mardi, juillet 31, 2007

الخليج في قلب العالم

الاتحاد 31 تموز 07
أصبح الخليج العربي، منذ أن تكرس دوره كأعظم مورد وخزان للطاقة، قلب العالم النابض من دون مبالغة. وتحولت عواصم بلدانه الصغيرة، التي كادت أن تكون مجهولة الاسم منذ عقود قليلة، إلى نقاط جذب لا تنازع. فهي اليوم ساحة مفتوحة لحوارات ومناظرات لا تقتصر على شؤون الشرق الأوسط فحسب وإنما تتعدى ذلك لمناقشة شؤون العالم والمنظومة الدولية بأكملها. وهي ملتقى يومي للمفكرين والباحثين والسياسيين والاستراتيجيين العرب الذين فقدوا أي مركز يجمع بينهم أو يتيح لهم اللقاء للتداول في شؤون أوطانهم، وأكثر من ذلك، لمداولات لا بديل عنها بينهم وبين الباحثين والسياسيين والاستراتيجيين الأجانب، والغربيين منهم بشكل خاص، في جو لا يخلو من حرية الفكر واحترام الرأي الآخر ومقارعة الحجة بالحجة، وتعددية الآراء الفكرية والسياسية. وهي مقصد جميع أولئك الباحثين عن مستقبل أفضل، من مدراء الشركات العالمية الكبرى المتعددة الجنسيات، إلى العمال الآسيويين الفقراء والمحرومين، مرورا بأبناء الطبقة الوسطى، الذين تتراجع فرص نجاحهم في مناطق أخرى من العالم، جراء تطور السياسات العولمية، خاصة في البلاد العربية المجاورة. لقد انتقل مركز المنطقة العربية ونشاطها العقلي والدبلوماسي بصورة شبة كاملة إلى بلدان الخليج، بينما تراجع بشكل ملفت دور ما كنا نسميه بدول المركز العربي الرئيسية إلى الهامش، حتى لم يعد بعضها يظهر في الصورة السياسية أبدا. ونكاد نقول إن مصير الشرق الأوسط نفسه يتقرر اليوم في الخليج الذي أصبح النفوذ فيه أو السطيرة عليه رهانا استراتيجيا رئيسيا، ليس بالنسبة لشعوب المنطقة فحسب وإنما بالنسبة للقوى الدولية والعالم أجمع.
لا يرجع ذلك إلى احتواء منطقة الخليج على القسم الأعظم من الاحتياطيات النفطية، ولا إلى تحول هذه الاحتياطيات الاستثنائية والاستراتيجية بالمعنى القوي للكلمة إلى رهان إقليمي ودولي لا يمكن لطرف تجاهله من دون تكبيد نفسه خسارة كبيرة اقتصادية وسياسية - فهو من دون شك عصب المجتمع الصناعي ومن دونه يتحول هذا المجتمع إلى جثة هامدة تماما كما يحصل للعضوية التي تتوقف فيها الدورة الدموية -، ولكن يرجع أيضا إلى سياسات الانفتاح التي تبنتها النخب الخليجية عموما، وأخص بالذكر نخب تلك البلدان الصغيرة التي تعاني من هشاشة نسيجها السكاني، بالمقارنة مع إمكاناتها الكبيرة. والانفتاح شرط لا محيد عنه لأي مشروع نهضة عمرانية وتقنية وعلمية. هكذا تحولت عواصم الخليج ودوله الصغيرة، مع مشروعات البناء الطموحة، التي يزيد من قوة الاندفاع فيها خوف النخب الخليجية الحاكمة من أن تتحول بلدانها إلى لقمة سائغة في فم الدول الكبيرة المحيطة بها، إلى ورشات عمل وبناء أسطورية تجعلها تتطور كالفطر، وتجعل الزائر يشعر، بعد سنة من غيابه عنها أو أقل، أنه في بلد جديد لم يكن يعرفه من قبل. لقد انتقلت الحيوية العربية، الفكرية والسياسية والاقتصادية والمالية، بقسمها الأكبر، حتى لا نقول بأكملها، إلى هذه البقعة الصغيرة من المنطقة، بينما عم الركود جميع تلك الدول والمناطق التي كانت تشكل موضوع الرهان الأول لمشاريع النهضة والخلاص العربية. وعمت البداوة الحقيقية المراكز الحضرية الكبرى التي درج أهلها على النظر إلى سكان الخليج كنموذج للبداوة والتأخر الحضاري. وأصبحت حياة الفقر والفاقة والبطالة والعناء من نصيب تلك المراكز التي تتحول يوما بعد يوم إلى خزانات للبؤس والتوتر والانفجار.
في أطار هذه السياسة العمرانية الإرادية والنشطة، ومن أجل تاكيد مركزية الخليج في منطقة الشرق الاوسط، ينبغي أيضا فهم التطلعات المتزايدة لحكام الخليج إلى نقل الماركات العالمية الكبرى إلى أراضيهم، وتعزيز مكانة الثقافة والفكر وتنوعهما فيها. وهو ما يشير إليه مشروع المتاحف الأربع التي تخطط لبنائها إمارة أبو ظبي ومنها متحف اللوفر الفرنسي والعديد من المتاحف العالمية الكبرى. وفي الاتجاه نفسه ينبغي النظر إلى افتتاح فرع لجامعة السوربون الفرنسية التاريخية في عاصمة الإمارة ذاتها.
من الواضح إذن أن عولمة الشرق الأوسط تتم الآن من الخليج ولصالح تأكيد دوره ومكانته ونفوذه في المنطقة العربية بأكملها، في جميع الميادين الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والمعرفية. وهذا ما يجعل من تأكيد مصالحه في الأمن والاستقرار والنمو والتفتح أولوية ملحوظة في أي أجندة إقليمية. كما أن هذه العولمة تتبع نموذجا خاصا قائما على التعاون الكامل، إن لم يكن التطابق بين مصالح الخليج وسياساته ومصالح الدول والشركات العالمية الكبرى. وهو نموذج يناقض بالمطلق النموذج المتمحور على الذات الذي كانت تدعو له التيارات السياسية التنموية التي كانت ولا تزال تسيطر على نخب الدول العربية الكبرى، القومية منها والاشتراكية. ولا يتوقف أثر هذا النموذج الخليجي على تسويد علاقات التعاون والاعتماد المتبادل العميقة بين الاستراتيجيات الكبرى فحسب، وإنما يتجاوز ذلك إلى ميدان القيم الاجتماعية والأخلاقية. فمن يستطيع أن ينكر اليوم أن أوجها كثيرة من الحياة العامة التي تميز نمط العلاقة بين الحكام والمحكومين، وبين المجتمع والدين، وبين الفئات الاجتماعية والشرائح والطبقات والعصبيات، كما تميز نماذج الاستهلاك في المجتمعات العربية، قد انتقلت بشكل أو آخر من الخليج، أو انتشرت انطلاقا منه، بوحي ما يمثله من موقع مميز في المنظومة الاقتصادية والمالية، إلى عموم البلاد المشرقية. وقد تم هذا الانتشار بطرق مختلفة منها تأثر النخب الحاكمة بطريقة الحكم الخليجية القائمة على الولاء للأسرة الحاكمة والالتفاف حولها، أكثر من الاعتماد على بناء مؤسسات دولة قانونية قوية، ومنها انتقال اليد العاملة المديد أو تنقلها بين بلدان الخليج والبلدان العربية الأخرى. ومنها تفاعل رجال المال والأعمال عبر الحدود، مع ما يمثله مجتمع الأعمال الخليجي من وزن استثنائي في مجموع الأعمال العربية. ومنها أخيرا التأثير الكبير الذي تمارسه وسائل الإعلام الخليجية، والفضائيات القوية التي انتشرت في السنوات الماضية، على ثقافة الاستهلاك الجماهيرية، المادية والدينية معا، ولكن بشكل أكير على توجهات الصحفيين والباحثين وموجهي الرأي العام عموما.
لا تعبر مركزية الخليج بما تعنيه من أولوية المصالح الخليجية في المنطقة، وانتشار القيم المستمدة من نمط الحياة الخاصة بمجتمعاته المحلية، عن تفوق الخيارات الخليجية بالضرورة، بقدر ما تعبر عن فشل الخيارات والنخب العربية المركزية، وإخفاقها في تحقيق نموذج مختلف للتنمية والأمن والاستقرار. لكن مهما كان الحال، يخلق انتشار أنماط الحكم والإدارة والاستهلاك، المستمدة من مجتمعات خليجية تتمتع بوفرة مادية ومالية استثنائية، في مجتمعات عربية بطيئة النمو ومحدودة الموارد والامكانيات، تحديات متزايدة للنخب العربية المركزية، ويشكل مصدر توترات وتناقضات كانت ولا تزال في أساس انعدام الأمن والاستقرار في هذه البلدان، وسيرها الحثيث منذ عقود ثلاثة في اتجاه التحول إلى نظم أمنية، إن لم نقل فاشية. فليس من الممكن لأنماط الحكم الخليجية الخاصة، ولا لمنظومات القيم الاستهلاكية التي بعثتها الوفرة المالية، أن تعيش في مجتمعات كبيرة انتشرت فيها القيم الفردية، المدنية والسياسية، من دون أن تثير ردودا قوية لا أمل للنخب الحاكمة في تجنبها من دون تشريع اللجوء المستمر إلى القوة القهرية، المادية والمعنوية. وفي هذا الإطار لا يمكن للأزمة النووية الايرانية إلا أن تشكل كابوسا لا يؤرق بلدان الخليج فحسب ولكن جميع الدول الصناعية، إن لم تعلن، لو أسيئت إدارتها، نهاية الحقبة النفطية في أوج ازدهارها وتوهجها

vendredi, juillet 06, 2007

حوار حول حماس والازمة الفلسطينية

اسلام اون لاين نات
نشر في 27 يونيو 07

برهان غليون: الصف الثاني الأنسب لحماس *
حوار - هادي يحمد

المفكر العربي برهان غليوناعتبر "برهان غليون" المفكر العربي البارز ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر والأستاذ في جامعة باريس الثالثة، أن حركة حماس استدرجت إلى "الفخ الأمريكي"، والذي يرمي إلى حصارها والقضاء عليها. ورأى غليون أن هذه إشكالية العمل السياسي الكبرى التي تواجه الحركات الإسلامية بوجه عام، أي خطأها في تقدير واقع البيئة الدولية والإقليمية، وأنها لا تأخذ بالقدر الكافي مسألة أنه لم يعد هناك سياسة اليوم مستقلة كليا عن محيطها.
وفي حوار خاص مع شبكة إسلام أون لاين.نت، رأى غليون أن الأنسب لحركة حماس أن تبقى في الصف الثاني أو تبقي على نفسها في دائرة المعارضة فقط؛ وذلك لأن طبيعة البيئة الجيوسياسية الدولية تدين مسبقا أي عمل سياسي "إسلامي".
وإضافة إلى ذلك فإن حركات المقاومة الإسلامية الوطنية، ومنها حماس وحزب الله، لم تستوعب معادلة "مقلوبة" تقول إنه كلما تعاظمت تضحيات الحركات الإسلامية قلت قدرتها على إنجاز مكاسب سياسية، أي تضحيات أكثر تساوي مكاسب سياسية أقل.
ولفت غليون النظر إلى أن الانقسام الذي حدث داخل صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية إنما يعبر في جانب منه عن المأزق الذي يعيشه مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والعربي منذ عقود طويلة، حتى أننا في فلسطين وغيرها من البلاد العربية تجاوزنا نقطة الانقسام ووصلنا إلى القطيعة ثم إلى المواجهات الداخلية.
وفيما يلي نص الحوار:
* ما هو تحليلكم للواقع الفلسطيني اليوم في ضوء سيطرة حماس على قطاع غزة، وسيطرة فتح بقيادة محمود عباس على الضفة الغربية؟ وهل نحن بصدد منعرج سيغير أولويات النضال الوطني الفلسطيني؟
- نعم، نحن بصدد منعرج خطير، لكنه ليس في الاتجاه الذي كنا نتمناه بل في الاتجاه المعاكس، فمن الواضح أن تناقضًا عميقًا قد نشأ داخل الحركة الوطنية الفلسطينية منذ التسعينيات، ودفع إلى نشوء حركتين من توجهات وحساسيات ومناهج ورؤية مختلفة تمامًا؛ فتح المرتبطة بأيديولوجية الحركات الوطنية الحديثة من جهة، وحماس ذات التوجه الإسلامي الواضح من الجهة الثانية.
وبالرغم من الخلاف الشديد في أسلوب التفكير والإستراتيجية والهدف، أمكن حتى وقت قريب الحفاظ على حد أدنى من التعايش، إن لم نقل التواصل، بين ما أصبح يشكل جناحي الحركة الفلسطينية. وقد بدأ هذا التناقض يتفاقم شيئًا فشيئًا مع تنامي فتح التي سيطرت على مقاليد الأمور في إطار السلطة الوطنية الفلسطينية، وصار للفئة القائدة فيها مصالح في الدفاع عن الوضع القائم، فمالت إلى الاعتدال، ثم المساومة في علاقتها مع إسرائيل، وبشكل خاص مع البلدان الغربية التي تمول السلطة الوطنية.
ومن جهة أخرى تفاقم إحباط الشعب الفلسطيني الذي أخذت حماس في التعبير عنه، بسبب تراجع الوضع الفلسطيني وغياب الإنجازات وانتشار الفساد في أوساط الإدارة الفلسطينية.
وقد دفع هذا التناقض المتنامي إلى المواجهة السياسية بين حماس وفتح، وفي سياق هذه المواجهة تخلت حماس عن موقفها التقليدي بالبقاء في موقع المعارضة ودخلت الانتخابات التشريعية لتظهر قوتها وتؤكد مواقفها. ومنذ ذلك الوقت أخذ النزاع بين الطرفين وتيرة متصاعدة باضطراد، حتى وصلنا إلى قطيعة كاملة بينهما، قبل أن تتحول هذه القطيعة السياسية إلى قطيعة على الأرض، تتجسد في تكوين سلطتين مستقلتين بعضهما عن بعض، وقائمتين في قطعتين من الأرض الفلسطينية.
وينطوي هذا الوضع على انهيار خطير في مشروع السلطة الوطنية أو ما أطلقنا عليه سلطة وطنية فلسطينية، كما ينطوي على مشروع حرب أهلية مدمرة. ومنذ الآن يقوم كل فريق في منطقته باحتكار السلطة والقضاء على الفريق الآخر.
وما كان من الممكن لإسرائيل أن تحلم بوضع أفضل، فانفصال حماس عن السلطة الوطنية يمهد لفرض الحصار عليها في غزة، ويجعل منها هدفًا سهلا من الناحية السياسية لآلة الحرب الإسرائيلية التي تستطيع منذ الآن، بذريعة القضاء على الإرهاب، توجيه ضربات مستمرة واغتيال قيادات سياسية، وبمأمن من أي نقد، وبإغماض عيون الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية نفسها في الضفة الغربية.
وسيدفع وضع حماس أمام خيار الحصار والموت بشبابها حتما إلى المزيد من التطرف والمغالاة. وفي المقابل ستدفع الدول المانحة وإسرائيل إلى احتواء فتح وسلطتها الوطنية في الضفة من أجل دفعها إلى الوقوف في وجه حماس وتأكيد تبعيتها المتزايدة للسياسة الأمريكية/الإسرائيلية. وهذا ما سوف يؤجل إلى أجل غير منظور مسألة إيجاد حل للقضية الفلسطينية، ويمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الاستيطانية والتهرب من التزاماتها الدولية، إذا لم تنجح دول الجامعة العربية في احتواء الموقف بسرعة.
* بعد استيلاء حركة حماس بالقوة المسلحة على قطاع غزة.. هل نحن بصدد تأكيد الصورة التي رسمت على كون الحركات الإسلامية بشكل عام همها الأول الاستيلاء على السلطة مهما كانت خصوصياتها؟
- لا أعتقد أن الاستيلاء على السلطة كان هو الدافع الرئيسي لدخول حماس الانتخابات التشريعية، ولا لاستخدامها السلاح في قطاع غزة كان لتأكيد سيطرتها على القطاع. ليس هناك في نظري أي شك في أن حماس تضع القضية الوطنية الفلسطينية في بؤرة اهتمامها، وتتعامل مع قضية السلطة من هذا المنظور.
وفي اعتقادي أن حماس وقعت في فخ نصبته لها الإدارة الأمريكية في إطار الحرب ضد ما تعتقد هذه الإدارة أنه امتدادات للقوة الإيرانية والسورية الإقليمية، بهدف قطعها عن العالم ومحاصرتها وتشديد الخناق عليها.
* بخصوص الحركات الإسلامية.. هل نستطيع القول إن حماس وضعتها مجددا في مأزق جديد خاصة أمام المجتمع الغربي وهو ما يزيد من التخوفات منها مهما كان اعتدالها؟
- نعم، سوف يستخدم مثال حماس في الدعاية العالمية وحتى العربية للتدليل على أن الحركات الإسلامية لا تفكر إلا في السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب القضايا الوطنية الكبرى، وأنها حركات متطرفة وعنيفة، لا يؤمن جانبها، وليس هناك خيار آخر للتعامل معها سوى محاربتها. وهو ما يقود إلى تأكيد منطق الحرب ضد الإرهاب الدولي الذي تعتمده الإدارة الأمريكية في سياساتها الدولية، وتجعل منه محور إستراتيجيتها في الشرق الأوسط والعالم. لكن لم تكن هذه الإدارة بحاجة إلى ما حدث في غزة حتى تبرر مذهبها الإستراتيجي، فلديها أمثلة كثيرة أخرى تستطيع أن تستعين بها، في العراق وغيره، لتضفي الشرعية على سياستها الاستعمارية الجديدة.
بيد أن ذلك لا يعفينا نحن من مراجعة التجربة وأخذ العبر منها. وفي اعتقادي أن مشكلة الحركات الإسلامية الوطنية المماثلة لحماس وحزب الله، وهي حركات مقاومة شعبية، تختلف كثيرا في بنيتها وأساليب عملها وأهدافها عن منظمات مثل القاعدة وفتح الإسلام وغيرها من الفرق ذات الطابع الإرهابي. ولا تنبع المشكلة من استخدام هذه الحركات الوطنية السلاح ولا مشاركتها في السلطة أو سعيها إليها، فهذا ليس ممنوعا ولا محرما على الحركات الشعبية التي تواجه الاحتلال، مهما كانت العقيدة السياسية التي تحملها.
لكن مشكلتها تكمن في أنها لا تأخذ ـ بما فيه الكفاية ـ في الاعتبار أنه لم يعد هناك سياسة اليوم مستقلة كليا عن محيطها، وأن السياسة ذاتها أصبحت مسألة إقليمية ودولية. فالسلطة الفلسطينية التي قامت بعد اتفاقات أوسلو ليست ثمرة قوة فلسطينية مستقلة، وإنما نتيجة تسوية متعددة الأطراف، دولية وعربية وفلسطينية، حصلت كحل وسط بين الحل النهائي للقضية الفلسطينية والاستمرار في الحرب الوطنية المفتوحة. وإذا أراد طرف، حتى لو كان ذا قاعدة شعبية عريضة، حرف هذه السلطة "الوطنية" عن مسارها أو استخدامها لغير الأغراض التي رسمت لها، فلن يتردد القائمون عليها من القضاء عليه أو القضاء على من يريد حرفها عن أهدافها.
وينطبق هذا المبدأ المتعلق بطبيعة العملية السياسة التي أصبحت عابرة أكثر فأكثر للحدود، على ما يتجاوز ذلك بكثير، أي على أي عمل سياسي. وهنا تكمن أزمة العمل الإسلامي في السياسة العربية والدولية. فبسبب إدانته المسبقة من قبل البيئة الدولية، حتى لو كانت هذه الإدانة على باطل، لا يستطيع هذا العمل أن يثمر مكاسب سياسية، بل إن نتائجه تزداد سلبية بقدر رفض القوى الدولية التعامل معه.
وهكذا كلما تعاظمت تضحيات الحركات الإسلامية كلما قلت قدرتها على إنجاز مكاسب سياسية. وهنا تكمن المفارقة: تضحيات أكثر تساوي مكاسب أقل، وهو ما يعني أنه كلما زادت الحركات الإسلامية قوة كلما قل مردودها السياسي.
باختصار لا تسمح شروط البيئة السياسية والجيوسياسية الدولية اليوم بتنفيذ أي أجندة إسلامية سياسية كأجندة وطنية. وخطأ حماس أنها أرادت، بالإضافة إلى ذلك أن تعطي لنفسها أبعادا دولية فاتصلت بإيران بعد أن كانت على علاقة قوية بسوريا، فأثارت حفيظة جميع القوى التي تقف في الصف المقابل، بما فيها قوى أغلبية الدول العربية. وكان الأفضل لحماس أن تبقى في الموقع الثاني، وألا تتصدر الحركة الوطنية، حتى تحمي نفسها، وتمكن قوى أخرى من قطف ثمار تضحيات الشعب الذي يعمل تحت رايتها، لكن هذا يتطلب حسا بالتفاني لا حدود له، وتجاوزا للإساءة والاستفزاز اليومي الموجه بالضرورة لها من قبل خصومها ومنافسيها معا.
* برأيكم ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة هل هو مواصلة للمواجهة بين المحور الإيراني السوري الذي له أنصار في الأراضي المحتلة أمام ما يطلق عليه البعض المحور المعتدل، والذي يتشكل من بعض الأنظمة العربية المساندة للإدارة الأمريكية؟
- كما ذكرت سابقا، جانب من ذلك موجود بالطبع، لكن ذلك ليس الأمر في مجمله. فالاستقطاب الإقليمي والدولي الذي حصل، ودفع حركة حماس إلى التقرب من إيران وسوريا، كما دفع حركة فتح إلى التماهي مع ما يسمى بحكومات الاعتدال العربية، واكب التباعد المضطرد بين مواقف وتوجهات وأسلوب عمل قطبي الحركة الوطنية الفلسطينية.
وكان الاستقطاب بهذا المعنى تتويجا للانقسام الوطني نفسه، وتبني إستراتيجيتين متباينتين ومتعارضتين: الأولى تراهن على الضغوط العربية والدولية، وتتبنى تكتيكات سياسية لفتح أفق التسوية الفلسطينية الإسرائيلية، والثانية تصر على متابعة الكفاح المسلح وتكثيف الضغوط العسكرية وتعميم ثقافة المقاومة والشهادة كوسيلة لتحرير جميع الأرض الفلسطينية وطرد المستعمرين اليهود منها.
السؤال: هل كان الطلاق بين الفريقين والإستراتيجيتين حتميًّا أم أنه كان من الممكن حصول تسويات مؤقتة أو مستمرة بينهما؟ في اعتقادي أن مثل هذه التسويات كانت ممكنة، وهو ما دل عليه تطور التصريحات المؤكدة على استعداد حماس للقبول بدولة فلسطينية في الضفة وغزة، وتجميدها للعمليات العسكرية واقتراحها مبدأ هدنة طويلة، إذا التزمت إسرائيل بذلك. وهو ما يبرهن عليه أيضا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
ونحن نعرف أن هذه التسويات لم تحظ بموافقة واشنطن ولا تل أبيب، وتمت إدانتها من قبلهما، فهي تجنب حماس العزلة والحصار والحرب التي تريد العاصمتان فرضها عليها. وهو ما سعت إليه وعملت على تحقيقه في النهاية من خلال استفزاز حركة حماس، وإدخالها في حرب داخلية، والضغط على الدول العربية التي رعت إنشاء حكومة الوحدة الوطنية للتخلي عن مساعيها، واتخاذ موقف إدانة رسمية وصريحة لحماس، وتأييد حكومة محمود عباس وحدها... لذلك نتمنى أن تكون هناك تفهمات عربية جديدة تعمل على رأب الصدع بين الحركتين، ولا تستجيب كلية للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية، وهذا غير مستحيل عمليا، حتى في ظل الحديث عن المحاور الإقليمية.
* إلى أين نسير في الأراضي المحتلة؟ هل يمكن أن نتحدث عن نهاية مشروع التحرر الوطني الفلسطيني أو أنه بحاجة لوقت طويل حتى يستيقظ ثانية؟
- يعيش مشروع التحرر الوطني الفلسطيني والعربي معه في مأزق منذ عقود طويلة، بل إن وصوله إلى طريق مسدودة هو الذي يفسر الانقسام الذي حصل داخل صفوف الحركة الوطنية، والاستقطاب المتزايد فيه بين قوى تريد التعامل مع الواقع، بل الاستسلام له، من جهة، وقوى أخرى تريد الذهاب أبعد في التحدي والمواجهة وتلقين دروس في التضحية وقبول المخاطر، وهو ما أصبح مصدر مزايدة البعض في البرهان على الاستعداد للشهادة واستخدام العنف، والبعض الآخر في الذهاب حتى التفاهم والتعاون مع الأجنبي للحفاظ على المصالح البسيطة المجسدة في الاستقرار الأدنى وتأمين شروط الحياة اليومية.
وقد تجاوزنا اليوم في فلسطين وغيرها من البلاد العربية نقطة الانقسام ووصلنا إلى القطيعة الناجزة، بل إلى المواجهة الداخلية التي تعبر عن نفسها أكثر فأكثر من خلال المواجهة الإقليمية بين دول الاعتدال المرتبطة بالكتلة الغربية ودول الممانعة والمقاومة والصمود الممثلة بإيران وسوريا والمنظمات المتحلقة حولهما. وإذا استمر هذا الاتجاه فسوف تذوب المشاريع والصراعات الوطنية ومشاريع التحرير وتنحل في المواجهة الإقليمية وتنتهي معها.
لذلك لست متأكدا من أنه ما يزال من الممكن أن نستخدم مفاهيم عادية أو قياسية مثل مشاريع التحرر الوطني؛ لوصف ما يجري في منطقة خرجت فيها إستراتيجيات الدول والمنظمات عن أي قواعد مرعية، وأصبحت اللغة الوحيدة السائدة فيها هي لغة الهمجية والقتل والخراب أو التهديد بالخراب الشامل، وذلك بقدر ما تنزع القوى المتضاربة، الدولية والإقليمية التي تعيش مأزق مشاريعها السلطوية، إلى استخدام جميع الوسائل، مهما كانت لا أخلاقية ولا إنسانية، لتحرير نفسها من القيد، أو للخروج من المطبات التي وقعت فيها، والحفاظ على رهاناتها ومصالحها، وهذا ما يعني أن المواجهة مستمرة، وأن شيئا لم يحسم ولن يحسم في المدى المنظور، طالما لم تدرك القوى الكبرى أنها لن تستطيع الحفاظ على مصالحها من دون اعتبار مصالح الأطراف الأضعف والتعاون معها على صيانتها وتعظيمها.
*حوار أجراه مراسل شبكة إسلام أونلاين. نت في باريس مع المفكر العربي البارز "برهان غليون" مدير مركز دراسات الشرق المعاصر، والأستاذ في جامعة باريس الثالثة.

