lundi, novembre 17, 2003

ثقافة التخلف


أشار تقرير التنمية الانسانية الثاني للمنطقة العربية الذي صدر في الشهر الماضي عن الأمم المتحدة إلى مسألة أساسية مرتبطة بالتنمية المعرفية بوصفها محورا أساسيا من محاور التنمية العربية العامة. ومما لا شك فيه أن استيعاب المعرفة وإنتاجها وتداولها يشكل اليوم وسوف يشكل في المستقبل بشكل أكبر محور التنافس بين المجتمعات وأساس نجاحها في الرد على حاجات أعضائها وبالتالي في استقطاب ولائهم، وذلك بقدر ما أصبحت المعرفة في أيامنا هذه العامل الأول في تقدم المجتمعات والارتقاء بشروط حياتها المادية والمعنوية. وهذا الاستيعاب وما يتبعه من إنتاج وتداول مكثف للمعرفة هو الوظيفة الرئيسية للثقافة في مجتمعاتنا المعاصرة. والثقافة التي تخفق في تحقيقه تجد نفسها شيئا فشيئا مستبعدة من المنافسة التاريخية وتحكم على نفسها بالزوال كثقافة حية وفاعلة حتى لا يبقى منها سوى ذكرى ثقافة أو ثقافة الحنين والذكريات. ولا شك أن المجتمعات العربية المعاصرة تعاني من نقص فادح أحيانا في اكتساب المعرفة وإنتاجها وتداولها، خاصة المعرفة الابداعية العلمية منها, وهي تعتمد في تأمين حاجاتها الأساسية منها على النقل أو الاستعارة أو الاسيتراد من الخارج.
ويرجع السبب في النقص المعرفي إلى عوامل عديدة اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية يقع في مقدمتهاغياب سياسات تنمية معرفية متسقة وناجعة، وفي بعض الحالات غياب أي سياسات علمية على الإطلاق في العديد من البلاد العربية. ويدخل فيها أيضا ضعف الاهتمام بالتعليم والتكوين والتأهيل الأساسي والمستمر وغياب أهداف واضحة ومحددة للتربية في جميع مراحل التعليم وانفصاله عن عالم الإقتصاد والمجتمع. فبالرغم من الاستثمارات الكبيرة والاستثنائية التي وضعتها في هذا القطاع، لا تزال الدول العربية تعتمد بشدة، منذ أكثر من قرن، في تكوين الاطر العلمية والفنية والتقنية المتقدمة على ايفاد البعثات إلى الدول الأجنبية لتلقي العلم، كما لا تزال تعتمد في إعداد البرامج التعليمية على المناهج المصاغة لمجتمعات أخرى. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون من الصعب نشوء أي علم عربي أو بالأحرى أي تقاليد علمية راسخة، أو أن تثمر الجهود الكثيفة عن تكون قطب مستقل للتطور العلمي والتقني يملك ديناميات نموه الداخلية. فكما يظل العلماء والتقنيون منقطعين واحدهم عن الآخر وغير قادرين على التواصل والتعاون بسبب تباين مناهج تكوينهم واختلاف لغات اختصاصهم ومرجعياتهم وموارد بحوثهم تظل ابداعاتهم مرتبطة باستمرار بتبعيتهم لمصادر تكوينهم وإلهامهم. وبقدر ما يمنع هذا التباين في مناهج تلقي العلم والتبعية المتواصلة والمباشرة لمناهله الأجنبية من التواصل والنمو العمودي للمعرفة يمنع من نشوء بيئة علمية محلية مستقلة أو ذات حد أدنى من الاستقلالية قادرة على صهر المعارف والخبرات المتباينة المستمدة من مصادر وثقافات أخرى وتحويلها إلى معرفة محلية وتكييفها مع حاجات المجتمع المحلي. فالأطر العلمية من فنيين علماء ومفكرين ومبدعين تبقى مشتتة ومتباعدة تعيش كل فئة منها في مناخ المجتمع الذي استمدت منه معرفتها, ولا تنجح في ايجاد ما يجمع بينها. وهي تظل أيضا بسبب هذا الارتباط بالذات غريبة عن مجتمعها وغير قادرة على التأقلم مع حاجاته والرد على طلباته كما تبقى المعرفة التي تملكها مشتتة وغريبة في معظم الوقت عن المجتمع الذي تعيش فيه. وبقدر ما تفتقر لمرجعية واحدة محلية، تظل الأوساط العلمية مرتبطة بمرجعيات خارجية تجعلها غير قادرة على التفاعل مع بعضها البعض ومع بيئتها الجديدة بصورة إبداعية.
