dimanche, avril 17, 2011

المعجزة السورية

الاتحاد 20 ابريل 11

دخلت انتفاضة الحرية والكرامة في سورية أسبوعها الخامس . ولا يقدم الخطاب الثاني للرئيس، الذي كرر فيه وعود الخطاب الأول، أي إشارة إلى احتمال الخروج قريبا من الازمة التي فجرتها. وبعد أن اقتصرت دائرتها في 15 آذار على عشرات المشاركين، تحولت بعد حادثة أطفال درعا الخمسة عشر إلى انتفاضة كبرى، وتوسعت دائرتها اليوم لتشمل الأراضي السورية بأكملها كما زاد عدد المشاركين فيها ليصل مئات الآلاف في الجمعة التي أطلق عليها جمعة الصمود (15 أبريل)، والتي وضعت الانتفاضة على سكة الانتفاضات العربية الأخرى، في حجم المشاركين فيها وقوة تصميمهم، وصار من الصعب اليوم توقع همود بركانها قبل أن تحقق أهدافها التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الأهداف التي رفعتها وترفعها جميع انتفاضات الحرية والكرامة العربية.

ما حدث حتى الآن في سورية شيء كبير وخطير، يتجاوز بكثير ما حدث في الأقطار العربية الأخرى. ذلك أن النظام القائم في سورية يتميز أيضا عن النظم العربية الأخرى، في تونس ومصر واليمن والبحرين وغيرها، بغياب أي حياة سياسية في البلاد، مهما كان ضيق هامشها. فالبلاد لا تقاد سياسيا وإنما تديرها مجموعة من الأجهزة الأمنية، المستندة هي نفسها إلى توازن عام للنظام تضمن السيطرة العسكرية. ولا يمثل حزب البعث الحاكم سوى غلالة رقيقة هدفها التغطية على غياب السياسية والحقل السياسي تماما، وتبرير حكم الأجهزة وسيطرتها الشاملة، بما في ذلك داخل الحزب الحاكم وداخل الجيش وداخل الإدارة وداخل الحكومة نفسها. فلا يمكن القيام بأي أمر، قولا او عملا، من تعيين رئيس الجمهورية إلى إجراء معاملة مدنية بسيطة في الإدارة، مرورا برئاسة الوزارة وانتقاء نواب مجلس الشعب والمناصب الإدارية، بل حتى القبول في أي وظيفة عمومية مهما كانت محدودة الاهمية مثل حارس مبنى أو آذن مكتب، من دون أن يمر بالأجهزة الامنية وينال رضاها وموافقتها، احدها أو مجموعة منها. وبالإضافة إلى ذلك يخضع الشعب السوري منذ عام 1963 إلى حالة الطواريء التي تكرس هذا الاستباحة الكاملة لحقوق الشعب من قبل الأجهزة، وتشرع لمعاقبة أي قول أو سلوك أو نشاط لا ترضى عنه الأجهزة الامنية، ولا يصب في هدف تعزيز سلطتها وتاكيد سيادتها على الشعب والبلاد. هكذا تحول الحكم السوري القائم إلى كابوس حقيقي يربض على صدر شعب قيد بالسلاسل، وفرض عليه الصمت والطاعة خلال ما يقارب نصف قرن، لا يمكن للفرد أن يتكلم فيه ويعبر عن أي رأي مخالف، حتى داخل دوائر الحزب والسلطة، ولا يحق لأفراده التواصل وما بالك بالاجتماع والتنظيم والمشاركة السياسية أو غير السياسية. وهذا ما يشكل حكما بالاعدام السياسي على شعب كامل. وقد اعتاد رجال الأمن، وهم في الحقيقة رجال ترويع للشعب وظيفتهم إشعار كل فرد بأنه ليس آمنا ما لم يتعامل مع الأجهزة ويخضع لها ويقبل باقتسام تجارته أحيانا مع أفرادها، أن يهينوا المواطنين لسبب أو من دون سبب، من أجل إخضاعهم وإشعارهم بدونيتهم وعبوديتهم وترسيخ الشعور بالعجز والمهانة والمذلة لديهم. وكان الضرب والأذى الجسدي من الامور اليومية أما الشتائم المذلة فقد أصبحت عملة التداول اليومية داخل الدوائر الرسمية حتى من قبل أعضاء الإدارة من غير جهاز الأمن. وتحولت الإهانة المعممة في الواقع إلى تقنية سلطوية هدفها بناء العلاقة بين اصحاب السلطة وابناء الشعب كعلاقة سيد إلى عبد، وقادر إلى عاجز، ونبيل إلى صعلوك، مهما كان وضع الفرد ومكانته الاجتماعية والعلمية. كل فرد سوري هو مشروع قن أو عبد مأمور. والواقع أن جميع أبناء الشعب قد تحولوا إلى عبيد وأقنان، تطحنهم آلة واحدة ومنطق واحد هو التشكيك والتحقير والتكسير المعنوي المتبادل.

