mercredi, septembre 12, 2007

الاستقطاب السياسي العربي بين المعارضة والموالاة

الاتحاد 12 سبتمبر 07
الرأي العام العربي ضائع ومحتار بين فريقين يتنازعان وينشران الحرب الأهلية في أكثر من مكان : أصحاب الممانعة الذين يقدمون أنفسهم حماة الاستقلال و السيادة والكرامة العربية، في مواجهة ضغوط الدول الغربية ومشاريعها الاستعمارية، وأصحاب الموالاة الذين يعتقدون بأن التعاون مع الدول الغربية والتعاون معها هو الشرط الضروري إن لم يكن الوحيد لضمان الأمن والاستقرار وجذب الاستثمارات اللازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
يطبع هذا الاستقطاب العلاقات العربية على مستويات متعددة ومتداخلة. فهو يشق مجموعة الدول العربية ويوزعها على محورين متخاصمين ومتنازعين، محور دول الممانعة الرافضة لإملاءات الغرب أو المناوئة له، ومحور دول الموالاة للغرب والتي تعتمد عليه في ضمان أمنها واستقرارها وفاعلية سياساتها ومستقبلها.
ويطبع كذلك العلاقات داخل المجتمعات العربية نفسها، ويقسمها بين أكثرية شعبية تميل إلى موقف الرفض والممانعة، مكونة من الاسلاميين والقوميين والقوميين الجدد وما بقي طافيا على السطح من يساريين ماركسيين، وأقلية من أنصار التعامل مع الواقع، تربط بقاء الدولة نفسها باستمرار التعاون مع المنظومة الدولية وتجعل منه ضرورة للوقوف في وجه انتشار الفوضى الزاحفة.
هذا هو الوضع في فلسطين التي يمزقها الصراع بين فتحاويين "تسوويين" وإسلاميين فقدوا أي أمل بالحلول السياسية والتسويات، إلى درجة لم يترددوا عندما اضطرتهم الظروف إلى الانفراد بحكم جزء من البلاد وإقامة ما يشبه الدول المستقلة الخاضعة لقوى الممانعة والاستقلال والجهاد. وهم يتعرضون من أجل ذلك ويعرضون سكان غزة وأكثر من ذلك، خيار المقاومة نفسه ونموذجه، إلى أقسى إمتحان. وليس وضع أنصار التسوية والمفاوضات الدولية من الفتحاويين والموالين، الذين استفردوا أو في طريقهم إلى الاستفراد بحكم الضفة الغربية، أفضل كثيرا من ذلك.
وهذا هو الوضع في لبنان الذي ينقسم أبناؤه مناصفة تقريبا بين من ينسبون أنفسهم إلى صف الموالاة، متهمين بالتبعية لأمريكا والتنسيق معها، ومن يقفون في صف الممانعة ومتابعة النزال، مدعومين بسورية وايران.
وهذا هو الوضع أيضا في العراق الذي يحصد أرواح أبنائه الصراع الدامي بين المتعاونين مع الاحتلال والرافضين له من السنة والشيعة على حد سواء
وهذا هو الوضع في الدول العربية الأخرى التي تتنازع فيها قوى إسلامية قومية أكثرية معادية عموما للغرب، وقوى رسمية متحالفة عموما معه أو تابعة له. يستثنى من ذلك سورية التي تبنت فيها السلطة خط الممانعة من دون أن تقطع الأمل باستعادة موقعها في معكسر الاعتدال، وقطر التي تتبنى، بالقدر نفسه من القوة والحماس، خط الممانعة (القومية) وخط الموالاة (الأمريكية الاسرائيلية
بالتأكيد لا يقود هذا الاستقطاب تلقائيا إلى اندلاع الحرب الأهلية في كل مكان. بيد أنه يخلق جميع الشروط السياسية والنفسية التي تخلد النزاع وتجعله قابلا للاشتعال في أي لحظة.
لا يمكن الفصل بين هذا الاستقطاب العربي والاستقطاب الإقليمي. فبعد الانقسام الذي عرفته مجتمعاتنا على قاعدة الصراع بين الغرب الامبريالي والشرق الشيوعي، حليف حركات التحرر الوطني وممولها، ها نحن نتكيف من دون مقاومة مع الاستقطاب الإقليمي الجديد الذي أحدثه صعود القوة الاستراتيجية الايرانية في إثر انهيار الاستراتيجية الأمريكية الشرق أوسطية.
لا يعني هذا، كما تحاول أن يوحي بذلك خصوم المقاومة والممانعة، أن ايران هي التي خلقت هذا الاستقطاب وتستخدمه. ولا أن الانقسام الايديولوجي بين إسلاميين وعلمانيين، من صنع الثورة الايرانية ونتيجة لها. فايران السياسية هي نفسها مقسومة مثلنا بين من يدعو لسياسة الاصلاح والتفاهم مع الغرب والاعتدال في رسم الأهداف القومية والاجتماعية المنشودة، في هذه الحقبة على الأقل، ومن يدعو لسياسة التشدد القومي وتحدي القوى الغربية ومواجهتها. لكن بعكس ايران التي تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلالية تسمح لها ببلورة أجندة قومية خاصة بها، تتحرك المجتمعات العربية، بسبب الوزن النوعي الضعيف لمجتمعاتنا السياسية، وتستجيب كالريشة لأي تغير بسيط في ميزان القوى الدولية والإقليمية. ولهذا بينما يتخذ الصراع في ايران شكلا سياسيا يتنافس فيه خطان استراتيجيان على القيادة، في إطار نزاع لا يخرج عن السيطرة عموما، ولا يعطل مبدأ التداول السلمي على السلطة، تظهر المجتمعات العربية عجزا ملفتا في استيعاب هذا الاستقطاب داخل الأطر والمؤسسات السياسية، وقصورا كبيرا عن درء مخاطر النزاع والحرب الأهلية النابعة من القطيعة المتفاقمة داخل صفوف النخب السياسية.
سبب ذلك في نظري هو اهتراء الفكرة الوطنية ومعها مفهوم المسؤولية والمصلحة العموميتين اللتين تضبطان سلوك الأطراف المتنازعة وتمنعانه من الانفلات. هذا ما يفسر اندفاع أي طرف إلى التمادي في تأكيد موقفه وخياراته، من دون اعتبار لموقف الطرف الآخر، ومن دون حساب للنتائج. كما يفسر السهولة التي تقبل الأطراف المتنازعة فيها التحالف مع القوى الأجنبية على حساب الوحدة الوطنية وضد خصومها المحليين. فلا تكمن السياسة الوطنية في نظرها في البحث عن القاسم المشترك الذي يضمن إجماع الجمهور أو توافق الأطراف، وإنما في ما يعتقد كل طرف، من وجهة نظره، أنه الحقيقة والصواب، دون اعتبار لموقف الطرف الآخر ورد فعله ومصالحه. وهكذا صار لكل طرف مفهومه للوطنية الذي لا يناقش. وانتقل النزاع من نزاع على الخطوط السياسية والاجتماعية داخل الوطنية الواحدة إلى صراع بين وطنيات وأمم متنابذة ومختلفة في رؤاها السياسية والاستراتيجية والثقافية جميعا.
والحال لا توجد وطنية خارج إطار الألفة السياسية ومفهومها ومبدئها. وإذا فقدت جماعة قدرتها على التوصل إلى قاسم مشترك أدنى، لا غنى عنه في بناء أي جماعة سياسية، زالت البنية الوطنية. من هنا يبرز التحالف الموضوعي بين قطبي التطرف في الممانعة والموالاة وتعايشهما. فلا يخدم التطرف في الممانعة والمواجهة، إذا قام على تحدي مواقف الأطراف الأخرى ورفض أخذ مصالحها الحيوية بالاعتبار، الفكرة الوطنية أكثر مما يضرها الالتحاق بالسياسات الأجنبية. ولا ينبع، إذا حصل، من الحرص على مصالح وطنية عامة أو على تأكيدها. فكلاهما، الممانعة التي لا تهاب الانقسام، والتبعية التي تستهين بالسيادة والاستقلال، يتشاركان في خيانة الفكرة الوطنية، مبررا كل منهما خطأه بخطأ الآخر. والواقع أنهما يعكسان كلاهما البحث الأعمى، في إطار انهيار الفكرة الوطنية، عن مصالح خاصة، ولو في اتجاهات وبوسائل مختلفة، فيكثر الممانعون حيث تضعف فرص التعاون مع الغرب أو إمكانية التفاهم معه، ويكثر الموالون في كل الحالات الأخرى، حيث لا توجد وسيلة أفضل للوصول للسلطة والثروة والجاه، أو الاحتفاظ بها، من التعاون مع الدول الكبرى الغالبة والعمل في خدمتها.

mardi, septembre 11, 2007

حول المجتمع المدني

حوار نادية أبو زاهر
1- يوجد جدل فكري كبير حول مفهوم المجتمع المدني، فرغم رواج هذا المصطلح ووجود العديد من المؤلفات التي تعالجه إلا أنه يُعتبر من أكثر المفاهيم خلافية التي لا يوجد اتفاق حول تعريفه ومكوناته ومقومات وجوده والدور الذي من المفترض أن يلعبه، الأمر الذي أدى إلى فوضى في معانيه. برأيك لماذا كل هذه الفوضى حول المفهوم؟
غليون:
ببساطة لأن المفهوم مخلوق تاريخي، يظهر ويتطور ويغتني بالمعاني والمضامين ويتحول ويموت أيضا. وهو لا ينفصل في استعماله عن السياقات التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ترافق استخدامه من قبل هؤلاء وأولئك. وهذا هو وضع جميع المفاهيم المرتبطة بالعلوم الاجتماعية بشكل خاص. وقد استخدم فلاسفة القرن التاسع عشر وعلى رأسهم هيجل مفهوم المجتمع المدني بمعنى مختلف عما استخدمه غرامشي في مطلع القرن العشرين، وعما سيستخدم به في أواخر القرن العشرين، ثم عن استخدامه اليوم في عصر العولمة. وما نعطي للمفهوم من معنى يرتبط بالحاجات الاجتماعية التي استدعت استحضاره في هذا المجتمع أو ذاك وفي هذا السياق أو ذاك، كما يرتبط بطبيعة الفاعل المجتمعي الذي يتداوله ويوظفه في بناء رؤيته أو تحديد غاياته. لا ينبغي إذن ان نستغرب اختلاف الناس في تعريف المفهوم نفسه أو تحديد مضمونه، ولا في ألا تكون للمفاهيم، بالرغم مما يبدو عليها أحيانا من أهمية مركزية في بلورة فكر أو سياسة ما، من غموض وتشويش. هذا تعبير عن حياتها وكثرة استدعاءاتها من قبل الفاعلين الاجتماعيين واختلاف مطالب هؤلاء ومصالحهم. باختصار، إن اختلاف التعريفات وأحيانا تضاربها هو انعكاس للنزاع حول استملاك المفهوم من قبل الفاعلين المختلفين، سواء أكان ذلك بسبب تنوع مشاربهم واختلاف منظومات قيمهم وثقافتهم، أو بسبب تباين المصالح والغايات، مما لا يخلو منه أي مجتمع إنساني.

2- تعتقد بأن ما يمكن أن يُطلق عليه مجتمعا مدنيا في العصر الحديث يضم مكونات مثل الجمعيات والنقابات والتكوينات العشائرية والطائفية والقبلية والعائلية، والثقافة والأخلاق والعادات والتقاليد، ويأخذ بعض الكتّاب عليك هذا الأمر معتبرين بأنه لن يعود هناك أي مكونات أخرى في المجتمع غير تلك الموجودة في المجتمع المدني في هذه الحالة، برأيك هل يوجد فرق بين مكونات "المجتمع" عن مكونات "المجتمع المدني"، وأين سيكون الفرق بينهما في هذه الحالة؟

غليون:
انتقدت بالفعل في بعض كتاباتي القديمة أؤلئك الذين يسعون، من خلال التركيز على الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، إلى إقصاء بعض التنظيمات الاجتماعية الفاعلة في الحياة المدنية وحرمانها من الشرعية بحجة أنها لا تحترم القيم والمباديء الحديثة التي يستند إليها نشوء المجتمع المدني. وكان هدفي أن لا يتحول هذا المصطلح إلى أحد أدوات الصراع الايديولوجي بين التحديثيين والتراثيين الاسلاميين. لكنني لم أكتب أبدا أن التنظيمات العشائرية والقبلية والعائلية تشكل جزءا من المجتمع المدني.
لكن بما أنك تطرحين السؤال، أعتقد أن هناك حاجة للتفكير الجدي بهذا الموضوع.
حسب المصطلح القديم، يغطي المجتمع المدني تلك النشاطات التي تميز حياة الفرد، الخاصة، في مقابل النشاطات والأطر التي تتعامل معه بوصفه جزءا من كل عام، أي الدولة. ولذلك تحدث هيجل عن المجتمع المدني من حيث هو تجسيد للنشاطات الاقتصادية والعائلية وغيرها التي تعبر عن مجال بحث الناس، كأفراد ومجموعات، عن مصالحهم الخاصة، وهذه هي غاية المجتمع المدني ومنطقه، في مقابل ما يميز عمل الدولة من تجسيد لمصلحة عامة أو عليا، تتجاوز الفرد ومجموعات المصالح الخاصة ولا تتداخل معها. ولذلك وضع هيجل بالفعل المجتمع المدني كمفهوم للخاص في مقابل الدولة كمفهوم للعام والعمومي في إطار التطور السياسي والمدني الحديث. وطور غرامشي تحت تأثير الماركسة هذه النظرة بالعلاقة مع مفاهيم الثقافة والهيمنة الخاصة به. ولم يستبعد العائلة ولا الكنيسة أيضا من المجتمع المدني. وهي ليست مؤسسة حديثة ولا تقوم على القيم السمتمدة من الحداثة.
والواقع أن هذه الروابط والتشكلات العشائرية والعائلية والطائفية كما كانت قائمة في الماضي لا يمكن إدراجها تحت مفهوم المجتمع المدني، لأن وجود هذا المجتمع نفسه هو ثمرة لنشوء النظام الحديث أو الدولة الحديثة، وما نجم عنهما من انفصال فعلي وحاسم بين مجال الخاص ومجال العام. وهو ما لم يكن قائما في النظم المجتمعية التقليدية. ولذلك كانت هذه الروابط والتنظيمات تشكل في الماضي جزءا من الدولة التقلدية وبطانة لها، وما كان من الممكن دوام هذه الدولة السلطانية من دونها.
لكنني أعتقد أن من الضروري التمييز بين هذه الروابط كما كانت قائمة في الماضي، وبين الدور الذي كانت تلعبه، وبين ما تمثله وما تقوم به من دور في مجتمعاتنا الراهنة. فهي لم تعد اليوم جزءا من نظام مجتمعي عام، تحدد فيه وظائفه وبنياته، وإنما أصبحت تندرج في نظام مجتمعي او نظام دولة حديثة عموما، مما غير كثيرا من بنيتها وطبيعة عملها ووظائفها. بل يمكن القول إن ما نشهده الآن في هذا السياق هو إعادة تشكيل هذه الروابط وانماط التنظيم الأهلي القديمة على ضوء الحداثة الزاحفة تكيفا أو رفضا. وفي الحالتين فهي تلعب أدوارا لا علاقة لها بالأدوار القديمة التي كانت تلعبها في النظام الاجتماعي. ويقوم الفاعلون الاجتماعيون الحديثون، من نخب متنافسة حديثة وفئات اجتماعية وجماعات قومية أيضا بتوظيفها لتأدية خدمات تدخل في نطاق الصراعات الاجتماعية والقومية والثقافية التي تميز نشوء الدولة الحديثة وترافق توطينها في البلدان الناشئة.
وعندما نقول إنها ليست استمرارا بسيطا أو امتدادا للماضي في الزمن الحديث ولكن إعادة بناء وتشكيل، استفاد من هذا الفصل، النسبي هنا، بين مجال العام والخاص، وأصبح يشكل جزءا من حقيقة مجال الخاص أو غير الرسمي في مجتمعاتنا. لقد أصبحت تعبر عن الشكل الانتقالي الذي اتخذه تشكل المجتمع المدني في إطار حداثة متعثرة، لا تزال هي نفسها في مرحلة انتقالية، بل في أزمة تخبط عميقة لأسباب ليس هنا مجال ذكرها. وهذا يعني أننا إذا رفضنا، بسبب عدم تطابق بنيتها مع ما يشكل بنية مثالية أو نموذجية للمجتمع المدني الناشيء في حجر دولة ديمقراطية حديثة، أن ندرج دراستها ضمن دراستنا لتشكيلات المجتمع المدني، أي أشكال تنظيم هذا المجتمع لمصالحه الخاصة، بمعزل عن الدولة وبإزائها وبموازاتها معا، لن نفهم حقيقة المجتمع الذي نعيش فيه ولا التناقضات العميقة التي تخترقه وتضعف إرادته، بل تكاد تجعله عاجزا عن القيام بدوره في كبح جماح تفرد السلطة العمومية واكتساحها له. ورفضنا الاعتراف بها، أو التبخيس من قيمتها واعتبارها مجرد امتداد للماضي لا يشكل خطأ مهجيا علميا فحسب وإنما خطأ سياسيا كبيرا أيضا، لا بد أن ينعكس في ممارسة النخب الاجتماعية الحديثة، وقد انعكسس بالفعل على شكل تبرير للاستبداد والديكتاتورية. والحال، وهذه هي أطروحتي، ليس هذا التشكل الهجين للمجتمع المدني إلا تعبيرا عن انسداد آفاق الحداثة، وربما خيانتها أيضا من قبل هذه النخب الحديثة، أي خيانة مبادءها للمحافظة على سلطة احتكارية تدمج بين السياسة والعقيدة، تماما كما يمزج المجتمع بينهما على صعيد التنظيمات المدنية. ومن هنا، أنا أعتقد أن تعثر مشروع الحداثة نتيجة لذلك، بما يعنيه من ندرة الرأسمال الرمزي المرتبط بها، أو هدره من قبل لم تستبطن قيم الحداثة السياسية ولا أفكارها، قد دفع الأفراد إلى إعادة تنظيم أنفسهم، في مواجهة الدولة والنخبة المستبدة، أو بالأحرى الدولة النخبة، في إطار روابط، سياسية أو خيرية أو اجتماعية أو أحيانا إقتصادية، تستخدم إلى حد كبير ما تبقى من رأسمال رمزي قديم، وتعيد إحياؤه. لكنها لا تقوم في الواقع إلا بتوظيفه لبناء تنظيمات ذات وظائف ومهام جديدة تماما.
ولا ينبغي أن نستهجن ذلك. فقد حصل شيء من ذلك أيضا في المجتمعات الصناعية وإن كان على نطاق أضيق بكثير لم يؤثر على طبيعة عمل المجتمع المدني الحديث الرئيسي. فالصليب الأحمر منظمة مجتمع مدني حديثة، بالرغم من توظيفها للأفكار والمشاعر الدينية التقليدية، وهي أيضا جزء لا يتجزأ اليوم من منظومة التضامن الاجتماعي والعالمي المرتبطة بالنظام العالمي الحديث، لا وسيلة لنشر المسيحية أو تعزيز سلطة البابوية والكنيسة.
بيد أن الأمر اتخذ في مجتمعاتنا أبعادا لا تقارن ، نظرا لأن صيغة استثمار الرأسمال الرمزي الماضي، والديني منه بشكل خاص، امتد ليشمل الجزء الأكبر من تنظيمات المجتمع المدني، أي من تلبية حاجات التنظيم الذاتي للمجتمع: في وجه الدولة (في حالة استبداديتها)، وبموازاتها ودعما لجهودها (في حالة وجود حياة ديمقراطية سليمة). ولهذا لا يقتصر تشكيل الروابط المدنية عندنا على الجمعيات الخيرية، وهي تقريبا الوحيدة الفاعلة والنشيطة في تأمين التضامن والتكافل الاجتماعي، وإنما تجاوز ذلك نحو الروابط السياسية والثقافية والاجتماعية معا.
يخلق هذا الوضع بالضرورة مفارقات وتناقضات وبؤر توتر كثيرة وأحيانا متفجرة في المجتمعات العربية، بما في ذلك داخل المجتمع المدني ومنظماته أيضا. فالحدود الفكرية والرمزية التي يفرضها بناء روابط المجتمع المدني على مصادر رمزية دينية غالبا ما يضع العمل المدني في طرق مسدودة، أو في تناقضات ذاتية، أو في ما بينها، أو مع المجتمع المدني الدولي، تؤثر لا محالة على اتساق عملها العام، وتقلل من قدرتها على تحقيق المهام المطلوبة، وتشوش على مسار الحداثة الاجتماعية نفسه. لكن بعكس ما يعتقد الكثيرون ، لا ليس التحجر الفكري أو الديني، ولا صلابة التقاليد والعقائد الروحية، هو الذي يفسر تنامي وزن هذه الروابط المدنية الجديدة، المبنية على قواعد تقليدية. إن ما يفسره هو الفراغ الذي يتركه تراجع الدولة الحديثة أو فسادها أو استبدادها من جهة، ولكن أكثر من ذلك، وهذا ليس مفارقة، الفراغ الذي يخلقه أيضا تحلل العصبيات الحقيقية تحت تأثير التحديث ونمو الفردية، وما يعنيه من تراجع فاعلية نظام القرابة العائلية وانهيار الأخوة الدينية الساذجة القديمة.
لا ينبغي أن نفهم من فكرة وضع هذه الروايط ضمن مقولات المجتمع المدني أن علينا أن نكرسها أو نعتبرها أمرا طبيعيا. بالعكس إن هدفها هو إظهار الطبيعة الانتقالية والمتعثرة معا لمسار الحداثة الذي تعرفه مجتمعاتنا، وللتوليفات المعقدة التي ترافق هذا التعثر. فهي تشكيلات هجينة ومؤقتة، تعكس الازمة التي تعيشها هذه المجتمعات، والتناقضات والتوترات العميقة التي تخترقها، على صعيد الدولة والمجتمع المدني من جهة، وداخل كل منهما أيضا. فكما أن عملية الفصل بين مجال العام ومجال الخاص لم تكتمل، فإن الفصل بين الروابط الأهلية، أو العصبيات الجماعية، والروابط المدنية القائمة على اختيارات طوعية للأفراد تعكس قيم الفردية والمسؤولية والاستقلال، يبقى هو نفسه محدودا ومشوشا. لكن هذا هو مجتمعنا المدني اليوم، وتشوش نظمه ومؤسساته وبنياته هو مصدر من مصادر التخبط الفكري والسياسي والاجتماعي الذي نعيشه: على حافة الحداثة من جهة وفي مستنقع التقليد أو خرابه من جهة أخرى.

