mardi, février 17, 2004

أي استراتيجية خلاص للعالم العربي



هناك إجماع عربي اليوم بين جميع تيارات الفكر والسياسة المتنافسة أو المتضاربة، بل بين جميع قطاعات الرأي العام على مختلف مستوياتها وتوجهاته، على أمرين رئيسيين. الأول أن ما تعيشه المجتمعات العربية هو حالة من التقهقر والانهيار والبؤس يصل إلى درجة المحنة. والثاني أن أركان هذه المحنة وعناصرها الكبرى هي الاستبداد السياسي والإخفاق الاقتصادي والفراغ الثقافي والروحي، وما ينجم عن ذلك من تدهور في شروط الحياة المادية والفكرية والمعنوية وفساد للمباديء القانونية والأخلاقية وامتهان لكرامة الأفراد وحرياتهم وحقوقهم الأساسية وفي النتيجة وضع الفئات الحاكمة بالقوة والعنف يدها على موارد البلاد وتوظيفها العلني لخدمة مآربها السياسية والاجتماعية.
لكن إذا كان هناك إجماع عربي اليوم على تشخيص الداء الذي تعاني منه المجتمعات العربية إلا أن العرب لا يزالون مختلفين على أمرين رئيسيين يتعلقان بعلاج هذا الداء. الأول هو طبيعة النظام الأمثل لمواجهة المحنة الراهنة والخروج منها، هل هو النظام المستمد من مباديء الشريعة الدينية أم من مباديء العقل الوضعي، هل هو نظام الديمقراطية أم نظام الشورى، هل هو نظام الفردية الحرة والمواطنية المتساوية أم هو نظام الجماعة والتكافل الديني أو الجمعي، إلخ. والثاني هو طريق أو منهج العمل للخلاص من المحنة الراهنة.

وفي هذا المجال تتنازع الجمهور العربي ثلاثة برامج أو أجندات يشكل تضاربها وعدم القدرة على التنسيق في ما بينها مصدر التشتت الفكري والانقسام والصراع السياسي والضياع الاستراتيجي الذي تعيشه المجتمعات العربية. الأول هو برنامج الحرب الوطنية أو والحضارية والثاني هو برنامج الإصلاح أو إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية والثالث هو برنامج التحويلات الديمقراطية.
ينطلق البرنامج الاول من الايمان بأن ما تعيشه الأمة العربية أو العربية الاسلامية اليوم هو حرب حضارية معلنة للتحكم بمصير المجتمعات العربية والاسلامية جميعا وربما للقضاء عليها، وأن المطلب الرئيسي اليوم لتغيير الأوضاع ووقف التدهور والانحطاط هو تأمين وسائل النجاح على هذه الجبهة الخارجية. ويشكل التيار الاسلامي الرديكالي رأس الحربة في الدفاع عن برنامج المواجهة الخارجية لكنه لا يقتصر عليها. فهو يجمع بين قطاعات واسعة من الحركات القومية التي فقدت الثقة بقياداتها التقليدية وبرامجها السابقة ونقلت ميدان معركتها من الصراع ضد القوى العميلة المحلية المتحالفة مع الأجنبي كما كانت تفعل في السابق إلى الصراع على الساحة الدولية مباشرة. وفي نظر هؤلاء تتلخص محنة المجتمعات العربية والوضع المأساوي الذي وصلت إليه في سيطرة القوى الأجنبية وبشكل خاص القوى الغربية المعادية على مقدرات الشعوب العربية، سواء بصورة مباشرة عن طريق الاحتلال كما هو الحال في فلسطين والعراق اليوم أو عبر التحالف مع الفئات الحاكمة المحلية، وتحكمها بمصير البلاد ومواردها. وليس هناك مخرج للمجتمعات العربية من هذه المحنة التي تعيش فيها إلا بالتخلص من هذه السيطرة بأشكالها المتعددة الثقافية والسياسية والاجتماعية والعسكرية.
إن الذي يوحد بين جميع قوى المقاومة الخارجية دفاعا عن الهوية والسيادة هو الاعتقاد إذن بأن المجتمعات العربية تعيش حالة مواجهة بل حالة حرب مع الدول الغربية الاستعمارية أو شبه الاستعمارية، وأن جميع الجهود ينبغي أن تنصب اليوم في معركة دحر السيطرة الغربية والتحرر منها. وشعار هذه القوى جميعا هو العمل على كسر شوكة الغرب والابتعاد عن كل ما يمكن أن يقسم صف العرب والمسلمين أو يفرق بينهم ويبعدهم عن المعركة الرئيسية هذه. ومن هنا يأخذ العمل على تعميق الانتماء والولاء لعالم الاسلام دينا وجماعة أهميته القصوى ليس عند الحركات الاسلامية فحسب، وهو أمر منتظر، ولكن حتى عند الحركات القومية التي كانت أميل إلى العلمانية. فهو يشكل في نظر قوى المقاومة جميعا اليوم المصدر الرئيسي للتعبئة الوطنية تماما كما يصبح اللقاء بين القوى الاسلامية الوطنية والقوى القومية مهمة رئيسية على جدول أعمال الحركة العربية الرامية إلى تعزيز الهوية والروح الاستقلالية.
لا ينفي أصحاب هذا البرنامج المشاكل الأخرى التي تعاني منها المجتمعات العربية ولا ينكرون أهمية التحرر من انظمة القهر أو حتى محاربتها والتخلص منها كما لا ينفون ضرورة القيام بإصلاحات داخلية ومؤسسية أساسية في الدول والمجتمعات ولكنهم لا يعتقدون أن لها اليوم الاولوية. أو بمعنى آخر إنهم يعتقدون أن المدخل إلى مثل هذه الاصلاحات وإلى تقويض أسس النظم التسلطية هو بالضبط الضرب المستمر على رأس الأفعى وأساس الشر الذي هو نظام التسلط الغربي العالمي الذي لا يشكل القهر في البلاد العربية إلا أحد إمتداداته ولايمثل الحاكمون فيه إلا صنائع له. وهذا هو نمط التفكير الذي قاد الحركات الاسلامية التي عملت في العقود الماضية على محور تحقيق الاصلاحات السياسية والاجتماعية الوطنية إلى التحول أكثر فأكثر، مع اكتشافها انسداد الطريق أمام هذه الاصلاحات، نحو العمليات الخارجية ونقلها المعركة إلى الساحات الدولية.
هذا هو السياق الذي يفسر تعاطف قطاعات سياسية أو عقائدية أو اجتماعية واسعة مع برنامج المقاومة السياسية والمسلحة ودفاعها عن أي نظام يتبنى شعارات العداء للغرب ويشهر به وبسيطرته الاستعمارية، حتى لو جاء ذلك في إطار دعائي ومن قبل أنظمة استبدادية فاسدة وجائرة. ومن هذا المنطلق أيضا يمكن أن نفهم نمط التفكير الذي جعل الكثير من الحركات الوطنية التي بدأت تتحول نحو الديمقراطية والعديد من الحركات الاسلامية التي تعرضت لقهر كبير تميل إلى أن تغفر للأنظمة الدموية منذ اللحظة التي تتعرض فيها للتهديدات الاسرائيلية أو الأمريكية.
هناك إذن بالتأكيد برنامج وطني يشغل بال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والاسلامي ويعتبر أن جوهر العمل للاصلاح والخروج من المحنة التي تعيشها الأمة العربية والاسلامية يكمن في تركيز جميع الجهود على جبهة المواجهة مع السيطرة الامبريالية والصهيونية المجسدة اليوم في الاحتلالين الاسرائيلي والأمريكي للعراق. ولا يرتبط هذا البرنامج الذي يعبر عن نفسه عبر العداء للامبريالية الأمريكية وإسرائيل، وربما الحضارة الغربية عموما، بفلسفة واحدة سياسية أو دينية. إنه يجمع بين قطاعات من الرأي العام العربي متنوعة المذاهب والمشارب، قومية وإسلامية ويسارية معا. وتنبع قوة هذا البرنامج الوطني وثبات فاعليته وجاذبيته من الاعتقاد العميق الذي خلفه استهتار التحالف الغربي بالمصالح العربية عموما، وبشكل خاص في فلسطين، بأن لمنطقة العربية والاسلامية مستهدفة من قبل التحالف الغربي بسبب ما تنطوي عليه من مصادر الطاقة وفي سبيل حماية الاستقرار والأمن والتوسع الاسرائيلي، وأن إرادة السيطرة الغربية المتجسدة في السياسات العدوانية ضد العرب هي المسؤولة عن إخفاق التنمية وتعزيز نمط حكم الاستبداد وتدهور الأوضاع وفشل برامج الاصلاح والنهضة جميعا في البلاد العربية. بل أكثر من ذلك، أن استمرار هذه السيطرة يحرم المجتمعات من التحكم بمصيرها ويغلق عليها كل أبواب النجاة. وينجم عن ذلك أنه لا مخرج للعرب والمسلمين من المأزق الذي يجدون أنفسهم فيه إلا بتقويض أسس هذه السيطرة الغربية والأمريكية بشكل خاص، ليس في المنطقة العربية فحسب وإنما في العالم أجمع أيضا، طالما أن السيطرة الشرق أوسطية ما هي إلا امتداد للسيطرة العالمية. وهناك من يعتقد بالفعل أنه ما إن يتحقق تقويض هذه السيطرة أو إضعافها حتى تتقوض من تلقاء نفسها الأسس التي تقوم عليه نظم الاستبداد والتسلط القائمة في المنطقة وبالتالي حتى تنشأ فرص أفضل لقيام نظم أكثر تمثيلية وتعبيرا عن إرادة المجتمعات العربية والاسلامية.
لا ينبع إذن التمسك بهذا البرنامج الذي فات أوانه في معظم دول العالم الأخرى من تصورات وهمية أو تثبتات عقائدية متحجرة أو شوفينية قومية كما يعتقد الكثير من الباحثين الأجانب والعرب معهم اليوم، ولكنه يستند بقوة إلى واقع عنيد وعنيف من الصعب تجاهله أو إشاحة النظر عنه هو واقع الحرب الاستراتيجية المستمرة التي قادتها ولا تزال تقودها الدول الغربية منذ عقود ضد الشعوب العربية للتحكم بمصيرها ومواردها وفرض الأمر الواقع عليها، ومثالها ورمزها الرئيسي الحرب الاسرائيلية المدعمة من الخارج في فلسطين والرامية إلى تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وقبول الدول الكبرى جميعا تقريبا بمشروع نظام التمييز العنصري الذي فرضته إسرائيل وتحاول تكريسه بالجدار العازل. فمن الآلام الناجمة عن العنف التي تستخدمه قوى السيطرة الخارجية تنبع مشاعر العداء والرفض القومي والديني للسياسات الغربية ويستمد برنامج المواجهة قوته وزخمه كما تؤمن حركات المقاومة الوطنية والاسلامية شعبيتها الواسعة ونفوذها في أوساط الملايين وتضمن ما يشبه الشرعية أو على الأقل التبرير شبه الأخلاقي لعمليات يذهب ضحيتها في فلسطين والعراق والعديد من الدول العربية الأخرى التي تحولت إلى ساحات مواجهة آلاف المدنيين.

وكما أن من الخطأ في اعتقادي تجاهل القلق الشعبي العميق من استمرار الضغوط الخارجية العسكرية والسياسية والثقافية على الرأي العام العربي، من الخطأ أيضا التقليل من الأهمية التي يتمتع بها برنامج المقاومة العربية للسيطرة الخارجية أو الاستهانة بالتعاطف الذي يحظى به. وربما كان برنامج المقاومة ولا يزال البرنامج الأقوى بين جميع الخيارات السياسية في أوساط الفئات الشعبية. وبالمثل أعتقد أنه من الخطأ الاستهانة بحجم النفوذ المعنوي الذي تتمتع به القوى التي تأخذ على عاتقها مهمة المواجهة الخارجية. خاصة وأنها تكاد تنفرد لوحدها، من دون القوى الرسمية أو القوى الديمقراطية في الرد على اعتداءات يعيش الرأي العام آثارها وصراعاتها يوما بيوم وبالصور الحية ويدفع فيها من دمه ومن خبزه اليومي ومن أمنه ومستقبل أبنائه.

فبقدر ما تبدو الحاجة ملحة وهائلة لمواجهة السيطرة الخارجية تبدو الساحة العربية والدولية مفتقرة إلى قوى جدية وذات صدقية قادرة على أن تتحمل أعباءها أو تأخذ على عاتقها جزءا من مهام تحقيقها. وهو ما يضفى غلى المقاومة الاسلامية الراهنة، بالرغم مما تتميز به غالبا من طابع جزئي ومشتت وارتجالي، قيمة وآثارا رمزية تتجاوز بكثير نتائجها الفعلية. فهي تحتل مسرحا هجرته القوى الأخرى الوطنية والديمقراطية، الأهلية والرسمية، منذ عقدين. فالقوى الرسمية، مثلها مثل أغلب الأحزاب والتجمعات الديمقراطية اليسارية والليبرالية أصبحت حساسة لمسائل إصلاح مؤسسات الدول القائمة وتحسين عملها وفاعليتها أكثر مما هي حساسة للتخلص من السيطرة أو الهيمنة العالمية وتغيير نظام العلاقات الدولية. فهل تملك هذه البرامج البديلة فرصا أكبر لإنقاذ الأمة العربية؟ هذا موضوع مقالات تالية.

في تناقضات برنامج الاصلاح العربي
من استراتيجية المقاومة إلى استراتيجية الاصلاح

برهان غليون


قلت في مقال سابق أن هناك ثلاث برامج متضاربة اليوم في الفضاء السياسي العربي. الأول هو البرنامج الذي يعتبر أن الأولوية ينبغي أن تعطى في العمل العام لمقاومة الهيمنة والسيطرة الغربية بشتى أشكالها. وقلت أيضا أن هناك بالتاكيد مشكلة فعلية وراء المواجهة العربية الاسلامية والغربية. ويقع الموقف من إسرائيل وسياساتها العدوانية في قلب هذه المشكلة. وإذا لم يكن هناك مشكلة في استمرار التركيز على هذه الأجندة الوطنية وعلى التناقض بين المصالح العربية والغربية كما يسعى البعض إلى الايحاء باسم الديمقراطية أو نهاية الحقبة الوطنية، فهناك من دون شك خطأ في طريقة معالجة هذه الأجندة،أي في الاستراتيجية التي صاغها من يتمسك بها في سبيل التخلص من السيطرة الأجنبية. فهي استراتيجية تقود إلى معركة لا يمكن حصرها ولا تحديد مكانها وزمانها ولا التحكم بانتشارها ولا قطف ثمارها في أي أجل منظور. بل ربما قادت، وهو ما يحصل بالفعل اليوم، إلى المزيد من الدمار والفوضى في المنطقة العربية نفسها. فخوض المعركة من منظور نحن أو الغرب يعني الحرب الدائمة التي تتماشى مع بعض تيارات الإدارة الأمريكية والغربية الداعية إلى حرب الحضارات والمواجهة مع عالم إسلامي تعتبره موطن العداء للغرب ومصدره. باختصار إن حل مسألة التناقض العميق الواضح بل والمركزي بالنسبة لمصير المنطقة العربية والاسلامية من منظور المواجهة العسكرية غير ممكن. ولا بد من إعادة النظر إلى مسألة هذا التناقض ومعالجته من منظور جديد آخر. أي إعادة طرح الصراع على أرضية مختلفة وفي إطار مختلف أيضا. وهو ما سنتحدث عنه في ما بعد. لكن من المؤكد أنه في غياب أي منظور آخر للعمل في هذا الميدان، تبدو هذه المنظمات وكأنها الوحيدة التي تحمل هم الوقوف في وجه الطغيان العسكري والسياسي والفكري الغربي الراهن وتتحمل مسؤولية مقاومته وكسر شوكته.

إلى جانب برنامج المقاومة الذي تتزعمه اليوم العديد من الحركات الإسلامية وبعض الحركات القومية العربية والذي يستمد قوته مما يحصل في فلسطين والعراق وغيرهما من الاماكن الإسلامية هناك في العالم العربي برنامج آخر هو برنامج الاصلاح الاقتصادي والإجتماعي والسياسي. يعتقد قطاع كبير من النخب الحاكمة وبعض ممثلي الطبقات الوسطى العربية أن خط المقاومة القومية والوطنية والدفاع عن السيادة والاستقلال قد أخفق تماما في تحقيق أهداف الأمة العربية وأن عصر المقاومة الوطنية قد انتهى على أي حال وأننا ندخل اليوم عصر العولمة الذي تختفي فيه الحواجز الدولية القومية والاقتصادية. وفي هذاالعصر يحتل تحسين شروط معيشة الناس وتحقيق حد أدنى من النمو الاقتصادي والوصول إلى درجة ما من ممارسة التعددية السياسية والحريات الفردية موقع الأولوية. ويختلف هنا الاصلاحيون بين فريقين. الفريق الأول يعتقد أن المطلوب هو تحقيق الإصلاح الاقتصادي والإداري الضروري لخلق الشروط اللازمة لرفع مستويات المعيشة وتخفيف التناقضات والتوترات الاجتماعية وتحديث الأجهزة الإدارية والأمنية قبل البدء بأي إصلاحات سياسية ديمقراطية. ومن دون ذلك لا يمكن ضمان أن لا يتحول الانفتاح السياسي وإطلاق الحريات الفردية إلى مناسبة لتفجر النسيج الاجتماعي وزيادة فرص التدخل الخارجي في الحياة الاجتماعية والسياسية. أما الفريق الثاني فيعتقد على العكس أن من غير الممكن النجاح في الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية من دون تغيير قواعد العمل السياسية وإدخال مباديء الديمقراطية في الحياة العربية.
وفي الحالتين تفترض أولوية الإصلاح تجميد المقاومة بل الخروج من موقف المواجهة والمجابهة مع الدول الغربية والسعي بجميع الوسائل لدفعها للتعاون معنا. فكما تتنافى أولوية الإصلاح الاقتصادي والإداري مع فتح الساحة السياسية والمخاطرة بتفجير الوحدة الوطنية وتعميق الصراعات الداخلية من دون نتيجة فهي تتنافى أيضا مع الاستمرار في خوض معركة الكفاح ضد السيطرة والهيمنة الخارجية. فالتحديث والتطوير والإصلاح الاقتصادي والإداري يعتمد بشكل رئيسي على التعاون الدولي وبشكل خاص مع الدول المسيطرة او الطامحة إلى السيطرة. ولا يمكن تحقيق أي تقدم فيه من دون تجنب المواجهات الخارجية ووضع حد للتوترات المرتبطة بها، أي من دون أقفال ملف النزاعات الخارجية والحروب.
هذا هو المنطق الذي دفع العديد من النظم العربية وفي مقدمها النظام المصري منذ السبعينات من القرن الماضي إلى الخروج من المواجهة العربية الاسرائيلية التي اعتبرتها وجها من وجوه المواجهة العربية الأمريكية كما شرحها الرئيس الراحل أنور السادات عندما قال إنه غير مستعد لمواجه أمريكا التي تقف وراء إسرائيل. فمنطق التنمية الاقتصادية يستدعي التعاون والتبادل الحر والاستثمار ولا يتفق مع منطق المواجهة والصراع والحرب سواء أكان إقليمية أو عالمية.
ومؤخرا اكتشف النظام الليبي الذي كان يتبنى صراحة استراتيجية المواجهة العالمية ويمول منظماتها ويدعو لها مأزق اختياراته القديمة وسعى إلى الخروج منها بصورة دراماتيكية من خلال تسليمه بتدمير برامج تسلحه الخاصة. وهو ما أدركه النظام السوري أيضا بعد تردد طويل بسبب احتلال اسرائيل لجزء من الأراضي السورية وصعوبة التحلل من الالتزامات الوطنية من دون أن يعني ذلك التسليم بضياع هذه الأراضي أو بقائها تحت الاحتلال.
وبصرف النظر عن سياسات الفئات العربية الحاكمة والطرق التي اتخذها انسحابها من المواجهة الوطنية او القومية التي كانت تعيش عليها حتى وقت قريب كمصدر للتعويض عن غياب الشرعية القانونية أو الديمقراطية، ليس برنامج الاصلاح الاقتصادي والإداري برنامجا مصطنعا أو وهميا ولكنه برنامج أصيل وحتمي. وهو يستجيب لمصالح تتجاوز مصالح الفئات الحاكمة التي تريد من خلاله أن تحافظ على بقائها وسيطرتها في ظروف تغير البيئة الدولية وزيادة التحديات الخارجية. ومن هنا تأمل هذه الفئات من تطبيق هذا الإصلاح في تجديد أسس شرعيتها أو بالأحرى في أن يقدم لها فرصة لايجاد شرعية مستمدة من النجاح في التنمية الاقتصادية وتحسين مستويات المعيشة بدل الشرعية القومية والوطنية البائدة. وهذا هو الوضع الذي سمح ببقاء النظام التونسي مابعد البورقيبي واستمراره حتى اليوم. وهو الوضع الذي يقدم كمثال ينبغي أن يحتذى وتحلم العديد من الفئات العربية الحاكمة أن تحتذي به كي تعيد تكريس سلطتها وتضفي عليها بعض الشرعية.
وإلى مثل هذا الخيار الإصلاحي تدفع أيضا المؤسسات الدولية المالية والاقتصادية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الحرة. وتدفع إليه كذلك الدول الصناعية. والتشجيع على تبنيه هو المقصود من برامج الشراكة التي أصبحت اليوم صيغا وشعارات سائدة لإعادة ترتيب العلاقات بين هذه الدول والبلدان الفقيرة والضعيفة. ومن هذه الشراكات التي تتنافس على استعادة المنطقة العربية إلى دائرة نفوذها الاقتصادي الشراكة الاوروبية المتوسطية والشراكة الأمريكية الشرق أوسطية التي اقترحها الرئيس بوش الابن في إطار دعوته لإقامة منطقة تجارة حرة بين الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية. ومنها أخيرا المبادرة المشتركة الأمريكية الأوروبية الاخيرة لنشر الديمقراطية فيما سمي منذ أشهر الشرق الاوسط الكبير.
وبالفعل، يتعارض خيار الاصلاح الاقتصادي والإداري تعارضا جذريا مع خيار المواجهة والحرب ضد الغرب والامريكيين بل أكثر فأكثر اليوم والاسرائيليين أيضا. وهو ما يفسر التفاهم الحقيقي والعميق الحاصل بين واشنطن والحكومات العربية حول الحرب ضد الارهاب والتفاهم ضد المنظمات الجهادية التي كانت تستخدم في السابق من قبل هذه الحكومات نفسها، بصورة غير مباشرة، كأداة للتهديد والضغط. وفي هذا السياق يمكن أيضا تفسير التخلي شبه الكامل للنظم العربية عن الحركة الوطنية الفلسطينية التي أصبحت تكافح وحدها في مواجهة القوة الاسرائيلية العاتية المدعمة سياسيا وإعلاميا ودبلوماسيا من قبل الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص. وهو ما يكمن وراء نجاحها في تطوير مشروعها الاستيطاني علنا ومن دون أي رد فعل عربي أو دولي وإقامة جدار عازل يقضي على أي أمل للفلسطينيين بالعيش في فلسطين كمجتمع او كناس أحرار.

