dimanche, septembre 13, 2015

روسيا.. الحملة الصليبية التاسعة ضد "المتطرفين"

13 سبتمبر 2015
برهان غليون

برهان غليون

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، من مؤلفاته: "بيان من أجل الديمقراطية" و"اغتيال العقل"اً
في أقل من أسبوع، انقلب مزاج المراقبين والمعنيين بالشأن السوري، من النقيض إلى النقيض. فقد جاءت التصريحات المتعاقبة للمسؤولين الروس، لتقضي على كل الآمال في احتمال التوصل إلى بداية حلحلة للأزمة السورية، ووضع حد لعملية القتل المنظم المستمر منذ سنوات. 
 

وكان السبب الأول في نمو توقعات المراقبين بإمكانية انفراج في الأزمة السورية ما أشيع عن بداية تفاهم بين الروس والأميركيين الممسكين، في النهاية، بخيوط الصراع، على تكثيف الجهود وتسريع المفاوضات من أجل التوصل إلى تسوية مقبولة من الأطراف، حتى اعتقد بعضهم أن واشنطن أوكلت إلى موسكو إيجاد حل للأمر، وأن موسكو أصبحت على استعداد للتخلي عن الأسد في مقابل الحفاظ على النظام. وساهم في إشاعة هذا المناخ الإيجابي التطور البارز الذي طرأ على العلاقات الروسية السعودية، والروسية العربية عموماً، والاتفاقات التي وقعت بين الجانبين، والتنسيق الدبلوماسي العالي الذي حصل بين الروس والأميركيين، وأنتج الإجماع على البيان الرئاسي لمجلس الأمن، وتبني هذا المجلس نفسه خطة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. وجاء ذلك كله عقب الاتفاق على إغلاق الملف النووي الإيراني، والاعتقاد المتزايد أن طهران المتصالحة مع الغرب سوف تميل إلى تغيير سلوكها في المنطقة، والرهان على التفاهم والعمل الإيجابي بدل الاستمرار في المراهنة على سياسة التخريب وزعزعة الاستقرار التي كانت تهدف إلى الضغط على الغرب، من خلال الضغط على ما تعتبره مصالحه في المشرق العربي، وخصوصاً في الخليج وجواره.

قيادة العملية السياسية أم الانقلاب عليها؟
وكان تبدل موقف روسيا، نتيجة خوفها من تفاقم تدهور الموقف في سورية والعراق، وخطر سيطرة المتطرفين وانعكاسات ذلك عليها، واحتمال استعدادها للتعاون أكثر مع الغرب للتوصل إلى حل، هو الحجة الرئيسية التي استخدمها فريق المبعوث الدولي، دي ميستورا، لإقناع المعارضة السورية بجدوى المشاركة في فرق الحوار أوالتشاور التي اقترح تشكيلها لإطلاق العملية السياسية، وتجنب صدمة المفاوضات المباشرة، والمساعدة على بلورة المواقف للفرقاء السوريين.
والحال، نحن اليوم أمام مناخ مختلف تماماً. فالتصريحات الروسية الجديدة التي جاءت لتؤكد 
للجميع أنها لم ولن تغير موقفها في موضوع بقاء الأسد والنظام، وأنها لا تزال متمسكة بخطة بوتين الرامية إلى تكوين حلف عسكري، يجمع إيران والسعودية والعراق وتركيا والنظام السوري، لمواجهة التطرف والتنظيمات الإرهابية، ليضع حداً للتفاؤل الذي ساد في الأشهر الماضية، خصوصاً بعد أن أعادت موسكو تأكيد شرعية الأسد، ما يعني دمغها جميع المقاتلين ضده، معتدلين وغير معتدلين، بسمة التمرد والإرهاب. كما أن استئناف دعمها العسكري المكثف للنظام السوري، بأسلحة متطورة، وذخائر جديدة، والحديث عن بناء قاعدة عسكرية لها في محافظة اللاذقية، وفي مصادر أخرى، عن إرسال قوات عسكرية روسية إلى المنطقة، كما كشفت الصحافة الدولية. ويوحي ذلك كله إلى أن هناك انقلاباً في الموقف الروسي، ويطيح جميع الآمال التي بنيت على إمكانية إبعاد موسكو، ولو جزئياً، عن طهران، والمراهنة على ضغوطها لإقناع إيران بتغيير سياساتها.
وقد ربطت بعض قوى المعارضة، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني السوري، بين تطورات السياسة الروسية تجاه الأسد، وخطة دي ميستورا والانفتاح المفاجئ الذي أبدته أوروبا في موضوع اللاجئين السوريين، وتبنيها خطة استقبال عدد متزايد منهم، وإعادة النظر في إجراءات اللجوء. فرأت فيه تواطؤاً أوروبياً مع خطة طهران وموسكو، لإفراغ سورية من سكانها، لتسهيل السيطرة عليها وتغيير بنيتها السكانية.
وليس هناك شك في أن التناغم الحاصل بين تصريحات المسؤولين الإيرانيين والروس والرد الأميركي الضعيف على تحركات موسكو في المنطقة، تترك انطباعاً قوياً بأننا على أعتاب مرحلة جديدة، معاكسة تماماً لما كان متوقعاً من احتمال بدء مفاوضات متوازنة للحل السياسي، دفع إليها إدراك دولي متزايد لعظم المخاطر الناجمة عن استمرار الوضع الملتهب القائم. وقد ذهب الأمر إلى درجة استخدام محللين عبارة الغزو الروسي، لوصف ما أقدم عليه الروس من مظاهر الدعم المكثف للنظام، والتعاون مع طهران، من أجل منع قوى الثورة من الانتصار، ومساعدة النظام على استعادة السيطرة على البلاد، أو على الأقل ضمان حصول العاصمتين على موطئ قدم ثابت في القسم الغربي منها، حيث لا يزال لموسكو نفوذ قويّ فيه. وفي سياق ذلك، تزداد المخاوف عند قطاعات واسعة من الرأي العام من أن تكون سياسة الانفتاح 
الأوروبي المفاجئ على اللاجئين وسيلة للتغطية على التراجع السياسي، والانضواء، في النهاية، تحت سقف المقترحات الروسية المؤيدة لبقاء الأسد. وهذا ما أوحت به، أيضاً، التصريحات الأخيرة لبعض وزراء خارجية الدول الأوروبية التي دافعت عن إمكانية، أو حتى ضرورة، الحديث مع الأسد.
السؤال: هل نحن أمام مزاودات اللحظة الأخيرة في عملية تسوية دولية على وشك أن تبدأ، وتريد روسيا أن تضمن لنفسها فيها مصالح أكبر، بعد أن اكتشفت التخلي النسبي للولايات المتحدة، والانكشاف النسبي، أيضاً، لجبهة الدول الداعمة للمعارضة، وتقربها من موسكو نفسها، لتعزز موقفها، والتراجع الملحوظ في الموقف الأوروبي تجاه الأسد ونظامه، وبداية القبول تحت ضغط الخطر الذي يمثله داعش بفرضية بقاء نظام الأسد، وربما أيضاً، تعزيزه؟
أم هي قلب لطاولة الحل، وبداية تدخل روسي مباشر يقطع الطريق على طهران، ويحفظ مصالح روسيا، قبل أي طرف آخر، ويضع حداً للعبة الاستنزاف الطويلة للأطراف، بالتفاهم الضمني أو الفعلي مع واشنطن وأوروبا والمجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة وبالمبعوث الدولي، والحد من الخسائر المتبادلة، قبل أن يصبح الوقت متأخراً، لإنقاذ أي استثمارات أو رهان؟

مصالح روسيا في سورية والشرق
1- ينبغي أن نعترف أن موسكو أظهرت، منذ بداية الأزمة السورية، أي بعد تعثر الثورة، اهتماماً كبيراً بمصيرها، ولم يضعف هذا الاهتمام في أي لحظة، لكنه تضاعف مع مرور الوقت، ما يؤكد أن موسكو تعتقد أن لها مصالح أساسية في سورية، وأن تحول النظام القائم فيها أوتغييره، يعنيها جدياً، وأنها لن تسمح أن يحصل من دون أن تكون لها كلمة فيه، أو أن تضمن هذه المصالح.
2- على الرغم من تأكيد موسكو الدائم مع محاوريها من المعارضة أن مصالحها الخاصة في سورية ليست مهمة أبداً، وأنها لا تسعى إلى الحفاظ على مصالح خاصة، حتى أنه، في أول محادثات مع المجلس الوطني السوري، أظهر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الكثير من السخرية من الذين يتحدثون عن قاعدة طرطوس التي ليس لها في نظره أي قيمة استراتيجية، وأن دافعها لحماية النظام هو ضمان حقوق الشعب السوري، وأنها ليست متمسكة بالأسد كشخص، وإنما هي حريصة على الشرعية والسبل القانونية، إلا أن من الواضح، أيضاً، أن استمرارها على موقفها الإيجابي من نظام الأسد، بعد التدمير الهائل الذي حل بالبلاد وتشريد ملايين السوريين وقتل مئات الأولوف منهم، يشير إلى أن مصلحة الشعب السوري لا تمثل شيئاً بالنسبة لروسيا، كما تريد أن نعتقد، ولا تدخل في أي حسابات من حساباتها.
3- وأعتقد أن مصالح روسيا الرئيسية في سورية لا تتمثل في مصالح مادية بحتة، وإنما استراتيجية كبرى، وأهمها حضورها في الشرق الأوسط في حد ذاته، وإرادتها في الحفاظ على نفوذها في الدولة، أو البلاد الوحيدة التي ضمنت لها هذا الحضور، خلال عقود طويلة من دون انقطاع، وهو حضور لا يزال استمراره مجسداً في العلاقات الوثيقة مع نخبة من الضباط ورجال الأمن والسياسة الذين اختلطوا بالروس، وتدربوا عندهم، وصاروا شريكهم الأساسي في سورية. ومما يزيد من التمسك بهم أنهم ينتمون إلى المدرسة السياسية نفسها، أي الحكم بالقوة ورفض مبادئ الديمقراطية، وقيم المواطنة الليبرالية، واستثمار العداء للغرب، أو بالأحرى اختلاقه ورعايته وتنميته أساساً لنزعة قومية تجميعية، توحد الشعوب خلف قياداتها ضد الآخر الخصم، طالما أنها عاجزة عن توحيدها من خلال الإنجازات الداخلية، ومشاركة الأفراد في قيم العدالة والحرية والسعادة الإنسانية. وهذا هو نمط القومية المتحولة إلى نعرة وعصبية جماعية، تلعب هنا الدور الرئيسي في دفع الأفراد إلى الانقياد وراء سلطة الدولة المقدسة، القيصرية، في غياب روح الانقياد للقانون التي تستدعي وجود المواطنة ونظام المشاركة السياسية والتضامن في حمل المسؤوليات والالتزامات العامة.
ويتخذ الحفاظ على الحضور والنفوذ القوي في سورية والمشرق بالنسبة لموسكو، اليوم، أهمية أكبر مع انتشار الحركات المتطرفة الإسلامية، ومخاوف السلطة الروسية الفعلية من انعكاسات التغيير في سورية على شرائح واسعة من مواطنيها، المسلمين لكن من ورائهم غير المسلمين أيضاً. العدو الأول لروسيا البوتينية هو الثورة الشعبية التي كانت تؤرق، أيضاً، من قبل روسيا 
القيصرية، ولا تزال. وجزء كبير من الطابع الاستعراضي والاستفزازي الذي تتخذه السياسة الروسية في تحدي الغرب، في سورية اليوم، لكن في أوكرانيا وغيرها، مقصود من أجل إشعال فتيلة هذه القومية الشعبوية التي تكتفي بالرموز، وتغذيتها لقطع الطريق على أي احتمال لنمو روح الاحتجاج الشعبي، بل ردعه مسبقاً، وقطع الطريق على التفكير فيه.
٤- من هنا، بعكس الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وبلاد أخرى، لم يضعف الاهتمام بالأزمة السورية، مع تفاقم أوضاعها وزيادة تعقيدها وانتشار الحركات المتطرفة فيها، وإنما تضاعف مرات. لم تكن روسيا في أي وقت حريصة على أن تكون على رأس الحل في سورية، كما هي اليوم، والسبب خوفها الوجودي من احتمال انتقال عدوى الثورة، والاحتجاج والتغيير إليها، وبشكل أخص، عودة فتيل التمرد الإسلامي إلى ما كان عليه، بعد أن زاد قوة وتنظيماً للانتقام من أيام قاسية سابقة. بمعنى من المعاني، وأكثر فأكثر، تشعر موسكو أن معركة سورية، اليوم، هي معركتها بالدرجة الأول، قبل أن تكون معركة السوريين أو الغربيين أو العرب أو الإيرانيين. وهي مستعدة للتعاون مع الشيطان للقضاء على من تعتبره العدو والخصم الرئيسي لها، اليوم، وهو الحركات الجهادية وحدها، وليس الصراع أو التنافس مع أميركا أو أوروبا. معركة روسيا في سورية سياسية وفكرية ودينية، وهذا هو بعدها الاستراتيجي، أو بالأحرى ما فوق الاستراتيجي.
٥- ينبغي أن نعترف أن مثابرة موسكو وإصرارها على أن لا يكون حل في سورية، من دون إرادتها ونجاحها في تعطيل أي مبادرة أممية أو دولية، تشك في أنها تتماشى مع ما تريد قد أتت ثمارها. وأن دور روسيا في الأزمة السورية لم يكف عن التطور يوماً بعد يوم، مع إزاحة الخصوم أو تحييدهم. ومنذ أيام، كدنا نعتقد، عن حق، أنها أصبحت بالفعل الوكيل الرسمي لجميع الفاعلين على الأرض السورية والمعنيين بها من خارجها، أو أغلبهم، في العمل على إيجاد التسوية السياسية المنتظرة لإنقاذ ما تبقى من سورية، أو وقف عملية التدمير والقتل المنهجية ودرء مخاطر الخراب النهائي.
فقد تمتعت موسكو، منذ البداية، بدعم علني من الصين والهند ودول البريكس، قد تخلت لها الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، عن جزء كبير من هامش المناورة، ولم تحاول مرة أن تحرجها، أو تضغط عليها، أو تتجاوز الخطوط المرسومة لبقاء هذا الهامش، حتى بعد أن عطلت موسكو قرارات مجلس الأمن، أو منعت تنفيذ ما لم يتفق مع رؤيتها منها.