3- هناك بعض الكتّاب الذين يميزون بين مصطلح "المجتمع المدني" ومصطلح "المجتمع الأهلي" لكن بالنسبة إليك لا تميل للتمييز بين المصطلحين معتبرا بأن هذا التمييز وسيلة لإنكار شرعية وجود التكوينات والعادات والقيم القبلية أو الطائفية، ويمنع من فهم طبيعة القوى الفعلية التي تحرك المجتمع كمجتمع مدني، وبالتالي من رؤية المهمات التي ينبغي على السياسة في المجتمعات العربية أن تعالجها وتقدم إليها الحلول. برأيك إلى أي درجة استطاعت المجتمعات المدنية العربية، إن كانت موجودة، القيام بدورها؟

غليون:

أعتقد أنني أجبت على الموضوع في الجواب السابق عموما. لكن في ما يتعلق بما إذا كانت المجتمعات المدنية العربية قامت بدورها ام لا، فإن الجواب هو أنها، رغم الطبيعة الشاذة أو الهجينة التي تميزها، تقوم بأدوار كثيرة وعديدة، خيرية اجتماعية، وسياسية محسوسة، ورمزية غير محسوسة عموما مثل تقديم خيارات للتماهي أو بناء هوية، مهما كانت وهمية وهشة وضيقة الأفق أحيانا، إلا أنها تحمي الأفراد من العزلة القاتلة. لكنها لا تقوم بالتأكيد بالأدوار التي نريدها أن تقوم بها في سبيل الخروج من الأزمة الراهنة التي تعيشها المجتمعات، وربما كانت تعمل على تكريسها. هذه هي مشكلتها الأولى. كما أن الثمن الإنساني والسياسي لهذه الخدمات مرتفع جدا بالمقارنة مع ما يمكن للمجتمعات المدنية السليمة والصحيحة البنية أن تقدمه لمجتمعاتها.

4- بعض الكتّاب لا يشترطون العلمانية لوجود المجتمع المدني فيما أن بعضهم الآخر يرى بأن العلمانية شرط لوجوده، إلى درجة أن اعتبر بعضهم بأن العلمانية والمجتمع المدني وجهان لعملة واحدة، ما رأيك حول هذا الجدل بين الكتّاب وأين تقف من هذا الشرط الذي يشترطه بعضهم؟ ولماذا يضع بعض الكتّب هذا الشرط لوجود المجتمع المدني بينما لا يشترطه آخرون؟

غليون:
بمعنى ما نعم، العلمانية، أي التجرد عن العصبية الطائفية والقبلية، هي شرط لبناء مجتمعات مدنية سليمة وصحية، أي منسجمة مع الدولة الحديثة المواطنية ومتكاملة معها. هذا هو الوضع المثالي الذي ينبغي أن ننزع إليه ونتجه لإقامته. لكن ما ذا نفعل إذا جاءت الوقائع التاريخية بمجتمعات مدنية مشوهة أو نصف مشوهة، نصف علمانية ونصف طائفية؟ هل نعدمها أم نسعى إلى إصلاحها والحد أكثر ما يمكن من أثارها السلبية؟ هل نغلق مثلا الجمعيات الخيرية المرتبطة بالطوائف الدينية المسيحية والإسلامية، لأنها لا تقوم على رؤية مواطنية إنسانية، ونحرم الناس من فوائدها، أم نأخذ ذلك بالاعتبار ونشجعها على الانفتاح وتجاوز عصبياتها الضيقة، ونسعى في الوقت نفسه إلى ملء الفراغ ببناء جمعيات خيرية تخترق الطوائف والقبائل والعائلات، أو على الأقل نضع السلطات العمومية أمام مسؤولياتها لبناء المستشفيات الضرورية للسكان؟ ثم ألا ينبغي علينا أن نتساءل لماذا لم تنشأ جميعات خيرية ولا منظمات سياسية قوية إلا على أسس القرابة الدينية أو الإتنية أو العائلية؟
يتعلق الأمر إذن بسيرورة تاريخية لا يصلح معها التهديد ولا الوعيد ولا الشجب، وإنما لا بد من كشف أوالياتها وفهمها وتحليلها حتى تمكن السيطرة عليها. لا نستطيع أن نلغي التاريخ وإنتاجه، لأسباب خارجة أحيانا عن إرادة كل واحد منا، لكن ما نستطيع وينبغي أن نفعله هو تفهم الأخطاء التي جعلتنا نغيب عن هذا التاريخ أو أضعفت قدرتنا على التدخل فيه والمساهمة في توجيهه الوجهة التي نريد، وبالمناسبة القيام بما هو ضروري كي لا يعيد إنتاج نفسه، أي كي لا نعيد نحن أيضا الأخطاء التي سمحت بتعثر المسار السابق. وإذا أردنا بالفعل أن ينسجم مسار التاريخ مع تطلعاتنا كمجتمعات، ينبغي علينا قبل أي شيء آخر أن نفكر في هذه التطلعات ونرى في ما إذا كانت هي نفسها متفقة مع المعطيات التاريخية، متسقة وقابلة للتحقيق، وأن نعد شروط تحقيقها ونمهد لها. فما قيمة علمانية نموذجية في سياق مجتمعات تنحدر نحو أصولية مغلقة في شروط حداثة ممنوعة ومجهضة معا؟ أخشى أن تكون النتيجة في مثل هذه الحال هو تحويل العلمانية إلى غيتو تنعزل فيه نخبة مثقفة مثالية، وتعزل المثقفين في الوقت نفسه عن مهامهم التاريخية في قيادة مجتمعاتهم وإخراجها هي أيضا من الغيتوات التي تصنعها لنفسها وتلتجيء إليها هربا من العدوانات الخارجية، الأجنبية والمحلية. ولا يمكنها أن تفعل ذلك إذا ربطت نفسها بهذه العدوانات أو تبنت موقفا محايدا منها وبالأحرى إذا ساهمت فيها وصارت جزءا منها.
5- ربط روبرت بوتنام بين مفهوم رأس المال الاجتماعي وبين المجتمع المدني في مقالته :"اللعب المنفرد للبولنج: تدهور رأس المال الأمريكي الاجتماعي" عام 1995، ومنذ هذا الربط بدأ جدل فكري بين الكتّاب حول علاقة المجتمع المدني برأس المال الاجتماعي، كيف تنظر لهذه العلاقة، ولماذا برأيك لا يوجد مثل هذا الجدل في المجتمعات العربية حول العلاقة بين المفهومين كما هي في المجتمعات غير العربية؟

غليون:
لا أعتقد أن هناك تطابقا بين المفهومين. المجتمع المدني يستثمر الرأسمال الاجتماعي لكنه لا يغيب فيه، حتى لو كان من الممكن على سبيل المجاز الحديث عن المجتمع المدني بوصفه رأسمالا اجتماعيا كونه ممنتجا هو نفسه أيضا لمثل هذا الرأسمال. فعلى سبيل المثال، لا يمكن إقامة رابطة مدنية فاعلة، مهما كانت أهدافها، إذا انعدمت الثقة بين الأفراد. فالثقة هي رأسمال أساسي لبناء الجمعيات والشركات والأحزاب والتجمعات. وربما كان رأسمال الثقة هذا هو أكثر ما ينقص مجتمعاتنا العربية بالفعل. لكن الرابطة بقدر نجاحها تولد مزيدا من الثقة الاجتماعية. إن نجاح الجمعية الخيرية ونجاح الشركة الاقتصادية المساهمة ونجاح الحزب أو التنظيم السياسي يخلق عند الأفراد المنتمين إليها شعورا أقوى بالثقة بالآخر، كما يخلق نجاح هذه المؤسسات شعورا أقوى بالثقة بالنفس، وبالقدرة على التقدم والإنجاز لدى المجتمع كله الذي تعمل فيه هذه المؤسسات.
لعل أبسط تعريف ممكن للمجتمع المدني يكمن في نظري في اعتباره يشتمل (أي ينطبق او ينبغي أن ينطبق على) كل الروابط والتنظيمات التي تتوسط العلاقة بين الفرد والدولة والتي تقوم على اختيارات طوعية، وتعمل على تعزيز الاتساق والتناغم بينهما، وداخل المجتمع الكلي، سواء أجاء ذلك عن طريق تحسين معادلة توازن السلطات (منظمات المجتمع المدني السياسية والقانونية والحقوقية)، أو حل مشكلات وتناقضات (طائفية، إجتماعية، سياسية)، او ملء فراغ (خدمات عامة، مساعدات، تضامنات)، أو تحقيق مصالح (نقابية، مهنية، فئوية)، أو تنفيذ مهام (ثقافية، إعلامية، تواصلية) لا يستقيم نظام المجتمع من دونها.
6- بعد اتفاق أوسلو ظهر على الساحة الفلسطينية لأول مرة لا سيما بين الكتّاب الفلسطينيين جدل فكري حول إمكانية وجود مجتمع مدني فلسطيني أم لا، واشترط بعضهم وجود دولة فلسطينية من أجل وجود مجتمع مدني فلسطيني فيما رأى آخرون أن وجود السلطة الفلسطينية تكفي لوجود،ه وغيرهم رأى بأن المجتمع المدني الفلسطيني تشكّل بعد عام 1967، فيما اعتبر بعضهم الآخر أن المجتمع المدني الفلسطيني وُجد حتى قبل عام 1948، ما رأيك بهذا الجدل حول إمكانية اعتبار وجود مجتمع مدني فلسطيني أم لا في ظل الخصوصية للحالة الفلسطينية بعدم وجود دولة معترف بها ووجود سلطة سياسية تحت احتلال إسرائيلي؟

غليون:
هذا مثال آخر على الأوضاع الاستثنائية أو الشاذة الحدية التي تحتاج إلى مرونة فكرية كبيرة لفهمها. هناك بالتأكيد مجتمع مدني فلسطيني لا يختلف عن المجتمع المدني في العالم العربي كثيرا، إلا أنه يعيش في ظروف مختلفة، هي ظروف الاحتلال. فمن جهة تظهر السلطة أقل قدرة من شقيقاتها العربيات على تقديم وسائل التقدم والاندراج في مسار الحداثة الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو العلمية. ومن جهة ثانية أنتج هذا الاحتلال والصراعات الإقليمية المحيطة به حالة استثنائية جعلت المجتمع الفلسطيني مجتمعا مدولا بالمعني الحقيقي للكملة. فهو لا يعتمد في وجوده على المساعدات الاقتصادية الخارجية فحسب، ولكن سلطته العمومية أو الوطنية هي نفسها محصلة توازنات وتسويات إقليمية ودولية إلى حد كبير. وربما كان المجتمع المدني الفلسطيني هو المسرح الرئيسي والأول لتجسيد هذا التدويل. وهذا ينقلنا إلى وجه آخر لموضوع المجتمع المدني في العصر الراهن، هو وجه العولمة الذي يجعل المجتمعات المدنية تستقل بشكل أكبر عن الدول الوطنية، وتحظى بهامش أكبر، في إطار إعادة توزيع الموارد المادية والمعنوية التي تستفيد منها المجتمعات المدنية. لكن لهذا الكسب ثمنه أيضا. فكما أن المنظمات الدولية غير الحكومية تقوم بدور كبير في تمويل المجتمع المدني الفلسطيني وإبقائه على قيد الحياة، يمكن أن تشكل أيضا عامل إعاقة حاسم لنشوء دولة وطنية بالمعني الحقيقي للكلمة. وخير دليل على ذلك الأزمة الوطنية العميقة التي تفجرت عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة وأدت إلى الفصل السياسي بين عزة والضفة العربية على قاعدة القطيعة الحاصلة بين فتح المعولمة وحماس المؤهلنة.
7- ظهرت تعبيرات أو مصطلحات جديدة مثل "المجتمع المدني العالمي Global Civil Society" و"المجتمع المدني العابر Transnational Civil Society" برأيك هل هناك إمكانية لوجود مجتمع مدني عالمي في ظل عدم وجود دولة عالمية، وما هو الفرق بين المجتمع المدني العالمي والعابر؟

غليون:
نعم يمكن وجود مجتمع مدني عابر للدول من دون وجود دولة عالمية. هذا هو ما ذكرته للتو، وهذا هو الجديد في الواقع. وهو ما يعيدنا إلى الاستطراد على السؤال الأول المتعلق بتعريف العلمانية. فشرط الاستخدام السليم للمفهوم هو أن ننظر إليه كمفهوم تاريخي، متحول ومتطور، لا أن نحصره في الاستخدامات والمعاني السابقة ونشيؤه. فالواقع يتطور وهو أغنى من المفهوم دائما. ولا يستمر مفهوم في الحياة إلا بقدر ما يظهر قدرته على الانفتاح على حقائق الواقع الجديدة، والخروج بالتالي من جلده لملاقاة استخدامات ومعاني مختلفة عما سبق وعرفه من قبل. وهو لا يغتني إلا بقدر ما يقبل أن يستثمر في مثل هذه الأوضاع الجديدة التي تدفع به إلى توليد معاني لم تكن منظورة في السابق. فهو لا يضمن اتساقه النظري والتاريخي إلا أي بقدر ما يخون نفسه أي ينفي ماضيه ليبدع حاضرا جديدا، أي بقدر ما يتحرك مع التاريخ وبموازاته، بدل أن يبقى جامدا ومجمدا له وللفكر الذي يستخدمه. ومفهوم العلمانية لا يزال ينطوي في نظري على إمكانيات تفسيريه كبيرة بشرط أن لا يصادر من قبل هذه الفئة أو تلك لبناء ايديولوجية تبرر بها جمودها وعجزها عن اللحاق بالواقع والتعامل الفعال معه.

mercredi, septembre 05, 2007

في ضرورة التمييز بين ثقافة المقاومة وثقافة الانتحار

الجزيرة نت سبتمبر07
في تحليلهم للمشاكل الاجتماعية، يركز أغلب علماء الاجتماع عادة على الشروط الاجتماعية-السياسية التي تشكل من منظورهم مفتاح فهم أي نظام اجتماعي، في أسلوب عمله وآفاق تطوره أو بالعكس انسداده وانحطاطه. والتركيز على هذه الشروط يعطي أهمية مركزية للعلاقات الاجتماعية وطبيعة الأسس والقواعد التي تقوم عليها، بما تتضمنه من تنويعات في الهياكل الاجتماعية والطبقية وتوزيع الثروة وأنماط ممارسة السلطة وتوزيعها. وهم يخالفون في ذلك نزعة قوية معاصرة نشأت مع تطور الانتروبولوجيا الثقافية تؤكد على العوامل الثقافية وتجعل من هذه العوامل، أي من أنماط المعرفة والايديولوجيات والأفكار والمذاهب والتقاليد التي تمثلها ثقافة ما، كما درج على ذلك المحللون الأمريكيون الثقافويون، مفتاح فهم سلوك المجتمعات ومصائرها.
وبالرغم من أنني لا أعتبر الثقافة عاملا محددا رئيسيا حسب المصطلحات الماركسية التقليدية للعوامل المحددة، في ما يتعلق بالمستوى الأول من التحليل الاجتماعي، أي مستوى إنتاج النظام، إلا أنني أعتقد أنه من دون تحليل العوامل الثقافية لا يمكن أن نفهم عملية إعادة إنتاج أي نظام، وبالتالي استمراره. والواقع، لا يخضع المجتمع في بلورة نظامه لعامل واحد تشتق منه جميع العوامل الاخرى ولكنه ثمرة تضافر عوامل مختلفة نوعيا، وبالتالي فهو نظام مركب، وفي الوقت نفسه معقد.
هذا يعني أنه لا يوجد نظام اجتماعي سياسي من دون نظام ثقافي. ليس ذلك بمعنى أن الأول خاضع للثاني ولا أن الثاني خاضع للأول أو تابع له، وإنما بالعكس في أن لكل نظام اجتماعي سياسي نظام ثقافي مواز له ومرتبط به، لا يمكن إعادة إنتاجه من دونه، بالرغم من أن الثقافة ليست الحاضنة للنظم ولا المولدة لها. النظم الاجتماعية السياسية نظم تاريخية تولد في سيروات الصراع الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية الكبرى، وتتخذ أشكالها المختلفة ونمط وجودها من السياقات الخاصة التي ترافق ولادتها. لكنها منذ ولادتها تتمفصل مع نظم ثقافية وتعمل على بنائها حتى تضمن لنفسها الاستقرار والاستمرار أي الصدقية والشرعية والديمومة.
لكن بعكس ما درج عليه المحللون الغربيون والمستشرقون أيضا، أعتقد أن من الخطأ مطابقة هذه الثقافة التي تشكل شرطا لا ماديا لإعادة إنتاج نظام العلاقات الاجتماعية المادي، مع التراث أو الإرث الثقافي الماضي، ولا من باب أولى مع الأديان والاعتقادات الكبرى التي يشارك فيها عادة عدد كبير من المجتمعات المتباعدة في بنياتها واختياراتها وقواعد عملها. الثقافة المعنية هنا هي مجموع الاختيارات الثقافية التي يدفع إليها ويشجع عليها نظام اجتماعي سياسي معين، والتي تشكل بالمقابل البيئة اللامادية التي تضمن بقاءه. وهذه الخيارات لا علاقة لها بالثقافة التقليدية المفترضة لأي مجتمع أو شعب. إنها تنبع من التأويلات التاريخية المتغيرة التي يقوم بها المجتمع لهذه الثقافة وللتراث المرتبط بها، بالإضافة إلى الاقتباسات العديدة والحاسمة التي يستعيرها من الثقافات الأخرى ومن عصور ثقافية متباينة ليكون نظاما ثقافيا منسجما مع النظام المجتمعي القائم.
والنظام العربي الاجتماعي السياسي القائم قد طور ثقافة لا علاقة لها في الواقع بالاسلام ولا بالثقافة العربية الكلاسيكية، ولا حتى بتلك المنبثقة عن عصر اليقظة العربية في النصف الثاني من التاسع عشر، اللهم إلا من حيث المظهر. إنها ثقافة جديدة نشأت في العقود الماضية عبر المقاومات متعددة الأشكال ضد السيطرة الخارجية، المتعددة الاوجه والأشكال هي أيضا. وهو ما شكل جوهر تجربة العرب الجماعية التاريخية في العصر الحديث. ففي رد فعله على هذه السيطرة وبموازاتها، ولد المجتمع، على مستوى الأفراد والجماعة ككل، نظاما جديدا من الاستعدادات والتوجهات والتطلعات والتفاعلات ومباديء العمل والقيم والأفكار التي كونت ثقافة أو نظاما ثقافيا جديدا يمكن وصفه بثقافة المواجهة في أشكالها المختلفة قيمتها الرئيسية.