. ولم يكن من قبيل الصدفة أن ترتبط شرارة الانتفاضة بهذه المعاملة المهينة التي اعتاد عليها أبناء النظام. فكانت أول حادثة لفتت انتباه السوريين والمراقبين الأجانب تلك التظاهرة الصغيرة التي حصلت في سوق تجاري، سوق الحريقة، في دمشق، بسبب تعرض أحد التجار الشباب للضرب المبرح امام الملأ من قبل رجل شرطة، فتجمع تجار السوق، وانطلقت من حناجرهم أول صرخات الانتفاضة وشعاراتها من دون أن يدروا: الشعب السوري ما بينذل، أي لا يذل. ولم يتفرق المتظاهرون إلى أن اضطر وزير الداخلية أن يأتي بنفسه ليعتذر لهم، ويأمر بمعاقبة الشرطي ليرطب خواطرهم. لكن الحادثة الأهم للاهانة والتي سوف تطلق بالفعل شرارة الانتفاضة السورية، والثورة العارمة في منطقة حوران جنوب سوريا التي تعد اليوم منطقة محررة كليا من سلطة البعث ورموزه، تتلخص في اعتقال الأمن لخمسة عشر طفلا سوريا بين سن العاشرة والرابعة عشر، بسبب كتابة بعضهم شعارات تبشر بسقوط النظام. وقد تعرض الأطفال للتعذيب وقلعت أظافر أحدهم ومنعت أسرهم من زيارتهم. وعندما ذهبوا بوفد لمقابلة محافظ درعا، شتمهم جميعا وأخبرهم أن عليهم أن ينسوا أولادهم، وأن يرجعوا ليناموا مع نسائهم لإنجاب بديل لهم لأنهم لن يروهم أبدا.

كان خروج السوريين إلى الشوارع لتحدي سلطة من هذا النوع معجزة بالمعنى الحرفي للكلمة. ليس بسبب الخوف، بل الرعب الذي عشش في الصدور، ولا بسبب الحضور الأمني والعسكري الكثيف والدائم والشامل في كل شبر، خاصة في المدن الرئيسية فحسب، ولكن، أكثر من ذلك، بسبب الشعور العميق الذي ترسخ في قلب كل سوري بالعجز والغلبة على الأمر وعدم القدرة على فعل شيء تجاه نظام جبار، ورجال أمن وحكم عتاة لا يتورعون عن ارتكاب أي شيء في سبيل نزع ثقة الشعب بنفسه، وتشكيكه حتى بقدراته العقلية، ودفعه إلى الشك في ذاته وأهليته وإنسانيته.

علينا أن نعرف ونسجل للتاريخ أيضا أن هؤلاء الذين خرجوا في الأيام الاولى من الانتفاضة، وكانوا بالمئات فقط، خرجوا كشهداء، ولم يخرجوا كمتظاهرين. وبقي هذا الشعور قويا عند الشباب الذين أتيح لي التواصل معهم، حتى جمعة الصمود العظيمة التي تحولت فيها المظاهرات إلى مسيرات بعشرات الأولوف، والتي نقلت الانتفاضة من مرحلة الخطر، وصار من غير الممكن القضاء عليها من دون المغامرة بمجزرة كارثية لا يمكن لنظام تحمل نتائجها. وفي الساعات الأولى لجمعة الصمود هذه كتب لي شاب من الدير على الفيس بوك يقول سنخرج اليوم في مسيرة حاشدة وستكون أكبر من كل سابقاتها. وكانت السلطات قد أغلقت في الأيام الثلاثة السابقة مدينة بانياس الساحلية، وقطعت عنها الاتصالات والكهربا والماء، وارتكبت فيها مجازر، وشنت حملة تطهير سياسي بالمعنى الحرفي للكملة، ومارست كما تعودت، لكن على نطاق أوسع تقنيات الإذلال والإهانة، كما ظهرت في الصور التي تناقلتها التلفزة حيث يركل رجال ميليشيات "الشبيحة" الخاصة، التي استخدمتها السلطة لقهر المواطنين زاعمة أنها لا تملك السيطرة عليها، وكان هدفها ترويع اهلها وإعطاء مثال للسورييين عن مدى العنف الذي يمكن أن تصل إليه السلطة. فاردت طمأنة الشاب الذي بدا لي مصمما على الخروج، فكتبت: لا تخف انتهى درس الترويع. فرد علي في الحال: استاذي أنا أنقل لك الخبر فحسب، أنا لست خائفا أبدا. أنا لا أخرج من أجل أن أعود. أن خارج شهيدا.

ليس الخبز بالرغم من ندرته، ولا انتهاك حقوق الانسان، التي لم يبق إنسان ليتصف بها، ولا حتى تجبر الحاكمين وفسادهم المنقطع النظير، هو الذي كان الصاعق وراء تفجير بركان انتفاضة الكرامة والحرية في هذا البلد العربي الجميل. إنه الإفراط في الإهانة والإذلال والاحتقار، أي سحق الانسان الذي شكل جوهر السياسة، بل الفعل السياسي الأصيل الوحيد، لنظام حكم سورية خلال ما يقارب نصف قرن. لذلك لا أعتقد أن من الممكن لثورة الكرامة والحرية أن تتوقف في سورية قبل أن تقطع الذراع التي تسببت بهذا الكم الأسطوري من الإهانة والإذلال الذي تعرض له أبناء الشعب السوري النبيل والمسالم، أعنى أجهزة الرقابة والعقاب والتنكيل الثلاثة عشر، والميليشيات والسجون المرتبطة بها، والتي تسمى فروع الامن، ولا وظيفة لها سوى حرمان الأفراد من أي أمان، وتقديمهم عراة، خارج أي حماية قانونية او سياسية، لوحوش مافيات السلطة والمال الضارية.