ماذا تنتظر موسكو؟
الحرب في سورية ستكون، أكثر فأكثر، حرب روسيا للقضاء على المجموعات الجهادية، أي في الواقع المسلحة، أي على داعش والنصرة وبقية قوى الثورة المسلحة التي تعتبرها كلها مصدراً للخطر، ولا يهمها بشار الأسد إلا كما همّ طهران من قبل، أي غطاء لحرب التدخل المباشر، وصمام أمان لضمان عدم انهيار النظام، أو تفككه خلال مرحلة الحرب. ولا ترى موسكو تسوية سياسية ممكنة، إلا بإعادة بناء الجيش السوري، وفي التفاف جميع الأطراف 
السورية، موالاة ومعارضة، حول الدولة ومؤسساتها، أي الجيش والأمن بالدرجة الأولى.
يتقاطع مشروع موسكو مع طهران، في حماية النظام، أو بالأحرى في عدم السماح بأي نصر للثورة السورية، أو للتحالف الداعم لها في تركيا والرياض والخليج، لكنها ربما تتناقض معها في تحويل سورية إلى مزرعة، ومستعمرة خاضعة لسيطرة المليشيات الطائفية والمذهبية. وفي عملها هذا، لا ترى موسكو طهران إلا من منظار ما يمكن أن تساهم به في الحرب ضد الإرهاب التي تريد أن تتحدّى فيها، ومن خلالها، الغرب وتحالفه، وأن تحقق ما فشل في تحقيقه حتى الآن. وهي تعتقد أنها الوحيدة التي لم تتورط بأي شكل في التلاعب بالمنظمات المتطرفة، ولم تتهاون في مكافحتها.
التدخل المتزايد لموسكو في الحرب، بكل الوسائل، بما فيها نشر قوات برية محتمل، هو بداية العمل على تنفيذ ما سميت خطة الرئيس بوتين، القائمة حول هدف رئيسي واحد، هو تشكيل تحالف يضم الجميع ضد الإرهاب، ونسيان كل الرهانات الأخرى، وفي مقدمها، قضية كفاح السوريين من أجل الحرية، والخلاص من حكم الفساد والاستبداد وديكتاتورية الأجهزة الأمنية والمخابراتية. ما تريده موسكو هو باختصار تحقيق أجندتها الوطنية الخارجية المكونة من نقطة واحدة، هي القضاء على خطر الحركات المتطرفة المسلحة. وهذه هي، أيضاً، الأجندة الوحيدة التي توّحد، اليوم، جميع الدول الصناعية التي ترتعد أمام انتشار فوضى السلاح ومنظمات التطرف العابرة للحدود، والمهددة لجميع استراتيجيات الأمن الدولية. وليست داعش سوى كلمة السر للدخول إلى حلبة هذه الحرب وإضفاء الشرعية عليها.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/9/12/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%85%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B3%D8%B9%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81%D9%8A%D9%86#sthash.PgrCR38s.dpuf

mardi, septembre 01, 2015

الحل السياسي في زمن الاحتلال الايراني

1 سبتمبر 2015
برهان غليون

برهان غليون

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، 
بينما يسعى مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، إلى جمع أطراف المعارضة السورية على برنامج حوار لا يعرف أحد مآله وماذا ينتظره فيه، يعمل الإيرانيون، بأقصى ما يستطيعون من عزيمة وسرعة، لاستغلال التردد والغموض والتجاذبات القوية في الموقف الدولي، من أجل تكريس أمر واقع على الأرض السورية، يضمن ما يعتبرونها مصالحهم الاستراتيجية في المستقبل، من دون أدنى مراعاة حتى لمصالح حليفهم الأسد في الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر السيادة والاستقلال. فبعد أن وضعوا يدهم على مقاليد السلطة والأمر العسكري في سورية، من خلال تقديم المليشيات الطائفية و"الحشود الشعبية" وتمويلها وتدريبها على حساب تطوير الجيش السوري، وسيطرتهم على قطاعات عسكرية عديدة، وعلى غرف العمليات في جبهات القتال، وجديدها ما نشرته الصحافة، في الأسبوع الماضي، من وثائق عن وضع اللواء 47 دبابات المتمركز في ريف حماة تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني، بقرار من وزير دفاع الأسد، يبدون الآن في عجلة من أمرهم لتوسيع دائرة حضورهم المادي والبشري في المناطق والمدن الاستراتيجية التي يعتقدون أن عليهم الحفاظ عليها مستقبلاً، في إطار تقسيم محتمل لسورية، وتشكيل محمية إيرانية على شاطئ المتوسط الشرقي.

سورية من دون سوريين
في هذا السياق، تدخل حرب الإيرانيين المستمرة في القلمون منذ أشهر طويلة، وفيه يبرز تمسكهم في مفاوضات الهدنة التي جمعتهم مع وفد من "أحرار الشام" بإخلاء الزبداني وكامل مدن وقرى الغوطة الشرقية ووادي بردى من سكانه "السنة"، لإعداده لعملية استيطان جديدة بسكان يدينون لهم بالولاء، من المذهب الشيعي، عرباً كانوا أو آسيويين. وفي هذا السياق أيضاً، يأتي إعلان "مواليهم" من نظام الأسد، في الأسبوع الماضي، عن بدء تنفيذ مشاريع في المدن المستهدفة، في حمص ودمشق خصوصاً، تدخل تحت مسمى تنظيم المدن وإعادة الإعمار، وهي، في الواقع، مشاريع مقنعة لعمليات التطهير العرقي وتغيير البنية السكانية للمناطق.
وقد نشرت صفحة "دمشق الآن"، المحسوبة على أحد أفرع مخابرات النظام، قبل أيام، صوراً لتصميمات مشروع إعادة إعمار حمص الذي سيقام على مساحة 217 هكتاراً، ويضم 465 مقسما سكنيا، إضافةً إلى مباني الخدمات "المشافي والمدارس والمباني الاستثمارية والتجارية والترفيهية"، وهو يشمل "إعادة إعمار" أحياء بابا عمرو وجوبر والسلطانية، وهي مناطق كانت قد دمرت بالكامل، وهجر أهلها، ومنعوا من العودة إليها، بعد أن شهدت أبشع مجازر النظام بحق سكانها خلال النصف الأول من 2012. 

وفي الوقت نفسه تقريباً، أعلنت محافظة دمشق التابعة لحكومة الأسد عن البدء بتنفيذ ما سمي مشروع حلم دمشق، وفي مقدمه بناء المجمع الإيراني الضخم الذي يغطي مناطق واسعة من حي المزة المكتظ بالسكان وسط العاصمة دمشق. وانطلقت، في اليومين الماضيين، بالفعل عمليات هدم منازل المدنيين في منطقة "بساتين المزة"، بينما منعت قوات الأمن التي كان يرافقها محافظ دمشق السكان من الاقتراب من منازلهم بالقوة، وأخرجت من تبقى في المنازل عنوة، ورمت مقتنياتهم وفرشهم في الشارع. وكان سكان المنطقة قد تلقوا إنذارات بالإخلاء في منتصف يونيو/ حزيران الماضي، فيما لم يتلق السكان، حتى الآن، أي تعويض أو بدل سكن أو منزل للإيجار.
وكانت مليشيات حزب الله، وحليفتها العراقية التي احتلت مدينة القصير، قد منعت سكان هذه المدينة وريفها من العودة إليها، وأحلّت مكانهم مستوطنين من جنسيات أخرى تابعين لها. ولا تزال مدن عديدة في المنطقة وقراها مغلقة على سكانها، ومنها مدينة حمص القديمة التاريخية التي تنتظر من دون شك مشاريع "إعمار" مماثلة. ويأتي هذا الجهد الاستيطاني ليكمل، أو ليعوض عن خسارة مشاريع عديدة، كانت طهران، قد عملت عليها في العقود الثلاثة الماضية، قبل ثورة مارس/آذار 2011، وبنت، في إطارها، مئات المراكز الدينية والحسينيات في مختلف البقاع، وفي أكثر المناطق تجانسا مذهبيا، وذلك لإيجاد وقائع مادية على الأرض، تحفظ نفوذ طهران، وتفرض الأمر الواقع المرتبط بها. وتعتبر منطقة السيدة زينب قرب دمشق مثالا لهذا الاستيطان الجديد الذي حوّل قرية صغيرة إلى مدينة ضخمة، تحتضن أكبر تجمع مذهبي عسكري ومدني طائفي متعدد الجنسيات في المنطقة.
وتستخدم حكومة الحرس الثوري في إيران النظام السوري، بعد أن ورطته في حرب خاسرة، وحشرته في الزاوية، من أجل خلق وقائع جديدة صلبة لا يمكن تغييرها. وهي تستفيد من تعبئة المهاجرين الشيعة في إيران نفسها من الأفغان والباكستانيين وغيرهم، وتستثمر الشعور بنشوة النصر لدى طائفة وجماعات عانت طويلاً من الشعور بالعزلة والهامشية والحرمان، من أجل قلب الأوضاع السياسية داخل المنطقة رأسا على عقب، وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية على حسب مطامعها وأحلامها.

بين إعادة الإعمار والاستيطان
تشكل مجموع هذه النشاطات، من تدمير منهجي للمدن والقرى وتهجير إجباري للسكان وتفريغ البلاد من سكانها، وتوطين أكبر عدد ممكن من الساكنين الأجانب، من إيران وباكستان وأفغانستان ولبنان والعراق والهند وغيرها، وحرمانهم من حقوقهم ومنعهم من العودة وتدمير منازلهم وبيئتهم الطبيعية وحرق قراهم ومحاصيلهم وخصخصة الأملاك العامة وسطو المليشيات الأجنبية عليها، واحتلال منازل الغائبين وإجلاء السكان عن أحيائهم ومدنهم، مهما أطلق عليها من أسماء، ومهما قدم لها من تبريرات، مشروعاً متكاملا للتطهير العرقي والإحلال السكاني وتمديد رقعة الاستيطان، بهدف تمكين دولة أجنبية من السيطرة على مقدرات الشعب السوري، وانتزاع حقه في تقرير مصيره وفرض مصالحها وأجندتها الإقليمية والدولية عليه. وهو إحلال سكاني مرتبط بمخطط استراتيجي للهيمنة الإقليمية، يستخدم جميع الوسائل، وأكثرها همجية ووحشية، من قتل وتمثيل وتعذيب واغتصاب لتحقيق هدفه. وهو يعكس التفكير الاستراتيجي الإيراني الراهن الذي يعتقد أن إبادة سورية العربية الراهنة الطريق الوحيدة من أجل إحلال سورية أخرى محلها، سورية إيرانية، تخضع لطهران وتندمج فيها، وتتحول إلى واحدةٍ من محافظاتها. 