ومن العوامل الثقافية الأخرى التي تؤثر على نمو المعرفة في الأقطار العربية ضعف التأهيل والتكوين اللغوي بالعربية واللغات الأجنبية معا وتخبط السياسات اللغوية. فالدول العربية لا تزال تفتقر حتى اليوم إلى سياسة جدية للتعامل مع اللغة العربية سواء من حيث تحديد وظائفها أو من حيث العمل على تحديثها وتطوير وسائلها واستعداداتها لملاحقة تطور اللغات العلمية والتقنية والاستجابة لحركة الابداع العلمي المستمر، أو في ما يتعلق بتبسيط أساليب تعليمها وتدريسها للأطفال والطلبة بحيث يمكن لهم استيعابها بالسرعة والكفاءة الكافيتين لتتحول إلى أداة تعبير قوية ولغة معرفة وثقافة عليا معا. وبالرغم من العمليات الواسعة التي تمت لتعريب التعليم في جميع المستويات بما فيها المستوى الجامعي في معظم البلاد العربية، لا تزال اللغة العربية تفتقر إلى مرصد للمصطلحات العلمية وآلية لتدقيق المصطلحات وتعميم استخدامها من قبل المستعملين لها كما لا يزال العالم العربي يفتقر لأي بنية مشتركة أكاديمية تسمح برعاية شؤون اللغة والتنسيق بين مناهج تطويرها وتعليمها. وبالمثل لم تنجح البلاد العربية حتى الآن في الاتفاق على سياسة لغوية ثابتة في التعامل العلمي والإداري معا. ولا تزال أكثرها تتردد بين التعريب الشامل والاستخدام المكثف للغات الأجنبية. وقد غيرت بعض الدول خياراتها أكثر من مرة منذ الاستقلال. ومن الصعب العثور على تقرير علمي واحد حول الوضع اللغوي في البلدان العربية. وقد أدى غياب المعالجة العلمية الموضوعية لمسألة اللغة إلى الهبوط المباشر للمناقشة العامة في هذا الموضوع إلى مستوى الجدل الايديولوجي الذي يجعل من مسألة اللغة جزءا من استراتيجيات الصراع على السلطة ويفصلها كليا عن وظائفها الرئيسية الحقيقية المتعلقة بالتواصل العمومي وبالنجاعة في اكتساب المعارف المختلفة وتعميمها.
ونلاحظ التخبط نفسه في سياسة تعليم اللغات الأجنبية واستخدامها. فهي تعاني من تقلب الاختيارات ومن النقص في الامكانيات ووسائل التعليم والتحسين التي تجعل منها لغات قوية قادرة بالفعل على القيام بوظيفتها الأساسية وهي تمكين المختصين والباحثين والمفكرين من النفاذ إلى أدق المعارف والعلوم والمعلومات التي لا يمكنهم النفاذ إليها بلغتهم الأم.
إن غياب سياسات ثقافية وعلمية متسقة وافتقار العملية التعليمية لأهداف واضحة وركاكة ثقافة النخبة العليا، أي ثقافة السلطة والإدراة والقيادة، وتخبط السياسات اللغوية وعدم نجاعتها وسيطرة مناخ الاستهلاك الثقافي الرمزي والتعويضي على الانتاج الثقافي والمشاركة الثقافية والعلمية في النشاطات والفعاليات العالمية، وبحث النخب الحاكمة عن المشروعية في نوع من التعبئة الايديولوجية الوطنية والقومية الرخيصة والشكلية تعوض عن الافتقار للشرعية السياسية، كل ذلك يشكل ثقافة خاصة قائمة بذاتها هي ما نسميه ثقافة التخلف. وهذه الثقافة هي أحد العوامل الرئيسية في إعاقة نمو المعرفة وتكوين وتراكم رأس مال معرفي وازن، بقدر ما تقود إلى بناء نظم ثقافية غير متسقة وغير ناجعة. فلا يمكن لمثل هذه الثقافة أن تشجع على التعلم والتجدد والبحث والمعرفة والتفكير والتأمل في القضايا المطروحة سواء أكانت علمية أم دينية أم اجتماعية أم سياسية ولكنها تنمي ملكات التسليم بالأمر الواقع والاستسلام للقضاء والقدر أو التعويض عن البحث العلمي بالاستثمار المبالغ فيه في الوعي الايديولوجي الذي شمل جميع ميادين النشاط الفكري وفي مقدمها ميدان الاعتقادات الدينية، محولة الدين والايمان إلى أداة للصراعات السياسية.