mercredi, avril 13, 2011

رسالة إلى المؤتمر القومي الاسلامي

بيروت 17 نيسان 2011

الأخ العزيز منير شفيق أمين عام المؤتمر القومي الاسلامي

الأخوة الأعزاء أعضاء المؤتمر القومي الاسلامي،

أسمحوا لي أن ألفت نظركم إلى ما يحصل اليوم في سورية نتيجة مطالبة الشعب السوري باسترجاع بعض حقوقه الأساسية، وأولها العيش بكرامة من دون تسلط أجهزة المخابرات التي تقاسمه أرزاقه وتقض مضاجعه ليلا نهارا، وبحد أدنى من الاعتراف بالمواطنية، أي بالمساواة بين الجميع واحترم الحريات الفردية الطبيعية.

إن ما يحدث الآن في سورية نتيجة خروج مظاهرات شعبية تطالب بالحقوق الاساسية، كما حصل في معظم الأقطار العربية، هو كسر إرادة شعب عربي بالقوة وإطلاق حملة تطهير سياسي بالمعنى الحرفي للكملة، تجري في حالة من التعتيم الاعلامي الكامل وعزل المدن وقطع الاتصالات ، من أجل الاستفراد بشعب مغلوب على أمره بهدف تركيعه بالقوة المسلحة وإعادته إلى بيت الطاعة وتقييده بأغلال العبودية. معظم المدن والضواحي التي شهدت مسيرات للحرية هي اليوم محاصرة من قبل قوات الأمن التي تقوم في الداخل بعمليات القنص والقتل وحملات الاعتقال والترويع والخطف من دون تمييز. نأمل من مؤتمركم الكريم أن يلحظ هذا الوضع المؤسي والمأساوي، وأن يعلن تضامنه مع حقوق هذا الشعب العظيم، الذي خاض جميع معارك العروبة، وكان في طليعة روادها، وفتح صدره وأبوابه مشرعة دائما للقضايا وللشعوب العربية. ونأمل أن تؤكدوا للسلطات السورية التي تريد أن تستثمر بعض المواقف الحميدة في السياسية الخارجية أن الصمود أمام إسرائيل ومقاومة المخططات الاسرائيلية لا تقتضي انتهاك حقوق الشعب السوري ولا تجريده من أهليته الوطنية واستباحة كرامته وحرياته، اللهم إلا إذا كانت تعتقد أن هذا الشعب متآمر مع إسرائيل بالسليقة وأنه بمجرد حصوله على حرياته سوف يقف في صف الاستيطان الاسرائيلي والقوى الاستعمارية. في هذه الحالة سيكون كل شيء مبرر للجميع.

مع خالص مودتي وتمنياتي لمؤتمركم بالتوفيق

samedi, avril 09, 2011

نداء إلى شعوب الأمة العربية

إخوتي وأصدقائي في كل بقعة من بقاع الأرض العربية، في تونس ومصر وفلسطين والجزائر والمغرب وموريتانيا ولبنان والأردن والعراق والسودان وبلدان الخليج العربي وفي بلاد المهجر. اتخذ جهاز الأمن القومي لنظام الاستبداد والفساد والقهر في سورية قرارا يقضي بالقضاء بالقوة المسلحة على ثورة الكرامة والحرية التي عمت، منذ جمعة الصمود في 8 ابريل، جميع مدن وقرى سورية، من الشمال إلى الجنوب. وقد أعلن هذا القرار وزير الداخلية في الثامن من الشهر الجاري، الذي ورد فيه أن السلطة لن تسمح بعد الآن بالمظاهرات وستقضي عليها بأي ثمن. كما أكد ذلك استقبال وزير الخارجية وليد المعلم سفراء الدول العربية والاجنبية لينقل لهم الرسالة ذاتها. وقد بدات قوات الجيش الموالية للنظام بالفعل في محاصرة المدن السورية، بموازاة حملة من الاغتيالات والاعتقالات التي تستهدف الناشطين والمثقفين، وحملة مسعورة من الافتراءات حول وجود مؤامرة خارجية ودخول أسلحة إلى سورية وانتشار مسلحين خارجين عن السيطرة، وهم ليسوا إلا رجال أمن مموهين باللباس المدني. إن النظام السوري الذي يدرك أنه يعيش آخر معاركه الحاسمة يراهن على التعتيم الإعلامي شبه الشامل، وانشغال الشعوب العربية كل بمشاكله الداخلية، وتواطؤ الحكومات الغربية، لتوجيه ضربة حاسمة للثورة الديمقراطية السورية يعتقد أنه سيستعيد بعدها سيطرته المنهارة على الشعب والبلاد.

وبالرغم من أن هذه ستكون حملته الأخيرة على الشعب قبل أن يسدل عليه الستار، إلا أن ما يخطط له يحمل في طياته كارثة إنسانية ومئات الضحايا من الأبرياء.