هكذا يشكل برنامج الاصلاح استراتيجية كاملة ومتكاملة ولا يمكن له إلا أن يقود إلى التفاهم والتعاون الكامل مع الدول الصناعية بصرف النظر عن موقفها من أي قضية وطنية أخرى. ولذلك فهو يحمل في طياتها أيضا مشروع انقلاب كامل في السياسات والاستراتيجيات العربية التقليدية تجاه كل ما يتعلق بالخارج وبالمسائل ذات الطابع الوطني أو القومي. وهو يقود في العالم العربي اليوم بشكل واضح ومنهجي إلى تفكيك الجامعة العربية أو تمزيقها بوصفها إطارا لتحالف عربي قديم في سياق التخلي عن الغايات والأهداف والمصالح المشتركةوسعي كل دولة من دولها إلى إعادة بناء التحالفات الإقليمية بصورة معاكسة تماما لما كان سائدا من قبل. ونشهد اليوم كيف تلتحق كل دولة بالقوة الجاذبة التي تسيطر عليها أو التي تعتقد أن من الممكن أن تقدم لها الفائدة والمتفعة والحماية في إطار تطبيق برنامج إصلاحها الاقتصادي والاداري الخاص وانكفائها على نفسها في وجه الدول العربية الأخرى.

dimanche, février 15, 2004

العنف المنتج للفوضى والخراب



إذا استثنينا إسرائيل وقطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي المتأثرة بدعايتها أو الحاهلة بمجريات الامور في منطقتنا، من الصعب الوقوع على شخص أو فئة لا تعلن تعاطفها الكبير مع سورية في مواجهة التهديدات الأمريكية والاسرائيلية المتواصلة التي تتعرض لها منذ احتلال العراق في نيسان الماضي. ولا ينبع هذا التعاطف من العداء لسياسة السيطرة الأمريكية العالمية ولا من المخاطر التي تقود إليها سياسات اليمين الاسرائيلي التوسعية على السلام العالمي فحسب ولكن أيضا، وقبل ذلك من تأييد موقف الشعب السوري المتمسك بحقوقه في مواجهة التهديدات وبالرغم منها. فالرأي العام الدولي وعلى رأسه الرأي العام العربي يعتقد أن إخضاع سورية سوف يعني، في ما وراء نهاية الحقبة الوطنية العربية، تكريس السيطرة الاستعمارية أو شبه الاستعمارية الجديدة في المشرق العربي وما تعنيه من افلات تقرير مصير العرب من أيدهم ووضعه في يد الدول الأجنبية وبالتالي التهديد بخسارة عقود طويلة مقبلة من الضياع العربي والصراع داخل المجتمعات العربية لإعادة بناء الهوية والتوازنات الداخلية التي تسمح باستعادة الوحدة الداخلية والإرادة الذاتية وروح الحرية والاستقلال.

وفي إطار هذا التعاطف الدولي والعربي الواسع مع سورية تغاضت قطاعات كبيرة من الرأي العام الرسمي والشعبي ولا تزال عن المشاكل الكبيرة التي تطرحها سياسات احتكار السلطة والاحتفاظ بنظام الحكم السياسي القائم والذي لا يختلف في نظرها كثيرا عن الأنظمة الشمولية الأخرى. وليس ذلك بالتأكيد من باب التعلق بهذا النموذج من الحكم ولا من باب المحبة لأولئك الذين يستفيدون منه ولكن في سبيل تجنب أي نزاعات سياسية داخلية يمكن أن تدفع نحو زعزعة الاستقرار وتشكل ثغرة تغري التحالف الامريكي الاسرائيلي بتوجيه المزيد من الضغوط والتهديدات لسورية.
لكن في مقابل ذلك لم تظهر السلطات السورية أي حساسية خاصة تجاه ما يتطلبه الحفاظ على هذا الاستقرار وقطع الطريق على المناورات المعادية. ولم يستمر الجمود السياسي التقليدي، بما يعنيه من غياب أي حوار مع المجتمع وقواه المختلفة، السياسية أو المدنية أو الفكرية وانعدام أي مبادرات جدية لكسر مناخ الفرقة والقطيعة القائمة بين السلطة والرأي العام السوري فحسب، ولكن هذه السلطات سارت في الطريق المعاكس لما يقتضيه منطق التعاون الوطني من أجل الصمود في وجه التهديدات وسياسات الإخضاع والتركيع المذلة لسورية والبلاد العربية معا. وبدل السعي إلى فتح الحوار في الداخل كما حصل في السعودية أو في مصر وفي العديد من البلدان العربية الأخرى لتعزيز التفاهم الداخلي وتمتين الموقف السوري في مواجهة الضغوط الخارجية اختارت السلطة سياسة على النقيض تماما، أعني التضييق المتزايد على الرأي العام الداخلي والتراجع عن النذر اليسير من التسامح الذي أبدته تجاه بعض المثقفين في التعبير عن آرائهم السياسية في الصحافة الأجنبية مع السعي بجميع الوسائل إلى التفاهم مع القوى الخارجية التي توجه لها التهديدات، أي السلام في الخارج والحرب في الداخل. وهكذا وضعت نفسها أيضا في موقف محير وغير مفهوم. فهي في الوقت الذي تستخدم فيه قفازات الحرير في تعاملها مع الأعداء الخارجيين تستخدم قانون الطواريء والمحاكم العسكرية والملاحقات الأمنية اليومية ضد المواطنين القلقين على مصير وطنهم والحريصين على أمنه وسلامته ورد الأذى عنه. وهي في الوقت الذي توسط فيه جميع الدول الصديقة وغير الصديقة لفتح المفاوضات مع اسرائيل لا تترك فرصة تفوتها من أجل إشعار الجمهور الواسع بدونيته وتجريده من أي قيمة أو كرامة أو اعتبار وابراز أن مصيره معلق في قبضتها وأنه ملك لها تستطيع أن تفعل به ما تشاء متى تشاء.
هناك بالتأكيد خوف كبير من أن تقود الانفتاحات السياسية إلى تفجير أجواء من الحرية يصعب السيطرة عليها في ما بعد أو أن تتجاوز مقدرة أجهزة الأمن على ضبطها. وهو ما يمكن أن يخلق ظرفا يفرض على النظام، في ما بعد، القبول بشكل أو آخر من أشكال التعددية حتى لا نتحدث لا عن المشاركة ولا عن الديمقراطية. وجميع المتعاطفين مع سورية وهم كثر، في أوساط الأنظمة والرأي العام معا، يأخذون هذا بالاعتبار ولا يؤمنون كثيرا بأن من الممكن الذهاب بعيدا في عملية التحويل الديمقراطي في سورية والعالم العربي من دون ايجاد المناخ الملائم في الوقت نفسه لفتح مسار التنمية الاقتصادية وايجاد حلول معقولة ومقبولة للنزاعات الاقليمية وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي ومأساة الشعب الفلسطيني اليومية. لكن في المقابل لا أحد يفهم ويقبل، وهو ما سمعته من العديد من الشخصيات الأجنبية والعربية التي دعمت ولا تزال تدعم سورية والنظام السوري لتحقيق مشاريع الاصلاح التي تعتبر أنها أساسية لوقف المزيد من تدهور الاوضاع السورية والاقليمية معا ومواجهة حالة الفوضى والخراب العام، أقول لا أحد من هؤلاء يفهم أو يقبل أن يعني مفهوم الاستقرار والطمأنينة أو التغلب على الخوف وضع لوح من الجليد على الحياة الفكرية والسياسية لشعب كامل ومنعه حتى من ممارسة حقوقه المدنية الأساسية. ونحن لا نتحدث هنا عن الديمقراطية في الواقع ولكن عن احترام الحد الأدنى من القانون ومن الحريات المدنية التي تعني أنه لا يحق للسلطة أن تلقي القبض على من تشاء لأسباب غير معقولة مثل مشاركته في ندوة فكرية أو حضوره لها، أو بسبب انضمامه إلى جمعية أهلية للدفاع عن البيئة، وإذا حصل وإلقي القبض عليه أن لا يحاكم في محاكم عسكرية أو استثنائية لا تقبل الالتزام بأي شروط موضوعية للمحاكمة القانونية.
وكما يقول أصدقاء سورية والحريصون على استقرارها، من الممكن أن تجلب مثل هذه السياسة الأمنية المفرطة في استخدام القهر والعنف الطمأنينة للسلطة وعناصرها المختلفة التي تزداد مخاوفها بقدر ما تتعرض للضغوط والتهديدات الخارجية وكذلك بقدر ما تزرع هذه التهديدات والضغوط الانقسام في ما بينها. لكن هذه السياسة التي تعطي لأجهزة السلطة الانطباع بأن كل شيء خاضع وخانع وتحت السيطرة تنقل الخوف والرعب والقلق والذعر إلى داخل المجتمع وبشكل خاص إلى قلب نخبه الأكثر وعيا وحساسية واهتماما بالشأن العام. وكما هو الحال عند البشر جميعا، يشكل الخوف والقلق واليأس التربة الخصبة لكل الأفكار والحركات المغامرة والمتطرفة واللاعقلانية. ومن هنا يمكن لسياسة المبالغة في طلب الأمن والاستقرار، أي لاستسهال استخدام سلاح العنف المادي أو القانوني وتحويل أي تعبير عن الرأي أو مشاركة في ندوة أو محاضرة أو النية في تشكيل جمعية أهلية أو الطموح للمشاركة في الحياة السياسية من خارج إطار الحزب الحاكم كما هو الحال اليوم، أن تكون هي السبب الرئيسي في زعزعة الاستقرار وتفجير الأزمات العميقة الراكدة أو المتأججة تحت الرماد. ولا ينبغي للسلطات السياسية أن تركن إلى مظاهر الخنوع والخضوع والصمت الراهن، فقد تكون خادعة وغشاشة.
لن يأتي الخطر بالضرورة من ناحية الطبقات الوسطى والمثقفين الذين لم يكفوا خلال السنين الثلاث الماضية عن التعبير عن تمسكهم ببرنامج اصلاح وتحولات ديمقراطية تدريجية وسلمية ولكن من ناحية شرائح اجتماعية واسعة لا يسيطر عليها لا فكريا ولا سياسيا أحد من الفئات الحاكمة أو من نخب المعارضة، بما فيها النخب الاسلامية. فالتنكيل اليومي والمستمر بما تنظر إليه السلطات على أنه أقليات بسيطة من المعارضة والمثقفين المعزولين عن الجمهور الواسع يخلق مناخا محبطا عند جميع أبناء البلاد وينزع الصدقية عن السلطة والحياة السياسية بأكملها. وبشكل عام إن الذي يمنع الجمهور الواسع والمحبط معا من الحركة هو عدم ثقة أفراده بأنفسهم وقدراتهم وخوفهم من عالم السياسية بكل ما يشتمل عليه من خطابات منمقة ومناهج عمل ووسائل تنظيم مدققة، عند فئات الحكم والمعارضة معا. لكن بقدر ما يفسد المناخ العام ويزيد الشعور لدى هؤلاء باستنفاد النظام السياسي بأجمعه، حكومة ومعارضة، لأوراقه واهنلاك السياسة نفسها، أو انسداد طريق الاصلاحات بالسياسة وعن طريقها، يزدادا لديهم الشعور بانعدام القيادة والضياع وبالتالي الخوف من المستقبل ويحرك لديهم غرائز طبيعية للدفاع عن النفس والخروج من حالة العطالة والسكون. وليس هناك شك في أن السنوات الثلاث الماضية التي شهدت إطلاق فكرة ومشروع إصلاح الأوضاع السورية قد أثبتت للجميع بأن النخب الاجتماعية غير قادرة على الوصول إلى نتيجة ولا إلى أي حد من التفاهم وأن نظام السياسة أو منطقها قد استنفد آغراضه ووصل إلى طريق مسدود ولم يبق هناك شيء لا دولة ولا قانون يستحقان الذكر وبالتالي الاحترام.
حان الوقت لوقف لعبة التدمير الجماعي المتبادل وحان الوقت كي يدرك المسؤولون وأصحاب المصالح الرئيسية في النظام، والآن في البلاد، أنه لا شيء يبقى كما كان، وأن الدفاع عن النظام الذي بدأ بناؤه منذ أكثر من أربعين عاما، كما هو من دون أي تغيير أو تنازل أو مشاركة، مع ما عناه من تركيز الثروة والسلطة والجاه في يد فئات صغيرة وتهميش شعب كامل، لم يعد بالإمكان. فما نجح البعض بتحقيقه عن طريق القوة والسيف في ظرف داخلي وخارجي استثنائي يصعب اليوم الدفاع عنه وبالأحرى ايجاد مبررات استمراره. وأي مسعى لضمان هذا الاستمرار بالقوة والاستخدام الموسع للعنف سيكون له مفعول معاكس تماما ولا يمكن أن يقود إلا إلى دفع الجمهور إلى المزيد من الانفصال عن النظام وإلى نمو روح المقاومة والتمرد والانفجار. وأعتقد أن استخدام العنف السياسي والقانوني قد استنفد أغراضه تماما وأنه لم يعد هناك خيار آخر سوى المخاطرة بمستقبل البلاد أو فتح النقاش حول اسس النظام الجديد الذي يضمن وحدة السوريين وولاءهم ويقطع الطريق على التفكك والانهيار الذي قاد إليه في كل مكان الإصرار على التفرد بالقول والسلطة والقرار.
إن السوريين جميعا مدعوون إلى المشاركة في حمل المسؤولية لتجنيب البلاد هذا الاحتمال. لكن الدور الأكبر يقع على كاهل التيارات الاصلاحية داخل النظام. فهي التي تملك زمام المبادرة لإطلاق ديناميكية بعكس الاتجاه السائد اليوم. وهي تشكل الأغلبية الصامتة والمستعملة داخل الحزب الحاكم وليس لديها في الواقع ما تخسره من العودة إلى نظام الحياة القانونية والسياسية الطبيعية سوى ربما السمعة السيئة التي ارتبطت ولا تزال بمنطق الولاء والاستزلام والتضحية بروح الكرامة والعدالة والمساواة الانسانية. وربما كانت الإعدادات الراهنة لمؤتمر الحزب القادم هي فرصتها المثالية كي تظهر انتماءاتها الحقيقية وتميز نفسها عن فئات المصالح الشخصية والمافيوية، أعني كي تعلن رفضها الإذعان للأمر الواقع وتقول نعم للحرية والعدالة والمساواة والأخوة في سورية مستقلة حرة وديمقراطية خالية من التعسف والسجون والمعتقلات.
.

mercredi, février 04, 2004

الاصلاح والديمقراطية والحكومة التمثيلية



قلت في مقال سابق أن برنامج الاصلاح العربي الذي تبناه العديد من النظم العربية يعاني اليوم، بسبب غياب حكومات تمثيلية مستندة إلى إرادة شعبية واضحة وقوية، من انسدادات ومآزق عديدة لن يكون من الممكن تجاوزها ولا التحكم بها من قبل دعاة الإصلاح حتى لو وجدت الرغبة والإرادة الفعلية عند القيادات الحالية. والسبب في ذلك أن الإصلاح يحتاج اليوم في البلاد العربية أكثر منه في أي مكان آخر، إلى اتخاذ قرارات صعبة تمس مصالح ثابتة وقوية ومستقرة منذ عقود طويلة كما يحمل مخاطر كبيرة داخلية وخارجية. وأول هذه القرارات هي مواجهة الفساد المستشري في الحكم والإدارة وتضييق الخناق على أولئك الذين جعلوا من الموارد العامة موارد شخصية. ومنها أيضا معالجة التناقض الحقيقي بين متطلبات الإصلاح والتنمية وترتيب البيوت الداخلية من جهة ومتطلبات مواجهة الضغوط والتهديدات والتدخلات الخارجية. وهو ما يعني خوض معركتين في الوقت نفسه وعلى جبهتين متنافرتين تماما والتوفيق الصعب بين أهداف الاستقرار السياسي والاستراتيجي الضروري لتوطين الاستثمارات وجذبها وأهداف الحفاظ على الحد الأدنى من استقلالية الحركة والقرار واتساق السياسات التنموية عبر خطط يحتاج تطبيقها إلى فترات زمنية طويلة نسبيا. وكما يتطلب مشروع الاصلاح والتنمية تركيز الجهود الرئيسية على توفير شروط الاستثمار يحتاج الاستمرار والاستقرار السيطرة على اللعبة الإقليمية واحتواء التقلبات الخارجية الاقليمية والدولية. وهو ما يطرح مسألة الأسلوب الأنجع للتعامل مع حالة الحرب المعلنة أو الكامنة مع المعسكر الأمريكي الاسرائيلي. ولا تهدف الضغوط و التهديدات الاسرائيلية والأمريكية المستمرة للعديد من الدول العربية المطالبة بالاصلاح إلى شيء آخر سوى زعزعة الاستقرار لتقويض نظمها وإجهاض مشاريع الاصلاح المنشود فيها. وكما يبدو لي أن من الصعب على الحكومات العربية أن تعطي الأولوية للتنمية وتنسى التهديدات الاسرائيلية التي تقوض شرعيتها يبدو لي أنه من الصعب على هذه الحكومات أيضا أن تغض الطرف عن هذه التهديدات وتتصرف كما لو أنها غير موجودة وتعطي الأولوية لمشاريع الاصلاح الداخلية. فالتركيز على المسألة الوطنية يزيد من التوترات الإقليمية ويساهم في زعزعة الاستقرار وبالتالي إعاقة مسيرة الاصلاح والتنمية في حين أن التركيز على مسائل التنمية والاصلاح وتجاهل التهديدات الخارجية يجعل الحكومات تبدو في نظر شعوبها وكأنها تعد نفسها للاستسلام والتسليم بالمشاريع الاستعمارية.
والمأزق الثاني هو الناشيء عن التناقض بين حاجات الاصلاح إلى مكافحة حقيقية وسريعة للفساد أوعلى الأٌقل إلى تقليص انتشاره من جهة وحاجات النظام في بقائه لاستمرار الاعتماد على الولاءات الحزبية والعائلية والزبائنية عموما. وقد دلت السنوات الماضية على أن الفئات الفاسدة كانت أكثر قدرة على فهم منطق النظام والاستفادة منه لتضاعف من نشاطها في العديد من البلاد العربية بدل أن تحد منها. بل ربما أدى الحديث عن الحرب ضد الفساد مع غياب إرادة العمل الجدي وعدم توفير الشروط السياسية والاجتماعية والقانونية الضرورية لتحقيقها قد دفع إلى تفاقم الظاهرة أكثر من قبل. وربما ساد شعور قوي لدى أصحاب المصالح من بيرقراطيين فاسدين ومحاسيب وأزلام للنظم بأن هذه هي الفرصة الأخيرة لتكوين رساميل أسطورية أو لتعزيز المتراكم منها. وفي عديد الحالات قامت شبكات المصالح الخاصة، في سبيل قطع الطريق على إرادة الاصلاح الضعيفة والمترددة، بالسيطرة على الدولة وتحييد مؤسساتها تماما وإلغائها او شلها ومعها جميع القواعد والمعايير القانونية والأعراف الإدارية الطبيعية التي لا يمكن لدولة أن تقوم وتستمر من دونها. وهكذا لم يعد هناك وجود حقيقي للدولة بوصفها مؤسسة عمومية وتحولت إلى غلاف أو غلالة خفيفة لا تكاد تخفي ما يتلاعب بها من زعامات تعمل بمنطق الولاء وعصابات لا وجه لها تعمل لحسابها وبالتفاهم معها.
إن حكومة ديمقراطية تمثيلية مسلحة بدعم شعبي حقيقي هي وحدها التي تستطيع أن تتخذ القرارات الحاسمة من دون أن تخاف من نتائجها وتحدد الاولويات وتوفق بينها من دون أن تتهم بالعمالة الأجنبية أو بالمزاودة الوطنية على حساب مصالح المجتمعات وحياتها. واعتمادا على الصفة التمثيلية والصدقية التي تحظى بها بوصفها بالفعل حكومات لا يمكن التشكيك بشرعيتها، تستطيع هذه الحكومات وحدها أن توقف منطق الابتزاز المدمر بالاصلاح والديمقراطية الذي أصبحت القوى الأجنبية، وفي طليعتها الولايات المتحدة وإسرائيل، تستخدمه لتفرض على الحكومات الراهنة تنازلات لا تمس سيادة الدول وصورتها الخارجية فحسب وإنما سيادتها الداخلية ذاتها. ولم يبق إلا أن توظف مندوبا ساميا في كل دولة عربية لضمان أمنها ومصالحها في الحرب ضد الارهاب ومن أجل الديمقراطية والتنمية واحترام المرأة وغير ذلك من النقاط الموضوعة على برنامج التغيير من الخارج.
ولذلك يبدو لي أن ما تطالب به النظم القائمة أو أغلبها من الاحتفاظ بسلطة مركزية قوية، حتى من دون أـن تكون تعسفية خاضعة لقانون الطواريء والأحكام العرفية، لا يمكن أن يفيد في هذه المرحلة الدولة ولا أن يعزز مكانتها أو أن يزيد من قدرتها على المناورة الخارجية والداخلية. إنه يساهم بشكل أكبر في إخضاعها وتركيعها من قبل القوى الخارجية كما يعطي فرصة جديدة لمجموعة المصالح الخاصة التي تسيطر عليها باسم الولاءات الحزبية أو العائلية أو العشائرية أو المحسوبية للاستمرار في نهبها المتواصل للموارد العامة. ومن هنا لا يعني التمسك باحتكار السلطة وشموليتها ورفضها الخضوع لقاعدة القانون نشوء دولة قوية بل سلطة وطنية متماسكة ولكن العكس تماما: دولة مرعوبة مفتقرة للإرادة والقوة معا وسلطة مفككة تنخرها نزاعات المصالح الفئوية الزبائنية التي تنهش فيها. وفي ما وراء المظاهر الخادعة، ليس ما نراه أمامنا سوى تلاشي الدولة من حيث هي حضور فعلي وحي للمؤسسات التي تتحكم بالعلاقات الشخصية وتخضعها لمنطق موضوعي يساوي بين الأفراد وينظم علاقاتهم على أسس قانونية لحساب النظام الذي يقوم على مباديء حزبية أو تحزبية تلغي بنيته الوطنية وتجعله إطارا لتآلف المصالح العشائرية والعائلية والزبائنية.
ومن هنا لا أعتقد بأهمية النقد الذي غالبا ما توجهه المعارضات العربية للنظم القائمة وتركز فيه على تحكم السلطة التنفيذية بالسلطات التشريعية والقضائية وإخضاعها لها. و ليس من الصحيح في نظري أن المشكلة كامنة في قوة السلطة التنفيذية للدولة. الصحيح أن سلطة الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية معا معدومة لصالح سلطة ممثلي المصالح التي تتقاسم موارد الدول وصلاحياتها، وهم متمركزون داخل الأجهزة الأمنية والحزبية والنقابية التي تتصرف كميليشيات مستقلة عن الدولة وغير خاضعة لقانونها، مثل ما هم متمركزين خارجها وبمحازاتها. فهذه هي القوى التي تستفيد من تركيز سلطة الدولة وليس الأمة أو الشعب عموما، ولصالح هذه النخب ولخدمة أهدافها يعمل إلغاء التعددية والحياة السياسية من البلاد وليس لصالح الدولة. فالمشكلة لا تنبع هنا من وجود دولة قوية قادرة على مركزة القرار والمبادرة السريعة ولكن في غياب الدولة ومصادرة سلطتها المركزية جدا والقاسية جدا من قبل جماعات المصالح ولتحقيق أهداف ومشاريع خاصة متناقضة تماما مع مصالح بناء الدولة والحفاظ على الامة معا.
إن الابقاء على نظام السلطة المطلقة الاحتكارية والتعسفية بدل أن يعزز قوة الدولة ويساهم في ايجاد قرار مركزي يساهم في نجاح الاصلاح والسياسات التنموية، يزيد هنا، بعكس ما يدعي أنصار الابقاء على نظام الأمر الواقع، من تغول أصحاب المصالح الخاصة والضيقة على الدولة ويكرس تحييد المؤسسات وتهميشها. و.بمعنى ثان إن الاصلاح يحتاج، قبل أي شيء آخر، لتحرير الدولة من سيطرة المصالح العصبوية التي تنخرها وجعلها دولة مؤسسية وقانونية أولا، تفكر بمنطق وطني وتعمل لصالح المواطنين جميعا وتتحلى بروح المسؤولية وبرؤية شمولية للمصالح العامة والبعيدة. ولا يمكن لهذا أن يحصل من دون العودة إلى المجتمع عبر آليات التمثيل الديمقراطية التي تشكل في هذه المرحلة الانتقالية الوسيلة الوحيدة لتحرير الدولة أو إعادة بنائها