الاتحاد الظبيانية

vendredi, novembre 14, 2003

أهداف السياسة الفرنسية في الشرق أوسطية


قلت في مقال سابق أن فرنسا نجحت، بفضل سياساتها المتوازنة في قضايا النزاعات التي تمزق الشرق الأوسط، سواء ما تعلق منها بالنزاع العربي الاسرائيلي أو بالنزاع العراقي، في أن تنتزع لنفسها موقعا مؤثرا في أوساط الرأي العام العربي المتلهف إلى حليف يشد أزره في حرب المواجهة العلنية والشاملة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع إسرائيل ولصالحها أيضا إلى حد كبير على المنطقة بأسر ها. بيد أن هذا التقدير الكبير للسياسة الفرنسية الخارجية الشرق أوسطية والدولية معا لا يمنع أوساط الرأي العام العربي الرسمية منها والشعبية من التساؤل عن مدى تماسك هذه السياسة وصدقيتها. وقسم لا يستهان به من هذه الأوساط لا يميل إلى التشكيك بأهداف هذه السياسة فحسب ولكنه يعتقد أيضا بأن فرنسا لا تملك وسائل تحقيقها ولا الاستمرار في التمسك بها.
لكن الشعبية التي تحظى بها ليست بالضرورة المعيار الحاسم لصلاح السياسات الخارجية ولا لنجاعتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة كبيرة كفرنسا، ومن وجهة نظر المصالح القومية الفرنسية. كما أن من الصعب محاكمة أي سياسة خارجية انطلاقا من نجاحاتها الوقتية أو على المدى القصير فحسب. ولو تجاوزنا هذين العاملين، أعني الشعبية والنظرة قصيرة المدى، وتأملنا في السياسة الفرنسية الشرق أوسطية على مدى العقود الثلاث أو الأربع الماضية لوجدنا أن ما يميزها هو الخسارة المستمرة و التراجع الدائم في المشرق العربي والشرق الأوسط عموما أمام الزحف الامريكي المتواصل بالرغم من العقبات والصعوبات والمعارضات المحلية والخارجية لهذا الزحف. ونتيجة هذا التراجع تتجلى اليوم في انحسار النفوذ الفرنسي الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي لصالح النفوذ الأمريكي وخسارة باريس مواقع أساسية ربما كان العراق هو أهمها على الإطلاق. وبالمثل من الصعب أيضا القول، من وجهة نظر المصالح العربية، أن هذه السياسة التي تبدو اليوم في توافق مع المشاعر العربية قد نجحت في التحول إلى عامل مؤثر فعلا في المنطقة وأن المشاكل الإقليمية العالقة والتي يعاني منها العرب وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني قد وجدت بفضلها بعض التقدم أو التغيير.
ليس هناك شك في أن المسؤول عن هذا التراجع في المواقع الفرنسية الاستراتيجية في المنطقة ليس العهد القائم وربما ليس عهدا بذاته، ولا اليسار أو اليمين الفرنسيين. وهو ليس بالضرورة ثمرة أخطاء متراكمة ارتكبتها الدبلوماسية الفرنسية بقدر ما هو النتيجة الطبيعية لخيارات سياسية أساسية طبعت استراتيجية فرنسا في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وبعد الخروج من حقبة الاستعمار الطويلة. وقد دفعت باريس في العقدين الماضيين ولا تزال تدفع في نظري ثمن هذه الخيارات التي كانت مسؤولة عن وصول الأوضاع الشرق أوسطية اليوم إلى ما هي عليه أو على الأقل التي ساهمت مساهمة كبيرة في وصولها إلى هذه الأوضاع.
