بتصريح للرأي العام العربي يشير إلى الاختلاف ويقر بفشل التوصل لحل له، أي يعكس ما حصل بالفعل"، وأوضح "مثل هذا الموقف يعبر عن احترام أكبر للرأي العام العربي وعن شعور أقوى بالمسؤولية تجاهه وتجاه المشاكل العالقة بين الدول والحكومات العربية". وتابع "أما رفض حضور المؤتمرات بسبب وجود الخلافات فهو غير مبرر مثله مثل الخروج من المؤتمر بالتغطية على الخلافات أمام الرأي العام وتبويس اللحى العربي التقليدي، باختصار، الاستحقاقات السياسية العربية ينبغي أن تحترم في وقتها ومكانها، والخلافات ينبغي أن تنقل للرأي العام حتى يوضع كل طرف عربي أمام مسؤولياته"، وحول ما يتردد عن ضغط غربي على بعض الدول العربية لحثها على مقاطعة هذه القمة، قال "من المحتمل أن تمارس أوروبا مثل هذا الضغط، كما من الممكن أن تمارسه الولايات المتحدة، ذلك أن ما يهم الدول الأجنبية هو الوصول إلى أهدافها، ولا يهمها الحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الصف العربي، وما بالك بالحفاظ على مستقبل التعاون أو تكوين كتلة عربية"، وأضاف "نحن نسعى بالعكس إلى ألا تكون الخلافات بين الدول العربية سبباً في شل الجامعة العربية وتحويل البلاد العربية إلى توابع للدول الكبرى تستخدمها لتطبيق أجنداتها القومية" الخاصة
وأعرب غليون عن أمله "أن ننجح بدفع الحكومات العربية إلى احترام التزاماتها السياسية والارتقاء إلى درجة من الجدية في معالجة مسائل الاختلاف الطبيعية وغير الطبيعية، في تعزيز الأمل بإمكانية تكوين أجندة سياسية عربية مشتركة، أي سياسة عربية في مواجهة الاختراقات الدولية والإسرائيلية المتزايدة لسياسات وأمن الدول العربية" على حد قولهوحول المطلوب من سورية لتقنع الدول العربية المشاركة في قمتها، قال "ليس من المطلوب من أي عاصمة عربية أن تتخلى عن سياستها أو تغير أجندتها القطرية في سبيل ضمان احترام الاستحقاقات المتعلقة بمؤتمرات القمة، فهذه سياسة سلبية ينبغي التخلي عنها"، وتابع "المطلوب من أي عاصمة لديها أجندة مختلفة عن الإجماع العربي أن تثبت للأقطار الأخرى أن السياسة التي تتبناها لا تتناقض مع مصالح الدول العربية الأخرى، وأن تبحث عن نقاط اللقاء التي تضمن استمرار الحد الأدنى من اتساق المصالح والمواقف العربية المشتركة. فكما أنه لا قيمة ولا شرعية لسياسة قطرية تدفع إلى تمزيق الكتلة العربية، ليس هناك أيضاً قيمة ولا شرعية لسياسة عربية مشتركة لا تأخذ بالاعتبار مصالح الدول القطرية الأساسية"، ورغم أنه قلل من أهمية القمم العربية، إلا أنه وفي سياق عرضه لقراءته للمرحلة القادمة (ما بعد القمة) فيما لو لم تشارك دول عربية رئيسية فيها، وقال غليون "لا أعتقد أن القمم العربية في ظروف الشقاق العربي والإقليمي العميق القائم سوف تفضي إلى شيء مهم وأساسي، سواء حضر الجميع أم غابوا.. لا يمكن للجامعة العربية أن تقدم خدمة للأقطار العربية وتكون إطاراً فعالاً للعمل العربي المشترك ومصدر سياسة عربية موحدة ما لم تنجح الدول العربية في تغيير توجهاتها الاستراتيجية وتقرر بالفعل التوجه نحو بناء سياسة عربية واحدة.. ونحن لا نزال بعيدين جداً عن هذا"، وتابع "وما دامت التحالفات الخارجية للأقطار العربية هي التي تحدد اليوم، بشكل أكبر، في سورية والقاهرة والرياض وغيرها، استراتيجيات الأمن القطري الحقيقية، فلن يكون هناك أمل في التوصل إلى أي اتفاق"، على حد وصفه.
وختم غليون "لكن من المفيد في نظري تأكيد الالتزام بمؤتمرات القمة حسب مواعيدها وأجنداتها حتى نرسخ تقاليد سياسية وقانونية ضرورية للتقدم في المستقبل، ونضمن بناء مؤسسات تعيش وتتحرك بالرغم من الخلافات السياسية بين الحكومات والنظم القائمة. ولذلك أرى في انعقاد المؤتمر ذاته بحضور الجميع معنى أهم مما ينجم عنه من إنجازات بغياب البعض أو مقاطعة البعض" الآخر

لوكالة آكي حول القمة العربية

برهان غليون لـ آكي: توظيف القمم العربية للضغط على الحكومات أمر مضر
دمشق (12 شباط/ فبراير) وكالة (آكي) الإيطالية للأنباءاستبعد المفكر والباحث السوري برهان غليون أن تقوم السعودية ومصر بمقاطعة مؤتمر القمة نهاية الشهر المقبل في العاصمة السورية دمشق، مؤكداً أن توظيف اجتماعات القمة كوسائل للضغط على الحكومات "أمر مضر للعرب عموماً"، ودعا إلى نقل نتائج القمة والخلافات فيها إلى الرأي العام "حتى يوضع كل طرف عربي أمام مسؤولياته"، على حد تعبيره وأشار غليون، الأستاذ في علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس، في تصريح لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء، إلى أنه كان هناك بالفعل رهان كبير على أن يدفع انعقاد مؤتمر القمة العربية المقبل في دمشق الحكومة السورية إلى "تطرية يدها" في لبنان والتشجيع على تسوية هناك تسمح بانتخاب العماد ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية. وقال "ربما شكل التلويح باحتمال مقاطعة الرياض والقاهرة لهذا المؤتمر أحد أوراق الضغط التي استخدمت لحث النظام السوري على القبول بتسوية ولو جزئية ومؤقتة في لبنان"، ومع ذلك، تابع غليون، "لا أعتقد أن هاتين العاصمتين ستقاطعان المؤتمر بالفعل، وأنا لست مع هذه المقاطعة.. ولا ينبغي أن يكون الخلاف بين الحكومات، مهما كانت درجته، سبباً في تجميد الاتفاقات أو الاستحقاقات القانونية سواء أتعلق الأمر بالقمة العربية أم بغيرها". وجدد غليون "أعتقد أن من المضر للعرب عموماً أن تستخدم اجتماعات القمة كوسائل للضغط مهما كان السبب، لأن نتيجة ذلك ستكون تعطيل هذه المؤتمرات والتضحية بالاتفاقات والقرارات التي صوتت عليها الجامعة العربية بصعوبة في الماضي لا أكثر"، على حد تعبيرهوبالمقابل رأى الباحث السوري أنه "على الدول العربية حضور جميع الاجتماعات، واستغلالها لطرح مسائل الخلاف والتوصل إلى حلول بشأنها، وربما الخروج بتصريح للرأي العام العربي يشير إلى الاختلاف ويقر بفشل التوصل لحل له، أي يعكس ما حصل بالفعل"، وأوضح "مثل هذا الموقف يعبر عن احترام أكبر للرأي العام العربي وعن شعور أقوى بالمسؤولية تجاهه وتجاه المشاكل العالقة بين الدول والحكومات العربية". وتابع "أما رفض حضور المؤتمرات بسبب وجود الخلافات فهو غير مبرر مثله مثل الخروج من المؤتمر بالتغطية على الخلافات أمام الرأي العام وتبويس اللحى العربي التقليدي، باختصار، الاستحقاقات السياسية العربية ينبغي أن تحترم في وقتها ومكانها، والخلافات ينبغي أن تنقل للرأي العام حتى يوضع كل طرف عربي أمام مسؤولياته"، وحول ما يتردد عن ضغط غربي على بعض الدول العربية لحثها على مقاطعة هذه القمة، قال "من المحتمل أن تمارس أوروبا مثل هذا الضغط، كما من الممكن أن تمارسه الولايات المتحدة، ذلك أن ما يهم الدول الأجنبية هو الوصول إلى أهدافها، ولا يهمها الحفاظ على الحد الأدنى من وحدة الصف العربي، وما بالك بالحفاظ على مستقبل التعاون أو تكوين كتلة عربية"، وأضاف "نحن نسعى بالعكس إلى ألا تكون الخلافات بين الدول العربية سبباً في شل الجامعة العربية وتحويل البلاد العربية إلى توابع للدول الكبرى تستخدمها لتطبيق أجنداتها القومية" الخاصةوأعرب غليون عن أمله "أن ننجح بدفع الحكومات العربية إلى احترام التزاماتها السياسية والارتقاء إلى درجة من الجدية في معالجة مسائل الاختلاف الطبيعية وغير الطبيعية، في تعزيز الأمل بإمكانية تكوين أجندة سياسية عربية مشتركة، أي سياسة عربية في مواجهة الاختراقات الدولية والإسرائيلية المتزايدة لسياسات وأمن الدول العربية" على حد قولهوحول المطلوب من سورية لتقنع الدول العربية المشاركة في قمتها، قال "ليس من المطلوب من أي عاصمة عربية أن تتخلى عن سياستها أو تغير أجندتها القطرية في سبيل ضمان احترام الاستحقاقات المتعلقة بمؤتمرات القمة، فهذه سياسة سلبية ينبغي التخلي عنها"، وتابع "المطلوب من أي عاصمة لديها أجندة مختلفة عن الإجماع العربي أن تثبت للأقطار الأخرى أن السياسة التي تتبناها لا تتناقض مع مصالح الدول العربية الأخرى، وأن تبحث عن نقاط اللقاء التي تضمن استمرار الحد الأدنى من اتساق المصالح والمواقف العربية المشتركة. فكما أنه لا قيمة ولا شرعية لسياسة قطرية تدفع إلى تمزيق الكتلة العربية، ليس هناك أيضاً قيمة ولا شرعية لسياسة عربية مشتركة لا تأخذ بالاعتبار مصالح الدول القطرية الأساسية"، ورغم أنه قلل من أهمية القمم العربية، إلا أنه وفي سياق عرضه لقراءته للمرحلة القادمة (ما بعد القمة) فيما لو لم تشارك دول عربية رئيسية فيها، وقال غليون "لا أعتقد أن القمم العربية في ظروف الشقاق العربي والإقليمي العميق القائم سوف تفضي إلى شيء مهم وأساسي، سواء حضر الجميع أم غابوا.. لا يمكن للجامعة العربية أن تقدم خدمة للأقطار العربية وتكون إطاراً فعالاً للعمل العربي المشترك ومصدر سياسة عربية موحدة ما لم تنجح الدول العربية في تغيير توجهاتها الاستراتيجية وتقرر بالفعل التوجه نحو بناء سياسة عربية واحدة.. ونحن لا نزال بعيدين جداً عن هذا"، وتابع "وما دامت التحالفات الخارجية للأقطار العربية هي التي تحدد اليوم، بشكل أكبر، في سورية والقاهرة والرياض وغيرها، استراتيجيات الأمن القطري الحقيقية، فلن يكون هناك أمل في التوصل إلى أي اتفاق"، على حد وصفعوختم غليون "لكن من المفيد في نظري تأكيد الالتزام بمؤتمرات القمة حسب مواعيدها وأجنداتها حتى نرسخ تقاليد سياسية وقانونية ضرورية للتقدم في المستقبل، ونضمن بناء مؤسسات تعيش وتتحرك بالرغم من الخلافات السياسية بين الحكومات والنظم القائمة. ولذلك أرى في انعقاد المؤتمر ذاته بحضور الجميع معنى أهم مما ينجم عنه من إنجازات بغياب البعض أو مقاطعة البعض" الآخر