وهذا وحده ما يمكن أن يفسر التكتيك الحربي الوحشي الذي استخدمه قادة الحرس الثوري المؤطرون لجيش الأسد ومليشياته، وهو تكتيك لا يبقي فرصة لأي حوار أو تفاهم أو تسوية بين السوريين، ولا يمكن أن يقود إلا إلى تدمير البلاد وتقسيمها. فمن دون التدمير الشامل والمنظم للبئية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، والاستهداف اليومي للمدنيين، والقضاء على كل أمل في الحياة بقصف المشافي والأسواق الشعبية والمدارس، وفرض الحصار والتجويع وقطع الماء والكهرباء ومواجهة السكان بالأسلحة الكيميائية وكل أنواع العنف الممكنة، ما كان من الممكن تفريغ المدن والمناطق من ساكنيها، وتيئيسهم، وقطع أي أمل لهم بالبقاء، وإجبار أكثر من نصف سكان البلاد على الرحيل عن منازلهم ومدنهم، وتركها خاوية لمن يريد أن يستوطنها.
ولا ينفصل هذا المشروع، أيضاً، عن طبيعة الاستراتيجية التي تبنتها قيادة الأسد، بتوجيهات من قادة الحرس الثوري الإيراني وخبرائه، القائمة على عدم الدخول في أي حوار أو تسوية، والاستمرار في الحرب أطول فترة ممكنة، وتعطيل كل المبادرات العربية والدولية. فليس هناك أي ضمانة في أن تنجح سلطة الاحتلال في تغيير الوقائع، وفرض الأمر الواقع الجديد على الأرض، من دون التخفي وراء لهيب الحرب وتبرير خرق كل القوانين والعهود الوطنية والدولية والإنسانية، فمن نافل القول إن حرب كسر العظم التي اتبعتها القوى الحليفة في سورية تجاه الشعب الثائر والمعارض ليست في مصلحة النظام، ولا في مصلحة الطائفة التي يدّعي النظام حمايتها. ولا يوجد مستفيد حقيقي منها سوى سلطة الاحتلال وحلم التوسع الإيراني.
ليس لهذه العمليات الممنهجة أي علاقة بإعادة الإعمار، وليس هناك أي منطق في إطلاق عملية إعادة إعمار من طرف واحد، وبمساعدة الحكومة والشركات الإيرانية وحدها، ولا لبناء مساكن ومَشاف وأسواق، بينما تقوم البراميل المتفجرة والمدفعية والصواريخ الاستراتيجية بتدمير مثيلها كل يوم في جميع المدن والأنحاء السورية. وليس هناك منطق في فرض الأمر الواقع، وتوسيع دائرة الاستيطان للجماعات المرتبطة بطهران، في الوقت الذي يطلق فيه المبعوث الدولي وروسيا مفاوضات التسوية السياسية، إلا إذا كان الهدف قطع الطريق على أي مفاوضات، ودفع المعارضة إلى رفض المشاركة فيها.
ما يحصل تحت اسم إعادة الإعمار هو تأكيد على منطق الحرب، وتوسيع دائرتها لتشمل عمليات التوطين وتجريد السوريين من ملكياتهم، لخدمة أهداف استراتيجية، وهو يعكس سياسة الهرب إلى الأمام، ويشكل برهانا قاطعا على غياب أي إرادة للانخراط في حلول سياسية.
تكاد سياسة "أسد طهران"، وطهران نفسها، تتطابق تماما مع سياسة تل أبيب في فلسطين وتجاه الفلسطينيين الذين لا ترى وسيلة للتعامل معهم سوى الحرب، لإبعادهم وتهجيرهم، أو إخضاعهم لمشيئتها من دون أي تسوية أو تفاهم على حل. وإذا تحدثت عن السلام والمفاوضات، فليس ذلك بهدف التوصل إلى تسويةٍ، تضمن ولو الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين، وإنما لكسب مزيد من الوقت، للتمكن من طردهم واستكمال مشروع الاستيطان الكامل لفلسطين، وليس في تصور الإسرائيليين أي مكان للفلسطينيين في فلسطين، باستثناء الاختفاء في تجمعات مغلقة ومعزولة عن بعضها، تماما كما حصل للهنود الأميركيين. وكما تنقض الحكومة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية لتصادرها، وتعلن مشاريع مستوطنات جديدة، رداً على أي عمل فلسطيني قوي ضد الاحتلال، ترسل طهران ودمشق براميلها المتفجرة وآلتها الدموية الرهيبة، لتزرع الدمار والرعب في أي بلدة أو مدينة تخرج عن سيطرتها، لتجبر سكانها جميعاً، أو أغلبيتهم الساحقة على النزوح والهجرة حفاظا على أرواحهم.
وكما الحال في المسألة الفلسطينية، لن يكون لمفاوضات شكلية، تنظم للتغطية على فشل الأمم المتحدة وعلى تعارض المصالح الإقليمية والدولية، أي قيمة، ولا أي دور في وقف العنف وإيجاد حل للنزاع، بمقدار ما سوف تستغل من محور الحرب في طهران ودمشق، لكسب مزيد من الوقت، والتغطية على مشروع التقسيم والاستيطان المرتبط به، قبل وضع السوريين والعالم أمام الأمر الواقع. وعلى الذين يعتقدون أن المفاوضات ربما تخلق دينامكيتها، كما يقول دي ميستورا والمبخّرون لمبادرته، نسوق مثال المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المستمرة منذ أكثر من ربع قرن، من دون أي نتيجة تذكر، سوى تمدد الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية، والمزيد من التعنت والتشدد ضد الفلسطينيين من الساسة والرأي العام الإسرائيليين، وبناء مزيد من جدران العزل العنصري التي يشكل وجودها واستمرارها إدانة للعالم أجمع.

لا حل من دون إرادة دولية قوية
ما لم تبرز إرادة دولية قوية لوضع حد للحرب، وتسمية المسؤول عن استمرارها وإيقاد نارها بالاسم، وتحديد مسؤوليات الأطراف، وإظهار الرغبة في الانخراط الجدي وتقاسم المسؤوليات تجاه محنة الشعب السوري من الأطراف الدولية، وخصوصاً الدول الديمقراطية، لن يكون هناك أي حل، وسوف تتحول المفاوضات إلى سراب يدفع السوريين إلى الركض وراءه من دون أن يجدوا أمامهم سوى الحرب المستمرة، وفي ظلها تحقيق طهران مزيدا من التطهير المذهبي والإثني الذي تسعى إليه في المناطق الاستراتيجية التي تريد البقاء فيها. 

والحال، كما حصل بالنسبة لفلسطين، لا تبدي الدول أي إرادة في الانخراط، ولا في تحمل المسؤولية، ولا تبدي أي موقف واضح من أطماع طهران التي هي اليوم الموقدة الرئيسية في نار الحرب، وتكاد هذه الدول تكون فاقدة العزيمة، وراضية عن التضحية بمبدأ الحق والقانون والعدالة، وقابلة للتخلي عن التزاماتها الدولية في مقابل الحفاظ على مصالح سياسية أو تجارية أو استراتيجية، تنطوي عليها العلاقات الحسنة مع طهران وموسكو وبعض العرب الضالين.
وكما أنه لم يوجد من يقول لتل أبيب كفى تهربا وتوسعا واعتداء على حقوق الفلسطينيين، ويتخذ الإجراءات التي تفرضها مواثيق الأمم المتحدة لحماية هذه الحقوق، لم نر اليوم من بين الدول الكبرى والصغرى التي تخفي انتهازيتها وأنانيتها وراء كلمات الحل السياسي المعسولة، من يعترف بما تقوم به طهران في تمديد أمد الحرب الأهلية، لخدمة مصالح لا تخفيها هي نفسها عن أحد، ولا من يطالبها بالتوقف عن اللعب بمصير السوريين، وسحب قواتها ومليشياتها من سورية، وإدانة دفاعها عن رئيس قاصر، دانته جميع تقارير المنظمات الدولية بجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية. وطالما استمرت الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، في تجاهل حقوق الشعب السوري والتضحية بها، لتعميق تحالفها أو تعاونها أو تفاهمها مع طهران، لن يكون هناك حل، وسوف يستمر السوريون في الدفاع عن حقوقهم والعمل بكل الوسائل لوضع حد للتدخل الإيراني وجميع التدخلات الأجنبية التي دمرت حياتهم وأحرقت وطنهم.
لن ينجح الإيرانيون في تحقيق حلمهم الدموي، ولن يحول جورهم دون استمرار السوريين في الدفاع البطولي عن حقوقهم وهويتهم وبلادهم، ولا دون انتصارهم الحتمي. لكنهم سوف يخلفون جرحاً غائرا في سورية والضمير العربي والعالمي، تماما كما هو جرح فلسطين الذي لا يدمل ولن يدمل قبل أن تقلع اسرائيل عن سياسة الإبادة القومية التي اتبعتها، وتعتذر عن ماضيها وأخطائها.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/8/31/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B2%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A#sthash.dcyzDTj2.dpuf

dimanche, août 30, 2015

اليوم العالمي للاختفاء القسري هو يوم حداد، وتأمل وتفكير في مصير ملايين البشر، مثلنا، الذين اختطفوا من بيوتهم أو أماكن عملهم، وسيقوا إلى مراكز الاعتقال والتعذيب وربما الموت، بسبب أفكارهم ومواقفهم والمباديء التي آمنوا بها، في ظل نظم سياسية لا تعرف معنى الحرية والقانون ولا اي مفهوم للعدالة واحترام الانسان. 
نتذكر أخوتنا الذين تجاوز عددهم حسب منظمات إنسانية ٨٠ ألف مختطف ومختف في سجون ومعتقلات وأقبية الأسد وتحت سلطة الاحتلال المشترك مع طهران. 
نفكر في مصيرهم، نثمن تضحاتهم، نتعلم منهم الشجاعة والتفاني والمحبة والصبر.
في اليوم العالمي للاختفاء القسري نفكر في واجباتنا تجاه أبناء شعبنا الصابر وتجاه المخطوفين والمعتقلين، ومسؤوليتنا في العمل على انقاذ أرواحهم والدفاع عن حقوقهم، وحقوق ذويهم.
يوم الاختفاء القسري هو يوم التضامن العالمي مع كل المختطفين والمعتقلين والمسلوبي الحقوق والحريات.
وهو يوم للحرية، التي من أجلها ضحى الكثيرون بأرواحهم وفنوا أعمارهم في سجون أعداء الحرية والانسان.

jeudi, août 20, 2015

عقدة الأسد في "تسويات" الأزمة السورية

عقدة الأسد في "تسويات" الأزمة السورية

عقدة الأسد في تسويات الازمة السورية

تمحور الصراع على دور بشار الأسد في الحل السياسي في سورية، وموقعه في المرحلة الانتقالية، منذ الأشهر الأولى للثورة في العام 2011، حين صعّد المتظاهرون، في مواجهة الحملة الدموية التي تعرضوا لها من قوى الأمن والجيش والشبيحة، من مطالبهم، وتبنوا إسقاط الأسد، بينما جعل الموالون له من شعار "الأسد أو نحرق البلد" ديناً جامعاً، وتأكيداً لرفضهم، أي تعديل في قواعد الحكم والسيطرة والنظام. 

وحصل ما يشبه ذلك أيضاً على صعيد السياسة الدولية، فتبنى من سموا أنفسهم أصدقاء الشعب السوري فكرة تنحي الأسد، رداً على سياسة إفراط النظام في العنف. وبرز تشبث حلفاء النظام الإقليميين والدوليين، في طهران وموسكو، بشعار الدفاع عن وجود الأسد في أي صيغة تسوية سياسية، ورفض أي نقاش عنه. وكانت عقدة الأسد قد برزت بشكل قوي، أيضاً، منذ بدء المداولات الدولية لإصدار قرار مجلس الأمن الذي سمي، لاحقاً، بيان جنيف1، والذي أقرت فيه تسوية تقوم على تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، من دون أي إشارة إلى دور الأسد، سلباً أو إيجاباً. والواقع أن مسودة مشروع القرار كانت تتضمن جملة تنحي الأسد، وهذا ينسجم مع فكرة هيئة الحكم التنفيذية كاملة الصلاحيات. ولكن، تم التوافق على حذفها، والإبقاء على الغموض في موضوع دور الأسد، لضمان تصويت موسكو على القرار الأممي.
وإذا كان هناك من يتحدث، اليوم، عن بارقة أمل في الحل السياسي، بعد خمس سنوات من الأزمة، كما عبر عن ذلك الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في آخر خطبه، فذلك لأن الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها، في الأشهر الأخيرة، قوى ودول معنية عديدة، خصوصاً المملكة العربية السعودية، توحي بأن موسكو أصبحت تبدي مرونة أكثر في هذه المسألة، ولا ترد على من يطرحها من الأطراف الأخرى بالأسلوب نفسه من النزق والغضب الذي كانت ترد به على محدّثيها من قبل.
يبدو مستقبل الحل السياسي، إذن، مرتبطاً في سورية، بعد خمس سنوات من أزمة كارثية، بتقرير مصير شخص، هو بالأساس إشكالي، حتى داخل أسرته ونظامه، لم يحظ، يوماً، باحترام أقرانه، واتهمه رؤساء دول عديدون بالكذب والمراوغة، ولم يبد، خلال خمسة عشر عاماً من حكمه، أي نضج أو حنكة سياسية، ولا تميّز بأي شعور بالمسؤولية، ولم يكفّ عن محاولة إصلاح الخطأ بخطأ أعظم منه، حتى وصلت سورية إلى الحالة المأساوية التي تعيشها اليوم، والتي لم يسبق لها مثيل في الصراعات السياسية في العصر الحديث. 

كيف حدث هذا؟ وكيف قبل العالم أن يعلق مصير شعب من 23 مليون نسمة بمصير شخص يعترف الجميع، بما فيه أنصاره، أنه ارتكب من الأخطاء القاتلة والانتهاكات الخطيرة والجرائم اللاإنسانية ما لا يمكن إحصاؤها، بحق طائفته وشعبه والشعوب العربية المجاورة، وكيف ترك هذا العالم طاغيةً دموياً مغرقاً في النرجسية والانفصال عن الواقع، يستمر في تدمير بلد كبير ونشر الموت والخراب في مجتمع آمن، وخلق أكبر كارثة إنسانية في القرن، وتهديد الأمن والسلام العالميين، من دون أن يحرك ساكناً، أو يقوم بأي رد فعل جدي؟
وكيف استسلم العالم أمام مثل هذه المعادلة التي تركت نظاماً موغلاً في الاستبداد والعنف، يستمر في تدمير بلد عريق في الحضارة والمدنية، وفي نشر الموت والخراب في مجتمع آمن، ودفع ملايين السوريين إلى مخيمات اللجوء، لإحداث أكبر كارثة إنسانية في القرن، وتهديد الأمن والسلام العالميين، من دون أن يحرك ساكناً؟

مصير شخص ومصير شعب
من الصعب تفسير الحرص الذي أظهرته أطراف دولية، ولا تزال، على التمسك بشخص على قمة نظام ارتكب من الانتهاكات ما ملأ آلاف الصفحات في تقارير المنظمات الإنسانية والحقوقية، حوّل سورية إلى معتقل كبير، وجرد أبناءها من حقوقهم المدنية والسياسية، وجعلهم فريسة أجهزته الأمنية خارج أي حماية قانونية أو سياسية، وهو لا يزال يقتل، يومياً، مئات من السوريين منذ أربع سنوات من دون انقطاع، ويقصف، عشوائياً، المدن والقرى السورية بالبراميل المتفجرة والصواريخ والمدفعية، ويدفع إلى طرق الهجرة والتشرد بملايين الأفراد الأبرياء من أجل القضاء على حاضنة الثورة الاجتماعية. ومن المستغرب أن يحظى مثل هذا الشخص بالتعاطف والمداراة التي سمحت له بالاستمرار في أعماله المخالفة أي عرف أو قانون، والتهرب من أي محاسبة أو عقاب.
هذا الشخص هو أول من استخدم سلاح الإرهاب وسيلة لترويع الخصوم والمختلفين معه وفرض سيطرته في الداخل والخارج، ودفع واشنطن إلى تسجيل سورية على قائمة الدول المدعمة للإرهاب حتى وقت قريب. وهو الذي صنع منظمات إرهاب عديدة، واستخدمها ضد دول الجوار، وكان أبرزها إرسال المقاتلين الجهاديين إلى العراق، لزعزعة استقرار السلطة الجديدة في العقد الماضي، وخطط مع حزب الله لعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق، رفيق الحريري، وشخصيات سياسية وإعلامية وفكرية لبنانية عديدة، وصنع السلاح الكيمياوي خارقاً المعاهدات الدولية لحظر الأسلحة الكيمياوية، واستخدم هذا السلاح ضد المحتجين المدنيين من شعبه. وكانت هذه أول مرة يستخدم فيها سلاح كيمياوي على نطاق واسع في صراعات سياسية، ومارس القتل الجماعي، كما في معسكرات الاعتقال النازية، ما أثبته بالدليل القاطع مصور الجيش المنشق المعروف باسم القيصر، والذي عرض صور آلاف المعتقلين الأبرياء الذين قضوا تحت التعذيب والتجويع والتمثيل بجثامينهم، ويحتفظ، حتى الآن، بمئات الألوف منهم تحت التعذيب في أقبية سجونه؟ 