لكن من ثقافة مواجهة السيطرة هذه وفي طياتها سوف ينشأ ما أسميه ثقافة مضادة أو ثقافة الضد، التي تدفع المجتمع إلى توجيه طاقاته الفكرية والنفسية كلها لحماية الذات ودفع الأذى عنها، بدل العناية بتجديدها وتثوير أسس بقائها. وهي على العموم ثقافة تبجيلية بالنسبة للذات وتشهيرية بالنسبة للآخر، تسيطر عليها القيم والتوجهات السلبية وتفتقر لملكات التفكير البناء، المبدع والبعيد المدى، حتى في ما يتعلق بمقاومة السيطرة الخارجية. وتغلب عليها الآليات الدفاعية والميول التبريرية وضعف الحساسية لكل ما يحيل إلى الأخلاق والقانون والحق والجمال، في مقابل نزوعها المتأصل إلى الرهان على العنف والقوة. بمعنى آخر، لقد سكننا هاجس السيطرة الأجنبية حتى سمم حياتنا وأبعدنا عن الاهتمام ببناء مجتمعاتنا نفسها من الداخل، فأصبحنا مستلبين لها، نقوم بانتاجها في الواقع المادي بقدر ما ننتجها في أذهاننا ونشرط وجودنا بها. لقد أصبحنا رهائن هذه السيطرة بقدر ما نجحت في أن تجعلنا دائرين في فلكها وغير قادرين على تصور أنفسنا وتحديد هويتنا من دونها او بعيدا عنها. بل لقد أصبحت هذه السيطرة نفسها لا تستمر إلا بمقاومتنا ولا تعيش إلا منها وبها. تماما كما لا تعيش الحرب المعلنة ضد الارهاب من دون إرهاب ولا يمكن تبريرها إلا به.
هكذا أصبحنا ضحايا السيطرة التي نكافح ضدها بقدر ما سمحنا لهاجسها أن يسككنا ويحرمنا من فرصة التحرر النفسي منها، أي التفكير المستقل والأصيل النابع من مطالب أخلاقية ومدنيةا. وهو شرط تكوين الذاتية الضرورية لأي فعل حرية بناء، ولأي تحرر فعلي من السيطرة الخارجية. والحال أننا بقدر ما فقدنا هذه الذاتية بالانمحاء في السيطرة ذاتها التي نحارب ضدها والتفكير من خلالها وكرد فعل عليها، أي بقدر ما أصبحت ثقافتنا نفسها ردود أفعال، فقدنا القدرة على الفعل التحرري ولم نعد نعيش الحرية إلا كفاحا ضد السيطرة الخارجية، لا شرطا تكوينيا ومشروعا لبناء ذات مستقلة فعلية. وبقدر ما أصبحت ثقافتنا ردود أفعال على ثقافة الخصم ورفض لها وتصد لكل ما يصدر عنها، لم يعد لدينا في الواقع ثقافة بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي خيارات خاصة مستمدة من مشروع بنائنا الخاص وبناء ذاتيتنا المستقلة. هكذا أصبحت ثقافتنا هي رفض ثقافة الآخر وقيمه، وفي ما وراء ذلك التجرد عن القيم الثقافية ذاتها.
الثقافة المضادة التي أصبحنا حامليها أسوأ من التبعية الثقافية، لأنها إستلاب محض يغطي على نفسه باسم المقاومة ويعطي لنفسه الوهم بأنه حر، لا لأنه يملك شروط الحرية، ولكن لأنه يرفض العبودية المفروضة عليه، في الوقت الذي يعيد إنتاجها في ردود أفعاله نفسها. ولأننا فقدنا الحرية التي لا ثقافة من دونها، وجعلنا من حرية الآخرين وثقافتهم عدوا لنا، حكمنا على أنفسنا بأن نعيش في فراغ يعادل شرط الهمجية بقدر ما يعني غياب أي معيار حقيقي وفعال نخضع له أفعالنا وسلوكنا الفردي والجماعي. والواقع أن الغريزة كما تتجسد في المصلحة الآنية والمادية هي التي تغلب في ثقافة الضد على سلوك الفرد وتوجهاته، وهي التي تفسر تأويلنا السلبي العبودي واللأخلاقي الراهن لعقائدنا الدينية وقيمنا التراثية وهويتنا، حتى لو كان الخطاب الذي يرافقها يكرر إلى ما لانهاية كلمات الحرية والاستقلال والهوية. بل إن هذ التكرار يعكس تماما غياب الحرية والاستقلال والهوية، أي كل ما يؤسس لثقافة ولمنظومة أخلاقية.
الحل ليس بترك المقاومة أو إلغاء قيمها والاندماج أو الانصهار بالمعتدي والمتسلط والمتجبر، الداخلي والخارجي معا، فهذا هو الانتحار بعينه، وإنما في إخضاع برنامج المقاومة لبرنامج بناء الذاتية، وهو ما يجعل من بناء الحرية الشخصية، أي بناء الوعي والضمير والإرادة عند كل فرد، ومن وراء ذلك تأسيس الفعل الأخلاقي، وتاليا الثقافة، شرطا للحرية الخارجية. من دون ذلك لن تكون المقاومة إلا استهلاكا للذات وإفقارا مستمرا للروح واستنفادا لآخر ما تبقى لنا من قيم المدنية الموروثة وتراثها. لن نتغلب على الغربيين المسيطرين بتبني وسائل همجية، حتى لو حققنا بعض انتصارات مادية عليهم، تكلفنا أضعافها من الناحية المدنية والروحية، كما يدل على ذلك ما يحصل في العراق من انفلات النزاعات الطائفية والعشائرية والمذهبية. وهو ما يعني أنه ليس هناك حل خارج إعادة بناء الثقافة والحياة المدنية والأخلاقية التي لا تقوم دولة من دونها.

mercredi, août 29, 2007

في أصل حروب التدمير الذاتي العربية

الاتحاد 92 آب 2007

غيبت الصراعات السياسية والطائفية والمذهبية وشبه الوطنية المنتشرة على خريطة البلدان العربية المسألة الرئيسية التي كانت محور النقاش لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وهي إصلاح نموذج تنظيم الحياة العمومية، المدنية والسياسية. وكان العرب ينظرون في غالبيتهم إلى هذا الاصلاح منذ التسعينيات على أنه الشرط الأول لإعادة بناء مجتمعاتهم وتأهيلها للدخول في الحركة الاقتصادية والاستراتيجية العالمية، وتمكينها من مواجهة التحديات الكبرى التي تنتظرها، وفي مقدمها تلك المرتبطة بالحفاظ على الاستقلال وتعزيز القرار الوطني، أمام اشتداد المنافسة الدولية، ونزوع الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة إلى السيطرة الشمولية. وكان مفهوم الاصلاح يعني مراجعة أساليب الحكم والإدارة، وإعادة بناء نظام السياسة الذي ساد فيها لعقود، بما يتضمنه من توجهات فكرية وأخلاقية ومن خيارات استراتيجية وبرامج سياسية، على أسس مختلفة بل مناقضة لما ساد في عقود سابقة. فكان السؤال المطروح: هل المطلوب في سبيل إنهاض المجتمعات العربية ومساعدتها على التقدم الاستمرار على النموذج الاستثنائي التسلطي النابع من انقلابات سياسية وعسكرية، بما يستتبعها من إلغاء التعددية والحياة السياسية وتعليق الحريات العامة، والقبول بالحكم، عقودا طويلة، في ظل قوانين الطواريء والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، بذريعة توفير الظروف المناسبة لتمكين الطلائع التي تقود الشعوب، كما تفيد الفكرة الأصلية، من تسريع وتيرة التطور ونقل المجتمع إلى الحداثة، أم أن المطلوب هو الانتقال إلى نظام سياسي تعددي، هو المتبع اليوم في معظم بقاع العالم الصناعي وغير الصناعي، في أمريكا الشمالية وأوروبة وفي أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وفي جميع البلدان التي كانت تتبع نظام الحكم الاستثنائي السوفييتي، باستثناء كورية وكوبا والصين، يقوم على مبدأ اختيار القيادات السياسية بالاقتراع العام وفي ظروف منافسة نزيهة وقانونية تعرض فيها مختلف النخب الاجتماعية مشاريعها وبرامجها السياسية.
والواقع أن أغلب النخب العربية إن لم يكن جميعها، كان مقتنعا، خلال فترة طويلة ماضية، مثل ما كان عليه الأمر في كل مناطق العالم الأخرى، بأن النموذج الأفضل لتحقيق التقدم هو نموذج الحكم المركزي الاستثنائي الذي يضمن تحكم النخب الطليعية بالمسيرة الوطنية ليسرع من وتائر النمو. هذا كان موقف القوى اليسارية والقومية عموما، بعد أن أعلنت القوى الليبرالية في العالم أجمع، في مناخ الحرب الباردة، خيانتها لقيمها العميقة وتحالفها الوثيق، في عموم العالم الثالث، مع الديكتاتوريات العسكرية التي اعتقدت أن وجودها أصبح شرطا لتحقيق الاستقرار السياسي الذي يمكنها من تعظيم استثماراتها أو من جذب الاستثمارات الخارجية. كان هذا الموقف السائد في أوساط النخب الثقافية والسياسية والعسكرية والنقابية والدينية والاقتصادية معا.
لكن هذا الاجماع على النموذج التسلطي للحكم قد تحطم تدريجيا منذ انهيار الشيوعية وفلسفتها السياسية في العالم، وزوال الحرب الباردة، وبعد أن تبين المردود الضعيف لهذه النظم في تحقيق الاصلاح، بالمقارنة مع النظم التعددية. فقد قاد نظام الحكم الاستثنائي الرافض لفكرة انتخاب القيادات إلى حالة من الركود والجمود والفساد غير محتملة في جميع البلدان التي طبق فيها. والسبب أن النخب التي تحكم من دون منافسة ولا مراقبة تميل إلى تكريس المنافع والامتيازات الخاصة على حساب المصالح العامة، أي مصالح الدولة والشعب، ومراكمتها واحتكارها والحفاظ عليها بقوة السلاح إذا احتاج الأمر، وذلك مهما كان أصل هذه النخب وعقيدتها السياسية وشعاراتها وخطاباتها.
وهكذا بدأت تبرز تدريجيا، لكن بشكل متعاظم، منذ نهايات القرن الماضي، فكرة جديدة وتسيطر على قطاعات متزايدة من النخبة الاجتماعية، تكرس الاعتقاد بأن مستقبل مجتمعاتها، ومستقبلها هي نفسها، رهن بتغيير قواعد العمل السياسي، والانتقال إلى نظام يفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في تحمل الواجبات العمومية، ويطلق الحياة السياسية من جديد على أسس التعددية والتنافس على احتلال مناصب المسؤولية واختيار الأصلح والأقدر على تطوير البلاد وإدارتها. وهكذا نشأت ديناميكية الصراع السياسي من جديد في المجتمعات العربية بعد أن كانت قد خمدت تماما ولفترة طويلة سابقة مع انطفاء النزاعات الايديولوجية القديمة التي كانت تغذيه: بين بعثيين وناصرييين، قوميين وقطريين، شيوعيين وليبراليين.
وكما كان من الطبيعي أن تسعى النخب الصاعدة إلى المطالبة بفسحة أكبر من الحريات العامة تتيح لها الاتصال بالجمهور والتفاعل معه والعمل على كسبه لتحقيق ما تعتقد أنه النظام الأصلح للبلاد، كان من المنتظر أيضا أن تثير هذه التحولات الفكرية والسياسية الجديدة القلق والخوف في أوساط النخب الحاكمة التي كرستها عقود طويلة من الحكم الأحادي والتسليم الفكري والنفسي. فنشوء النخبة الجديدة حول فكرة التعددية السياسية، بصرف النظر عما إذا كانت قد تمثلت قيم الديمقراطية حقيقة ام لا، لا تزال بعيدة عن فهم متطلباتها ومعرفة التحديات التي تواجهها، يشكل تهديدا لا شك فيه للنخب التقليدية ولمواقعها الاحتكارية المكرسة، لما يعنيه ذلك من القبول بقواعد جديدة للعمل السياسي قائمة على فتح الحقل السياسي وتوسيع دائرة الحريات السياسية والقبول بمبدأ المنافسة الحرة على مناصب المسؤولية. فلأول مرة تجد النخب القديمة نفسها أمام تحد سياسي يطالبها بإعادة بناء سلطتها وقيادتها، أو تأسيسها على شرعية ديمقراطية لم تعتد عليها، ولا يمكن أن تكون نتائج الأخذ بها، والانصياع لمنطق صندوق الاقتراع، سوى تقويض وضعها الموروث ووضع الامتيازات والمصالح المكتسبة التي راكمتها خلال عقود طويلة في الميزان. وليس من السهل على فئة اجتماعية اعتادت الحكم بالوراثة والأحكام العرفية والاستثنائية، واعتادت النظر إلى الشعوب من موقع السيادة والتعامل مع أفرادها كأدوات ووسائل لتحقيق مآربها وتمجيد نفسها، أن تقبل بوضع نفسها موضع المساءلة أو المحاسبة الشعبية، أو أن تطرح نفسها لنيل الثقة من الرأي العام، بعد أن تمثلت فكرة القيادة التاريخية وأصبحت تعتقد أنه لا بديل عنها ولا شرعية لأي قيادة أخرى لا تكون مشتقة منها أو تابعة لها.
لم يكن من المستغرب إذن والحال هذه أن تحاول النخبة الحاكمة المناورة بجميع الوسائل، وهي تملك سيطرة استثنائية على الموارد الأمنية والإعلامية والاقتصادية والسياسية والإدارية، لتقليص دائرة عمل النخبة الصاعدة الجديدة، وتصعيب المهمة عليها، ومنعها من التقدم بالوتيرة التي تحلم بها. كما لم يكن من المستغرب أن تسعى النخب الديمقراطية إلى توظيف كل ما تستطيع توظيفه فكريا وسياسيا في سبيل تعزيز مواقعها، وهي التي لا تملك ما تستند إليه في المجتمع والرأي العام، سوى عملها وممارستها النظرية والسياسية، بينما هي التي تطرح على نفسها مهمة السعي للانتقال بالبلاد نحو نظام جديد، أي هي المهاجمة من دون سلاح.
هذا التمايز العميق الذي حصل في قلب النخبة الاجتماعية وأفكارها، والناجم هو نفسه عن تباعد مصالح أولئك الذين استفادوا من الاحتكار الطويل للسلطة عن الذين بقوا خارجها، هو الأساس الموضوعي العميق للتعددية الناشئة في فكرنا ونخبتنا معا، وهو الذي يفسر جدلية الصراع السياسي الذي دخلت فيه مجتمعاتنا، على فترات متقاربة، منذ التسعينات من القرن الماضي. ولا يكف هذا الصراع والتنازع عن النمو، بموازاة تبلور مشروعين لتنظيم الشؤون العمومية وبناء قاعدة التفاهم والتواصل بين الأفراد والمجموعات البشرية المقيمة على الأرض العربية. وفي ما وراء المعارك الفرعية والجانبية التي غالبا ما تسعى إلى التشويش على الأسباب الحقيقية، يظل الرهان الرئيسي للصراع العميق القائم تحديد طبيعة النظام السياسي، والتوصل إلى مباديء أساسية مقبولة من الأغلبية لإعادة تأسيس الحياة العمومية والمدنية. وهو صراع سيتأصل باستمرار ولن يمكن إخماده أبدا، بوجود المواجهات الخارجية ومن دونها على حد سواء.
كان من الممكن لنظام التسلطية الذي لا يجد ضرورة كي يسند نفسه إلى شرعية مستمدة من استشارة شعبية ولا يعتقد أنه بحاجة لها، أن يبحث من دون صعوبة على تسويات مؤقتة تسمح له بكسب أكثر ما يمكن من الوقت من دون أن يحرم النخبة التعددية الجديدة من الأمل بإمكانية حصول تداول للسلطة، ولو في أفق بعيد. بل كان من مصلحته، وهو يسعى عبر السياسات الليبرالية الجديدة إلى إعادة إدراج نفسه في المجال الاقتصادي العالمي بعد قطيعة طويلة، ويواجه تحديات اجتماعية واقتصادية خطيرة في أكثر البلاد العربية، من البطالة إلى الفقر إلى انبعاث العصبيات الطائفية والمذهبية والعشائرية، إلى تعميم الفساد في جميع إدارات الدولة وغياب القانون، أن يظهر للرأي العام العربي والعالمي أنه يسير في الاتجاه الصحيح، وأن المعايير التي يأخذ بها العالم وليس الغرب فحسب، هي أيضا معاييره بشكل من الأشكال. وهذا ما كان الجمهور يأمله ويراهن عليه في السنوات القليلة الماضية مع تصاعد فكرة الاصلاح والانفتاح. بيد أن عوامل داخلية وخارجية قادته إلى عكس الاتجاه المطلوب. وكانت النتيجة كما نشاهد اليوم انهيارا عميقا في الموقف الوطني والإقليمي، وتدهورا خطيرا في كل مؤشرات الحياة العمومية وتراجعا مرعبا للثقة وتنامي إمكانيات واستعدادات الفئات الاجتماعية والأطراف المختلفة لممارسة العنف أو الانخراط فيه، وفي النتيجة استعصاءا كارثيا للوضع. فنحن ندفع اليوم وسوف ندفع إلى زمن طويل ثمن إجهاض هذا الاصلاح والتشبث بأساليب حكم وخيارات داخلية وخارجية غير منتجة وغير ناجعة إن لم تكن مثيرة للفتن ومغذية لكل أنواع الاحتجاج والخروج على السلطة والتمرد والانفجار.
عوامل عديدة ساهمت في دفع الأوضاع العربية إلى هذا الخراب الفظيع. بعضها مرتبط بالسياسات الدولية القديمة والحديثة معا، وفي زمن أقرب، بالسياسات الامريكية التي دفعت المنطقة، عبر التدخلات العسكرية وعمليات الهيكلة وتقطيع الأوصال وتجميع الأعضاء كيفما كان، وتقويض الفكرة الديمقراطية نفسها، كما حصل في فلسطين مع رفض نتائج الانتخابات التشريعية، إلى حافة الكارثة، بقدر ما فرضت عليها أجندة خارجية، ففتت جميع القوى الداخلية وحرفتها عن مسارها الطبيعي. لكن بعضها عوامل داخلية مرتبطة بنجاح الاجنحة المتطرفة في الحكم، بالتحالف مع مجموعات المصالح المافيوية في الداخل والخارج معا، في فرض رؤيتها للوضع واغتيال أي مشاريع بل خطوات إصلاحية كان من الممكن أن تخفف من وقع الأزمة أو تساهم في وضع تصور لمواجهتها. وهذه الفئات والأجنحة هي نفسها التي راهنت ولا تزال تراهن على عقد الصفقات مع القوى الدولية لضمان التجديد للنظام بصرف النظر عن الإرادة الشعبية وفي مواجهتها. وهذا ما يضعنا على أبواب حقبة ثورية، ليس بالضرورة بالمعنى الايجابي للكلمة الذي اعتدنا عليه في أدبياتنا السياسية، ولكن بالمعنى السلبي الذي يفيد بأن السياسة قد فقدت فاعليتها في تنظيم الشؤون العامة أو تقديم حلول للأزمات المستعصية ولم يبق أمام الجمهور المذعور والخائف على مصيره ومصالحه الحيوية إلا الانخراط في حروب داخلية، لا يمكن أن تكون مع غياب الرؤية العقلانية والأخلاقيات الإنسانية سوى حروب تدميرية ومذابح بشرية.