أطلب منكم التحرك منذ الغد بمسيرات شعبية تضامنا مع الشعب السوري الذي يعيش أخطر مراحل تاريخه الحديث، كما حصل في ميدان التحرير في القاهرة منذ أيام، وإعلان مواقف حاسمة لشل يد القتل وإدانة الاعتداءات الغاشمة لأجهزة المخابرات والأمن على حياة المدنيين المطالبين بالحرية، المتهمين بالتغطية على مؤامرة خارجية ليس لها وجود إلا في مخيلة ضباط الأمن ولخدمة مخططاتهم الرامية إلى إحباط أي إصلاحات جدية لنظام القهر والاقصاء والاذلال الذي يعاني منه الشعب السوري منذ نصف قرن.

ليس للشعب السوري نصير حقيقي اليوم سوى شعوب الأمة العربية التي يشكل الانتماء لها الهوية الحقيقية للسوريين. وإليكم ينظر السوريون اليوم من أجل وضع حد لهذه الحملة القمعية الغاشمة، وحالة الحصار السياسي والإعلامي الذي تضربه سلطة البطش والاستبداد على ثورة الديمقراطية السورية التي هي مفتاح أي تحول ديمقراطي مقبل في المنطقة العربية الآسيوية.

لا تتركوا أخوتكم السوريين وحيدين أمام رصاص الغدر الذي أسقط في ثلاثة أسابيع أكثر من مئتي شهيد وآلاف الجرحى والمعاقين. أنتم وحدكم من يستطيع أن يردع النظام الذي يستخدم مواقفه السياسية الخارجية لتبرير استباحة حقوق شعبه، وفي مقدمها حقه في الحياة، وفي حد ادنى من الكرامة والحرية. ولا أعتقد أن هناك عربي واحد يقبل بأن يعاقب الشعب السوري وتنتهك حقوق أبنائه بسبب مواقفه الوطنية والعربية وروحه الاستقلالية الأبية.

mardi, avril 05, 2011

الفتنة الأهلية أو استراتيجية إجهاض الثورة الديمقراطية

الاتحاد 6 ابريل 11

فتحت الثورة المدنية والديمقراطية للشعوب العربية آفاقا كانت الاستراتيجيات القديمة التي استخدمتها بعض حركات المعارضة السياسية قد أغلقتها عليها تماما، إن لم تساهم في تعزيز سطوة النظم الاستبدادية من خلال ما أحدثته من شروخ ومخاوف وعداوات داخل المجتمعات. بل إن هذه الثورة المدنية التي تنادي بالكرامة، بما تعنيه من احترام للفرد الانساني بوصفه كذلك، وبصرف النظر عن أصله ودينه ووضعه الاجتماعي، كما تنادي بالحرية التي تؤسس لسياسات مشاركة جميع الأفراد بصورة متساوية في الشأن العام، أي تنشد باختصار تحقيق المواطنية للجميع، ما كان من المقدر لها أن تنطلق وتتقدم وتنتصر في بعض الأقطار العربية إلا لأنها نجحت في أن تتجاوز ثقافة العصبية وتقاليد الانقسام الحزبوية وتضع نفسها على السكة ذاتها التي تحرك جميع المجتمعات اليوم وتدفعها إلى الارتقاء بوعيها وثقافتها ونظم سياستها وإدارتها إلى مستوى المباديء والقيم والممارسات الإنسانية. ونقصد بهذا المستوى الوصول إلى رؤية الانسان كإنسان، خارج كل مواصفاته الخارجية، وجعل غاية أي حياة سياسية ومدنية منظمة، تحسين شروط حياة هذا الانسان الفرد، من الناحية المعنوية والثقافية والمادية.

هذا هو المضمون العميق للأجندة التحررية التي تحرك اليوم المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج بالفعل، وتسمح لأؤلئك الذين كانوا قد هجروا الحياة السياسية، وهم الأغلبية الساحقة، بالعودة من جديد إلى ساحة العمل الوطني والاجتماعي، ومن وراء ذلك استعادة ثقتهم بأنفسهم، وأكثر من ذلك بأقرانهم الذين بقوا لفترة طويلة غرباء عنهم بسبب الانقسامات الداخلية. وفي تعبيرها عن التطلعات الجديدة والعميقة لهجر الأفراد معازلهم الطائفية والعشائرية التي فرضتها ظروف الشح السياسي على الجميع في الماضي، تعلن هذه العودة إلى ساحة العمل العام، والاستعداد للتضحية من أجلها، بما في ذلك التضحية بالأرواح، الولادة الجديدة للوطنية العربية او بالأحرى الشوق الملتهب إلى الخروج من ذل وضعية الزبائنية والمحسوبية، إلى وضعية المواطنة وما تعنيه من كرامة شخصية وممارسة للحرية والسيادة الذاتية.

من هنا ما كان من الممكن لإرادة الانعتاق التي تحملها المطالب المواطنية إلا أن تصطدم في كل مكان برزت فيه بأنماط من الحكم والإدارة البيرقراطية أو الاستبدادية التي لا يمكن أن تستمر إلا بتحييد الشعوب، ووسيلته الرئيسية تقسيمها والتعامل معها بالقطعة، كقبائل أو عشائر أو طوائف أو جهويات ومحليات، وتعزيز خصوصياتها الأهلية وإبرازها على حساب عموميتها السياسية، أي مواطنيتها. فالمواطنية لا تستقيم من دون الحرية والكرامة والمساواة بين الأفراد وتقديس الحياة القانونية، وبالتالي من دون تكون الشعب كقوة مستقلة عن العشيرة والقبيلة والعائلة والعصبية المحلية، وتدخله المباشر والدائم في تسيير شؤون الدولة واختيار ممثليه بحرية.