mercredi, juillet 04, 2007

السياسة الخارجية السورية بين المباديء والمكاسب

اتحاد 4 يونيو 07
حظيت السياسة السورية الخارجية، التي أرسى قواعدها الرئيس حافظ الاسد منذ أربعة عقود، بتقدير كبير من قبل كتاب ومحللين سياسيين عالميين وعرب. وجعل النظام من التفاف الأحزاب والقوى السياسية السورية جميعا من حولها نقطة إجماع وطني لا يجوز المساس بها أو تجاوزها. وقد قامت هذه السياسة عموما خلال العقود الثلاث الأخيرة على التدخل القوي، السياسي والعسكري، في الشؤون الداخلية للبلدان او الحركات الوطنية العربية والإقليمية، بدءا من النزاع العراقي الايراني، إلى النزاع الكردي التركي، مرورا بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي، واللبناني الاسرائيلي، وغيرها. فقد أعطت دمشق لنفسها الحق، باسم الالتزام القومي أحيانا وباسم المصالح الوطنية السورية أحيانا أخرى، في أن تكون طرفا في النزاعات الداخلية العربية، وإذا لم تجدها، لم تتردد في اختلاقها وتوسيعها.
لكن الاحباطات الكثيرة التي واجهتها دمشق في السنوات الماضية، زاد التشكيك في حقيقة الفائدة التي جنتها سورية من هذه السياسة. ويسود شعور طاغ اليوم بان هذه السياسة ربما تكون قد وصلت إلى نهاية طريقها. فبعد أن كان للتدخل في نزاعات داخلية عربية وإقليمية عائدا ايجابيا يؤمن لدمشق فوائد متعددة، استراتيجية أو اقتصادية أو سياسية، أصبح هو نفسه اليوم، بعد تبدل وجهة السياسة الامريكية الشرق أوسطية، سببا في دفع سورية إلى بؤرة صراعات الشرق الأوسط جميعا، وجعلها موضوعا رئيسيا للنزاع. هذا هو الحال في ما يتعلق بعلاقة دمشق الاستراتيجية مع طهران، وتحالفها مع أطراف المقاومة الفلسطينية الرديكالية، العلمانية والإسلامية، وتمسكها بنفوذها الاستثنائي في لبنان، ودعمها العلني للمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي.
ففي نظر العديد من العواصم الدولية، وليس الإدارة الأمريكية الراهنة فقط، أصبحت دمشق محور سياسة شرق أوسطية حاملة لمخاطر كبيرة. فهي متهمة بسبب تدخليتها الواسعة هذه بدعم الإرهاب، أو على الأقل التلاعب به من أجل تأكيد نفوذها وتوسيع رقعة مصالحها الوطنية. وباستثناء بعض الكتاب اليساريين أو شبه اليساريين الغربيين الذين يدفعهم عداؤهم الايديولوجي والسياسي لسياسات واشنطن الهيمنية إلى إبداء تعاطف نسبي مع سياسة دمشق الخارجية، كما مع غيرها من العواصم التي تبدي تماسكا أكبر تجاه التسلطية الأمريكية، يكاد جميع المسؤولين في الدبلوماسية الدولية ينظرون إلى السياسة السورية الإقليمية والدولية نظرة مليئة بالريبة. فهي إما أن تكون في نظرهم سياسة متهورة تفتقر للمعايير العقلانية والواقعية، أو أنها تسعى بالفعل إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأكملها، في سبيل دفع الأذى المحتمل عنها أو تأكيد نفوذها بوسائل لا شرعية لدى جيرانها وعلى حساب مصالحهم الوطنية.
لكن الدبلوماسيات الغربية ليست الوحيدة التي تنظر بعين الريبة إلى الخيارات السورية في السياسة الخارجية. فمثل هذه الريبة بدأت تغزو أيضا الرأي العام السوري ذاته، أو قطاعات واسعة منه، لا تقتصر على حلقات المعارضة الضيقة أبدا. ولا تعني الريبة التشكيك المطلق بهذه الخيارات وإنما التساؤل، من وراء إعلان التأييد الظاهري لها، عما إذا كانت تنطوي دائما على خيارات سليمة وناجعة. فعلى سبيل المثال، هل كان دعم المقاومة الكردية الماركسية، أعني حزب العمال الكردستاني، خلال سنوات حكم الرئيس حافظ الأسد الطويل، ضد الحكومة التركية، مفيدا لسورية؟ وهل كان لتأييد جميع أشكال المقاومة المسلحة في العراق، بكل ما انطوت عليه من تناقضات، وبصرف النظر عن منطلقاتها الفكرية ووسائل عملها وتقنياتها العسكرية، نتائج ايجابية أيضا تخدم المصالح السورية العليا؟ وبالمثل ما هي الفائدة التي جنتها دمشق في النهاية من تشجيعها الانقسام داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، واختيارها الوقوف إلى صف التيارات الرديكالية الفلسطينية، من الجبهة الشعبية بشقيها، العادية والقيادة العامة التي يترأسها أحمد جبريل، ثم دعمها لحركة حماس الاسلامية منذ التسعينيات، ضد ياسر عرفات ومنظمة فتح المركزية التي كانت تمثل الأكثرية السياسية في الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وهل أعطى التحالف مع ايران وبالتالي مع حزب الله في لبنان، فوائد لدمشق تفوق تلك التي كان من الممكن أن تجنيها سورية لو اختارت توثيق الروابط مع المنظومة العربية؟
تتلخص إجابات أنصار دمشق بنظريتين متباينتين يشكلان في الوقت ذاته تأويلين لهذه السياسة نفسها. الأولى ذات سمة واقعية أو "ريل بوليتيك" تفيد بأن هذه السياسة هي التي ضمنت ولا تزال تضمن لسورية أوراقا إقليمية أساسية من أجل العمل والمبادرة على ساحة الشرق الأوسط. ومنها استمدت سورية نفوذا كبيرا في المنطقة، وتحولت إلى دولة فاعلة ومؤثرة يخشى جانبها، بعد أن كانت، في الخميسينيات والستينيات، موضوع نزاع بين الدول الأخرى العربية وغير العربية. وهذا يعني أن النفوذ الذي يؤمنه التدخل في قضايا الدول المجاورة هو السند للدفاع عن المصالح السورية الوطنية، وأن أي تراجع عنه يعني المغامرة بتعريض هذه المصالح للخطر. وربما كان أولها المصالح الأمنية. ومن هذا المنظور من الطبيعي ان لا تثير النزاعات التي تتفجر من حول سورية قلقا كبيرا لدى القيادة السورية، بل بالعكس. إنها تؤكد بالنسبة لها صحة خياراتها. فهي تعتقد اليوم أكثر من أي يوم مضى أن أفضل وسيلة لدفع الضغوط الخارجية ومنعهم من اللعب بالساحة الداخلية، هي تكثيف الضغوط عليهم، مباشرة أو من خلال حلفائهم المحليين، او ما ترى فيهم ذلك، واللعب في ملعبهم. وأن أفضل وسيلة لنيل السلام والهدوء والراحة في الداخل هو أن إنهاك الآخرين وحرمانهم من الاستقرار.
أما النظرية الثانية فهي من طبيعة عقائدية مناقضة تماما للأولى. فهي ترى في التدخلية السورية تجسيدا لوفاء دمشق لمبادئها القومية والوطنية التقدمية. ومن هذا المنظور ليست الجهود التي تبذلها سورية للبقاء في قلب الشؤون الداخلية العربية استثمارات سياسية واستراتيجية تهدف إلى الحصول على مكاسب استراتيجية أو اقتصادية أكبر، وإنما هي تضحيات يقوم بها السوريون لايمانهم بالقيم الوطنية والقومية، ودفاعهم عن استقلال العرب وحريتهم وكرامتهم. وفي هذه الحالة لا بأس في أن لا تكون لهذه السياسة عوائد حقيقية، من أي نوع كان. فهي ليست مقصودة لفوائدها وإنما هي واجب يقع على السوريين ولا يمكنهم تركه أو تجاهله من دون أن يفقدوا مبرر وجودهم السياسي والعقائدي معا. ومن شواهد النظرية الأولى اعتقاد مراقبين كثر، بل ومسؤولين سوريين، أن التحالف مع طهران ضمن ولا يزال يضمن وجود حزب الله كورقة للضغط على إسرائيل وإجبارها على إعادة الجولان إلى سورية. وينطبق الأمر نفسه على الدعم السوري السابق للحركة الانفصالية الكردية بقيادة أوجلان في تركيا. فقد كان الرئيس حافظ الأسد يعتقد أنه سوف يتمكن عن طريق هذا التحالف من إجبار أنقرة على الاعتراف بحصة سورية الطبيعية من مياه الأنهار المشتركة، التي توجد منابعها في تركيا. أما التحالف مع حركات المعارضة الفلسطينية، مهما كان اتجاهها السياسي والعقائدي، علمانيا أم إسلاميا، فالهدف منه قطع الطريق على أي تسوية منفردة يمكن للحركة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات، الأقرب في تحالفاته إلى مصر والمملكة السعودية، أن تعقدها مع إسرائيل قبل أن يتم التوصل إلى تسوية سورية إسرائيلية تعيد الجولان المحتل.
لكن بالرغم من أن النظام يستخدم الحجتين لتبرير خياراته السياسية، خطاب الواقعية السياسية وخطاب المثالية الايديولجية القومية، إلا أن الخطاب القومي هو الذي يسود أحاديث وخطب المسؤولين في الحزب والدولة. هكذا لا يكف المسؤولون السوريون، عندما يوجه لهم النقد بسبب تدخلهم في الشؤون العراقية أو اللبنانية أو الفلسطينية، عن تكرار الفكرة ذاتها التي تفيد بأن سورية قدمت تضحيات كبيرة في لبنان، أو أنها لا تقبل بتقسيم العراق أو تغيير طبيعته القومية، أو أنها ترفض تصفية القضية الفلسطينية من قبل التيارات الانهزامية والاستسلامية. أما المعارضة فهي تستهين كثيرا بالحجة القومية التي يستخدمها المسؤولون السوريون، وترى فيها وسيلة للتغطية على المقاربة الأولى أو تبريرا لها. لكن المعارضة لا تناقش جديا نظرية الواقعية السياسية التي تنظر إلى النشاطية المفرطة على أنها الخيار الوحيد لسورية إذا أرادت أن تحافظ على موقعها الإقليمي وتتملك أوراقا للفعل الاستراتيجي تضمن مصالحها الوطنية وتبعد عنها القوى والحركات الطامعة فيها أو المهددة لاستقرارها ووحدتها الوطنية. فهي إما أنها تشارك في النظرة ذاتها إلى مسألة النفوذ الإقليمي، أو بعبارة أدق سياسة الهيمنة الإقليمية، التي اعتبرها أنصار الحكم البعثي باستمرار على أنها مركزالإنجاز الرئيسي لنظام الأسد، أو أنها لا تأخذ مأخذ الجد ادعاءات النظام حول مبررات السياسات التدخلية الخارجية وتتهمه مسبقا بأنه لا يهدف منها إلا إلى خدمة النظام وتأمين دفاعاته ومصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب المصالح الوطنية السورية. لكن هذا الموقف يقطع الطريق مسبقا على أي مناقشة جدية لأهداف السياسة الخارجية السورية وأساليب عملها. ويفقد المعارضة نفسها في هذه الحالة فرصة بلورة سياسة خارجية سورية وطنية بالفعل، أي لا تتوسل خدمة نظام أو عقيدة او رؤية خاصة ولا الدفاع عن مصالح فئوية.
ينبغي في اعتقادي، بالعكس من ذلك، أخذ ادعاءات النظام على محمل الجد حتى يمكن فحصها بطريقة منهجية تمكننا وحدها من بلورة رؤية لأهداف السياسة الوطنية السورية ومعرفة أفضل الأساليب لخدمتها والدفاع عنها. والسؤال الذي يطرح اليوم، ونحن على أعتاب حرب إقليمية وحروب طوائفية منظورة وغير منظورة، تشكل التدخلية السورية أحد ذرائعها ومبرراتها، هل كان الانخراط في النزاعات الداخلية للأقطار العربية، سواء جاء استجابة لمراكمة أوراق ضغط استراتيجية أو تحقيقا لعقيدة قومية، الخيار الوحيد الممكن لبناء استراتيجية سورية وطنية، أم كان من المحتمل الوصول إلى الأهداف ذاتها بالطرق الدبلوماسية وأساليب التفاوض السياسية؟ وهل ساعدت هذه التدخلات في النزاعات الداخلية العربية والإقليمية في تحقيق المصالح السورية أو تحقيق جزء منها، أم عملت بالعكس على ابعاد دمشق بشكل أكبر عن إمكانية ايجاد الحلول لمشاكلها الوطنية؟ والجواب على هذين السؤالين يفترض منطقيا الإجابة على سؤال سياسي أسبق يتعلق بتعريف المصالح الوطنية السورية، وتحديد في ما إذا كانت مصلحة نوعية واحدة أم مصالح متعددة ومتباينة في سلم الاهمية والأولوية.