vendredi, février 01, 2008

الطريق من غزة وإليها

الاتحاد 30 جنفييه 08


وصف يوري أفنيري سقوط معبر رفح على أيدي الفلسطينيين المحاصرين منذ سبعة أشهر بأنه حدث تاريخي يساوي في مغزاه سقوط جدار برلين. وكان هذا الجدار قد أقيم في وسط ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ليكرس تقسيم القوتين العظميين المنتصرتين في هذه الحرب، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، العالم إلى مناطق نفوذ لهما، وضمان استمرار النظام ثنائي القطبية الذي قام على هذا الاقتسام. ومن المعروف أن سقوط جدار برلين قد شكل ضربة قاضية لاتفاقيات يالطا التي ولد منها، في 12 فبراير 1945، النظام الجديد، وأنهى بالمناسبة نفسها تقسيم أوروبة بين كتلة شرقية وكتلة غربية، كما دق جرس إعادة توحيد ألمانيا الفدرالية وتطبيع العلاقات بينها وبين الدول الأوروبية الأخرى، وفي مقدمها عدوتها التاريخية فرنسا. وكان ذلك إشعارا بقرب مخاض توحيد أوروبة وولادة الاتحاد الأوروبي الذي يشكل اليوم أحد أهم التكتلات الدولية الناجحة في العالم.
لست متاكدا من أنه سيكون لفتح معبر رفح الدوي نفسه الذي قاد إلى انهيار النظام الأوروبي بل والعالمي القديم وولادة نظام جديد مكانه. لكن ليس هناك شك في نظري في أن فتح هذا المعبر بالقوة الشعبية ذاتها التي أسقط بها جدار برلين قد أعلن كما لم يحصل في أي وقت سابق إفلاس سياسة إسرائيل الفلسطينية وانهيار دفاعاتها التي أقامتها لعزل الشعب الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه وحرمانه من حقوقه الوطنية. وفي ما وراء ذلك يحمل هذا الإفلاس في طياته إفلاس النظام الإقليمي الذي نشأ من تطبيق اتفاقيات يالطا المحلية، أقصد اتفاقيات كمب ديفيد الشهيرة (17 سبتمبر 1978) التي أنهت سياسيا حرب أكتوبر 1973 وفككت المعسكر العربي وكرست انسحابه من المواجهة الاسرائيلية، وترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره لوحده أمام إسرائيل منتصرة وعاتية، حليفة استراتيجية للولايات المتحدة. وهو ما مهد لانتصار التيارات المتطرفة في المشروع الاسرائيلي وتبوء اليمين القومي والديني والعنصري الداعي إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهويد جميع أراضي فلسطين وإلحاقها بالدولة العبرية، سدة السلطة في إسرائيل من دون انقطاع منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهذا الوضع نفسه هو الذي سيشجع الاتجاهات الامبرطورية في الإدارة الأمريكية ويغذي، منذ وصول بوش الابن إلى السلطة في واشنطن، الحلم الأمريكي بالسيطرة الانفرادية والمباشرة على الشرق الأوسط وإلحاق جميع الدول العربية باستراتيجيتها الدولية.
لا يعني هذا الإفلاس انهيار هذا النظام الإقليمي ولا سقوط الاتفاقيات التي قام عليها ولكنه يمهد لحقبة قادمة من التخبط والانشقاق والتصدع داخل هذا النظام في أكثر من مكان ومستوى، والتي ستنتهي بتقويضه واستبداله بنظام آخر، من المبكر اليوم تحديد معالمه أو التأمل فيه نظرا للسيولة الكبيرة التي تتسم بها علاقات القوى المحلية والإقليمية. ومن بوادر هذا التصدع وأهمها في اعتقادي تفتت جدار العزل العنصري الذي تستند إليه بقوة سياسة إسرائيل التوسعية والاستعمارية العدوانية. ولا أعني بجدار العزل العنصري الجدار المادي الذي بنته سلطات الاحتلال في السنوات الماضية في الضفة الغربية لتكريس قطع الصلات تماما مع الفلسطينيين، وإجبارهم على العيش في معزل لا إنساني، وإنما ذاك الجدار الكامن في الفكر والشعور الاسرائيليين عموما، أعني العنصرية ذاتها التي نمت وترعرعت هي نفسها في حضن الاحتلال، وصارت العامل الأهم في إعادة إنتاجه أيضا. ومنذ الآن سوف تتعالى أصوات عديدة، في إسرائيل والعالم أجمع، أسكتها في العقود الماضية اليأس والاستسلام للأمر الواقع، لتعلن رفضها لسياسة الميز العنصري والحكم على شعب كامل بالحصار الدائم والموت. ومثل ما فرضت الأحداث على القاهرة العودة عن قرار إعادة إغلاق الحدود مع فلسطين، سوف تفرض على إسرائيل التراجع عن سياسة العزل والتجويع الجماعي والتنكيل بالسكان. وفي موازاة ذلك ستسقط أيضا مبررات بناء الجدار العازل الكبير في الضفة الغربية، بقدر ما سيكتشف الرأي العام، في إسرائيل والعالم أجمع، عجز سياسات القمع واستخدام القوة عن تشكيل مخرج أو حل للاحتلال، أي أن تكون بديلا عن الحل الحقيقي الذي هو ببساطة إنهاء الاحتلال بما يعنيه ويتضمنه من سياسات استعمارية واستيطانية.
لكن سقوط هذا الجدار، وما يعنيه من أخراج القضية الفلسطينية من الطريق المسدود يتوقف، منذ الآن وإلى حد كبير، على ما سيحصل في فلسطين وداخل الصف الفلسطيني نفسه. فلن يكون لإسقاط جدار العزل العنصري الاسرائيلي قيمة إذا استمر بإزائه جدار العزل والانقسام والتفتت السياسي الفلسطيني، الذي لم يفصل الضفة عن القطاع فحسب ولكنه فصل الفلسطينيين بعضهم عن بعض، ووضع بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر كالأعداء. ويستدعي هذا تجاوز الاستراتيجيات الحزبية وإعادة بناء الجبهة الوطنية كمقدمة لإعادة توحيد الأرض والشعب الفلسطينيين. وفي هذا المجال تقع على حركة حماس مسؤوليات استثنائية في التحرر من أوهام الاستمرار في بناء دولة مستقلة في غزة والقبول بتنازلات وتضحيات كبيرة في سبيل إعادة الصدقية للسلطة ولمنظمة التحرير، أي للوحدة ا لفلسطينية، والمراهنة على الصراع من داخلهما ومع جميع قطاعات الرأي الفلسطيني لتعديل السياسة الفلسطينية وتقويمها. كما يتوقف على ما سيحصل داخل الدول العربية أيضا، من مبادرات شعبية وردود أفعال تقطع الطريق على إمكانية استعادة المبادرة من قبل النظام الإقليمي الناشيء في حضن اتفاقات كمب ديفيد ومتعلقاتها.
لقد نجح تدمير جدار برلين في تقويض النظام الدولي القديم، وإسقاط نظام القهر السوفييتي الذي قام عليه، بقدر ما قدمت الأوضاع القارية لشعوب أوروبة الشرقية النازعة للانعتاق فرصا للتقدم والاندماج في عملية إعادة بناء إقليمية شاملة رعتها الدول الديمقراطية القوية القائمة. وهو ما يفسر السرعة التي جرى فيها بناء الاتحاد الأوروبي أيضا في غضون سنوات من انهيار الجدار. وفي الشرق الاوسط لن ينجح فتح معبر رفح في كسر حصار غزة ما لم يتحول إلى إشارة الإنطلاق لكسر الحصار المفروض داخل البلاد العربية نفسها على الشعوب، وهدم جدران العزل المشادة في عموم المنطقة بوسائل ومناهج تختلف قليلا او كثيرا عن الوسائل والمناهج الاسرائيلية الفجة، وفتح المعابر الآمنة بين بلدانها وشعوبها.
لكن مهما كان الحال، يشكل ما حدث على معبر رفح إشارة إضافية إلى الاتجاه الجديد الذي تسير إليه الاحداث في المنطقة، وأعني به اتجاه عودة الشعوب، بعد تغييب طويل، إلى الانخراط في الحياة العمومية وانتزاع المبادرة من النظم والقوى الأجنبية معا. ولا ينفصل نمو هذا الاتجاه عما جرى ولا يزال يحصل في المنطقة من تغيرات عميقة تحصل في العمق، ربما كان أبرز أحداثها في السنوات القليلة الماضية انهيار الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية وإخفاق الاستراتيجية الاسرائيلية. الأولى بسبب نزعتها الانفرادية الامبرطورية التي وحدت في مواجهتها جميع دول العالم وشعوبه، بما فيها الشعب الأمريكي نفسه، والثانية بسبب تسممها بالفكرة الاستعمارية الاستيطانية وإمعانها في إنكار الحقوق الفلسطينية ومراهنتها الكلية على مراكمة القوة واستخدام العنف لتحقيق أهدافها اللاأخلاقية.