ذرائع واهية وأوهام
يعزو الموالون للأسد تمسكهم به رئيساً أبدياً إلى خوفهم من الأعمال الانتقامية والمجازر التي يمكن أن يتعرض لها العلويون والأقليات عموماً، كما سوقت ذلك أجهزة الأسد وطهران السياسية والإعلامية والمخابراتية، وضرورة الوقوف صفاً واحداً وراء "الرئيس" وسلطته الشرعية، في مواجهة التنظيمات الإسلامية التكفيرية. وهذا ما يشرحه بالتفصيل علي عباس، في مقالة طويلة، عنوانها معبر "لماذا نحن (العلويون) مع بشار الأسد"؟ كتبها في نوفمبر/ تشرين أول 2011.
أما طهران فتبرر تمسكها بالأسد بذريعة الدفاع عن حليف رئيسي في محور الممانعة ضد إسرائيل، وتعتبر خروجه من الحكم تهديداً لهذا المحور، وبالتالي، لقضية العرب والمسلمين الأولى في مواجهة الصهيونية والإمبريالية. بينما تعتقد موسكو أن بقاء الرئيس "الشرعي" واستمراره في لعب دور رئيسي، في أي مرحلة انتقالية، يشكل ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة وتجنيبها الانهيار. وقد بدأت هذه الفكرة تجذب عواصم أخرى، أخيراً، لاعتقادها أن البديل المنظور للنظام القائم الذي تراجعت قوته كثيراً، يمكن أن يكون، على الأغلب، سيطرة التنظيمات الجهادية أو المتشددة، مثل القاعدة وتنظيم الدولة. وهي ترى أن وجود الأسد يمكن أن يشكل حاجزاً أمام الانهيار المفاجئ للجيش والدولة والنظام.
وأكثر فأكثر، تنزع الدبلوماسية الدولية إلى النظر إلى وجود الأسد ضامناً ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإلى دعم هذه المؤسسات وعدم التفريط فيها، في انتظار التسوية السياسية خياراً وحيداً مقبولاً في مواجهة مخاطر تمدد تنظيم الدولة والقاعدة والحركات الجهادية، وتفاقم خطر انتشار الفوضى وعدم الاستقرار.
والواقع ليس للدور الذي لعبه الأسد، في السنوات الخمس الماضية، والذي يريده بعضهم أن يستمر في لعبه في المرحلة الانتقالية، أي علاقة بقوة الأسد ولا بحماية الأقليات أو منع تفكك الدولة والمؤسسات، ولا من باب أولى بالحفاظ على سياسة الممانعة ومحورها. بالعكس، كانت أساليبه الإجرامية في التعامل مع السوريين السبب الأكبر في انقلاب الأوضاع وانفلاتها، وتفكك أجهزة الدولة، وتعرية البلاد أمام أعدائها وخصومها، وفي انتشار الفوضى والحرب الأهلية والإرهاب.
بالعكس، استمراره في الحكم وفي خطبه الاستفزازية التي قرر فيها، أن من يدافع عن سورية من المليشيات الطائفية هو صاحب الحق فيها، لا سكانها ومواطنوها، هو أكبر محرّض على استمرار العنف وتعميق مشاعر الكراهية والانتقام، والدفع نحو مذابح طائفية محتملة، وهو، بالقدر نفسه، أقوى دافع لإفراغ فكرة الدولة من مضمونها، وتعزيز نشوء الإمارات الموازية وتفكيك مؤسسات الدولة وتدميرها. ويشكل وجوده في السلطة، كما ذكر سياسيون دوليون كثيرون، يجعل منه قطباً مغناطيسياً جاذباً للتطرف والإرهاب من كل مكان. 


تقاطع المصالح الدولية
لا يرتبط التمسك بالأسد ودوره في أي تسوية قادمة، لا بالحيلولة دون حصول المذابح الجماعية التي أصبحت برنامجه اليومي، في المدن والقرى المعرضة للقصف الدائم بالصواريخ الفراغية والبراميل، ولا بالخوف من انهيار النظام وانتشار الفوضى وسيطرة التنظيمات المتطرفة، أو بضرورة احترام الشرعية والقانون الدولي، ولا بالحفاظ على مؤسسات الدولة والحاجة إليه، وإلى قواته، لمواجهة التنظيمات الإرهابية، كما يشير بعضهم.
ما يفسر بقاء الأسد، حتى الآن، تقاطع مصالح متعددة، أو بالأحرى غياب مصالح مشتركة لدى الأطراف الدولية، للانخراط جدياً في العمل على وقف الحرب، ووضع حد لتطبيق برنامج القتل اليومي والتطهير العرقي، ومواجهة الأطراف التي تجد، في الحفاظ على نظام الإقصاء واحتكار السلطة والانفراد بالقرار، مصلحة استراتيجية ترفض النقاش فيها. ومن هذه الأطراف، العائلة الحاكمة وطبقة المحاسيب الملتفة حولها، وبعض الدول التي جعلت من سورية ورقة ضغط في حساباتها الاستراتيجية، أو جزءاً من مشروع هيمنتها الإقليمية، وفي مقدمتها طهران الخامنئية التي أعلن مسؤولوها، مرات، أن سورية أهم بالنسبة لهم من أي محافظة إيرانية أخرى، وأن طهران ليست متمسكة بنظام الأسد فحسب، وإنما هي مستعدة للقتال عنه.
ما تهدف إليه طهران من التشبث بالأسد ليس الحفاظ على محور الممانعة، كما تدعي، والسوريون هم أولى به، وإنما الحفاظ على بنية النظام القائم على احتكار السلطة والاستفراد بالقرار والإقصاء الدائم لأغلبية الشعب، للاحتفاظ بهامش مناورة كامل في ما يتعلق بتقرير مصير البلاد والتصرف بأرضها ومواردها وحقوق شعبها ومصالحه. فبوجود مثل هذا النظام وحده تستطيع طهران أن تؤمّن لنفسها الغطاء الشرعي والقانوني، لتمرير مشروعها الطائفي الاستراتيجي، القائم على العمل على تغيير البنية السكانية والمذهبية لبعض المناطق السورية في إطار تغيير التوازنات السياسية الداخلية، والجيوسياسية الإقليمية، وتشكيل الهلال الشيعي، الممتد من قم إلى بيروت، وتعزيز وضع حزب الله، الذي يمثل القاعدة العسكرية والسياسية والأيديولوجية الرئيسية لطهران في المشرق، بأحزاب "إلهية" جديدة. وقد استغلت طهران مناسبة الأزمة التي أعقبت ثورة آذار (مارس)، 2011، إن لم تختلقها، من أجل التخلص من الدولة الوطنية لصالح دولة المحاصصة بين أمراء المليشيات، وتسهيل اختراق المجتمعات والسيطرة المديدة عليها.
ومن دون الإبقاء على نظام احتكار السلطة الذي يمثله الأسد، ولم يعد من الممكن استمراره من دونه، لن يكون في وسع طهران أن تستمر في خطتها هذه، وأن تمرّر قراراتها وتستكمل مشروعها المذهبي والجيوسياسي الإقليمي. وهذا هو نموذج السيطرة الذي طبقته من قبل في عراق ما بعد صدام، حيث حالت دون إعادة بناء الدولة الوطنية، واستبدلتها بحكم ائتلاف المليشيات الطائفية والمذهبية التابعة لها، وشجعت النخبة السياسية الجديدة على الاستئثار بالحكم على أساس طائفي، وعارضت بقوة، ولا تزال، مشاركة السنة في القرار السياسي، ولا تزال تراهن على تعبئة الصراعات المذهبية وتأجيجها، لتبقي على سيطرتها في العراق، وللتمدد نحو بلدان المنطقة الأخرى.
باختصار، بمقدار ما يشكل ترحيل الأسد بالنسبة للمعارضة الإشارة لانطلاق قطار الإصلاح والدخول في المرحلة الانتقالية التي تأمل أن تقود إلى دولة العدالة والحق والحرية والقانون، يشكل بقاؤه صمام الأمان بالنسبة لمصالح إيران في إطار استراتيجية التوسع والهيمنة الإقليمية.
في هذه الحالة، كيف يمكن التوصل إلى حل سياسي؟ وما هي الطريقة لإيجاد مصالح مشتركة لدى الأطراف غير المعنية ببقاء الأسد، تدفعها إلى الضغط على طهران والدول الحليفة لها، لوضع حد لنزيف الدم والحرب المدمرة؟
كان من الممكن للحرب ضد الإرهاب أن تكون محور هذه المصالح المشتركة بالفعل، لتشكيل فريق من الدول يضغط على طهران، ويجبرها على الحد من أطماعها، والتراجع عن سياسات التأجيج الطائفي، وزعزعة الاستقرار الإقليمي. لكن، ما حصل عكس ذلك تماماً، فقد طرحت واشنطن طهران على أنها الشريك الرئيسي الإقليمي في الحرب ضد الإرهاب، ليس في العراق فحسب، وإنما في سورية أيضاً، عن طريق دعم حلفائها. وها هي، الآن، تعزز من ضغوطها في سورية، لتأكيد دورها، وما تعتبر أنه مصالحها الاستراتيجية المستقبلية، من دون أن يطالبها أحد من الدول الكبرى، أو الصديقة، بسحب مليشياتها، أو وضع حد لهجومها المستمر على مواقع المعارضة، بالتعاون مع براميل الأسد التفجيرية.
حتى نتقدم نحو الحل السياسي، ينبغي على أحد الأطراف أن يتراجع، المجتمع الدولي الباحث عن تسوية، أو طهران المتشبثة بابتلاع سورية. وفي نظري، لن تتراجع طهران عن حلمها بالإبقاء على الأسد، وتأكيد استتباعه ونظامه، لا بوساطة روسية، ولا بضغوط دولية عادية، خبرتها واعتادت عليها. لن يجبر طهران على العودة إلى ميزان العقل في سورية سوى هزيمة مليشياتها العاملة، وفي مقدمتها مليشيا حزب الله، أو موقف حاسم وجدّي من الأمم المتحدة والدول الرئيسية، وقرار ملزم من مجلس الأمن يجبرها على احترام سيادة السوريين، وإخراج مليشياتها من سورية. وهذا يستدعي، منذ الآن، التعاون بين المعارضة السورية والدول الكبرى والأمم المتحدة على تشكيل البديل المقنع والمقبول، ليس لنظام الأسد الديكتاتوري والطائفي فحسب، وإنما لمنظومة العلاقات الإقليمية التي أصبحت سورية أحد أركانها الرئيسية.
ليست عقدة الأسد، في النهاية، إلا تغول طهران وتمردها على الشرعية الدولية، من دون أن تجد رادعاً لها. هذه هي المشكلة، وهي العقدة الحقيقية.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/8/19/%D8%B9%D9%82%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9#sthash.BegQiaSe.dpuf

mardi, août 18, 2015

مسؤوليتنا ومسؤولية الآخرين



المجتمع الدولي ومنظماته ورقة صفراء من أوراق الخريفهناك مسؤولية كبيرة تقع على المجتمع الدولي الممثل بالأمم المتحدة في ترك الامور تصل إلى الكارثة في سورية لأنه رفض تطبيق ميثاق الامم المتحدة بحماية المدنيين وتخلى عن واجبه في التدخل الانسانيلكن مسؤولية كبيرة تقع أيضا على أصدقاء سورية أو من سموا أنفسهم كذلك بسبب أخطائهم الاستراتيجية والتكتيكية الكثيرة، أولها الاعتقاد بصدق نوايا الأمريكيين والغربيين عموما وقدرتهم على ردع الهمجية الأسدية والايرانيةوآخرها الرهان على الروس وصرف المال والجهد والوقت على تغيير موقف روسيا من دون طائل الروس لن يساعدو على تغيير النظامهم يدعمونهولن يخونوا حلفاءهم الإيرانيينمن يمكن ان يقنع الإيرانيين بالرحيل هو سحق ميليشياتهم الطائفية كما يحصل في اليمنوهذا ليس بالمستحيل. شرطه التحرر من وهم الرهان على نجاعة تدخل الآخرين أو دورهم وضغطهم الموهوماما المسؤولية الأكبر فتقع علينا نحن أنفسنا الذين تخلينا عن ثقتنا بنفسنا وأهدرنا طاقاتنا واستسلمنا لوعود الآخرينأضعنا هويتنا وضعنا وأصبحنا أدوات في يد المتنازعين على اقتسام جثتنا وأشلائنا