mercredi, août 15, 2007

المثقفون ومستقبل الديمقراطية في العالم العربي

الاتحاد 15 آب 07
أدى فشل مشاريع التغيير الديمقراطي التي طرحت في السنوات القليلة الماضية إلى انتشار اليأس من مستقبل الديمقراطية في المجتمعات العربية. فبعد تنامي الآمال في السنوات الأولى من هذا القرن الجديد بربيع عربي ديمقراطي، عبر عنه الرأي العام المثقف ومؤسسات المجتمع المدني، وبدا وكأن العديد من النظم السياسية قد استجاب ولو جزئيا له تحت ضغط الدول الغربية، عادت الأمور اليوم إلى أسوأ مما كانت في نهاية القرن الماضي. وأصبح حلم توريث السلطة والرئاسة من قبل الحاكمين فرضية ممكنة من جديد، في الوقت الذي زادت فيه جرأة السلطات العربية على التصدي بالعنف لحركات المطالب الديمقراطية، وعدم الخوف من الاعتقالات التعسفية والجماعية ولا من تعقب المثقفين وتهديدهم ليكفوا عن الخطاب النقدي الذي بدأ يسيطر على كتاباتهم في الفترة الأخيرة. وسبب هذا التراجع كامن في السياسة الكارثية التي اتبعتها الإدارة الأمريكية القائمة. فهي في سبيل إضفاء الشرعية على مشروعها الاستعماري في العراق والشرق الأوسط عموما جعلت من الاصلاح أحد شعاراتها أو جوهر دعايتها. وادعت، للتخفيف من الانتقادات الدولية المتزايدة لمغامرتها السياسية، رغبتها في تحرير الشعوب العربية من الاستبداد. وقد ساهمت بذلك في تقويض مشروعية الكفاح الديمقراطي العربي لدى قسم كبير من الرأي العام العربي، بعد أن دعمت، خلال أكثر من ستين عاما، حسب تصريح الرئيس بوش نفسه، نظم الديكتاتورية. وجاءت هزيمتها في العراق لتعطي للنظم العربية، التي حنت رأسها للعاصفة لفترة قصيرة، فرصة الانتقام من القوى الديمقراطية المحلية وسحقها، في سياق انحسار النفوذ الأمريكي وتقلص الضغط الخارجي الموجه إليها. هذا هو ما يفسر الجزر الديمقراطي الذي تعيشه الشعوب العربية التي وقعت ضحية السياسات المغامرة واللاعقلانية والاستعمارية للإدارة الأمريكية.
ومن الطبيعي أن يدفع هذا الوضع العديد من الديمقراطيين وقطاعات الرأي العام العربي المتأثرة بهم، إلى التساؤل فيما إذا كانت لا تزال هناك فرص لاستعادة المبادرة من قبل الحركة الديمقراطية لبدء مشروع التغيير الذي تحلم به الشعوب العربية. وجوابي أن الانتصار الذي تشعر به أغلب النظم العربية اليوم قصير الأجل وملغوم بالأساس. لأنها لا تملك، بالرغم منه، أي حل للأزمات المتفاقمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية التي تعيشها المجتمعات العربية، ولا أمل لها في الخروج من مأزقها. .فهي لم تربح شيئا ولكنها تعيش على الفراغ أو الوقت الضائع الذي خلفه انحسار النفوذ الأمريكي، من دون أن تملك أي فضيلة تؤهلها لملء هذا الفراغ والإجابة على تحديات التغير السريع الذي تعيشه المجتمعات.
ولهذا، بعد الصدمة التي أحدثتها نتائج تطبيق الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وبشكل خاص في العراق، سوف تعود الحركة الديمقراطية العربية أقوى مما كانت. والمطلوب، في انتظار ذلك، التغلب على مشاعر الاحباط الناجمة عن الانقلاب الحاصل في موازين القوى الإقليمية، والعمل منذ الآن على تحرير الحركة والفكر الديمقراطيين من المخانق والتناقضات والالتباسات التي ورثتها عن المرحلة السابقة. ودور المثقفين هو بالضبط دعم هذه الحركة برؤية عقلانية واضحة وتأمين التواصل مع الرأي العام الواسع. وللأدب والفن والسينما والمسرح وكل وسائل الثقافة أو ينبغي أن يكون لهما دور رائد في هذا المجال.
بالتأكيد لن يكون هناك أمل في بناء نظام ديمقراطي مستقر في البلدان العربية، خاصة في المشرق، بمعزل عن حل القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، وتوسيع هامش مبادرة الدول والشعوب تجاه الاستراتيجيات الاستعمارية الخارجية. لكن يتوقف هذا التقدم نفسه على قدرة المجتمعات على تكوين قوى ديمقراطية شعبية حية تفرض على النظم والقوى الأجنبية معا تغيير حساباتها. إن مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية لا يتوقف على تغيير علاقات القوى داخل الدول العربية نفسها وفرض التعددية على النظم الأحادية أو شبه الأحادية فحسب، وإنما، أكثر من ذلك، على تغيير علاقات القوة الإقليمية وفرض التراجع على الاستراتيجيات الاستعمارية المترسخة في المنطقة بسبب وجود أهم الاحتياطيات النفطية وإسرائيل. وبناء حركة ديمقراطية شعبية ليس عملية عفوية. ولا يحدث تلقائيا من جراء تراجع نفوذ القوى الدولية أو انحسار نفوذ النظام القائم وتداعي تحالفاته الداخلية والخارجية. إنه يتوقف على النجاح في تطوير خط جماهيري يربط بين المطالب الشعبية المشروعة والحقوق الانسانية الأساسية وبين المصالح الوطنية العليا للعالم العربي ولكل بلد من بلدانه أيضا. وفي هذا البناء تقع مسؤولية رئيسية على المثقفين الذين يمثلون الوسيط الحضاري الناقل للأفكار والدروس التاريخية، ومسؤولية لا تقل عنها أهمية على السياسيين بوصفهم الجسر الذي يربط بين عالم الفكر وعالم الممارسة,
لكن في ما وراء ذلك، يستدعي بناء الديمقراطية، كحركة ثم كنظام مجتمعي، واستبعاد روح التسلط والعسف واستسهال انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم من قبل بعضهم البعض، تربية مدنية لا غنى عنها في أي تجربة، غربية كانت أم شرقية، من أجل تأهيل المجتمع وإعداده لاستيعاب معنى الحرية والمسؤولية والمساواة والقانون. وهذه هي الخطوة الأولى الضرورية والشرط المسبق، ليس لنمو الحركة الديمقراطية فحسب، وإنما، كذلك، لتكوين قوى ديمقراطية قادرة فعلا على حمل النظام الديمقراطي القادم وتسييره والدفاع عنه ومنع استغلاله من قبل شبكات المصالح المالية. وربما كان دور المثقفين أهم في هذا المجال بكثير من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها. المهم أن نعرف أن الديمقراطية هي النظام الذي يستند إلى سيادة الشعب ومشاركته القوية، وهذا ما يفترض أولا وجود شعب. والشعب ليس مجرد أفراد يعيشون مع بعض ولكن ثقافة حية تفاعلية، ومباديء للعيش المشترك، وأخلاقيات عامة قائمة على الاحترام والمساواة والتضامن والتكافل. الشعب نظام أخلاقي وثقافي وقانوني، أي وعي وطني أو مواطني يولد إرادة واحدة. فإذا انعدمت التصورات الذهنية والرمزية المشتركة، و الأخلاقيات التضامنية والمواطنية، وتحول الشعب إلى أفراد لا رابط بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألفة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، زالت الإرادة الموحدة وانقسم الشعب إرادات، وزالت إمكانية بناء نظام سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة. أما ما نعرفه في بلداننا من نظم فلا علاقة له بذلك. وليس فيها شيئا من نظام السياسة وإنما هي نظم عصبية طبيعية، أو سيطرة بالقوة، وفرض لإرادة مجموعة من الحاكمين المستندين في حكمهم على الأجهزة الامنية والعسكرية. ولا تملك شعوبنا لا أخلاقيات سياسية حقيقية واعية ولا إرادة وطنية. إنها تعيش في نظام التبعية المطلقة للسلطة وللدولة الأجنبيتين، حتى لو كان أعضاؤهما من أهل البلاد الأصليين. لكن لا يجمعهم جامع مع بقية أبناء جلدتهم. ولا يستطيعون ضمان استمرار سلطتهم إلا بتعليم الشعوب استبطان دونيتها، وتمثلها الحاكمين كطبقة متميزة مختلفة عن بقية السكان ومتفوقة عليهم . ولا تتردد بعض النظم الضعيفة في سبيل فرض هذا التميز والتفوق عن استخدام العنف الأعمى الذي يجبر السكان، مهما امتدت مقاومتهم، على استبطان علاقات السلطة القائمة ومنطقها، أعني منطق السيادة من جهة والعبودية من الجهة الأخرى.

dimanche, août 05, 2007

حوار مع موقع مرافيء العراقي


السلم والتضامن: حوار مع الكاتب والمفكر العربي الأستاذ الدكتور برهان غليون

في 5 آب 2007
أجرى الحوار / محرر موقع "مرافئ" التابع للمجلس العراقي للسلم والتضامن :مجلة "تضامن" تصدر عن المجلس العراقي للسلم والتضامن :صفحة ( حوارات ) :
-برهان غليون أستاذ علم الإجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس دكتوراه في العلوم الإنسانية وأخرى في علم الإجتماع السياسي واضع العديد من المؤلفات بالعربية والفرنسية :بيان من أجل الديمقراطية – مؤسسة الأبحاث العربية/بيروت- المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات/ الطليعة بيروت- مجتمع النخبة /معهد الإنماء العربي / بيروت , إغتيال العقل / المركز الثقافي العربي /بيروت , حول الدولة والدين د . سمير أمين . إضافة الى العشرات من المؤلفات والدراسات .وقد إتصل الزميل ( حيدر وسام ) المشرف على موقع "مرافئ " العائد للمجلس العراقي للسلم والتضامن بالمفكر برهان غليون وكان معه هذا اللقاء :
*س1 / بصفتك مفكر وكاتب له دور بارز في التعاطي مع الموضوعات المختلفة وإبداء الرأي الموضوعي بما يطرح من أفكار وآراء ... كيف تنظرون الى أو تقيمون مفهوم " صراع الحضارات " المتداول من قبل بعض المفكرين وأبرزهم "صموئيل هنتغتون " وأين تكمن نقاط التعارض بين ثقافات الشعوب المختلفة ؟ وكيف يمكننا التعاطي مع هذه الفكرة أو المفهوم في تعاملنا مع الآخر وفق صيغة أخرى يبلورها مفهوم مختلف هو "حوار الحضارات" الذي تتطلع له الشعوب من أجل تحقيق السلام العالمي ؟
برهان غليون: خلق انهيار المعسكر الشيوعي، وزوال الاتحاد السوفييتي الممثل له، فجوة كبيرة في الايديولوجية الدفاعية لنظام السيطرة الغربية في العالم. فقد كان العداء للمعسكر الشيوعي وما يمثله من القيم السلبية الوسيلة الرئيسية لدفع الجمهور الغربي الواسع إلى تأييد السياسات الأطلسية الهجومية والالتحاق بها من دون نقد ولا تساؤل، وبالتالي تبرير هذه السياسات والنفقات العسكرية الباهظة المرتبطة بها. والنجاح، انطلاقا من ذلك، إلى إقناع الرأي العام الدولي بأن السيطرة الغربية على العالم ليست أخلاقية فحسب لأنها تحول دون انتصار الشر، ولكنها حتمية أيضا، ولا يمكن التراجع عنها من دون تعريض مجتمعات الغرب ونظمها الديمقراطية وهويتها وثقافتها وقيمها وأسلوب حياتها اليومية للخطر الماحق.وكان من الطبيعي أن يقود انحسار خطر هذا المسخ التاريخي الشيوعي وزواله من الوجود إلى تصاعد المواقف النقدية إزاء السياسات الهيمنية الغربية، تماما كما كان من المنتظر لزوال الحرب الباردة ومتطلباتها أن يقود إلى تراجع النفقات العسكرية وتنامي فرص التفاهم والتعاون الدوليين لتحسين شروط حياة المجتمع الدولي برمته ومعالجة أقسى مشكلة يعاني منها النوع البشري، أعني الفقر الذي يرزح تحت وطأته أكثر من مليار نسمة. بيد أن مثل هذه التوجهات لم تكن تتضارب مع ما طبع السياسات الغربية والدولية عموما في القرنين الماضيين من حروب ومواجهات جعلت من تبني مبدأ الاستعداد للحرب وكسب النزاعات المحتملة القاعدة المثلى لتجنب حدوثها فحسب وإنما مع مصالح واسعة ونافذة ارتبطت بعقود طويلة من سيطرة مناخ المواجهة والحرب الباردة، وفي مقدمها مصالح المركب الصناعي العسكري وبيرقراطية الدولة والجيش ومؤسسات الدفاع الإقليمية والعديد من القوى السياسية التي تتحالف معها. وهكذا ما كان من الممكن ترك الاتحاد السوفييتي ينهار من دون السعي، من قبل هؤلاء، عن عدو جديد يبرر الاستمرار في السياسات الهجومية ذاتها التي تضفي المشروعية على السيطرة الغربية على العالم وتبرر استمرارها. وقبل أن تبدأ أي حركة إسلامية باستخدام العنف على أي نطاق خارج البلدان الاسلامية، وجد أنبياء السيطرة الغربية في رفع العالم الاسلامي والعربي إلى مستوى الخصم التاريخي والحضاري الرئيسي للغرب، سياسة وحضارة واقتصادا معا، المرتكز الوحيد لتمديد مناخ الحرب الباردة وتبرير سياسات السيطرة الغربية. وهكذا شكل تشويه صورة العرب والمسلمين واستفزازهم خلال أكثر من ربع قرن مادة حرب باردة عالمية حقيقية لن يتأخر منظروا السيطرة الغربية عن إعطائها إسمها الجديد الخاص، الحرب الحضارية والصدام بين الثقافات. ومنذ ذلك الوقت يمكن القول إن الحرب أصبحت سجالا بين المسلمين والعرب من جهة، والنخب الغربية اليمينية التي سعت ولا تزال إلى جر العالم بأكمله إلى تأييد موقفها العدواني والعنصري من الجهة الثانية. في هذا السياق استعادت ايديولوجية تبرير السيطرة الدولية والسياسات الأطلسية الهجومية اللغة والشعارات ذاتها التي كانت تستخدمها ضد الاتحاد السوفييتي في حقبة الحرب الباردة السابقة. فركزت وسائل الإعلام الغربية على الأخطار المتعددة التي يمثلها العالم العربي والاسلامي الذي يخضع في نظرها، مثله مثل الاتحاد السوفييتي السابق، لثقافة مناقضة في قيمها للثقافة الغربية الحديثة ومعادية لها، سواء في ما يتعلق باعتماده العنف في علاقاته مع الخارج واستلابه لمنطق القوة ومراكمة وسائل وأسلحة الدمار الشامل أو في محاولاته المستمرة لتفجير الأزمات الدولية والحروب الإقليمية أو في دفاعه عن نظم سياسية لا ديمقراطية تسمح للمغامرين من الحكام الديكتاتوريين والطغاة من التلاعب بالجماهير ودفعها إلى العداء المجاني للخارج ولكل ما هو أجنبي في سبيل حرف انتباهها عن مشاكلها الداخلية التي التي تتسبب فيها سياسات أنانية ولاعقلانية.وجاءت الحركات الجهادية الاسلامية التي تستخدم الإرهاب والخطف وقتل الرهائن كوسائل للضغط على الدول الغربية، في أوضاع المواجهة القائمة في أكثر من مكان، لتكرس الاعتقاد الواسع الانتشار اليوم بأن عالم العرب والمسلمين لا يفهم إلا لغة القوة والعنف وإنه يفتقر إلى ثقافة التعايش والتفاهم والحوار والتفاوض التي هي لغة العصر ومصدر بناء إجماعات دولية لم يكن المجتمع الدولي في أي حقبة أكثر حاجة لها منه اليوم. هذا هو الاصل في ولادة نظرية حرب الحضارات أو الصدام بين الثقافات كما يشير عنوان هنتنجتون. وليست نظرية حوار الحضارات إلا الرد الشكلي والضعيف عليها. الرد الحقيقي هو في العمل على إخراج العالم العربي والاسلامي من الازمة الحضارية التي يعيشها بالفعل، السياسية والاقتصادية والتقنية والعلمية وتبني سياسات تحفز على القيام بنهضة شاملة وعميقة. عندئذ نظهر للغرب أننا لسنا جدارا منخفضا يشجع الجميع على القفز من فوقه وعليه.
*س2/ هناك تراجع واضح في برامج القوى العلمانية والليبرالية في المنطقة يقابله مد في نشاط قوى الإسلام السياسي وتأثير برامجه ومناهجها على عقول الناس وخاصة فئة الشباب والنساء .. أين تكمن أسباب هذا التراجع ؟ وكيف للقوى العلمانية والليبرالية إستعادة نشاطها وتأثيرها ؟ .
برهان غليون: البرامج الليبرالية والعلمانية هي جزء من مشروع الحداثة الحضاري الذي جمعنا مع الغرب في القرنين الماضيين. وبقدر تصاعد وتيرة صراعنا مع الغرب بسبب سياساته العدوانية من جهة وسوء إدارة سياساتنا الخارجية من جهة ثانية، زاد ابتعادنا عنه وزادت نزعة شعوبنا للانفصال عنه والارتداد بالمناسبة نفسها عن القيم الحديثة التي تربطنا به في مشروع واحد. وهو ما يفسر في الوقت نفسه عودة الرأي العام بأغلبيته إلى القيم والأفكار التي تميزنا عن الغرب، وهي بالضرورة تلك التي نستمدها من التراث والتاريخ لملء الفراغ الناشيء.لكن بعكس ما يعتقد الكثيرون، ليس هدف هذه العودة الحياة في التراث وتفعيل القيم القديمة، بقدر ما هي وسيلة لبناء ثقافة جديده مضادة وتبرير موقف معاد للغرب يعكس النقمة عليه والانتقام منه ومن نظم الحداثة التي لم تفرز هنا سوى ممارسات مناقضة تماما لما تعلن عنه.ولا يوجد أي أمل لدى القوى العلمانية والليبرالية في استعادة نشاطها وتأثيرها من دون إخراج مشروع الحداثة العربي والاسلامي بوجهه المادي ووجهه الفكري معا من المأزق الذي يعيش فيه منذ عقدين، أي من دون الخروج من نظام القمع والمضاربة والتلاعب والفساد المعمم، و وإطلاق روح الحرية والقانون والمبادرة والعمل المنتج والابداع.
*س3/ مازالت "نظرية المؤامرة" تتحكم بعقول الكثير من النخب السياسية العربية وأنظمة الحكم في المنطقة .. برأيكم على اي خلفية تأسست هذه النظرية ؟ وهل هناك أرضية لتخصيبها في ثقافتنا وفي وعينا الإجتماعي ؟
.برهان غليون: الأصل في نشوء فكرة المؤامرة هو التغطية على العجز النظري والسياسي الذي أظهرته النخبة في فهم سياسات الدول الكبرى واستراتيجياتها وايجاد السبل الكفيلة بالرد الناجع عليها وإحباطها. فما نسميه مؤامرة ليس هو في الحقيقة سوى سياسات وخطط منظمة ومعروفة، أو يمكن معرفتها من خلال البحث والدراسة العلمية، تبلورها القوى المختلفة في صراعها من أجل تحقيق أهدافها المنشودة، سواء أكانت هذه الأهداف أهدافا وطنية مشروعة أو أهدافا استعمارية. هكذا يجنب الحديث عن مؤامرات خارجية النخب الاجتماعية، والحاكمة منها بشكل خاص، النقاش في مسؤوليتها عن فهم حقيقة هذه الخطط ومضمونها وتحديد أهدافها وبلورة الاستراتيجيات أو الخطط المناقضة المطلوبة للرد عليها. والنتيجة هو إخراج العلاقات الدولية من الميادين السياسية وتجنيب الرأي العام مناقشتها على هذه الأرضية ووضعها على أرضية أخلاقية وعاطفية تبرر كل أخطاء السلطات والنخب الحاكمة وتطمس مسؤوليتها عن غياب المبادرة الفعالة لإحباط الخطط الاجنبية. فإبراز الاستراتيجيات المعادية في صورة المؤامرة هي جزء من آليات التلاعب بالرأي العام وحرف نظره عن نقائص النخب الحاكمة وضعفها. وبالتأكيد يتناسب حظ نجاح مثل هذا التلاعب طردا مع ضعف الثقافة السياسية وقيم المسؤولية عند المجتمعات وغياب معايير المحاسبة والمساءلة عند الرأي العام.
*س4/ طرحت الإدارة الأمريكية "مشروع الشرق الأوسط الكبير" وتبنت مجموعة من السياسات في هذا المجال وإتخذت من العراق , بحسب إطروحتها المعلنة , نقطة إنطلاق ونموذجاً لتحقيق الديمقراطية في المنطقة .. كيف تقيمون هذا المفهوم ؟ وهل أن ما يجري في العراق وفي مناطق أخرى من العالم من إتساع لعمل الجماعات الإرهابية هو دليل إخفاق لهذا المشروع أم أن هناك إستراتيجيات أخرى للإدارة الأمريكية تعمل على تحقيقها من خلال تواجدها في العراق ؟ .
برهان غليون: مشروع الشرق الأوسط الكبير هو اسم السياسة الجديدة التي أرادت إدارة الرئيس جورج بوش الابن أن تطبقها في المنقطة بعد احداث 11 ايلول سبتمبر 2001، وهدفت من ورائها إلى تعزيز قبضتها على الوضع في منطقة تنطوي في نظرها على مصالح استراتيجية وحيوية، في مقدمها النفط وأمن إسرائيل والموقع الجيوستراتيجي العالمي، وتتعرض لمنافسة قوية فيها ولتهديدات متزايدة مع تنامي قوى المقاومة السياسية والايديولوجية، وتفجر حركات الإرهاب الدينية الموجهة اكثر فأكثر نحو اهداف غربية، وأمريكية منها بشكل خاص. ولم تشكل الديمقراطية في هذه السياسة العامة إلا عنصرا تزيينيا أو ايدلولوجيا دعائيا أرادت من خلاله إضفاء نوع من الشرعية على اهدافها القومية الاستعمارية.ومن الطبيعي أن تتعرض هذه السياسة الشرق أوسطية الجديدة للإخفاق والانهيار. فقد راهنت كثيرا على تفوقها الاستراتيجي، واعتقدت أنها قادرة على حل جميع المسائل المعقدة بالقوة العسكرية، كما تجاهلت تماما مشاعر شعوب المنطقة وتمسكهم، مهما كانت مذاهب أبنائها وخياراتهم السياسية والايديولوجية، باستقلالهم، واستهترت من دون حدود بقدرة الناس على إدراك مصالحهم الخاصة. لا يلغي هذا احتمال أن تبدل الولايات المتحدة من استراتيجياتها وان تبادر، إذا فقدت الأمل بالسيطرة على عراق موحد على الطريقة الفيدرالية، أي من دون دولة مركزية قوية، وهذه كانت استراتيجيتها الأصلية، إلى القبول بتقسيم العراق وإقراره كأمر واقع، يمكنها من السيطرة عليه كاجزاء متفرقة ومتنافسة بعد أن أخفقت في السيطرة عليها ككتلة واحدة او شبة موحدة.
*س5/ بعد سقوط النظام الدكتاتوري في العراق , ظهرت العديد من منظمات المجتمع المدني التي تبنت برامج توعية مختلفة بحقوق الإنسان والمرأة ورعاية الطفولة وتقوم بالتثقيف على أهمية مفهوم المواطنة وقبول الآخر .. توجت هذه النشاطات برعاية المجلس العراقي للسلم والتضامن لحملة وطنية تقودها لجنة مشتركة من هذه المنظمات الفاعلة تعمل تحت شعار ( معاً من أجل العراق ) لمواجهة العنف والطائفية والتهجير ونشر ثقافة السلم والتسامح ... كيف تنظرون الى مثل هذه النشاطات ومدى تأثيرها على الحراك السياسي والإجتماعي في العراق ؟ .
برهان غليون: لحسن الحظ أنه لا تزال هناك قطاعات من الرأي العام مستعدة للتضحية من أجل المصلحة العامة، وقادرة على العمل على مستوى يتجاوز النزاعات الطائفية والمذهبية والسياسية، ويجمع بين كافة العراقين على مختلف أصولهم، وتقديم الخدمات الانسانية والسياسية لهم جميعا من دون تمييز.ونحن بحاجة إلى المزيد منها، وإلى تقويتها بجميع الوسائل. وربما أمكن لها إذا نجحت بالفعل في تجاوز الحدود الضيقة التي تعمل فيها أن تساهم بقوة في إطلاق ديناميكيات التواصل والتفاهم والمصالحة بين أبناء الشعب العراقي كافة، كما نأمل.