الديمقراطية الأمريكية وإعادة بناء علاقات السيطرة شبه الاستعمارية


لا أعتقد أن خطاب الإدارة الأمريكية الجديد حول التحويل الديمقراطي والاصلاح في البلاد العربية دعاية فارغة ولا خدعة لفظية لا تهدف إلا إلى ضمان تأييد العرب لمشاريعها الامبرطورية في احتلال العراق وتطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية من دون تحقيق مطالب الدولة الفلسطينية والانسحاب من الأراضي المحتلة. وفي نظري أن الباعث على الحديث عن مبادرات ديمقراطية للعالم العربي موجود في مكان آخر غير الدفاع المباشر عن المصالح المادية والسياسية والاستراتيجية التي تحدثنا عنها. إنه يكمن في الاقتناع الصحيح بأن النظم العربية قد أخفقت في تحقيق أي هدف من الاهداف التي لا بد منها لاستقرار الشعوب والمجتمعات والبلدان، سواء ما تعلق منها بالتنمية الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية أو بناء الأنظمة السياسية الشرعية، وأن النتيجة الطبيعية لهذا الإخفاق هو تدهور شروط الحياة العربية وتفاقم البطالة والفقر ومن ورائهما تنامي التناقضات والنزاعات الداخلية وبالتالي انفجار أزمة تاريخية طويلة لا يمكن لأحد أن يتنبأ بمآلها ولا بعواقبها على المصالح الأمريكية والغربية والاسرائيلية عموما، بل وعلى استقرار الشرق الأوسط والقدرة على حكمه والسيطرة عليه. وعلى هامش هذه الأزمة الطاحنة والسائرة حتما نحو التفاقم مع توليد المزيد من التعصب والتوتر والاقتتال والعنف لا يبدو في المشهد السياسي أحد، أعني فاعل جمعي يقف على رجليه أو يبدو كذلك ويقدر على التدخل لتثمير الأحداث ودفعها في اتجاه واضح على الأقل من وجهة نظره سوى القوى الاسلامية التي تمتح من معين المشاعر والاعتقادات والتقاليد الجمعية الدينية والمدنية معا. وأمام تفكك هذا النظام الشرق أوسطي ومخاطره الكبيرة على تدفق النفط الطبيعي وسلام وأمن إسرائيل وانتشار أسلحة الدمار الشامل إن لم يكن استخدامها من قبل مجموعات منظمة صغيرة واتساع دائرة ما يسمى اليوم بالارهاب لا يسع الولايات المتحدة ولا بلدان المعسكر الصناعي الأخرى التي تدعمها وتقف ورائها، حتى عندما تختلف معها في الخطط التكتيكية، إلا أن تتدخل مباشرة في عين المكان لتعيد ترتيب الأوضاع وتقطع الطريق على أي مفاجآت أو تطورات غير متوقعه ومهددة للمصالح الغربية.
هكذا يعقتد الأمريكيون والغربيون عموما أن سبب الإخفاق الخطير الذي تشهده المنطقة في جميع المستويات والذي يحمل تهديدات لا يمكن تجاهلها للمصالح الغربية هو سوء حكم وإدارة النخب العربية الحاكمة وأن من المستحيل درء مخاطر الإخفاق الشامل في المنطقة من وضع حد لما أصبح يبدو عمليات سطو جماعي مسلحة على موارد البلاد وسكانها أكثر مما يبدو سياسات مدنية وعقلانية مستمدة من حاجات بناء المجتمعات وضمان عمل المؤسسات وتكوين الدول الفاعلة. إن ما تهدف إليه واشنطن من الحديث عن الديمقراطية هو القفز علىى برنامج الاصلاح الذي أصبح برنامجا عربيا شعبيا والتظاهر بتبنيه لتبرئة نفسها من مسؤولية الوضع الكارثي القائم وانتزاع المبادرة في توجيه وقيادة المرحلة القادمة التي ستخلف مرحلة تفكك النظم العربية القائمة. وهكذا تريد الولايات المتحدة التي كانت الداعم الأول لنظم الحكم اللاشعبية باسم الحفاظ على الاستقرار أن تظهر بمظهر الشريك الأول للشعوب العربية في السعي نحو الخروج من الأزمة. والمضمون الحقيقي لمشروعات الاصلاح الأمريكية هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل النظم والنخب العربية بما يحقق استعادة زمام الأمور في منطقة استثنائية في موقعها وقيمتها الاستراتيجية، أي بما يضمن الحفاظ على المصالح الحيوية الأمريكية الأوروبية. ولا يمكن تحقيق ذلك في نظر التحالف الغربي إلا بوضع حد لسياسات الهدر والاستهتار والانفلات القانوني والإداري التي تشكل اليوم أكبر تهديد للاستقرار وبوقف مسار التدهور المعنوي والمادي والسياسي وإنقاذ الوضع الشرق أوسطي من وجهة نظر الولايات المتحدة وحلفائها من كوارث محققة. ولا شك أن الديمقراطية بما تعنيه من الاعتراف بحد أدنى من الحريات والتعددية للشعوب العربية وتأكيد معنى المسؤولية والمحاسبة السياسية تشكل اليوم أحد العناوين الأساسية إن لم تكن العنوان الرئيسي لأي برنامج إصلاح عربي.
لكن لا ينبغي أن نفهم من المشروع الأمريكي لنشر الديمقراطية في البلاد العربية إعادة السيادة للشعب والقبول بمطالبه وجعل السلطة العمومية ممثلة بالفعل لمصالحه وتوجهاته. فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الشعوب العربية على أنها شعوب بدائية ضعيفة التكوين الروحي والفكري والسياسي لا يمكن الإطمئنان لها أو السيطرة عليها. إن ما يهدف إليه هو بالأحرى وضع الأنظمة أو النخب العربية التي تدين ببقائها وتدعيمها للولايات المتحدة تحت الوصاية المباشرة للمعلم وحرمانها من التصرف بحرية بما أصبح يبدو لها، من بلاد وعباد وثروات وموارد وطنية، وكأنه من أملاكها الخاصة وحكرا قائما عليها. أي في الواقع وضع حد لعربدتها الداخلية الاستثنائية. وهو من قبيل وصاية الأب على الولد الجاهل والفاسد والقاصر معا.

يطمح الحلفاء، والأمريكيون على رأسهم، أن يحقق لهم نظام الوصاية الجديد الذي يزمعون فرضه على العالم العربي إشرافا أفضل على مسار التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في المنطقة والقيادة شبه المباشرة لها بعد أن خرجت أو كادت تخرج في نظرهم عن السيطرة. فالاصلاحات السياسية والاقتصادية والإدارية هي التي تضمن في نظرهم منع برميل البارود الذي هو العالم العربي برمته من الانفجار وتدمير كثير من المصالح حوله. كما يطمحون أيضا، من خلال إدخال درجات أكبر من الشفافية على النظم السياسية الجديدة أو المجددة، ضمان النفاذ بشكل أفضل إلى سلطة القرار والتحكم به عن قرب ومنع حصول تطورات خطيرة لا يمكن التحكم بنتائجها، مثل تطوير اسلحة الدمار الشامل. وهم يطمحون كذلك إلى تقريب الطبقات الوسطى لإضفاء طابع من الاستقرار على النظام الجديد أو المجدد وذلك من خلال تأمين شكل من أشكال التعددية السياسية وضمان الحريات الفردية الأساسية. باختصار إنهم يريدون شراء المجتمعات العربية أو طبقاتها الوسطى ونخبها الرئيسية لضمان استمرار أطول واستقرار أكثر وأقوى مقابل الإبقاء على ما ينبغي تسميته نظام السيطرة المشتركة العربية الأمريكية. وبهذا المعنى قلت إن هدف ديمقراطيتهم الليبرالية الفردوية هو قطع الطريق على الديمقراطية الحقيقية التمثيلية التي تعترف بسيادة الشعب والمجتمع وتعبر عن طموحاته وأهدافه وآماله الجمعية.
لكن في ما وراء وضع الوصاية الأمريكية المباشرة تشكل إعادة بناء وترسيخ قواعد النظام الشرق أوسطي شبه الاستعماري الذي يشكل جزءا تابعا للنظام الغربي منذ الحرب العالمية الثانية الوسيلة الوحيدة أيضا لقطع الطريق على أي تحول حقيقي نحو سيطرة الشعوب العربية على مقدراتها الحقيقية، أي نحو ديمقراطية تضمن تقرير المجتمعات لمصيرها فعلا من دون ضغوط ولا قيود ولا تدخلات أجنبية. إنها تعني الحفاظ على نظام التدخلات الأجنبية التي طبعت مصير الشرق العربي وحددت اتجاهات تطور نظمه وعمليات استتباع نخبه في الوقت نفسه خلال العقود الطويلة الماضية بعد انقضاء حقبة التحرر من السيطرة الاستعمارية.
ومع ذلك يمثل هذا الوضع تقدما بالمقارنة مع الوضع السابق الذي أطلقت فيه الولايات المتحدة يد الفئات الحاكمة في البلاد العربية طالما بقيت هذه الفئات منسجمة مع استراتيجياتها الإقليمية، سواء أعلنت تحالفها معها أم لا. فهو يعني حدا أفضل من تطبيق المعايير الدولية والمراقبة الخارجية وبالتالي نوعا ما من المحاسبة كما يعني حدا أدنى من احترام القانون والحقوق والحريات الفردية. والأهم من ذلك في نظري أن هذا النظام الذي يعاني من الانهيار والتفتت اليوم لن لن يمكن إصلاحه لا من قبل الولايات المتحدة ولا من قبل غيرها. وسوف تنقلب أي إجراءات ديمقراطية مهما كانت ضعيفة على أصحابها. لن ينجح الأمريكيون في نظري في إعادة الحياة إلى نظام الشرق الأوسط الخنوع والخاضع والتابع لهم ولن يفيدهم ترقيعه في شيء. وهذا يعني أن الأمريكيين ووكلاءهم المباشرين وغير المباشرين يعيشون في مأزق سواء أنجحوا في فرض التجديد والاصلاح على النظم التي رعوها في العقود الماضية وانكشفت عورتها اليوم للعامة والخاصة أو لم ينجحوا واضطروا إلى التعامل مع ازمة النظم العربية المتفجرة بوسائل وطرائق أخرى، بما فيها ربما الحرب المستمرة.
من هنا، لا ينبغي التقليل أيضا من أثر التأكيد العالمي، والأمريكي منه بشكل خاص، على مأزق الأنظمة العربية وافتقارها للديمقراطية واحترام الانسان. فالواقع أن استقرار الاستبداد ذاته لم يحصل في البلاد العربية إلا بسبب الصمت والتغطية على اننهاكات الأنظمة العربية لجميع التزاماتها تجاه مواطنبها من قبل الدول الغربية، وبالتالي بسبب ثقة النخب الحاكمة بأنها منسجمة في سياساتها القمعية مع الاستراتيجية الأوروبية الأمريكية. ولذلك فهي تشعر اليوم بالضياع ولا تفهم شيئا مما يحصل حولها بعد تغيير الولايات المتحدة خطابها وإظهارها ميولا مختلفة لمعالجة معضلات الأوضاع الشرق أوسطية. ولا شك أن حديث الإدارة الأمريكية عن المبادرات الديمقراطية يزعزع استقرار هذه الأنظمة أو بالأحرى يساهم في تعميق زعزعتها لأنه يحرمها من الغطاء السياسي الخارجي الأساسي والذي لا غنى لها عنه في استمرارها للتعويض عن غياب التأييد أو الشرعية الشعبية والانتخابية. وهذا ما يفسر أنها بالرغم من كل ما حصل ومن كل المبادرات الأمريكية حول الديمقراطية والاصلاح لا تزال معظم النخب الحاكمة الحائرة والمنكوبة تتأمل خيرا وتراهن على الوقت لإقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن خططها والعودة إلى رشدها، أي إلى التعاون والتفاهم مع النظم القائمة لقاء التنازلات العربية المطلوبة.
ومهما كان الأمر، ليس لدينا أي سبب لرفض أي تحولات ديمقراطية مهما كان الباعث لها. بل نحن الذين كنا ولا نزال نتهم الدول الغربية بخيانة مبادئها باستمرار ودعم الاستبداد والنظم اللاشعبية في المنطقة. ولا يمكن أن نطالبهم اليوم بالعودة عن خطابهم وتأكيد موقفهم التقليدي من جديد. لكننا نقول لهم أولا أن الحديث عن تعميم الديمقراطية في المنطقة لا يمكن أن يستقيم وأن يكون حقيقيا طالما لم تربط الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون مثل هذه المبادرات بايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية واليوم لقضية احتلال العراق. كما لا يمكن أن يستقيم ثانيا ما لم تغير الولايات المتحدة والغرب بشكل عام من نظرتهما لطبيعة مصالحهما في المنطقة ومن اعتقادهما بأن ضمان هذه المصالح لا يمكن أن يتحقق بالتفاهم مع شعوبها ولكن بإخضاعهم وتأمين السيطرة المباشرة عليهم، أي بحرمانهم من حقهم في المشاركة الفعلية في التعبير عن مصالحهم، سواء أجاء هذا الاعتقاد نتيجة الشك في المجتمعات الاسلامية وقدرتها على التعامل مع معايير الحضارة العصرية أو بسبب الخوف من أن يؤدي تسليمها مقاليد أمورها إلى صعود نخب إسلامية معادية للغرب في معظم البلاد العربية.
ليس هناك إذن ما يمكن أن يوحي بالثقة بأن المبادرة الأمريكية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ليست مجرد وسيلة للتغطية على إرادة السيطرة أو التمديد لها في المنطقة ولحرف نظر الشعوب العربية عن المسائل الخطيرة العالقة بين العرب والأمريكيين وفي مقدمها المسألة الفلسطينية. وبالرغم من الحديث المكرور عن الاصلاح بل ربما بسببه فإن هناك شكوكا كبيرة حول جديه الولايات المتحدة. ومن الممكن أن لا تكون جميع هذه المبادرات سوى وسيلة لذر اللرماد في العيون وللضغط على النظم العربية حتى تستجيب بشكل أكبر للمطالب الأمريكية. فإلى جانب الإرادة الضعيفة التي تظهرها واشنطن تجاه زبائنها من النظم العربية هناك من دون شك الحسابات المعقدة أيضا في التوفيق بين المصالح القريبة والبعيدة. ثم إنه لا شيء يؤكد أن لدى واشنطن القدرة، بالرغم من كل شيء، على مواجهة النخب التي أطلقت يدها خلال عقود طويلة في البلاد العربية والتي استشرست وأتقنت اللعب على كل الحبال واستخدام جميع وسائل المراوغة والتحايل والخديعة، بما فيها الحروب الأهلية، لقطع الطريق على أي تغيير يحد من نفوذها أو يهددها بالتخلي عن ممتلكاتها، أعني عن الدول التي تسيطر عليها كإقطاعات القرون الوسطى القديمة مع كل شعوبها ومواردها. وكلها مستعدة لتفجير هذه الدول ودفعها نحو الهاوية بكل الوسائل إذا كانت النتيجة المتوقعه لأي إصلاح إخراجها من جنتها وحرمانها من ثمراتها بل تقليم أظافرها.
والخوف كل الخوف أن تنجح المخاوف الأمريكية من الانفتاح السياسي والمراوغة التقليدية للنخب المتسلطة على الدول والبلدان في الدفع نحو توقيع صفقة جديدة، وهذا هو المرجح في نظري، بين الفئات الحاكمة والإدارة الأمريكية الراهنة أو القادمة تكون نتيجتها التضحية المشتركة بالديمقراطية، أي بالمصالح الشعبية، مقابل التزام الدول الصناعية بتقديم مساعدات كبيرة اقتصادية وأمنية للنظم الحالية وقبول الأخيرة بتنازلات كبيرة في مسائل الاستقلال والسيادة والهوية الوطنية والتمسك بحل عادل للمسألة الفلسطينية وبآفاق التنمية المستقلة والوحدة والتحرر من السيطرة والاحتلال الأجنبيين. لا يمنع هذا بالتأكيد القيام ببعض الإصلاحات الشكلية لإقامة واجهة من التعددية السياسية العقيمة والحريات الفردية الفارغة لكنه يضمن إعادة بناء النظام الشرق أوسطي القديم وتجديد الشراكة التقليدية بين النخب الحاكمة والتحالف الغربي على الأسس ذاتها التي ضمنت في الماضي حرمان الشعوب العربية من الحرية والمشاركة والسيادة وبالتالي من التنمية، أي الاستمرار في الإحياء الاصطناعي لدول فارغة من أي مضمون سوى التغطية على المصالح الخاصة والعمل كوكالات للشركات والدول الأجنبية.


lundi, janvier 26, 2004

من عصر الاصلاح إلى عصر التدخل الأجنبي


لم يمنع رفض الحديث عن الاصلاح والمثابرة على التأكيد على صحة الخيارات الوطنية العديد من النظم العربية من الاستجابة لنداء المؤسسات المالية الدولية والدول الكبرى الغربية. فقام بعضهم بحركات إصلاحية في اتجاه تحرير الاقتصاد وإقامة بعض المنابر الحزبية هنا وهناك تحت مظلة الحزب الواحد أو أجهزة الأمن، لكن قواعد العمل استمرت على العموم كما كانت.
هكذا استمرت النظم الحاكمة تحكم بالطريقة نفسها، أي بأوامر شبه عسكرية لا تعرض لأي نقاش، واستمرت معها الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والايديولوجية في التفاقم. فتوقف النمو الاقتصادي وذابت الطبقات الوسطى تحت تأثير التركيز الفاحش للثروة وزاد تسلط الحاكمين على المال العام وتوجيهه لخدمة أغراضهم الشخصية وانهارت المداخل والقوة الشرائية للأغلبية الساحقة من السكان واتسع نطاق البطش ولجوء السلطات الحاكمة للقوة والعنف لمعالجة الاحتجاجات والمعارضات السلمية وتحللت الفكرة والمشاعر القومية والوطنية معها تحت تأثير الاحتكار المطلق والدائم للثروة والسلطة وانعدام القانون وتسيب الإدارة وانتشار البطش الأعمى والمزاودة باستخدام العنف في حل المشاكل السياسية. وكانت النتيجة أن عقد التسعينات كان عهد ما ينبغي ان نسميه عقد الاحباط والتمرد والعنف الذي برهت فيه فئات من الشباب فقدت الأمل بوطنها وبالمستقبل وأصبحت تتطلع إلى المخرج من البؤس وانسداد السبل في الانتحارات الجماعية.
وبالرغم من كل ما أثارته الحركات الاسلامية المتطرفة من مخاوف ومن تهديدات بقيت النظم العربية على مواقفها ولم تشعر بتفاقم الأزمة وبأن الأمور أصبحت لا تطاق وتحتاج إلى الحد الأدنى من الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومما حرمها من اختيار طريق الاصلاح للرد على التمردات الاجتماعية ما وجدته من تشجيع ودعم لدى الدول الغربية التي دفعتها إلى تبني استراتيجية المكافحة الامنية لحركات الاحتجاج السياسي الاسلامية المتطرفة. فقد كانت تعتقد أنها تستطيع بذلك حماية أمنها ومنع الاسلاميين المتطرفين المعادين للغرب ونفوذه في المنطقة العربية من استلام السلطة. لكن النتيجة كانت تحول هذه الحركات الاسلامية من حركات احتجاج سياسية إلى حركات عنف إرهابية عالمية.
هل أدركت الأنظمة العربية بعد تحول الحركات الاسلامية المتطرفة إلى حركات إرهابية عالمية الخطر ؟ أبدا
لقد اعتقدت بالعكس أنها قضت على معارضاتها الأشد خطرا وانتزعت آخر ما تبقى لدى مجتمعاتها من استقلالية حتى لو كانت استقلالية رمزية أو وهم الاستقلالية. لقد أخضعتها وجعلتها مسخرة لها ورهن إشارتها بالمعنى الحرفي للكملة لا إرادة لها ولا قول.