وما شهدناه في الأشهر الماضية من مواجهات بين النخب الحاكمة التي عملت ولا تزال المستحيل من أجل إبراز الانقسامات الأهلية داخل مجتمعاتها، وتفجيرها إذا امكن، والشعوب الناهضة لتوها من حطامها، والطامحة إلى أن توحد نفسها وتفرض إرادتها، يعكس بشكل واضح هذا الصراع على تحديد وضعية الفرد ومكانته في بلادنا العربية: وضعية الزبون التابع لزعامة عشيرته أو طائفته أو حزبه أو رئيس دولته، والملتزم من دون تفكير بكل ما يفرضه منطق المحسوبية من ولاء والتصاق والتحام أعمى، او من عصبية، أو بالعكس وضعية المواطن الحر الذي يعرف أن شرط ممارسته لهذه الحرية واحتفاظه بها وتعزيزها والارتقاء بمستوياتها ومعانيها هو احترام حرية الآخر، وتعميم المشاركة على الجميع لتحويلهم إلى رجال أحرار، فاعلين ومسؤولين، أي واعين لمعنى الحرية المدنية والسياسية.

وكما يتطلب الحفاظ على الأوضاع وأنماط الحكم الرعوية والأبوية والاستبدادية الراهنة، القائمة على إخراج الشعوب من معادلة السياسة والقوة، تكسير هذه الشعوب وتقسيمها وإجهاض روح الكرامة والحرية في كل فرد منها، وهذا ما تتكفل به العصا الأمنية الغليظة، يتطلب تحقيق المواطنية التي تجتاح بروحها اليوم الوعي العربي، الانتقال إلى نمط جديد من الحكم، وتنظيم السلطة السياسية، والعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، يكون فيها للأفراد السيادة على من يحكمونهم وليس العكس. وهذا يعني أولا انقلابا أخلاقيا، يشير إلى تغير نظرة الفرد إلى نفسه ورفضه أن يعامل، وبالتالي أن يتعامل مع غيره، كمولى وتابع وزبون ومحسوب لا إرادة خاصة له ولا استقلال ذاتي، وثانيا انقلابا فكريا يدفع بالأفراد إلى الخروج عن عصبوياتهم وانغلاقاتهم التقليدية في حجر العشيرة أو القبيلة أو الطائفة نحو فضاءات أرحب يلتقي فيها مع أقرانه في المواطنية، ومن ورائهم، مع أبناء الإنسانية، وثالثا ثورة سياسية تقودهم إلى التحرر من جميع الوصايات الأبوية، المدنية أو الطائفية، والاندماج في مغامرة تكوين رابطة الأمة السياسية التي هي التعبير الأوضح عن الانخراط في التاريخية الحضارية، وأخيرا ثورة اجتماعية تفتح الباب أمام انفتاح الجماعات الأهلية والفئات الاجتماعية والجهوية بعضها على البعض الآخر، من دون أحكام مسبقة وحسابات ماضية أو راهنة، وتقود إلى نشوء روح جماعية جديدة، تتجدد عبرها الجماعة ذاتها وتتحول إلى جماعة وطنية.

وفي هذا الصراع، ليس لنظم الحكم الأبوية والاستبدادية القائمة، وللمصالح الاجتماعية المرتبطة بها، أمل في البقاء من دون إجهاض دينامية التحرر المواطني الراهن هذا، الذي جسده شعار ثوار سورية : (واحد واحد واحد، شعب واحد)، ومن دون إحياء ذاكرة النزاعات المأساوية القديمة، وشحن العواطف البدائية، وتخويف الكل من الكل، ووضع الناس في مواجهات طائفية أو عشائرية إجبارية تفرض على كل فرد الالتحاق بعصبيته ليضمن لنفسه الحماية التي حرمته منها الدولة. والهدف من ذلك هو إجهاض الوليد في المهد، أي الشعب المواطني الحديث الحر والمتساوي، وإكراه الجميع على الانطواء ضمن عشائرهم وطوائفهم من جديد، حتى يمكن التلاعب بانقساماتهم وفرض الوصاية الأبدية عليهم.

وليس من قبيل الصدفة أن الرئيس السوري، عندما زادت عليه الضغوط الداخلية والخارجية، وأدرك أنه لا يكفي الرهان على الرصاص وقنابل الغاز الخانق لكسر إرادة الثورة الشعبية، اختار أن يفتح حواره مع زعماء العشائر الكردية في الجزيرة السورية ومع رجال الدين ووجهاء المجتمع وأعيانه في عموم المدن الأخرى، وأشار إلى ضباط المخابرات لفتح ما سموه حوارا مع الناشطين والمثقفين. يعني هذا أن النظام لا يزال يصر على إنكار الحقوق السياسية التي تعني جميع أفراد الشعب، وبالتالي على الحوار مع من يمثل هذه السمة الجمعية، من شباب الانتفاضة أو المعارضات السياسية، بل ومحاولة الالتفاف على القوى الوطنية من خلال رشوة الزعامات الدينية والقبلية، وتكثيف ضغط المخابرات على القوى السياسية الحاملة وحدها لمطالب موحدة او توحيدية، أي وطنية شاملة.