mercredi, janvier 30, 2008

حتى يمكن فك الحصار عن غزة

الاتحاد 30 جنفييه 08
وصف يوري أفنيري سقوط معبر رفح على أيدي الفلسطينيين المحاصرين منذ سبعة أشهر بأنه حدث تاريخي يساوي في مغزاه سقوط جدار برلين. وكان هذا الجدار قد أقيم في وسط ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ليكرس تقسيم القوتين العظميين المنتصرتين في هذه الحرب، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، العالم إلى مناطق نفوذ لهما، وضمان استمرار النظام ثنائي القطبية الذي قام على هذا الاقتسام. ومن المعروف أن سقوط جدار برلين قد شكل ضربة قاضية لاتفاقيات يالطا التي ولد منها، في 12 فبراير 1945، النظام الجديد، وأنهى بالمناسبة نفسها تقسيم أوروبة بين كتلة شرقية وكتلة غربية، كما دق جرس إعادة توحيد ألمانيا الفدرالية وتطبيع العلاقات بينها وبين الدول الأوروبية الأخرى، وفي مقدمها عدوتها التاريخية فرنسا. وكان ذلك إشعارا بقرب مخاض توحيد أوروبة وولادة الاتحاد الأوروبي الذي يشكل اليوم أحد أهم التكتلات الدولية الناجحة في العالم.
لست متاكدا من أنه سيكون لفتح معبر رفح الدوي نفسه الذي قاد إلى انهيار النظام الأوروبي بل والعالمي القديم وولادة نظام جديد مكانه. لكن ليس هناك شك في نظري في أن فتح هذا المعبر بالقوة الشعبية ذاتها التي أسقط بها جدار برلين قد أعلن كما لم يحصل في أي وقت سابق إفلاس سياسة إسرائيل الفلسطينية وانهيار دفاعاتها التي أقامتها لعزل الشعب الفلسطيني وفرض الاستسلام عليه وحرمانه من حقوقه الوطنية. وفي ما وراء ذلك يحمل هذا الإفلاس في طياته إفلاس النظام الإقليمي الذي نشأ من تطبيق اتفاقيات يالطا المحلية، أقصد اتفاقيات كمب ديفيد الشهيرة (17 سبتمبر 1978) التي أنهت سياسيا حرب أكتوبر 1973 وفككت المعسكر العربي وكرست انسحابه من المواجهة الاسرائيلية، وترك الشعب الفلسطيني يواجه مصيره لوحده أمام إسرائيل منتصرة وعاتية، حليفة استراتيجية للولايات المتحدة. وهو ما مهد لانتصار التيارات المتطرفة في المشروع الاسرائيلي وتبوء اليمين القومي والديني والعنصري الداعي إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهويد جميع أراضي فلسطين وإلحاقها بالدولة العبرية، سدة السلطة في إسرائيل من دون انقطاع منذ أكثر من ثلاثة عقود. وهذا الوضع نفسه هو الذي سيشجع الاتجاهات الامبرطورية في الإدارة الأمريكية ويغذي، منذ وصول بوش الابن إلى السلطة في واشنطن، الحلم الأمريكي بالسيطرة الانفرادية والمباشرة على الشرق الأوسط وإلحاق جميع الدول العربية باستراتيجيتها الدولية.
لا يعني هذا الإفلاس انهيار هذا النظام الإقليمي ولا سقوط الاتفاقيات التي قام عليها ولكنه يمهد لحقبة قادمة من التخبط والانشقاق والتصدع داخل هذا النظام في أكثر من مكان ومستوى، والتي ستنتهي بتقويضه واستبداله بنظام آخر، من المبكر اليوم تحديد معالمه أو التأمل فيه نظرا للسيولة الكبيرة التي تتسم بها علاقات القوى المحلية والإقليمية. ومن بوادر هذا التصدع وأهمها في اعتقادي تفتت جدار العزل العنصري الذي تستند إليه بقوة سياسة إسرائيل التوسعية والاستعمارية العدوانية. ولا أعني بجدار العزل العنصري الجدار المادي الذي بنته سلطات الاحتلال في السنوات الماضية في الضفة الغربية لتكريس قطع الصلات تماما مع الفلسطينيين، وإجبارهم على العيش في معزل لا إنساني، وإنما ذاك الجدار الكامن في الفكر والشعور الاسرائيليين عموما، أعني العنصرية ذاتها التي نمت وترعرعت هي نفسها في حضن الاحتلال، وصارت العامل الأهم في إعادة إنتاجه أيضا. ومنذ الآن سوف تتعالى أصوات عديدة، في إسرائيل والعالم أجمع، أسكتها في العقود الماضية اليأس والاستسلام للأمر الواقع، لتعلن رفضها لسياسة الميز العنصري والحكم على شعب كامل بالحصار الدائم والموت. ومثل ما فرضت الأحداث على القاهرة العودة عن قرار إعادة إغلاق الحدود مع فلسطين، سوف تفرض على إسرائيل التراجع عن سياسة العزل والتجويع الجماعي والتنكيل بالسكان. وفي موازاة ذلك ستسقط أيضا مبررات بناء الجدار العازل الكبير في الضفة الغربية، بقدر ما سيكتشف الرأي العام، في إسرائيل والعالم أجمع، عجز سياسات القمع واستخدام القوة عن تشكيل مخرج أو حل للاحتلال، أي أن تكون بديلا عن الحل الحقيقي الذي هو ببساطة إنهاء الاحتلال بما يعنيه ويتضمنه من سياسات استعمارية واستيطانية.
لكن سقوط هذا الجدار، وما يعنيه من أخراج القضية الفلسطينية من الطريق المسدود يتوقف، منذ الآن وإلى حد كبير، على ما سيحصل في فلسطين وداخل الصف الفلسطيني نفسه. فلن يكون لإسقاط جدار العزل العنصري الاسرائيلي قيمة إذا استمر بإزائه جدار العزل والانقسام والتفتت السياسي الفلسطيني، الذي لم يفصل الضفة عن القطاع فحسب ولكنه فصل الفلسطينيين بعضهم عن بعض، ووضع بعضهم في مواجهة بعضهم الآخر كالأعداء. ويستدعي هذا تجاوز الاستراتيجيات الحزبية وإعادة بناء الجبهة الوطنية كمقدمة لإعادة توحيد الأرض والشعب الفلسطينيين. وفي هذا المجال تقع على حركة حماس مسؤوليات استثنائية في التحرر من أوهام الاستمرار في بناء دولة مستقلة في غزة والقبول بتنازلات وتضحيات كبيرة في سبيل إعادة الصدقية للسلطة ولمنظمة التحرير، أي للوحدة ا لفلسطينية، والمراهنة على الصراع من داخلهما ومع جميع قطاعات الرأي الفلسطيني لتعديل السياسة الفلسطينية وتقويمها. كما يتوقف على ما سيحصل داخل الدول العربية أيضا، من مبادرات شعبية وردود أفعال تقطع الطريق على إمكانية استعادة المبادرة من قبل النظام الإقليمي الناشيء في حضن اتفاقات كمب ديفيد ومتعلقاتها.
لقد نجح تدمير جدار برلين في تقويض النظام الدولي القديم، وإسقاط نظام القهر السوفييتي الذي قام عليه، بقدر ما قدمت الأوضاع القارية لشعوب أوروبة الشرقية النازعة للانعتاق فرصا للتقدم والاندماج في عملية إعادة بناء إقليمية شاملة رعتها الدول الديمقراطية القوية القائمة. وهو ما يفسر السرعة التي جرى فيها بناء الاتحاد الأوروبي أيضا في غضون سنوات من انهيار الجدار. وفي الشرق الاوسط لن ينجح فتح معبر رفح في كسر حصار غزة ما لم يتحول إلى إشارة الإنطلاق لكسر الحصار المفروض داخل البلاد العربية نفسها على الشعوب، وهدم جدران العزل المشادة في عموم المنطقة بوسائل ومناهج تختلف قليلا او كثيرا عن الوسائل والمناهج الاسرائيلية الفجة، وفتح المعابر الآمنة بين بلدانها وشعوبها.
لكن مهما كان الحال، يشكل ما حدث على معبر رفح إشارة إضافية إلى الاتجاه الجديد الذي تسير إليه الاحداث في المنطقة، وأعني به اتجاه عودة الشعوب، بعد تغييب طويل، إلى الانخراط في الحياة العمومية وانتزاع المبادرة من النظم والقوى الأجنبية معا. ولا ينفصل نمو هذا الاتجاه عما جرى ولا يزال يحصل في المنطقة من تغيرات عميقة تحصل في العمق، ربما كان أبرز أحداثها في السنوات القليلة الماضية انهيار الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية وإخفاق الاستراتيجية الاسرائيلية. الأولى بسبب نزعتها الانفرادية الامبرطورية التي وحدت في مواجهتها جميع دول العالم وشعوبه، بما فيها الشعب الأمريكي نفسه، والثانية بسبب تسممها بالفكرة الاستعمارية الاستيطانية وإمعانها في إنكار الحقوق الفلسطينية ومراهنتها الكلية على مراكمة القوة واستخدام العنف لتحقيق أهدافها اللاأخلاقية.