ما نعيشه اليوم من تخبط وتمزق وفشل وانهيار وانكشاف أمام القوى الأجنبية ليس ثمرة الأزمة العميقة التي عرفناها منذ الثمانينات وإنما ثمن إخفاق الاصلاح أو رفض النظم العربية القيام بالاصلاح في الوقت المناسب والمطلوب. وقد كان من نتيجة ذلك الانقطاع النهائي للنخب الحاكمة عن المجتمع وتجاهله كليا للانكباب على خدمة المصالح الذاتية بالاعتماد على التغطية والدعم الخارجيين من جهة وموت المجتمعات المدنية أي تفريغ الشعوب من عناصر الرؤية والتنظيم والحيوية والقوة من جهة ثانية. ولأنه لم يعد هناك فرصة للتغيير لا من قبل النخب الحاكمة المريضة ولا من قبل المجتمعات والشعوب الكسيحة أصبح التدخل الخارجي الذي كان احتلال العراق رمزه الأوضح هو الرد الوحيد على الاستعصاء والجمود الداخلي وما ينجم عنهما من تهديدات للاستقرار الداخلي والعالمي. وما هو مطروح اليوم على الدول العربية حكومات ومجتمعات معا ليس الاصلاح وإنما معالجة مسألة تزايد التدخلات الأجنبية باسم الاصلاح وانطلاقا من غيابه. وفي مواجهة هذا التدخل ليس أمام الأنظمة سوى أن تسلم واحدها بعد الآخر وتستسلم تماما للأوامر الخارجية لتحظى بالتمديد لها لفترة قادمة أو تتعرض لتحديات الضغوط الداخلية المتصاعدة والقبول بمواجهتها بالقوة من دون حماية وتغطية دولية. وقد انهار مؤتمر القمة العربية أمام تحدي مواجهة هذه التدخلات وليس أمام تحدي الاصلاح. وفي المقابل لا تزال المجتمعات التي فقدت معنى السياسة كإطار مدنى وإنساني لتنظيم الحياة الجماعية ولم تعرف غير للقوة والعنف كقانون وحيد لتنظيم شؤونها وبناء حياتها وعلاقاتها الداخلية مترددة بين الاستسلام لابتزاز النظم ودعايتها الأمنية والمراهنة على عناصر الضغط الخارجية.

كل ما يدور اليوم من نقاش حول مسألة الاصلاح و إمكانية تحقيقه سواء أجاء عن طريق التفاهم بين النظم والمعارضات أو عن طريق التفاهم بين النظم والدول الأجنبية، الأمريكية أو الأوروبية، لا يقوم في الواقع إلا بالتغطية على حقيقة فشل الاصلاح وغياب آفاقه وبأمل المد في أجل الأوضاع القائمة. ولا يدور النزاع الراهن بين النظم العربية وقوى التدخل الخارجية حول تحقيق الاصلاح أو حتى طبيعة الاصلاح ونوعه بقدر مايدور حول تحديد مسؤولية كل من الطرفين الذين قام عليهما النظام الاقليمي والقطري في العقود الثلاث الماضية، والمقصود بالطبع النخب المحلية والدول الكبرى الأجنبية التي تحالفت في مواجهة و ضد المجتمعات المحلية، عن قشل الاصلاح، أي عن الخراب والهدر المريع للموارد والمصالح العربية. فكل منهما يناور في سبيل خداع الرأي العام العربي وضمان مواقعه ونفوذه، ولو على حساب حليفه، في المنطقة العربية.
لكن القول إن الاصلاح قد انتهى وفات أوانه بالنسبة للنظم العربية لا يعني أن الأوضاع العربية لم تعد تحتاج إلى إصلاح وإنما يعني أنه لم يعد هناك أمل في انتظار الاصلاح من نظم تحتاج هي نفسها للاصلاح. وأي أمل بالاصلاح يتوقف على قدرة المجتمعات العربية على بناء نظم جديدة تعتمد قواعد عمل وآليات قرار وأساليب تفاعل مع المجتمعات والعالم الخارجي وعلى توليد قيادات سياسية وحكومات تمثيلية تعمل تحت إشراف الشعوب وفي خدمتها ولا تستخدم الدول والموارد العامة وسيلة للارتقاء بنفسها وتعظيم مكاسبها الشخصية والخصوصية. ومن هنا، إن مستقبل المجتمعات العربية مرهون بقدرة هذه المجتمعات على تطوير مبادرات ديمقراطية في كل قطر عربي من أجل فرص انتخابات نزيهة وحرة وعامة على النظم الحاكمة وعلى الولايات المتحدة الأمريكية واوروبا نفسها لفسح المجال أمام قيام حكومات منتخبة جديدة تمثل شعوبها وتعبر عنها وتستند إليها في سعيها للاصلاح. هذا هو الشرط الرئيسي للشروع الفعلي بتطبيق برنامج الإصلاح الممكن والمطلوب، وبغير ذلك لا يمكن أن يكون هناك إصلاح ولكن الاستمرار في إضاعة الوقت والمراوغة واللف والدوران وبالتالي، بالنسبة للشعوب، اللعب في الوقت الضائع.

samedi, décembre 20, 2003

الديمقراطية العربية وبعبع الحركات الاسلامية

الجزيرة نت 20 ديسمبر 2003

في الصراع العنيف الجاري في البلاد العربية حول إصلاح النظم السياسية أصبح التخويف من الحركات الاسلامية واحتمال سيطرتها على المؤسسات التشريعية يستخدم حجة رئيسية لتبرير قمع الحركة الديمقراطية والحفاظ على الوضع القائم. ولا يهدف هذا التخويف المستمر، الذي تعززه في بعض الأحيان عمليات عنف مسيرة وموجهة من قبل السلطات نفسها، سوى إلى دفع الطبقة الوسطى التي تخاف من أن تهدد الحركات الأصولية حرياتها الدينية والشخصية، التي هي ضيقة ومحدودة أصلا، إلى الاصطفاف خلف النظام القائم أو على الأقل إلى الوقوف على الحياد وعدم التورط في مواقف معارضة تفتح الطريق نحو تغيير قواعد عمل النظام. فمن خلال التلويح بالبعبع الاسلامي تطمح النظم القائمة إلى تخليد نفسها وتأبيد زعاماتها وإضفاء شرعية ثانوية عليها تبرر الحفاظ على السياسات القمعية التقليدية وتعوضها عن الافتقار للشرعية السياسية المستمدة من القبول والموافقة الشعبية. فهي لم تعد تهتم حتى بالادعاء بأنها تحكم بتوكيل من الشعب، وليست بحاجة إلى تجديد هذا التوكيل، طالما أنها تستطيع أن تحكم باسم درء المخاطر المحتملة على الدولة والنظام، وقطع الطريق على الفوضى والاقتتال. وهذا ما يعبر عنه السعي إلى جعل الحكم العرفي وتطبيق قانون الطواريء عقيدة سياسية أو بالأحرى دين السياسة المحلية.

والواقع ليست فئات المصالح الحاكمة هي وحدها التي تستخدم هذه الحجة لتبرير الحفاظ على الأمر الواقع وإضفاء الشرعية على الاستبداد ولو بطريقة سلبية، وإنما الدوائر العليا ومخططوا الاستراتيجيات الكبرى في الدول الصناعية. فهم أيضا يعتقدون، بالرغم من الحديث المكرور والدائم منذ فترة عن مشاريع دمقرطة المنطقة العربية، بأن الضغط الشديد على الأنظمة الاستبدادية من أجل الإصلاح يمكن أن يزعزع استقرارها ويفتح الطريق أمام استيلاء الحركات الأصولية المتطرفة والمعادية بصراحة للغرب وللمصالح الغربية على مقاليد السلطة فيها.
وبالرغم من اعتراف الرئيس الأمريكي نفسه بخطأ السياسات الأمريكية الماضية التي قامت على دعم النظم الاستبدادية خلال أكثر من ستين عاما، وتبنيه العلني لمشاريع التغيير الديمقراطي في المنطقة، لا يزال منظرو السياسة الأمريكية، مثلهم مثل زملائهم في أوروبة، يؤمنون بأن أي انفتاح ديمقراطي جدي سيكون لصالح الحركات الاسلامية. ومن الأفضل إذن التعامل مع الأنظمة القائمة مع السعي ما أمكن إلى إصلاحها بدل تبني خيارات ديمقراطية ليس هناك ما يضمن نجاحها.
ومن هنا، وبسبب ما يقال عن الخطر الاسلامي الجاثم، لم يتغير الموقف الخارجي تجاه مسائل التحول السياسي الداخلي في المنطقة العربية ولن يتغير في اعتقادي لفترة طويلة. ومضمون هذا الموقف ليس الاستمرار فقط، ولو على مضض، في دعم نظم فقدت صدقيتها وباتت تشكل خطرا على استمرار النفوذ الغربي ذاته، ولكن أبعد من ذلك الاعتقاد بأن الشعوب العربية ليست ناضجة بعد للدخول في المنظومة الديمقراطية. و يستتبع هذا بالضرورة التمديد لمبدأ القبول بحرمان الشعوب العربية من حقها في تقرير مصيرها بحرية الذي لا يزال ساري المفعول في المنطقة العربية منذ القرن الماضي من دون انقطاع. وهو ما يبرر كل السياسات والأعمال والاجراءات غير الشرعية وغير القانونية التي تلغي هذا الحق وتمنع ممارسته، العنيفة منها وغير العنيفة. وهذا ما يفسر أيضا أن الاحتلال وفرض الحماية والوصاية المقنعة هنا وهناك ووضع المنطقة بأكملها تحت نوع من الإشراف الدولي الأحادي أو الرباعي لا يثير لا في دوائر القرار والسياسة الغربية ولا في الدوائر الرسمية العربية تساؤلات عميقة واعتراضات، سواء أكانت سياسية أو أخلاقية. فهو التجسيد المباشر لهذا المبدأ وللقناعة العميقة بالقصور السياسي والأخلاقي الجوهري للجماعة أو للشعوب العربية.
ليس من الممكن للمناقشة العربية والدولية الجارية من حول التحولات السياسية المطلوبة في المنطقة أن تتقدم من دون أن تجيب على سؤال: هل هناك خطر إسلامي حقيقي يهدد أي تحول في اتجاه الديمقراطية أو هل يكون الانتقال نحو نظام ديمقراطي في أي بلد عربي انتقالا محتما نحو نظام إسلامي يقفل باب الديمقراطية أم أن من الممكن تصور تحول نحو الديمقراطية لا يتبعه تسلط للقوى الاسلامية المتطرفة على الحكم وبالتالي لا يترجم بالضرورة بإهدار حقوق وحريات الأفراد وبعودة منتصرة لنظم استبداد دينية أكثر قسوة من نظم الاستبداد القائمة شبه العلمانية؟
وفي السياق نفسه لا يمكن الهرب من طرح السؤال الذي تطرحه الدول الصناعية وهو : هل يمكن إنكار أن العنف الاستثنائي الذي أظهرته بعض الحركات الاسلامية المتطرفة ولا تزال تظهره بشدة تجاه الغرب بشكل خاص هو الذي يدفع هذه الدول إلى تبني النظم المستبدة والتمسك بمبدأ الوصاية على المنطقة التي تشكل بؤرة مصالح استراتيجية كبيرة ومعترف بها؟ ثم أليس هو المسؤول عن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها عندما اضطر الإدارة الأمريكية إلى تعزيز الاجراءات الأمنية وتقييد الحريات الفردية وتكريس التمييز الأقوامي داخل الدولة الاكثر قبولا بتقاليد التعددية الأقوامية والدينية والفكرية من بين جميع الدول الصناعية؟

ليس الجواب على هذه الأسئلة بسيطا وتلقائيا. إذ بقدر ما يمكن القول إن وجود حركات إسلامية متطرفة ولديها من القوة ما يؤهلها للسطو على أي نظام ديمقراطي من المحتمل أن يرى النور في البلاد العربية يهدد الديمقراطية، يمكن القول أيضا أن سطو النخب الحاكمة على الدولة خلال عقود طويلة هو الذي دفع العديد من أوساط الطبقة الوسطى المهمشة والمضطهدة إلى الالتفاف حول الحركات الاسلامية المتطرفة التي تستمد إلهامها من العقائد الدينية للدفاع عن وجودها، وكان من الممكن في ظروف مباينة أن تستمدها، كما حصل في السابق، من عقائديات ثورية علمانية قومية أو ماركسية. وفي هذه الحال الثانية لا يمكن فهم قوة الحركات المتطرفة الراهنة إلا من حيث هي رد فعل وثمرة للسياسات الاستبدادية والتسلطية التي مارستها النخب الحاكمة في العقود الماضية. وأنه لا شيء يمنع من الاعتقاد بأن العودة إلى الحالة الطبيعية أي وضع حد للسطو القائم على الدولة، سيضع بالتأكيد، ولو بعد حين، حدا أيضا لالتفاف قطاعات الرأي العام، التي يئست من إمكانية إسماع صوتها واحترام مصالحها بالطرق السلمية، حول حركات التطرف الاسلامية.
وفي نظري، لا شيء يدعو للاعتقاد من حيث المبدأ بحتمية سطو الحركات المتطرفة على النظم الديمقراطية، اللهم إلا إذا اعتقدنا بالفعل أن الرأي العام العربي أو الاسلامي ميال بطبعه إلى العنف وأن التفافه حول الحركات المتطرفة لم ينشأ بسبب ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية تاريخية محددة يمكن معاينتها والتعرف عليها بسهولة والسعي إلى معالجتها، وإنما نشأ بسبب بنية ثقافية أو بيولوجية مستبطنة للعنف. وهو تحليل يتفق مع أطروحات عنصرية القرن التاسع عشر ومدارسها ويشيح النظر عن كل ما أحرزته العلوم الاجتماعية من تقدم في فهم المجتمعات منذ قرنين.
وبالمثل، بقدر ما أن من الممكن القول إن هجوم الحركات المتطرفة على الولايات المتحدة وتهديدها للأمن والاستقرار في الدول الصناعية هو الذي يدفع هذه الدول إلى دعم النظم الاستبدادية في المنطقة وقطع الطريق على الاختيارات وديناميات التحول الديمقرطية، وفي ماوراء ذلك إلى تهديد ممارسات الديمقراطية وحقوق الانسان في هذه الدول نفسها، يمكن القول أيضا أن توجيه العداء والعنف المتزايدين من قبل الحركات الاسلامية المتطرفة نحو الغرب، وليس نحو الهند أو الصين أو روسيا أو أفريقيا، هو رد فعل على رفض هذه الدول أو معظمها احترام حقوق شعوب المنطقة وسيادتها واستقلالها وعلى تدخلها الدائم غير المبرر وغير المشروع في شؤونها.
وفي هذه الحالة ليس هناك ما يحرم من الاعتقاد بأنه لا شيء يمنع الدول الغربية من أن تحظى بعلاقات ودية وسلمية أقوى مع العالم العربي إذا التزمت بمبدأ احترام حق هذا العالم وشعوبه في تقرير مصيرهم وأوقفت العمل بمبدأ الكيل بمكيالين في ما يتعلق بقضايا مصيرية مثل قضية فلسطين أو التكتل والتنمية العربيين.
والواقع كما ان الفئات الحاكمة في البلاد العربية تستخدم البعبع الاسلامي الذي خلقته هي نفسها لتبرير استمرارها في الحكم ورمي المسؤولية على الآخرين في تفسير حالة العنف والخراب التي وصلت إليها البلاد، ومن وراء ذلك التغطية على الاستمرار في عملية السطو المنظم على موارد المجتمعات وتحويلها على شكل مئات مليارات الدولارات للاستثمار في الخارج، فإن الدول الغربية تستخدم الفزاعة الاسلامية نفسها لتغطي على مسؤولياتها في تفجير العنف والفوضى والاقتتال في المنطقة وتبرير استمرارها في تبني سياسة استعمارية جديدة تمكنها من تقاسم الموارد مع الفئات الحاكمة. وأكاد أقول إن النظم المحلية والدوائر الاستعمارية لم تعد قادرة على الاستمرار والبقاء من دون العنف والتطرف المقابل لها، وأنها لو لم تنجح في تفجير العنف بسبب سياساتها العدوانية لوجدت نفسها مضطرة لإثارته وتغذيته بوسائلها الخاصة. وليس من قبيل الصدفة أن هذا العنف الذي يبدو وكأنه موضوع الخلاف الرئيسي بين النظام الاستبدادي المحلي والنظام الاستعماري الجديد لم يعد مبرر وجود النظم والمصالح الأجنبية القائمة في المنطقة فحسب ولكنه أصبح أيضا سببا لتجديد الشراكة القائمة وأساس إعادة التفاهم بينهما.