jeudi, juin 28, 2007

سورية والمحكمة الدولية

الجزيرة نت
من الطبيعي والمشروع أن يشكل التحصن ضد مضاعفات المحكمة الدولية الهاجس الرئيسي للسلطة السورية اليوم. بيد أن من الخطأ الاعتقاد بأن أفضل وسيلة للتغلب على نتائج هذه المحكمة وقطع الطريق على الضغوط الخارجية، وتجنب الحصار والعقوبات الاقتصادية، التي من المحتمل أن تفرض حسب قرار مجلس الأمن، هو إلغاء الحياة السياسية، وإغلاق كل أبواب النقاش والتفكير والنقد، وإخماد أنفاس المجتمع المدني والمعارضة بأي وسيلة، قانونية أو غير قانونية. فبالاضافة إلى ما تعبر عنه من اضطراب، وما تشكله من مظلة تحتمي تحتها قوى الفساد الخطيرة في البلاد، ليس هناك أي أمل في أن تردع مثل هذه السياسة القوى الخارجية المعادية للنظام، ولا أن تقدم أي ضمانة لاحتفاظ السلطة بالسيطرة الشاملة التي تحلم بها، ولا في منع التجاوزات السياسية أو التخريبية. وتقدم التجربة العراقية المعاصرة درسا تاريخيا ثمينا في هذا المجال. فلم تنجح سياسة الإغلاق الشامل لنظام صدام على أي معارضة أو اختلاف أو انتقاد في ضمان الأمن والاستقرار، بل عملت بالعكس على نقل المعركة الداخلية إلى الساحات الخارجية، وساهمت في بناء معارضة مرتبطة بالقوى والمصالح الأجنبية، كان لها اليد الطولى في تدمير النظام، الذي كان قد أجهز، هو نفسه، على آخر ما تبقى له من شرعية، بفرضه منطق القمع الشامل على المجتمع والفرد.
وليس من الصعب فهم هذه الديناميكية التي قادت العراق إلى الدوامة الجهنمية التي يعيش فيها اليوم. فالضغوط المتزايدة التي تمارسها الدول الغربية على نظم تعمل بمنطق السيطرة الكلية، ولا تخضع لأي معايير سياسية أو أخلاقية، تتحول إلى ضغوط مباشرة ومضاعفة من قبل النظام على المجتمع، وتتجلى عبر جهود متزايدة لتحطيم قوى المعارضة الديمقراطية وغير الديمقراطية، أملا بإغلاق كل المنافذ وسد الذرائع والثغرات. ولا يلبث هذا الضغط المتزايد على قوى المعارضة الداخلية حتى يفجرها وينقل مركز الثقل إلى أقسامها الخارجية التي تجد نفسها تلقائيا في موقع القيادة، نظرا لما تحظى به من قدرة على الحركة والمبادرة وبناء التحالفات مع القوى الدولية، في الوقت الذي يقبع فيه قادة المعارضة الداخلية السلمية والوطنية، في السجون والمعتقلات. ويدفع اليأس من إمكانية التغيير السياسي من الداخل بقطاعات متزايدة من الرأي العام المتذمر إلى التطلع نحو هذه المعارضة الخارجية، التي تشعر أكثر فأكثر أن عليها يقع منذ الآن واجب العمل بجميع الوسائل للرد على طلبات التغيير الموجهة إليها، وتجد نفسها تحت ضغوط متزايدة للتحالف مع الشيطان حتى لا تخسر الرهان ولا تخون الآمال المعلقة عليها.
هذا ما يفسر كيف أن حركات كانت بالأصل معادية عداءا شديدا للولايات المتحدة وسياساتها الإقليمية، مثل الحزب الشيوعي العراقي والأحزاب والتكتلات الاسلامية الشيعية، قد قبلت بسهولة وسرعة التكيف مع الاستراتيجيات الغربية، وأحيانا الارتماء في أحضانها، ثم المشاركة في مشروع غزو بلادها ووضعها تحت الوصاية الأجنبية. فالناس لا يولدون خونة ولا متآمرين ولكنهم يصبحون كذلك نتيجة المواقع التي يجبرون على احتلالها والأدوار التي يدفعون إلى لعبها، أي عندما لا يجدون لأنفسهم ومصالحهم مخرجا آخر ولا خيارا، سوى التفاهم مع القوى الخارجية القابلة لأن تتبني قضيتهم حتى لو كان ذلك، وهو لا يمكن إلا أن يكون، لتحقيق مآرب خصوصية. هكذا تعمل الردود القمعية على الضغوط الخارجية عملها، وتحقق أهدافها، بصرف النظر عن إرادة الناس الذين يخضعون لها، بل أحيانا كثيرة ضد قناعاتهم الأساسية. وحتى عندما يعتقد النظام أنه قد أغلق جميع الأبواب التي تنفذ منها الضغوط الخارجية، فليس هناك أي ضمانة أن لا يتعثر في مناورته الدولية، ويجد نفسه أسير المناورة السياسية نفسها التي قادت السلطة البعثية العراقية إلى حتفها. أعني جدلية الضغوط التي تعمل حسب المنطق البسيط الثلاثي الأبعاد : القوى الخارجية تطحن النخب الحاكمة لإخضاعها وإجبارها على التكيف مع استرايتيجيتها، فتعمد هذه الأخيرة، من قبيل الحيطة، والمزاودة على القوى الأجنبية وتحديها أيضا، إلى طحن المعارضة الداخلية، واستخدامها كبش محرقة، تبرر به جميع أخطاء سياساتها الداخلية والخارجية التي قادت إلى النزاع مع الدول الأجنبية. وبدورها، لا تجد المعارضة الخاضعة لكل أنواع التنكيل والاضطهاد ملجأ لها إلا بالهرب إلى الدول نفسها التي تمارس الضغوط الخارجية، والمراهنة على التعاون معها للحفاظ على وجودها والوفاء بوعودها التغييرية. وهذا ما يخدم قضية هذه الدول الكبرى الضاغطة التي تتلقاها بين أذرعها لتعيد تصديرها إلى الداخل، إما على شكل قوى معارضة مسلحة أو إنقلابية، أو كغطاء سياسي لتدخل عسكري أجنبي مباشر.
تحت تأثير هذه الجدلية سقط النظام العراقي السابق بعد أن دفعه الحصار الدولي الطويل إلى ضرب حصار لا يقل شراسة على المجتمع، وحول المعارضة التي التجأت إلى الخارج، في ايران او سورية أولا، ثم في الدول الغربية المعنية والقادرة على تقديم الدعم المناسب معا، إلى حامل للاستراتيجيات الأجنبية. وفي النهاية، لم يكن النظام وحده هو الضحية لسياساته القمعية وإنما البلاد بأكملها، دولة وشعبا.
وكما يخطيء النظام عندما يعتقد أن خنق المعارضة الوطنية لصالح إبراز المعارضات المرتبطة بالخارج يزيد من قدرته على المناورة السياسية مع القوى الأجنبية، ويبرهن لها على أنه لا أمل لها من دون التعاون معه، تخطيء بعض أطراف المعارضة السورية عندما تبني استراتيجية التغيير، الذي تحلم به عن حق، على استدراج عروض الضغوط الخارجية، أو تراهن على النتائج المحتملة لإقامة المحكمة الدولية. لا يكمن خطؤها في أنها تقدم بذلك الذريعة التي يحتاجها النظام ليبرر سياساته القمعية وإنما، أكثر من ذلك، لتغذيتها أوهاما في التغيير لا تملك هي نفسها سيطرة على أي عنصر من عناصرها الفعلية. فليس هناك أي سبب يدفع إلى الاعتقاد بأن الضغط الذي تمثله هذه المحكمة سوف يعمل على إسقاط النظام أو يجبره، كما تظن العديد من الأطراف، على الانفتاح على الشعب وتوسيع هامش الحريات المدنية والسياسية. بل إن العكس تماما هو الصحيح. فكما بينت ذلك السنوات الماضية، يشجع الخوف المتزايد من زعزعة الاستقرار أي نظام استبدادي يتعرض لضغوط خارجية قوية، على توجيه مثلها إلى قوى الاحتجاج الداخلية وتدفيعها ثمنها، من خلال تشديد الإجراءات الأمنية وزيادة الاعتقالات وإصدار الأحكام الاستثنائية. بل ليس من المبالغة القول إن لدى مثل هذا النظام مصلحة في أن يستغل هذه الضغوط ليبيح لنفسه إجراءات أمنية تعزز مركزه الداخلي، كان من المستحيل تبريرها في الظروف الطبيعية، لا تهدف إلى تقييد المعارضة وإخماد أنفاسها فحسب ولكن، في ما وراء ذلك، إلى تعقيم المجتمعات والقضاء على فكرة التغيير نفسها، وإخماد روح الاحتجاج والاعتراض والانتقاد بل والتفكير فيها. وربما أمل من خلال ذلك بأن يضمن لنفسه مزيدا من السيطرة على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، ويقنع أصحاب الضغوط الخارجية أن من المستحيل تجاوزه أو الاستغناء عنه في أي مشروع يهدف إلى الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار والأمن ومواجهة مخاطر تعميم الخراب والفوضى الداخلية والإقليمية.
لا يعني هذا أن المحكمة لن تنتج أوضاعا تضر بالنظام، أو أنها تفتقر للمبرر أو الشرعية، أو أن إنشاءها، كما يقول أنصار النظام، مؤامرة دولية. ولكن فقط أن الذي سيدفع ثمن ترويعها النظام سيكون الشعب نفسه والقوى السياسية والمدنية المكافحة من أجل الحرية، وربما حولتهم، كما حصل سابقا في العراق، إلى ما يشبه الرهائن في مواجهة لا يعرف أحد مآلاتها النهائية. ويعني كذلك أنها، حتى في حالة تحولها إلى آلة حرب فعالة ضد النظام القائم، لن تخدم المعارضة السورية، ولن يستخدمها أحد لصالحها، وذلك بالضبط لأنها تندرج ضمن استراتيجية حرف النظر عن الأزمة الكبرى التي تعصف بالمنطقة، وتجنب البحث في حلول المشكلات الحقيقية، وفي مقدمها مسائل الاحتلال والاستيطان الاستعماري والسيطرة الغربية على مصائر شعوب المنقطة وحرمانها من حقوقها الوطنية. فما يتوجب على الولايات المتحدة وأوروبة ويقع على عاتقهما ليس تغيير النظم السياسية وإنما التخلي عن السياسات الاستعمارية أو شبه الاستعمارية التي تفسر وجود هذه النظم، ومعالجة نتائجها المتراكمة منذ عقود، والتي قادت المنطقة إلى الهاوية. فالمحكمة بالضرورة وبالأساس أداة في يد السياسة الأمريكية أو الأمريكية الاوروبية، بصرف النظر، كما ذكرت، عن مشروعية إنشائها أو تماسك الأسس القانونية وغير القانونية التي أقيمت عليها، واستهدافها أطرافا شاركت بالفعل في الأحداث المأساوية التي جرت على الساحة السياسية اللبنانية منذ مقتل رفيق الحريري وبعده. ومن يحلم بالاستفادة من المحكمة الدولية لتحقيق أهداف وطنية سورية، فهو لا محالة يعتقد، او لا يزال يعتقد بأن هدف واشنطن والإدارة الأمريكية القائمة، أو على الأقل أحد أهداف سياستها، في المنطقة المشرقية، هو فعلا الضغط في سبيل تعزيز قضايا الديمقراطية، وتأهيل الشعوب للتمكن من حقوقها السياسية والمدنية. وإذا كان هذا هو اعتقاده فلن يطول الوقت قبل أن يجد نفسه، في سياق المراهنة على هذه الضغوط، واقفا، بإدراك أو من دون إدراك، في المواقع الأمريكية، حتى لو كان من أكثر الكارهين لسياسات واشنطن العدوانية.
من هنا كان ينبغي التذكير بأن المحكمة الدولية ليست بعيدة عن أن تساعد على تطور قضية الديمقراطية في سورية والمنطقة العربية فحسب، ولكنها تشكل أكثر من ذلك وينبغي أن ننظر إليها كمصدر للمخاطر، واستحقاقا من الاستحقاقات الكبرى التي تستدعي من أطراف النخبة الوطنية جميعا التعامل معها بحكمة وحذر، في سبيل محاصرة مفاعيلها وإطفاء النيران التي ستشعلها، إذا أردنا أن لا تتحول إلى فخ نقع فيه جميعا، سلطة ومعارضة ووطنا. وهذا يعني أن نتجنب ما أمكن تحويلها إلى محور استراتيجياتنا السياسة، وأن لا نراهن عليها وعلى نتائجها للهرب من الاستحقاقات الوطنية أو للتغطية على ثغرات سياستنا المختلفة، فيعتقد بعضنا، من الموجودين في مواقع المسؤولية، أنه عثر فيها على الذريعة المناسبة لتشديد قبضة النظام القائم، وتعزيز دفاعاته القانونية وغير القانونية ضد الهزات الداخلية والخارجية، ويعتقد البعض الآخر، من أعضاء المعارضة، التي تعاني محنة التهميش والقمع والقهر، أنه وجد كلمة السر التي ستفتح باب الفرج، وتنقذ مشروع التغيير الذي انعدم الأمل بتحقيقه بقدراتنا الذاتية. ويخشى أننا إذا لم نحسن التصرف، سلطة ومعارضة، إزاء هذه القضية، أن تتحول المحكمة الدولية من فخ منصوب للنظام بهدف تطويعه وتركيعه من قبل الغرب، إلى قنبلة موقوتة تتفجر فينا وتفجر آخر ما تبقى لنا من وهم الدولة الوطنية. والخوف المشروع من مثل هذا الاحتمال هو الذي يفسر في نظري الموقف السلبي الذي اتخذه الرأي العام السوري منذ البداية منها، حتى لو أنه لم يذهب إلى حد تبرئة السلطة من التهم الموجهة أو التي يمكن أن توجه إليها.
والخلاصة، تخيم الهواجس المرتبطة بإقرار المحكمة الدولية على العديد من الصراعات القائمة في بلدان المشرق العربي وتهدد استقرارها. وليس لنا، نحن السوريين، أمل في تجنب المحنة التي قادت إليها في بلدان أخرى، وفي لبنان الذي أصبح رهين أجندتها بشكل خاص، ولا في وقف المواجهة الداخلية العنيفة التي نعيشها منذ سنتين، والعودة إلى مناخ التعايش بين الأطراف، من دون اللجوء اليومي إلى العنف المفرط، وربما استعادة منطق الحوار الداخلي، إلا بفصل أجندة المحكمة الدولية التي تسيطر عليها المصالح الخارجية عن أجندة نزاعاتنا السياسية التي لا تخضع، ولا ينبغي أن تخضع، إلا لحسابات المصالح الداخلية، أي الوطنية. وهذه ليست دعوة لبعض أطراف المعارضة الديمقراطية التي راودتها بعض الأوهام بشأنها كي تصحح موقفها، ولكن قبل ذلك لأطراف النظام الذي ينزع إلى إخضاع السياسات الوطنية والإقليمية بأكملها، وما يرتبط بتحقيقها من مصالح شعبية، لهدف واحد وحيد هو مقاومة المحكمة الدولية واحتواء نتائجها.

dimanche, juin 24, 2007

سورية وإسرائيل بين السلام والحرب

الوطن 25 يونيو 07

لم يحصل أن تضاربت الآراء والتحليلات بخصوص مستقبل العلاقات السورية الاسرائيلية القريب كما تتضارب اليوم. فبموازاة مؤشرات كثيرة لا تخطيء، رسمية وغير رسمية، على راهنية فتح مفاوضات سلام بين البلدين، تنتشر تأكيدات لا تقل إلحاحا وتكرارا عن احتمال اندلاع حرب بين البلدين في الصيف القادم. وهذا ما يعززه رأي العديد من المراقبين الدوليين والدبلوماسيين الذين زاروا عاصمتي البلدين، ونقلوا جميعا رأيا متشابها هو أن كلاهما يعلن استعداده للبدء بمفاوضات جدية للتوصل إلى تسوية لكنه يشك بنوايا الآخر، ويتهمه بالاستعداد الحثيث للحرب. فهل سيشهد الصيف القادم كما يتنبأ البعض حربا سورية إسرائيلية، تنائية أو في إطار حرب إقليمية أشمل، أم أن هناك بالفعل فرصا لإطلاق مسار مفاوضات جدية ومثمرة بين البلدين؟
يراهن المبشرون بالسلام على عدة عوامل. فإسرائيل تعاني من عقدة حرب تموز الأخيرة الخاسرة على لبنان، وهي تخشى في الوقت نفسه صواريخ حزب الله، وتأمل في أن يخلق التفاهم مع سورية فرصة لتحييده، أو ربما تفكيك آلته العسكرية. ثم إن هناك من يعتقد أن إطلاق المفاوضات مع سورية هو الوسيلة الوحيدة لإضعاف الموقف الفلسطيني، والتغطية على مأزق المفاوضات مع الفلسطينيين. وهناك أخيرا انشغال تل أبيب بالتقنية النووية الايرانية، ومصلحتها في فك سورية عنها لعزلها وربما توجيه ضربة عسكرية لها. ولا شك أن سقوط غزة منتصف يونيو حزيران الجاري (2007) في يد المقاومة الاسلامية حماس، سوف يزيد من اهتمام تل أبيب باسترضاء دمشق والتقرب منها.
ولا تقل الحجج التي تدافع عن جدية التوجه السوري إلى عقد اتفاق سلام عن تلك التي يذكرها المراقبون عن التوجه السلمي الاسرائيلي. ومن هذه الحجج رغبة النظام البعثي الذي يواجه احتجاجات متزايدة في استعادة الجولان المحتل، لتجديد شرعيته السياسية وتلميع صورته. ومنها كذلك محاولة الالتفاف على الحصار والمقاطعة الامريكية، وربما فتح حوار مع واشنطن عبر استرضاء تل أبيب. ومنها ثالثا اهتمام السلطة السورية التي تبنت سياسة الاقتصاد الحر بالانفتاح على أوروبة، في سبيل تحسين شروط اندماجها بالاقتصاد العالمي، وجذب الاستثمارات التي لا بد منها لمواجهة تحديات الفقر والبطالة والتأخر الاقتصادي.
وقد بلغ التفاؤل لدى فريق الأزمات الدولية، الذي أصدر تقريرا يركز على هذه المؤشرات الدالة على السير في اتجاه السلام، حدا دفع بمحرري التقرير الاخير إلى اقتراح اتفاقية سلام سورية إسرائيلية. وبالرغم من أهمية ما جاء فيه، يبدو لي أن المحررين ذهبا بعيدا في السير وراء رغائبهما، فلم يريا الواقع الفعلي في تعقيداته وتداخل مشاكله وملفاته، ونظرا إلى مستقبل النزاع السوري الاسرائيلي بمعزل عن القضايا الأخرى الإقليمية. وإذا لم يكن هناك شك في أن لدى الطرفين السوري والاسرائيلي دوافع معقولة للتوجه نحو مفاوضات سلام، إلا أن الظرف الإقليمي لا يدفع للأسف إلى التقدم في هذا الاتجاه. فهو أسير الصراع الاستراتيجي العميق والمعقد بين الولايات المتحدة الأمريكية المدعومة من أوروبة لمنع ايران من امتلاك القنبلة النووية، وبالتالي من بسط سيطرتها على أهم منطقة استراتيجية عالمية، أعني الخليج النفطي، وايران التي تعتقد أن الغرب يريد أن يحرمها من فرصتها في ضمان أمنها والتحرر من الحصار المضروب عليها منذ انتصار الثورة الخمينية عام 1979. وكما أن إسرائيل لا تستطيع أن تقرر في مسألة الصراع مع سورية من دون اعتبار المصالح الأمريكية الإقليمية، لا يمكن لدمشق أيضا أن تدخل في عمليات استراتيجية كبرى من دون اعتبار المصالح الايرانية. هذا من دون أن نذكر بالترابط بين ملف النزاع السوري الاسرائيلي وملفات النزاعات العربية الأخرى، الفلسطينية واللبنانية والعراقية.
بالتأكيد لا يمكن لواشنطن أن لا تدعم مفاوضات سورية إسرائيلية تهدف إلى فصل سورية عن ايران. وهذا ما ذكر به أولمرت في رسالته التي نقلها الأتراك إلى القيادة السورية. لكن الاعتقاد بأن دمشق سوف تتخلى عن ايران مقابل وعد بإعادة الجولان يدل على أن واشنطن وتل أبيب لا تدركان تماما مغزى التحالف السوري الايراني وقيمته بالنسبة للنظامين. فهو الورقة الرابحة الرئيسية حتى لا نقول الوحيدة في استراتيجية بقائهما، بالرغم من صحة ما يقوله التقرير أيضا عن التباينات العديدة في وجهات النظر وفي المصالح في أكثر من ملف من الملفات الإقليمية. لكن جميع المصالح المختلف عليها تبقى ثانوية بالنسبة لما يقدمه التحالف من ميزات استراتيجية حاسمة لطهران ودمشق في مواجهة خصومهما الخارجيين والداخليين معا. وحتى لو لم تكن سورية تابعة لايران، وهي ليست تابعة بالتأكيد، فإن تحالفها معها يفرض عليها أن لا تسير في اتجاه أو آخر من دون ضمان التناغم مع الاستراتيجية الكلية التي تجمع الطرفين في موجهة المحور الأمريكي الاسرائيلي. بعبارة أخرى، كما أنه لا يمكن فك اسرائيل عن واشنطن، بالرغم من التباين في بعض مصالحهما لا يمكن بالمثل فك سورية عن ايران رغم التباين أيضا في بعض مصالحهما الوطنية. فاسرائيل لن تتخلى عن حليفتها الرئيسية لحساب دمشق، ولن تدخل في السلام ما لم تكن واشنطن راعية له. ودمشق لن تتخلى عن حليفتها الكبرى لقاء الجولان، ولن تعقد سلاما مع إسرائيل وأمريكا من دونها.
ما ذا يعني إذن التأكيد المتواتر من قبل عاصمتي البلدين على استعدادهما للسلام وتمسكهما بفتح مفاوضات قريبة لتحقيقه؟ في نظري، إن حاجة كل طرف للمفاوضات السياسية تنبع بالضبط من ضرورات مواجهة الظرف الإقليمي الموسوم بالصراع الأمريكي الايراني، وموضعة نفسه فيه بما يحقق أكثر ما يمكن من المزايا ويقلل أكثر ما يمكن من الخسائر. وهكذا لم تتوقف الحكومة السورية عن إعلان رغبتها في الدخول في مفاوضات سلام من دون شروط منذ تدهور وضعها الاستراتيجي على اثر اغتيال رفيق الحريري وتبني مجلس الأمن مسألة تشكيل المحكمة الدولية. فهي بحاجة لمفاوضات مع إسرائيل ليس للتوصل إلى سلام يعيد الجولان، وتعرف أنه لا يزال بعيد المنال، وإنما لدرء الحرب التي تتهددها، بسبب تفاقم أزمة علاقاتها مع واشنطن التي تتهمها بتشجيع الشبكات الارهابية في العراق وغيره. فهي تأمل من وراء ذلك في تحييد إسرائيل وحثها على عدم السير في مخططات واشنطن المعادية لدمشق. ثم إن مثل هذه المفاوضات تهدف إلى تجنيب سورية أن تكون مسرحا للصراع الايراني الأمريكي المحتدم، وضحيته الرئيسية. أما حملة تل أبيب السلامية، التي لم تبدأ إلا منذ أسابيع قليلة، بعد صدود لافت، فهي تشكل جزءا من الاستراتيجة الغربية الشاملة لما سمي بإعادة إدماج دمشق أو التعاون معها في سبيل إبعادها عن ايران. فهو لا يعكس نضوج إسرائيل للسلام وايمانها بنجاعته لضمان الأمن، بقدر ما يشير إلى مساهمتها بقسط في تغيير اتجاه السياسة السورية.
من هنا، بالرغم من التصريحات المتواترة، ومؤشرات السلام المتعددة، هناك أسباب كثيرة تدفع إلى الاعتقاد بان المنطقة تتجه بشكل أكبر نحو الحرب. فغياب أي مبادرات سلمية من قبل واشنطن وتل أبيب في السنة الماضية، بالرغم من تفاقم الأزمة الإقليمية وتهديدها لمصالح دولية أساسية، يدل في اعتقادي على أن التحالف الأمريكي الاسرائيلي يميل إلى خيار استعادة صدقيته الاستراتيجية من خلال حرب جديدة ناجحة، أكثر مما يتجه نحو خيار التسوية التي لا بد أن تعكس، في الظروف الراهنة، نتائج النكسات التي مني بها ولا يزال في العراق وجنوب لبنان. لا ينفي هذا احتمال أن تحصل اختراقات غير متوقعه إذا طرأت تحولات مفاجئة على الخريطة الاستراتيجية الإقليمية. وهو ما نـأمله وندعو له، لكن على شرط ان لا نضع أقدامنا في مياه باردة ونعول على الحظ.