jeudi, août 06, 2015

حاجة سورية إلى مبادرة دولية حقيقية

بعد تقديم كوفي عنان، المبعوث الأول للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، استقالته منذ حوالي ثلاث سنوات، استقر الرأي على أن السبب الرئيسي في فشل مهمته افتقار بيان جنيف الذي نال موافقة روسيا والولايات المتحدة إلى آلية للتطبيق، فاستصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 262/67، بتاريخ 15 مايو/أيار عام 2013، ينص، في الفقرة 28، على تشكيل هيئة حكم تنفيذية كاملة الصلاحيات، تشارك فيها جميع الأطراف، وتتعاون في إطارها لإنجاز ما عجزت مفاوضات كوفي عنان عن إنجازه بسبب انعدام الثقة أو الإرادة. وفي الوقت نفسه، ضمان الانتقال السياسي الآمن مع الاحتفاظ بمؤسسات الدولة، وتعزيز دورها في سورية الجديدة. وقد رحبت المعارضة بالقرار، أولاً، لإدراكها استحالة الحسم العسكري مع تنامي الدعم الدولي لحكومة الأسد. وثانياً، لفداحة الخسائر السورية وحتمية التعاون بين جميع السوريين، من أجل مواجهة المشكلات والتحديات الناجمة عن طول أمد الحرب، والطابع التدميري والانتقامي الذي اتخذته، وما نجم عن ذلك من تدهور هائل وسريع في شروط حياة السوريين وانهيار الاقتصاد، وزيادة عدد اليتامى والمعتقلين والمعوقين والمشردين والجائعين، وانقسام الشعب وتنامي الأحقاد والمآسي الإنسانية. وأخيراً، لمواجهة تطور الإرهاب الداعشي الذي أصبح يسيطر على نصف مساحة البلاد، من دون الحديث عن مسألة إعادة الإعمار وتطبيق العدالة الانتقالية لقطع الطريق على سياسات الانتقام الفردي والشخصي، وترسيخ روح القانون. وبدت فكرة هذه الهيئة، في وقتها، إبداعية، لأنها تربط الانتقال نحو النظام الديمقراطي بتشكيل ما يشبه حكومة وحدة وطنية، تجمع بين طرفي النزاع، وتضمن الخروج بحل متوازن يحفظ المصالح الحيوية لجميع الأطراف، ويطمئنها، ويحظى بتأييدها. 
وعلى هذا الأساس، عيّن الأخضر الإبراهمي مبعوثاً جديداً بمهمة أساسية، هي تشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي ترتكز عليها العملية السياسية برمتها، بيد أن السبب الذي أفشل محادثات جنيف1، واضطر كوفي عنان لتقديم استقالته، هو نفسه الذي أفشل محادثات جنيف2، ودفع الأخضر الإبراهيمي إلى تقديم استقالة مماثلة، محملاً حكومة الأسد المسؤولية الرئيسية. وكانت الجولات الثلاث لمفاوضات جنيف2 قد أظهرت بالفعل رفض وفد النظام القاطع للانخراط في أي عملية مفاوضات، حتى بعد أن تفاهم المبعوث الدولي مع المعارضة على تعديل جدول الأعمال، وأقر البدء بنقاش مسألة الإرهاب، قبل الانتقال، في اليوم التالي، إلى نقاش تشكيل الهيئة الانتقالية. 

كان من المنتظر من المبعوث الجديد، ستيفان دي ميستورا، الذي جاء بعد فشل مبعوثين سابقين، وكلاهما دبلوماسيان من الطراز الرفيع، أن يستفيد من الدرس، ويبدأ من حيث انتهيا، أي بتذليل العقبة الرئيسية التي عطلت مفاوضات الحل السياسي السوري، وهي، من دون أي تردد، رفض نظام الأسد الحديث في أي تغيير، وإصراره على كسب الوقت، مدعوماً بحلفائه الإقليميين والدوليين، للوصول إلى الحسم العسكري، وسحق الثورة والمعارضة. ولم يكن أمام دي ميستورا إلا طريقين لتجنب مصير سابقيه: إقناع طهران أو موسكو الكافلتين لحرب الأسد، بالتعاون الجدي لإكراه الأسد على التفاوض، وهو ما لم يحصل، أو تكريس الوقت والاستفادة من المشاورات الموسعة مع الأطراف السورية وغير السورية، لبناء تصور أفضل عن طبيعة هذه الهيئة ومهامها، وتقديم اقتراح للأمين العام بآلية تشكيلها، قبل عرضه على مجلس الأمن ووضع جميع الدول أمام مسؤولياتها في مواجهة تفاقم الأزمة الإنسانية، واتخاذ الحرب شكل التدمير المنهجي، والطرد المنظم للسكان، وأشكالاً مختلفة من التطهير الديني والعرقي والمذهبي.
لكن دي ميستورا، على الرغم مما أبداه من نيات حسنة، في القسم الأخير من مشاوراته وبعثته، لم يختر أياً من هذين الطريقين، وقرر أن يعيد الكرة إلى ملعب السوريين أنفسهم، ويطلب منهم التفاهم على تفسير بيان جنيف، قبل البدء في أي مفاوضات رسمية، وبدا وكأنه يعتقد، بالفعل، أن جرّ حسن عبد العظيم وخالد خوجة ولؤي حسين، وغيرهم من شخصيات مدنية، إلى جانب بعض عناصر المخابرات وشبيحة نظام الأسد، على طاولة واحدة، كاف لفتح ثغرة في الاستعصاء القائم، وتعبيد الطريق نحو مفاوضات جدية، تنهي حرب الأعوام الخمسة. هذا في الوقت الذي لم يعد يخفى فيه على أحد أن السوريين فقدوا السيطرة على قرارهم والتحكم بمصيرهم، وأصبحوا، في أفضل التقديرات، شركاء في حروب بالوكالة، تتبارى فيها القوى الإقليمية والدولية في استخدام العنف والشناعة والتدمير. وأصبح من الواضح لكل متابع أن من يطلب من السوريين أن يتوصلوا إلى تفاهم واتفاق في ظروف تجاذبات القوى الإقليمية واستثماراتها الهائلة في الحرب السورية كمن يطلب من غرقى في بحر متلاطم الأمواج أن يتقاربوا ويتعانقوا. ولو أيد مجلس الأمن هذه الخطة الجديدة وتبناها، لما كان لذلك سوى معنى واحد، هو تأكيد إصرار المجتمع الدولي على التهرب من مسؤولياته، وترك السوريين ينشوون بنار حقد الآخرين وحروبهم، بعد أن دمر بلادهم حقد حكامهم.
لا يعني ذلك أنه لا فائدة، أو ليس هناك ضرورة، لحوار السوريين حول جميع الموضوعات المطروحة، وإنما يعني أن مثل هذا الحوار لن يكون ممكناً، ولن ينتج أي حل، وستبقى سورية تتخبط في دمائها أكثر، فريسة سائغة للحروب الإقليمية التي تجري على أرضها، وبمباركة الأمم المتحدة وتأييدها، ما لم يقم المجتمع الدولي بواجباته، ويضع حدّاً لحروب الوكالة، أو يتدخل لتحرير السوريين منها.
لا يكفي أن تواسي الأمم المتحدة السوريين بإرسال مبعوث خاص، يشهد على انقسامهم، ويحذرهم من غرقهم. المطلوب من الأمم المتحدة أن تدفع للسوريين الغرقى، أو الذين هم على وشك الغرق، قاربَ نجاة قادر على إنقاذهم، ومسؤولية المبعوث الدولي تقديم تصور لصناعة هذا القارب القادر على التقاطهم وجمعهم بالذات.
تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار. وإلا لن يكون نصيب السوريين من مقترحات دي ميستورا لإخراجهم من المحنة أفضل من نصيب ضيف جحا الذي جلس، ليلة كاملة، ينتظر طهو طعام وضعه مضيفه في قدر علق في السقف، وتحته على الأرض شمعة تكاد تلفظ أنفاسها.
ليس المبعوث الدولي وحده المسؤول عن غياب روح المبادرة والعمل الجدي في موضوع الحرب السورية، فهناك قوى إقليمية وداخلية عديدة تريد ذلك، لأنها تعتقد أن من مصلحتها ترك الأمور لمزيد من الاقتتال والفوضى. كما أن المبعوث الدولي يقع، مثل أوساط دبلوماسية دولية كثيرة، بما فيهم من يدّعي الصداقة للشعب السوري، ضحية ميل جارف لجعل الحرب ضد الإرهاب المحور الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للسياسة الإقليمية، والسعي إلى دفع جميع القوى المتنازعة للاتحاد من حولها، وفرض هذا الاتحاد ضد الإرهاب أجندة وحيدة للسياسة الدولية والإقليمية والوطنية، بديلاً لجميع الأجندات الأخرى، وفي مقدمها الأجندة الديمقراطية التي كانت المحرك العميق لثورات الربيع العربي، وما تعنيه من إرادة الخلاص من النظم الاستبدادية، وكل ما ارتبط بها من ظلم واضطهاد واغتيال لحريات الأفراد وكرامتهم وسيادة الشعوب، والانتقال نحو نظم تعددية ومدنية تخضع لإرادة الأفراد، وترد على حاجاتهم وتطلعاتهم. وهذا هو موطن التوافق والإجماع بين السياستين، الأميركية والروسية، في الشرق الأوسط، وفي سورية خصوصاً، والكثير من حلفائهما أيضاً. وربما لا تبتعد رؤية نظم عربية عديدة عن هذه الرؤية، ورغبتهم في الانسياق وراءها، خصوصاً وأن لمعظمها مصلحة في أن تتجنب الحديث عن انتقال سياسي، أو إصلاح. ولا يخرج تقرير دي ميستورا عن ذلك. 

لكن، مهما كان الحال، إن رمي الكرة في ملعب السوريين من جديد، بعد تهميشهم، وإبعادهم عن أي مركز قرار يتعلق بمصيرهم، والتذرع بالحرب على الإرهاب الداعشي، لصرف النظر عن إرهاب الدولة الأسدي، والتستر عليه، بدل التصدي للعقدة الحقيقية التي تحول دون التقدم في طريق الحل، هو برهان إضافي على تخلي المجتمع الدولي، وفي مقدمه الأمم المتحدة، عن مسؤولياته، وتركه الشعب السوري ضحية أطماع الدول وصراعاتها التي دمرت أسس وجوده ووحدته.
لا ينبغي، ولم يعد من المسموح للأمم المتحدة وللدول الكبرى أن تغطي الشمس بغربال. من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها، كما نصت قرارات الأمم المتحدة، وقبلت المعارضة برمتها، لوضع أسس الحكم الديمقراطي والتعددي الجديد، الذي لن تقوم لسورية قائمة، بعد الآن، من دونه. وهو، بالدرجة الثانية، طهران التي تريد فرض وصايتها على دمشق، وتحلم بتحويل سورية إلى درة العقد في إمبرطورية تحلم بإنشائها في الشرق الأوسط منذ عقود، كي ما تتحول إلى قوة دولية، تنافس القوى الكبرى في الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، وتطمح إلى أن تضع نفسها بين كبار الكبار. وهو، بالدرجة الثالثة، تل أبيب التي طالما حلمت بمحو سورية من الخريطة الشرق أوسطية، حتى تضمن دفن ملف القضية الفلسطينية نهائياً، وضم ما تستطيع من أراض عربية وإلحاقها بها.
وما لم تجمع الأمم المتحدة وأصدقاء الشعب السوري المفترضون شجاعتهم، أو ما تبقى لديهم منها، ويعلنوا موقفاً واضحاً مما يجري، ويعملوا على إعادة فرض احترام سيادة الدول، وإرادة الشعوب، فسنخسر سورية والحرب ضد الإرهاب معاً، ولن يبقى لوجود الأمم المتحدة أي صدقية، أو مشروعية.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/8/5/%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9#sthash.djIAGLS4.dpuf

vendredi, juillet 24, 2015

مصير العرب أمام تخلي واشنطن وتغول طهران

حققت الدول الغربية، بالتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا، في 14 يوليو/تموز 2015، إنجازاً استراتيجياً مهماً، من وجهة نظر مصالحها، قدمت موسكو نصيبها من المساهمة فيه، على سبيل المقايضة، لقاء مكاسب مقبلة، يمكن للغرب أن يضمنها لروسيا، في مواقع أخرى، وربما في الشرق الاوسط. وبعكس ما تقوله الدبلوماسية الغربية، لا يتمثل هذا الإنجاز في تأجيل البرنامج النووي العسكري لإيران، وإنما في إنهاء أكثر من ثلاثة عقود من العداء والحرب الباردة الإيرانية الغربية، وتجنب التورط في حرب مباشرة معها. 
في المقابل، حققت طهران، أيضا، بإنهائها حالة العداء هذه، وتصالحها المرتقب مع الغرب، مكاسب رئيسية لا يستهان بها، أهمها الاعتراف بايران قوة إقليمية كبرى، وبالتالي، الاعتراف بمصالحها الإقليمية وحتمية التفاوض معها حولها، ومن ضمنها وجود مليشياتها ودورها في الإقليم. وثاني هذه المكاسب إلغاء العقوبات وفك الحصار الدولي المضروب من حولها منذ عقود، بما يعنيه ذلك من القبول بالنظام الايراني القائم كما هو، وتعزيز وجوده وإضفاء الشرعية التي حرم منها زمناً طويلاً، بسبب طابعه الديني وسياساته التوسعية واعتماده الإرهاب، بكل أشكاله، استراتيجية دولية وإقليمية لفرض مصالحه وتوسيع دائرة نفوذه. ومنها ثالثاً، تحويل طهران من طرف منبوذ وخارج على القانون الدولي إلى طرف رئيسي في أية مفاوضات إقليمية مقبلة، وشريك مقبول ومطلوب في حل النزاعات الإقليمية التي ساهمت هي نفسها في تفجيرها. وبالتالي، الاعتراف لطهران بدور رئيسي في إعادة الأمن والسلام والاستقرار إلى المنطقة، وبحضور قوي ودائم في كل مشاوراتها. ولا أعتقد أن الرأي العام الغربي، أو الإيراني، سوف يعارض، في غالبيته الساحقة، إذا وضعنا جانبا استخدامه في استراتيجية الصراع على السلطة بين النخب الحاكمة هنا وهناك، هذا الإنجاز. 