mardi, juillet 31, 2007

الخليج في قلب العالم

الاتحاد 31 تموز 07
أصبح الخليج العربي، منذ أن تكرس دوره كأعظم مورد وخزان للطاقة، قلب العالم النابض من دون مبالغة. وتحولت عواصم بلدانه الصغيرة، التي كادت أن تكون مجهولة الاسم منذ عقود قليلة، إلى نقاط جذب لا تنازع. فهي اليوم ساحة مفتوحة لحوارات ومناظرات لا تقتصر على شؤون الشرق الأوسط فحسب وإنما تتعدى ذلك لمناقشة شؤون العالم والمنظومة الدولية بأكملها. وهي ملتقى يومي للمفكرين والباحثين والسياسيين والاستراتيجيين العرب الذين فقدوا أي مركز يجمع بينهم أو يتيح لهم اللقاء للتداول في شؤون أوطانهم، وأكثر من ذلك، لمداولات لا بديل عنها بينهم وبين الباحثين والسياسيين والاستراتيجيين الأجانب، والغربيين منهم بشكل خاص، في جو لا يخلو من حرية الفكر واحترام الرأي الآخر ومقارعة الحجة بالحجة، وتعددية الآراء الفكرية والسياسية. وهي مقصد جميع أولئك الباحثين عن مستقبل أفضل، من مدراء الشركات العالمية الكبرى المتعددة الجنسيات، إلى العمال الآسيويين الفقراء والمحرومين، مرورا بأبناء الطبقة الوسطى، الذين تتراجع فرص نجاحهم في مناطق أخرى من العالم، جراء تطور السياسات العولمية، خاصة في البلاد العربية المجاورة. لقد انتقل مركز المنطقة العربية ونشاطها العقلي والدبلوماسي بصورة شبة كاملة إلى بلدان الخليج، بينما تراجع بشكل ملفت دور ما كنا نسميه بدول المركز العربي الرئيسية إلى الهامش، حتى لم يعد بعضها يظهر في الصورة السياسية أبدا. ونكاد نقول إن مصير الشرق الأوسط نفسه يتقرر اليوم في الخليج الذي أصبح النفوذ فيه أو السطيرة عليه رهانا استراتيجيا رئيسيا، ليس بالنسبة لشعوب المنطقة فحسب وإنما بالنسبة للقوى الدولية والعالم أجمع.
لا يرجع ذلك إلى احتواء منطقة الخليج على القسم الأعظم من الاحتياطيات النفطية، ولا إلى تحول هذه الاحتياطيات الاستثنائية والاستراتيجية بالمعنى القوي للكلمة إلى رهان إقليمي ودولي لا يمكن لطرف تجاهله من دون تكبيد نفسه خسارة كبيرة اقتصادية وسياسية - فهو من دون شك عصب المجتمع الصناعي ومن دونه يتحول هذا المجتمع إلى جثة هامدة تماما كما يحصل للعضوية التي تتوقف فيها الدورة الدموية -، ولكن يرجع أيضا إلى سياسات الانفتاح التي تبنتها النخب الخليجية عموما، وأخص بالذكر نخب تلك البلدان الصغيرة التي تعاني من هشاشة نسيجها السكاني، بالمقارنة مع إمكاناتها الكبيرة. والانفتاح شرط لا محيد عنه لأي مشروع نهضة عمرانية وتقنية وعلمية. هكذا تحولت عواصم الخليج ودوله الصغيرة، مع مشروعات البناء الطموحة، التي يزيد من قوة الاندفاع فيها خوف النخب الخليجية الحاكمة من أن تتحول بلدانها إلى لقمة سائغة في فم الدول الكبيرة المحيطة بها، إلى ورشات عمل وبناء أسطورية تجعلها تتطور كالفطر، وتجعل الزائر يشعر، بعد سنة من غيابه عنها أو أقل، أنه في بلد جديد لم يكن يعرفه من قبل. لقد انتقلت الحيوية العربية، الفكرية والسياسية والاقتصادية والمالية، بقسمها الأكبر، حتى لا نقول بأكملها، إلى هذه البقعة الصغيرة من المنطقة، بينما عم الركود جميع تلك الدول والمناطق التي كانت تشكل موضوع الرهان الأول لمشاريع النهضة والخلاص العربية. وعمت البداوة الحقيقية المراكز الحضرية الكبرى التي درج أهلها على النظر إلى سكان الخليج كنموذج للبداوة والتأخر الحضاري. وأصبحت حياة الفقر والفاقة والبطالة والعناء من نصيب تلك المراكز التي تتحول يوما بعد يوم إلى خزانات للبؤس والتوتر والانفجار.
في أطار هذه السياسة العمرانية الإرادية والنشطة، ومن أجل تاكيد مركزية الخليج في منطقة الشرق الاوسط، ينبغي أيضا فهم التطلعات المتزايدة لحكام الخليج إلى نقل الماركات العالمية الكبرى إلى أراضيهم، وتعزيز مكانة الثقافة والفكر وتنوعهما فيها. وهو ما يشير إليه مشروع المتاحف الأربع التي تخطط لبنائها إمارة أبو ظبي ومنها متحف اللوفر الفرنسي والعديد من المتاحف العالمية الكبرى. وفي الاتجاه نفسه ينبغي النظر إلى افتتاح فرع لجامعة السوربون الفرنسية التاريخية في عاصمة الإمارة ذاتها.
من الواضح إذن أن عولمة الشرق الأوسط تتم الآن من الخليج ولصالح تأكيد دوره ومكانته ونفوذه في المنطقة العربية بأكملها، في جميع الميادين الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والمعرفية. وهذا ما يجعل من تأكيد مصالحه في الأمن والاستقرار والنمو والتفتح أولوية ملحوظة في أي أجندة إقليمية. كما أن هذه العولمة تتبع نموذجا خاصا قائما على التعاون الكامل، إن لم يكن التطابق بين مصالح الخليج وسياساته ومصالح الدول والشركات العالمية الكبرى. وهو نموذج يناقض بالمطلق النموذج المتمحور على الذات الذي كانت تدعو له التيارات السياسية التنموية التي كانت ولا تزال تسيطر على نخب الدول العربية الكبرى، القومية منها والاشتراكية. ولا يتوقف أثر هذا النموذج الخليجي على تسويد علاقات التعاون والاعتماد المتبادل العميقة بين الاستراتيجيات الكبرى فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى ميدان القيم الاجتماعية والأخلاقية. فمن يستطيع أن ينكر اليوم أن أوجها كثيرة من الحياة العامة التي تميز نمط العلاقة بين الحكام والمحكومين، وبين المجتمع والدين، وبين الفئات الاجتماعية والشرائح والطبقات والعصبيات، كما تميز نماذج الاستهلاك في المجتمعات العربية، قد انتقلت بشكل أو آخر من الخليج، أو انتشرت انطلاقا منه، بوحي ما يمثله من موقع مميز في المنظومة الاقتصادية والمالية، إلى عموم البلاد المشرقية. وقد تم هذا الانتشار بطرق مختلفة منها تأثر النخب الحاكمة بطريقة الحكم الخليجية القائمة على الولاء للأسرة الحاكمة والالتفاف حولها، أكثر من الاعتماد على بناء مؤسسات دولة قانونية قوية، ومنها انتقال اليد العاملة المديد أو تنقلها بين بلدان الخليج والبلدان العربية الأخرى. ومنها تفاعل رجال المال والأعمال عبر الحدود، مع ما يمثله مجتمع الأعمال الخليجي من وزن استثنائي في مجموع الأعمال العربية. ومنها أخيرا التأثير الكبير الذي تمارسه وسائل الإعلام الخليجية، والفضائيات القوية التي انتشرت في السنوات الماضية، على ثقافة الاستهلاك الجماهيرية، المادية والدينية معا، ولكن بشكل أكير على توجهات الصحفيين والباحثين وموجهي الرأي العام عموما.
لا تعبر مركزية الخليج بما تعنيه من أولوية المصالح الخليجية في المنطقة، وانتشار القيم المستمدة من نمط الحياة الخاصة بمجتمعاته المحلية، عن تفوق الخيارات الخليجية بالضرورة، بقدر ما تعبر عن فشل الخيارات والنخب العربية المركزية، وإخفاقها في تحقيق نموذج مختلف للتنمية والأمن والاستقرار. لكن مهما كان الحال، يخلق انتشار أنماط الحكم والإدارة والاستهلاك، المستمدة من مجتمعات خليجية تتمتع بوفرة مادية ومالية استثنائية، في مجتمعات عربية بطيئة النمو ومحدودة الموارد والامكانيات، تحديات متزايدة للنخب العربية المركزية، ويشكل مصدر توترات وتناقضات كانت ولا تزال في أساس انعدام الأمن والاستقرار في هذه البلدان، وسيرها الحثيث منذ عقود ثلاثة في اتجاه التحول إلى نظم أمنية، إن لم نقل فاشية. فليس من الممكن لأنماط الحكم الخليجية الخاصة، ولا لمنظومات القيم الاستهلاكية التي بعثتها الوفرة المالية، أن تعيش في مجتمعات كبيرة انتشرت فيها القيم الفردية، المدنية والسياسية، من دون أن تثير ردودا قوية لا أمل للنخب الحاكمة في تجنبها من دون تشريع اللجوء المستمر إلى القوة القهرية، المادية والمعنوية. وفي هذا الإطار لا يمكن للأزمة النووية الايرانية إلا أن تشكل كابوسا لا يؤرق بلدان الخليج فحسب ولكن جميع الدول الصناعية، إن لم تعلن، لو أسيئت إدارتها، نهاية الحقبة النفطية في أوج ازدهارها وتوهجها