ويعني الإصرار على إدارة الأزمة عبر تلبية المطالب الجزئية لكل فئة أو عشيرة أو طائفة أو أقوامية خاصة، التصميم على رفض الاعتراف بالشعب كحقيقة سياسية، والاستمرار في استراتيجية التقسيم والتفتيت التي تهدف إلى قطع الطريق على تكون الشعب واتحاده كهوية سياسية جامعة ومشتركة، وهي الهوية التي لا يمكن قيامها إلا على أسس سياسية ومبادي وقيم إنسانية. فاستراتيجية إجهاض الثورة الديمقراطية، من حيث هي أيضا ثورة تكون الشعوب كقوة مستقلة ومصدر شرعية السلطة والحقوق المدنية والسياسية، تقوم على عدم الاعتراف داخل المجتمع سوى بما يعزز الانقسامات والتمايزات القبلية والطائفية، وعلى عدم الاستجابة إلا للأمور المطلبية الخاصة بكل قبيلة أو طائفة. وذلك من أجل تجنب الاستجابة للمطالب الديمقراطية التي تعني الجميع وتتعامل معهم كمواطنين متساوين وتتوجه إليهم كأفراد لا أبناء عشائر وقبائل وطوائف.

وبالعكس، تستدعي الاستجابة للمطالب الديمقراطية، التي تتلخص في الاعتراف بسيادة الشعب لا بالوصاية عليه، وبالمواطنة المتساوية للجميع، تجاوز التمثيل الطائفي والعشائري والجهوي، والتوجه مباشرة للمواطن كفرد، وإقرار الحقوق الأساسية للشعب ككل، أي أولا بحق الشعب في أي يقرر وحده من يحكمه، وثانيا في الحوار مع ممثليه السياسيين، أو رجال السياسة والقانون والثقافة، من أجل وضع التشريعات وتحقيق التعديلات الدستورية وتحديد الأجندة الزمنية اللازمة لترجمة مباديء الديمقراطية في الواقع العملي.

هذا النمط من الاصلاح الرامي قبل أي شيء آخر إلى تقسيم الشعب ومنعه من التكون كقوة مستقلة ومصدر للشرعية والسيادة، كما تعبر عنها النظم الديمقراطية، هو ما سعى إليه أيضا من قبل نظام مبارك عندما دفع بوزير داخليته إلى تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية لتبعث الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، حتى يبرهن على أن الفوضى هي النتيجة الطبيعية للحرية، ويبرر استمرار نظام القمع وضرورة تجديد البيعة للسلطة الاستبدادية الأبوية. وهذا ما فعله النظام اليمني وما يفعله النظام الليبي عندما هددا بالفتنة بين القبائل، معتقدين أن الولاءات القبلية ينبغي أن تكون أسبق من الولاءات السياسية الجديدة الطامحة إلى بناء فضاءات المواطنة الرحبة والمنفتحة. وهذا ما حاول ان يفعله النظام في البحرين مؤلبا السنة على الشيعة والعكس، ونافيا لروح الوطنية البحرينية الصاعدة على انقاض اللعب بالحزازات الطائفية والمذهبية. وهذا ما يحاول أن يفعله اليوم النظام السوري الذي يسلح هؤلاء وأولئك ويشحن مشاعر الخوف والضغينة بين الطوائف.

لم يعد لهذه الأنظمة جميعا إلا رسالة واحدة، هي تفجير مجتمعاتهم من أجل الاستمرار في إخضاعها وسلب إرادتها وحرياتها ومواردها، وفرض الإذعان عليها، وشدها نحو عصور الظلام الكيئبة. وبالرغم انني على ثقة من أن الشعوب لن تضحي بحرياتها المنشودة وحلمها بحياة جديدة حرة وكريمة في سبيل سفاسف وحساسات وحسابات قديمة وانتقامات لا أخلاقية وتافهة، لا تفيد إلا الطغاة وأعداء العرب أجمعين، إلا أننا لا ينبغي أن نستهين بما يمكن أن تفعله طغم فقدت صوابها، ولم يكن لديها يوما شعور بالمسؤولية تجاه بلدانها، وما يمكن أن تنصبه للشعوب من أفخاخ تكلفها ضحايا كثيرة، وربما تؤخر يقظتها وولادتها الجديدة لسنوات طويلة قادمة. وما فعله القذافي وأفراد عائلته الذين ورطوا شعبهم في حرب جرت عليه الدمار وكرست التدخل الدولي في شؤونه، لا يزال ماثلا أمامنا. باسم هذه الشعوب المقهورة وحقها في أن تعيش بسلام وتحرز تحررها أدعو جميع المثقفين العرب والوطنيين إلى ان يرفعوا عاليا، وفي كل مكان من الأرض العربية، راية المقاومة العنيدة لاستراتيجيات الفتنة الطائفية هذه وأن يدينوا بصوت مرتفع أصحابها من النظم النظم العقيمة والمعقمة التي تفضل تدمير بلدانها على فتح باب المشاركة في السلطة لشعوبها.