من سيدفع ثمن المصالحة الغربية الإيرانية؟
السؤال الرئيسي الذي يطرح علينا، نحن الذين نعيش في المنطقة التي تطمع فيها إيران، والخاضعة أيضا لهيمنة الغرب: ما مصير النزاعات التي تفاقمت داخل الإقليم المشرقي، على هامش هذا النزاع الأول؟ وهل سيساهم حل الخلاف الغربي الايراني في إخراج المنطقة من حالة الصراع والفوضى المعممة التي تغذت من هذا النزاع؟ أم أن المنطقة هي التي ستدفع ثمن هذه المصالحة في المستقبل، كما دفعت فاتورة المفاوضات من دم أبنائها في سورية والعراق واليمن، وغيرها من البلدان التي حاولت طهران، من خلال زعزعة استقرارها، إظهار قوتها، والضغط على المفاوض الغربي؟
على الرغم من المؤشرات العديدة التي تدفع إلى الاعتقاد بأن ما سيحصل بعد الاتفاق لن يختلف عما حصل من أجل إنجازه، إلا أن الجواب ليس حاضراً ولا سهلا. ولا أقصد أن من الممكن لواشنطن، بعد أن ضمنت مصالحها الرئيسية في إنهاء النزاع مع إيران، أن تبدل من سياسة مسايرة النزوعات التوسعية لطهران، في المشرق العربي، حفظاً لتوازنات المنطقة الأساسية، أو تطمينا لحلفائها الآخرين، في الخليج. فسياسة الدول وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر قائمة على تقدير قوة بعضها البعض ونفوذها، ومن الممكن لواشنطن أن تعتبر نفوذ إيران ضمانة لحد أدنى من الاستقرار في المنطقة، وأن تراهن حتى على تعاونها وقدرتها على تعبئة "الحشود الشعبية"، من أجل مواجهة داعش والمنظمات المتطرفة، وهي مصلحة رئيسية أيضا للغرب، بعد تأجيل قنبلة إيران النووية. وفي هذه الحالة، سوف تطلب واشنطن من العرب، أيضاً، مهلة أخرى، لغض النظر عن سياسات طهران التوسعية والتخريبية، وربما، أكثر من ذلك، دعم إيران في مجهودها ضد داعش، والتعاون معها باعتبارها الدولة الأقدر على توفير المليشيات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.
ولا أقصد من ذلك، أيضاً، احتمال أن يغير الموقف الإسرائيلي المناوئ لأي اتفاق بين الغرب وطهران، من إصرار واشنطن، فليس من الصعب على تل أبيب أن تتعايش، اليوم، مع الاتفاق كما تعايشت من قبل مع احتمال صنع القنبلة النووية الإيرانية في الفترة السابقة، من دون أن تخفف من استعدادها للتدخل العسكري عند الضرورة، مستندة على العرف الدولي الذي تطور إزاءها على أنها دولة فوق أي قانون. بل أعتقد أن القادة الإيرانيين الذين بنوا سمعتهم الثورية على مناوأة إسرائيل، كما بنوها من قبل على مناوأة الشيطان الأكبر، قادرون، وبسرعة أكبر مما يتصور الإيديولوجيون في معسكرنا، على قلب الأوراق، وعقد تفاهم سري، وحتى شبه علني مع إسرائيل، إذا تيقنوا من أن سياستهم الإقليمية لن تلقى أية مواجهة جدية من العرب، وأن في وسعهم تقاسم النفوذ في المنطقة مع تل أبيب، والاحتفاظ، نتيجة ذلك، بمشروعهم الامبراطوري. ولن ترفض إسرائيل أن تعترف لطهران، بضم ما تسميه الهلال الشيعي في مقابل أن تضم هي ما تبقى من جنوب سورية، وتطلق يدها في بقية المناطق. وهذا هو معنى مطالبة بعض المسؤولين الإسرائيليين الدول الاعتراف بضم الجولان السوري، بذريعة أن الدولة السورية لم يعد لها وجود.
ما قصدته أن جزءاً مهما من الجواب يتوقف علينا، أو على ما سنفعله نحن العرب، وأخص بالذكر دول المشرق العربي، ومنها دول الخليج التي تجد نفسها اليوم في خط الدفاع الأول، بعد سقوط سورية والعراق تحت النفوذ الإيراني. فإذا اقتصرنا، في نظرنا، كما كنا نفعل ولا نزال دائماً، على بناء حساباتنا على تحليل منطق المصالح الدولية، سواء ما تعلق منها بمصالح الولايات المتحدة والغرب عموما وإسرائيل، بل وبعض الحكومات العربية الأخرى، بدل التفكير في ما ينبغي علينا نحن أن نفعله إزاء التطورات الإقليمية، وما نستطيع فعله، فلن نجد هناك أية بارقة أمل في أن نرى الأمور تتقدم بشكل يضمن الحد الأدنى من مصالحنا. حتى نعرف في ما إذا كان في وسعنا الوقوف في وجه تفاهم أميركي إيراني يحصل على حسابنا، ينبغي أن نقرر، أولاً، نحن أنفسنا، ماذا نريد وماذا يتوجب علينا فعله للتأثير بأقصى ما نستطيع على رسم مصير المنطقة. وهذا يعني أن ما سيحدد فيما إذا كان التفاهم سيتم على حسابنا أم لا ليس ما تريده الأطراف الأخرى وحدها. ولكن، ماذا نريد نحن، وماذا نستطيع أن نفعل.
فإذا فقدنا الإرادة في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا، أو راهنا فقط على تناقضات المصالح الأجنبية (مثلا إسرائيل وإيران، تركيا وإيران)، أو اعتمدنا على الحماية التي من المفروض أن توفرها الأمم المتحدة، وما يسمى بالمواثيق والقوانين الدولية، بعد أن فقدنا الحماية الأميركية الحقيقية، فسيكون الجواب حتما، أننا، كما دفعنا ثمن التوقيع على الاتفاق النووي من دم أبنائنا في سورية، وقبل العالم كله، بما في ذلك الأمم المتحدة، أن يصرف النظر عن جرائم الإبادة الجماعية، واستخدام الأسلحة الكيماوية، حتى لا يتعكر جو المفاوضات الدولية مع طهران، سوف ندفع ثمن تطبيق الاتفاق، وما يهدف إليه من مصالحة إيرانية غربية، وأكثر من ذلك احتمال مصالحة روسية غربية أيضا. ولا علاقة لذلك بأية مؤامرة خفية، أو تفاهمات مسبقة بين واشنطن وطهران، أو بأية حظوة لمذهب، أو دين على حساب مذهب أو دين آخر. الدول وحوش كاسرة، لا تتردد في أكل بعضها بعضاً، إن وجدت لذلك سبيلا، وليست هناك رحمة في صراع الشعوب والدول، عندما يغيب القانون. وقد أظهرت الأحداث الكارثية للسنوات الخمس الماضية أنه لا توجد روادع قانونية لأي عدوان، عندما تتلاقى المصالح بين الدول والجماعات، حتى داخل القبيلة نفسها. وشاعرنا زهير هو من قال:
وَمَنْ لَـمْ يَـذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ/ يُـهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ الـنَّاسَ  يُظْلَمِ

هل من مشروع لتوحيد الشباب العربي؟
حتى لا نكون كبش الفداء للمصالحة الغربية الإيرانية المنتظرة منذ سنوات، ليس هناك سوى حل واحد، هو أن نكون موجودين. يعني أن نكون موجودين بذاتنا لا بغيرنا، وأن نكون بذاتنا يعني أن نكون بقوة شعوبنا ووحدتنا، وأن نشعر بمسؤولياتنا ونتحملها، وأن تكون لدينا خططنا واستراتيجياتنا ودفاعاتنا، ووسائل الحفاظ على أمننا، وحماية حقوق مجتمعاتنا، أي أن يكون لدينا تصورات واضحة ومتفق عليها لمصالحنا الوطنية والعربية المشتركة، مستقلة عن مصالح النخب الحاكمة ونظمها، التي يمكن أن تبرر، كما حصل في سورية، التحالف مع الأعداء لضمانها، ولو أدى ذلك إلى دمار البلاد، وتشريد الشعب وانهيار الدولة. وهذا يعني، أيضاً، أن نعترف لشعوبنا بالحق في مناقشة شؤوننا بحرية ونقد سياساتنا وتطوير خططنا وخياراتنا، وهذا هو محتوى التفكير الاستراتيجي. وهذه هي وظيفة السياسة التي حرمت الشعوب العربية من ثمارها، خلال عقود طويلة، لحساب الحكم بالقوة والقهر والإرهاب. 

وهذا مطروح قبل أن يوقع الاتفاق النووي، ومطلوب سواء وقع أم لا. إنه يتعلق بوجودنا ومصيرنا ومصير دولنا، وشروط حياة شعوبنا وقيمنا. ومشكلتنا هي، حتى الآن، أننا كنا غائبين عن أنفسنا، أو مغيبين أنفسنا لصالح الأطراف الأخرى التي نعتقد أنها صاحبة الصولة والجولة والقوة، التي تقرر مصيرنا من ضمن تقريرها مصير العالم بأكمله، وليس لدينا خيارات سوى استرضائها أو الإذعان لها، والنتيجة استقالتنا الاستراتيجية التي تضاف إلى استقالتنا السياسية والأخلاقية تجاه مستقبلنا ومصير شعوبنا.
نحن بحاجة إلى إصلاح شؤوننا، سواء غيرت واشنطن أو طهران من سياستها تجاهنا، أو لم تغيرها، وسواء نجح التحالف مع تركيا أو لم ينجح. وكنا بحاجة له قبل أن تبدأ طهران مشروعها النووي، وبعد التوقيع على وقفه، وقبل أن تتدخل في شؤوننا، وبشكل أكبر اليوم، وهي تصول وتجول في بلداننا وتفتت مجتمعاتنا. ولم يعمل إجهاضنا ثورات الربيع العربي بدل الاستجابة لتطلعات شعوبنا، إلا في تعميق الثغرة التي جرأت الآخرين علينا. ما حصل لنا، في السنوات الماضية، من تغول إيران علينا واستهانة الغرب بحقوقنا وإرادتنا وصرفه النظر عن مصالحنا وتخليه عنا هو نتيجة سوء نظمنا وتنظيمنا، وتخبط سياساتنا، وضعف خياراتنا، وإخفاقنا في تحقيق الحد الأدنى من واجباتنا تجاه مجتمعاتنا. إنه ثمرة تخلينا عن شعوبنا وخيانتنا التزاماتنا.
مشكلتنا الرئيسية هي نحن. بقاؤنا في هذا العصر المضطرب، من دون مبدأ وطني جامع، منقسمين على أنفسنا داخل دولنا، وفي ما بين حكوماتنا، في مشرق تتنازعه المطامع الإقليمية والدولية، يقوض قدراتنا ويحرمنا من أي أمل في الحفاظ على مصالحنا، الآن وفي المستقبل. وما لم نقم بمراجعة حقيقية لسياساتنا الوطنية والإقليمية والدولية، سنكون فريسة سهلة لكل الطامعين بنا. ولا يكفي، في هذا المجال، ترقيع علاقتنا العربية/العربية، ولا الإصلاحات الشكلية لنظم مجتمعية فاسدة ومتهاوية، ولا زيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والجيوش والذخيرة والسلاح، ولا الرهان على تناقض مصالح الدول الأجنبية، فلا يمنع العداء وتناقضات مصالح الدول التي هي وحوش مفترسة، من التوصل إلى تفاهم، لتقاسم جسدنا، إذا سمحنا لأنفسنا بأن نتحول إلى فريسة سهلة وسائغة.
نحن بحاجة إلى مشروع سياسي ومجتمعي، يلهم الشباب ويحمسهم، ويستدرك خمسين عاما من الخيارات الخاطئة والسياسات الضعيفة وغير الوطنية، ويرد على تطلعات أجيالنا للاندماج في العالم ومسايرة قيم العصر. وبديله الوحيد النكوص إلى قيم القرون الوسطى وتقاليد "داعش" والغبراء.
ولا يوجد مشروع سياسي من دون قاعدة شعبية عريضة، فقوة تركيا اليوم نابعة من نجاحها في توحيد الأتراك حول ثورة تنموية، ومشروع اللحاق بالغرب ومساواته. وهو في الواقع مشروع تركيا الحديثة، منذ نشوء حزب الاتحاد والترقي والثورة الأتاتوركية، ولو أنه استعيد اليوم بغلالة إسلامية. اما إيران فهي تعيد تبني مشروع الشاه القديم، وتعبئ شعبها حول مشروع الهيمنة الإقليمية والتفوق القومي والمذهبي، مستفيدة من الزخم الذي وفرته الثورة الشعبية التي اتخذت صبغة دينية.
وبالنسبة للعرب، لا يوجد مشروع آخر يمكن أن يعيد لهم الروح، ويوحد صفوف شبابهم، ويحرر طاقاتهم سوى مشروع الربيع العربي الذي ضحوا في سبيله بأرواحهم، وكل ما يملكون، ووقفت في وجهه، ولا تزال، كل قوى الجمود والظلام والفساد، المحلية والأجنبية. العمل على تلبية مطالب الحرية والعدالة والكرامة والمساواة وبناء المنظومة العربية، المحلية والإقليمية، اللازمة لذلك، هو المشروع الوحيد الممكن والقابل للحياة، فحكم الطغيان إلى زوال، ولن يكون هناك بديل آخر، سوى تفاقم الانقسام والفوضى والهزيمة والخراب.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/23/%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AA%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86-%D9%88%D8%AA%D8%BA%D9%88%D9%84-%D8%B7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86#sthash.5aJRticA.dpuf