وبالمقابل، يبدو لي الآن، أكثر من أي فترة ساقة، أن الديمقراطية هي الخيار الوحيد الذي يقدم الفرص الضرورية المحتملة لنزع فتيل العنف والتوتر والعداء، ليس بين الشعوب العربية والدول الصناعية فحسب، وإنما داخل المجتمعات العربية نفسها. فهو الخيار الوحيد الذي يسمح لجميع الأطراف التي تعيش حالة قلق عميق ودائم على مصيرها، من فئات مهنية وأقوامية ودينية وجماعات وطنية معا، أن تراهن على المنافسة السلمية وتتعلم أسلوب المفاوضات الجماعية للوصول إلى أهدافها الشرعية. وبالعكس، لن يعمل إغلاق طريق التحولات الديمقراطية الذي يبشر به تجديد التحالف بين النظم المحلية والنظام الدولي ، سواء أجاء باسم الخوف من سيطرة الاسلاميين المتطرفين في الداخل، أو تهديد المصالح الغربية في المنطقة ككل، إلا على تفاقم العنف والعدوان الذي لن تنجح في درئه أو حتى احتوائه لا أنظمة الطغيان ولا استراتيجيات الحروب الاستباقية. وفي هذه الحالة لن تبقى هناك إمكانية لاحترام أي مصالح مهما كان حجم القوة التي تدافع عنها، لا مصالح الفئات المسيطرة في الداخل ولا مصالح حلفائها في الخارج.
إن الاستخدام المبالغ فيه لبعبع العنف من أجل تبرير الحفاظ على الوضع القائم في البلاد العربية أو من أجل تبرير سياسات السيطرة الامبرطورية في سياق خطاب الحرب على الارهاب يمكن أن يقطع الطريق على القوى الديمقراطية كما يمكن أن يقطع الطريق على انتزاع الشعوب العربية لحقها في تقرير مصيرها. لكن ليس هناك ما يمنع من أن ينقلب على أصحابه بأسرع مما يعتقدون. فمع تفاقم العنف والحرب وعدم الاستقرار لن تبقى هناك إمكانية لحياة جماعية منظمة ولن يكون هناك فرصة لإقامة أي نظام، سياسيا كان أم إقليميا أم عالميا. وسيكون الانتصار الوحيد الممكن والمضمون هو للاقتتال والفوضى والخراب.
1. انظر للمزيد من التفاصيل كتابنا الصادر مؤخرا عن المركز الثقافي العربي: العرب وتحولات العالم، من سقوط جدار برلين إلى سقوط بغداد.

vendredi, décembre 19, 2003

في حتمية التغيير ومآله


تحدثت في مقال سابق عن وجهتي النظر المتناقضتين اللتين تتنازعان الرأي العام السوري اليوم بخصوص الاصلاح: تلك التي لا ترى في ما يجري أي تغيير يستحق الذكر وتلك التي تشير إلى التحولات الاقتصادية والإدارية المتواصلة في العهد الجديد. وفي نظري، بخلاف ما توحي به كتابات العديد من أقطاب المعارضة، ليس انعدام التغيير هو السمة البارزة في الوضع السوري الراهن. كما أنه ليس من الثابت صحة ما تعزوه العديد من دوائر القرار العالمية المهتمة بهذا الوضع لما تسميه بالحرس القديم في الدولة والحزب من مقاومة شرسة للتغيير. فما يجري في سورية منذ سنوات عديدة، وبشكل خاص منذ عام 2000 ، هو عملية تغيير عميقة تطال طبيعة النظام واختياراته الرئيسية وتوازن القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة فيه ومكانته الاقليمية والدولية أيضا. والقوى النافذة من بيرقراطية الدولة والحزب هي التي تشرف على هذه العملية وترعاها وتسهر على تقدمها ونجاحها. بيد أن من الضروري بعد تأكيد واقع التغيير هذا القول إن حتمية التغيير لا تلغي حقيقة أنه ليس هناك مشروع واحد للتغيير يمكن ان تتفق عليه جميع الأطراف ولكن مشاريع متعددة أيضا وربما متناقضة. وكما كنت قد ذكرت في أول محاضرة ألقيتها في سبتمبر عام 2001 في منتدى الحوار الديمقراطي في دمشق، لم يعد التغيير أمرا اختياريا في أي بلد عربي، كما أنه لا يتعلق برغبة ذاتية ولكنه أصبح مسألة حتمية. وليس الموضوع الفعلي للنقاش أو بالاحرى الذي يستحق النقاش، ولا ينبغي أن يكون، التأكيد على وجود هذا التغيير أو على عدم وجوده ولكن تحديد ماهية هذا التغيير ومنحاه وأهدافه. فكما هو الحال في كل المجتمعات ليس للأزمة التي يعاني منها هذا النظام او ذاك مخرجا واحد وإنما مخارج مختلفة وبالتالي اختيارات واستراتيجيات متباينة للتغيير.
يستند التغيير الذي تشهده الأوضاع السورية وما يرافقه من إرادة واعية أو ضمنية إلى عوامل موضوعية مستقلة عن إرادة السوريين الحاكمين والمحكومين معا. العامل الأول هو تغير توازنات النظام الداخلية بسبب ترهل القوى القديمة التي اعتمد عليها النظام في مرحله قيامه ونشوئه الأولى وتفريخه هو نفسه خلال العقود الطويلة السابقة من السيطرة الكلية على مقدرات البلاد الاقتصادية والسياسية والثقافية، لقوى جديدة يتعارض نموها وتقدمها مع الاحتفاظ بالتقاليد والقيم والقوانين القديمة التي أمنت لآبائها الصعود إلى السلطة والبقاء فيها. فعلى أنقاض الطبقة الوسطى التي تعرضت لعملية إفقار وتهميش منهجية أفرز النظام البعثي الذي ولد عام 1963 طبقة جديدة من أبناء المسؤولين استفادت من تماهيها مع الدولة لتحقيق تراكم استثنائي وسريع في الرساميل الخاصة جعلها تشكل اليوم النواة الرئيسية في أي نظام جديد لاقتصاد السوق يمكن أن يظهر في سورية. وبالرغم من أن هذه الطبقة لا تزال بعيدة عن أن تملك عناصر وحوافز استقلالها عن الدولة إلا أنها بدأت منذ الآن تستعد وتخطط لوراثة النظام القائم عبر فتحه بشكل مضبوط ومقنن على السوق العالمية. وهي تأمل في أن يمكنها التحرير الاقتصادي الراهن مع الاحتفاظ بالعيش لفترة أطول في شرنقة النظام البيرقراطي المطلق وتحت حمايته ورعايته من الاستفادة من موارد الدولة لتحقيق النمو السريع والقوي الذي يمكنها في مرحلة لاحقة من فرض سيطرتها وسيادتها بوسائلها الخاصة. لكن هذا لا ينبغي أن يمنعنا من ملاحظة أن النظام البيرقراطي أصبح اليوم يعمل لخدمة هذه الطبقة بالدرجة الأولى بعد أن كان يعمل لصالح بيرقراطية الدولة والحزب. وأنها هي التي تستخدمه لتحقيق أقصى ما تستطيع من التراكم البدائي وتحتمي به. وهذا هو المقصود بتغير التوازنات الداخلية للنظام. فالمضمون الجوهري للتحول الجاري اليوم هو انتقال مركز الثقل في النظام من الطبقة البيرقراطية، المدنية والعسكرية التي اعتمد عليها الحكم في العقود الماضية وخدمها معا إلى الطبقة الخاصة الجديدة التي امتصت وتمتص بشكل مكثف أكثر اليوم موارد الدولة لصالح تكوين رأسمالها وملكيتها الخاصة.
أما العامل الموضوعي الثاني الذي يدفع نحو التغيير ويحدد اتجاهه فهو تغير البيئة الدولية. فمن الواضح أن البيئة الدولية التي نشأ فيها النظام القائم والتي ساهمت في إعادة إنتاجه على مدى عقود طويلة هي بيئة النظام الدولي ثنائي القطبية وما تميز به من سيطرة مناخ الحرب الباردة الثقيل. وقد لعب النظام على هذا المناخ وعلى اصطفافه خلف المعسكر الشيوعي في سبيل الحصول على الموارد المادية والتقنية والاستراتيجية والعقائدية الضرورية لبقائه واستمراره. وبانهيار النظام السوفييتي وزوال الحرب الباردة فقد النظام جزءا كبيرا من موارده الخاصة المادية والاستراتيجية والايديولوجية. ولا تستطيع خياراته الأوروبية المتجددة أن تعوض عن هذه الخسارة بالرغم من أنها توحي بديمومة مناخ الحرب الباردة على مستوى آخر وتراهن على تفاقم النزاعات بين أوروبة الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية. وسبب ذلك أن أوربة ليست قطبا مناوئا أو معاديا للولايات المتحدة وإنما هي شريك منافس ومضارب معا. فهي لا تختلف في خياراتها الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية والسياسية والثقافية عنها، أعني في تبني السياسات النيوليبرالية واستراتيجية الحرب ضد الارهاب وحتمية وضرورة القيام بالإصلاحات السياسية والإدارية التي تطلق عليها اسم الحكم الرشيد أو ترشيد الحكم والإدارة.
ويرتبط بتغير البيئة الدولية تغير عميق في البيئة الإقليمية أيضا. فمع إعلان نهاية الحرب الاسرائيلية العربية وتبني السلام كخيار استراتيجي لم يعد من الممكن الاستفادة بالقدر نفسه من توظيف ايديولوجية المقاومة الوطنية والعداء للامبريالية. وبالمثل أدى انهيار النظام العربي وتفككه أمام الضغوط الخارجية وفقدان السيطرة التي أظهرها امام اكتساح القوات الأمريكية للأراضي العراقية وتدمير الحكومة الاسرائيلية اليمينة مشروع التسوية السلمية إلى تفكك الايديولوجية القومية العربية وذوبانها. وهي الايديولوجية التي بقي يتغذي عليها النظام ويستمد منها المشروعية ويغطي من خلالها على الافتقار للشرعية الديمقراطية.
كل ذلك غير في شروط إعادة إنتاج النظام وفي طبيعة القوى الاجتماعية التي يدعمها ويعتمد في وجوده عليها. فكما كان وجوده يتوقف في الماضي على إنتاج طبقة بيرقراطية موحدة داخل الحزب والدولة ومتحكمة بموارد المجتمع المادية والمعنوية جميعا ومحتكرة لها تحت غطاء الملكية العامة، تتوقف إعادة إنتاجه اليوم، أي استمراره واستقراره، على إنتاج طبقة المصالح الخاصة والمتمولين والمتعهدين المتوالدين من صلب النظام والأكثر تلاؤما في طريقة إنتاج شروط وجودهم، كطبقة مالكة ومسيطرة معا، مع شروط اقتصاد السوق المعمم والعولمة الزاحفة والتسوية النهائية للنزاعات العقائدية والسياسية والاقتصادية العالقة مع القوى الخارجية.
هكذا، بالرغم من المظاهر العديدة التي توحي بالاستمرار والاستقرار، تعرض النظام إلى عملية تغيير عميقة تمثلت في نقل مركز الثقل فيه كما ذكرنا من الطبقة البيرقراطية التقليدية الحزبية والعسكرية والإدارية إلى طبقة رجال الأعمال والمصالح الخاصة التي أصبح لها اليد الطولى في تقرير مستقبل الاقتصاد والبلاد معا. وقد قطع هذا الانتقال السلمي للنظام، وبالتالي تشكيل العهد الجديد، في السنوات الثلاث الماضية، شوطا كبيرا وأساسيا بالفعل جعل صورة العهد السابق بعيدة كما لو كانت ذكرى من الماضي. فقد مست التعديلات العميقة على القوانين الاقتصادية جوهر الاقتصاد السابق في مقتل وفتحت الطريق واسعة أمام الاقتصاد الجديد القائم على رأس المال "الخاص" والمدول معا. ومنذ الآن تحتل رأسمالية المضاربة مقدمة المسرح الاقتصادي وتطمح إلى انتزاع القيادة في جميع ميادين النشاط الأخرى بما في ذلك الميدان التربوي والتعليمي. ولا يغير تأكيد الحكومات المتعاقبة على رفض تخصيص شركات القطاع العام من هذا الواقع ولا يمنع من تحول الاقتصاد الحديث إلى المركز الرئيسي للاستثمار.
ومن نتائج هذا التغيير ما يظهر من تآكل قوى النظام التقليدية المادية والمعنوية والتراجع الكبير في مكانة ونشاط المؤسسات السياسية والمدنية والاقتصادية والفكرية القديمة وفي مقدمها مؤسسات الاقتصاد المخطط وشركاته العامة التي تكاد أن تكون قد تركت لتواجه مصيرها بنفسها بعد أن كانت الدولة تنفق على تعويمها مئات مليارات الليرات. ومن نتائجه أيضا الغياب المتزايد للحزب في الحياة السياسية لصالح مراكز القوى وأصحاب المصالح وفي سياق ذلك اختفاء إيديولوجية التقدم والاشتراكية من التداول الرسمي والعودة إلى تداول الشعارات والأفكار الدينية والقومية المحافظة. ومنها أيضا ارتداد الجمهور بشكل أكبر إلى العصبيات الدينية والعشائرية على حساب الأطر السياسية والقانونية والعقائدية المجردة. وهو ما تظهره مستويات المشاركة الضعيفة في الانتخابات البلدية والتشريعية. ومنها أخيرا غياب السياسات البعيدة الواضحة والرؤية المتسقة للخيارات الاستراتيجية، وانكفاء السياسة واختزالها الأحادي في مسألة الأمن وضبط حركة السكان وتحركاتهم وأقوالهم فحسب. ويعكس كل ذلك التفكك العميق الجاري في النظام والفرص المتزايدة التي يقدمها هذا التفكك لتوسيع هامش مناورة ومبادرة القوى الجديدة.
لم يحصل هذا التغيير في قواعد العمل وأشكال الملكية وعلاقات السلطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بسبب ضغط الجمهور السوري أو الرأي العام الداخلي أو الخارجي ولكن بمعزل عن هذا الضغط بالذات أو بسبب غيابه الذي مكن السلطة من الانتقال من الاقتصاد المخطط إلى إقتصاد السوق، وفي ما وراء ذلك، من نقل الثروة والسلطة والجاه من جيل الآباء إلى جيل الأبناء، من دون الحاجة إلى تقديم أي تنازلات مادية أو سياسية أو معنوية ولا إلى القيام بأي مراجعة نظرية أو تبرير، أي مع الاحتفاظ بالنظام السياسي ذاته من دون تغيير.




lundi, décembre 15, 2003

نهاية عصر التصحيح والاصلاح العربي


حتى السبعينات سيطر على البلدان العربية، بعضها تحت تأثير الايديولوجيات الاشتراكية وبعضها الآخر بسبب الريع النفطي الكبير، نمط الاقتصادات الحكومية الذي ارتبط هو نفسه بنمط من النظم السياسية أطلق عليه في الأدبيات السياسية العربية والأجنبية اسم النظم التسلطية و أو الشمولية. وقد واجهت معظم هذه النظم صعوبات كبيرة منذ السبعينات واضطرت العديد من الأقطار إلى التخلي عنه وفتح باب التصحيح الاقتصادي الذي واكب تطور السياسات النيوليبرالية العالمية التي فرضتها وطبقتها بيرقراطية صندوق النقد الدولي. وجاء انهيار الاتحاد السوفييتي وتجربته الشمولية ليؤكد هذا الاتجاه ويعزز إرادة التغيير والاصلاح في العديد من الأقطار العربية. وكما حصل في جميع البلدان التي عاشت تجربة الانتقال من اقتصاد الدولة إلى إقتصاد السوق، فتح الإفلاس التاريخي للنظم التسلطية القديمة بما تشمله من سيطرة أحادية للحزب أو العشيرة ومن اقتصاد بيرقراطي في قبضة الدولة، معركة حقيقية بين جميع الورثة المحتملين في داخل النظم وخارجها معا، أعني بين القوى الاجتماعية الواسعة التي همشها النظام لعقود طويلة من أبناء الطبقة الوسطى المستبعدة والجمهور الواسع الذي هجر السياسة والشأن العام أو ابتعد عنهما من جهة والقوى الخاصة التي نمت على أطراف النظام وفي داخله عبر الثغرات العديدة التي تركها في جميع مجالات النشاط الاجتماعي والحاجات العميقة التي عحز عن تلبيتها من جهة أخرى.
في موازاة هذه المعركة المفتوحة على وراثة النظم العربية التسلطية التي وصلت إلى طريق مسدود وبالترابط معها تبلورت في العقود القليلة الماضية وجهتي نظر رئيسيتين لا تزالان تتنازعان الفضاء الايديولوجي والسياسي في بعض الدول العربية حتى اليوم. الأولى رسمية تقول إن ما تعيشه المجتمعات العربية هو أزمة اقتصادية سببها نقص التكيف مع الاقتصاد العالمي أو الابقاء على النظام الاقتصادي الحكومي أوشبه الحكومي المدعوم من الدولة وعدم السماح للقطاع الخاص بالنمو بما يكفي لخلق دينامية تنمية رأسمالية فعلية. وقد كان الوهم قويا في معظم الأقطار بأن مجرد فتح المجال الاقتصادي للمبادرة الحرة والانفتاح على السوق العالمية سوف يخلق بيئة جديدة تعزز الحركة الاقتصادية وتساعد البلدان التي عانت من تجربة الاقتصادات البيرقراطية على إدخال التحديثات التقنية والعلمية الضرورية لمجاراة تطور الاقتصادات العالمية وتحسين شروط التفاعل معها. وبالنتيجة اجتمع رأي الحكومات العربية كافة تقريبا، من دون أدنى تفاهم في ما بينها، على أن المجتمعات العربية لا تحتاج كي تنهض وتخرج من ركودها المؤقت إلى أكثر من سياسة اقتصادية جديدة تتيح لها التكيف مع معايير اقتصاد السوق العالمي وقواعد عمله. وهي الأطروحة التي تعكس في الواقع اتجاها طبيعيا وعالميا للتفاعل مع الاقتصاد النيوليبرالي الجديد للاستفادة من التحويلات الايجابية المنتظرة من عملية الاندماج في السوق العالمية، على شكل استثمارات أو مكتسبات تقنية وإدارية.
أما وجهة النظر الثانية فهي التي قالت إن الركود الاقتصادي الذي تعيشه معظم البلاد العربية ليس اقتصاديا بالمعنى الحصري للكلمة. وربما كان هو نفسه انعكاس لركود شامل وربما لفساد عام أصاب أغلب مؤسسات الدولة أو كلها. هكذا تبدوالمؤسسات السياسية القديمة مفتقرة للفعالية إن لم تكن قد صيغت خصيصا لشل إرادة المجتمع والناس. وقد فقدت المؤسسات القانونية والقضائية الكثير من صدقيتها وأصبحت تستخدم كأداة من أدوات السيطرة على المجتمع بدل أن تكون وسيلته لتحقيق العدالة وتطبيق القانون والحفاظ على مصالح الناس وأمنهم في سبيل بناء علاقات اجتماعية موضوعية تقوم على الانصاف والمساواة وتكافؤ الفرص. وشهدت المؤسسات العلمية والتعليمية والتربوية تدهورا خطيرا في أوضاعها بسبب سوء استعمالها وتحويلها إلى إداة لترويض الناشئة وتفريغها من وعيها وحسها النقدي حتى يسهل انقيادها وخضوعها لآلة السلطة الواحدة الإكراهية بدل أن تكون الأداة المثلى لتكوين الأفراد وتهذيب عقولهم وتنميتهم العلمية والأخلاقية أو لتحسين كفاءاتهم وقدرا تهم العملية بما يساعدهم على الاندماج الايجابي في مجتمعاتهم. وهو ما ينطبق أيضا على العديد من المؤسسات الإدارية التي وصلت إلى مستوى من الانحلال والشلل يجعلها تعمل تماما في عكس الهدف الذي أنشئت من أجله ، أي تقوم بوضع العراقيل أمام تسيير شؤون المواطنين وتكبيلهم وجعل الحياة نفسها مستحيلة عليهم في مجتمعاتهم بدل أن تكون أداة لتسهيل المعاملات في ما بينهم وتمكينهم من السيطرة على واقعهم والعمل كجماعة واحدة لتحقيق مصالحهم الخاصة وأهدافهم. وهكذا رأى أنصار وجهة النظر هذه أن السعي إلى تجاوز الأزمة والعجز والقصور في النظام الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق من داخل النظام الاقتصادي نفسه ولكنه يستدعي بالضرورة إجراء تعديلات جوهرية على قواعد عمل النظام السياسي والقانوني والقضائي والإداري، أي يستدعي تغييرا في قواعد بناء السلطة العمومية وممارستها.
ومن الواضح أننا أمام نموذجين متناقضين لرؤية طبيعة التغيير المطلوب وأهدافه ينبعان هما نفسيهما من تحليلين متناقضين تماما لطبيعة الأزمة أو المشكلة التي تعيشها البلاد العربية ومضمونها وحجمها معا. ولأسباب بديهية تبنت معظم النظم وجهة النظر الأولى التي تدعو لقصر التغيير على المجال الاقتصادي. وبناءا على ذلك شهدت العقود الثلاث الماضية حركة تدريجية في اتجاه تغيير القوانين الاقتصادية وتمهيد المناخ الحقوقي لنشوء قطاع خاص يخلف قطاع الدولة في قيادة العملية الانتاجية حتى لو لم يكن قطاعا متحررا من سيطرة الدولة أو مستقلا عنها. بيد أن تبني هذا الخيار الاقتصادوي والسير فيه لم يمنع القيادات السياسية من حلحلة بعض القيود السياسية كتعويض للطبقة الوسطى وممثليها من المثقفين عن رفض وجهة نظرهم القائلة بأولوية التغيير السياسي أو على الأقل بضرورة شمول هذا التغيير ميادين أخرى أوسع من الميدان الاقتصادي. وقد انعكس هذا الانفتاح النسبي في شكل زيادة بسيطة في المرتبات وتوسيع محدود لهامش حرية التعبير والسماح لبعض أشكال وصيغ المجتمع المدني الجنينية بالتكون في صورة أحزاب سياسية شرعية، وإن بقيت محاصرة ومعزولة، أو في شكل منتديات فكرية سياسية مفتوحة للجمهور إلى هذا الحد أو ذاك.
وشكل هذا البرنامج العملي القائم على الدمج بين مشروع التحرير الاقتصادي الواضح من جهة ومشروع الانفتاح السياسي المحدود والمتردد والغامض معا على المثقفين والطبقة الوسطى من جهة ثانية نوعا من ا لتسوية التلقائية بين القوى الاجتماعية المتنافسة على وراثة النظام السابق. فكما ضمن الشق الاقتصادي المتعلق بإلغاء القوانين الاحتكارية للقوى الاجتماعية الخاصة المتشكلة على هامش النظام والنابعة منه معا، الأسبقية في تشكيل الوضع الجديد أعطى للقوى الاجتماعية المهمشة الواسعة الأمل باحتمال وصول عصر العزلة والتجاهل والإنكار إلى نهايته. وقد جاءت السياسات التحريرية الجديدة لتساعد تلك الفئات وشبكات المصالح التي استطاعت عن طريق استغلال النفوذ أو التطابق مع القطاع العام أن تحقق في العقود الأربع الماضية تراكمها الرأسمالي البدائي على الخروج من دائرة الممارسة اللاشرعية أو شبة الشرعية التي عاشت فيها حتى الآن لتفتح امامها جميع الآفاق وتتيح لها أن تنشر قواها بحرية في البلاد وتعدها للاستثمار حسب متطلبات السوق العالمية وتزيد من قوتها وأرباحها معا. كما عزز فتح هامش مهما كان ضيقا للحرية الوهم لدى الطبقة الوسطى بنهاية عصر الاستبداد وتزايد فرص وبإمكانيات التغيير بالوسائل السلمية للخروج من حالة الركود والانسداد التي خلفتها المواجهة الدموية بين قوى الأمن وفئات المعارضة المسلحة الإسلاموية.
وكان من نتيجة هذه التسوية الهشة والضعيفة التي تحققت منذ عقدين في بعض البلدان والتي لا تزال بلدان أخرى تطمح اليوم إلى تحقيقها بعد فوات الأون ، توسيع القاعدة الاجتماعية للنظم العربية وتعزيز استقرارها. ويبدو لي أن ما نعيشه اليوم مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية وبموازاة تراجع آمال التنمية على الصعيد الاقتصادي والعودة المقنعة إلى السياسات القمعية تحت ستار الحرب ضد الارهاب ومواجهة التهديدات الخارجية على المستوى السياسي هو نهاية هذه الحقبة أو بالأحرى غياب شروط إنتاجها. وهو ما يفسر أن عصر الاصلاح لا يكاد يعرف في بعض الأقطار خريفه من ربيعه. والسؤال هل لا يزال هناك أمل في إنقاذ مشاريع التصحيح والإصلاح أم أننا مقبلون حتما على حقبة جديدة من التخبط والانفجار.