mercredi, janvier 16, 2008

الليبرالية وتجديد ثقافة العرب السياسية

الاتحاد 16 كانون الثاني 08
اخذ علي البعض في مقال سابق استخدام صفة الليبرالية للتعبير عن التوجه العام الذي مثلته وتمثله المعارضة السورية التي ائتلفت في إطار إعلان دمشق. وكنت قد كتبت بالفعل أن نجاح المعارضة الديمقراطية في عقد مجلسها الموسع في الأول من ديسمبر الماضي، بالرغم من الإجراءات الأمنية الاستثنائية التي تمنع التعبير عن أي شكل من أشكال المعارضة، سواء كان باليد أو باللسان أو بالقلب، يؤكد أن حركة المعارضة ليست طفرة سطحية وإنما تعبر عن موجة عميقة تعكس وقائع بنيوية، في مقدمها ولادة نخبة ليبرالية تتغذى من انحسار أفكار الاشتراكية الشمولية على الصعيد الدولي، وتحول البلاد نحو اقتصاد السوق، وما ينجم عنه من تمايزات وتوترات طبقية جديدة، وعطش الجمهور إلى لغة تقطع مع أدبيات البيرقراطية الحاكمة التي فقدت صدقيتها وترفض أن تخضع سيطرتها الطويلة لأي استفتاء شعبي. فقد وجد بعض ممثلي اليسار في هذا الاستخدام تهمة أو ما يشبه التهمة باليمينية. ورد رياض الترك قائلا نحن لسنا ليبراليين وإنما عقلانيين. وشك الليبراليون في أن يكون وراء هذا الاستخدام اتهام يساري لهم وللمعارضة بالمراهنة على الضغوط الأجنبية أو للتفاهم مع القوى الغربية لتحقيق الديمقراطية. ولا يخفى ما تتعرض له الليبرالية عادة من انتقادات من قبل التيارات الاسلامية على اختلافها.
وقد لفتت ردود الأفعال هذه نظري إلى مسألة استخدام المصطلحات في لغتنا السياسية الراهنة التي لا تزال قيد الإنشاء. وأعتقد أننا لن ننجح في بناء كلام أو خطاب متسق في السياسة، ولا بلورة لغة سياسية مفهومة من الجميع، لا تكون مصدر سوء تفاهم متجدد، من دون أن نتغلب على صعوبتين رئيسيتين يعملان كفخ لإمكانية التفاهم، ويحولان دون الفهم والتواصل بين المتخاطبين. الأولى ناجمة عن التعددية الدلالية الطبيعية الكامنة في كل مصطلح، من حيث هو تركيب تراكمي يشبه تماما تركيب الأرض الجيولوجي، لطبقات من المعاني والدلالات الخاصة بالحقب المختلفة التي استخدم فيها، وللسياقات التي شرطت استخدامه. والصعوبة الثانية الأكبر ناجمة عن الانحياز الذي يدفع القاريء إلى اختيار هذه الدلالة أو تلك للمفهوم، وتفسيره حسب ما يخدم مصالحه الايديولوجية أو السياسية، ليبني عليه موقفه الخاص. فالصعوبة الاولى ابستمولوجية بامتياز، يمكن تجاوزها بالتمرن على النظر العلمي والنقدي، بينما الصعوبة الثانية سياسية بالمعنى العميق للكلمة، تنبع من أن الخطاب، أي خطاب، لا يمكن أن يتجاوز شرط الصراع القائم بين الأفراد والجماعات على الموارد المختلفة، وبالتالي نزعة هؤلاء إلى إخضاع المصطلحات إلى حاجات بناء خطاب ينسجم مع طموحاتهم في الوصول إلى المكانة التي يحلمون بها، أو يعكس هذه المكانة ويكرسها من خلال تعميم الدلالة وضبط المعنى أو السيطرة عليه في مواجهة "معاني" الآخرين "الخصوم" وخطاباتهم أيضا.
ومن هذه المصطلحات الرائجة اليوم، والتي تشكل شركا للفكر بقدر ما تمثل ضرورة لفهم الواقع الدولي والمجتمعي الراهن، مصطلح الليبرالية. فهي تصف سياسة سائدة تؤكد على نجاعة منطق السوق في تنظيم الحياة الاجتماعية والدولية، في مواجهة سياسات التخطيط الحكومية أو إخضاع العملية الاقتصادية لمنطق سياسي أو أخلاقي قادم من خارجها. كما تصف موقفا فكريا وسياسيا يعبر عن فكر أولئك الذين قادوا منذ القرن الثامن عشر حركة التحرر من وصايات الدولة والكنيسة التي كبلت الأفراد وأجهزت على حرياتهم الفردية، وبالتالي حقوقهم الطبيعية. ففي الحالة الأولى تتساوى الليبرالية مع سياسة تحرير التجارة وإطلاق يد رأس المال من دون قيود والاحتكام إلى قانون المنافسة الاقتصادية. وهو ما يمكن وصفه بالرأسمالية المتجردة من أي قيود أو وصاية اجتماعية. وفي الحالة الثانية تتساوى الليبرالية مع الديمقراطية من حيث أنها دعوة كل فرد إلى التحرر من الوصايات الخارجية، وإلى تحمل المسؤولية إزاء نفسه والمجتمع الذي يعيش فيه، ومقاومة كل أشكال تقييد الحرية وانتهاك حقوق الانسان، من أي مصدر جاءت، بما في ذلك رأس المال والسلطة الاقتصادية. وتتضمن الفلسفة الليبرالية بهذا المعنى فرضية تقول بإمكانية المراهنة على قدرة الأفراد في تطوير ملكاتهم والدفاع عن مصالحهم والتفاهم والتواصل في ما بينهم إذا أزيلت من طريقهم عوامل القهر والقمع التي كانت من سمات النظم الدولوية التقليدية.
والموقفان، كما اكتشف ذلك ماركس، لا يتفقان. فكلاهما ينفي الآخر. ولا يمكن تجاوز التناقض الجذري الذي يميز العلاقة بينهما إلا بالدمج الافتراضي بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية، أي إلا باعتبار الديمقراطية التعبير السياسي عن الرأسمالية، والاعتقاد بأن حرية السوق وحرية الفرد السياسية أمران مترابطان ومتماهيان تماما. وهذا هو أساس تحويل الليبرالية إلى ايديولوجية طبقة اجتماعية. وكما أثارت المطابقة بين الحرية السياسية والسياسات الرأسمالية اليمينية في مرحلة صعودها الأولى، ردود فعل قوية، عبرت عنها الايديولوجيات اليسارية الثورية التي وحدت بين الحريات الفردية والسيطرة الرأسمالية. يثير انبعاثها اليوم، ردود أفعال مشابهة لدى الجماعات القومية الاتنية والدينية، التي تمثل الاسلاموية أحد أهم تنويعاتها، بقدر ما تبدو الديمقراطية مرتبطة فيها بالأمبريالية أو بالسيطرة الأجنبية.
وبالمثل، ليس هناك ارتباط حتمي بين نزعة الحرية والانعتاق التي تعبر عنها الليبرالية ونزعة العداء للدين، حتى لو أن وجود الأخيرة ما كان ممكنا من دون نشوء النزعة العقلية والانسانية. ولا بينها والبرامج الاجتماعية اليمينية، ولا الرأسمالية كمنظومة اقتصادية، حتى لو أنها لم تكن ممكنة من دون تطور المجتمع الصناعي الذي حملته الرأسمالية. فالفلسفة الليبرالية هي التي أسست لحرية الاعتقاد، وكانت ولا تزال الملهم الرئيسي لحركات مقاومة الرأسمالية ومناهضتها. وبعكس ما هو شائع اليوم، لم تأت الفكرة اليسارية كنقيض لقيم الليبرالية، وإنما جاءت من داخلها، وباسم تحقيقها الفعلي، أعني قيم الحرية والانعتاق الكامل للفرد من الاستلابات المادية والايديويولوجية المتمثلة في نظر ماركس في سيطرة الملكية الخاصة والاستغلال الطبقي والوعي الزائف. وهذا ما سعى ماركس إلى إبرازه موجها نقده إلى الرأسمالية، التي فتكت بقيم الليبرالية وخانتها بقدر ما أسست لديكتاتورية رأس المال وأصحابه، وليس لليبرالية ذاتها. ولم يكن لمشروعه الشيوعي غاية أخرى سوى التحقيق الفعلي لقيم الليبرالية وغاياتها. هكذا كان ماركس سليل الفكر الليبرالي وثمرته. ولا يغير ذلك أنه كان مفجره أيضا بقدر ما دفع طروحاته النسبية إلى حدودها القصوى.
كذلك، ليس هناك أي علاقة حتمية بين الليبرالية والتبعية للغرب أو للسيطرة الأجنبية والخضوع للمؤسسات الدولية الرأسمالية كما يبدو لنا اليوم. فقد اهتم الليبراليون الأوائل ببناء الأسواق القومية باعتبارها مفرخة للرأسماليات الوطنية. وكان دفاعهم عن السيادة مرتبطا بايمانهم بأن الدولة لا تخضع لأي مرجعية أخرى غير مرجعية الإرادة العامة للمواطنين المكونين لها.