lundi, juin 18, 2007

حتى لا تضيع تضحياتنا الوطنية هباءا

اتحاد 20 يونيو 07
طمست الحروب الخارجية، والنزاعات الطائفية والمذهبية، والصراعات اليومية على موارد السلطة ومناصبها التي فقدت مضامينها السياسية والاجتماعية، المسألة الرئيسية التي شكلت في تسعينيات القرن الماضي محور النقاش والعمل العام، وقادت إلى المصادمات الدموية بين القوى الاسلاموية والقوى العلمانية، الرسمية والأهلية، على مختلف مشاربها وتناقضاتها، وأعني بها إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية ومن ورائها الجماعة الوطنية. وكانت العقود القليلة السابقة قد شهدت تطورات أساسية حولت الدول المستقلة حديثا إلى ما يشبه الإقطاعات التي تتحكم بها نخب محلية فقدت المعايير السياسية وأصبحت تتصرف بها كما لو كانت ملكيات شخصية. وبعد الصراع السياسي الطويل والدامي حول نموذجين للسلطة المدنية والسلطة الدينية، أو المستمدة من الشريعة الدينية، أسفر عن العديد من الحروب الأهلية المدمرة هنا وهناك، دخلت معظم البلاد العربية منذ بداية الألفية الثالثة حقبة ثانية اتسمت بسيطرة النزاعات ذات الطبيعة الوطنية أو الخارجية. فأمام الهجوم السياسي ثم العسكري الكاسح الذي طورته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، في سياق الحرب العالمية على الارهاب، وكرد على أحداث 11 سبتمبر 2001 أو استثمارها، غابت أجندة التغيير السياسي الداخلي لصالح أجندة المقاومة والممانعة، التي شاركت فيها الحكومات العربية بأساليبها الخاصة، كما شاركت فيها معظم قطاعات الرأي العام العربي المصدومة بالعدوانية الاستعمارية المنبعثة من رمادها. وها نحن ندخل اليوم، حقبة ثالثة لم تغب فيها أجندة التغيير السياسي الداخلي فحسب، بعد أن ألحقتها الإدارة الامريكية بأجندتها الاستعمارية الجديدة، تحت شعار دعم الديمقراطية، ولكن غابت الأجندة الوطنية أيضا. فلم يعد الجزء الأكبر من الجهد الجماعي، الفكري والمادي، يتجه إلى صد الهيمنة الأمريكية والغربية عموما، كما كان في الحقبة السابقة، ولكنه أصبح يصب إلى حد كبير في حساب أجندات خاصة، طائفية أو عشائرية أو مذهبية أو حزبية، بعيدة في أهدافها ومآلاتها المحتملة عن أي أجندة وطنية أو ديمقراطية، حتى لو أن هذه الاجندات لا تزال تحظى بقسط متفاوت القدر حسب البلدان، من هذا الجهد أو من التضحيات الكبرى الجماعية. هذا هو الجو الذي ميز الوضع في العراق منذ سنتين على الأقل، وكاد ينتقل إلى لبنان أو هو في طريقه إلى ذلك، وهو الذي يسم الوضع الحالي في فلسطين مع انهيار حكومة الوحدة الوطنية ونشوء ما يشبه الدولتين المنشقتين في غزة والضفة الغربية، من دون الحديث عن اليمن الذي يخوض غمار حرب غير معلنة داخلية وغيره من البلدان التي تعيش مناخ مواجهات عصبوية مماثلة. ولا يختلف الوضع عن ذلك، حتى في تلك البلدان التي بقيت تحتفظ إلى حد أو آخر بتماسكها السياسي. فهي تعيش الزمن السياسي العربي نفسه، وتتضارب عند رأيها العام أجندات الصراعات والنزاعات والمواجهات السياسية والوطنية والطائفية والمذهبية وتتداخل، إلى درجة ضياع الوعي والقدرة على التمييز والاختيار في المواقف والأفكار. بل إن تداخل الأجندات وترابط النزاعات قد وصل إلى مدى أضعف قدرة المحللين والمراقبين أنفسهم على التعرف على المشاكل المختلفة والفصل بينها، وتحديد النقطة التي يمكن من خلالها الدخول لنزع فتيل ما أصبح يشكل أزمة شاملة ومتكاملة، تقسم النخب وتطحن الشعوب.ليس هناك أي شك في أن السياسات الغربية عموما، والامريكية على وجه الخصوص، هي التي ساهمت بالقسط الأكبر في تشريك الحياة الوطنية وتدمير أسسها في هذه البلدان، بقدر ما قوضت جدلية تحولاتها الداخلية وأخضعتها لأجندتها الخاصة، المرتبطة أساسا بالحفاظ على مصالحها الحيوية، وإقفال المنطقة أمام أي احتمالات تطور يخرجها، جزئيا او كليا عن دائرة سيطرتها المباشرة، إن لم تكن الكلية. لكن ما كانت القوى الخارجية قادرة على فرض أجندتها علينا، وإدخالنا في شراك استراتيجياتها الدولية، لو لم تجد أمامها هياكل سياسية واجتماعية واقتصادية هشة، قابلة للاختراق والتسيير والاستتباع. لا يكمن مصدر هذه الهشاشة كما تدعي الطواقم الحاكمة عادة في قصور الشعوب والمجتمعات أو افتقارها للروح الوطنية، أو التقاليد والمعارف العصرية، وإنما بشكل أساسي في تقصير النخب الاجتماعية، والحاكمة منها بشكل خاص، في تبني سياسات جدية وفعالة لتجديد هذه الهياكل وتحديثها وتفعيل الإرادة والجهود الشعبية. فغياب إرادة الإصلاح، إن لم نقل رفض مبدئه، عند نخبنا العربية، ربما كان نقطة الاختلاف الرئيسية التي ميزت تجربتنا لحقبة ما بعد الحرب الباردة عن تجارب العديد من بلدان العالم النامي الأخرى. وهو ما أضعف موقفنا الاستراتيجي وقاد إلى نزاعات أهلية لا تنتهي وفتح الباب واسعا أمام تدخل القوى الأجنبية. ولعل العوامل ذاتها التي حرمت النخب المحلية من إدراك ضرورات الاصلاح هي نفسها التي شجعت قوى الهيمنة الدولية على الدخول على الخط، وفرض أجندتها الخارجية، وما تبعه من حرف الصراع الداخلي عن محوره الرئيسي، والتشويش على الوضع السياسي والفكري برمته. والمقصود من ذلك وفرة الموارد الريعية وسيطرتها على اقتصاد المنطقة ككل، وهي موارد جاهزة غير مرتبطة بعمل وإنتاج وبالتالي بحماية اجتماعية قوية. فكما أغرت هذه الموارد الاستثنائية بعض النخب المحلية بالاستمرار في الحكم بالطرق التقليدية، ودفعت البعض الآخر إلى التحول إلى وحوش ضارية لانتزاع حصة من هذه الموارد نفسها، أو لتأمينها من خلال ترييع الاقتصاد المحلي، على حساب المجتمعات وبالتضحية بها، دفعت قوى الهيمنة الدولية الطامعة فيها إلى استسهال عملية السطو عليها وانتزاعها، أو انتزاع الجزء الاكبر منها، على حساب النخب المحلية. ومع بروز السياسة الأمريكية الامبرطورية بإلهام المحافظين الجدد، تحول الصراع على السيطرة على هذه الموارد والموارد الإضافية الناجمة عن ترييع اقتصاد البلدان المجاورة، إلى محور أول تدور من حوله جميع الصراعات الأخرى، وحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة وشاملة. هكذا تزعزعت الأوضاع الشرق أوسطية، واختلطت المعارك الداخلية بالخارجية، والنزاعات السياسية بالنزاعات القومية، والطائفية بالوطنية، والدينية بالقبلية. فلم يعد أحد يستطيع تحديد أهداف واضحة، ولا غايات مفهومة لهذه الأطراف المتنازعة المتزايدة والمتداخلة، ولا واجبات ولا مسؤوليات. هكذا تضافرت أزمة القيادة السياسية المحلية مع أزمة القيادة الدولية، لإلغاء أي قواعد وغايات واضحة ومحددة لممارسة أي سلطة وتقييدها. وصار العنف، والتفوق في انتاجه واستخدامه وتصديره هو مبدأ الفعل وأساس العلاقات، داخل المجتمعات وفي ما بينها ومع القوى الخارجية أيضا. لا نستطيع أن نغير الأجندة الاستعمارية، ونمنع أصحابها من التخريب، لكن لا يستطيع أحد ن يمنعنا من بناء أجندة وطنية تثمن تضحياتنا وتمنع جهودنا الوطنية من أن تتحول إلى معارك داخلية ونزاعات أهلية. وأساس ذلك استئناف مشروع الاصلاح الوطني المعطل، الذي يشكل أيضا مدخلنا إلى الساحة الدولية وتثمين جهودنا في دائرة المقاومة العالمية المتنامية في مواجهة نظام السيطرة والحرب والاحتيال. وفي مقدمة هذا المشروع إصلاح نظام القيادة الاجتماعية الذي يحدد خيارات أي مجتمع ومصيره. والمقصود نظام القواعد والآليات والغايات التي تحكم اتخاذ القرارات وتتحكم بتنفيذها، في أي مجتمع، سواء أكان ذلك على مستوى الدولة، وهو ما يتعلق بنظام السياسة وممارسة السلطة العمومية، أو على مستوى المجتمع، وهو ما يرتبط ببلورة الرؤى الاستراتيجية والاعتقادات السياسية والغايات الأخلاقية التي تتبلور من حولها وخلالها إرادة جامعة، جزئية أو شاملة، وتنشأ على أساسها القوى الاجتماعية والسياسية التي توحد إرادة الافراد وتوجه حركتهم وتحولهم إلى قوة فاعلة على مستوى الدولة والمجتمع معا. فهذا النظام الذي دخل في أزمة عميقة وأظهر فساده بعد إخفاق النماذج التسلطية، اليسارية واليمينية، التي ارتبطت بمناخ الحرب البادرة ومتطلباتها، يشكل اليوم نقطة الضعف الرئيسية في حياتنا العمومية، ومصدر كل أنواع الفساد وغياب الفاعلية وانعدام التراكم في المعرفة والخبرة الاجتماعية. وهو الذي يميز تجربة مجتمعاتنا عن التجارب التي عرفتها المجتمعات الأخرى في البلدان النامية، ويعزلنا عن العالم، ويجعل من بلادنا مسرحا مفتوحا لكل أنواع الحروب الداخلية والخارجية.

حتى لا تضيع تضحياتنا الوطنية هباءا

اتحاد 20 يونيو 07


طمست الحروب الخارجية، والنزاعات الطائفية والمذهبية، والصراعات اليومية على موارد السلطة ومناصبها التي فقدت مضامينها السياسية والاجتماعية، المسألة الرئيسية التي شكلت في تسعينيات القرن الماضي محور النقاش والعمل العام، وقادت إلى المصادمات الدموية بين القوى الاسلاموية والقوى العلمانية، الرسمية والأهلية، على مختلف مشاربها وتناقضاتها، وأعني بها إعادة بناء مفهوم الدولة الوطنية ومن ورائها الجماعة الوطنية. وكانت العقود القليلة السابقة قد شهدت تطورات أساسية حولت الدول المستقلة حديثا إلى ما يشبه الإقطاعات التي تتحكم بها نخب محلية فقدت المعايير السياسية وأصبحت تتصرف بها كما لو كانت ملكيات شخصية. وبعد الصراع السياسي الطويل والدامي حول نموذجين للسلطة المدنية والسلطة الدينية، أو المستمدة من الشريعة الدينية، أسفر عن العديد من الحروب الأهلية المدمرة هنا وهناك، دخلت معظم البلاد العربية منذ بداية الألفية الثالثة حقبة ثانية اتسمت بسيطرة النزاعات ذات الطبيعة الوطنية أو الخارجية. فأمام الهجوم السياسي ثم العسكري الكاسح الذي طورته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، في سياق الحرب العالمية على الارهاب، وكرد على أحداث 11 سبتمبر 2001 أو استثمارها، غابت أجندة التغيير السياسي الداخلي لصالح أجندة المقاومة والممانعة، التي شاركت فيها الحكومات العربية بأساليبها الخاصة، كما شاركت فيها معظم قطاعات الرأي العام العربي المصدومة بالعدوانية الاستعمارية المنبعثة من رمادها. وها نحن ندخل اليوم، حقبة ثالثة لم تغب فيها أجندة التغيير السياسي الداخلي فحسب، بعد أن ألحقتها الإدارة الامريكية بأجندتها الاستعمارية الجديدة، تحت شعار دعم الديمقراطية، ولكن غابت الأجندة الوطنية أيضا. فلم يعد الجزء الأكبر من الجهد الجماعي، الفكري والمادي، يتجه إلى صد الهيمنة الأمريكية والغربية عموما، كما كان في الحقبة السابقة، ولكنه أصبح يصب إلى حد كبير في حساب أجندات خاصة، طائفية أو عشائرية أو مذهبية أو حزبية، بعيدة في أهدافها ومآلاتها المحتملة عن أي أجندة وطنية أو ديمقراطية، حتى لو أن هذه الاجندات لا تزال تحظى بقسط متفاوت القدر حسب البلدان، من هذا الجهد أو من التضحيات الكبرى الجماعية. هذا هو الجو الذي ميز الوضع في العراق منذ سنتين على الأقل، وكاد ينتقل إلى لبنان أو هو في طريقه إلى ذلك، وهو الذي يسم الوضع الحالي في فلسطين مع انهيار حكومة الوحدة الوطنية ونشوء ما يشبه الدولتين المنشقتين في غزة والضفة الغربية، من دون الحديث عن اليمن الذي يخوض غمار حرب غير معلنة داخلية وغيره من البلدان التي تعيش مناخ مواجهات عصبوية مماثلة. ولا يختلف الوضع عن ذلك، حتى في تلك البلدان التي بقيت تحتفظ إلى حد أو آخر بتماسكها السياسي. فهي تعيش الزمن السياسي العربي نفسه، وتتضارب عند رأيها العام أجندات الصراعات والنزاعات والمواجهات السياسية والوطنية والطائفية والمذهبية وتتداخل، إلى درجة ضياع الوعي والقدرة على التمييز والاختيار في المواقف والأفكار. بل إن تداخل الأجندات وترابط النزاعات قد وصل إلى مدى أضعف قدرة المحللين والمراقبين أنفسهم على التعرف على المشاكل المختلفة والفصل بينها، وتحديد النقطة التي يمكن من خلالها الدخول لنزع فتيل ما أصبح يشكل أزمة شاملة ومتكاملة، تقسم النخب وتطحن الشعوب.ليس هناك أي شك في أن السياسات الغربية عموما، والامريكية على وجه الخصوص، هي التي ساهمت بالقسط الأكبر في تشريك الحياة الوطنية وتدمير أسسها في هذه البلدان، بقدر ما قوضت جدلية تحولاتها الداخلية وأخضعتها لأجندتها الخاصة، المرتبطة أساسا بالحفاظ على مصالحها الحيوية، وإقفال المنطقة أمام أي احتمالات تطور يخرجها، جزئيا او كليا عن دائرة سيطرتها المباشرة، إن لم تكن الكلية. لكن ما كانت القوى الخارجية قادرة على فرض أجندتها علينا، وإدخالنا في شراك استراتيجياتها الدولية، لو لم تجد أمامها هياكل سياسية واجتماعية واقتصادية هشة، قابلة للاختراق والتسيير والاستتباع. لا يكمن مصدر هذه الهشاشة كما تدعي الطواقم الحاكمة عادة في قصور الشعوب والمجتمعات أو افتقارها للروح الوطنية، أو التقاليد والمعارف العصرية، وإنما بشكل أساسي في تقصير النخب الاجتماعية، والحاكمة منها بشكل خاص، في تبني سياسات جدية وفعالة لتجديد هذه الهياكل وتحديثها وتفعيل الإرادة والجهود الشعبية. فغياب إرادة الإصلاح، إن لم نقل رفض مبدئه، عند نخبنا العربية، ربما كان نقطة الاختلاف الرئيسية التي ميزت تجربتنا لحقبة ما بعد الحرب الباردة عن تجارب العديد من بلدان العالم النامي الأخرى. وهو ما أضعف موقفنا الاستراتيجي وقاد إلى نزاعات أهلية لا تنتهي وفتح الباب واسعا أمام تدخل القوى الأجنبية. ولعل العوامل ذاتها التي حرمت النخب المحلية من إدراك ضرورات الاصلاح هي نفسها التي شجعت قوى الهيمنة الدولية على الدخول على الخط، وفرض أجندتها الخارجية، وما تبعه من حرف الصراع الداخلي عن محوره الرئيسي، والتشويش على الوضع السياسي والفكري برمته. والمقصود من ذلك وفرة الموارد الريعية وسيطرتها على اقتصاد المنطقة ككل، وهي موارد جاهزة غير مرتبطة بعمل وإنتاج وبالتالي بحماية اجتماعية قوية. فكما أغرت هذه الموارد الاستثنائية بعض النخب المحلية بالاستمرار في الحكم بالطرق التقليدية، ودفعت البعض الآخر إلى التحول إلى وحوش ضارية لانتزاع حصة من هذه الموارد نفسها، أو لتأمينها من خلال ترييع الاقتصاد المحلي، على حساب المجتمعات وبالتضحية بها، دفعت قوى الهيمنة الدولية الطامعة فيها إلى استسهال عملية السطو عليها وانتزاعها، أو انتزاع الجزء الاكبر منها، على حساب النخب المحلية. ومع بروز السياسة الأمريكية الامبرطورية بإلهام المحافظين الجدد، تحول الصراع على السيطرة على هذه الموارد والموارد الإضافية الناجمة عن ترييع اقتصاد البلدان المجاورة، إلى محور أول تدور من حوله جميع الصراعات الأخرى، وحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة وشاملة. هكذا تزعزعت الأوضاع الشرق أوسطية، واختلطت المعارك الداخلية بالخارجية، والنزاعات السياسية بالنزاعات القومية، والطائفية بالوطنية، والدينية بالقبلية. فلم يعد أحد يستطيع تحديد أهداف واضحة، ولا غايات مفهومة لهذه الأطراف المتنازعة المتزايدة والمتداخلة، ولا واجبات ولا مسؤوليات. هكذا تضافرت أزمة القيادة السياسية المحلية مع أزمة القيادة الدولية، لإلغاء أي قواعد وغايات واضحة ومحددة لممارسة أي سلطة وتقييدها. وصار العنف، والتفوق في انتاجه واستخدامه وتصديره هو مبدأ الفعل وأساس العلاقات، داخل المجتمعات وفي ما بينها ومع القوى الخارجية أيضا. لا نستطيع أن نغير الأجندة الاستعمارية، ونمنع أصحابها من التخريب، لكن لا يستطيع أحد ن يمنعنا من بناء أجندة وطنية تثمن تضحياتنا وتمنع جهودنا الوطنية من أن تتحول إلى معارك داخلية ونزاعات أهلية. وأساس ذلك استئناف مشروع الاصلاح الوطني المعطل، الذي يشكل أيضا مدخلنا إلى الساحة الدولية وتثمين جهودنا في دائرة المقاومة العالمية المتنامية في مواجهة نظام السيطرة والحرب والاحتيال. وفي مقدمة هذا المشروع إصلاح نظام القيادة الاجتماعية الذي يحدد خيارات أي مجتمع مصيره. والمقصود نظام القواعد والآليات والغايات التي تحكم اتخاذ القرارات وتتحكم بتنفيذها، في أي مجتمع، سواء أكان ذلك على مستوى الدولة، وهو ما يتعلق بنظام السياسة وممارسة السلطة العمومية، أو على مستوى المجتمع، وهو ما يرتبط ببلورة الرؤى الاستراتيجية والاعتقادات السياسية والغايات الأخلاقية التي تتبلور من حولها وخلالها إرادة جامعة، جزئية أو شاملة، وتنشأ على أساسها القوى الاجتماعية والسياسية التي توحد إرادة الافراد وتوجه حركتهم وتحولهم إلى قوة فاعلة على مستوى الدولة والمجتمع معا. فهذا النظام الذي دخل في أزمة عميقة وأظهر فساده بعد إخفاق النماذج التسلطية، اليسارية واليمينية، التي ارتبطت بمناخ الحرب البادرة ومتطلباتها، يشكل اليوم نقطة الضعف الرئيسية في حياتنا العمومية، ومصدر كل أنواع الفساد وغياب الفاعلية وانعدام التراكم في المعرفة والخبرة الاجتماعية. وهو الذي يميز تجربة مجتمعاتنا عن التجارب التي عرفتها المجتمعات الأخرى في البلدان النامية، ويعزلنا عن العالم، ويجعل من بلادنا مسرحا مفتوحا لكل أنواع الحروب الداخلية والخارجية.