طربق الاصلاح المستحيل



يبدو لي أن التسوية الهشة والضعيفة التي تحققت في العقدين الماضيين بين المستفيدين من عملية التحرير الاقتصادي من الغيلان الكبار والمستفيدين من الانفتاح السياسي المحدود من بعض فئات الطبقة الوسطى المتدهورة، وهي التسوية التي حفظت حدا أدنى من الاستقرار للنظم العربية في العقود الثلاث الماضية تبدو اليوم، مع تراجع آمال التنمية الاقتصادية وعودة السياسات القمعية تحت ستار الحرب ضد الارهاب ومواجهة التحديات الخارجية، مهددة بالانهيار أكثر من أي فترة أخرى ومعها استقرار المجتمعات العربية.
فالتحرير الاقتصادي الذي كانت النظم العربية تراهن عليه كي تتجاوز الاختناقات السياسية الموروثة وتعزز الانفراج لم يؤت الثمار التي كانت تنتظر منه. وبالمقابل تحقق، شيئا فشيئا، ما كان جميع المراقبين يتوقعونه، أي وضع يد فئات قليلة من أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي وعائلاتهم على عوائد التنمية المحدودة بالاضافة إلى عرقلة الإدارة التقليدية بشكل جدي وناجع لأي مبادرة إصلاحية إقتصادية والتلاعب بالقوانين الجديدة لتحويلها إلى أدوات لخدمة مصالحها الخاصة وتعزيز نفوذها. وبالمثل، تعمل عودة السلطات إلى سياسات التضييق على الحريات العامة ومحاصرة القوى السياسية الديمقرطية واعتقال الناشطين السياسيين إلى تقويض الرهان على الانفراج السياسي الذي دفع الطبقة الوسطى إلى التعاون على أمل الوصول بالطرق السلمية وبالحوار إلى فتح الحقل السياسي وتأسيس نظام التعددية الذي يشكل الإطار الوحيد الذي يمكنها من الدفاع عن مصالحها البعيدة. وهكذا فإن التفاؤل الواسع الذي رافق ولادة عهد التصحيح أو التحرير الاقتصادي يتعرض في العالم العربي إلى ضغوط قوية بسبب التراجع الخطير في التوقعات الاقتصادية والسياسية معا. وليس من المبالغة القول إن الرأي العام في البلاد العربية قد انتقل في السنوات القليلة الماضية من حالة التفاؤل التي أثارها صعود الآمال عند الجميع إلى حالة خطيرة من الإحباط واليأس والاكتئاب.
ومن الواضح أن إدراك النظم لفشل التصحيح الاقتصادي أو على الأقل تعثره وضعف حصيلته هو الذي دفعها إلى إعادة تقييم عملية الانفراج السياسي المحدود أو التراجع عنها. فقد كان الانفراج ممكنا ومحتملا بالفعل في حالة تقدم الأوضاع الاقتصادية وضروريا أو مفيدا لخلق مناخ ملائم لتقدمها وتعزيزها، لكن في الحالة المعاكسة يمكن أن يتحول الانفتاح السياسي، مهما كان محدودا، إلى ثغرة كبيرة في دفاعات النظم الاستراتيجية. فالطبقة الوسطى التي أعلنت عن حفاوتها بالعهد الليبرالي الجديد بسبب اعتقادها بأن الانفتاح الاقتصادي يعني بداية إخراج البلاد من تقاليد الحكم الأبوي أو الحزبي الأحادي ومن السيطرة البيرقراطية المدنية والعسكرية المعقمة والمعيقة، لن تتردد في الانفكاك عنه والوقوف ضده عندما تدرك أنه لم يتوج بأي فوائد بالنسبة لها وأن أسلوب الإدارة الأمنية للأزمات الاجتماعية والسياسية لايزال هو الأسلوب المعتمد لضمان الهدوء والاستقرار.
تميل معظم القيادات السياسية إلى إلقاء اللوم في إخفاق الانفتاح الاقتصادي أو تعثر على الإدارة البيرقراطية. ومن هنا سوف يتبع الحديث عن الانفتاح الاقتصادي مشروع إصلاح إداري اعتبرته معظم الدول ضروريا لإخراج الاصلاح الاقتصادي من أزمته أو من الطريق المسدودة التي وصل إليها. وهو ما تؤكد عليه أيضا المؤسسات المالية الدولية المعنية بالتنمية مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. ففي نظر خبراء هذه المؤسسات أيضا، من المستحيل أن ينجح الانفتاح الاقتصادي مع وجود إدارة ينخرها الفساد، متواطئة مع فئات المصالح الخفية، وتفتقر أكثر من ذلك بشكل دراماتيكي للمهارات والكفاءات المطلوبة. لكن في جميع الحالات لم تكن نتائج هذا الاصلاح الإداري أفضل من نتائج الاصلاح الاقتصادي الذي انتهى على شكل تحرير الأسواق ولم ينجح في جذب شيء يذكر من الاستثمارات ولا من باب أولى في توطين صناعات أو خلق أقطاب تنمية تقنية أو علمية في البلاد.
والواقع أن سبب الإخفاق واحد في الحالتين، هو غياب المراقبة والمحاسبة الجماعية والعلنية وتحكم مجموعات المصالح الضيقة بالدولة وبالموارد الوطنية من خلال التضامن بين مجموعات المصالح الاقتصادية والسياسية، وهو ما يطلق عليه في الأدبيات الحديثة بمسألة الفساد. وللفساد في جميع مظاهره الاقتصادية والإدارية أصل واحد هو بنية السلطة السياسية نفسها، أعنى اعتماد النظم القائمة في ضمان وجودها وبقائها واستمرارها على سيطرة فئات واحدة من أصحاب المصالح المتضامنة والمكونة حسب قاعدة الولاء والتبعية على مؤسسات الدولة وأجهزتها وسعيها إلى الاحتفاظ بموقعها في الدولة والمجتمع بصرف النظر عن القوانين الموضوعية التي تحكم عمل هذه المؤسسات. فكما أنه لا أمل لفئات المصالح هذه أن تحتكر موارد البلاد وتضع يدها على الثروة الوطنية من دون إفراغ الدولة من محتواها وفرض سيطرتها عليها بصورة لاشرعية، كذلك لا أمل لأي نظام يعتمد على الإكراه ويستند إلى طبقة ترفض علنا مبدء الاحتكام في قيادتها وسياساتها وقراراتها للمجتمع والرأي العام، أن يستمر ويبقى من دون أن يجد نفسه مدفوعا إلى بناء قاعدة إجتماعية زبائنية خاصة قائمة على الولاء والتبعية، سواء أكانت حزبية أو عائلية أو عشائرية، تحل محل القاعدة الاجتماعية العمومية.
لا يعني هذا بالتأكيد إنه ليس من الممكن إصلاح الإدارة التي يشكل اليوم ضلوعها مع فئات رجال الأعمال الخاصة مصدر الفساد الرئيسي. لكن مدخل مثل هذا الاصلاح الوحيد هو إصلاح قاعدة العمل السياسية التي كونت هذه الإدارة أو بالأحرى عملت على إفسادها، أعني غياب المراقبة الشعبية الحقيقية واعتماد مبدأ المحسوبية والولاء والاستزلام في شغر جميع المناصب والوظائف الرسمية. وهو المبدأ الذي يضمن لشبكات المصالح تعزيز مواقعها وتضامنها داخل الدولة والاستفادة من موقعها المتميز فيها لخوض حربها الدائمة لتوزيع المنافع والامتيازات واقتسام الغنائم على حساب الأغلبية الاجتماعية، كما يضمن للنظم ككل ولنخبها السياسية تكوين قاعدة إجتماعية من أصحاب المصلحة في بقائها وبالتالي في استمرار الحكم واستقراره بصرف النظر عن إنجازاته أو أخطائه. إن تقديم مبدء الولاء والتبعية الشخصية على مبدء الكفاءة والمسؤولية هو أصل الفساد في كل النظم الاستبدادية الجمهورية والوراثية معا. فهو يعمل في الإدارة الاقتصادية أو السياسية أو المدنية عمل العملة الفاسدة في السوق التجارية ، أي يطرد الكفاءة وينفيها. وهذا ما يفسر غياب الكفاءات والأطر الماهرة الذي يشكو منه عن حق المسؤولون في أكثر من دولة عربية. فصاحب الكفاءة لايقبل بالاستزلام الذي هو قاعدة الولاء والمحسوبية، ويفضل الهجرة أو العمل خارج الإدارة، والمستزلمون من أصحاب الولاء لا يقبلون بوجود المدير الكفؤ الذي يطالبهم ببذل جهد وتحصيل مهارات يفتقرون إليها. فالمحسوبية تنفي بالتعريف مبدء الكفاءة والتبعية الشخصية تلغي حتما مبدء المسؤولية. وهكذا تزول تماما القواعد التي تقوم عليها أي إدارة حديثة عقلانية، فلا تبقى هناك لا كفاءات ولا شعور بالمسؤولية تجاه الدولة والمؤسسة والجماعة الوطنية، بل لا تبقى هناك حتى معايير وأصول متبعة في الإدارة التي تتحول في الواقع إلى مراكز وشبكات مصالح خاصة يجمع بينها ويدفعها إلى التنافس معا الافتقار الجامع للكفاءة والمسؤولية السياسية.
ومأساة الاصلاح ومشكلته الرئيسية في البلاد العربية كامنة في الرد على الأسئلة الصعبة التالية: كيف يمكن لؤلئك الذين وصلوا إلى مناصبهم عن طريق الولاء والمحسوبية والذين لا أمل لهم في الحفاظ على امتيازاتهم من دون استمرار السلطات الاستثنائية أن يقوموا هم أنفسهم بإصلاح هذه الأوضاع، أي بزعزعة الأرض التي يقفون عليها؟ وكيف يمكن لنظم حكم لا تقوم على قاعدة سياسية عمومية ولا تقبل بالاحتكام إلى الجمهور والرأي العام وتؤمن بأن قيادتها للمجتمع والدولة حقا أبديا لا نقاش فيه مهما كانت نتائج سياساتها وإدارتها وقراراتها، أن تضمن لنفسها الاستمرار من دون الاعتماد الواسع على قاعدة الولاء والقرابة والتضامنات العائلية والعصبوية؟ هذا هو التحدي الذي تواجهه النظم العربية والذي لن يكون من السهل تجاوزه للخروج من حالة التوتر المتزايد الذي يتجه إليه المجتمع وتندفع إليه الحكومات والمعارضات معا بسبب انهيار آمال الاصلاح السريع وتفاقم الأزمة الاجتماعية. وهو الذي يدفعني إلى القول بأن الطريق المسدود الذي وصل إليه عهد التصحيح العربي الذي بدأ منذ السبعينات ولا يزال يجرجر ذيوله في بعض البلدان العربية المتأخرة والمترددة يستدعي أكثر من أي وقت سابق العودة إلى سياسة الحوار التي تخلت السلطات العربية عنها اعتقادا بأنها تستطيع، عن طريق توقيع قوانين تحرير الاقتصاد، حل مشاكل البلاد واحتكار خيراتها معا. وكما أن التصحيح الاقتصادي لم يكن ممكنا من دون الاصلاح الإداري فإن الاصلاح الإداري لن يكون ممكنا من دون الاصلاح السياسي أي من دون معالجة الإطار الذي يمنع جميع مؤسسات الدولة من تمثل معايير الكفاءة وقيم المسؤولية التي هي أساس أي عمل صالح ومنتج في أي مجتمع قديم أو حديث. وإذا ما وصلنا إلى اقتناع فعلي بأنه لا توجد هناك حلول سريعة وجاهزة لأي مشكلة من المشاكل التي تواجهنا تماما كما أنه لا يمكن لأي حل أن ينجح ويستمر إذا كان أحادي الجانب أو لصالح طبقة أو فئة واحدة على حساب الجميع فلا بد لنا من الاعتراف بأن الوقت قد حان لفتح النقاش الوطني من جديد وإشراك المجتمع والرأي العام وجميع الأطراف في البحث عن الحلول الناجعة التي ليست موجودة في أي مكان آخر سوى التفاهمات الوطنية المفاوض عليها. هذا هو الطريق الوحيد للخروج من حالة القلق والحيرة والتخبط التي نعيشها ولا تكف عن تسميم حياتنا العمومية.


mercredi, décembre 03, 2003

لماذا يبدو الانفتاح السياسي مستحيلا في العالم العربي؟

الجزيرة نت 3 ديسمبر 2003

لا أحد يستطيع أن ينكر اليوم أن هناك عملية تغيير عميقة جرت وتجري منذ عقدين أو ثلاثة داخل بلدان العالم بأجمعها وتتخذ من التكيف مع حاجات الاندماج في السوق العالمية ومع السياسات النيوليبرالية محورا أساسيا لها. هذا ما جرى في دول الكتلة السوفييتية السابقة وأوروبا الوسطى وأمريكا اللاتينية ولا يزال يجري في بلدان جنوب شرق آسيا وأفريقيا. بيد ان الذي يميز هذه العملية في البلدان العربية بشكل أقوى من أي منطقة أخرى هو الفصل الواضح بين التغيير الاقتصادي والتغيير السياسي، أو بمعنى آخر استبعاد السياسة من ميادين الاصلاح والسعي ما أمكن إلى الاحتفاظ بآليات نموذج الدولة البيرقراطية التسلطية على الطريقة السوفييتية أو على الطريقة الأبوية شبه الاقطاعية. وعادة ما يبرر أنصار السلطة هذا الاختيار بغياب مطالب الديمقراطية ونداءات الحرية والحقوق الانسانية واقتصار مطالب الجمهور العربي الواسع على تأمين لقمة الخبز وزيادة فرص العمل لعشرات ملايين الباطلين ورفع مستوى المعيشة المادية. ولن تكون نتيجة فتح الحقل السياسي في هذه الحالة سوى تعميم الفوضى والنزاعات في الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات العربية إلى ضمان الاستقرار ما أمكن لجذب الاستثمارات الأجنبية. ولذلك من الأفضل أن تقتصر أجندة التغيير في الدول العربية على بند واحد وحيد هو التحرير الاقتصادي، أي وضع الشروط القانونية والإدارية المحفزة على جذب الاستثمارات وتوطينها. وفي بعض البلدان العربية يقدم منظروا هذا الاختيار المثال الصيني كنموذج ناجح للتغيير الاقتصادي المحض في مقابل نموذج التغيير الروسي الذي أدى إلى عهد الفوضى، معتبرين أن ما ينطبق على الصين التي تشكل قارة قائمة بذاتها تتصارع الشركات الكبرى على وضع موطء قدم في سوقها ينطبق على أي بلد صغير مهما كان حجم اقتصاده وسوقه الوطنية وموارده البشرية والطبيعية.
والواقع ليس هذا الاختيار الاقتصادوي الذي يبدو وكانه يتماشى مع حاجات الاندماج في الاقتصاد الليبرالي مجردا عن الهوى. كما أن اختيار الإطار أو النظام السياسي ليس أمرا محايدا ومستقلا عن الاختيار الاقتصادي ولا مفصولا عنه. وكما أنه لا يوجد نشاط اقتصادي في الفراغ فإن كل اقتصاد يتكون ضمن إطار سياسي يعين قواعد العمل المتبعة وعلاقة الفئات الاجتماعية في ما بينها ومواقعها وقدراتها على العمل والمبادرة الجمعية وبالتالي آفاق تحولها وازدهارها. ومن هنا أطلق المنظرون المعاصرون اسم الاقتصاد السياسي على الاقتصاد الحديث واعتبروه بحد ذاته سياسة كبرى. ونحن لم نعد نتحدث اليوم إلا في السياسات الاقتصادية.
إن إغلاق المجال السياسي وتحريم العمل فيه للقوى الاجتماعية أو شلها والتضييق عليها لم يكن يهدف ولا يهدف إلى شيء آخر في البلاد العربية سوى قطع الطريق على أن يشكل التحول نحو اقتصاد السوق مناسبة لإعادة توزيع الثروة الوطنية بشكل يقلل من سيطرة الفئات المحدودة المستفيدة منها في الحاضر، وفي ما وراء ذلك منع تعديل موازين القوة السياسية والحيلولة دون تغيير نموذج السلطة الاجتماعية في المستقبل. فهذا الإغلاق هو الذي يضمن وحده انتقالا سريعا وتلقائيا للثروة الوطنية من أيدي جيل الآباء الذي سيطر عليها باسم حماية الملكية العامة أو الاشراف عليها إلى أيدي جيل الأبناء الجديد باسم التنمية الاقتصادية المعتمدة على الاستثمارات الخاصة. ونحن هنا في الواقع في سياق طبيعي لإعادة تكوين طبقة ارستقراطية فقدت مبرر وجودها. فالفصل بين السلطة السياسية وأصحاب المصالح الاقتصادية هو من سمات الدولة القانونية ومصدر الحراك الطبقي في العصر الحديث بقدر ما كان الاندماج بينهما سمة أساسية من سمات الدولة أو السلطة الإقطاعية القديمة التي كانت تقوم على منع الحراك الاجتماعي وتثبيت السكان والفئات الاجتماعية في مراتب جامدة وتكريس السلطة والثررة معا كحق محسوم وثابت لارستقراطية وراثية محصورة في جزء محدود من العائلات التي نجحت عن طريق تفوقها في تنظيم الميليشيات المسلحة في وضع يدها على السلطة ولا تزال تملك القوة الكافية للاحتفاظ بها.
من هنا تستدعي إعادة تكوين الارستقراطية الجديدة التي تعيش على ريع الموقع في السلطة، في عصرنا الراهن، تفريغ الدولة الحديثة من مضمونها، أي من مفاهيم الوطن والمؤسسة والمواطنية والقانون والحرية الشخصية. وهو ما يفسر العودة القوية في إطار السلطة القائمة إلى تعبئة العصبيات العشائرية والعائلية وتكريس قانون القرابة والولاء والانتماء الخاص والتمديد له إلى ما لانهاية. فمن خلال اختراق الدولة الحديثة من قبل البنيات والقيم الزبائنية فقط تستطيع الارستقراطية الجديدة أن تحول مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية إلى ما يشبه ميليشيات القرون الوسطى التي تضمن لها التفوق والاستمرار. وهكذا تتحول الدولة الحديثة من إطار قانوني وسياسي يضمن للمجتمع تنظيم شؤونه وتجاوز تناقضاته وحلها بالوسائل السلمية، ومن ثم تحقيق وحدته وتضامناته مع تجنب الحرب والصراع الأهليين، إلى أداة لإخضاع المجتمع بالقوة واستخدام العنف الشرعي لقهره وتركيعه.
هذا هو في الواقع المغزى الرئيسي لإغلاق الحقل السياسي والابقاء على نظام السيطرة الشمولية المعتمد على تعليق القانون وإلغاء المراقبة والمساءلة الوطنية. وهو الذي يفسر أن الانفتاح الاقتصادي يسير هنا مناقضا بشكل مباشر للانفتاح السياسي وللاصلاح الإداري والقانوني والاجتماعي معا.
وفي البلاد العربية التي تشهد منذ السبعينات تحولا مضطردا في اتجاه اقتصاد السوق لم يعمل هذا الدمج بين السياسات النيوليبرالية الجديدة والنظام التسلطي على تفاقم مظاهر الزبائنية العائلية والعشائرية فحسب ولكنه حرم الانفتاح الاقتصادي من إمكانية إطلاق علمية التنمية أو خلق فرص عمل جديدة، وساهم، في ما وراء ذلك، في الإفقار المتواصل للمجتمع. فتكوين هذه الطبقة الزبائنية لا يتم على حساب نشوء الطبقة الوسطى المنتجة فحسب ولكنه يقطع الطريق أيضا على تكون طبقة رأسمالية نشيطة وحية من رجال الأعمال المنتجين والمبادرين، لصالح النمو السريع لرأسمالية المضاربة الطفيلية وغير المنتجة التي برزت في سياق عملية الانتقال البسيط للثروة، ومن دون جهد ومن دون منافسة، داخل قائمة العائلات والأسر نفسها التي سيطرت على الدولة واستغلت نفوذها فيها لتحقيق طفرتها التاريخية. ولذلك ما كان من الممكن للتحرير الاقتصادي أن يعني هنا تراجع الفساد بقدر ما عنى تفاقمه بموازاة تقدم عملية التحرير بل تحوله هو نفسه إلى قاعدة نمو الاقتصاد الجديد ومحركه.
أن أولويات الجيل القديم والجيل الجديد الذي يسعى إلى وراثته، في حقلي السلطة والاقتصاد معا، واحدة، هي نقل السلطة السياسية والمادية، أي الحكم ورأس المال معا، في نطاق الدائرة العائلية واستغلال آليات النظام القائم لتحقيقها على أكمل شكل وفي أسرع وقت. وكل يوم يمر من دون انفجار الأزمة العامة تعتبره هذه الفئات مكسبا لها. فما يهمها في الواقع ليس مستقبل البلاد ولا تطور الانتاج ولا توسع استثماراتها في الداخل وإنما جمع أكثر ما يمكن من الثروة قبل أن يحين وقت تصديرها على شكل ودائع واستثمارات إلى السوق العالمية. وبقدر ما يعكس هذا الوضع افتقار رأسمالية المضاربة الجديدة الناشئة في أحشاء بيرقراطية الدولة إلى أي حافز للتغيير السياسي يؤكد راهنية الإبقاء على أنماط الحكم العسكري والأمني وحتمية إعادة إنتاجها. فكما أنه لا أمل لهذه الطبقة في البقاء بوجود أليات ووسائل المراقبة والمحاسبة والشفافية والمساءلة القانونية والسياسية، فليس بإمكانها التطور والنماء من دون االاستخدام المعمم للعنف الذي يضمن لها وحده لجم القوى الاجتماعية المنتجة والعاطلة والمهمشة والاستمرار في الاستفادة من الميزات الاستراتيجية نفسها التي استفاد منها جيل آبائها للانتقال من حال البؤس إلى مصاف الطبقة الارستقراطية المكرسة.
وما لم يتعرض نظام الاحتكار المطلق للسلطة السياسية والاقتصادية والثقافية الذي يمثله الحكم في إطار قوانين الطواريء وحرمان المجتمع من أي حياة مدنية أو سياسية للانهيار من تلقاء نفسه، كما حصل في البلاد الأخرى الشمولية، ليس لهذه الطبقة أي مصلحة في أن تعدل فيه أو تزيحه. فهو يقدم لها أفضل الشروط لتحقيق التراكم السريع أو بالاحرى لتمديد مرحلة التراكم البدائي القائم على استخدام القوة المجردة لرفع عوائد ريع الموقع السياسي إلى حدها الأقصى، وإذا أمكن، مراكمة الثروة ورأس المال من دون أي استثمار آخر سوى الرشوة الضرورية لكسب المحاسيب والأعوان. فكيما تضمن لنفسها الانطلاق من ضيق الاقتصاد الوطني الصغير نحو رحابة السوق العالمية التي تشكل منذ الآن امتدادا طبيعيا لها ليس عندها خيار آخر سوى تحقيق المعادلة الصعبة: أقصى معدلات التراكم بأسرع وقت وبأدنى تكلفة.
في هذا النمط الخصوصي والزيائني من الانتقال نحو اقتصاد السوق العالمية أو المعولمة نجد التفسير الاقتصادي السياسي والتبرير الوحيد للابقاء على نظام الوصاية الفكرية والمدنية والسياسية التي يجسدها نظام ا الحزب الواحد أو إلغاء الحياة السياسية ورفض إجراء أي تعديل أو تغيير أو إصلاح على قواعد العمل العمومي القائمة والتقوقع بشكل أكبر على مفهوم السلطة الأحادية والشاملة. وفيه نجد أيضا معنى حرص أصحاب المناصب بمختلف مستوياتها على البقاء في مناصبهم إلى الأبد قبل توريثها لأبنائهم. وهو انتقال خصوصي بالفعل بالمقارنة مع ذاك الانتقال الذي عرفته مجتمعات أوروبة الوسطى انطلاقا من انهيار النظام الشمولي. فهو انتقال تحقق ويتحقق داخل النظام القديم ومن دون المساس بقواعد عمله السياسية والاجتماعية بل تحت حراسة وإشراف الدولة نفسها. والفرق الوحيد بينهما هو أن الانتقال نحو اقتصاد السوق المعولم قد قاد، في حالة انهيار النظام الشمولي، إلى سيطرة شبكات المصالح الضيقة ذات الطابع المافيوزي لكن إلى جانب نشوء نظم تعددية وديمقراطية تسمح مع الوقت بتعديل الوضع الناشيء عن أزمة الانتقال، كما تشير إليه محاولة الرئيس الروسي بوتين الراهنة لمحاصرة امبرطوريات المال في روسيا الاتحادية. في حين يقود الانتقال نحو الرأسمالية الخاصة في ظل استمرار الحكم الشمولي في البلدان العربية نحو تخليد سيطرة شبكات المصالح العائلية نفسها والتمديد في عمرها مع انسداد أي أفق للاصلاح أي للتغيير في الأحوال المعيشية والسياسية والقانونية والأخلاقية للبلاد.
ويترتب على هذا التطور الاستثنائي نشوء رأسمالية من طبيعة خاصة يميزها وجود فئات فائقة الثراء لكن مع غياب طبقة رأسمالية ذات تقاليد ووعي وطني ومواطني ورؤية استراتيجية شاملة وطويلة المدى. وهي تميل إلى أن تتكون على شكل شبكات مصالح متضاربة ومتنافسة تتنازع للحصول على مناقصات الدولة التي تحدد هي نفسها هامش الريع المرتبط بها، أي تتصارع على تقاسم الثروة العامة واقتسامها لا على مراكمتها عبر تطوير الاستثمار وتوسيع دائرة الانتاج والانفاق لتطوير القاعدة التقنية والعلمية. وهذه هي إحدى آليات تكون الرأسمال العولمي انطلاقا من إلحاق أصحاب الرساميل وفئات البرجوازية المبتورة الرأس والمعدومة الانتماء أو الولاء به وضمها إليه. وهي كذلك مصدر الفوضى السياسية التي تعيشها وستعيشها بشكل أكبر المجتمعات الفقيرة باعتبارها الشرط الضروري لإعادة إنتاج سلطة أرستقراطية رثة وطبقة وسطى زبائنية مكونة من شبكات المصالح والولاء العشائري والعائلي والجهوي، غير منتجة ولا مبدعة ومفتقرة في سلوكها الفردي والعمومي لأي معايير موضوعية ووطنية وأخلاقيات عامة.