الثورة المدنية وخطط الثورة المضادة

الاتحاد ٥ أفريل ١١

فتحت الثورة المدنية والديمقراطية للشعوب العربية آفاقا كانت الاستراتيجيات القديمة التي استخدمتها بعض حركات المعارضة السياسية قد أغلقتها عليها تماما، إن لم تساهم في تعزيز سطوة النظم الاستبدادية من خلال ما أحدثته من شروخ ومخاوف وعداوات داخل المجتمعات. بل إن هذه الثورة المدنية التي تنادي بالكرامة، بما تعنيه من احترام للفرد الانساني بوصفه كذلك، وبصرف النظر عن أصله ودينه ووضعه الاجتماعي، كما تنادي بالحرية التي تؤسس لسياسات مشاركة جميع الأفراد بصورة متساوية في الشأن العام، أي تنشد باختصار تحقيق المواطنية للجميع، ما كان من المقدر لها أن تنطلق وتتقدم وتنتصر في بعض الأقطار العربية إلا لأنها نجحت في أن تتجاوز ثقافة العصبية وتقاليد الانقسام الحزبوية وتضع نفسها على السكة ذاتها التي تحرك جميع المجتمعات اليوم وتدفعها إلى الارتقاء بوعيها وثقافتها ونظم سياستها وإدارتها إلى مستوى المباديء والقيم والممارسات الإنسانية. ونقصد بهذا المستوى الوصول إلى رؤية الانسان كإنسان، خارج كل مواصفاته الخارجية، وجعل غاية أي حياة سياسية ومدنية منظمة، تحسين شروط حياة هذا الانسان الفرد، من الناحية المعنوية والثقافية والمادية.
هذا هو المضمون العميق للأجندة التحررية التي تحرك اليوم المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج بالفعل، وتسمح لأؤلئك الذين كانوا قد هجروا الحياة السياسية، وهم الأغلبية الساحقة، بالعودة من جديد إلى ساحة العمل الوطني والاجتماعي، ومن وراء ذلك استعادة ثقتهم بأنفسهم، وأكثر من ذلك بأقرانهم الذين بقوا لفترة طويلة غرباء عنهم بسبب الانقسامات الداخلية. وفي تعبيرها عن التطلعات الجديدة والعميقة لهجر الأفراد معازلهم الطائفية والعشائرية التي فرضتها ظروف الشح السياسي على الجميع في الماضي، تعلن هذه العودة إلى ساحة العمل العام، والاستعداد للتضحية من أجلها، بما في ذلك التضحية بالأرواح، الولادة الجديدة للوطنية العربية او بالأحرى الشوق الملتهب إلى الخروج من ذل وضعية الزبائنية والمحسوبية، إلى وضعية المواطنة وما تعنيه من كرامة شخصية وممارسة للحرية والسيادة الذاتية.
من هنا ما كان من الممكن لإرادة الانعتاق التي تحملها المطالب المواطنية إلا أن تصطدم في كل مكان برزت فيه بأنماط من الحكم والإدارة البيرقراطية أو الاستبدادية التي لا يمكن أن تستمر إلا بتحييد الشعوب، ووسيلته الرئيسية تقسيمها والتعامل معها بالقطعة، كقبائل أو عشائر أو طوائف أو جهويات ومحليات، وتعزيز خصوصياتها الأهلية وإبرازها على حساب عموميتها السياسية، أي مواطنيتها. فالمواطنية لا تستقيم من دون الحرية والكرامة والمساواة بين الأفراد وتقديس الحياة القانونية، وبالتالي من دون تكون الشعب كقوة مستقلة عن العشيرة والقبيلة والعائلة والعصبية المحلية، وتدخله المباشر والدائم في تسيير شؤون الدولة واختيار ممثليه بحرية.
وما شهدناه في الأشهر الماضية من مواجهات بين النخب الحاكمة التي عملت ولا تزال المستحيل من أجل إبراز الانقسامات الأهلية داخل مجتمعاتها، وتفجيرها إذا امكن، والشعوب الناهضة لتوها من حطامها، والطامحة إلى أن توحد نفسها وتفرض إرادتها، يعكس بشكل واضح هذا الصراع على تحديد وضعية الفرد ومكانته في بلادنا العربية: وضعية الزبون التابع لزعامة عشيرته أو طائفته أو حزبه أو رئيس دولته، والملتزم من دون تفكير بكل ما يفرضه منطق المحسوبية من ولاء والتصاق والتحام أعمى، او من عصبية، أو بالعكس وضعية المواطن الحر الذي يعرف أن شرط ممارسته لهذه الحرية واحتفاظه بها وتعزيزها والارتقاء بمستوياتها ومعانيها هو احترام حرية الآخر، وتعميم المشاركة على الجميع لتحويلهم إلى رجال أحرار، فاعلين ومسؤولين، أي واعين لمعنى الحرية المدنية والسياسية.