mercredi, juin 06, 2007

الديمقراطية والعلمانية

الاتحاد 6 يونيو 06

تحظى العلمانية منذ فترة قصيرة بأهمية متزايدة وتحتل موقعا متناميا في حقل في النقاشات السياسية العربية. ويتساءل كثير من الأفراد الذين تغريهم الدعوة الديمقراطية كمخرج من نظم الفساد والتعسف والطغيان، وفي الوقت نفسه يخشون أن يكون ذلك على حساب انسجامهم مع اعتقاداتهم الدينية، عما إذا كانت العلمانية شرطا للديمقراطية. وفي دخيلتهم يأملون أن لا يكون الأمر كذلك حتى يمكنهم التعبير عن اقتناعهم السياسي الجديد مع استمرار الوفاء لعقيدتهم الدينية. ولا أجد مبررا لمثل هذا التخوف الذي لا يزال يسيطر على الأغلبية الساحقة من الرأي العام من تلازم المفهومين سوى التثبت على الظروف السلبية التي أحاطت بطرح العلمانية، لا بمضمونها. وأعني هنا ظروف سيطرة العقائديات الشمولية والنظم التسلطية والتعسفية منذ أكثر من نصف قرن.
تسلتزم فكرة الديمقراطية بالتاكيد فكرة العلمانية. لكن على شرط أن نحدد مضمون كل منهما. فلا ديمقراطية، أي مساواة في تحمل المسؤولية العمومية بين جميع أبناء الشعب، ومشاركة فعالة في تقرير المصير العام من قبل الجميع، من دون "علمانية"، أي ببساطة من دون قبول الأفراد بمبدأ الاحتكام للرأي، أي العقل، في تقرير كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، بما في ذلك في القوانين والتشريعات التي تحكم النظام السياسي. فإذا فرض فريق على المجتمع مبدأ آخر غير الرأي في معالجة الشؤون العمومية، والرأي يعني هنا الفكر القائم على الحجة العقلية، وبالتالي الإنسانية أو المفهومة من قبل العقل الانساني، لم تعد هناك ديمقراطية، وإنما نظام مرهون بالنصوص المقدسة التي يحتاج تفسيرها إلى تفاهم واتفاق مسبق بين جميع أصحاب العقيدة الدينية الواحد.، وهو أمر مستحيل لأن الاختلاف في التأويل هو جوهر الحياة الفكرية، وهو واقع الحال اليوم في كل مجتمعات العالم وجماعاته الدينية. ولا أعني هنا بالنصوص المقدسة الإلهية منها، ولكن المنزلة من قبل الحكام الذين يؤلهون أنفسهم أيضاً، حتى لو وسموها باسم العلمانية، كما حصل مع النظم الشيوعية. فقد كانت قوانينها توصف بالعلمية، أي التي لا تخطيء، والتي لا يمكن أن يكون موقفنا إزاءها وإزاء منتجيها من العباقرة الأفذاذ، إلا موقف التسليم والاقتداء. ونستطيع أن نقول الشيء نفسه تجاه بعض الترسيمات القومية التي يعتبرها أصحابها ثوابت لا تناقش ولا يمكن للمواطنين، قلة كانوا أم كثرة، التشكيك في صلاحيتها أو حتى طرحها على النقاش.لكن تأكيد هذا المبدأ أو التوقف عنده لا يحل المشكلة أبداً. ذلك أن الاستخدام السياسوي، والتعبئة التي حصلت في الصراعات الطويلة السابقة بين الأحزاب والفرق السياسية المتنازعة، قد غيرا معنى العلمانية، بالمفهوم الذي ذكرته للتو، أي إنزال كل ما يتعلق بتنظيم المجتمع السياسي من قواعد ومؤسسات ومبادئ وقيم، إلى مستوى الرأي والقبول بتعريضه لنار العقل الكاوية. فأصبح البعض ممن يدافع عنها يطابق بينها وبين نزع الدين السماوي من المجتمع أو السياسة بمعنى النشاط الاجتماعي اليومي، وأخذ البعض الآخر ينظر إليها في مواجهة الفريق الأول على أنها مرادفة للكفر والتخلي عن الدين وأي إيمان واعتقاد، أو على الأقل تحييد الدين من حيث هو التزام عقائدي وأخلاقي، عن الحياة العامة، وبالتالي الانحطاط بالإنسان الآدمي في نظر هؤلاء إلى مستوى البهيمية.
هكذا صارت العلمانية سلاح أولئك الذين يريدون وضع حد لنفوذ الدين السماوي وما يرتبط به من تقاليد محافظة في المجتمع، وصار التشهير بها وتشويه معناها وربطها بالدعوة إلى انعدام الدين والأخلاق ومساواة الإنسان والحيوان سلاح أولئك الذين يريدون تطبيق الشريعة الدينية وإقامة السلطة العادلة والأخلاقية. وشيئاً فشيئاً تحولت إلى مصدر إضافي للنزاع والصدام وسوء الفهم والقطيعة داخل قطاعات الرأي العام بدل أن تكون إطاراً لتجاوز اختلافاتهم العقائدية، لا إلغائها، في سبيل توحيد كلمتهم وإرادتهم السياسية. وعمل تشويه معنى العلمانية وإفساد مضمونها ودلالاتها عبر هذه المعركة السياسية والاستخدامات الأداتية على إساءة سمعتها، وقاد إلى تحييدها من النقاش السياسي، أو استبعادها الإرادي من قبل قسم كبير من أصحاب الرأي الديمقراطي والقومي، لتجنب النزاعات العقائدية الثانوية، والاحتفاظ بأمل توسيع قاعدة التفاهم بين الأطراف والتيارات الاجتماعية على اختلاف فلسفاتها، خاصة بعد فساد المصطلح واختلاط مدلولاته. وهو ما كانت الحركة الوطنية قد فعلته منذ بداية القرن التاسع عشر عندما رفعت شعار الدين لله والوطن للجميع، من دون أن تغامر بفتح النقاش النظري الضروري لتأصيل المصطلح وتأسيسه في الفكر والثقافة العربية الحديثين. فبقي لذلك عائماً ومائعاً من دون معنى واضح ولا مدلول دقيق، وبالتالي موضع نزاع مستمر.ليس هناك حل لهذا الاختلاط الهائل الذي ارتبط بمفهوم العلمانية وصبغ طريقة تعامل الأطراف السياسية المختلفة معه، وتحميله معاني متباينة ومتناقضة تكاد تقضي عليه، إلا بالعودة إلى الموضوع والقبول بفتح النقاش المعلق أو المؤجل منذ عقود حول العلمانية وإعادة تعريفها وتحديدها، في إطار بناء ثقافتنا السياسية الديمقراطية الجديدة المنشودة. فإذا حررنا معنى العلمانية من استهداف الدين السماوي خصوصاً، كما أوحت به أو نشرته بعض العقائديات الماركسية واليسارية والتحديثية عموماً، واستبعدنا التأويلات اللا إنسانية واللا أخلاقية التي درجت عليها ولا تزال بعض التيارات السلفية الإسلامية، لن يبق منها سوى ما ذكرناه. أعني لن يكون للعلمانية معنى آخر مختلف عن معنى المدنية، بما تعنيه المدنية من أسبقية الاعتماد على الرأي، أي من إخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني بين ممثلي الشعب. والتأكيد على استخدام الرأي وإعمال الفكر في كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، أي السياسية - والمجتمع الحديث هو مجتمع سياسي أساساً- لا يمكن أن تنفي الدين، ولا حق المتدينين في استلهام القيم الدينية عند صوغهم لآرائهم وأفكارهم السياسية. فليس هناك مبدأ سياسي أو اجتماعي يمكن أن يستبعد الدين أو أن يقرر استبعاده من أن يكون مورداً للأفكار والقيم التي تحرك المؤمنين وتوجه تفكيرهم وأعمالهم وسلوكهم. إن ما يستبعد هو فرض الرأي، سواء أكان من استلهام الدين أو العقل، على الآخرين، وعدم القبول بقاعدة سيطرة الأغلبية على الأقلية. لكن مع التأكيد على أن هذه السيطرة لا تعني سوى حقاً مؤقتاً سياسياً، لا يصبح شرعياً إلا بقدر ما تضمن الأغلبية احترام رأي الأقلية، ولا تقوم بما يحرم هذه الأقلية نفسها من التحول، عن طريق النقاش والحوار والنشاطات السياسية والثقافية القانونية، إلى أغلبية سياسية .
والخلاصة أن الديمقراطية لا تقوم من دون علمانية لكن العلمانية لا تعني تبني عقيدة لا دينية ولا استبعاد الدين من الحياة العامة ولا تقييد الحريات الدينية. إنها تعنى حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان والعقائد حتى تضمن المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم، وعدم انخراطها في النقاشات العقائدية والدينية، أو استخدام الدين للتغطية على اختياراتها وممارساتها السياسية، سواء كانت هذه الاختيارات والممارسات سليمة وصائبة أم خاطئة وإشكالية.

mardi, juin 05, 2007

نحو إعادة بناء حقل العلاقات الدولية

العرب اليوم 7 يونيو 07
للأسف إذا كان هناك حقل لم تتطور فيه المفاهيم بموازاة تطور مناحي الحياة الحديثة الأخرى، فهو حقل العلاقات الدولية الذي لا يزال يستند إلى قواعد بالية، وضعت في القرن السابع عشر، تشرع في العمق الحرب الدائمة بين الدول، أو تقيم العلاقات فيما بينها على الحرب وتوازن القوة، باسم تأكيد مبدأ السيادة المطلقة للدولة القومية. ومبدأ السيادة مبدأ مغشوش في الأصل لأنه يفترض التساوي في القوة بين الدول، بينما يقوم الواقع على غير ذلك تماما. ولذلك كانت نتيجة تطبيق هذا المبدأ عمليا، أولا تشريع الحروب واعتبارها أمرا طبيعيا، وإجبار جميع الدول التي تريد أن تحافظ على استقلالها ومصالحها على الاستثمار في الآلة العسكرية. وثانيا إعاقة العمل على ايجاد قانون دولي يضبط العلاقات بين الأمم والشعوب على أسس واضحة وحسب معايير واحدة وثابتة، ولا يترك للقوة وللتفوق العسكري الحرية في توجيه العلاقات الدولية، كما هو الحال حتى اليوم. في إطار هذا النظام الدولي الولايات المتحدة والدول الصناعية الكبرى الراهنة، والصين وغيرها من القوة الصاعدة في المستقبل، ستظل تجذب الرساميل والأطر والمواهب وتفرض مصالحها على الآخرين بالقوة العسكرية أو بالنفوذ السياسي أو بتخريب النخب الحاكمة والضغط عليها.
الحل، أو ما نطمح إليه حتى نتغلب على الظواهر التي تتحدث عنها، كامن في تجاوز الأسس التي قامت عليها هذه العلاقات منذ صلح ويستفاليا في القرن السادس عشر ووضع قانون دولي ينظر إلى العالم كوحدة متكاملة ومتضامنة، كما ننظر اليوم إلى الجماعات المكونة للأمة داخل الدولة الواحدة، ويتعامل مع شعوبه كأجزاء متساوية الحقوق في منظومة قانونية وسياسية واحدة. وهذا ما يتطلب تغييرا جذريا في السياسات الدولية، ونمطا جديدا من الواجبات والالتزامات والمصالح والمسؤوليات، تقع على عاتق الدول جميعا وعلى النخب الحاكمة. وهذا يعني أن الحل هو في قانون دولي يمنع الدول الكبرى القوية من استغلال نفوذها للاعتداء على مصالح الدول والشعوب الصغيرة، كما يمنع النخب الحاكمة من التصرف ببلدانها كمزارع شخصية وعائلية، كما هو الحال اليوم عندنا باسم السيادة الوطنية. ولن يحصل ذلك إلا نتيجة كفاح جميع القوى الديمقراطية أو المؤمنة بالمساواة والعدالة والحق وتضامنها على مستوى العالم بأكمله.

السؤال الذي يطرح عندئذ هو التالي : هل يمكن بالفعل سن مثل هذا القانون الدولي أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نوعا من الطوباوية التي غالبا ما رافقت الحياة السياسية تماما كما ترافق الوعود التي لا تجد طريقها للتحقق الحملات الانتخابية؟ ثم من هو الطرف الذي يملك القدرة على أن يسن القانون الذي ينبغي أن تخضع له العلاقات الدولية، وكيف يمكن تطبيق مثل هذا القانون، إذا كانت الدول الكبرى هي التي تعين الحكومات أو النخب الحاكمة في البلدان الضعيفة؟ وهل هناك وسيلة غير القوة للتعامل مع حقل علاقات دولية قائم على مبدأ القوة منذ قرون، بل منذ بداية الحضارة الإنسانية السياسية؟
من ينكر مبدأ القوة يعيش في الأحلام لا محالة، ولا يستطيع أن يغير شيئا من مجرى العلاقات الدولية، ولا حتى الوطنية. لكن في الوقت نفسه من يعتقد أن من غير الممكن تجاوز مبدأ القوة أو على الأقل الحد من استخدامه والعمل على تقييده أو إخضاعه لبعض المباديء الأخلاقية والسياسية يحكم على نفسه باليأس، وينكر على المجتمعات البشرية إمكانية الخروج من حقبة البربرية ومنطق العلاقات الوحشية. وصاحب هذا الموقف اليائس من الانسان يقع في فخ الاستسلام لنظرية القوة أو خيار القوة في الوقت الذي يريد أن يحتج عليه.
إن واقعية المطالبة بإخضاع العلاقات الدولية للقانون تنبع من الاعتقاد ذاته بقدرة الإنسان على الارتقاء بوعيه وضميرة وسلوكه الجمعي والفردي، الذي كان في أساس بناء الدول والمجتمعات الديمقراطية والوطنية المتضامنة والمتعاونة التي يحكم النزاعات بين افرادها منطق الحق والقانون. ودفع الأمور في هذا الاتجاه الايجابي ممكن، وإنما يحتاج إلى مبادرات وضغوط وسياسات جديدة يتوجب على جميع القوى والأفراد المؤمنين بأنه لا ينبغي ترك منطق الغاب يسيطر على العلاقات بين الشعوب، المساهمة فيها والعمل من أجل توسيع دائرتها. ومن هذا المنطق لا ينبغي أن نستسلم للأمر الواقع، وأن نستمر بالعكس من ذلك في الدفاع عن فكرة إقامة النظام الدولي على قانون يضمن العدالة والانصاف، ولا نوفر فرصة من دون إدانة استخدام القوة لنهب موارد الشعوب أو للسيطرة عليها.
وبقدر ما ننجح في تعبئة الرأي العام العالمي لصالح هذا الموقف، نستطيع أن نكبل أيدي أنصار نظرية القوة والتفوق العسكري والعرقي والثقافي وغيره. وهذا ليس طوباوية ولا وهما ولكنه حقيقة ما يحصل كل يوم عندنا وفي العالم. فنحن ، من دون أن نعي، نعمل على أساس صحة فرضية وجود ضمير إنساني، ونتعذب عندما نشعر أن عملنا لا يقدم نتائج كبيرة وسريعة، ولكننا لا نقنط، ونظل نراهن على وجود وعي إنساني وضمير وأخلاق ودين أيضا عند البشر. ونأمل بنشاطنا الإعلامي والفكري والدبلوماسي والسياسي أن ننشط هذا الضمير الإنساني الذي تكون عبر التجربة التاريخية واكتسبته الشعوب، بصرف النظر عن أديانها، بالخبرة الحية، وبعد عذاب طويل. ونبرر عدم النجاح بسيطرة مراكز القوى ومنطق الدولة وشبكات المصالح العسكرية والسياسية. ولا يهدف عملنا إلا إلى تعبئة الأفراد المتحلين بالقيم والوعي ضد النظم وآلات الحرب والقهر والإكراه التي تستغلها فئات صغيرة لتحقيق مصالح خاصة.
ونحن على حق في ذلك. فالمجتمع الانساني ليس إنسانيا، أي يختلف عن المجتمعات الحيوانية، إلا لأن الإنسان يتمتع فيه بوعي وضمير وإرادة، ولديه قيم تتجاوز مصالحه الشخصية وانانيته وقوته الفردية. أما قانون القوة فهو من إنتاج النظم العسكرية والسياسية والدول لا الأفراد. فلو لم تكن هناك هذه الجذوة الانسانية من الوعي لما كان هناك بالفعل أي أمل، ولكان موقفنا موقف القنوط واليأس المطلق. هذه هي جدلية العمل من أجل الارتقاء بشروط حياة البشر، داخل كل بلد، وعلى المستوى العالمي، وتعميم قيم الحرية والعدل والمساواة في العالم. فإذا فقدنا الأمل في مثل هذا العمل وفي مثل هذا الارتقاء بوعي الانسان وبقدرته على الاختيار الأخلاقي، لما كان هناك مخرج من الخضوع جميعا لقانون القوة في حياتنا، ولتحولنا جميعا إلى وحوش، وحولنا عالمنا إلى غابة.
لكن لا يمكن لهذا الرهان أن يستقيم إذا وحدنا الإنسان مع الدول والنظم والثقافات وتجاهلنا الانسان من حيث هو فرد قادر على التأمل والتفكير والمحاكمة، عبر الحدود السياسية والجغرافية والثقافية وبالرغم منها. فالدول والنظم والمؤسسات والهويات الكبرى لا ضمير لها ولا قدرة بالتالي على المحاكمة الأخلاقية. إن من يملك هذه ا لقدرة هو الإنسان الفرد، بفضل ما يتمتع به من وعي وضمير وقدرة على التمييز والمحاكمة. فالأفراد هم مصدر الممارسة الأخلاقية، أي أيضا مركز الحرية، لأن لهم ضمير ووعي وإرادة، وبالتالي قدرة على التمييز والمحاكمة والقرار. وبقدر ما ننجح في تكوين الانسان والنفاذ إلى ضميره نستطيع أن نكبح جماح الدول، وجماح النخب التي تتحكم بها، وأن نحول هذه الدول من أدوات رهيبة للاحتلال والحرب والقهر والاستلاب، كما هو الحال اليوم، إلى أدوات لخدمة التنمية البشرية والتكافل بين بني الانسان. والرهان على الانسان في مسائل الأخلاق والسياسة ممكن بالرغم من وجود آلة الدولة ومنطق عملها البعيد عن الأخلاق.
لا يعني هذا بالتأكيد أننا لا ينبغي أن نستخدم القوة حيث ينبغي استخدامها، لكن كوسيلة لبناء سياسات قائمة على الحق والعدل لا كأساس للحق ومؤسس له. وهذا يعني أن مفهومنا للحق مختلف عن القوة وسابق لها، ونابع من مفهومنا للعدل والانصاف بين البشر. وجوهر العدل والانصاف وقاعدته أن أعامل غيري كما أحب أن أعامل به وأن أريد له ما أريده لنفسي. وهذا هو ما تفترضه الآية الكريمة: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، أعدلوا هو أقرب للتقوى. باختصار لن ننجح في وقف آلة القوة والعنف التي تهدد إنسانيتنا إلا بقدر ما نبني في ضميرنا نحن أنفسنا مفهوم العدل ونجعل منه ومن تمسكنا به، قوة تتجاوز في تأثيرها القوة المادية، أي بقدر ما نجعل قوة الحق أسطع من الحق الذي ينثق من القوة.