الجزيرة نت

lundi, décembre 01, 2003

ثقافة التخلف


أصبح من المسلم به اليوم أن استيعاب المعرفة وإنتاجها وتداولها يشكل اليوم وسوف يشكل في المستقبل بشكل أكبر محور التنافس بين المجتمعات وأساس نجاحها في الرد على حاجات أعضائها وبالتالي في استقطاب ولائهم، وذلك بقدر ما أصبحت المعرفة في أيامنا هذه العامل الأول في تقدم المجتمعات والارتقاء بشروط حياتها المادية والمعنوية. وهذا الاستيعاب وما يتبعه من إنتاج وتداول مكثف للمعرفة يشكل اليوم، أكثر من التعبير عن الهوية، التحدي الرئيسي الذي تواجهه الثقافات في مجتمعاتنا المعاصرة. فالثقافة التي تخفق في تحقيقه تجد نفسها شيئا فشيئا مستبعدة من المنافسة التاريخية وتحكم على نفسها بالزوال كثقافة حية وفاعلة حتى لا يبقى منها سوى ذكرى ثقافة أو ثقافة الحنين والذكريات.
وكما بين ذلك تقرير التنمية البشرية للمنطقة العربية لعام 20002، بصرف النظر عن العديد من نقاط الضعف التي تعتري هذا التقرير،لم تنجح المجتمعات العربية المعاصرة في الرد على هذا التحدي، ولا تزال تعاني من نقص فادح في اكتساب المعرفة وإنتاجها وتداولها، خاصة المعرفة الابداعية العلمية منها, وهي تعتمد في تأمين حاجاتها الأساسية منها على النقل أو الاستعارة أو الاسيتراد من الخارج.
وقد تحذثت في مقال سابق عن أثر العوامل السياسية والاجتماعية في تكوين فجوة المعرفة الواسعة التي تفصل العالم العربي ليس عن المجتمعات الصناعية المتقدمة فحسب ولكن حتى عن المجتمعات النامية، بالرغم مما يتوفر في مجتمعاتنا من موارد بشرية ومادية. وأود أن أشير في هذا المقال إلى أثر عوامل أخرى لا يمكن لأي سياسة تنموية أن تتجاهلها، وهي السياسات العلمية والثقافية بشكل عام. وإذا كان من الصعب فصل هذه العوامل عن العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلا أنها تشكل ميدانا للبحث قائما بذاته وبالتالي يحتاج منا إلى التأمل والتفكير والمراجعة. فوجود إرادة التنمية المعرفية لا ينفي ضرورة بلورة سياسات علمية فعالة لتحقيق هذه التنمية.
ولعل ما وسم العقود القليلة الماضية من العمل العربي في هذا المجال هو الافتقار إلى سياسات تنمية معرفية متسقة وناجعة، وفي بعض الحالات إلى غياب أي سياسات علمية على الإطلاق، بالرغم من الموقع الكبير الذي احتلته مسألة التنمية واكتساب العلوم والتقنيات في الايديولوجية العربية القومية السائدة. وهو ما يمكن أن نلاحظه على مسألة التعليم أيضا. فبالرغم من الجهود الاستثنائية التي بذلتها الدول العربية لتوسيع دائرة المستفيدين من هذه الخدمة الاجتماعية الكبرى إلا أن الاهتمام بتحسين نوعية التعليم وربطه بمسائل التكوين المهني والتعليم المستمر والتأهيل الاجتماعي بقي ضعيفا جدا إن لم نقل معدوما. وربما كان السبب الرئيسي لذلك كامن في غياب أهداف واضحة ومحددة للتربية والتعليم في جميع مراحلهما وانفصالهما عن عالم العمل والانتاج والاهتمام الاجتماعي. وهكذا لم تنجح الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها الدول العربية في هذا القطاع، من تجنيب الدول العربية التبعية شبه الكاملة في تأمين حاجاتها المعرفية على الخبرة الأجنبية. فهي لا تزال تستورد الخرة الفنية والتقنية بكثافة، ولا تزال تعتمد بشدة، منذ أكثر من قرن، في تكوين الاطر العلمية والفنية والتقنية المتقدمة، على ايفاد البعثات إلى الدول الأجنبية لتلقي العلم، كما لا تزال تعتمد في إعداد البرامج التعليمية على المناهج المصاغة لمجتمعات أخرى.
ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون من الصعب نشوء أي علم عربي أو بالأحرى أي تقاليد علمية راسخة، أو أن تثمر الجهود الكثيفة عن تكون قطب مستقل للتطور العلمي والتقني يملك ديناميات نموه الداخلية. فكما يظل العلماء والتقنيون منقطعين واحدهم عن الآخر وغير قادرين على التواصل والتعاون بسبب تباين مناهج تكوينهم واختلاف لغات اختصاصهم ومرجعياتهم وموارد بحوثهم تظل ابداعاتهم مرتبطة باستمرار بتبعيتهم لمصادر تكوينهم وإلهامهم. وبقدر ما يمنع هذا التباين في مناهج تلقي العلم والتبعية المتواصلة والمباشرة لمناهله الأجنبية من التواصل والنمو العمودي للمعرفة يمنع من نشوء بيئة علمية محلية مستقلة أو ذات حد أدنى من الاستقلالية قادرة على صهر المعارف والخبرات المتباينة المستمدة من مصادر وثقافات أخرى وتحويلها إلى معرفة محلية وتكييفها مع حاجات المجتمع المحلي. فالأطر العلمية من فنيين علماء ومفكرين ومبدعين تبقى مشتتة ومتباعدة تعيش كل فئة منها في مناخ المجتمع الذي استمدت منه معرفتها, ولا تنجح في ايجاد ما يجمع بينها. وهي تظل أيضا بسبب هذا الارتباط بالذات غريبة عن ديناميات مجتمعها وغير قادرة على التأقلم مع حاجاته والرد على طلباته كما تبقى المعرفة التي تملكها مشتتة وغريبة في معظم الوقت عن المجتمع الذي تعيش فيه. وبقدر ما تفتقر لمرجعية واحدة محلية، تظل الأوساط العلمية مرتبطة بمرجعيات خارجية تجعلها غير قادرة على التفاعل مع بعضها البعض ومع بيئتها الجديدة بصورة إبداعية.
وما يقال عن السياسات العلمية يمكن قوله أيضا عن السياسات اللغوية. فمما لاشك فيه أن ضعف التأهيل والتكوين اللغوي بالعربية واللغات الأجنبية معا وتخبط السياسات اللغوية يلعب دورا كبيرا في إعاقة النمو المعرفي. وهكذا لا تزال الدول العربية تفتقر حتى اليوم إلى سياسة جدية للتعامل مع اللغة العربية سواء من حيث تحديد وظائفها أو من حيث العمل على تحديثها وتطوير وسائلها واستعداداتها لملاحقة تطور اللغات العلمية والتقنية والاستجابة لحركة الابداع العلمي المستمر، أو في ما يتعلق بتبسيط أساليب تعليمها وتدريسها للأطفال والطلبة بحيث يمكن لهم استيعابها بالسرعة والكفاءة الكافيتين لتتحول إلى أداة تعبير قوية ولغة معرفة وثقافة عليا معا. وبالرغم من العمليات الواسعة التي تمت لتعريب التعليم في جميع المستويات بما فيها المستوى الجامعي في معظم البلاد العربية، لا تزال اللغة العربية تفتقر إلى مرصد للمصطلحات العلمية وآلية لتدقيق المصطلحات وتعميم استخدامها من قبل المستعملين لها كما لا يزال العالم العربي يفتقر لأي بنية مشتركة أكاديمية تسمح برعاية شؤون اللغة والتنسيق بين مناهج تطويرها وتعليمها. وبالمثل لم تنجح البلاد العربية حتى الآن في الاتفاق على سياسة لغوية ثابتة في التعامل العلمي والإداري معا. ولا تزال أكثرها تتردد بين التعريب الشامل والاستخدام المكثف للغات الأجنبية. وقد غيرت بعض الدول خياراتها أكثر من مرة منذ الاستقلال. ومن الصعب العثور على تقرير علمي واحد حول الوضع اللغوي في البلدان العربية. وقد أدى غياب المعالجة العلمية الموضوعية لمسألة اللغة إلى الهبوط المباشر للمناقشة العامة في هذا الموضوع إلى مستوى الجدل الايديولوجي الذي يجعل من مسألة اللغة جزءا من استراتيجيات الصراع على السلطة ويفصلها كليا عن وظائفها الرئيسية الحقيقية المتعلقة بالتواصل العمومي وبالنجاعة في اكتساب المعارف المختلفة وتعميمها.
ونلاحظ التخبط نفسه في سياسة تعليم اللغات الأجنبية واستخدامها. فهي تعاني من تقلب الاختيارات ومن النقص في الامكانيات ووسائل التعليم والتحسين التي تجعل منها لغات قوية قادرة بالفعل على القيام بوظيفتها الأساسية وهي تمكين المختصين والباحثين والمفكرين من النفاذ إلى أدق المعارف والعلوم والمعلومات التي لا يمكنهم النفاذ إليها بلغتهم الأم.
إن غياب سياسات ثقافية وعلمية متسقة وافتقار العملية التعليمية لأهداف واضحة وركاكة ثقافة النخبة العليا، أي ثقافة السلطة والإدراة والقيادة، وتخبط السياسات اللغوية وعدم نجاعتها وسيطرة مناخ الاستهلاك الثقافي الرمزي والتعويضي على الانتاج الثقافي والمشاركة الثقافية والعلمية في النشاطات والفعاليات العالمية، وبحث النخب الحاكمة عن المشروعية في نوع من التعبئة الايديولوجية الوطنية والقومية الرخيصة والشكلية تعوض عن الافتقار للشرعية السياسية، كل ذلك يشكل ثقافة خاصة قائمة بذاتها هي ما نسميه ثقافة التخلف. وهذه الثقافة هي أحد العوامل الرئيسية في إعاقة نمو المعرفة وتكوين وتراكم رأس مال معرفي وازن، بقدر ما تقود إلى بناء نظم ثقافية غير متسقة وغير ناجعة. فلا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تشجع على التعلم والتجدد والبحث والمعرفة والتفكير والتأمل في القضايا المطروحة سواء أكانت علمية أم دينية أم اجتماعية أم سياسية ولكنها تنمي ملكات التسليم بالأمر الواقع والاستسلام للقضاء والقدر أو التعويض عن البحث العلمي بالاستثمار المبالغ فيه في الوعي الايديولوجي الذي شمل جميع ميادين النشاط الفكري وفي مقدمها ميدان الاعتقادات الدينية، محولة الدين والايمان إلى أداة للصراعات السياسية.