والقصد أن أشكال تحقيق الليبرالية في التاريخ تخضع لشروط وجود وحياة المجتمعات والبلدان والنخب الحاكمة وتراثها، أكثر مما تعبر عن اتساق الفكرة نفسها. ولهذا سوف يقدم لنا التاريخ ليبراليين من كل الأصناف، منهم من يتبع سياسات قومية تركز على حماية السوق الداخلية من المنافسة الأجنبية. وآخرون يؤكدون على دعم سياسات امبريالية واليوم عولمية تهدف إلى توسيع هامش المبادرة الاقتصادية. وفريق ثالث، خاصة في البلدان الفقيرة والتابعة، ينزع، بسبب وجوده المأزوم وضعف القاعدة المادية لنظامه، إلى المراهنة على المعونة وأحيانا الحماية الخارجية. لكن ليست هذه السياسات جميعا جزءا من الفلسفة الليبرالية ولا امتدادا ضروريا لها. فالليبرالية غير الليبراليين ولا ينبغي تخفيضها إلى مستوى ممارساتهم التاريخية، تماما كما أنه لا ينبغي توحيد الفكرة القومية آليا مع أي سياسة تمارسها هذه النخبة القومية أو تلك. وهو ما ينطبق أيضا على الفكرة الاشتراكية والاسلامية. وبالمثل ليس لليبرالية كفلسفة مدنية وسياسية علاقة ضرورية مع اقتصاد السوق. فهو سابق عليها، وإنما هناك سوق رأسمالية، وسياسات اقتصادية تتغير معالمها وآليات عملها أيضا من حقبة لأخرى ومن بلد لآخر، تتخذ من الليبرالية غطاءا ايديولوجيا ومصدر شرعية لها.
وفي اعتقادي إن الليبرالية من حيث هي فلسفة أخلاقية وسياسية، لم تفقد مكانتها كمصدر للقيم الرئيسية التي تحرك مجتمعاتنا وتوجه ثقافة عصرنا. فهي تكمن في قلب الحداثة من حيث هي تحرير وانعتاق للإنسان. وما سوف ينشأ من ثقافات سياسية، تقلل من أهمية الحريات الفردية، أو لا توليها أي أهمية، ولا تعتبر أن لها أي أسبقية منطقية أو سياسية في تحقيق أهداف الجماعات وبناء نظمها السياسية، مثل الثقافة الشمولية والعصبية الجمعية القومية أو غير القومية، وفي أيامنا الراهنة الرؤية الاسلاموية، ليست جميعا سوى أشكال من ثقافة المقاومة والاعتراض والاحتجاج على الثقافة الليبرالية السائدة وقيمها. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن لا يكون تاريخ الاجتماع السياسي الحديث سوى سجل الصراع بين ثقافة الليبرالية السائدة من جهة وايديولوجيات الاحتجاج التي تسعى إلى تقييدها أو إخضاعها لمنطق آخر غير منطق التطابق المفترض بين اقتصاد السوق ودولة الحرية، ولمعايير تنبع من الحرص على الانسجام والتكافل الاجتماعيين. وهو ما سوف يتجسد في تناوب حقبتين جيوثقافيتين على التوالي، ليبرالية وضد ليبرالية. فبقدر ما تقود الحقبة الليبرالية التي تراهن على توسيع هامش استقلالية الأفراد إلى نمو قيم الفردية، وتعمق في سياق ذلك نزعة الأنانية وتراجع آليات التضامن والتكافل المجتمعي، تمهد الأرض لعودة أشكال من الدولة الشمولية المتماهية مباشرة مع الجماعة القومية أو الدينية كجماعة عضوية، والمعادية للاستقلالية الفردية. وليس هناك شك في نظري أن العالم يعيش اليوم انبعاثا ليبراليا، نشأ كرد فعل على ما عرفته الثقافات الشمولية على مختلف أنواعها، القوموية والشيوعية والاشتراكية الوطنية، من هدر لاستقلال الأفراد وتضحية بحرياتهم واستقلالهم الفكري والسياسي الذي قاد بالضرورة إلى انحطاط شامل في النظام المجتمعي بأكمله. وهذا الانبعاث يشرط تفكيرنا جميعا، ويحدد أفق عملنا ونشاطنا.
فنحن اليوم، يساريين ويمينيين، إسلاميين وقوميين، اشتراكيين ورأسماليين، ليبراليون بالمعنى السياسي والثقافي، أي تحرريون نؤمن بأن ضمان الحريات الفردية ودولة القانون شرط ضروري لبناء منظومتنا السياسية والاجتماعية المدنية أيضا، بصرف النظر عن برامجنا الاجتماعية والقومية الخاصة وأهدافنا. بهذا المعنى أصبحت الليبرالية، بوصفها ثقافة الحرية، معيارا مشتركا لفكرنا السياسي، وقاسما مشتركا يجميع بيننا. وهي تمثل اليوم، بعد انهيار الصيغ الدولوية التي سيطرت في الحقبة الماضية، مرجعية الحقبة التاريخية التي نعيش، في كل مكان. ومن يرفض التفاعل مع هذه المرجعية، إسلاميا كان أم قوميا أم يساريا أم يمينيا، يدين نفسه بالعزلة والانكفاء والديناصورية.
بالمقابل، لا أعتقد أن لدينا في العالم العربي فكر ليبرالي مكتمل، بأي معنى من هذه المعاني، ولا اقتصاد ولا حزب وبالاحرى حكم ليبرالي. وما نعرفه منها في مجتمعاتنا لا يتعدى ممارسات شبكات مصالح ورجال أعمال تنتمي بشكل أكبر إلى منطق الصراع الوحشي وغير المضبوط على الموارد أكثر مما تعبر عن قيم الليبرالية، حتى في أسوأ تعبيراتها يمينية، وسياسات حكومية فوضوية، ونزوعات فكرية شبه ليبرالية تربط بين السياسات التخصيصية، والتبعية الاستراتيجية للغرب، والدفاع عن نظم سياسية مؤسسة على الاقصاء والاحتكار، وإعدام الحريات الفردية والجمعية، والتلاعب بالإرادة الشعبية. وتكاد هذه التوجهات جميعا، لسوئها الواضح وعواقبها المأساوية، تخجل من الافصاح الصريح عن ذاتها، أو من إعطاء نفسها اسما صريحا حتى لا تؤخذ بتهمة الخيانة الفكرية، وتجهد كي تبقي ليبراليتها المجهضة والمشوهة، متخفية تحت رداء من الطروحات الايديولوجية الاسلامية أو القومية أو العلمانية.
من هنا، يبدوا لي أن الهجوم الدائم لبعض تيارات لاسلام السياسي واليسار العربي على الليبرالية لا يمس بسوء سياسات الرأسمالية المتوحشة التي تعرفها اليوم مجتمعاتنا، ولا التبعية البنيوية التي تستبطنها، كما يعتقد أصحابها، وإنما تستخدم بشكل رئيسي لقطع الطريق على روح التحرر والانعتاق الناشئة، التي توحدها خطأ مع الرأسمالية والسيطرة الاجنبية. ولا تستفيد من هذا الهجوم اليوم سوى النظم التسلطية التي تريد أن تقتل هذه الروح في مهدها. ولن تكون ثمرة تسفيه الليبرالية ودفن أفكارها وفلسفتها سوى الحكم على مجتمعاتنا بالغرق أكثر في الرثاثة الثقافية والإستغراق في اجترار التراث والحياة فيه.
لا يعني ذلك الكف عن نقد الليبرالية، تماما كما لا يعني تقديس الحداثة وقيمها، وإنما التمييز في هذا النقد، من جهة أولى بين معاني الليبرالية ووجوهها المختلفة، حتى لا نرمي الوليد مع ماء الولادة، ومن جهة ثانية بين الفكرة الأصلية وتطبيقاتها على يد هذه النخبة أو تلك. وكما ان من المفيد أن نفصل بين الليبرالية السياسية التي تؤسس للديمقراطية، والليبرالية الاقتصادية، كما أخذت تشيع منذ خطف اليمين الرأسمالي فكرة الحرية الفردية ودمجها مع سياسات اجتماعية لا تأخذ بالاعتبار إلا مصالح تراكم رأس المال، من المفيد كذلك أن نفصل الليبرالية عن التبعية للدول الغربية، ولا نعتبر أي ليبرالي حليفا كامنا للقوى الاستعمارية، كما يفعل كثير منا اليوم. فمن دون تمثل الليبرالية، أي استيعاب قيمها ومفاهيمها ونقدها معا، لن يكون بإمكاننا، مهما فعلنا، تجاوزها، وأهم من ذلك سيكون من المستحيل علينا أن ننجح في تخصيب ثقافتنا البالية وبناء حياة فكرية حقيقية وتجديد أسس حياتنا السياسية.