dimanche, mai 27, 2007

في الجذور العميقة لسياسات التجديد والتمديد والتوريث

الجزيرة نت 31 مايو 07

يعبر الاختزال المتزايد للسلطة العمومية، أي سلطة الدولة، في شخص الرئيس، بل في شخص رئيس، وجعل تقديس هذا الرئيس والتمديد المتواتر له ولأحفاده من بعده، عن أمرين أساسيين. الأول غياب المؤسسات أو ضعف البنية المؤسسية للسلطة، مما يعني تحويل الدولة إلى أداة في يد السلطة المشخصنة نفسها، بدل ان تكون مصدر النظم الضابطة لسلوك صاحب السلطة أو الصلاحية، في أي مستوى كان من مستويات التنظيم الاجتماعي، والثاني افتقار هذه السلطة أو السلطات للشرعية القانونية الناجمة من احترام الشروط أو الأصول الدستورية المعتمدة والتقيد بنصوصها في عمليات استلامها وممارستها وتداولها معا.
فبقدر ما تعكس شخصنة السلطة غياب المؤسسات أو افتقارها الشديد للفاعلية، يعكس تقديس الشخص الحاجة إلى بناء شرعية يستحيل أن تستمد من الممارسة المؤسسية، ولا يمكن تأمينها إلا من خلال وضع الشخص الرئيس نفسه في مقام استثنائي فوق الدولة وفوق القانون، وإضفاء صفات من البطولة والقداسة والفخامة عليه تجعل منه مصدر شرعية استثنائية، لا تناقش بمعايير العقل، أي رسولية إذا صح التعبير، تبدو أمامها الشرعية القانونية، أي السياسية، باهتة وغير ذات معنى. بل يبدو التذكير بها وبمعاييرها افتئات على السلطة الاستثنائية التي يجسدها الرسول، وإنكارا لرسالته بوصفه مؤسس كل شرعية وحياة مدنية معا. فليس الحاكم هنا رئيس دولة إلا في المظهر، أما في الواقع فهو زعيم وقائد ملهم، بل هو مخلص ومنقذ، أرسله القدر، وبه تبدأ مسيرة الجماعة. وهي بالضرورة، مثل مؤسسها، جماعة استثنائية، أو ذات خصوصية استثنائية، لا يمكن أن تكون كالجماعات الأخرى، ولا تستطيع أن تبني سلوكها وحياتها العمومية على القواعد ذاتها التي تصدق على غيرها. فلا جماعة من دونه ولا سياسة ولا وطنية ولا سيادة ولا شرعية خارج إرادته ورأيه. إنه يختصر في ذاته كيان الأمة والدولة معا وجميع المؤسسات الرسمية أو العمومية. وهو العموم وكل ما عداه خصوص وفردية ومصالح شخصية. وأي تقليل من شأن سياساته أو التعرض لأقواله وأفعاله بالنقد أو التصويب يهدد وحدة الأمة ويزعزع استقرار الدولة واستمرارها ويشكل إهانة للكرامية القومية والسيادة الوطنية. فبالشخصنة تحل مشكلة غياب البنية المؤسسية للسلطة، وبالتقديس ووضع الشخص/الدولة موضع الزعامة والقيادة والرسالة، تحل مشكلة غياب الشرعية، ومن ورائها زوال الفكرة القانونية أو انمحاؤها. وبالتمديد الدوري تحل مشكلة استمرارية السلطة ووحدتها. فكما تتعرف الأمة في القائد الملهم والرسول على هويتها، تجد في تقديسه منبع سموها ومصدر أخلاقها وغايتها ونجاعة أعمالها الدنيوية، وتضمن بالتمديد الدائم له ولأحفاده استمرارها ووحدتها وسيادتها. فالزعيم الملهم لا يعوض بسلطته شبه الإلهية عن ضعف الدولة فحسب ولكنه يحل محلها ويستوعبها. فهو الدولة، ومن دونه لا يمكن أن يكون سوى الفراغ والدمار والفوضى.
بالتأكيد لم يأت هذا الوضع من فراغ ولكنه التعبير عن نظام سياسي جديد نجح في أن يحتوي الدولة ويحولها إلى أداة من أدوات سيطرته، بدل أن تكون الإطار الذي يرسم حدود أي سلطة أو نظام سياسي، ويخضعه لقواعد ثابتة، ويفرض عليه التقيد بمعايير يشكل احترامها شرط تقديم المصلحة العمومية على المصالح الخصوصية، وهو أصل الدولة ومنطقها. ووضع النظام فوق الدولة وإخضاعه لها، في مؤسساتها المختلفة، التنفيذية والقضائية والتشريعية والإدارية والتربوية، لم يحصل من تلقاء نفسه، ولكنه ثمرة سياسات عملية طبقتها نخب حاكمة على مدى عقود. ونجحت في تطويع الدولة بقدر ما أفسدت النظم والقواعد الاجرائية والأصول الثابتة التي كانت تقوم عليها المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية والقضائية والإعلامية والثقافية والنقابية، وغيرها، وفي مقدمتها العبث بالدستور أو التلاعب به حسب المصالح والأهواء الشخصية أو الفئوية. فالنخب العربية الحديثة التي انتزعت السلطة في لحظة استثنائية وفي ظروف استثنائية، في سياق حركات الاجماع الآلي ضد الاستعمار أو عبر الانقلابات العسكرية، كانت تدرك مدى صعوبة الاحتفاظ بالسلطة، وتحويل سيطرتها من سيطرة عرضية إلى سيطرة دائمة، من دون تقويض هذه الأسس والقواعد والأصول التي كانت في اساس الإجماع القومي، وتبديلها بأصول وقواعد أخرى تضمن تأبيد اللحظة الاستثنائية والعرضية.
وبشكل عام، يشتد النزوع إلى إضعاف المؤسسات العمومية وتقويضها أو ينقص حسب ما إذا كان بإمكان النخبة الجديدة أن تفرض نفسها وتضمن استمرارها بوسائل أكثر أو أقل استثنائية وتعسفا. فحاجة النخبة الانقلابية المفصولة عن الشعب، والتي تفتقر إلى أي أمل بتكوين قوة أو قاعدة سياسية واجتماعية عريضة تسمح لها بالتداول الطبيعي والسلمي على السلطة، والاستمرار فيها، تميل بشكل أكبر إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها، وإلى اكتساحها لفرض سلطتها من خارج المؤسسات، وعلى حسابها، أي من خلال شبكات المصالح والتحالفات العلنية والضمنية العديدة التي تقيمها من ورائها.

الهدف أن شخصنة السلطة هي عنصر رئيسي في استراتيجية التمديد والتأبيد للحكم القائم. وهي ليست تعبيرا عن نزعة شخصية أو إرادة ذاتية عند الفرد المدفوع إلى موقع الزعامة والقدسية. بالعكس، إن شخصنة السلطة هي اختيار نظام بأكمله، من حيث أن النظام يعني هنا مجموعة المصالح الرئيسية القائمة والمتحكمة بالوضع والمستفيدة منه. فليس هناك فرد يستطيع أن يقدس نفسه أو ينجح في وضع نفسه في موقع المنقذ الملهم. إن الطبقة التي يعتمد عليها، هي التي تدفع به إلى موقع القداسة بقدر ما تشعر أن ضمان مصالحها يكمن في وجود سلطة شخصية تتفاعل معها وتتعامل من وراء القانون وتقلبات السياسة وحساباتها. وبقدر ما تدرك هذه الطبقة أن استمرارها وإعادة إنتاج نفسها لا يمكن أن يتحقق باحترام القانون، حتى لو كان مجحفا، ولكن بتعليق القانون كليا أو بتعليقه على إرادة فرد، فهي تميل إلى اختراع الشخصية الانقاذية، البطولية والرسولية، وتسعى إلى بناء صورتها لبنة لبنة، كبديل عن المؤسسات التي لا تقوم من دون نظم إجرائية قانونية ثابتة ومعروفة، وكتعويض عنها معا.
لكن هذا لا يعني أن فئات الشعب الأخرى لا تشارك أيضا شبكات المصالح الاستثنائية واللاقانونية في إعادة إنتاج نظام السلطة الكاريزمية بشكل أو آخر، ولا تتحمل جزءا من المسؤولية. ففي ظروف انسداد أي أفق لنشوء سلطة إنسانية، مدنية، سياسية، يزداد التطلع إلى سلطة إلهية، أي قادمة من خارج المجتمع والسياسة وغير خاضعة لهما، ويصبح التعلق بالإرادة الفردية الملهمة، الرسولية، تعبيرا عن التعلق بالقانون بقدر ما تتحول السلطة الابوية نفسها إلى قانون، بما يعنيه القانون من ضمان وحدة الجماعة واستمرار النظام العام وبقائه. تبدو السلطة الأبوية الزعامية في هذا الوضع بالنسبة للجمهور العام وكأنها السدادة التي تمنع المارد من الانفلات، والمقصود بالمارد هنا الفوضى الناجمة عن استبداد المصالح الكبرى وسيطرتها اللامحدودة من جهة، وعن الفراغ القانوني والسياسي من جهة ثانية. ففي ظروف مجتمع فقد كفالة الدولة المؤسسية ولم تعد توجد فيه، وراء سلطة الأب القائد ولا الزعيم الخالد، أي سلطة شرعية ذات صدقية، يصبح أي مساس بالسلطة الشخصية، بل أي تغيير للوضع القائم، مرادفا للتضحية بالاستقرار والاستمرار والوحدة "الوطنية". وهي الشعارات التي لا تكف النظم العربية عن التذكير بها في كل مرة تواجه فيها ضغوطا خارجية أو تحديات داخلية تهدد بزعزعة النظام أو تشعر أن من الممكن أن تضعف استقراره. وإذا لزم الأمر، ليس هناك ما يمنع هذه النظم من إعطاء أمثلة حية على مثل هذه المخاطر والتهديدات التي تريد من الرأي العام أن يأخذها بالاعتبار قبل أي تفكير بمصالحه وأوضاعه ومصيره السياسي.
يقود بناء النظام العام القائم بأكمله من حول زعيم فرد، في كل زمان ومكان، إلى الجمود العميق والتحجر في كل مظاهر الحياة المدنية والسياسية والمؤسسية. ذلك أن الزعامة الملهمة ذاتها التي تنشؤها المصالح الخاصة، المافيوية والبيرقراطية والزبائنية، غير الشرعية وغير المبررة، كما كان عليه الحال في النظم الشيوعية مثلا، لا تشكل الضمانة الرئيسية لاستمرار نظام يخرق القانون ويتجاوز المباديء التي ينادي بها فحسب، ولكنها تشكل أيضا، بالنسبة للجمهور العريض المفتقر لأي رؤية جماعية وروح سياسية ومدنية، الكافل الوحيد لما يشبه النظام والاستقرار. وأي مساس بشخص الزعيم أو بموقعه يهدد بانهيار البناء كله. وهذا يفسر ما تعاني منه حركات التغيير الديمقراطي وغير الديمقراطي من مصاعب في استقطاب الجمهور أو حتى اختراقه وتحسيسه بمسؤولياته السياسية.
لكن هذه الصلابة والقساوة التي تشكل مصدر قوة النظم الفردية واللاقانونية، أي المفتقرة لمؤسسات دستورية فعالة، هي نفسها السبب في ما يسم هذه النظم من هشاشة وقابلية للانكسار. فالجمهور المفتقر لأي وعي سياسي أو إرادة سياسية أو شعور بالمسؤولية الجماعية، أي المسلم للزعيم الملهم والمستسلم له، سرعان ما ينقلب عليه وعلى النظام عند أول شعور بفقدانه السيطرة على الوضع، وتزايد شدة العواصف والضغوط الداخلية والخارجية. هكذا ما إن انهارت النظم الشمولية الشيوعية في التسعينات من القرن الماضي حتى ضاع أثرها وذكرها، كما لو أن الشعوب لم تحفظ من تراثها شيئا. وتحولت الأحزاب الشيوعية التي كانت تعد بالملايين إلى أحزاب صغيرة لا تكاد تجمع المئات.
والنتيجة، لا ينبغي للتقنيات البدائية التي تستخدمها النظم العربية لضمان استمرار السلطة وتأبيدها في يد حزب واحد أو رئيس واحد أو أسرة حاكمة واحدة، أن تلهينا بغرابتها ونشازها عن تحليل المعنى الحقيقي لما تعرفه العديد من البلدان العربية من عجز متزايد عن تأسيس قواعد مدنية ثابتة لتداول السلطة وانتقالها وممارستها. ولا أن تحجب عنا المسألة الأساسية المتعلقة بفساد مفهوم السياسة وممارستها في المجتمعات العربية. فاستمرار هذه الظاهرة وتكرار حدوثها في أكثر من بلد عربي يظهر أن الأمر يتجاوز مسألة الرغبة الشخصية أو شهوة السلطة الفردية ويرتبط بطبيعة النظم السياسية القائمة نفسها، بل بآليات عملها الموضوعية التي تفرض نفسها على الأشخاص وتتحكم بهم أكثر مما يتحكمون بها. وهي التي تحولهم من أفراد عاديين، أعني من بشر آدميين، إلى ميكانيك مدفوع بقوة لا يعيها ولا يتحكم بها، تعيد تكوين رغباتهم وإرادتهم وأخلاقهم معا، وتفرض عليهم ممارسات ومواقف خارجة عن طاقة الفرد واختياراته الأخلاقية والفكرية. وهذا هو مصدر الخيبات المتكررة التي يعيشها الجمهور تجاه أفراد يراهن على نزاهتهم لتغيير مجرى الأمور ويفاجأ بأدائهم وتوجهاتهم في ما بعد. وهو ما يفسر أيضا استسلام الجمهور عموما، بل ومشاركته أحيانا في طقوس تبدو لقسم كبير من النخبة السياسية والاجتماعية ممارسات بالية لا تتماشى مع معايير العصر ومتطلباته، لكنها تستجيب في الواقع لمنطق نظام يتعرض اليوم، في جميع البلدان العربية، وبالرغم من المظاهر الخادعة لأقسى وربما آخر امتحان.

مصير التسوية السياسية العربية الاسرائيلية

مجلة الدراسات الفلسطينية ربيع 2007

مقدمة

يثير الاستعداد الذي يظهره النظام السوري للدخول في مفاوضات تسوية سياسية مع إسرائيل من دون شروط مسبقة، بعد إصراره الطويل على البدء من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة، بالإضافة إلى التصريحات التي أطلقتها العديد من الشخصيات الاسرائيلية ولا تزال تطلقها، ومن بينها مسؤولين في حكومة أولمرت، رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه، حول ضرورة امتحان إرادة سورية في التسوية السياسية والدخول معها في مفاوضات، مخاوف العديد من الاطراف العربية. منها من يخشى أن يشكل ذلك تشجيعا لدمشق على الاستمرار في سياستها الانفرادية وتحالفاتها الايرانية. ومنها من يخاف أن يكون فتح مسار التفاوض السوري الاسرائيلي اليوم وسيلة للتغطية على التعطيل الطويل الذي يعاني منه المسار الفلسطيني الاسرائيلي، وإضعاف فرص إطلاق هذا المسار في المستقبل القريب إن لم يهدد أمل التوصل إلى تسوية معهم. ومن من يعتقد أن المبادرة السورية الخاصة ربما كانت تهدف إلى قطع الطريق على المبادرة العربية التي تعطي الأولوية لملف المسألة الفلسطينية. وتأتي زيارة ابراهيم سليمان، رجل الأعمال السوري الأمريكي، إلى تل أبيب، ولقاؤه العديد من الشخصيات السياسية الاسرائيلية، بعد أن نشرت الصحافة العبرية والدولية نص اتفاق المباديء الذي كان قد توصل إليه مع زميله الاسرائيلي الون ليئال، المدير العام السابق لوزارة الخارجية، لتضفي بعض المشروعية على هذه المخاوف مؤكدة في الوقت نفسه الأهمية الكبيرة التي تعطيها دمشق لقضية استئناف مفاوضات التسوية السياسية مع إسرائيل لأسباب تتعلق بعضها باستراتيجيتها الدولية، وبعضها بوضع النظام الإقليمي وتحديد مستقبله داخل سورية نفسها[1]. ومما يعزز هذا الاعتقاد التحسن الملحوظ في العلاقات الأمريكية السورية الذي ظهر في مؤتمر شرم الشيخ حول العراق في السادس من مايو الجاري 2007، والذي أثار أيضا مخاوف الايرانيين، بالرغم من تأكيد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني أن اللقاء الذي جمع وزير الخارجية وليد المعلم مع نظيرته الأمريكية كونداليزا رايس في 10 مايو في شرم الشيخ لن يكون له انعكاس على العلاقات بين سورية وإيران.
والسؤال هل هناك فرص حقيقية لتحقيق مثل هذا الاختراق في عملية السلام العربية الاسرائيلية انطلاقا من سورية بعد أن توقفت تماما على أثر اخفاق مؤتمر جنيف في مارس آذار 2000 الذي جمع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إلى الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في بادرة أخيرة لانقاذ مشروع السلام والتوصل إلى اتفاق سوري إسرائيلي ناجز، كان يبدو وكأنه أصبح بحكم المضمون؟

1- في شروط التوصل إلى تسوية سياسية

طبعا ليس هناك من يستطيع أن يرجم بالغيب في مثل هذه الموضوعات التي تدخل فيها عوامل متعددة وطنية وإقليمية ودولية معا، ويتسم سلوك الفاعلين فيها بحذر شديد، نظرا لتضارب المصالح وتداخل التحالفات وتعدد الرهانات المرتبطة بها، ويجري جزء كبير منها، من وراء المظاهر الرسمية، في إطار من السرية الشديدة وأحيانا المناورات السياسية.
لكن يجدر التمييز بداية، بين الدخول في مفاوضات، حتى لو كانت جدية وليست صورية، وبين فرص النجاح في التوصل إلى تسوية فعلية. وقد عرفت المنطقة تجارب عديدة لهذه المفاوضات، وبرزت للوجود مسارات مختلفة للتسوية مع إسرائيل لم تكن كلها مسارات جدية، ولم تقد أي منها حتى الآن، باستثناء اتفاقيات كمب ديفيد الاسرائيلية المصرية، إلى نتائج عملية. والسبب في ذلك أن فرص نجاح عملية التفاوض لا ترتبط، في الشرق الأوسط الراهن بشكل أكبر، بإرادة الاطراف المتفاوضة وحدها، وإنما بعوامل متعددة أخرى قد لا تقل أهمية عنها.
العامل الأول هو الظرف الدولي. فبقدر ما تشكل السيطرة على الشرق الأوسط موضوع رهان دولي، تمثل النزاعات والتسويات فيه جزءا من مسألة أكبر تعنى بتقرير او تأكيد الهيمة الدولية. وأكبر مثال على ذلك الاستقطاب الذي حصل حول القضية الفلسطينية الاسرائيلية خلال حقبة الحرب الباردة. فلم يغلق هذا الاستقطاب الطريق على أي تسوية سياسية، بل على فكرة المفاوضات نفسها واحتمال ايجاد حل للنزاع من خلالها، ولكنه فرض على طرفي النزاع الشرق أوسطي الالتحاق باستراتيجيات القوى الكبرى المتصارعة. ولم يكن من الممكن التوصل في الثمانينات إلى اتفاقيات كمب ديفيد التي انهت النزاع بين مصر وإسرائيل إلا بقدر ما غيرت مصر في توجهاتها الكبرى. فجاءت اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1978 جزءا من عملية أكبر هي الحفاظ على نظام الهيمة الغربية على الشرق الأوسط، أي على المنطقة التي تشكل خزانا استثنائيا للوقود الذي تحتاج إليه الدول الصناعية. والسؤال الذي يطرح على هذا المستوى هو: هل الظرف الدولي وتوازن القوى، وحاجات الدول الكبرى ذات النفوذ القوي في المنطقة، ملائم اليوم أم لا لإطلاق عملية التفاوض بين الأطراف وتشجيعها على التوصل إلى تسوية مقبولة. وفي هذا المجال يشكل تحليل الاستراتيجية الأمريكية الدولية والشرق أوسطية خاصة عنصرا أساسيا في أي تقدير لفرص التوصل إلى تسوية سورية إسرائيلية.
والعامل الثاني هو الوضع الإقليمي. وهو ما يتسم في الوقت الحاضر بسيطرة أزمات أربع رئيسية. أزمة الاحتلال الأمريكي للعراق، وأزمة تخصيب اليورانيوم والسيطرة على التقنية النووية في ايران، والأزمة السياسية اللبنانية المرتبطة بمسألة المحكمة الدولية ولجنة التحقيق في مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، والأزمة الفلسطينية النابعة من تفاقم عواقب استراتيجية الحصار التي فرضت على الشعب الفلسطيني بعد نجاح حماس في الانتخابات التشريعية ورفض التعامل معها من قبل المجموعة الغربية وإسرائيل معا. ومن الضروري معاينة ما يحصل أيضا، على خلفية هذه الأزمات جميعا وبموازاتها، من استقطاب بين دول الممانعة المعادية لأمريكا ودول الاعتدال المشجعة على التوصل إلى تسويات جزئية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. والسؤال ما هو الأثر المحتمل لهذا الاستقطاب والتصادم بين سياسات ما يسمى بدول الاعتدال وسياسات دول الممانعة، على فرص التوصل إلى تسوية أو التشجيع عليها بين سورية وإسرائيل.
والعامل الثالث هو وضع الحكومتين السورية والاسرائيلية المنخرطتين في النزاع أو الساعيتين إلى التسوية، وهامش مناورتهما الداخلية، وما يمكن أن تمثله التسوية السياسية من مخاطر لهما من جهة وكذلك من رصيد يساهم في تعزيز شرعيتهما عند الرأي العام ويساعدهما على مواجهة التحديات التي تتعرضان لها وحل المشكلات الوطنية الأخرى العالقة أو المتعثرة، الاقتصادية منها والسياسية والأمنية، من جهة ثانية.
هذا يعني أنه لا ينبغي علينا أن نقصر تحليلنا لعملية التفاوض على أبعادها التقنية أو حتى السياسية، ولا بد من النظر إليها ضمن إطار أشمل، أعني في إطار الاستراتيجيات الشاملة التي تبلورها وتتبناها الأطراف المختلفة المنخرطة فيها.