وكما يتطلب الحفاظ على الأوضاع وأنماط الحكم الرعوية والأبوية والاستبدادية الراهنة، القائمة على إخراج الشعوب من معادلة السياسة والقوة، تكسير هذه الشعوب وتقسيمها وإجهاض روح الكرامة والحرية في كل فرد منها، وهذا ما تتكفل به العصا الأمنية الغليظة، يتطلب تحقيق المواطنية التي تجتاح بروحها اليوم الوعي العربي، الانتقال إلى نمط جديد من الحكم، وتنظيم السلطة السياسية، والعلاقة بين الحاكمين والمحكومين، يكون فيها للأفراد السيادة على من يحكمونهم وليس العكس. وهذا يعني أولا انقلابا أخلاقيا، يشير إلى تغير نظرة الفرد إلى نفسه ورفضه أن يعامل، وبالتالي أن يتعامل مع غيره، كمولى وتابع وزبون ومحسوب لا إرادة خاصة له ولا استقلال ذاتي، وثانيا انقلابا فكريا يدفع بالأفراد إلى الخروج عن عصبوياتهم وانغلاقاتهم التقليدية في حجر العشيرة أو القبيلة أو الطائفة نحو فضاءات أرحب يلتقي فيها مع أقرانه في المواطنية، ومن ورائهم، مع أبناء الإنسانية، وثالثا ثورة سياسية تقودهم إلى التحرر من جميع الوصايات الأبوية، المدنية أو الطائفية، والاندماج في مغامرة تكوين رابطة الأمة السياسية التي هي التعبير الأوضح عن الانخراط في التاريخية الحضارية، وأخيرا ثورة اجتماعية تفتح الباب أمام انفتاح الجماعات الأهلية والفئات الاجتماعية والجهوية بعضها على البعض الآخر، من دون أحكام مسبقة وحسابات ماضية أو راهنة، وتقود إلى نشوء روح جماعية جديدة، تتجدد عبرها الجماعة ذاتها وتتحول إلى جماعة وطنية.
وفي هذا الصراع، ليس لنظم الحكم الأبوية والاستبدادية القائمة، وللمصالح الاجتماعية المرتبطة بها، أمل في البقاء من دون إجهاض دينامية التحرر المواطني الراهن هذا، الذي جسده شعار ثوار سورية : (واحد واحد واحد، شعب واحد)، ومن دون إحياء ذاكرة النزاعات المأساوية القديمة، وشحن العواطف البدائية، وتخويف الكل من الكل، ووضع الناس في مواجهات طائفية أو عشائرية إجبارية تفرض على كل فرد الالتحاق بعصبيته ليضمن لنفسه الحماية التي حرمته منها الدولة. والهدف من ذلك هو إجهاض الوليد في المهد، أي الشعب المواطني الحديث الحر والمتساوي، وإكراه الجميع على الانطواء ضمن عشائرهم وطوائفهم من جديد، حتى يمكن التلاعب بانقساماتهم وفرض الوصاية الأبدية عليهم.
هذا ما سعى إليه نظام مبارك عندما دفع بوزير داخليته إلى تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية لتبعث الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، حتى يبرهن على أن الفوضى هي النتيجة الطبيعية للحرية، ويبرر استمرار نظام القمع وضرورة تجديد البيعة للسلطة الاستبدادية الأبوية. وهذا ما فعله النظام اليمني وما يفعله النظام الليبي عندما هددا بالفتنة بين القبائل، معتقدين أن الولاءات القبلية ينبغي أن تكون أسبق من الولاءات السياسية الجديدة الطامحة إلى بناء فضاءات المواطنة الرحبة والمنفتحة. وهذا ما حاول ان يفعله النظام في البحرين مؤلبا السنة على الشيعة والعكس، ونافيا لروح الوطنية البحرينية الصاعدة على انقاض اللعب بالحزازات الطائفية والمذهبية. وهذا ما يحاول أن يفعله اليوم النظام السوري الذي يسلح هؤلاء وأولئك ويشحن مشاعر الخوف والضغينة بين الطوائف.
لم يعد لهذه الأنظمة جميعا إلا رسالة واحدة، هي تفجير مجتمعاتهم من أجل الاستمرار في إخضاعها وسلب إرادتها وحرياتها ومواردها، وفرض الإذعان عليها، وشدها نحو عصور الظلام الكيئبة. وبالرغم انني على ثقة من أن الشعوب لن تضحي بحرياتها المنشودة وحلمها بحياة جديدة حرة وكريمة في سبيل سفاسف وحساسات وحسابات قديمة وانتقامات لا أخلاقية وتافهة، لا تفيد إلا الطغاة وأعداء العرب أجمعين، إلا أننا لا ينبغي أن نستهين بما يمكن أن تفعله طغم فقدت صوابها، ولم يكن لديها يوما شعور بالمسؤولية تجاه بلدانها، وما يمكن أن تنصبه للشعوب من أفخاخ تكلفها ضحايا كثيرة، وربما تؤخر يقظتها وولادتها الجديدة لسنوات طويلة قادمة. وما فعله القذافي وأفراد عائلته الذين ورطوا شعبهم في حرب جرت عليه الدمار وكرست التدخل الدولي في شؤونه، لا يزال ماثلا أمامنا. باسم هذه الشعوب المقهورة وحقها في أن تعيش بسلام وتحرز تحررها أدعو جميع المثقفين العرب والوطنيين إلى ان يرفعوا عاليا، وفي كل مكان من الأرض العربية، راية المقاومة العنيدة لاستراتيجيات الفتنة الطائفية هذه وأن يدينوا بصوت مرتفع أصحابها من النظم النظم العقيمة والمعقمة التي تفضل تدمير بلدانها على فتح باب المشاركة في السلطة لشعوبها.