vendredi, juillet 06, 2007

حوار حول حماس والازمة الفلسطينية

اسلام اون لاين نات
نشر في 27 يونيو 07

برهان غليون: الصف الثاني الأنسب لحماس *
حوار - هادي يحمد

المفكر العربي برهان غليوناعتبر "برهان غليون" المفكر العربي البارز ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر والأستاذ في جامعة باريس الثالثة، أن حركة حماس استدرجت إلى "الفخ الأمريكي"، والذي يرمي إلى حصارها والقضاء عليها. ورأى غليون أن هذه إشكالية العمل السياسي الكبرى التي تواجه الحركات الإسلامية بوجه عام، أي خطأها في تقدير واقع البيئة الدولية والإقليمية، وأنها لا تأخذ بالقدر الكافي مسألة أنه لم يعد هناك سياسة اليوم مستقلة كليا عن محيطها.
وفي حوار خاص مع شبكة إسلام أون لاين.نت، رأى غليون أن الأنسب لحركة حماس أن تبقى في الصف الثاني أو تبقي على نفسها في دائرة المعارضة فقط؛ وذلك لأن طبيعة البيئة الجيوسياسية الدولية تدين مسبقا أي عمل سياسي "إسلامي".
وإضافة إلى ذلك فإن حركات المقاومة الإسلامية الوطنية، ومنها حماس وحزب الله، لم تستوعب معادلة "مقلوبة" تقول إنه كلما تعاظمت تضحيات الحركات الإسلامية قلت قدرتها على إنجاز مكاسب سياسية، أي تضحيات أكثر تساوي مكاسب سياسية أقل.
ولفت غليون النظر إلى أن الانقسام الذي حدث داخل صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية إنما يعبر في جانب منه عن المأزق الذي يعيشه مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والعربي منذ عقود طويلة، حتى أننا في فلسطين وغيرها من البلاد العربية تجاوزنا نقطة الانقسام ووصلنا إلى القطيعة ثم إلى المواجهات الداخلية.
وفيما يلي نص الحوار:
* ما هو تحليلكم للواقع الفلسطيني اليوم في ضوء سيطرة حماس على قطاع غزة، وسيطرة فتح بقيادة محمود عباس على الضفة الغربية؟ وهل نحن بصدد منعرج سيغير أولويات النضال الوطني الفلسطيني؟
- نعم، نحن بصدد منعرج خطير، لكنه ليس في الاتجاه الذي كنا نتمناه بل في الاتجاه المعاكس، فمن الواضح أن تناقضًا عميقًا قد نشأ داخل الحركة الوطنية الفلسطينية منذ التسعينيات، ودفع إلى نشوء حركتين من توجهات وحساسيات ومناهج ورؤية مختلفة تمامًا؛ فتح المرتبطة بأيديولوجية الحركات الوطنية الحديثة من جهة، وحماس ذات التوجه الإسلامي الواضح من الجهة الثانية.
وبالرغم من الخلاف الشديد في أسلوب التفكير والإستراتيجية والهدف، أمكن حتى وقت قريب الحفاظ على حد أدنى من التعايش، إن لم نقل التواصل، بين ما أصبح يشكل جناحي الحركة الفلسطينية. وقد بدأ هذا التناقض يتفاقم شيئًا فشيئًا مع تنامي فتح التي سيطرت على مقاليد الأمور في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية، وصار للفئة القائدة فيها مصالح في الدفاع عن الوضع القائم، فمالت إلى الاعتدال، ثم المساومة في علاقتها مع إسرائيل، وبشكل خاص مع البلدان الغربية التي تمول السلطة الوطنية.
ومن جهة أخرى تفاقم إحباط الشعب الفلسطيني الذي أخذت حماس في التعبير عنه، بسبب تراجع الوضع الفلسطيني وغياب الإنجازات وانتشار الفساد في أوساط الإدارة الفلسطينية.
وقد دفع هذا التناقض المتنامي إلى المواجهة السياسية بين حماس وفتح، وفي سياق هذه المواجهة تخلت حماس عن موقفها التقليدي بالبقاء في موقع المعارضة ودخلت الانتخابات التشريعية لتظهر قوتها وتؤكد مواقفها. ومنذ ذلك الوقت أخذ النزاع بين الطرفين وتيرة متصاعدة باضطراد، حتى وصلنا إلى قطيعة كاملة بينهما، قبل أن تتحول هذه القطيعة السياسية إلى قطيعة على الأرض، تتجسد في تكوين سلطتين مستقلتين بعضهما عن بعض، وقائمتين في قطعتين من الأرض الفلسطينية.
وينطوي هذا الوضع على انهيار خطير في مشروع السلطة الوطنية أو ما أطلقنا عليه سلطة وطنية فلسطينية، كما ينطوي على مشروع حرب أهلية مدمرة. ومنذ الآن يقوم كل فريق في منطقته باحتكار السلطة والقضاء على الفريق الآخر.
وما كان من الممكن لإسرائيل أن تحلم بوضع أفضل، فانفصال حماس عن السلطة الوطنية يمهد لفرض الحصار عليها في غزة، ويجعل منها هدفًا سهلا من الناحية السياسية لآلة الحرب الإسرائيلية التي تستطيع منذ الآن، بذريعة القضاء على الإرهاب، توجيه ضربات مستمرة واغتيال قيادات سياسية، وبمأمن من أي نقد، وبإغماض عيون الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية نفسها في الضفة الغربية.
وسيدفع وضع حماس أمام خيار الحصار والموت بشبابها حتما إلى المزيد من التطرف والمغالاة. وفي المقابل ستدفع الدول المانحة وإسرائيل إلى احتواء فتح وسلطتها الوطنية في الضفة من أجل دفعها إلى الوقوف في وجه حماس وتأكيد تبعيتها المتزايدة للسياسة الأمريكية/الإسرائيلية. وهذا ما سوف يؤجل إلى أجل غير منظور مسألة إيجاد حل للقضية الفلسطينية، ويمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستيطانية والتهرب من التزاماتها الدولية، إذا لم تنجح دول الجامعة العربية في احتواء الموقف بسرعة.
* بعد استيلاء حركة حماس بالقوة المسلحة على قطاع غزة.. هل نحن بصدد تأكيد الصورة التي رسمت على كون الحركات الإسلامية بشكل عام همها الأول الاستيلاء على السلطة مهما كانت خصوصياتها؟
- لا أعتقد أن الاستيلاء على السلطة كان هو الدافع الرئيسي لدخول حماس الانتخابات التشريعية، ولا لاستخدامها السلاح في قطاع غزة كان لتأكيد سيطرتها على القطاع. ليس هناك في نظري أي شك في أن حماس تضع القضية الوطنية الفلسطينية في بؤرة اهتمامها، وتتعامل مع قضية السلطة من هذا المنظور.
وفي اعتقادي أن حماس وقعت في فخ نصبته لها الإدارة الأمريكية في إطار الحرب ضد ما تعتقد هذه الإدارة أنه امتدادات للقوة الإيرانية والسورية الإقليمية، بهدف قطعها عن العالم ومحاصرتها وتشديد الخناق عليها.
* بخصوص الحركات الإسلامية.. هل نستطيع القول إن حماس وضعتها مجددا في مأزق جديد خاصة أمام المجتمع الغربي وهو ما يزيد من التخوفات منها مهما كان اعتدالها؟
- نعم، سوف يستخدم مثال حماس في الدعاية العالمية وحتى العربية للتدليل على أن الحركات الإسلامية لا تفكر إلا في السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب القضايا الوطنية الكبرى، وأنها حركات متطرفة وعنيفة، لا يؤمن جانبها، وليس هناك خيار آخر للتعامل معها سوى محاربتها. وهو ما يقود إلى تأكيد منطق الحرب ضد الإرهاب الدولي الذي تعتمده الإدارة الأمريكية في سياساتها الدولية، وتجعل منه محور إستراتيجيتها في الشرق الأوسط والعالم. لكن لم تكن هذه الإدارة بحاجة إلى ما حدث في غزة حتى تبرر مذهبها الإستراتيجي، فلديها أمثلة كثيرة أخرى تستطيع أن تستعين بها، في العراق وغيره، لتضفي الشرعية على سياستها الاستعمارية الجديدة.
بيد أن ذلك لا يعفينا نحن من مراجعة التجربة وأخذ العبر منها. وفي اعتقادي أن مشكلة الحركات الإسلامية الوطنية المماثلة لحماس وحزب الله، وهي حركات مقاومة شعبية، تختلف كثيرا في بنيتها وأساليب عملها وأهدافها عن منظمات مثل القاعدة وفتح الإسلام وغيرها من الفرق ذات الطابع الإرهابي. ولا تنبع المشكلة من استخدام هذه الحركات الوطنية السلاح ولا مشاركتها في السلطة أو سعيها إليها، فهذا ليس ممنوعا ولا محرما على الحركات الشعبية التي تواجه الاحتلال، مهما كانت العقيدة السياسية التي تحملها.
لكن مشكلتها تكمن في أنها لا تأخذ ـ بما فيه الكفاية ـ في الاعتبار أنه لم يعد هناك سياسة اليوم مستقلة كليا عن محيطها، وأن السياسة ذاتها أصبحت مسألة إقليمية ودولية. فالسلطة الفلسطينية التي قامت بعد اتفاقات أوسلو ليست ثمرة قوة فلسطينية مستقلة، وإنما نتيجة تسوية متعددة الأطراف، دولية وعربية وفلسطينية، حصلت كحل وسط بين الحل النهائي للقضية الفلسطينية والاستمرار في الحرب الوطنية المفتوحة. وإذا أراد طرف، حتى لو كان ذا قاعدة شعبية عريضة، حرف هذه السلطة "الوطنية" عن مسارها أو استخدامها لغير الأغراض التي رسمت لها، فلن يتردد القائمون عليها من القضاء عليه أو القضاء على من يريد حرفها عن أهدافها.
وينطبق هذا المبدأ المتعلق بطبيعة العملية السياسة التي أصبحت عابرة أكثر فأكثر للحدود، على ما يتجاوز ذلك بكثير، أي على أي عمل سياسي. وهنا تكمن أزمة العمل الإسلامي في السياسة العربية والدولية. فبسبب إدانته المسبقة من قبل البيئة الدولية، حتى لو كانت هذه الإدانة على باطل، لا يستطيع هذا العمل أن يثمر مكاسب سياسية، بل إن نتائجه تزداد سلبية بقدر رفض القوى الدولية التعامل معه.
وهكذا كلما تعاظمت تضحيات الحركات الإسلامية كلما قلت قدرتها على إنجاز مكاسب سياسية. وهنا تكمن المفارقة: تضحيات أكثر تساوي مكاسب أقل، وهو ما يعني أنه كلما زادت الحركات الإسلامية قوة كلما قل مردودها السياسي.
باختصار لا تسمح شروط البيئة السياسية والجيوسياسية الدولية اليوم بتنفيذ أي أجندة إسلامية سياسية كأجندة وطنية. وخطأ حماس أنها أرادت، بالإضافة إلى ذلك أن تعطي لنفسها أبعادا دولية فاتصلت بإيران بعد أن كانت على علاقة قوية بسوريا، فأثارت حفيظة جميع القوى التي تقف في الصف المقابل، بما فيها قوى أغلبية الدول العربية. وكان الأفضل لحماس أن تبقى في الموقع الثاني، وألا تتصدر الحركة الوطنية، حتى تحمي نفسها، وتمكن قوى أخرى من قطف ثمار تضحيات الشعب الذي يعمل تحت رايتها، لكن هذا يتطلب حسا بالتفاني لا حدود له، وتجاوزا للإساءة والاستفزاز اليومي الموجه بالضرورة لها من قبل خصومها ومنافسيها معا.
* برأيكم ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة هل هو مواصلة للمواجهة بين المحور الإيراني السوري الذي له أنصار في الأراضي المحتلة أمام ما يطلق عليه البعض المحور المعتدل، والذي يتشكل من بعض الأنظمة العربية المساندة للإدارة الأمريكية؟
- كما ذكرت سابقا، جانب من ذلك موجود بالطبع، لكن ذلك ليس الأمر في مجمله. فالاستقطاب الإقليمي والدولي الذي حصل، ودفع حركة حماس إلى التقرب من إيران وسوريا، كما دفع حركة فتح إلى التماهي مع ما يسمى بحكومات الاعتدال العربية، واكب التباعد المضطرد بين مواقف وتوجهات وأسلوب عمل قطبي الحركة الوطنية الفلسطينية.
وكان الاستقطاب بهذا المعنى تتويجا للانقسام الوطني نفسه، وتبني إستراتيجيتين متباينتين ومتعارضتين: الأولى تراهن على الضغوط العربية والدولية، وتتبنى تكتيكات سياسية لفتح أفق التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، والثانية تصر على متابعة الكفاح المسلح وتكثيف الضغوط العسكرية وتعميم ثقافة المقاومة والشهادة كوسيلة لتحرير جميع الأرض الفلسطينية وطرد المستعمرين اليهود منها.
السؤال: هل كان الطلاق بين الفريقين والإستراتيجيتين حتميًّا أم أنه كان من الممكن حصول تسويات مؤقتة أو مستمرة بينهما؟ في اعتقادي أن مثل هذه التسويات كانت ممكنة، وهو ما دل عليه تطور التصريحات المؤكدة على استعداد حماس للقبول بدولة فلسطينية في الضفة وغزة، وتجميدها للعمليات العسكرية واقتراحها مبدأ هدنة طويلة، إذا التزمت إسرائيل بذلك. وهو ما يبرهن عليه أيضا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
ونحن نعرف أن هذه التسويات لم تحظ بموافقة واشنطن ولا تل أبيب، وتمت إدانتها من قبلهما، فهي تجنب حماس العزلة والحصار والحرب التي تريد العاصمتان فرضها عليها. وهو ما سعت إليه وعملت على تحقيقه في النهاية من خلال استفزاز حركة حماس، وإدخالها في حرب داخلية، والضغط على الدول العربية التي رعت إنشاء حكومة الوحدة الوطنية للتخلي عن مساعيها، واتخاذ موقف إدانة رسمية وصريحة لحماس، وتأييد حكومة محمود عباس وحدها... لذلك نتمنى أن تكون هناك تفهمات عربية جديدة تعمل على رأب الصدع بين الحركتين، ولا تستجيب كلية للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا غير مستحيل عمليا، حتى في ظل الحديث عن المحاور الإقليمية.
* إلى أين نسير في الأراضي المحتلة؟ هل يمكن أن نتحدث عن نهاية مشروع التحرر الوطني الفلسطيني أو أنه بحاجة لوقت طويل حتى يستيقظ ثانية؟
- يعيش مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والعربي معه في مأزق منذ عقود طويلة، بل إن وصوله إلى طريق مسدودة هو الذي يفسر الانقسام الذي حصل داخل صفوف الحركة الوطنية، والاستقطاب المتزايد فيه بين قوى تريد التعامل مع الواقع، بل الاستسلام له، من جهة، وقوى أخرى تريد الذهاب أبعد في التحدي والمواجهة وتلقين دروس في التضحية وقبول المخاطر، وهو ما أصبح مصدر مزايدة البعض في البرهان على الاستعداد للشهادة واستخدام العنف، والبعض الآخر في الذهاب حتى التفاهم والتعاون مع الأجنبي للحفاظ على المصالح البسيطة المجسدة في الاستقرار الأدنى وتأمين شروط الحياة اليومية.
وقد تجاوزنا اليوم في فلسطين وغيرها من البلاد العربية نقطة الانقسام ووصلنا إلى القطيعة الناجزة، بل إلى المواجهة الداخلية التي تعبر عن نفسها أكثر فأكثر من خلال المواجهة الإقليمية بين دول الاعتدال المرتبطة بالكتلة الغربية ودول الممانعة والمقاومة والصمود الممثلة بإيران وسوريا والمنظمات المتحلقة حولهما. وإذا استمر هذا الاتجاه فسوف تذوب المشاريع والصراعات الوطنية ومشاريع التحرير وتنحل في المواجهة الإقليمية وتنتهي معها.
لذلك لست متأكدا من أنه ما يزال من الممكن أن نستخدم مفاهيم عادية أو قياسية مثل مشاريع التحرر الوطني؛ لوصف ما يجري في منطقة خرجت فيها إستراتيجيات الدول والمنظمات عن أي قواعد مرعية، وأصبحت اللغة الوحيدة السائدة فيها هي لغة الهمجية والقتل والخراب أو التهديد بالخراب الشامل، وذلك بقدر ما تنزع القوى المتضاربة، الدولية والإقليمية التي تعيش مأزق مشاريعها السلطوية، إلى استخدام جميع الوسائل، مهما كانت لا أخلاقية ولا إنسانية، لتحرير نفسها من القيد، أو للخروج من المطبات التي وقعت فيها، والحفاظ على رهاناتها ومصالحها، وهذا ما يعني أن المواجهة مستمرة، وأن شيئا لم يحسم ولن يحسم في المدى المنظور، طالما لم تدرك القوى الكبرى أنها لن تستطيع الحفاظ على مصالحها من دون اعتبار مصالح الأطراف الأضعف والتعاون معها على صيانتها وتعظيمها.
*حوار أجراه مراسل شبكة إسلام أونلاين. نت في باريس مع المفكر العربي البارز "برهان غليون" مدير مركز دراسات الشرق المعاصر، والأستاذ في جامعة باريس الثالثة.

mercredi, juillet 04, 2007

السياسة الخارجية السورية بين المباديء والمكاسب

اتحاد 4 يونيو 07
حظيت السياسة السورية الخارجية، التي أرسى قواعدها الرئيس حافظ الاسد منذ أربعة عقود، بتقدير كبير من قبل كتاب ومحللين سياسيين عالميين وعرب. وجعل النظام من التفاف الأحزاب والقوى السياسية السورية جميعا من حولها نقطة إجماع وطني لا يجوز المساس بها أو تجاوزها. وقد قامت هذه السياسة عموما خلال العقود الثلاث الأخيرة على التدخل القوي، السياسي والعسكري، في الشؤون الداخلية للبلدان او الحركات الوطنية العربية والإقليمية، بدءا من النزاع العراقي الايراني، إلى النزاع الكردي التركي، مرورا بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي، واللبناني الاسرائيلي، وغيرها. فقد أعطت دمشق لنفسها الحق، باسم الالتزام القومي أحيانا وباسم المصالح الوطنية السورية أحيانا أخرى، في أن تكون طرفا في النزاعات الداخلية العربية، وإذا لم تجدها، لم تتردد في اختلاقها وتوسيعها.
لكن الاحباطات الكثيرة التي واجهتها دمشق في السنوات الماضية، زاد التشكيك في حقيقة الفائدة التي جنتها سورية من هذه السياسة. ويسود شعور طاغ اليوم بان هذه السياسة ربما تكون قد وصلت إلى نهاية طريقها. فبعد أن كان للتدخل في نزاعات داخلية عربية وإقليمية عائدا ايجابيا يؤمن لدمشق فوائد متعددة، استراتيجية أو اقتصادية أو سياسية، أصبح هو نفسه اليوم، بعد تبدل وجهة السياسة الامريكية الشرق أوسطية، سببا في دفع سورية إلى بؤرة صراعات الشرق الأوسط جميعا، وجعلها موضوعا رئيسيا للنزاع. هذا هو الحال في ما يتعلق بعلاقة دمشق الاستراتيجية مع طهران، وتحالفها مع أطراف المقاومة الفلسطينية الرديكالية، العلمانية والإسلامية، وتمسكها بنفوذها الاستثنائي في لبنان، ودعمها العلني للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي.
ففي نظر العديد من العواصم الدولية، وليس الإدارة الأمريكية الراهنة فقط، أصبحت دمشق محور سياسة شرق أوسطية حاملة لمخاطر كبيرة. فهي متهمة بسبب تدخليتها الواسعة هذه بدعم الإرهاب، أو على الأقل التلاعب به من أجل تأكيد نفوذها وتوسيع رقعة مصالحها الوطنية. وباستثناء بعض الكتاب اليساريين أو شبه اليساريين الغربيين الذين يدفعهم عداؤهم الايديولوجي والسياسي لسياسات واشنطن الهيمنية إلى إبداء تعاطف نسبي مع سياسة دمشق الخارجية، كما مع غيرها من العواصم التي تبدي تماسكا أكبر تجاه التسلطية الأمريكية، يكاد جميع المسؤولين في الدبلوماسية الدولية ينظرون إلى السياسة السورية الإقليمية والدولية نظرة مليئة بالريبة. فهي إما أن تكون في نظرهم سياسة متهورة تفتقر للمعايير العقلانية والواقعية، أو أنها تسعى بالفعل إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها، في سبيل دفع الأذى المحتمل عنها أو تأكيد نفوذها بوسائل لا شرعية لدى جيرانها وعلى حساب مصالحهم الوطنية.
لكن الدبلوماسيات الغربية ليست الوحيدة التي تنظر بعين الريبة إلى الخيارات السورية في السياسة الخارجية. فمثل هذه الريبة بدأت تغزو أيضا الرأي العام السوري ذاته، أو قطاعات واسعة منه، لا تقتصر على حلقات المعارضة الضيقة أبدا. ولا تعني الريبة التشكيك المطلق بهذه الخيارات وإنما التساؤل، من وراء إعلان التأييد الظاهري لها، عما إذا كانت تنطوي دائما على خيارات سليمة وناجعة. فعلى سبيل المثال، هل كان دعم المقاومة الكردية الماركسية، أعني حزب العمال الكردستاني، خلال سنوات حكم الرئيس حافظ الأسد الطويل، ضد الحكومة التركية، مفيدا لسورية؟ وهل كان لتأييد جميع أشكال المقاومة المسلحة في العراق، بكل ما انطوت عليه من تناقضات، وبصرف النظر عن منطلقاتها الفكرية ووسائل عملها وتقنياتها العسكرية، نتائج ايجابية أيضا تخدم المصالح السورية العليا؟ وبالمثل ما هي الفائدة التي جنتها دمشق في النهاية من تشجيعها الانقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، واختيارها الوقوف إلى صف التيارات الرديكالية الفلسطينية، من الجبهة الشعبية بشقيها، العادية والقيادة العامة التي يترأسها أحمد جبريل، ثم دعمها لحركة حماس الاسلامية منذ التسعينيات، ضد ياسر عرفات ومنظمة فتح المركزية التي كانت تمثل الأكثرية السياسية في الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وهل أعطى التحالف مع ايران وبالتالي مع حزب الله في لبنان، فوائد لدمشق تفوق تلك التي كان من الممكن أن تجنيها سورية لو اختارت توثيق الروابط مع المنظومة العربية؟
تتلخص إجابات أنصار دمشق بنظريتين متباينتين يشكلان في الوقت ذاته تأويلين لهذه السياسة نفسها. الأولى ذات سمة واقعية أو "ريل بوليتيك" تفيد بأن هذه السياسة هي التي ضمنت ولا تزال تضمن لسورية أوراقا إقليمية أساسية من أجل العمل والمبادرة على ساحة الشرق الأوسط. ومنها استمدت سورية نفوذا كبيرا في المنطقة، وتحولت إلى دولة فاعلة ومؤثرة يخشى جانبها، بعد أن كانت، في الخميسينيات والستينيات، موضوع نزاع بين الدول الأخرى العربية وغير العربية. وهذا يعني أن النفوذ الذي يؤمنه التدخل في قضايا الدول المجاورة هو السند للدفاع عن المصالح السورية الوطنية، وأن أي تراجع عنه يعني المغامرة بتعريض هذه المصالح للخطر. وربما كان أولها المصالح الأمنية. ومن هذا المنظور من الطبيعي ان لا تثير النزاعات التي تتفجر من حول سورية قلقا كبيرا لدى القيادة السورية، بل بالعكس. إنها تؤكد بالنسبة لها صحة خياراتها. فهي تعتقد اليوم أكثر من أي يوم مضى أن أفضل وسيلة لدفع الضغوط الخارجية ومنعهم من اللعب بالساحة الداخلية، هي تكثيف الضغوط عليهم، مباشرة أو من خلال حلفائهم المحليين، او ما ترى فيهم ذلك، واللعب في ملعبهم. وأن أفضل وسيلة لنيل السلام والهدوء والراحة في الداخل هو أن إنهاك الآخرين وحرمانهم من الاستقرار.
أما النظرية الثانية فهي من طبيعة عقائدية مناقضة تماما للأولى. فهي ترى في التدخلية السورية تجسيدا لوفاء دمشق لمبادئها القومية والوطنية التقدمية. ومن هذا المنظور ليست الجهود التي تبذلها سورية للبقاء في قلب الشؤون الداخلية العربية استثمارات سياسية واستراتيجية تهدف إلى الحصول على مكاسب استراتيجية أو اقتصادية أكبر، وإنما هي تضحيات يقوم بها السوريون لايمانهم بالقيم الوطنية والقومية، ودفاعهم عن استقلال العرب وحريتهم وكرامتهم. وفي هذه الحالة لا بأس في أن لا تكون لهذه السياسة عوائد حقيقية، من أي نوع كان. فهي ليست مقصودة لفوائدها وإنما هي واجب يقع على السوريين ولا يمكنهم تركه أو تجاهله من دون أن يفقدوا مبرر وجودهم السياسي والعقائدي معا. ومن شواهد النظرية الأولى اعتقاد مراقبين كثر، بل ومسؤولين سوريين، أن التحالف مع طهران ضمن ولا يزال يضمن وجود حزب الله كورقة للضغط على إسرائيل وإجبارها على إعادة الجولان إلى سورية. وينطبق الأمر نفسه على الدعم السوري السابق للحركة الانفصالية الكردية بقيادة أوجلان في تركيا. فقد كان الرئيس حافظ الأسد يعتقد أنه سوف يتمكن عن طريق هذا التحالف من إجبار أنقرة على الاعتراف بحصة سورية الطبيعية من مياه الأنهار المشتركة، التي توجد منابعها في تركيا. أما التحالف مع حركات المعارضة الفلسطينية، مهما كان اتجاهها السياسي والعقائدي، علمانيا أم إسلاميا، فالهدف منه قطع الطريق على أي تسوية منفردة يمكن للحركة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات، الأقرب في تحالفاته إلى مصر والمملكة السعودية، أن تعقدها مع إسرائيل قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سورية إسرائيلية تعيد الجولان المحتل.
لكن بالرغم من أن النظام يستخدم الحجتين لتبرير خياراته السياسية، خطاب الواقعية السياسية وخطاب المثالية الايديولجية القومية، إلا أن الخطاب القومي هو الذي يسود أحاديث وخطب المسؤولين في الحزب والدولة. هكذا لا يكف المسؤولون السوريون، عندما يوجه لهم النقد بسبب تدخلهم في الشؤون العراقية أو اللبنانية أو الفلسطينية، عن تكرار الفكرة ذاتها التي تفيد بأن سورية قدمت تضحيات كبيرة في لبنان، أو أنها لا تقبل بتقسيم العراق أو تغيير طبيعته القومية، أو أنها ترفض تصفية القضية الفلسطينية من قبل التيارات الانهزامية والاستسلامية. أما المعارضة فهي تستهين كثيرا بالحجة القومية التي يستخدمها المسؤولون السوريون، وترى فيها وسيلة للتغطية على المقاربة الأولى أو تبريرا لها. لكن المعارضة لا تناقش جديا نظرية الواقعية السياسية التي تنظر إلى النشاطية المفرطة على أنها الخيار الوحيد لسورية إذا أرادت أن تحافظ على موقعها الإقليمي وتتملك أوراقا للفعل الاستراتيجي تضمن مصالحها الوطنية وتبعد عنها القوى والحركات الطامعة فيها أو المهددة لاستقرارها ووحدتها الوطنية. فهي إما أنها تشارك في النظرة ذاتها إلى مسألة النفوذ الإقليمي، أو بعبارة أدق سياسة الهيمنة الإقليمية، التي اعتبرها أنصار الحكم البعثي باستمرار على أنها مركزالإنجاز الرئيسي لنظام الأسد، أو أنها لا تأخذ مأخذ الجد ادعاءات النظام حول مبررات السياسات التدخلية الخارجية وتتهمه مسبقا بأنه لا يهدف منها إلا إلى خدمة النظام وتأمين دفاعاته ومصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية السورية. لكن هذا الموقف يقطع الطريق مسبقا على أي مناقشة جدية لأهداف السياسة الخارجية السورية وأساليب عملها. ويفقد المعارضة نفسها في هذه الحالة فرصة بلورة سياسة خارجية سورية وطنية بالفعل، أي لا تتوسل خدمة نظام أو عقيدة او رؤية خاصة ولا الدفاع عن مصالح فئوية.
ينبغي في اعتقادي، بالعكس من ذلك، أخذ ادعاءات النظام على محمل الجد حتى يمكن فحصها بطريقة منهجية تمكننا وحدها من بلورة رؤية لأهداف السياسة الوطنية السورية ومعرفة أفضل الأساليب لخدمتها والدفاع عنها. والسؤال الذي يطرح اليوم، ونحن على أعتاب حرب إقليمية وحروب طوائفية منظورة وغير منظورة، تشكل التدخلية السورية أحد ذرائعها ومبرراتها، هل كان الانخراط في النزاعات الداخلية للأقطار العربية، سواء جاء استجابة لمراكمة أوراق ضغط استراتيجية أو تحقيقا لعقيدة قومية، الخيار الوحيد الممكن لبناء استراتيجية سورية وطنية، أم كان من المحتمل الوصول إلى الأهداف ذاتها بالطرق الدبلوماسية وأساليب التفاوض السياسية؟ وهل ساعدت هذه التدخلات في النزاعات الداخلية العربية والإقليمية في تحقيق المصالح السورية أو تحقيق جزء منها، أم عملت بالعكس على ابعاد دمشق بشكل أكبر عن إمكانية ايجاد الحلول لمشاكلها الوطنية؟ والجواب على هذين السؤالين يفترض منطقيا الإجابة على سؤال سياسي أسبق يتعلق بتعريف المصالح الوطنية السورية، وتحديد في ما إذا كانت مصلحة نوعية واحدة أم مصالح متعددة ومتباينة في سلم الاهمية والأولوية.