dimanche, janvier 06, 2008

الجماعة والجماعة السياسية والمواطنة

تعليق على ورقة المستشار طارق البشري
الجماعة السياسة والمواطنة من منظور إسلامي
ندوة القومية والدين، الاسكندرية، 11-12 ديسمبر 2007

يقدم لنا المستشار طارق البشري في ورقته رؤية منفتحة لمسألة المواطنية في منظور ما أصبح يسمى الاسلام السياسي، بجميع تياراته، تمييزا له عن الاسلام الذي لا يمكن أن يحتكر أي شخص او تيار سياسي حق الكلام باسمه أو تفسير نصوصه الأساسية. بيد أن هذا الانفتاح لا يمنع من أن مسائل كثيرة لا تزال تحتاج إلى مناقشة وتطوير في هذه الرؤية الاسلاموية للمواطنية. وأكتفي هنا بالإشارة إلى نوعين منها، تتعلق الأولى بمفهوم الجماعة والجماعة السياسية نفسها، وهو ما يستمد منه مفهوم المواطنية معناه، وتتعلق الثانية بمسألة مرجعية الدولة الاسلامية أو المرجعية الاسلامية للدولة.
1- في مفهوم الجماعة والجماعة السياسية
يعرف المستشار الجماعة السياسية بأنها "... مجموعة من البشر تتحدد بوصف لصيق يشملها ويميزها عن غيرها من المجموعات، وهي مرشحة لأن تقوم على أساسها الدولة، وإذا كانت المواطنة هي صفة الفرد الذي ينتمي إلى جماعة سياسية قامت على أساسها الدول، وبحسبان أن المواطن هو الطرف المقابل للدولة، فقد وجب النظر في مدى ما تنتجه المواطنة للمندرجين في وصفها من حقوق متساوية".
من الواضح أن هذا التعريف يربط بشكل تلقائي بين مفهوم الجماعة عموما ومفهوم الجماعة السياسية، فلا يلحظ أي تمييز بين أنماط الجماعات السياسية، تلك التي تقوم على أساس رابطة الدين وتعطي مفهوم الأخ المؤمن، وتلك التي تقوم على رابطة السياسة وتعطي مفهوم المواطنية. والحال، ليس جميع الجماعات جماعات سياسية، وليست كلها مؤهلة لتوليد جماعة سياسية، وليست الجماعات السياسية الناجمة عنها متشابهة في معناها ومضمون سياسيتها. والقصد أن نصاب السياسة ليس واحدا، وليست ماهية السياسي متطابقة في كل العصور والأقطار. نصاب السياسة في العصر الوسيط ليس هو في العصر الحديث. وهو ليس في العصر الوسيط بالمضمون ذاته في القطر الأثيني والقطر المصري أو العراقي. بمعنى آخر، لا تتأسس الدولة، محور السياسة وغايتها، على الأركان ذاتها في كل حقبة وكل مكان. فقد تقوم الدولة على الدين، كما يمكن أن تقوم على القومية، كما يمكن أن تقوم على القانون، وتكون دولة ديمقراطية قانونية. ونصاب السياسة، أي مشمولاتها من مجالات وطرائق ووسائل وغايات، ليست واحدة في كل الحالات. وما نسميه دولة في الحضارة الإسلامية الكلاسيكية ليس له علاقة بمفهوم الدولة الحديثة، كما نعرفه في العصر الراهن، وإن كان يشكل نمطا من أنماط الكيانات السياسية.
قد تكون الرابطة الدينية أساسا لرابطة سياسية، وقد تتطابق جماعة الدين مع جماعة الدولة، أو الجماعة السياسية، لكن هذا ليس شرطا، ولا يمثل الحالة السائدة في التاريخ. وهو في العصر الحديث أكثر ندرة من أي فترة سابقة. فلا توجد اليوم جماعة دينية متطابقة تماما مع الجماعة السياسية، ولا يستثنى من ذلك الدول القائمة صراحة على الرابطة الدينية، مثل إسرائيل وباكستان. وبالعكس لا تقوم السياسة اليوم، من حيث هي تحقيق لسلطة ودولة، من خارج الرابطة السياسية. ذلك أن السلطة والدولة الحديثتين تستدعيان كشرط لهما تراجع أسبقية علاقات العصبية الطبيعية أو شبه الطبيعية لصالح نشوء علاقة مواطنية قائمة على وحدة القانون ومساواة المواطنين أمامه معا.
وليست العلاقة بين الجماعة السياسية والدولة واحدة في كل الأنماط السياسية. فعلاقة الدولة بالجماعة الدينية في الحقبة الاسلامية ليست من النوع ذاته الذي يحكم علاقة الدولة الحديثة بالأمة. فالدولة في النمط الأول مضافة إلى الجماعة من خارجها، أو آلة قهر خاصة تسندها شرعية دينية مستمدة من مطابقة تشريعاتها، فعليا أو شكليا، لأحكام الشريعة الدينية أو ما يعتقد أنه كذلك. أما الدولة الحديثة، في شكلها المكتمل الديمقراطي، فهي دولة معبرة عن الجماعة ومنبثقة عنها. بل هي الجماعة ذاتها وقد تجسدت في شكل مؤسسي منظم. وهي تستمد شرعيتها من نفسها، أي من آلية التمثيل الديمقراطي نفسه المعبر عنه في مجلس تشريعي منتخب. في الحالة الأولى تكون الدولة سلطانية، خاضعة للعصبية التي تستبد بسلطتها وتسيطر عليها، وتخضع من خلالها المجتمع لنظام ثابت. وفي الحالة الثانية تكون دولة أمة، تعكس نشوء رابطة سياسية تجمع بين مواطنين، وتترجم إرادتهم في العيش المشترك، وترجع إليهم في كل ما يتعلق بمصالحهم العامة والخاصة، وتعمل من خلال مباديء دستوية وقانونية واضحة ومضبوطة، من حيث أسلوب التشريع وضبط أصوله وقواعد عمله وتعديله.
وكما يتطلب تحديد مفهوم الجماعة التدقيق في الدلالات المختلفة لمصطلح الدولة، السلطانية والديمقراطية، يتطلب تحديد مفهوم الدولة التدقيق في استخدام مصطلح الامة. فالأمة بالمعنى الديني، وهنا الأمة الاسلامية، ليست هي نفسها المقصودة بالمعنى الوضعي، أي الأمة الحديثة المواطنية. فعندما نتحدث عن الامة أو الجماعة السياسية اليوم فنحن لا نشير إلى الجماعة الدينية، أو إلى الجماعة الدينية بوصفها جماعة سياسية، ولكن إلى رابطة سياسية مختلفة كليا عن الرابطة الدينية، من دون أن تكون نقيضا لها أو في صراع معها. وهذا التمييز مهم جدا في نقاشنا حول الأوضاع العربية الراهنة التي لا تتطابق الدول القائمة فيها مع الجماعة الدينية بأي شكل. وعلى سبيل المثال، عندما نتحدث عن إجماع الأمة، من منظور الفقه الاسلامي، ونعني به إجماع الأكثرية الإسلامية في هذا البلد أو ذاك، فنحن ننفي وجود الأمة بالمعنى السياسي، ونرد الرابطة السياسية الجديدة، ربما من دون أن ندري، إلى الرابطة الدينية، ونجعل من غير المسلمين حتما مواطنين مختلفين أو مغايرين، يمكن أن نفكر بأفضل السبل لمعالجة مشكلتهم وضمان العدالة تجاههم، وحتى المساواة، إلا أننا ندمر معنى الأمة بالمعنى الحديث الذي يعني الرابطة السياسية المستندة إلى وجود دولة وسلطة مركزية موحدة وقانون، تتعامل مع المجتمع كأفراد لهم حقوق وعليهم واجبات، أي كأفراد متساوين أمام القانون، ولا تنظر في اعتقاداتهم سواء أكانت دينية أو غير دينية، ولا يهمها إصلاح هذه الاعتقادات أو التدخل في شؤونها. هذا مفهوم آخر للأمة يشير إلى رابطة سياسية قانونية تجمع بين الأفراد بصرف النظر عن اعتقاداتهم، يختلف كليا عن مفهوم الأمة بمعنى الجماعة الدينية التي تؤلف بين أفراد ينتمون إلى عقيدة واحدة هي محور إئتلافهم، وبالتالي وبالضرورة مرجعهم في كل ما يصدر عنهم ويؤسس لوجودهم، بما في ذلك الدولة التي ينضوون تحت جناحها.
وربما كان من الأنسب لإزالة الالتباس استخدام مصلح الرابطة السياسية التي تمر حتما عبر الدولة، سواء أكانت قائمة فعلا أو في مسار التكوين، كما هو الحال لدى الحركات القومية الحديثة. فكما ذكرت ليست سياسية أو منتجة لنصاب سياسي وبالتالي لدولة أي جماعة أو رابطة بين الأفراد. رابطة الدين والعقيدة والعصبية القبلية والعائلية ليست رابطة سياسية، وليست منتجة تلقائيا، مهما توسعت دائرة نفوذها وانتشارها، لرابطة سياسية. حتى تتحول كل منها أو بعضها إلى رابطة سياسية لا بد أن تطرأ عليها، أو تكون قد طرأت عليها، تحولات عميقة، أي حصلت فيها طفرة، تنتقل بموجبها روح التكافل من إطار العصبية المرتبطة بمشاعر القرابة العضوية، العقيدية أو الدموية، إلى إطار الوعي السياسي بمصير مشترك مرتبط بوجود الدولة، وبالوجود معا داخل الدولة، وبالمسؤولية عنها. لذلك لا تنفصل الأمة بالمعنى السياسي الحديث عن وجود الدولة، ولا يمكن التفكير فيها خارجها. وحتى عندما يكون الوعي السياسي مرتبطا بمشروع أمة تتجاوز حدود الكيانات السياسية القائمة، كما هو الحال بالنسبة للقومية العربية، فإن فكرة الأمة لا تستقيم من دون التفكير بدولة الوحدة. بل إن مبرر وجود القومية العربية وهدفها هو تكوين الدولة الواحدة. فالأمة بالمعنى السياسي، أي كرابطة بين أفراد يوحدهم الولاء للدولة القائمة والخضوع لقوانينها، لا تنفصل عن الدولة بالمعنى الوضعي، أي كنتاج إرادة الأفراد واختياراتهم، بما في ذلك، بل في مقدمة ذلك المباديء والقوانين التي تقوم عليها.
وعدم التمييز بين مفهوم الأمة بالمعنى الديني والمعنى السياسي هو الذي منع المستشار من إدراك أن الحديث عن أكثرية وأقلية دينيتين، حتى في إطار الدفاع عن مبدأ المساواة، لا معنى له في إطار المفهوم الوطني للدولة. إذ متى ما طبقت فكرة الأمة بالمعنى الحديث الذي يجعل منها التجسيد السياسي لإرادة أعضائها، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم، تساوى أفرادها امام القانون، وأصبحوا شركاء متساوين في مشروع أو شركة واحدة هي الدولة، ومنتمين لقانون هو ثمرة اختيارهم وإرادتهم الحرة، ولم تعد الاعتقادات الدينية مكانا للتعريف داخل الدولة وعلى مستواها، حتى إن استمرت محددا أساسيا على مستوى الحياة المدنية والأهلية. وتنتفي في هذه الحالة الحاجة إلى التذكير بالنسبة العددية لهذه الجماعة أو تلك إلى مجموع السكان، ولا يعود لهذه النسبة أيضا أي قيمة في تحديد العلاقة بين الفرد المواطن والدولة. فليس للمسلم أو لا ينبغي أن يكون له، في منظور الدولة الديمقراطية القائمة على المساواة في المواطنية، مزايا خاصة في علاقته بالدولة تترتب على انتمائه إلى جماعة تشكل أكثرية دينية، ولا للمسيحي واجبات مختلفة أو أكثر لأنه ينتمي إلى جماعة تمثل أقلية دينية. بمعنى آخر ليس للحديث عن أقليات واكثريات دينية أي معنى في ميدان العلاقة بين الدولة والمواطن الفرد، ولا بالتالي للكلام في المساواة بين الجماعات الدينية أو إنصاف جماعة ضد أخرى، بسبب حجمها أو موقعها، اللهم إلا على سبيل احترام خصوصية بعض الجماعات الثقافية.