2- من حرب العراق الأولى إلى مؤتمر مدريد للسلام

هكذا، لم تنطلق عملية المفاوضات العربية الاسرائيلية جديا إلا عندما أطلقت الولايات المتحدة مدعومة بأوروبة وروسيا مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وجاء هذا المؤتمر لتمتين اواصر التحالف بين الغرب الأطلسي والدول العربية وتغطية انخراط هذه الدول الأخيرة في الحرب الأولى ضد العراق. وكان التوصل إلى تسوية، أو على الأقل إطلاق مساراتها المختلفة، جزءا من سياسة دعم النظام الإقليمي الناشيء عن الانتصار على نظام صدام حسين، بعد أن أنجز هذا النظام نفسه في فترة سابقة عملية تحجيم ايران، خلال الحرب الدموية التي دامت أكثر من ثمانية أعوام، ودرء مخاطر تمدد الثورة الاسلامية أو تصديرها. وقد عززت مفاوضات السلام التي شجعتها واشنطن ودول الأطلسي عموما بين إسرائيل والعرب التفاهم العربي الأطلسي، وسعت إلى تعزيزه وترسيخه بوضع أهداف مشتركة والتقريب بين مصالح الأطراف المختلفة، حرصا على دعم استقرار النظام الإقليمي الناشيء ودعم قدراته. وكان لمشاركة سورية في الحرب على العراق دورا رئيسيا في تحقيق المناخ الجديد وتشجيع واشنطن على الانخراط في عملية التفاوض بين العرب والاسرائيليين.
لكن المفاوضات التي انطلقت من مؤتمر مدريد لم تستمر طويلا بعد أن أنجزت المهمة التي أوكلت إليها، أعني تفعيل التحالف العربي الأطلسي ضد العراق، وإضفاء نوع من المشروعية على الحرب التي شنت على البلد الشقيق. فلم تمض سنوات قليلة حتى انهارت، وحل محل السعي نحو السلام منذ عام 1966 تراشق بالاتهامات بين البلاد العربية وإسرائيل. وأخفقت جميع المحاولات التي بذلت بعد اغتيال اسحق رابين، رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، لإعادة المفاوضات إلى مسارها. فبينما تمسكت سورية بمبدأ العودة إلى المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها، مؤكدة على الوعود التي أعطيت لها بالانسحاب الكامل من الجولان، وهو ما أطلق عليه وديعة رابين، أصرت إسرائيل، لقطع الطريق على استئناف المفاوضات والتدليل على عدم اهتمامها باستكمالها، على العودة إلى المفاوضات من دون شروط، أي من دون أي اعتبار لما تم التوصل إليه من تفاهمات. وهو ما كان يعكس زوال الرغبة الاسرائيلية في التوصل إلى اتفاق يستدعي لا محالة التخلي عن الجولان أو عن جزء كبير منه. واستقرار الموقف الاسرائيلي على أن الاحتفاظ بالجولان يشكل مصلحة أكبر لاسرائيل من التوصل إلى اتفاقية سلام مع بلد ليس لديه أي قدرة على استرجاعه بالقوة أو شن الحرب.
وعندما تغير الظرف وأصبح لدى الولايات المتحدة وإسرائيل حوافز جديدة ومصلحة في تغيير المناخ الإقليمي وتحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية، لم يجد الرئيس كلينتون صعوبة كبيرة في ايجاد صيغة تسمح باستئناف المفاوضات. وهو ما تحقق فعلا في أواخر عام 1999 عندما اعلن الرئيس بيل كلينتون -عقب انتهاء جولة وزيرة خارجيته في المنطقة ولقائها مع الرئيس السوري حافظ الاسد- استئناف المفاوضات السورية - الاسرائيلية من النقطة التي توقفت عندها عام 1996. وكانت الإدارة الأمريكية قد نجحت في فك عقدة استئناف المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها من خلال ترك هذا المصطلح غامضا بما يتيح لكل طرف تفسيره بالطريقة التي تناسبه. وهكذا بينما حرص باراك على التأكيد على انه لم يلتزم بأي شروط لاستئناف المفاوضات، متجنبا الاشارة الى موقف محدد من الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967، التزمت سوريا الصمت تجاه ما حصلت عليه من تعهدات من الطرف الاسرائيلي لقاء عودتها الى طاولة المفاوضات. وليس من المستبعد ان يكون باراك قد اعطى تعهدا شفويا للادارة الامريكية بتنفيذ انسحاب من كامل الجولان مع تعديلات بسيطة على الحدود.
ومن الواضح أن استئناف المفاوضات قد عبر في هذه المرحلة عن توافق مصالح الاطراف المختلفة في الخروج من حالة الجمود. فقد أراد الأسد أن يكون إنجاز سلام مع إسرائيل يعيد الجولان إلى الوطن الأم، في إطار الانفتاح على أوروبة والغرب، مقدمة سعيدة لإعداد خلافة نجله بشار الأسد. أما حكومة باراك فقد كان عليها أن تنفذ تعهدها الانتخابي الذي اكدته في الكنيست الجديد بالانسحاب من لبنان بحلول تموز (يوليو) 2000، والخروج من حرب الاستنزاف التي فرضها عليها حزب الله في جنوبه. وهو ما لا يمكن ان يحدث الا بمعاهدة سلام مع لبنان الذي يرفض ذلك بدون ان يتزامن مع معاهدة سلام مع سوريا، أو بانسحاب اسرائيلي احادي الجانب من لبنان والذي يحمل مخاطر امنية كبيرة بالنسبة للدولة العبرية. كما ان انجاز معاهدة على صعيد المسار السوري واللبناني كان يعتبر- بالنسبة لحكومة باراك -اقل تعقيدا من انجاز الحل الدائم مع السلطة الفلسطينية التي سيضعف موقفها التفاوضي مقابل تعزيز مكانة الحكومة الاسرائيلية بعد ظهورها بمظهر الراغب في السلام. وكان هذا سيقوي موقفها السياسي على الصعيد الدولي ويدفع الولايات المتحدة واوروبا للضغط على الطرف الفلسطيني للقبول في النهاية بالتصور الاسرائيلي لقضايا الحل النهائي، وهو تصور قد يصعب على السلطة القبول به لانه يكرس واقع الاحتلال الاستيطاني ويتجاهل القضايا المحورية المتمثلة بالقدس واللاجئين.
وبالمقابل، كانت الإدارة الامريكية تدرك أن تحقيق مثل هذا السلام سيشكل عاملا قويا في ضمان الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط التي ستصبح خاضعة كليا تقريبا لنفوذها. وكان بيل كلينتون يتوق شخصيا إلى أن يختم فترة رئاستة، التي شابها الكثير من الانتقادات على سلوكه الشخصي، بعمل إنساني كبير يخلد اسمه.

3- انهيار الجولة الأولى من محادثات السلام

كان لهذا التوافق بين الأجندتين الامريكية والإسرائيلية دور كبير في تقدم المفاوضات من جهة وفي إعطاء الأولوية للمفاوضات السورية الاسرائيلية على حساب المفاوضات الفلسطينية. وكادت المفاوضات تسفر بالفعل عن تنفيذ مرحلة اعادة الانتشار الثالثة التي نصت عليها اتفاقيتا (واي ريفر) و(شرم الشيخ)، والتوصل الى اطار اتفاق الحل النهائي بل وانجاز الاتفاق الكامل للحل النهائي بين البلدين، لولا تردد حكومة باراك في اللحظة الأخيرة، ولحسابات السياسة الداخلية الاسرائيلية وحدها. وهذا ما عبر عنه رفض الطرف الاسرائيلي تقديم تعهد واضح بالانسحاب الى حدود 4 حزيران، والاصرار على الاحتفاظ بالشاطىء الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، الذي يقع ضمن هذه الحدود في الطرف السوري، بالرغم من ابداء سوريا ليونة كبيرة تجاه احتفاظ اسرائيل بمصادر مياه الانهار التي تصب في هذه البحيرة، اضافة الى إظهار استعدادها لاجراء تغييرات تؤدي الى رسم خط الحدود مع الدولة العبرية بحيث يمر بين خط الحدود الدولية الذي حدده اتفاق 7 آذار (مارس) 1923 بين فرنسا وبريطانيا، وخط 4 حزيران 1967 الذي يحدد حدود سوريا قبل حرب 5 حزيران 1967. وفد أكدت بعض التقارير الصحفية الاسرائيلية ان مطالب باراك قد تجاوزت ذلك وشملت الدعوة إلى اجراء تعديلات على خط 4 حزيران وإزاحته عند بحيرة طبريا نحو الشرق بمسافة 100 - 200 م تضمن للطرف الاسرائيلي، إضافة إلى ضم منطقة الحمة، السيطرة على بحيرة طبريا من جميع جوانبها[2].
وهكذا أنهى فشل القمة الأمريكية السورية (جنيف 26 مارس آذار 2002)، الحلقة الثانية من المفاوضات التي انطلقت على أساس مؤتمر مدريد الذي نص على مبدأ الأرض مقابل السلام. وسيعقب هذا الفشل استئناف مناخ النزاع والحرب، مع انسحاب أمريكي واضح من العملية، وتراجع الرغبة الاسرائيلية في التوصل إلى حلول متفق عليها لصالح الحلول التصفوية وفرض الإرادة بالقوة. وهذا ما سوف تعبر عنه السياستين الاسرائيلية والأمريكية في السنوات التالية. فقد كانت النتيجة الأولى لانهيار المفاوضات استئناف الهجوم الاسرائيلي على لبنان وتدمير منشآته المدنية، واندلاع الانتفاضة الثانية في فلسطين، ثم دعوة دول الجامعة العربية، عبر اجتماع مجلس وزراء خارجيتها في بيروت اوائل مارس آذار 2000، الى اعادة النظر في عملية التطبيع مع إسرائيل، وفي المشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف، اضافة الى تأكيد دعم الدول العربية المطلق للبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي باعتبار ذلك دفاعا مشروعا عن النفس، والتأكيد على رفض توطين اللاجئين خارج فلسطين، والدعوة الى ضرورة حل قضية اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان.
ولم يغير انعقاد قمة شرم الشيخ التي جمعت بين باراك وعرفات برعاية الرئيس المصري حسني مبارك في استئناف المفاوضات، الفلسطينية – الاسرائيلية، وتغيير منحى الجمود السياسي والتوجه نحو سياسات المواجهة. كما لم تثن التنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية، على صعيد القبول بمخطط اعادة الانتشار، الحكومة الاسرائيلية عن إرادتها في حسم النزاع بالطرق العسكرية ومن جانب واحد، بعيدا عن أي إطار للمفاوضات، سواء في لبنان أو في فلسطين. وبالمقابل، فاقمت هذه القمة من حدة الخلافات بين الدول العربية، وبين مصر وسوريا خاصة، حول موضوعي التطبيع والمفاوضات متعددة الاطراف. وأدى رفض مصر مطلب سوريا وقف التطبيع وعدم المشاركة في المفاوضات متعددة الاطراف الى إضعاف دور مصر في إطار الجامعة العربية وتبني الجامعة قرار دعم المقاومة اللبنانية الذي اثار انزعاج واشنطن وتل ابيب.
وباختيارها الانسحاب من جنوب لبنان من جانب واحد، زاد استهتار تل أبيب بعملية السلام ولم تعد تشعر أنها معنية بالمفاوضات مع سورية أو بالتوصل إلى اتفاق معها. كما أن انشغال ادارة كلينتون بالانتخابات الامريكية التالية، وسعي الديمقراطيين إلى التقرب من السياسة الاسرائيلية واللوبي الإسرائيلي لضمان نجاح المرشح الديمقراطي آل غور، عملا على تراجع الاهتمام الأمريكي بأزمة الشرق الأوسط. أما الدول العربية فقد اتجهت إلى الاهتمام بمشاكلها الداخلية المتزايدة.
لكن الذي سيوجه الضربة الأخيرة لعملية السلام هو من دون شك صعود المحافظين الجدد إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة. أما أحداث 11 سبتمبر ايلول 2001 التي أعقبت ذلك، فقد دفعت بواشنطن إلى تبني سياسة مناقضة تماما للسياسة الأمريكية والغربية التي سادت منذ مؤتمر مدريد، أي سياسة السعي إلى تسوية سياسية في الشرق الأوسط. فقد دفعت واشنطن إلى تبني سياسة فرض الأمر الواقع على العرب بالقوة، والتقرب بشكل لم يسبق له مثيل من سياسات تل أبيب والرهان على التفاهم معها لحسم الازمات الإقليمية، في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وبقية البلدان الأخرى. وقد وضعت واشنطن هذه المقاربة العسكرية الجديدة في إطار استراتيجية الحرب العالمية ضد الارهاب، قبل أن تطلق مشاريع إصلاحها الديمقراطية، حتى يتسنى لها ايجاد تغطية سياسية وشرعية لها. ومن الطبيعي أن يترافق تطبيق مثل هذه السياسة مع دعم غير مشروط لإسرائيل والمراهنة على قوتها وتعاونها في انجاح الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى استعادة السيطرة على المنطقة العربية، بما يعنيه ذلك من القضاء إذا أمكن على قوى المقاومة التي وسمت في فلسطين ولبنان وغيرهما من البلدان العربية بالارهابية، وإجبار الدول العربية على القبول بإسرائيل كما هي، والاصطفاف وراء التحالف الأمريكي الاسرائيلي من دون شروط. وهو ما دفع إسرائيل أيضا إلى الإمعان في سياسة التحدي والغطرسة وتوسيع رقعة الاستيطان والتفكير بإمكانية تصفية القضية الفلسطينية والسورية بالقوة، وعدم الاكتراث بدعوات السلام التي تطلقها دول عربية فقدت احترامها، وزادتها أحداث الحادي عشر من ايلول سبتمبر انكشافا سياسيا واستراتيجيا أمام الضغوط الأمريكية والاسرائيلية.
ومع فقدان الحكومات العربية أي أمل في الضغط على إسرائيل لإعادتها إلى سياسة الحوار والتفاوض، وجدت نفسها مدفوعة بالرغم منها إلى القبول بالأمر الواقع والتعامل مع واشنطن وتل أبيب لتامين شروط استمرار حياة نظمها السياسية والاقتصادية. واكتفت في ما يتعلق بقضايا الاحتلال بالتذكير في المحافل الدولية بضرورة استئناف مفاوضات السلام، ومطالبة اوروبة بشكل خاص بتمييز موقفها عن الولايات المتحدة أو باتخاذ مبادرات فعالة لإخراج المنطقة من حالة اليأس التي تعيش فيها[3].