mardi, juillet 14, 2015

تقسيم سورية

كثر الحديث، في الأشهر الأخيرة عن تقسيم سورية. بعض القائلين به يفعل ذلك إقراراً بأمر واقع، بعد انحسار سلطة الدولة، وسيطرة المليشيات المسلحة المتعادية على مناطق مختلفة منها. وبعضهم الآخر اعتقاداً بأن المكونات الطائفية والقومية السورية لن تستطيع أن تتعايش، بعد سنين طويلة من الحرب الدموية، وأن الاعتراف لكل منها بدويلة خاصة مستقلة، أو تابعة لفدرالية واهية، هو أقصر طريق لوضع حد للحرب، بعد أن فشلت كل الجهود السياسية في إيجاد حل يضمن بقاء الدولة السورية الراهنة، ووحدة أراضيها واستمرارها. ويريد بعض ثالث التقسيم، من باب الأمل بإنهاء سورية كقوة ومحوها من الخارطة، أو بهدف الحصول على حصة من اقتسامها. ولا يعدم هذا المشروع متحمسين سوريين، من بين النخب الجديدة الصاعدة التي تفتقر للخبرة، وتريد الوصول إلى السلطة بأي ثمن وأسرع وقت. 
يفترض هذا، أولاً، أن تقسيمات الأمر الواقع الناجمة عن حرب السنوات الخمس الماضية من الحرب ليست اعتباطية خاضعة للتحول مع تغير المعطيات العسكرية، وإنما هي ترجمة لحقائق عميقة قومية أو مذهبية، وأن لسيطرة المليشيات على هذه المساحة أو تلك من سورية مشروعية: حماية أتباع أو استعادة حقوق. ومن ضمن هذا الافتراض أن "داعش" تمثل السنة مثلاً، وأن نظام الأسد يمثل العلويين، وأن حزب الاتحاد الديمقراطي يمثل الأكراد، وأن الجيش الحر يمثل المناطق التي يسيطر عليها، وأن هذه السيطرة يمكن أن تكون مستقرة ودائمة لن تتغير. وهو يفترض كذلك أن السوريين "مكونات"، أي، كما تستخدم المفردة اليوم، جمع أو حشد من جماعات أهلية، تحركها عصبية الحفاظ على هويتها الخاصة، أكثر مما تشدها قيم الوطنية والمواطنة والكرامة الفردية والحرية والإنجازات الحضارية العالمية، وأنه لا يوجد خارج هذه الأطر الأهلية سوريون متحررون من عصبياتهم، ينظرون إلى أنفسهم مواطنين، أو يطمحون إلى أن يكونوا مواطنين؛ أي أفراد مستقلون وأحرار، لهم الحق في تقرير مصيرهم من دون وصاية، وبصرف النظر عن موقف زعماء عشائرهم وقبائلهم ورجال دينهم وكنائسهم، قبل أن يكونوا سنة وشيعة ومسيحيين ومسلمين، أو يفترض ربما أن هؤلاء السوريين المواطنين المستقلين عن عصبية عشائرهم وقبائلهم ومذاهبهم لا يكونون إلا نسبة ضئيلة، لا يعتد بها، ولا ينبغي أن يحسب لها حساب. كما يفترض أن لهذه "المكونات" القومية والمذهبية قيادات مكرسة ومعروفة ومعترفاً بها، ولها أجندات موحدة، أو واحدة، تتحرك على أساسها، وأن من ضمن هذه الأجندات الانفراد بحكم ذاتها، والانفصال في شؤونها إلى هذا الحد أو ذاك عن شؤون الجماعات الأخرى. 

وهذا يفترض أكثر من ذلك أن كل ما عرفه السوريون، في القرنين الماضيين، من حياة ذات سمة حديثة ووطنية، وما بذلوه من جهود للتغلب على عطالة الماضي، وتقاليد القرون الوسطى، والانغراس في ثقافة العصر وتمثل قيم الحداثة السياسية والاجتماعية وشعاراتها، من مواطنة وتفكير حر وإيمان بقيمة العلم والتقدم والسعادة الدنيوية ومواكبة الحضارة العالمية لم يكن إلا سراباً، وأن كل ما عاشوه من تجربة سياسية، منذ نشوء الدولة في العشرينيات من القرن الماضي، وما خاضوه من معارك وطنية ضد الاحتلال الأجنبي، وما نجم عن ذلك من نهضة سياسية، ومن انتشار للأحزاب والنقابات والأفكار الجديدة، وكذلك كل ما قدموه من تضحياتٍ، في صراعهم المرير والدامي ضد الديكتاتوريات، الأولى والثانية والثالثة، ثم ضد حكم عائلة الأسد الهمجي، وكل مشاركاتهم السياسية والعسكرية في قضايا العرب الكبرى الفلسطينية والقومية، وما حفلت به ثقافتهم الحديثة من إبداعات في كل العلوم والآداب والفنون، وما أنتجه كفاحهم الطويل من أفكار وأحلام وتطلعات من أجل الحرية والكرامة والمشاركة والتقدم، لم يكن سوى أوهام أو حلم صيف انقضى.
بل هو يفترض، وهذا هو الأهم، أن ثورة آذار التي جمعت السوريين بالملايين في شوارع مدن سورية وقراها، هاتفين من أجل الكرامة والحرية، بكل اللغات، ومنشدين لكل رموز الوطنية السورية، بصرف النظر عن أصولهم القومية والدينية، لم تكن سوى خداع للذات، وكذب على النفس، يخفي الحرب المقيمة والأبدية بين "المكونات" الطائفية والقومية. وأن حافز السوريين للثورة لم يكن التطلع إلى نهاية الديكتاتورية والقمع والقتل والإرهاب، وفي سبيل انتزاع حقوقهم الإنسانية، وإنما انتقام الأكثرية المذهبية من الأقليات الدينية والقومية، والقضاء على كل مختلف وغريب، لا ينسجم مع الهوية الأصلية. ويفترض، أيضاً، أن ما عرفته سورية، في السنوات الخمس الماضية، لم يكن له علاقة بأي ثورة ديمقراطية أو وطنية، وإنما كان انفجارا للحرب الأهلية الباردة المستمرة منذ عقود، بل قرون طويلة، والتي تتغذى، كما يقول أنصار الأسد، من الأحقاد والضغائن الطائفية المكبوتة من الأكثرية الخائفة على ثقافتها وهويتها التقليدية وجمودها والعاجزة عن مسايرة العصر. وهو يفترض، أخيرا، أن السوريين حمقى، وأن التاريخ عبث، وأن بشار الأسد على حق، وأنه لا علاج لتخلف السوريين، والسنة منهم خصوصاً، سوى بنصب محرقة على امتداد الأرض السورية ووضعهم فيها. وهذا هو مضمون ما يردده قادة مليشيات الأسد السوريون والإيرانيون واللبنانيون والعراقيون وأتباعهم من المثقفين الضالين، وهذا هو خطابهم اليومي العلني والمكتوب. وهذا ما يحصل بالفعل منذ سنوات خمس متتالية. 

عوامل الانقسام

ليس هناك شك في أن خمس سنوات من الحرب الدموية زعزعت المجتمع السوري، ومزقت نسيجه القومي والديني، وعمقت المخاوف وعدم الثقة المتبادلة بين جميع الطوائف والجماعات، بما في ذلك داخل الطائفة والجماعة الواحدة، وليس بينها فحسب. لكن، على الرغم من ذلك، لا يحتاج الأمر إلى عبقرية خاصة، لمعرفة أن شبه "الكانتونات"، القائمة هنا وهناك بالقوة، ليست ثابتة، ولا تترجم، في معظمها، حقائق قومية أو مذهبية، بمقدار ما تعبر عن معطيات عسكرية متحولة، وأن قادة هذه المليشيات أبعد ما يكونون عن تمثيل الجماعات المنحدرين منها، وأن جميع السياسات والخطط التي طبقها النظام وطهران، لتفجير النزاعات الطائفية والإثنية وتغذية غول الإرهاب لم تجعل أغلبية السوريين يشيحون بنظرهم عن أهداف ثورتهم الحقيقية، وهي إسقاط الأسد، والخلاص من كابوس الاستبداد وجميع الاحتلالات الداخلية والخارجية التي ارتبطت به، وأصبحت جزءاً منه، وأنه حتى داخل الجماعات التي نجحت هذه المخططات في استعدائها، بعضها على بعض، ودفعها إلى التناحر، لا تزال الأمور بعيدة عن الحسم، ولا يزال هناك أغلبية ساحقة من السوريين، من كل الطوائف والقوميات، متمسكة بتراث سورية الحديثة وهويتها، وأن مطالب الدولة والحرية والكرامة التي كانت وراء ثورة آذار لا تزال محرك كفاح السوريين على اختلاف تياراتهم، حتى لدى القطاعات التي استعادت تحت النار تضامناتها الأهلية التقليدية، على حساب روح المواطنة وقيمها، وأن جلافة الأسد وحلفائه ومراهنتهم الوحيدة على العنف لم تنقذا رهاناتهم السياسية، لكنهما حكمتا عليهم بالفشل، وسوف تقودهما إلى الانتحار. 
لا يعني هذا أنه لا يوجد تهديد للوحدة السورية، بل هناك عمليات عسكرية في أكثر من منطقة، لا هدف لها سوى رسم حدود الدول الجديدة التي يطمح أصحابها إلى إقامتها على أشلاء الدولة السورية. إنما ليس هؤلاء كل السوريين، ولا يمثلون بالضرورة تطلعات أغلب أفراد الجماعات التي ينحدرون منها. كما أن ذلك لا يعني أن سورية لا يمكن أن تتفجر وتنقسم، بل يكاد موضوع تقسيمها يصبح حديث الساعة في الصحافة والدبلوماسية الدولية. لكنه يعني أن سورية إذا كانت ستتقسم، فليس ذلك بسبب الحرب الأهلية التي دفعتها إليها طغمتها الحاكمة وحلفاؤها، ولا هشاشة بنيانها ونسيجها الوطني، كما هو الحال في كل البلدان الحديثة النامية، ولا نتيجة قرار أحد أمراء الحرب، مهما كانت قوته العسكرية، وإنما إذا قرر المجتمع الدولي والأطراف النافذة فيه تقسيمها. وأفضل مثال على ذلك لبنان الذي لا يزال يحافظ على وحدته الشكلية، على الرغم من 17 عاما من الحرب الأهلية. 

ومن الواضح أن مثل هذا القرار لم يتخذ بعد لدى أي دولة كبرى، لكن فرضية التقسيم، باسم الفدرالية أحيانا، تزداد تواتراً في الأوساط الدبلوماسية الغربية، وتبدو وكأنها الخيار الوحيد المطروح لوقف العنف وبسط السلام والأمن، بعد خمس سنوات من القتل والاقتتال والدمار. وهي، في الواقع، ليست فرضية ولا تنطوي على أي خيار، وإنما تشكل طريقاً للهرب من استحقاق الحرية والديمقراطية والمواطنة لجميع السوريين، واستبداله بإرضاءات رمزية لتطلعات هوياتية وهمية، لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي خداع من المجتمع الدولي، للتغطية على فشل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتأكيد من الدول الكبرى المتنازعة على استهتارها بالمواثيق الدولية، واستعدادها الدائم للإخلال بالتزاماته، وإمعانها في إخضاع مصير سورية وشعبها لأجندة صراعات المصالح الدولية.
ليس الهدف من التقسيم، ولن يكون، كما يدعون، إرضاء جوع السوريين المفترض للهوية ما قبل الوطنية، وحل مشكلة التوترات الطائفية والقومية، بما في ذلك بالنسبة للأكراد والعلويين الذين يطرحون، من دون شك، اليوم أسئلة حقيقية على المدافعين عن مشروع بناء سورية الموحدة المقبلة، وإنما إرضاء جميع الأطراف الدولية والإقليمية على حساب السوريين جميعا، وتحويل البلاد إلى مناطق نفوذ على هذه الطوائف والقوميات نفسها، وإخضاع هوية السوريين الوطنية وهوياتهم الأهلية معا لمصالح هذه الدول الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. وستكون في هذا التقسيم نهاية سورية، في صورتها الوطنية الجامعة والمتعددة الجديدة. وبدل أن نعمل على استعادة دولة كبيرة فاشلة، وإنقاذها سوف يترتب علينا إدارة خمس دول فاشلة ومفتقرة كل مقومات الدول الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية التي تحتاجها، لكي تتحول إلى دولة بالفعل. وفي المدى المتوسط، لن يستفيد أي طرف من هذا التهديم والإعدام السوري، لا محلياً ولا إقليمياً، بما في ذلك طهران، وإنما سيكون الرابح الأكبر داعش وأخواتها، أي روح الضغينة والحقد والانتقام والعنف والفوضى. 
في المقال المقبل، سأبين أن تكاليف التقسيم، الإنسانية والسياسية والجيوسياسية، ستكون أكبر بكثير في سورية من تكاليف إعادة بنائها، حتى لو احتاج الأمر إلى تحقيق بعض التسويات، والقيام بتضحيات من أكثر من طرف، لتحقيق ذلك، وخصوصاً من الأكثرية العربية والسنية التي سيكون تقسيم سورية على حسابها، وبهدف إضعافها وتحييدها، وتهجير القسم الأكبر من أبنائها. - See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/13/%D8%AA%D9%82%D8%B3%D9%8A%D9%85-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9#sthash.bQH2da21.dpuf

samedi, juillet 04, 2015

داعش، انهدام في الحضارة

لا يشك أحد في أن داعش يشكل، اليوم، تهديدا خطيرا لأكثر من جماعة وطرف، على المستويات، المحلي والإقليمي والدولي، وأنه ليس من الممكن مواجهته، ووضع حد لتهديداته، من دون تعاون عدد كبير من الأطراف، داخل المنطقة المشرقية وخارجها. لكن، من الواضح أن التركيز الكبير على خطره لم ينعكس في أي خطط جدية مشتركة لمحاربته، أو حتى لاحتواء نموه وتهديداته. ولذلك، لا يزال، على الرغم من الإجماع الدولي الذي أثاره ضده، يتمدد ويشن هجمات متوازية على أكثر من جبهة، ويشكل، أكثر من ذلك، مصدر إغراء وإغواء لآلاف الشباب، منزوعي الهوية في الشرق المعدم، وفي الغرب الغني، على حد سواء. 