2- مسألة مرجعية الدولة الاسلامية
في هذه المسألة أيضا، يبدو لي أن من الصعب جدا، انطلاقا من منطق الفكر السياسي الحديث، فهم الاستنتاج الذي يتوصل إليه سيادة المستشار عندما يكتب مثلا في نهاية بحثه:
" والحال أن الدستور عندما يؤكد على إسلامية الدولة، فهو يؤكد أيضًا على حقوق المساواة بين المواطنين جميعًا، ويؤكد الحقوق المتساوية المستقاة من مبدأ المواطنة، وهو بهذا الجمع بين النصّ على إسلامية الدولة وأن مرجعيتها هي مبادئ التشريع الإسلامي، والنصّ على المساواة بين المواطنين، إنما يكون قد اعتمد من وجهات النظر الإسلامية ما يؤكد على المساواة بين المواطنين، ويكون قد أقرّ بأن المساواة بين المواطنين هي مما يعتمده من المبادئ المستندة إلى الفقه الإسلامي. والمعروف في أصول الفقه الإسلامي أن لولي الأمر - إمامًا كان أو قاضيًا - أن يرجح من الآراء التي يسعها الفقه الإسلامي ما يرى ترجيحه، فيصير هذا الرأي هو ما يكتسب الشرعية في الحالة العينية التي رجح فيها، وذلك كله ما دامت وجوه النظر الفقهي تسع هذا النظر".
ربما كان المقصود أن دين الاسلام هو دين المساواة بين البشر، والدولة التي تعلنه مرجعا لها لا يمكن إلا أن تكون دولة مساواة بين المواطنين، بصرف النظر عن اعتقاداتهم الدينية. لكن في هذه الحالة من الذي يحدد مباديء التشريع الاسلامي ويسهر على تفسيرها، وما الذي يضمن أن لا يزوغ الفقيه الذي سيتولى تلك المهمة، إماما كان أو قاضيا، عن الحق ما دام لا يخضع لمرجعية أخرى سوى مرجعية النص الذي يملك وحده، أو يعتقد أنه يملك مفتاحه؟ وكيف يمكن أن تستقيم المساواة، بين المواطنين، مسلمين ومسيحيين ولا متدينين، إذا كانت الدولة وقوانينها مستمدة من شريعة أو ما يعتقد أنه شريعة فئة واحدة منها؟ لعل المستشار يرى في المساواة نوعا من التوزيع العادل أو الاحترام المتبادل للحقوق، وهنا حقوق الأقليات الدينية بشكل خاص. لكن ما هو الموقف من حق المواطنين من غير المسلمين في المساهمة في صوغ قوانين البلاد وتشريعها؟
من الواضح أن طارق البشري لا يأخذ تماما بالنظرية الفقهية التقليدية التي تقر بمشاركة غير المسلمين في قضايا التنفيذ والتفويض، مع الاحتفاظ بقضايا التشريع أو بكل منصب يتضمن التشريع، حكرا على المسلمين. لكن الأسلوب الذي يختاره لتجاوزها، وإن نجح في الالتفاف على الاعتراضات القديمة، إلا أنه يعجز عن تلبية حاجات بناء منطق مواطني جديد. فهو يبيح ولاية المرأة وولاية غير المسلم في المناصب التشريعية، انطلاقا من التأكيد على أن الشخص لم يعد هو صاحب القرار في الدولة الحديثة وإنما هو يعمل ضمن مؤسسة، تضبط عمله وتتحكم هي نفسها بقراره، وبالتالي فلا حرج في أن يتولى المسؤولية العليا في هذه المؤسسات، غير مسلم. لكن هذا التخريج الفقهي الجميل لا يستقيم في الواقع إلا إذا كانت هناك ضمانة في أن تبقى المؤسسات خاضعة للإسلام أو محكومة بمنطق الشريعة الاسلامية. وهذا هو هدف التاكيد على المرجعية الاسلامية للدولة، وفي ما وراء ذلك، العداء غير المفهوم في نظري لمفهوم علمنة الدولة، أو إخضاعها لإرادة مواطنيها من دون فرض التزام ديني أو عقائدي عليها. وهذا يشبه ما كان عليه الامر في النظم الشيوعية أو القومية المرتبطة بثوابت تحد من سيادة الشعب وتؤطر قراراته ضمن صيغة لا تفيد إلا من يضعون انفسهم في موقع الوصاية على الدولة والشعب، أعني حماية العقيدة ونقاءها.
يبدو لي أن هناك مشكلة لا يمكن حسم مسألة المرجعية الاسلامية، أي علاقة المسلمين بالدولة، والعرب منهم بشكل خاص، من دون الاجابة عنها. وهذه المشكلة تنبع من الشعور السائد عندنا نحن المسلمين بأن كوننا أكثرية من السكان يرتب لنا حقوقا على الدولة، أو يعطينا الحق في حيازة حصة أكبر منها، وبشكل خاص في ما يتعلق بالمرجعية والتشريع. كما لو كانت هناك حقوق إضافية للأغلبية الدينية تمكنها من المطالبة بجعل دينها مرجعية للدولة. وهو ما يؤدي حقيقة إلى قطع الطريق تماما على بناء مفهوم الدولة والجماعة السياسية.
والحال إن الأغلبية الوحيدة المعترف بها رسميا في الدولة الحديثة هي الأغلبية السياسية. على الأغلبية الدينية أن تعبر عن نفسها عبر الأغلبية السياسية لا أن تفرض نفسها عليها من خارجها. هذه هي قاعدة العمل في الدولة الديمقراطية. ولكل دولة قاعدة عمل. لا يمكن وضع قاعدة الأغلبية الدينية والأغلبية السياسية معا. هذا يخلق تناقضا لا يمكن تجاوزه، هو ما نعيشه ويحرمنا من التقدم. علينا أن نقر بقاعدة الاغلبية السياسية التي لا تعني أبدا نفي الأغلبية الدينية، وإنما تمييز إطار التعبير عن كل منهما: السياسية في الدولة وفي كل ما يتعلق بالعلاقة معها، والدينية في المجتمع وكل ما يتعلق بالهداية الروحية والتربية البشرية والصراع على حقل الثقافة وتكوين الوعي وتسويد القيم الاجتماعية. فميدان الدين هو الجدال، أي الوعي والعقل والروح، لأن الدين يخاطب الإنسان والعقل، وميدان السياسة هو الأصول الإجرائية والقانونية التي يقوم عليها النظام العام، والتي تهدف إلى تنظيم أمور الهيئة الاجتماعية الاعتبارية، والسهر على شؤونها، والعناية باستقرارها وتقدمها وازدهارها.
لا يمكن للمسلمين أن يطالبوا بحقوق إضافية أو بمزايا خاصة للأغلبية الدينية في إطار علاقتهم بالدولة، إذا كانوا يريديون بالفعل دولة ديمقراطية، قائمة على علاقة بين مواطنين أحرار، ومكونة لحريتهم ومساواتهم أو لمواطنتهم معا. وليس من المنطق أيضا أن يسعوا إلى ذلك بينما هم أغلبية تتمتع بحكم الواقع بمزايا الأغلبية، وتفرض حتما، ومن دون اختيار، ثقافتها ورموزها وأذواقها على المجتمع ككل. من يحتاج إلى اتخاذ احتياطات، وربما المطالبة بمزايا خاصة أو باستثناءات، هي الأقلية الدينية أو القومية. ولا يمكن لمطالبة الأغلبية بمزايا فوق ما يقدمه لها وزنها العددي النسبي منها، إلا أن يفسر على أنه محاولة لقطع الطريق على مطالبة الأقليات بحقوقها المتساوية، أي على نشوء مواطنية متساوية وحرة بالفعل، بعيدة عن أي إكراه. في إطار نظام سياسي يعتمد قاعدة الأغلبية السياسية ويأخذ بالديمقراطية والمساواة بين أبناء الدولة جميعا، تعمل هذه النزعة بعكس المطلوب. أقصد أن من المفروض أن تقدم الأغلبية الدينية أو القومية التي لا خطر على هيمنتها الثقافية، هي نفسها، ضمانات تطمئن الأقلية الدينية أو القومية وليس العكس.