jeudi, juin 28, 2007

سورية والمحكمة الدولية

الجزيرة نت
من الطبيعي والمشروع أن يشكل التحصن ضد مضاعفات المحكمة الدولية الهاجس الرئيسي للسلطة السورية اليوم. بيد أن من الخطأ الاعتقاد بأن أفضل وسيلة للتغلب على نتائج هذه المحكمة وقطع الطريق على الضغوط الخارجية، وتجنب الحصار والعقوبات الاقتصادية، التي من المحتمل أن تفرض حسب قرار مجلس الأمن، هو إلغاء الحياة السياسية، وإغلاق كل أبواب النقاش والتفكير والنقد، وإخماد أنفاس المجتمع المدني والمعارضة بأي وسيلة، قانونية أو غير قانونية. فبالاضافة إلى ما تعبر عنه من اضطراب، وما تشكله من مظلة تحتمي تحتها قوى الفساد الخطيرة في البلاد، ليس هناك أي أمل في أن تردع مثل هذه السياسة القوى الخارجية المعادية للنظام، ولا أن تقدم أي ضمانة لاحتفاظ السلطة بالسيطرة الشاملة التي تحلم بها، ولا في منع التجاوزات السياسية أو التخريبية. وتقدم التجربة العراقية المعاصرة درسا تاريخيا ثمينا في هذا المجال. فلم تنجح سياسة الإغلاق الشامل لنظام صدام على أي معارضة أو اختلاف أو انتقاد في ضمان الأمن والاستقرار، بل عملت بالعكس على نقل المعركة الداخلية إلى الساحات الخارجية، وساهمت في بناء معارضة مرتبطة بالقوى والمصالح الأجنبية، كان لها اليد الطولى في تدمير النظام، الذي كان قد أجهز، هو نفسه، على آخر ما تبقى له من شرعية، بفرضه منطق القمع الشامل على المجتمع والفرد.
وليس من الصعب فهم هذه الديناميكية التي قادت العراق إلى الدوامة الجهنمية التي يعيش فيها اليوم. فالضغوط المتزايدة التي تمارسها الدول الغربية على نظم تعمل بمنطق السيطرة الكلية، ولا تخضع لأي معايير سياسية أو أخلاقية، تتحول إلى ضغوط مباشرة ومضاعفة من قبل النظام على المجتمع، وتتجلى عبر جهود متزايدة لتحطيم قوى المعارضة الديمقراطية وغير الديمقراطية، أملا بإغلاق كل المنافذ وسد الذرائع والثغرات. ولا يلبث هذا الضغط المتزايد على قوى المعارضة الداخلية حتى يفجرها وينقل مركز الثقل إلى أقسامها الخارجية التي تجد نفسها تلقائيا في موقع القيادة، نظرا لما تحظى به من قدرة على الحركة والمبادرة وبناء التحالفات مع القوى الدولية، في الوقت الذي يقبع فيه قادة المعارضة الداخلية السلمية والوطنية، في السجون والمعتقلات. ويدفع اليأس من إمكانية التغيير السياسي من الداخل بقطاعات متزايدة من الرأي العام المتذمر إلى التطلع نحو هذه المعارضة الخارجية، التي تشعر أكثر فأكثر أن عليها يقع منذ الآن واجب العمل بجميع الوسائل للرد على طلبات التغيير الموجهة إليها، وتجد نفسها تحت ضغوط متزايدة للتحالف مع الشيطان حتى لا تخسر الرهان ولا تخون الآمال المعلقة عليها.
هذا ما يفسر كيف أن حركات كانت بالأصل معادية عداءا شديدا للولايات المتحدة وسياساتها الإقليمية، مثل الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب والتكتلات الاسلامية الشيعية، قد قبلت بسهولة وسرعة التكيف مع الاستراتيجيات الغربية، وأحيانا الارتماء في أحضانها، ثم المشاركة في مشروع غزو بلادها ووضعها تحت الوصاية الأجنبية. فالناس لا يولدون خونة ولا متآمرين ولكنهم يصبحون كذلك نتيجة المواقع التي يجبرون على احتلالها والأدوار التي يدفعون إلى لعبها، أي عندما لا يجدون لأنفسهم ومصالحهم مخرجا آخر ولا خيارا، سوى التفاهم مع القوى الخارجية القابلة لأن تتبني قضيتهم حتى لو كان ذلك، وهو لا يمكن إلا أن يكون، لتحقيق مآرب خصوصية. هكذا تعمل الردود القمعية على الضغوط الخارجية عملها، وتحقق أهدافها، بصرف النظر عن إرادة الناس الذين يخضعون لها، بل أحيانا كثيرة ضد قناعاتهم الأساسية. وحتى عندما يعتقد النظام أنه قد أغلق جميع الأبواب التي تنفذ منها الضغوط الخارجية، فليس هناك أي ضمانة أن لا يتعثر في مناورته الدولية، ويجد نفسه أسير المناورة السياسية نفسها التي قادت السلطة البعثية العراقية إلى حتفها. أعني جدلية الضغوط التي تعمل حسب المنطق البسيط الثلاثي الأبعاد : القوى الخارجية تطحن النخب الحاكمة لإخضاعها وإجبارها على التكيف مع استرايتيجيتها، فتعمد هذه الأخيرة، من قبيل الحيطة، والمزاودة على القوى الأجنبية وتحديها أيضا، إلى طحن المعارضة الداخلية، واستخدامها كبش محرقة، تبرر به جميع أخطاء سياساتها الداخلية والخارجية التي قادت إلى النزاع مع الدول الأجنبية. وبدورها، لا تجد المعارضة الخاضعة لكل أنواع التنكيل والاضطهاد ملجأ لها إلا بالهرب إلى الدول نفسها التي تمارس الضغوط الخارجية، والمراهنة على التعاون معها للحفاظ على وجودها والوفاء بوعودها التغييرية. وهذا ما يخدم قضية هذه الدول الكبرى الضاغطة التي تتلقاها بين أذرعها لتعيد تصديرها إلى الداخل، إما على شكل قوى معارضة مسلحة أو إنقلابية، أو كغطاء سياسي لتدخل عسكري أجنبي مباشر.
تحت تأثير هذه الجدلية سقط النظام العراقي السابق بعد أن دفعه الحصار الدولي الطويل إلى ضرب حصار لا يقل شراسة على المجتمع، وحول المعارضة التي التجأت إلى الخارج، في ايران او سورية أولا، ثم في الدول الغربية المعنية والقادرة على تقديم الدعم المناسب معا، إلى حامل للاستراتيجيات الأجنبية. وفي النهاية، لم يكن النظام وحده هو الضحية لسياساته القمعية وإنما البلاد بأكملها، دولة وشعبا.
وكما يخطيء النظام عندما يعتقد أن خنق المعارضة الوطنية لصالح إبراز المعارضات المرتبطة بالخارج يزيد من قدرته على المناورة السياسية مع القوى الأجنبية، ويبرهن لها على أنه لا أمل لها من دون التعاون معه، تخطيء بعض أطراف المعارضة السورية عندما تبني استراتيجية التغيير، الذي تحلم به عن حق، على استدراج عروض الضغوط الخارجية، أو تراهن على النتائج المحتملة لإقامة المحكمة الدولية. لا يكمن خطؤها في أنها تقدم بذلك الذريعة التي يحتاجها النظام ليبرر سياساته القمعية وإنما، أكثر من ذلك، لتغذيتها أوهاما في التغيير لا تملك هي نفسها سيطرة على أي عنصر من عناصرها الفعلية. فليس هناك أي سبب يدفع إلى الاعتقاد بأن الضغط الذي تمثله هذه المحكمة سوف يعمل على إسقاط النظام أو يجبره، كما تظن العديد من الأطراف، على الانفتاح على الشعب وتوسيع هامش الحريات المدنية والسياسية. بل إن العكس تماما هو الصحيح. فكما بينت ذلك السنوات الماضية، يشجع الخوف المتزايد من زعزعة الاستقرار أي نظام استبدادي يتعرض لضغوط خارجية قوية، على توجيه مثلها إلى قوى الاحتجاج الداخلية وتدفيعها ثمنها، من خلال تشديد الإجراءات الأمنية وزيادة الاعتقالات وإصدار الأحكام الاستثنائية. بل ليس من المبالغة القول إن لدى مثل هذا النظام مصلحة في أن يستغل هذه الضغوط ليبيح لنفسه إجراءات أمنية تعزز مركزه الداخلي، كان من المستحيل تبريرها في الظروف الطبيعية، لا تهدف إلى تقييد المعارضة وإخماد أنفاسها فحسب ولكن، في ما وراء ذلك، إلى تعقيم المجتمعات والقضاء على فكرة التغيير نفسها، وإخماد روح الاحتجاج والاعتراض والانتقاد بل والتفكير فيها. وربما أمل من خلال ذلك بأن يضمن لنفسه مزيدا من السيطرة على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ويقنع أصحاب الضغوط الخارجية أن من المستحيل تجاوزه أو الاستغناء عنه في أي مشروع يهدف إلى الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار والأمن ومواجهة مخاطر تعميم الخراب والفوضى الداخلية والإقليمية.
لا يعني هذا أن المحكمة لن تنتج أوضاعا تضر بالنظام، أو أنها تفتقر للمبرر أو الشرعية، أو أن إنشاءها، كما يقول أنصار النظام، مؤامرة دولية. ولكن فقط أن الذي سيدفع ثمن ترويعها النظام سيكون الشعب نفسه والقوى السياسية والمدنية المكافحة من أجل الحرية، وربما حولتهم، كما حصل سابقا في العراق، إلى ما يشبه الرهائن في مواجهة لا يعرف أحد مآلاتها النهائية. ويعني كذلك أنها، حتى في حالة تحولها إلى آلة حرب فعالة ضد النظام القائم، لن تخدم المعارضة السورية، ولن يستخدمها أحد لصالحها، وذلك بالضبط لأنها تندرج ضمن استراتيجية حرف النظر عن الأزمة الكبرى التي تعصف بالمنطقة، وتجنب البحث في حلول المشكلات الحقيقية، وفي مقدمها مسائل الاحتلال والاستيطان الاستعماري والسيطرة الغربية على مصائر شعوب المنقطة وحرمانها من حقوقها الوطنية. فما يتوجب على الولايات المتحدة وأوروبة ويقع على عاتقهما ليس تغيير النظم السياسية وإنما التخلي عن السياسات الاستعمارية أو شبه الاستعمارية التي تفسر وجود هذه النظم، ومعالجة نتائجها المتراكمة منذ عقود، والتي قادت المنطقة إلى الهاوية. فالمحكمة بالضرورة وبالأساس أداة في يد السياسة الأمريكية أو الأمريكية الاوروبية، بصرف النظر، كما ذكرت، عن مشروعية إنشائها أو تماسك الأسس القانونية وغير القانونية التي أقيمت عليها، واستهدافها أطرافا شاركت بالفعل في الأحداث المأساوية التي جرت على الساحة السياسية اللبنانية منذ مقتل رفيق الحريري وبعده. ومن يحلم بالاستفادة من المحكمة الدولية لتحقيق أهداف وطنية سورية، فهو لا محالة يعتقد، او لا يزال يعتقد بأن هدف واشنطن والإدارة الأمريكية القائمة، أو على الأقل أحد أهداف سياستها، في المنطقة المشرقية، هو فعلا الضغط في سبيل تعزيز قضايا الديمقراطية، وتأهيل الشعوب للتمكن من حقوقها السياسية والمدنية. وإذا كان هذا هو اعتقاده فلن يطول الوقت قبل أن يجد نفسه، في سياق المراهنة على هذه الضغوط، واقفا، بإدراك أو من دون إدراك، في المواقع الأمريكية، حتى لو كان من أكثر الكارهين لسياسات واشنطن العدوانية.
من هنا كان ينبغي التذكير بأن المحكمة الدولية ليست بعيدة عن أن تساعد على تطور قضية الديمقراطية في سورية والمنطقة العربية فحسب، ولكنها تشكل أكثر من ذلك وينبغي أن ننظر إليها كمصدر للمخاطر، واستحقاقا من الاستحقاقات الكبرى التي تستدعي من أطراف النخبة الوطنية جميعا التعامل معها بحكمة وحذر، في سبيل محاصرة مفاعيلها وإطفاء النيران التي ستشعلها، إذا أردنا أن لا تتحول إلى فخ نقع فيه جميعا، سلطة ومعارضة ووطنا. وهذا يعني أن نتجنب ما أمكن تحويلها إلى محور استراتيجياتنا السياسة، وأن لا نراهن عليها وعلى نتائجها للهرب من الاستحقاقات الوطنية أو للتغطية على ثغرات سياستنا المختلفة، فيعتقد بعضنا، من الموجودين في مواقع المسؤولية، أنه عثر فيها على الذريعة المناسبة لتشديد قبضة النظام القائم، وتعزيز دفاعاته القانونية وغير القانونية ضد الهزات الداخلية والخارجية، ويعتقد البعض الآخر، من أعضاء المعارضة، التي تعاني محنة التهميش والقمع والقهر، أنه وجد كلمة السر التي ستفتح باب الفرج، وتنقذ مشروع التغيير الذي انعدم الأمل بتحقيقه بقدراتنا الذاتية. ويخشى أننا إذا لم نحسن التصرف، سلطة ومعارضة، إزاء هذه القضية، أن تتحول المحكمة الدولية من فخ منصوب للنظام بهدف تطويعه وتركيعه من قبل الغرب، إلى قنبلة موقوتة تتفجر فينا وتفجر آخر ما تبقى لنا من وهم الدولة الوطنية. والخوف المشروع من مثل هذا الاحتمال هو الذي يفسر في نظري الموقف السلبي الذي اتخذه الرأي العام السوري منذ البداية منها، حتى لو أنه لم يذهب إلى حد تبرئة السلطة من التهم الموجهة أو التي يمكن أن توجه إليها.
والخلاصة، تخيم الهواجس المرتبطة بإقرار المحكمة الدولية على العديد من الصراعات القائمة في بلدان المشرق العربي وتهدد استقرارها. وليس لنا، نحن السوريين، أمل في تجنب المحنة التي قادت إليها في بلدان أخرى، وفي لبنان الذي أصبح رهين أجندتها بشكل خاص، ولا في وقف المواجهة الداخلية العنيفة التي نعيشها منذ سنتين، والعودة إلى مناخ التعايش بين الأطراف، من دون اللجوء اليومي إلى العنف المفرط، وربما استعادة منطق الحوار الداخلي، إلا بفصل أجندة المحكمة الدولية التي تسيطر عليها المصالح الخارجية عن أجندة نزاعاتنا السياسية التي لا تخضع، ولا ينبغي أن تخضع، إلا لحسابات المصالح الداخلية، أي الوطنية. وهذه ليست دعوة لبعض أطراف المعارضة الديمقراطية التي راودتها بعض الأوهام بشأنها كي تصحح موقفها، ولكن قبل ذلك لأطراف النظام الذي ينزع إلى إخضاع السياسات الوطنية والإقليمية بأكملها، وما يرتبط بتحقيقها من مصالح شعبية، لهدف واحد وحيد هو مقاومة المحكمة الدولية واحتواء نتائجها.