هل داعش منتج عربي وإسلامي؟
بخلاف ما تشيعه الصحافة والإعلام العالميان، داعش ليس منتجاً عربياً أو إسلاميا بالدرجة الأولى، حتى لو أن عربا ومسلمين هم من يملأون صفوفه، وأن شعوبهم هي التي تدفع الثمن الأفدح لانتشاره وجنونه. كما أن مشكلته لا تختصر في مسألة الإرهاب والتطرف فحسب، ولا يمكن مواجهته، كما تأمل دول التحالف الدولي، بتحييده عن جميع القضايا الأخرى، السياسية والاجتماعية والدينية والجيوسياسية. 

يمد داعش جذوره في عمق المشكلات الوطنية والدولية والاجتماعية غير المحلولة، أو التي تركت تتعفن من دون حل، وهو ينمو في ثنايا وتناقضات السياسات المحلية والدولية لنظام العالم الذي ولد، بعد نهاية الحرب الباردة، وما ارتبط به من انتهاكات خطيرة، بقيت من دون رد، وقوّضت مفهوم حكم القانون، على مستوى الدول ومستوى الإقليم والمجتمع الدولي معاً، وشجعت على استسهال التضحية بالقيم والمبادئ الإنسانية المكرسة في مواثيق الأمم المتحدة، وحقوق الإنسان، وفي الدساتير الوطنية، في كل مكان. وكان لهذه الانتهاكات الدور الأكبر في زرع روح الكراهية والحقد والانتقام والعدمية عند أعداد كبيرة من سكان العالم، ممن فقدوا الأمل بحياة طبيعية كريمة، وعانوا من ظلم الأجهزة الأمنية، ومن استهتار الدول المجهضة، أو أشباه الدول التي تولت التحكم بشؤون الجماعات وتسييرها، بحقوقهم، وفشلها في تقديم الحد الأدنى من الأمان والاستقرار النفسي والمادي لملايين البشر، والذين وجدوا في حفنة من المغامرين والخارجين على الدين والشريعة والقانون المعول الذي يسمح لهم بالتعبير عن مشاعرهم، وهدم الهيكل بأكمله على رؤوس الجميع.
ليس هناك مثال أكثر تعبيراً عن انهيار الآمال التي علقت على نهاية الحرب الباردة، مما حصل ويحصل في سورية والمشرق. فقد رفع زوال الاستقطاب الدولي والنزاع التاريخي الذي ارتبط به بين نظامين متخاصمين، يطمحان إلى الهيمنة العالمية، من مستوى توقعات الشعوب والمجتمعات، وجعلها تعتقد أن حقبة جديدة من بسط السلام والأمن والتعاون الدولي واحترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي قد ولدت، وأن القضايا المعقدة التي أوجدتها الحرب الباردة، أو ساعدت على تعفنها، ومنها قضية فلسطين، لكن ليس وحدها، سوف تجد، أخيراً، الحل المناسب لها بتعاون الدول وتفاهم الشعوب.
لكن العقود الأربعة التي أعقبت انهيار جدار برلين، بحروبها ونزاعاتها وتدخل الدول الكبرى بشكل أو آخر، وما حدث في أفغانستان وإيران والعراق والبوسنة وبلدان إفريقية عديدة، من مذابح جماعية وعمليات إبادة موصوفة، وما يحدث في سورية وليبيا والمشرق عموما اليوم، ومنذ خمس سنوات، من مجازر وجرائم وصلت إلى حد استخدام الأسلحة الكيماوية، قد أسقطت كل الأوهام، وأظهرت أن ميثاق الأمم المتحدة الذي التزمت به الدول، وأقر حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق المدنيين بالحماية وبالتضامن ضد جرائم الحرب والإبادة، لم يكن سوى حبر على ورق، وأن عمليات القتل المنظم والمبرمج وعمليات التطهير القومي أو الطائفي أو الديني لم تصبح أبداً من الماضي، ولا يكاد مرتكبوها يخشون أي عقاب، بينما يقف المجتمع الدولي مكتوف اليدين، عاجزاً عن القيام بأي رد فعل عملي. هذا يعني أننا على الرغم من الضجيج الإعلامي والبيانات الدبلوماسية واللقاءات والمؤتمرات ودعوات التعاون والحفاظ على السلام والاستقرار، لا نزال نعيش في مجتمع دولي تحكمه القوة، ويكاد يعترف رسمياً بحق الفتح والغزو. 

لا يمس تقويض معنى القانون والتضامن الإنساني منظومة الأمم المتحدة العاجزة وحقل العلاقات الدولية فحسب. نجد صورة أكثر سوداوية له في حقل العلاقات الإقليمية في أكثر من منطقة وقارة. وهنا، أيضاً، تبرز حالة المشرق والشرق الأوسط عموما حالة استثنائية في الاستهتار بحقوق الشعوب وأمنها واستقرارها والمحافظة على مستقبل أجيالها. ولا تكاد توجد هنا حدود لإرادة السيطرة والعمل بجميع الوسائل العسكرية والاقتصادية والسياسية والدينية، من أجل كسر التوازنات القائمة وتقويض حياة المجتمعات واستقرارها، وسرقة مواردها، بما في ذلك أرضها وتراثها، إلى درجة لم تعد تخشى فيها الدول الطامحة في زيادة وزنها ونفوذها من الإفصاح عن إرادتها و"حقها" في بسط سيطرتها على هذه الدولة أو تلك، أو إلحاقها بشكل علني بها، أو محو الحدود وإعادة بناء إمبراطوريات بائدة تعود إلى (ما قبل التاريخ). كما أن الشعوب التي أملت أن نهاية الحرب الباردة سوف تخفف من الضغوط الخارجية، وتسمح بولادة موجة جديدة من التحولات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، لم تجد أمامها سوى تعزيز النظم المافيوية، والمزيد من التسلط والنهب والقهر وخرق القانون، أو تعليقه بشكل رسمي، من خلال قانون الطوارئ، وأخيراً في تنظيم حروب أهلية وبرمجة القتل المنظم وحصار التجويع والدمار الشامل الذي تقوم به أنظمةٌ، كانت تحظى بدعم الغرب وروسيا والصين، في الوقت نفسه، ولا تزال. واليوم، يقف الشرق الأوسط كله في طريق مسدود، وعلى شفا حرب طاحنة، تهدد بالقضاء على مستقبل المنطقة بأكملها، إن لم تكن قد قضت عليه بالفعل.

داعش وتقويض حكم القانون
داعش ليس ثمرة وجود آلاف الأفراد المتعطشين لسفك الدماء والخارجين على القانون في بلدانهم، والناقمين على السلام والأمن الدوليين، والمطلوب قنصهم وتصفيتهم، فحسب. إنه الابن الشرعي لتقويض حكم القانون واستسهال هدر حياة الإنسان والتضحية بالملايين لأتفه المصالح، وتمريغ كرامة البشر بالوحل، وإخضاعهم بالقوة، وإذلالهم بالعنف والاحتيال. وفي الوقت نفسه، الرد الصاعق عليه بسياسات أكثر همجية، تجعل من الهدر المسبق لحياة الإنسان، وتقويض الأمن والسلام والاستقرار في العالم، المبدأ والغاية والمصير والقانون. هذا يعني أن داعش ليس ابن الماضي، وما بقي في تراث الشعوب من قيمه البدائية، ولا ابن القرن الماضي وخبرته الاستعمارية الأليمة وحساباته المعلقة. إنه الوجه الهمجي لنظام حضارتنا القائم اليوم، وتناقضات مبادئه وممارساته، وقد تحول إلى دولة مسخ، وصار يحلم بإرساء أسس مدنية وحضارة مبدأها الاستهتار بحياة الإنسان. هو ابن الخوف والرعب الدائم الذي كتب على ملايين البشر بسبب تغول الدول الأكبر، وطمع الدول الطامحة إلى العظمة في تعزيز أمنها على حساب أمن الآخرين ووجودهم، وتجاهل مصالح وحيوات ملايين البشر الذين تركهم نظام نيوليبرالية العولمة الجديد على قارعة التاريخ، من دون أمل ولا مستقبل. إنه الانهدام الأخطر داخل (نظام العالم الجديد) الذي وعد بمستقبل زاهر، ولم يأت إلا بمزيد من الظلم والقهر والاستهتار بحقوق الناس وهدر حياتهم وحرياتهم. داعش هو الخلاصة المكثفة لسياسات الغزو والإبادة الجماعية والتهجير والحكم بقانون الطوارئ والأحكام الاستثنائية، والفساد المالي، ومراكمة الثروة وسرقة الموارد وهدرها على حساب التضامن الإنساني وحريات الأفراد وحقوقهم، والرد الوحشي عليها، في الوقت نفسه.
من الطبيعي أن يكون هذا الانهدام في الحضارة الأعنف والأعمق في الشرق الأوسط على قدر المظالم والاختلالات والتفاوت في الحقوق والمصالح والثروات وتناقض الوقائع مع الآمال والتوقعات: انهداما في الروح والعقيدة والمذهب، وانهداما في العلاقات الوطنية والاجتماعية، وفي الدولة، فكرة ومؤسسة، لصالح المليشيات المتطرفة وغير المتطرفة الدينية والقومية والعشائرية والطائفية، وفي منظومة العلاقات الإقليمية التي تحدد قواعد تعامل الدول مع بعضها في المنطقة، واحترام كل منها سيادة الأخرى، وفي علاقة المنطقة بأكملها بالمجتمع الدولي الذي انسحب تماما من المشرق، وتركه فريسة صراع القوة المجردة، وحروب الاستنزاف والموت الجماعي المبرمج. وأخيراً انهداما في منظومة حقوق الشعوب والإنسان التي أقرت المساواة والعدالة والأخوة والتضامن الانساني ضد حروب الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات المتكررة للحق والقانون. يكفي أن نتابع ما يجري منذ سنوات في سورية وليبيا واليمن وغيرها، وما يكتب حول مصيرها وتقسيمها أو اقتسامها ومستقبل شعوبها، حتى ندرك أننا لا زلنا نعيش في القرون الوسطى، وأن "قانون" القوة المجردة والعنف البدائي وحده الذي يقرر، اليوم، وفي هذه المنطقة، مصير الأفراد والجماعات والدول والأقاليم.
لأن الحكومات المسؤولة تدرك أن داعش ليس مسألة تطرف وإرهاب فحسب، وإنما هو أكثر من ذلك، ولا يمكن مواجهته من دون معالجة الثغرات الخطيرة في بنية نظام العالم الراهن المنتج كل أشكال الهمجية، للجوع والفقر والخوف والتشرد والموت، مثل ما ينتج السلام والأمن والرفاه والرخاء، إن لم يكن أكثر، والذي يراكم من الخيرات بمقدار ما ينتج من النفايات والبؤس، النظام الذي يدعي تأسيس حكم القانون والتضامن الإنساني، ولا يتردد في فرض نفسه بالقوة المجردة والتدخلات الهمجية والاحتيال. أقول، لأنها تدرك صعوبة حل مشكلة داعش، مع الحفاظ على السياسات الفاسدة نفسها، فهي تحجم عن أي التزام جدي بمواجهة داعش، وتترك الأمر للشعوب المعدمة، بعد أن قوّضت توازناتها ومزقت نسيجها سياسات السيطرة والسطو والتهميش والابتزاز التي كلفت بها عملاءها المحليين الصغار. باختصار، إنها تتخلى عنها للإرهاب، وتحكم عليها بالحرب الدائمة والدمار والموت. 

شيطنة داعش هي أفضل وسيلة لتبرير الهرب من مسؤوليات مواجهته، ورمي المسؤولية على الآخرين، أولئك الذين كانوا، ولا يزالون، ضحاياه الحقيقيين. هكذا يتحول داعش إلى خطيئة أصلية قادمة من خارج التاريخ والعالم والعقل، كعفريت خرج من قمقم الدين من دون إنذار، لا قبل لأحد ولا لدولة في مواجهته، أو حتى وضع حد لشهوة القتل التي تسكن أعضاءه. ولا يهدف التركيز المتزايد عليه كأجندة شبه وحيدة للسياسة الدولية، مع غياب أي مبادرات عملية لوقف تمدده، إلا إلى تجنيب السياسات الفاسدة التي تكمن وراء ولادته ونموه الصاعق أي نقد، وإلى الحفاظ من دون تغيير على ضيق أفق الأجندات القائمة على تعظيم المصالح القومية ومنطق الهيمنة وتراكم الثروات والمكاسب الفئوية، على جميع المستويات المحلية والوطنية، الإقليمية والعالمية، على حساب الآخرين.
داعش هو مختصر ثقافة الأنانية والعنف والقهر والإكراه ومستنقع إعادة إنتاجها في الوقت نفسه. إنه الثمرة المرة للاستقالة الجماعية والتخلي عن قيم التضامن الإنساني وهدر الحياة الإنسانية والكرامة البشرية. ليس مستغرباً بعد ذلك أن نجد بين الدول من يطالب بالتحالف مع النظم البدائية والهمجية نفسها التي كانت وراء نشوء داعش، وأحيانا خططت له، لوضع حد لتمدده، مع التأكيد على أن أحداً لا يعرف متى يمكن القضاء عليه، بل في ما إذا كان ذلك ممكناً حقاً.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/3/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%A7%D9%86%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9#sthash.CwUVLM6V.dpuf