vendredi, novembre 21, 2003

حدود الرهان على التنافس الأوروبي الأمريكي في الشرق الأوسط


تتقاطع المقاومة السياسية والدبلوماسية الواضحة التي تبديها أوروبا وفي مقدمها فرنسا أمام مشروع اللسيطرة الأمريكية في الشرق الأوسط بقوة مع المصالح العربية وتثير حماس الجمهور العربي وتأييده، وهو الجمهور الذي يعيش أو يكاد يعيش في حالة يتم بسبب ما يشعر به من الافتقار إلى القيادة والرؤية البعيدة والاستراتيجية معا. لكن وجود هذه المقاومة الأوروبية واستمرارها للمشروع الأمريكي لا ينبغي أن يمنعنا من إدراك واقع أن أوروبة، والمقصود هنا بالتاكيد فرنسا وألمانيا التي سلكت طريقا مشابها للطريق الفرنسية في السنوات الأخيرة تجاه المنطقة العربية، لا تملك، حتى الآن، أي سياسة بعيدة المدى وقائمة على أسس قوية ومتماسكة. وليس لديها أي مشروع للشرق الأوسط يختلف عن المشروع الأمريكي الذي ينادي بإعادة تشكيل المنطقة أو يسعى إلى أن يكون بديلا له. وهذا يعني أن أوروبة لا تملك سياسة عربية أو تتعلق بمستقبل العالم العربي مستقلة فعلا عن السياسة الأمريكية. هي تكتفي في الواقع بتعزيز سياستها التقليدية القائمة على الدفاع عن مصالحها القائمة والتمسك بمواقعها المهددة في وجه الزحف الأمريكي المتواصل. ولا يمكن لمثل هذه الأهداف التي لا تأخذ بالحسبان مصالح العالم العربي ومشاكله أن تكون أساسا لبلورة سياسة متسقة وبعيدة المدى تجاه هذا العالم تتمتع بالحد الأدنى من الثبات والانجاز والتراكم، وقادرة على الوقوف جديا أمام الاستراتيجية الامريكية ولا حتى امام الاستراتيجية الاسرائيلية.
هذا هو الذي يفسر في الواقع الطابع المزدوج والمتقلب لهذه السياسة. فهي في الوقت الذي تدعم فيه القضية الفلسطينية وتتخذ مواقف ايجابية منها في المحافل الدولية تقف مكتوفة الأيدى أمام حركة الاستيطان والاستعمار الزاحف الاسرائيلية ولا تجرؤ أو لا تريد اتخاذ أي إجراء عملي يزعج حكومة الليكود أو يثير حفيظة الإدارة الأمريكية، ولم تقبل في أي لحظة تجميد اتفاقات التعاون العلمي والتقني التي تربطها باسرائيل، ولا اتخاذ أي مبادرة مستقلة عن الإدارة الأمريكية. ولا يختلف الوضع كثيرا عن ذلك في ميدان العلاقات الاقتصادية. فلا يكاد العالم العربي يتلقى شيئا يذكر من الاستثمارات الأوروبية في حين لا يزال نزيف الرساميل العربية الهاربة من البيئة الإقليمية غير المستقرة أو بسبب فساد النخب الحاكمة وانقطاعها عن مجتمعاتها مستمرا، وربما بوتيرة أكبر مما كان عليه في السابق، مخلفا وراءه إقتصادات عربية مفقرة وراكدة معا غير قادرة على التفاعل مع البيئة العالمية. لكن على المستوى السياسي، وبالرغم من الحديث الشائع عن حقوق الانسان والديمقراطية، لم تكن الاستراتيجية الأوروبية مرتبطة في أي حقبة بالدفاع عن النخب القائمة والتمسك بها كما هي اليوم. ففي مواجهة المشروع الأمريكي القائم على الضغط على الأنظمة لإخضاعها وتشغيلها لصالحه لا تجد السياسة الاوروبية وسيلة لاستعادة بعض النفوذ والابقاء على بعض المصالح المهددة سوى بالتمسك المتزايد بهذه النظم ودعمها ضد الضغوط الأمريكية.
ويظهر هذا كله نقاط الضعف الكبيرة التي تعاني منها السياسة الاوروبية في المنطقة سواء ما تعلق منها بتباين وجهات النظر داخل الاتحاد الأوروبي المفتقر للاتساق والانسجام، والمخترق أمريكيا، أو بضعف القوى التي تراهن عليها في الشرق الأوسط لمواجهة السيطرة الانفرادية الأمريكية، وهي قوى نظم مهلهة فقدت إلى حد كبير صدقيتها في الداخل والخارج وأصبح الرأي العام العالمي والمحلي ينظر إليها على أنها تمثل شبكات مصالح مافيوية. وهي ميالة، عدا عن ذلك، إلى التفاهم بشكل أكبر مع الولايات المتحدة التي تؤمن لها وحدنها الحماية حالما تظهر واشنطن تأمينها و قبولها في فلكها وتفتح باب الحوار والتفاهم معها. وهكذا تبدو العصا الغليظة التي تستخدمها واشنطن أكثر قدرة على انتزاع التنازلات وتحقيق المكاسب من سياسة الحوار التي تتبعها أوروبة تجاه هذه النخب الحاكمة والتي لا تغطي في الواقع إلا فقدان أوروبة لوسائل الضغط والتأثير الفعلية.
في هذه الظروف التي لا تسمح لأوروبة أن تحلم ببلورة سياسة شرق أوسطية تتجاوز في أهدافها التمسك بما لا تزال تملكه من مصالح في المنطقة، يشكل الخطاب الدبلوماسي المساير للعرب شاشة تخفي السياسة الخارجية الأمريكية وراءها افتقارها لوسائل بناء سياسة عالمية بديلة فعلا ونزوعها إلى عدم التنازل عن دورها وموقعها في المخيلة العالمية باعتبارها أحد أقطاب السياسة الدولية.
لا يعني هذا أنه لا يوجد صراع ولا تنافس بين أوروبة وواشنطن في الشرق الاوسط ومناطق أخرى من العالم. فهو موجود بالتأكيد. ولا يعني أيضا أن أوروبة ليست صادقة في دفاعها عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب بدل النظام الأحادي القائم الذي تستفيد منه أمريكا وحدها. فهذا يصب في مصالحها القومية أيضا. إنه يعني أن الصراع بين فرنسا واوروبة معها من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى ليس صراعا تناحريا ولكنه تنافسي يدور حول المصالح، ويحسم بالتالي بالتسويات، وأن من المستحيل أن يصل إلى صدام فعلي طالما أن مصالح أوروبة في التفاهم مع أمريكا أعظم بكثير من مصالحها في التفاهم مع البلاد العربية بل والنامية جميعا، وأن فرنسا والولايات المتحدة شريكان فعليان في ناد واحد هو نادي الدول الصناعية الكبرى التي تدير العالم لصالحها ومن مصلحتها أن تستمر هذه الإدارة وتبقى في يدها.
باختصار إن الصراع الأوروبي الأمريكي الراهن في المنطقة والعالم ليس من طبيعة استراتيجية أو بعيدة المدى، ولا يشكل المرجعية الأساسية للسياسة الأوروبية والأمريكية ولكنه يحصل في إطار الدفاع البراغماتي عن المصالح القومية وبالتالي مع الحرص على عدم السماح لهذا الصراع بالذهاب بعيدا وتهديد المصالح الاستراتيجية الكبرى التي تربط الطرفين بعضهما ببعض.وكما أن وحدة المصالح لا تلغي التنافس لا يلغي الصراع بين واشنطن ودول التكتل الأخرى غير الراضية عن التفرد الأمريكي، وهو حقيقي وجدي، وحدة المصالح أيضا.
لكن، بالمقابل، لا تمنع هذه الوحدة من أن يعرقل التنافس والصراع بين القوى المتنازعة على تقاسم المنافع الدولية استقرار نظام الأحادية القطيبة الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تكريسه ويخلق مشاكل عديدة للولايات المتحدة. فمن دون ذلك ما كان من الممكن لواشنطن أن تقدم تنازلات تضمن المصالح القومية للدول والامم الكبرى الأخرى.
بيد أن تأثير هذا التنافس والصراع الفعليين بين الكتل الدولية الكبرى يبقى مع ذلك محدودا جدا في نظري على مصائر الدول الفقيرة والنامية وقدرتها على الاستفادة منه في سبيل تعزيز مواقعها والدفاع عن مصالحها العامة على أي مستوى كان. وليس من الصعب تصور ولادة عالم جديد أو نظام عالمي متعدد الأقطاب بديل عن مشروع التفرد الأمريكي من دون أن يغير كثيرا في الموقع الهزيل الذي تحتله الدول الفقيرة في مثل هذا النظام بل لغير صالحها تماما كما فعل نظام الثنائية القطبية المندثر.
إن مثل هذا النظام التعددي لا يصبح ذا قيمة وأثر ايجابي على الدول النامية إلا عندما تنجح هذه الدول في تكوين قطب مستقل نسبيا قادر على التفاوض مع الأقطاب الأخرى ولعب دوره بالفعل كممثل لمصالح شعوبها ومجتمعاتها في إطار النظام الواحد، أي عندما يتحول العالم الفقير إلى قطب في النظام الجديد. ومن دون ذلك صحيح تماما ما يقال من أن الدول الفقيرة هي التي ستدفع ثمن إقامة نظام التعددية القطبية الأمريكية الأوروبية. وبشكل خاص الدول التي ستقف في مواجهة الولايات المتحدة وتعمل كما لو كانت وقودا للنزاع القائم من أجل نظام عالمي جديد ثنائي أو ثلاثي القطبية.
إن شروط بناء سياسة أوروبية عربية يتوقف على قدرة الاتحاد الأوروبي الذي يجهد ليصبح قطب دولي فاعل ومزود بقوة دفاعية خاصة على المساهمة في تمكين العالم العربي من الرد على تحديات ثلاثة رئيسية وخطيرة يواجهها هذا العالم اليوم وهي: تحدي التوسع الاستيطاني الاسرائيلي والاحتلال، وتحدي التحول نحو الديمقراطية ، وتحدي إعادة إطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوقفة.
لكن نعود ونقول أيضا إن هذه السياسة الاوروبية المطلوبة والمنشودة لا يمكن أن تتحقق ولن تتحقق قبل أن ينجح العالم العربي هو نفسه في التحول إلى فاعل حقيقي يتمتع بإرادة ووعي ورؤية واضحة لحجمه ومصالحه وأهدافه، أي قبل أن ينجح في أخذ مصيره بيده ويتخلص من القيود الكثيرة التي تكبل إرادة ووعي شعوبه ومجتمعاته. وفي غياب أفق تكوين العالم العربي كفاعل تاريخي جيوسياسي سوف تستمر الدول الكبرى في استخدام العالم العربي وموارده كساحة للنزاع في حركة التنافس الدائبة لحماية مصالحها القومية أو من أجل تعزيز فرص سيطرتها العالمية. ولن يدفعها شيء إلى التفكير في مصير العالم العربي أو إلى مراعاة مصالح شعوبه الوطنية والإقليمية.

mercredi, novembre 19, 2003

العرب وتحدي المعرفة

لجزيرة نت 19 نوفمبر 2003

جعل تقرير التنمية الانسانية الثاني للمنطقة العربية الذي صدر في الشهر الماضي عن الأمم المتحدة من مسألة المعرفة محور اهتمامه في سعيه لفهم أسباب تعثر التنمية في البلاد العربية. وقد أشار التقرير في معرض تحليله للأوضاع المعرفية إلى عوامل عديدة ربما كان أهمها طبيعة النظم السياسية التي تشكل اليوم في نظري نقطة الضعف الرئيسية في حياة المجتمعات العربية على جميع الأصعدة. وبالرغم من أن هذه النظم ليست مستقلة تماما عن البنيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة في هذه المجتمعات إلا أنها هي المدخل الوحيد لفهمها ومفتاح معالجتها معا.

وكما يشير التقرير بحق إليه، يشكل عدم الاستقرار واحتدام الصراع والتنافس على المناصب النابع من الافتقار لقاعدة ثابتة ومقبولة للتداول السلمي على السلطة بين النخب المتنازعة، أي غياب الديمقراطية، عائقا أساسيا أمام نمو المعرفة وتوطنها النهائي وترسخها في التربة العربية. فمن النتائج الرئيسية لهذا الوضع السياسي، غير المستقر والذي يعيش فيه الحاكم والمحكوم في هوس الانشقاقات والتقلبات والتحولات بل والانقلابات المفاجئة وغير المتوقعة، تحويل مسألة الأمن إلى البند الرئيسي وأحيانا الوحيد في جدول أعمال النخب الحاكمة. وهذا ما يقود بشكل حتمي إلى اضطرار السلطات القائمة على غير أساس شرعي وثابت إلى تكريس القسم الاكبر من الاستثمارات في قطاعات ضمان أمن النظام. وغالبا ما تكون الضحية الرئيسية لتقليص الإنفاق الحكومي في الميادين الأخرى لصالح تنمية وسائل الأمن هي ميادين النشاطات التي لا تعطي فائدة ومردودا مباشرين وسريعين. فلا شك أن رشوة الزبائن والمقربين تبدو ذات نجاعة أكبر في منظور هذا الوضع السياسي القائم على مبدأ التنازع على البقاء لا على مبدأ تنمية المنافع المتبادلة لجميع السكان، من أي استثمارات علمية أو ثقافية.

ومن الطبيعي أن تكون قطاعات الثقافة والمعرفة والبحث العلمي هي القطاعات التي تتعرض قبل غيرها إلى الإهمال سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث تخصيص الاستثمارات المادية. وهذا ما يفسر، أكثر من العوامل الاقتصادية نفسها، ضعف الاستثمار في البحث وتخبط السياسات التعليمية وضآلة الاستثمارات الثقافية وأحيانا انعدامها. ويكفي لإدراك نتائج هذا الوضع مقارنة حصة المخصصات للبحث العلمي في البلاد العربية مع مثيلاتها في العالم الصناعي - بل حتى في البلدان النامية نفسها من الناتج المحلي. إذ لا يتجاوز نصيب البحث العلمي والتقني في البلاد العربية سوى 2 بالألف من الناتج المحلي مقابل ما يزيد عن 2 بالمئة بالنسبة لمعظم الدول الصناعية ( تتراوح النسبة بين 2.5%- 5.00%). وبالإضافة إلى ذلك، يأتي 89% من الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية من مصادر حكومية، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3% فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة عن 50%. التقرير الثاني للأمم المتحدة عن التنمية الانسانية في المنطقة العربية 2002.

لكن أثر الوضع السياسي القائم على الإكراه ورفض الاحتكام للإرادة الشعبية، والخائف بالتالي من أي مبادرة مجتمعية أو ثقافية أو فكرية مستقلة، لا يتوقف عند تقليص ميزانية البحث العلمي والتقني في العالم العربي ولكنه يتجاوز ذلك إلى الإدارة العلمية والتربوية نفسها. فمما لا شك فيه أن الضعف الشديد الذي يميز مؤسسات التعليم والبحث العلمي العربي القائمة ويقلل عوائدها هو سيطرة الاستراتيجيات السياسية على هذه المؤسسات وحرمانها من الأطر الصالحة الكفؤة والمناسبة من جهة، ومن الاستقلالية التي لا غنى عنها لأي رجل علم وبحث ومعرفة ولأي تجديد وإبداع معرفي من جهة ثانية. فمن دون ذلك تتحول المؤسسات المعرفية إلى أجهزة وأدوات إضافية لتعزيز سيطرة النخب الحاكمة وتوسيع قاعدتها الاجتماعية التي تستند إليها ولا يبقى لها، كما هو الحال في العديد من البلاد العربية، أي علاقة بميدان المعرفة، سواء أكان تعليما أو بحثا أو تجديدا تقنيا.

ومن هنا يشكل إخضاع مؤسسات البحث العلمي للاستراتيجيات السياسية وللصراع على السلطة وتقديم مقاييس الولاء والزبائنية في إدارة هذه المؤسسات على مقاييس الكفاءة والمعرفة، وتقييد الحريات الفكرية والسياسية للباحثين، وفي وسط الرأي العام معا، وما يقود إليه من تكبيل للعقول الحية وإخماد لجذوة المعرفة وقتل لحوافز الإبداع، يشكل كل ذلك عاملا رئيسيا في تفسير تخلف المنظومة العلمية التقنية وضعفها الإداري والمعرفي وعجزها عن الانتاج والابداع.

ولا يمكن لهذا الوضع أن لا ينعكس على الوضعية القانونية التي تؤثر بدورها على الممارسة المعرفية. فرفض الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بالإضافة إلى ضعف استقلال القضاء، يحرم العالم العربي من بناء نظام مقبول وضروري من الضمانات القانونية التي تحمي الفرد وتشجعه على المبادرة وتضمن له الأمن الشخصي وحرية التصرف بملكيته، سواء أكانت فكرية أو مادية. ولا يمكن لهذا المزيج المدمر من تأبيد قوانين الطواريء وقبول مبدأ التعسف السياسي وفي الكثير من الأحيان فساد القضاء وغياب نصوص قانونية لحماية الملكية الفكرية، إلا أن يدفع الأفراد إلى البحث عن مستقبلهم خارج أوطانهم ويثبط همم المبدعين ويقتل اندفاعهم إلى العمل وبذل الجهد في سبيل تطوير مواهبهم واستغلال الفرص المتاحة لهم وهي أصلا قليلة في المجتمعات النامية الفقيرة.

كما لا يمكن لهذا الوضع السياسي الذي يتسم بتكريس النخب القائمة وترسيخ أقدامها في السلطة وسيطرتها على الموارد العامة من دون رقيب ولا حسيب أن لا يؤثر بشكل عميق على توزيع الثروة وتركيزها لصالح فئة قليلة وحرمان الأغلبية الاجتماعية منها. إن التوزيع غير العادل للدخول والتمييز الذي تمارسه النظم السياسية الإكراهية بين فئات السكان بحسب الانتماء أو الولاء أو الموقع الاجتماعي يحولان بشكل واضح بين أغلبية السكان وشروط اكتساب المعرفة وتنميتها.

وفي البلاد العربية بشكل خاص يؤدي التلاقي بين نظام سياسي تسلطي من جهة ونظام اجتماعي قائم على التمييز العلني وشبه الرسمي بين المواطنين على أساس الولاء السياسي أو الجنس أو الدين أو المنطقة أو العشيرة إلى تركيز الثروة في أيدي فئات طفيلية بيرقراطية أو مافيوية منفصلة عن صيرورات الانتاج والاستثمار والتجديد التقني الرئيسية وبعيدة كليا عن التفكير في المصالح العامة والانشغال بهموم التنمية الانسانية. فلا يحرم الفقر الغالبية العظمى من الجمهور من القدرة على النفاذ إلى المعرفة والثقافة فحسب ولكن التدهور المستمر في قيمة مرتبات وأجور العاملين في حقول المعرفة من تعليم وعلم وبحث وتجديد يدفع قسما كبيرا من المعلمين والأساتذة إلى التخلي عن مسؤولياتهم وعدم الوفاء بالتزاماتهم مفضلين استخدام المؤسسات العلمية والتعليمية في سبيل تكوين زبائن لهم وإجبار طلبة العلم على دفع دروس خصوصية كشرط لنجاحهم في الامتحان. مما يشكل بداية فوضوية لعملية تخصيص التعليم والدراسة. بل إن ضعف المرتبات قد جعل بعض المدرسين في بعض الجامعات العربية يقايضون نجاح الطلبة في مادتهم الخاصة بمبالغ معلومة من المال. كما أدى ضعف المرتبات التي يتقاضاها رجال العلم والتعليم إلى تنمية استعدادات عميقة لدى الأطر المكونة العلمية والتقنية إلى الهجرة والبحث في بلاد أخرى عن وسيلة للعيش الكريم. ويكاد العالم العربي يشكل اليوم الخزان الأكبر لأصحاب الكفاءات والمهارات المرشحين للهجرة الدولية بالمقارنة مع جميع المجتمعات الاخرى الكبيرة.

ولا ينجم عن ذلك فقر في الأطر العلمية والتقنية مستمر بالرغم من النفقات المتزايدة في التعليم فحسب، ولا قصور في إنتاج المعارف الضرورية للتسيير الاقتصادي والإداري ولكن، أكثر من ذلك، تراجع إن لم نقل انعدام الطلب الاجتماعي نفسه على المعرفة. فالمعلمون والأساتذة والمدرسون والباحثون والمبدعون على اختلاف أنواعهم لا يملكون بمرتباتهم الضئيلة القدرة على اقتناء منتجات المعرفة ووسائل اكتسابها أو الاستقاء منها، سواء أكان ذلك على شكل شراء السلع المعرفية كالكتب والموسوعات والمؤلفات العلمية، أو على شكل مشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية، أو على شكل اشتراكات في دوريات علمية ومعرفية مختلفة. بل إن معظم العاملين في الحقول المعرفية يضطرون في البلاد العربية إلى القيام بأعمال لا تتعلق باختصاصاتهم الأصلية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.

وتعمل الإدارة البيرقراطية المرتبطة بالحكم المطلق وانعدام المساءلة والمحاسبة السياسيين والتي سيطرت على الإدارة الاقتصادية العربية لعقود طويلة ولا تزال، في البلدان التي كانت تتبع اقتصاد التخطيط وتلك التي كانت تنتمي للاقتصاد الحر، على إضعاف الطلب الاقتصادي على المعرفة والتجديد العلمي والتقني بقدر ما تدعم اقتصاد المضاربة الذي يستفيد من الصلات الخاصة التي تقوم بين الإدارة ورجال الأعمال لفرض منطق الاحتكار. وحتى عندما توجد قوانين تسمح ببعض المنافسة، كما هو الحال اليوم بعد تطبيق مشاريع التعديل الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والانفتاح، فإن فساد النظم المجتمعية والسياسية الذي يتجلى في التفاهم العميق بين النخب السياسية ونخب رجال المال والأعمال يقود إلى تكوين شبكات مصالح قوية تتقاسم المنافع والمصالح في ما بينها على الطريقة المافيوزية. وفي غياب المنافسة النزيهة بين الشركات المنتجة لا يبقى هناك سبب لتنمية الطلب على الخبرة والتقانة، إذ تبقى العلاقات العامة والزبائنية بين رجال الأعمال ورجال السلطة أكثر فائدة من تحقيق أي تقدم في الانتاجية أو في الإدارة الاقتصادية.

ومما يضاعف من أثر هذه الإدارة البيرقراطية على التنمية المعرفية وفرة الموارد الريعية وارتفاع نصيبها في الناتج القومي وفي تغذية ميزانيات الدول معا نتيجة الاعتماد المتزايد على تصدير المواد الأولية واستغلال الثروات الطبيعية. فهي تشجع على استسهال استيراد الخبرة والتقنيات الجاهزة بدل العمل على إنتاجها. كما تشجع على تفضيل الخبرة والتقنيات الأجنبية الجاهزة على التقنيات المحلية التي تحتاج إلى الرعاية والاستثمار الأولى.
هذا هو الثمن الكبير الذي تدفعه المجتمعات العربية نتيجة التمسك بنظم إكراهية وبيرقراطية معا. وإلى هذه النظم يرجع نشوء ما يسميه التقرير بالفجوة المعرفية المتوسعة التي يعرفها العالم العربي بالمقارنة مع التقدم العلمي والتقني في العالم أجمع. وهي فجوة تتجلى في نقص الانتاج العلمي والتقني وتخلف بنيات الانتاج الصناعي والاقتصادي عموما وتدهور إنتاجية العمل وتراجع العائد العام من الاستثمارات. وإليها يرجع أيضا غياب البحث العلمي الناجع وفساد نظم التكوين والتأهيل العلمي والتقني، وفي موازاة ذلك ضياع مفهوم الاتقان نفسه والعمل حسب أصول واضحة أو تغييبه داخل المؤسسات والدوائر الاقتصادية والإدارية، والقبول بمفهوم غير مهني وغير احترافي قائم على مبدأ: مشيها اليوم وغدا نرى، في تسيير الأمور والحفاظ على الأوضاع القائمة. ولا يعني ذلك كله في الواقع سوى قتل روح المبادرة والتجديد والإبداع والتحسيين عند جميع العاملين وداخل المجتمع بأسره.

ويبين نصيب الصادرات عالية التقنية من مجمل الصادرات العربية الموقع الأدنى الذي تحتله منطقة " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، بين مناطق العالم، بما في ذلك مجمل البلدان منخفضة الدخل، في كلا نسبة الصادرات المصنعة (مؤشر على مدى غلبة المواد الأولية في الناتج الاقتصادي) ونسبة صادرات التقانة العالية (مؤشر على مدى كثافة المعرفة في الناتج الاقتصادي).

كما تؤكد المؤشرات الخاصة بعدد براءات الاختراع المسجلة من قبل البلدان العربية ونسبة إنتاج الكتب في العالم العربي درجة التخلف العلمي والتقني للعالم العربي بالمقارنة مع بقية بلاد العالم وموقعه الهامشي في الثورة العلمية والتقنية الراهنة سواء من حيث الانتاج والمشاركة في السوق الواسعة التي تخلقها والتي تشكل أهم سوق متطورة ونشيطة اليوم في الاقتصاد العالمي أو من حيث المشاركة العلمية والفكرية والابداعية. فلا تزيد البراءات المسجلة في أهم وأكبر دولة عربية، مصر، عن 77 براءة خلال الفترة 1980 – 2000 في حين تبلغ في كورية 16328للفترة ذاتها. ولا يتجاوز إنتاج الكتب في البلاد العربية 1,1 من الانتاج العالمي في حين يعد العالم العربي 5 بالمئة من سكان العالم. مع العلم أن نسبة كبيرة من هذا الانتاج مكرسة للكتب الدينية والتراثية.

بيد أن الأثر السلبي الأكبر لفجوة المعرفة لا يظهر للأسف في ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فحسب وإنما يظهر بشكل أكبر وأخطر في عحز البلاد العربية عن إنتاج وسائل دفاعاتها وحمايتها في وجه الاعتداءات والضغوط الخارجية ويحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة في أخطر مواجهة يتقرر فيها مصير المنطقة، أعني المواجهة العربية الاسرائيلية.