dimanche, juin 24, 2007

سورية وإسرائيل بين السلام والحرب

الوطن 25 يونيو 07

لم يحصل أن تضاربت الآراء والتحليلات بخصوص مستقبل العلاقات السورية الاسرائيلية القريب كما تتضارب اليوم. فبموازاة مؤشرات كثيرة لا تخطيء، رسمية وغير رسمية، على راهنية فتح مفاوضات سلام بين البلدين، تنتشر تأكيدات لا تقل إلحاحا وتكرارا عن احتمال اندلاع حرب بين البلدين في الصيف القادم. وهذا ما يعززه رأي العديد من المراقبين الدوليين والدبلوماسيين الذين زاروا عاصمتي البلدين، ونقلوا جميعا رأيا متشابها هو أن كلاهما يعلن استعداده للبدء بمفاوضات جدية للتوصل إلى تسوية لكنه يشك بنوايا الآخر، ويتهمه بالاستعداد الحثيث للحرب. فهل سيشهد الصيف القادم كما يتنبأ البعض حربا سورية إسرائيلية، تنائية أو في إطار حرب إقليمية أشمل، أم أن هناك بالفعل فرصا لإطلاق مسار مفاوضات جدية ومثمرة بين البلدين؟
يراهن المبشرون بالسلام على عدة عوامل. فإسرائيل تعاني من عقدة حرب تموز الأخيرة الخاسرة على لبنان، وهي تخشى في الوقت نفسه صواريخ حزب الله، وتأمل في أن يخلق التفاهم مع سورية فرصة لتحييده، أو ربما تفكيك آلته العسكرية. ثم إن هناك من يعتقد أن إطلاق المفاوضات مع سورية هو الوسيلة الوحيدة لإضعاف الموقف الفلسطيني، والتغطية على مأزق المفاوضات مع الفلسطينيين. وهناك أخيرا انشغال تل أبيب بالتقنية النووية الايرانية، ومصلحتها في فك سورية عنها لعزلها وربما توجيه ضربة عسكرية لها. ولا شك أن سقوط غزة منتصف يونيو حزيران الجاري (2007) في يد المقاومة الاسلامية حماس، سوف يزيد من اهتمام تل أبيب باسترضاء دمشق والتقرب منها.
ولا تقل الحجج التي تدافع عن جدية التوجه السوري إلى عقد اتفاق سلام عن تلك التي يذكرها المراقبون عن التوجه السلمي الاسرائيلي. ومن هذه الحجج رغبة النظام البعثي الذي يواجه احتجاجات متزايدة في استعادة الجولان المحتل، لتجديد شرعيته السياسية وتلميع صورته. ومنها كذلك محاولة الالتفاف على الحصار والمقاطعة الامريكية، وربما فتح حوار مع واشنطن عبر استرضاء تل أبيب. ومنها ثالثا اهتمام السلطة السورية التي تبنت سياسة الاقتصاد الحر بالانفتاح على أوروبة، في سبيل تحسين شروط اندماجها بالاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمارات التي لا بد منها لمواجهة تحديات الفقر والبطالة والتأخر الاقتصادي.
وقد بلغ التفاؤل لدى فريق الأزمات الدولية، الذي أصدر تقريرا يركز على هذه المؤشرات الدالة على السير في اتجاه السلام، حدا دفع بمحرري التقرير الاخير إلى اقتراح اتفاقية سلام سورية إسرائيلية. وبالرغم من أهمية ما جاء فيه، يبدو لي أن المحررين ذهبا بعيدا في السير وراء رغائبهما، فلم يريا الواقع الفعلي في تعقيداته وتداخل مشاكله وملفاته، ونظرا إلى مستقبل النزاع السوري الاسرائيلي بمعزل عن القضايا الأخرى الإقليمية. وإذا لم يكن هناك شك في أن لدى الطرفين السوري والاسرائيلي دوافع معقولة للتوجه نحو مفاوضات سلام، إلا أن الظرف الإقليمي لا يدفع للأسف إلى التقدم في هذا الاتجاه. فهو أسير الصراع الاستراتيجي العميق والمعقد بين الولايات المتحدة الأمريكية المدعومة من أوروبة لمنع ايران من امتلاك القنبلة النووية، وبالتالي من بسط سيطرتها على أهم منطقة استراتيجية عالمية، أعني الخليج النفطي، وايران التي تعتقد أن الغرب يريد أن يحرمها من فرصتها في ضمان أمنها والتحرر من الحصار المضروب عليها منذ انتصار الثورة الخمينية عام 1979. وكما أن إسرائيل لا تستطيع أن تقرر في مسألة الصراع مع سورية من دون اعتبار المصالح الأمريكية الإقليمية، لا يمكن لدمشق أيضا أن تدخل في عمليات استراتيجية كبرى من دون اعتبار المصالح الايرانية. هذا من دون أن نذكر بالترابط بين ملف النزاع السوري الاسرائيلي وملفات النزاعات العربية الأخرى، الفلسطينية واللبنانية والعراقية.
بالتأكيد لا يمكن لواشنطن أن لا تدعم مفاوضات سورية إسرائيلية تهدف إلى فصل سورية عن ايران. وهذا ما ذكر به أولمرت في رسالته التي نقلها الأتراك إلى القيادة السورية. لكن الاعتقاد بأن دمشق سوف تتخلى عن ايران مقابل وعد بإعادة الجولان يدل على أن واشنطن وتل أبيب لا تدركان تماما مغزى التحالف السوري الايراني وقيمته بالنسبة للنظامين. فهو الورقة الرابحة الرئيسية حتى لا نقول الوحيدة في استراتيجية بقائهما، بالرغم من صحة ما يقوله التقرير أيضا عن التباينات العديدة في وجهات النظر وفي المصالح في أكثر من ملف من الملفات الإقليمية. لكن جميع المصالح المختلف عليها تبقى ثانوية بالنسبة لما يقدمه التحالف من ميزات استراتيجية حاسمة لطهران ودمشق في مواجهة خصومهما الخارجيين والداخليين معا. وحتى لو لم تكن سورية تابعة لايران، وهي ليست تابعة بالتأكيد، فإن تحالفها معها يفرض عليها أن لا تسير في اتجاه أو آخر من دون ضمان التناغم مع الاستراتيجية الكلية التي تجمع الطرفين في موجهة المحور الأمريكي الاسرائيلي. بعبارة أخرى، كما أنه لا يمكن فك اسرائيل عن واشنطن، بالرغم من التباين في بعض مصالحهما لا يمكن بالمثل فك سورية عن ايران رغم التباين أيضا في بعض مصالحهما الوطنية. فاسرائيل لن تتخلى عن حليفتها الرئيسية لحساب دمشق، ولن تدخل في السلام ما لم تكن واشنطن راعية له. ودمشق لن تتخلى عن حليفتها الكبرى لقاء الجولان، ولن تعقد سلاما مع إسرائيل وأمريكا من دونها.
ما ذا يعني إذن التأكيد المتواتر من قبل عاصمتي البلدين على استعدادهما للسلام وتمسكهما بفتح مفاوضات قريبة لتحقيقه؟ في نظري، إن حاجة كل طرف للمفاوضات السياسية تنبع بالضبط من ضرورات مواجهة الظرف الإقليمي الموسوم بالصراع الأمريكي الايراني، وموضعة نفسه فيه بما يحقق أكثر ما يمكن من المزايا ويقلل أكثر ما يمكن من الخسائر. وهكذا لم تتوقف الحكومة السورية عن إعلان رغبتها في الدخول في مفاوضات سلام من دون شروط منذ تدهور وضعها الاستراتيجي على اثر اغتيال رفيق الحريري وتبني مجلس الأمن مسألة تشكيل المحكمة الدولية. فهي بحاجة لمفاوضات مع إسرائيل ليس للتوصل إلى سلام يعيد الجولان، وتعرف أنه لا يزال بعيد المنال، وإنما لدرء الحرب التي تتهددها، بسبب تفاقم أزمة علاقاتها مع واشنطن التي تتهمها بتشجيع الشبكات الارهابية في العراق وغيره. فهي تأمل من وراء ذلك في تحييد إسرائيل وحثها على عدم السير في مخططات واشنطن المعادية لدمشق. ثم إن مثل هذه المفاوضات تهدف إلى تجنيب سورية أن تكون مسرحا للصراع الايراني الأمريكي المحتدم، وضحيته الرئيسية. أما حملة تل أبيب السلامية، التي لم تبدأ إلا منذ أسابيع قليلة، بعد صدود لافت، فهي تشكل جزءا من الاستراتيجة الغربية الشاملة لما سمي بإعادة إدماج دمشق أو التعاون معها في سبيل إبعادها عن ايران. فهو لا يعكس نضوج إسرائيل للسلام وايمانها بنجاعته لضمان الأمن، بقدر ما يشير إلى مساهمتها بقسط في تغيير اتجاه السياسة السورية.
من هنا، بالرغم من التصريحات المتواترة، ومؤشرات السلام المتعددة، هناك أسباب كثيرة تدفع إلى الاعتقاد بان المنطقة تتجه بشكل أكبر نحو الحرب. فغياب أي مبادرات سلمية من قبل واشنطن وتل أبيب في السنة الماضية، بالرغم من تفاقم الأزمة الإقليمية وتهديدها لمصالح دولية أساسية، يدل في اعتقادي على أن التحالف الأمريكي الاسرائيلي يميل إلى خيار استعادة صدقيته الاستراتيجية من خلال حرب جديدة ناجحة، أكثر مما يتجه نحو خيار التسوية التي لا بد أن تعكس، في الظروف الراهنة، نتائج النكسات التي مني بها ولا يزال في العراق وجنوب لبنان. لا ينفي هذا احتمال أن تحصل اختراقات غير متوقعه إذا طرأت تحولات مفاجئة على الخريطة الاستراتيجية الإقليمية. وهو ما نـأمله وندعو له، لكن على شرط ان لا نضع أقدامنا في مياه باردة ونعول على الحظ.

lundi, juin 18, 2007

حتى لا تضيع تضحياتنا الوطنية هباءا

اتحاد 20 يونيو 07
طمست الحروب الخارجية، والنزاعات الطائفية والمذهبية، والصراعات اليومية على موارد السلطة ومناصبها التي فقدت مضامينها السياسية والاجتماعية، المسألة الرئيسية التي شكلت في تسعينيات القرن الماضي محور النقاش والعمل العام، وقادت إلى المصادمات الدموية بين القوى الاسلاموية والقوى العلمانية، الرسمية والأهلية، على مختلف مشاربها وتناقضاتها، وأعني بها إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية ومن ورائها الجماعة الوطنية. وكانت العقود القليلة السابقة قد شهدت تطورات أساسية حولت الدول المستقلة حديثا إلى ما يشبه الإقطاعات التي تتحكم بها نخب محلية فقدت المعايير السياسية وأصبحت تتصرف بها كما لو كانت ملكيات شخصية. وبعد الصراع السياسي الطويل والدامي حول نموذجين للسلطة المدنية والسلطة الدينية، أو المستمدة من الشريعة الدينية، أسفر عن العديد من الحروب الأهلية المدمرة هنا وهناك، دخلت معظم البلاد العربية منذ بداية الألفية الثالثة حقبة ثانية اتسمت بسيطرة النزاعات ذات الطبيعة الوطنية أو الخارجية. فأمام الهجوم السياسي ثم العسكري الكاسح الذي طورته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، في سياق الحرب العالمية على الارهاب، وكرد على أحداث 11 سبتمبر 2001 أو استثمارها، غابت أجندة التغيير السياسي الداخلي لصالح أجندة المقاومة والممانعة، التي شاركت فيها الحكومات العربية بأساليبها الخاصة، كما شاركت فيها معظم قطاعات الرأي العام العربي المصدومة بالعدوانية الاستعمارية المنبعثة من رمادها. وها نحن ندخل اليوم، حقبة ثالثة لم تغب فيها أجندة التغيير السياسي الداخلي فحسب، بعد أن ألحقتها الإدارة الامريكية بأجندتها الاستعمارية الجديدة، تحت شعار دعم الديمقراطية، ولكن غابت الأجندة الوطنية أيضا. فلم يعد الجزء الأكبر من الجهد الجماعي، الفكري والمادي، يتجه إلى صد الهيمنة الأمريكية والغربية عموما، كما كان في الحقبة السابقة، ولكنه أصبح يصب إلى حد كبير في حساب أجندات خاصة، طائفية أو عشائرية أو مذهبية أو حزبية، بعيدة في أهدافها ومآلاتها المحتملة عن أي أجندة وطنية أو ديمقراطية، حتى لو أن هذه الاجندات لا تزال تحظى بقسط متفاوت القدر حسب البلدان، من هذا الجهد أو من التضحيات الكبرى الجماعية. هذا هو الجو الذي ميز الوضع في العراق منذ سنتين على الأقل، وكاد ينتقل إلى لبنان أو هو في طريقه إلى ذلك، وهو الذي يسم الوضع الحالي في فلسطين مع انهيار حكومة الوحدة الوطنية ونشوء ما يشبه الدولتين المنشقتين في غزة والضفة الغربية، من دون الحديث عن اليمن الذي يخوض غمار حرب غير معلنة داخلية وغيره من البلدان التي تعيش مناخ مواجهات عصبوية مماثلة. ولا يختلف الوضع عن ذلك، حتى في تلك البلدان التي بقيت تحتفظ إلى حد أو آخر بتماسكها السياسي. فهي تعيش الزمن السياسي العربي نفسه، وتتضارب عند رأيها العام أجندات الصراعات والنزاعات والمواجهات السياسية والوطنية والطائفية والمذهبية وتتداخل، إلى درجة ضياع الوعي والقدرة على التمييز والاختيار في المواقف والأفكار. بل إن تداخل الأجندات وترابط النزاعات قد وصل إلى مدى أضعف قدرة المحللين والمراقبين أنفسهم على التعرف على المشاكل المختلفة والفصل بينها، وتحديد النقطة التي يمكن من خلالها الدخول لنزع فتيل ما أصبح يشكل أزمة شاملة ومتكاملة، تقسم النخب وتطحن الشعوب.ليس هناك أي شك في أن السياسات الغربية عموما، والامريكية على وجه الخصوص، هي التي ساهمت بالقسط الأكبر في تشريك الحياة الوطنية وتدمير أسسها في هذه البلدان، بقدر ما قوضت جدلية تحولاتها الداخلية وأخضعتها لأجندتها الخاصة، المرتبطة أساسا بالحفاظ على مصالحها الحيوية، وإقفال المنطقة أمام أي احتمالات تطور يخرجها، جزئيا او كليا عن دائرة سيطرتها المباشرة، إن لم تكن الكلية. لكن ما كانت القوى الخارجية قادرة على فرض أجندتها علينا، وإدخالنا في شراك استراتيجياتها الدولية، لو لم تجد أمامها هياكل سياسية واجتماعية واقتصادية هشة، قابلة للاختراق والتسيير والاستتباع. لا يكمن مصدر هذه الهشاشة كما تدعي الطواقم الحاكمة عادة في قصور الشعوب والمجتمعات أو افتقارها للروح الوطنية، أو التقاليد والمعارف العصرية، وإنما بشكل أساسي في تقصير النخب الاجتماعية، والحاكمة منها بشكل خاص، في تبني سياسات جدية وفعالة لتجديد هذه الهياكل وتحديثها وتفعيل الإرادة والجهود الشعبية. فغياب إرادة الإصلاح، إن لم نقل رفض مبدئه، عند نخبنا العربية، ربما كان نقطة الاختلاف الرئيسية التي ميزت تجربتنا لحقبة ما بعد الحرب الباردة عن تجارب العديد من بلدان العالم النامي الأخرى. وهو ما أضعف موقفنا الاستراتيجي وقاد إلى نزاعات أهلية لا تنتهي وفتح الباب واسعا أمام تدخل القوى الأجنبية. ولعل العوامل ذاتها التي حرمت النخب المحلية من إدراك ضرورات الاصلاح هي نفسها التي شجعت قوى الهيمنة الدولية على الدخول على الخط، وفرض أجندتها الخارجية، وما تبعه من حرف الصراع الداخلي عن محوره الرئيسي، والتشويش على الوضع السياسي والفكري برمته. والمقصود من ذلك وفرة الموارد الريعية وسيطرتها على اقتصاد المنطقة ككل، وهي موارد جاهزة غير مرتبطة بعمل وإنتاج وبالتالي بحماية اجتماعية قوية. فكما أغرت هذه الموارد الاستثنائية بعض النخب المحلية بالاستمرار في الحكم بالطرق التقليدية، ودفعت البعض الآخر إلى التحول إلى وحوش ضارية لانتزاع حصة من هذه الموارد نفسها، أو لتأمينها من خلال ترييع الاقتصاد المحلي، على حساب المجتمعات وبالتضحية بها، دفعت قوى الهيمنة الدولية الطامعة فيها إلى استسهال عملية السطو عليها وانتزاعها، أو انتزاع الجزء الاكبر منها، على حساب النخب المحلية. ومع بروز السياسة الأمريكية الامبرطورية بإلهام المحافظين الجدد، تحول الصراع على السيطرة على هذه الموارد والموارد الإضافية الناجمة عن ترييع اقتصاد البلدان المجاورة، إلى محور أول تدور من حوله جميع الصراعات الأخرى، وحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة وشاملة. هكذا تزعزعت الأوضاع الشرق أوسطية، واختلطت المعارك الداخلية بالخارجية، والنزاعات السياسية بالنزاعات القومية، والطائفية بالوطنية، والدينية بالقبلية. فلم يعد أحد يستطيع تحديد أهداف واضحة، ولا غايات مفهومة لهذه الأطراف المتنازعة المتزايدة والمتداخلة، ولا واجبات ولا مسؤوليات. هكذا تضافرت أزمة القيادة السياسية المحلية مع أزمة القيادة الدولية، لإلغاء أي قواعد وغايات واضحة ومحددة لممارسة أي سلطة وتقييدها. وصار العنف، والتفوق في انتاجه واستخدامه وتصديره هو مبدأ الفعل وأساس العلاقات، داخل المجتمعات وفي ما بينها ومع القوى الخارجية أيضا. لا نستطيع أن نغير الأجندة الاستعمارية، ونمنع أصحابها من التخريب، لكن لا يستطيع أحد ن يمنعنا من بناء أجندة وطنية تثمن تضحياتنا وتمنع جهودنا الوطنية من أن تتحول إلى معارك داخلية ونزاعات أهلية. وأساس ذلك استئناف مشروع الاصلاح الوطني المعطل، الذي يشكل أيضا مدخلنا إلى الساحة الدولية وتثمين جهودنا في دائرة المقاومة العالمية المتنامية في مواجهة نظام السيطرة والحرب والاحتيال. وفي مقدمة هذا المشروع إصلاح نظام القيادة الاجتماعية الذي يحدد خيارات أي مجتمع ومصيره. والمقصود نظام القواعد والآليات والغايات التي تحكم اتخاذ القرارات وتتحكم بتنفيذها، في أي مجتمع، سواء أكان ذلك على مستوى الدولة، وهو ما يتعلق بنظام السياسة وممارسة السلطة العمومية، أو على مستوى المجتمع، وهو ما يرتبط ببلورة الرؤى الاستراتيجية والاعتقادات السياسية والغايات الأخلاقية التي تتبلور من حولها وخلالها إرادة جامعة، جزئية أو شاملة، وتنشأ على أساسها القوى الاجتماعية والسياسية التي توحد إرادة الافراد وتوجه حركتهم وتحولهم إلى قوة فاعلة على مستوى الدولة والمجتمع معا. فهذا النظام الذي دخل في أزمة عميقة وأظهر فساده بعد إخفاق النماذج التسلطية، اليسارية واليمينية، التي ارتبطت بمناخ الحرب البادرة ومتطلباتها، يشكل اليوم نقطة الضعف الرئيسية في حياتنا العمومية، ومصدر كل أنواع الفساد وغياب الفاعلية وانعدام التراكم في المعرفة والخبرة الاجتماعية. وهو الذي يميز تجربة مجتمعاتنا عن التجارب التي عرفتها المجتمعات الأخرى في البلدان النامية، ويعزلنا عن العالم، ويجعل من بلادنا مسرحا مفتوحا لكل أنواع الحروب الداخلية والخارجية.