متى ما نظرنا إلى الأمة بالمعنى السياسي وصرفنا النظر عن التميزات الدينية والإتنية، لم يعد هناك معنى للحديث عن مرجعية إسلامية. فالاسلام مرجعية الجماعة المسلمة والمسلمين، بصرف النظر عن صفتهم كمواطنين، وعن الدولة التي هم مواطنون فيها، أو بالإضافة إلى مواطنيتهم، التي لا ينبغي أن يزيدها الانتماء لدين ولا ينقص منها الانتماء لدين آخر قوة أو قيمة. لكن مرجعية الدولة لا يمكن أن تكون سوى الشعب، أي مجموع الأفراد المنضوين تحت لواء الدولة، والمسؤولين عن تسييرها والمشاركة في صوغ تشريعاتها وتطبيق قوانينها. وهذا هو معنى العبارة : الشعب مصدر السلطات، وإليه يكون الرجوع حتما، عبر الانتخابات والاستفتاءات، كلما تعرض المجتمع لأزمة، أو حصل اختلاف في تفسير القوانين والنصوص. والحديث عن مرجعية إسلامية مسبقة تحدد سقف الحرية والعدالة والمساواة في الدولة يعنى وضع شرعية أخرى إلى جانب الشرعية الديمقراطية المتمثلة في إرادة الناخبين وقبولهم، هي الشرعية الدينية التي لا يمكن أن تتحقق من دون وصاية فقهية تحدد، كما هو الحال في الجمهورية الاسلامية الايرانية اليوم على سبيل المثال، تطابق قوانين البلاد المشترعة في المجلس النيابي مع أحكام الفقيه الولي أو الوصي، أي مع إرادة المرشد العام للثورة او للدولة.
وبعكس ما يعتقد أصحاب نظرية مرجعية الدولة الاسلامية، لا تكمن المشكلة الرئيسية في هذه النظرية في تحويلها غير المسلمين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، أو في ما يمكن أن تسببه من انتقاص في حقوقهم وتمثيل مصالحهم، وإنما، أخطر من ذلك، في قطع الطريق على نشوء علاقة مواطنة فعلية، وإجبار المسلمين على التصرف باعتبار كل فرد منهم عضوا في طائفة دينية، قبل أن يكون مواطنا حرا وعضوا في دولة ، أي حرمان المسلمين أنفسهم من صفة المواطنين، وتحويل الدولة إلى زعامة قبلية. فما يميز الطائفة عن الجماعة الدينية هو بالضبط قيامها على مبدأ العصبية الذي لخصه القدماء في عبارة قوية : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، أي إلى ما يشبه القبيلة التي تتصرف بدافع التضامن العصبي ضد قبائل أخرى. فيصبح مصير المسلم وتفكيره مرتبطين بمنطق الدفاع عن العصبية القبلية التي تمثلها جماعة لم يعد فيها أحد يحتكم إلى العقل ولا يستند في سلوكه إلى مباديء الايمان وقيم الدين الأخلاقية والإنسانية، وإنما إلى مصلحة الطائفة ومكانتها وموقعها في الدولة. إن مشكلتها كامنة في تجريد المسلم نفسه من حقوقه في أن يكون فردا حرا ومستقلا ومجتهدا في الدين وفي السياسة معا، من دون كنيسة ومن دون كهنوت ومن دون زعامة دينية طائفية مفترضة، وبالتالي في مصادرة إرادة المسلمين كأفراد من أجل تكوين زعامة عصبية تحكم باسمهم في إطار الصراع على الموارد وتوزيع الحصص في دولة فرغت من مضمونها، وأصبحت ضحية تفاهم زعماء الطوائف ونزاعاتهم الأبدية، على مثال ما هو قائم في لبنان وما يراد له أن يقوم بالقوة والعنف في العراق.
من هنا لا ينبع الاعتراض على فكرة مرجعية الدولة الاسلامية من اعتراض على الدين نفسه، ولا على مكانته الاجتماعية أو هيمنته الثقافية والفكرية، ولا على حق الأكثرية المسلمة في تسويد قيمها وأسلوب حياتها حيث هي أغلبية، وإنما من الاعتقاد بأن استقلال الدولة عن جميع الزعامات والقيادات الدينية والفلسفية، وارتفاعها عن التدخل في الشؤون الروحية، في أي صورة جاءت، باستثناء تمكين أصحاب الأديان من ممارسة عباداتهم واعتقاداتهم بحرية، وتوفير وسائل هذه الممارسة المادية والمعنوية، هو شرط نشوء رابطة جديدة بين أعضاء المجتمع المكون من مذاهب واديان واعتقادات مختلفة ومتعددة ومتباينة حتى داخل الدين الواحد، هي رابطة الوطنية التي تجمع الأفراد، عبر الطوائف والمذاهب جميعا، وتؤلف منهم شعبا واحدا. ووسيلة هذا الجمع وذاك التأليف هي بالضبط تكوين المواطنية التي تعبر عن ضمان مكانة واحدة للأفراد كافة، مرتبطة هي نفسها بإقرارهم لبعضهم البعض حقوقا واحدة، يترتب عليها مسؤوليات واحدة وواجبات متساوية أيضا. وفي هذه المساواة في الحقوق والواجبات على مستوى العلاقة بالدولة والسياسة، يعاد بناء الفرد كمواطن، ويتم تجاوز تمايزه على مستوى المجتمع المدني كمؤمن أو صاحب اعتقاد مختلف وعضو في جماعة أهلية متميزة. من دون بناء هذه الرابطة الموحدة من خلال مفهوم المساواة في الحقوق والواجبات، لا يمكن الخروج من نزاعات المجتمع الأهلي واختلافاته وتمايزه، ولا بناء دولة أمة ومواطنية.
بديل ذلك سيكون بالضرورة إما الفوضى والنزاع الدائم بين طوائف وقبائل لا رابط بينها، لأنها لم ترتفع إلى مستوى المبدا السياسي، أو حكم الطائفية أو القبلية أو المافيا النابع من نجاح إحدى الجماعات الأهلية الخاصة في اختطاف الدولة، التي نشات في السياق التاريخي الخاص لنزع الاستعمار، والسيطرة عليها واستخدامها كأداة وآلة لإخضاع الطوائف والقبائل والجماعات الأهلية المتفرقة الأخرى، وفرض الإذعان عليها، واستعبادها لتحقيق مصالح خاصة أو مآرب وأمجاد شخصية لزعاماتها.
مهما أجرينا من تعديل على الصيغة الأساسية للايديولوجية الاسلاموية، لن يكون من الممكن تحويل الاسلام، وهو رابطة دينية واعتقادية أصلا، إلى أساس لرابطة سياسية تجمع بين المسلم والمسيحي والبوذي وغير المؤمن. بل ليس من الممكن في نظري، مهما خففنا من مطالب هذه الدعوة ومن مغالاة أصحابها أو بعض أصحابها، إعادة بناء الرابطة الإسلامية المفككة، أي إحياء الجماعة الدينية، انطلاقا من تأكيد المرجعية الإسلامية للدولة والدعوة لها، ولا تجاوز التمايزات والاختلافات المتفاقمة بين أبنائها بسبب تباعد مصالحهم الاجتماعية وتباين انتماءاتهم السياسية وتعدد ولاءاتهم الفكرية وتطلعاتهم الفردية والجمعية. ولن تكون نتيجة هذه المحاولات والمساعي النبيلة سوى إضاعة فرصة بناء الرابطة السياسة ودولة المواطنة، وإضعاف قدرة المسلمين على مواجهة مخاطر الانقسام والاختلاف الديني والمذهبي وما يقود إليه من توسيع دائرة الفتنة والاقتتال في ما بينهم، كما هو قائم اليوم في أكثر من قطر من أقطارنا.