4- الأزمة الايرانية واحتمالات استئناف المفاوضات العربية الاسرائيلية

هناك عوامل عديدة تشير إلى أن من الممكن انطلاق جولة جديدة من مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية في المدى المنظور، ومن ثم سورية إسرائيلية. بل إن هذه المفاوضات قد بدأت فعلا وإن كان بأساليب مواربة وجانبية. من أهم هذه العوامل ما يتعلق بتظور الظرف الدولي. فالمنطقة تعيش اليوم حالة شبيهة في بعض جوانبها بالحالة التي كانت تعيشها في التسعينات والتي أدت إلى إطلاق مبادرة مؤتمر مدريد للسلام، أعني حاجة واشنطن الواضحة في تحشيد الدول العربية، والخليجية منها بشكل خاص، من ورائها في مواجهة الخطر الجديد الناجم عن تصاعد قدرات ايران العسكرية وتهديدها المحتمل لاستقرار النفوذ الغربي والأمريكي خاصة في المنطقة. ومما يزيد من هذه الحاجة إدراك واشنطن لخيبة الأمل العربية الكبيرة في سياستها الإقليمية، وانهيار استراتيجيتها الشرق أوسطية، وفقدانها الخيارات في معالجة ما تواجهه من تحديات، سواء أكان ذلك في ايجاد مخرج من الورطة العراقية أو في وقف عملية انتاج طهران اليورانيوم المخصب الذي يهدد وجود اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، أو في تثبيت الوضع في لبنان أو في فلسطين[4]. وهناك توافق عام بين المراقبين على أن المقاربة العسكرية للأزمة قد فشلت، وأن فتح الحوار، كما أشار إلى ذلك بشكل قوي تقرير بيكر هاملتون، يمكن أن يشكل مقاربة أكثر نجاعة. كما أن هناك توافق في وجهات نظر المحللين لا يقل عن سابقه في أن الحكومات العربية لم تعد قادرة على السير خلف السياسة الأمريكية وتحدي الرأي العام العربي من دون معالجة النزاع العربي الاسرائيلي.
وبالمقابل تعتقد حكومات الجامعة العربية عموما أن هناك فرصة اليوم في التوصل إلى بعض النتائج الايجابية تكمن في استغلال الضعف الأمريكي وحاجة واشنطن إلى مساعدة الدول العربية في لملمة الوضع المتدهور في المنطقة والمهدد للمصالح الأمريكية الاستراتيجية. وانطلاقا من ذلك تداعت الدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية، التي تبدو الأكثر تأهيلا اليوم للتفاوض بين الأطراف بسبب ما تملكه من رصيد سياسي ومعنوي وموارد مالية أيضا، إلى تحويل مؤتمر قمة الرياض في آذار مارس الماضي إلى قمة المبادرة العربية من أجل السلام. وبالرغم من أن إسرائيل لم تعلن حماسها لهذه المبادرة، وشككت في قدرتها على أن تكون أرضية للنقاش إذا لم يطرأ عليها تعديلات أولية، إلا أنها لم ترفضها. كما أن الأطراف الدولية المعنية الأخرى شجعت عليها ووعدت بتقديم الدعم لها.
وإذا كانت الحاجة إلى الحشد الاستراتيجي ضد ايران هي الحافز لتبني واشنطن فكرة إطلاق مفاوضات سلام عربية إسرائيلية جديدة، فإن الأزمة السياسية والمعنوية التي تعاني منها إسرائيل بسبب الاحباط الذي أصابها، حكومة وأحزابا ورأيا عاما، على أثر الفشل في حرب تموز الأخيرة ضد حزب الله في جنوب لبنان، والاهانة التي تشعر بها نتيجة تكبدها هزيمة عسكرية كبيرة على يد من تنظر إليه كميليشيات أهلية صغيرة، تدفع بالكثير من قادتها إلى مراجعة استراتيجية الحل العسكري والتفكير في إمكانية العودة إلى مقاربة سياسية للأوضاع الشرق أوسطية.
وهكذا ليس من باب التفاؤل المبالغ فيه الإشارة إلى وجود مناخ يدفع اليوم في عموم المنطقة إلى التوجه في اتجاه الحوار ويشجع على فتح جولة جديدة من مفاوضات السلام العربية الاسرائيلية أو السورية الاسرائيلية.
بيد أن من الضروري أيضا الإشارة في الوقت نفسه إلى أن هناك عوامل عديدة يمكن أن تقف حائلا دون تحقيق التقدم المنشود. فإذا كانت الولايات المتحدة تسعى اليوم بالفعل إلى تجريب أسلوب المفاوضات للتوصل إلى حلول أفضل للأزمة، إلا أنها لا يمكن أن تقبل بحلول للأزمات القائمة تتعارض مع مصالحها، في الوقت الذي لا تزال عاجزة عن إعادة تحديد هذه المصالح والتقليل من طموحاتها على ضوء النكسات الكبيرة التي تعرضت لها استراتيجيتها الشرق أوسطية. فهي مستعدة لاتباع طريق الحوار في العراق لكن ليس من أجل ترك العراق للعراقيين أو للايرانيين والعرب. ولا يختلف الأمر كثيرا عن ذلك بالنسبة لاسرائيل. فهي مستعدة مثل واشنطن لتجريب طرائق أخرى غير التي قادتها إلى تكبد هزيمة سياسية وعسكرية في حرب لبنان، لكن ذلك لن يساعد على التوصل لنتائج مقبولة من الاطراف إذا لم تتخل إسرائيل مسبقا عن طموحاتها التوسعية والاستيطانية وتقبل بمبدأ التعايش مع دولة فلسطينية مستقلة.
والمقصود أن المقاربة التفاوضية لم تصبح عند الأطراف القوية المسببة للأزمة، في واشنطن وتل أبيب، اختيارا نهائيا أو استراتيجيا يعكس تبدل أهداف الفاعلين أو التخلي عن بعضها، وإنما تبرز اليوم في إطار تجربة وسائل أخرى لتحقيق الأهداف المرسومة نفسها او الدفاع عنها. ومن جهة أخرى ينبغي القول إن مصالح الأطراف العربية والإقليمية ليست متطابقة، أو لا تبدو انها متطابقة، أو يمكن التقريب بينها اليوم، وأن التنافس في ما بينها يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير منتظرة وسيئة بالنسبة للعرب جميعا[5]. ومن جهة ثالثة قد تتضارب أجندة المفاوضات العربية الاسرائيلية، التي تبدو ذات وتيرة بطيئة بقدر ما تشتمل على ملفات معقدة ومتعددة، مع أجندة النظم التي تخضع لضغوط داخلية قوية، اقتصادية أو سياسية أو معنوية. وقد يؤدي البطء إلى تفجير الأوضاع أو تعقيدها أو دفع البعض إلى تبني استراتيجيات منفردة للحصول على منافع مؤقتة تساعده على تأمين مخرج لبعض أزماته الضاغطة السريعة.
بإمكان واشنطن ايصال عملية التسوية السياسية العربية الاسرائيلية إلى سلام ناجز لو قامت بالفعل بمراجعة جذرية لسياستها في الشرق الأوسط، وأقرت أن أصل الأزمة المستديمة أو أحد مصادرها الرئيسية هو استنمرار الاحتلال وسياسة الاستيطان الاسرائيلي الزاحف، واقتنعت بعد القدرة على حسم النزاع بالقوة وعلى حساب الطرف الأضعف الفلسطيني والعربي. وفي هذه الحالة كانت ستضطر أيضا إلى مراجعة سياستها تجاه ايران نفسها وتأخذ بنصائح العديد من الدول العربية والغربية التي تميل إلى ايجاد تسوية سياسية في ملف التقنية النووية الايرانية أيضا. والحال أن واشنطن تستخدم التلويح بتسوية عربية لتبرير استراتيجية المواجهة مع ايران، سواء أكانت غاية هذه المواجهة ضرب ايران أو محاصرتها بمساعدة الدول العربية. والمقصود أن التسوية العربية الاسرائيلية لم تصبح بعد غاية بحد ذاتها ما دامت لم تندرج ضمن مقاربة شاملة مختلفة لازمة المنطقة ولا ترتبط باستراتيجية شاملة لمواجهة هذه الأزمة تعكس المقاربة الجديدة.
وبالمثل، ما يدفع تل أبيب إلى التطلع نحو بدء جولة مفاوضات جديدة مع العرب يمكن أن يصبح حافزا على الإعداد لحرب جديدة. فلن يكون لاسرائيل مصلحة في العمل على إنهاء النزاع والتوصل إلى سلام مع العرب إلا في إطار مراجعة لأهدافها، تتخلى فيها عن طموحها للاحتفاظ بالأراضي وتوسيع استيطانها كجزء من استراتيجية مراكمة القوة والاحتفاظ بالتفوق في مواجهة التهديد الذي تعتقد أنها تواجهه الآن أو في المستقبل من قبل الدول العربية. فلا يصبح السلام رهانا معقولا لاسرائيل إلا في إطار التفكير بالاندماج في المنطقة والتحول إلى عضو كامل العضوية فيها، والمراهنة على هذا الاندماج في سبيل تحسين شروط حياة مواطنيها وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يعني تدمير كل الأسطورة التاريخية التي بنيت عليها إسرائيل القائمة، والعمل على بناء إسرائيل جديدة مختلفة، هي بالفعل دولة مواطنيها، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم ومذهبهم، أي تطبيع حالة دولة إسرائيل، والقبول بأن تكون دولة طبيعية وعادية مثلها مثل الدول الأخرى. ومثل هذا التطور يحتاج إلى ثورة عميقة فكرية وايديولوجية لا تظهر اليوم أي معالم واضحة لها في إسرائيل. ومن هنا يبدو لي أن المنطق الذي يوجه خيارات إسرائيل التفاوضية لا يزال لم يتغير منذ بداية المفاوضات في التسعينات، أعني التغطية على منطق الحرب المستمرة واستخدام مبدأ المفاوضات ومساراتها لإضعاف الأطراف العربية ووضع أحدها في مواجهة الآخر وبث التنافس في ما بينها على تقديم التنازلات للحصول على المعاملة الأولى أو الأفضلية.
وعلى الصعيد الإقليمي تتضارب مصالح الحشد ضد ايران مع مصالح العمل على حل الأزمة العربية الاسرائيلية. ولا يمكن أن تستقيم إلا إذا اعتبرت ايران جزءا من المعادلة الاستراتيجية الإقليمية. وليس من الممكن للولايات المتحدة وإسرائيل أن تقدم لسورية حلا مشرفا في الجولان مكافأة لها على التحالف الطويل والدائم مع ايران ما لم يتم التوصل مسبقا إلى تفاهم أمريكي ايراني. وليس من الممكن لدمشق التي لديها كل الأسباب كي لا تثق بوعود القيادة الأمريكية أن تتخلى عن علاقاتها القوية مع ايران، وما تؤمن لها من تغطية استراتيجية وحماية سياسية ومعنوية، وتنضم إلى بقية الدول العربية الموسومة بالاعتدال، والتي شاركت واشنطن محاصرة النظام وفرضت العزلة عليه بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري منذ سنتين.
هناك حالة واحدة يمكن أن يتحقق فيها خرق لصالح تسوية سورية إسرائيلية قبل حصول مثل هذه المراجعات للسياسات الكبرى. وهي حالة شبيهة بما حصل لمصر في كمب ديفيد، أعني أن تدرك إسرائيل أن اختياراتها سائرة نحو الضيق أكثر فأكثر مع تفجر المنطقة، وأن من مصلحتها اليوم البدء بتخفيف العبء العسكري والأمني. وفي هذه الحالة يمكن أن تفكر بأن اتفاقية سلام مع سورية بشروط معقولة، كتلك التي تحدثت عنها وثيقة جنيف، تشكل ثمنا مقبولا للتخلص من مضاعفات القضية الفلسطينية والتحرر من كابوسها. بمعني آخر إن استحالة التوصل إلى تسوية شاملة قد يكون هو حافز اسرائيل للبحث عن تسوية منفردة مع سورية. ولا يخفي العديد من المسؤولين الاسرائيليين رغبتهم هذه. وحصول مثل هذا التفاهم السوري الاسرائيلي يمكن أن يلغي المعوقات الأخرى، بقدر ما يجعل التحالف السوري الايراني قليل الأهمية لدمشق، ويقربها من واشنطن ويفتح عليها خزائن دول الخليج جميعا. لكن إسرائيل لا تبدو اليوم، أو على الأقل في المدى المنظور، في هذا الوارد، وهو ما عبر عنه فشل الزيارة الأخيرة التي قام بها ابراهيم سليمان إلى إسرائيل[6]. ثم إن موقف الإدارة الامريكية لا يزال غير واضح في ما يتعلق بتطوير العلاقات الجديدة مع دمشق، ولا تزال واشنطن تضغط على إسرائيل لمنعها من فتح باب المفاوضات الثنائية مع سورية. لكن ذلك أن الأفق مغلق أمام مثل هذا الاحتمال. وإدراك دمشق أهمية تذليل الممانعة الأمريكية هو الذي يدفعها إلى تكرار التأكيد على رغبتها العميقة في التفاهم مع واشنطن والعمل معها في العراق وفلسطين. وقد انعكس ذلك في الجو الايجابي الذي ساد في لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ووزير خارجية سورية وليد المعلم في مؤتمر شرم الشيخ في العاشر من هذا الشهر (مايو نيسان). وبالمثل من الواضح أن تشكيك دمشق بإمكانية التوصل إلى اتفاق عن طريق الاصطفاف وراء المجموعة العربية والعمل خلف المبادرة الجماعية هو الذي يدفعها إلى اختبار مساراتها الخاصة الجانبية التي تامل من خلالها تجاوز العقبة الأمريكية، وإقناع إسرائيل بأن التسوية مع سورية هي المفتاح لمواجهة جميع الأزمات والتحديات الأخرى من حزب الله إلى حماس والأزمة الفلسطينية.
لا تزال هناك عقد عديدة ينبغي حلها في إسرائيل وفي سورية قبل إمكانية التوصل إلى مثل هذا التفاهم وتحييد الموقفين الأمريكي والعربي. وعلى الأرج سوف يظل التجاذب بين الخيارين هو السائد إلى فترة طويلة قبل أن تحسم الأطراف قرارها بين التسوية السلمية والعودة إلى الحرب. وبانتظار ذلك لن تتوقف سورية عن السعي لتذليل العقبات في وجه التسوية الثنائية، كما أن الولايات المتحدة لن تكف عن العمل لاجتذاب سورية بعيدا عن الاستراتيجية الايرانية، من خلال التلويح لها ببعض الحوافز، والضغط عليها في جوانب أخرى مثل موضوع المحكمة الدولية، واستمرارها في الضغط على إسرائيل لمنعها من الدخول في مفاوضات مع دمشق. ومن الممكن أيضا، بالرغم مما نشر في الصحافة عن فشل مهمة ابراهيم سليمان في إسرائيل، ليس هناك ما يمنع أن يتطور التفاهم بين تل أبيب ودمشق من وراء ظهر الولايات المتحدة، من دون أن يكون ذلك مرتبطا باستعادة الجولان، وكذلك من دون أن يغير من طبيعة علاقة دمشق المعقدة والصعبة مع واشنطن.

5- مفاوضات للمفاوضات

في المرحلة السابقة، ردت إسرائيل على شعار مؤتمر مدريد الذي تبناه العرب: الأرض مقابل السلام بشعار سلام مقابل سلام، أي من دون إعادة الأراضي. وعملت على أساسه، خلال أكثر من خمسة عشر عاما من عمر عملية السلام. واليوم هناك مخاوف مشروعة في أن تصبح المفاوضات أو فتح المفاوضات بين الأطراف هدفا في ذاته، وأن تحول إسرائيل شعار المفاوضات من أجل السلام إلى مفاوضات من أجل المفاوضات، أي في سبيل الحفاظ على الوضع القائم وضمان الأوضاع السياسية العربية في إطار من الهدوء والاستقرار.
والقصد أننا لا ينبغي أن نخلط بين فتح المفاوضات وبين التوصل إلى تسويات عملية على الأرض. فمن الممكن تماما، كما بينت تجربة العقود الماضية، ترتيب مسارات تفاوضية مستمرة وحية، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى تسويات، بل من دون أن يكون لدى الأطراف المتفاوضة أي رغبة حقيقية في التوصل إليها. بل إن الكثير من المفاوضات لا تخاض إلا للتغطية على غياب الحلول العملية، وأحيانا لإعداد الرأي العام للحروب القادمة وإقناعه بحتميتها. ومن الواضح أن فكرة المفاوضات السياسية لم تدخل في ذهن القيادات الأمريكية والاسرائيلية في الأشهر الماضية إلا في إطار السعي إلى تقليص الخسائر الناجمة عن إخفاق الحلول العسكرية. وفي هذه الحالة من الممكن تماما أن لا تكون المفاوضات سوى حلقة من حلقات إدارة الأزمة الشرق أوسطية بوسائل دبلوماسية، أي بأساليب أقل عنفا، في انتظار تغييرات طارئة جديدة تنقذ الوضع أو تغير من تراتب القوى. ومما يزيد من هذا الاحتمال اعتقاد قيادات البلدين بأن التناقضات القائمة وراء الأزمات الشرق أوسطية عميقة ومستعصية على الحل. وهي تبدو كذلك بالفعل لأن هذه القيادات لا تتصور مثلا حلا يرتب على إسرائيل تنازلات والتزامات لا يمكن في نظرها إلا أن تخل بأمنها وتهدد مستقبلها، في الوقت الذي تدرك فيه أيضا أن من غير الممكن للأطراف العربية قبول التوقيع على سلام بالشروط الاسرائيلية. ولا يختلف الأمر كثيرا عن ذلك في العراق. فواشنطن تعتقد أن خروجها منه يعني تسليمه لايران أو لجماعات القاعدة، وبالتالي تحويله إلى بؤرة لا يمكن السيطرة عليها للارهاب الدولي.
وبالمثل، قد تحتاج الحكومات العربية إلى فتح مسار المفاوضات مع إسرائيل، لا في سبيل التوصل إلى اتفاق نهائي، أو اعتقادا بأن شروط تحقيق مثل هذا الاتفاق أصبحت قائمة، وإنما في سبيل تمديد فترة السلام، أي سلام الأمر الواقع القائم اليوم على الأرض، وشراء صمت واشنطن أو تل أبيب، أو حتى الحصول على تأييدهما لسياساتها الإقليمية أو الداخلية. فبقدر ما يطمئن الحديث عن السلام مع إسرائيل العواصم الدولية، ويدلل على النيات الحسنة للحكومات العربية تجاه هذا الكيان، الذي يشكل أحد محاور السياسة الغربية الشرق أوسطية الرئيسية، يغطي كذلك على عجز البلدان العربية عن بناء استراتيجية فعالة لمواجهة مشاكل احتلال الأرض والهيمنة الاسرائيلية الإقليمية. ومن هذه الناحية تهدف العديد من الأنظمة العربية في سعيها الحثيث للإبقاء على مسار التفاوض حيا، مهما كان صوريا وشكليا وفاقدا للنجاعة والفاعلية، إلى إخفاء عجزها عن مواجهة الواقع بصورة عملية، والتغطية على فقدانها المبادرة الاستراتيجية، وانعدام خياراتها جميعا إزاء سياسة القوة وفرض الأمر الواقع الاسرائيلية. ومما فاقم من هذا النزوع إلى التعويض عن العجز بالتشبث بالمفاوضات، ومن وراء ذلك لجوء العواصم العربية أكثر فأكثر إلى استخدام الدبلوماسية الموازية والرخيصة، التوافق الاستثنائي العميق الذي حدث في السنوات الأخيرة، في ظل الإدارة الجمهورية التي سيطر عليها المحافظون الجدد، بين الاستراتيجيتين الأمريكية والاسرائيلية، سواء بسبب التطابق المتزايد في المصالح – تفكيك العالم العربي وتجريده من سبل القوة مصلحة مشتركة ومفيدة لواشنطن لتعزيز قبضتها على المنطقة، ولاسرائيل لاستكمال مشروعها الاستيطاني والقومي – أو بسبب تنامي قوة اللوبي الاسرائيلي وتغلغله في مؤسساات القرار الأمريكية.
ومن هنا، هناك مجال للخوف من أن التوصل إلى حلول للاحتلال أو للأزمات التي يتخبط بها الشرق الأوسط لم يعد هو المحرك الرئيسي للدبلوماسية المحلية أو العالمية. وحل محله هدف أقل طموحا لكنه يبدو أكثر عملية هو الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، واستخدام تقنية المفاوضات لامتصاص التوترات وتأمين إدارة النزاعات القائمة بوسائل أو بطرق أقل دموية وبتكاليف أرخص.

ومن هنا فإن الجواب على سؤال: هل تشجع الظروف الراهنة على فتح حلقة جديدة من المفاوضات العربية الاسرائيلية والسورية الاسرائيلية بشكل خاص، هو أن المفاوضات لم تنقطع أبدا، وأنها ستتخذ أشكالا أكثر تنظيما ورسمية في المستقبل، لكن ليس في سبيل التوصل إلى تسويات لا تزال غير ممكنة في أفق موازين القوى والمنظومات الفكرية والسياسية التي تسيطر على المنطقة، وإنما بالعكس في سبيل التغطية على غياب هذه التسويات ولملء الوقت الضائع. إنها تعبر هي نفسها عن الشكل الرث لسلام الشرق الأوسط، الوحيد الممكن والمتاح في الوقت الراهن، أعني التهدئة من دون حلول.
[1] [1] كان ابراهيم سليمان، الفيزيائي الأمريكي من أصل سوري، الشخصية قد عقد، حسب ما نشرته جريدة هاأرتس الاسرائيلية ونقلته الصحافة العربية، في الفترة بين ايلول 2004 وآب 2005 سبعة اجتماعات عمل سرية مع ليئيل وأرونسون، اختتمت باجتماع أخير في تموز 2006 خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان. وبالرغم من حرص ليئيل وسليمان على التأكيد خلال هذه الاجتماعات على أنهما لا يتفاوضان كممثلين عن حكومتيهما، فقد اعلنا التوصل الى مجموعة "تفاهمات"، سميت وثيقة جنيف، لانهاء النزاع بين سوريا واسرائيل. وقد تضمنت هذه "التفاهمات" مبدأ انسحاب اسرائيل من الجولان المحتل الى خطوط الرابع من حزيران 1967 مع تحويل الجزء الاكبر من الأرض المحررة إلى مستوطنة طبيعية، واحتفاظ ااسرائيل بالسيطرة على مياه بحيرة طبريا ونهر الاردن وتتعهد سوريا بوقف دعمها لـ"حماس" و"حزب الله" والابتعاد عن ايران والتعاون مع الدولة العبرية في محاربة "كل انواع الارهاب المحلي والدولي"، كما يوافق البلدان على تطبيع العلاقات بينهما في مختلف المجالات، واقامة مناطق منزوعة السلاح على جانبي الحدود بعد انهاء الانسحاب الاسرائيلي من الجولان.

[2] للمزيد من التفاصيل، رضوان زيادة، السلام الداني، المفاوضات السورية الاسرائيلية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2005
[3] لتحليل أوسع حول سبب خسارة العرب معركة السلام، يمكن العودة إلى كتابنا: العرب ومعركة السلام، المركز الثقافي العربي، بيروت الدار البيضاء، 2000.
[4] حول انهيار استراتيجية الولايات المتحدة وتداعي أسس نظامها للشرق الأوسط، انظر برهان غليون، ما بعد القومية والاستعمار، الجزيرة نت، 17 مارس آذار 2007.
[5] ظهر هذا التناقض بشكل واضح في مؤتمر شرم الشيخ الأخير، حيث تضاربت المواقف الايرانية والسورية. فحسب ما أكدت مصادر ايرانية مطلعة لـ «الحياة» (2007/05/07) كانت طهران «غير راضية» عن ما تعتبره «ارتجالاً» في السياسة السورية ازاء الولايات المتحدة، خصوصاً اللقاء الاخير بين وزيري الخارجية السوري وليد المعلم ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس.
[6] حسب جريدة الخليج الإماراتية (15 أبريل نيسان 2007) منيت زيارة سليمان الأخيرة إلى إسرائيل بإخفاق ذريع. بل ربما يكون الكنيست “الإسرائيلي” قد استغل الزيارة لبعث رسالة الى سوريا عبر ضيفها من أصل سوري، ابراهيم سليمان تقول ان الكنيست باكثريته يرفض السلام مع دمشق. وفي لقاء للجنة الخارجية والحرب مع الضيف السوري طلب النائب يسرائيل كاتس (ليكود)، رئيس لوبي الجولان، من سليمان نقل رسالة إلى القيادة السورية، مفادها أن الكنسيت يرفض بأغلبيته الانسحاب من الجولان وأن “61 عضو كنيست وقعوا على العريضة ضد الانسحاب من الجولان، ومن المفضل أن يعرفوا ذلك في دمشق”. كذلك طلب كاتس من سليمان تحرير رسالة تهديد بأنه في حال شنت سوريا حرباً على “إسرائيل” فإن كل أرض سورية تحتلها “إسرائيل” ستبقى بأيديها.