أول هذه الخيارات التي يستحق التذكير به هو تبني السياسة الفرنسية لإسرائيل منذ ولادتها عام 1948 ودعمها، حتى عام 1967، بالسلاح والمال في مواجهة الدول العربية وتقديم العون العلمي والتقني الحاسم لها الذي حولها إلى الدولة الوحيدة التي تملك في المنطقة أسلحة الدمار الشامل الذرية. أما الخيار الثاني فهو وقوفها بشكل واضح، دولة ومثقفين ورأيا عاما، ضد مشاريع التعاون والاندماج العربية التي اتخذت في وقتها صورة الصراع تحت راية الفكرة أو الوحدة القومية العربية، ومشاركتها في إظهار هذه الحركة للرأي العام العالمي على أنها استعادة للفكرة الامبرطورية الاسلامية العتيقة ووصم قيادتها بالعنصرية والفاشية على حد سواء. لكن حتى في ما بعد ذلك، لم تظهر السياسات الفرنسية التي كانت تسير جنبا إلى جنب مع السياسة الأمريكية في المنطقة أي تعاطف مهما كان صغيرا مع حركات التحول الديمقراطي والاجتماعي العربية وبقيت أمينة لتحالفها مع تلك النظم الديكتاتورية نفسها التي تتخذ الولايات المتحدة اليوم من نقد ممارساتها الاستبدادية ذريعة لإضفاء الشرعية على مشروع سيطرتها المادية المباشرة على المشرق العربي واحتكار موارده الاستراتيجية والنفطية.
وهكذا، عندما قررت الإدارة الأمريكية اليمينية تنفيذ خططها في المنطقة وتكنيس المصالح الأوروبية والعالمية الأخرى لم تجد أمامها أي عقبة تذكر. فالعالم العربي الذي بقي ممزقا إلى اثنين وعشرين دولة واحدتها أضعف من الأخرى لم يكن يزن شيئا من الناحية الاستراتيجية وغير قادر على تشكيل جبهة حقيقية للحفاظ على حد أدنى من الاستقلالية والوحدة الداخلية. أما إسرائيل التي احتفت بها الدول الأوروبية بوصفها معقلا للديمقراطية وواحة لها في الشرق الأوسط فهي التي تمثل اليوم الحليف الرئيسي والمطلق للولايات المتحدة وعونها الأول في بسط النفوذ الأمريكي فيها في الوقت الذي لاتكف سياساتها الاستيطانية فيه عن تقويض أسس التقدم المادي والسياسي معا للمنطقة برمتها.
وبالرغم من المظاهر الخادعة لم يشهد الوقت الحاضر تغيرا كبيرا على المضمون العميق لهذه السياسة. ولا تزال السياسة الفرنسية الشرق أوسطية لم تتحرر بعد من العوائق النظرية والعملية التي منعتها من التعاون الفعلي مع العالم العربي وتكوين تحالف متوسطي قادر على تعزيز استقلال المنطقة ككل وتجنيبها التحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى. وسواء تعلق الأمر بالموقف من الاستيطان الاسرائيلي أو بالتعاون والاندماج العربي لا يبدو أن للدبلوماسية الفرنسية خيارات أخرى متميزة خارج دائرة التعبير عن مشاعر التضامن والتأييد الأدبية والسياسية الدورية.
هناك بالتأكيد عقبات موضوعية عديدة تحول بين فرنسا وبلورة سياسة عربية حقيقية. أولها ارتباط فرنسا بالاتحاد الأوروبي واضطرارها إلى الأخذ بسياسات أوروبية مشتركة ليست هي الوحيدة صاحبة القرار فيها. ولا تتضمن السياسات الأوروبية أي رؤية طويلة المدى أو أي مشروع للتعامل مع البلاد العربية يختلف عما كان قائما في الماضي. فباستثناء الاتفاقيات الانفرادية التي وقعتها أوربة مع معظم البلدان العربية في إطار الشراكة المتوسطية والتي لا تقدم أي حل لأي مشكلة من المشاكل الإقليمية الجوهرية، من النزاع العربي الاسرائيلي إلى مسألة التنمية إلى المسألة الديمقراطية، ليس للسياسات الأوروبية هدف آخر سوى الدفاع عن مصالح أوربة الخاصة المتبقية في مواجهة المدحلة الأمريكية العسكرية والسياسية والثقافية والحفاظ على البقاء في عالم يهرب من تحت سيطرتها. ومن هذه العقبات أيضا ضعف قوى التغيير العربية المحلية التي يمكن المراهنة عليها لنسج علاقات جديدة او بلورة رؤية أخرى لعالم ما بعد الحرب العراقية الأمريكية بسبب تكلس الأنظمة القائمة وعجزها عن التغير والتغيير. ومنها كذلك الخلل الهائل في التوازن الجيوستراتيجي الدولي نتيجة غياب أي قطب فاعل يضم بلدان الجنوب التي تشكل ثلاثة أرباع البشرية وهي ذات المصلحة الرئيسية في أعادة بناء النظام العالمي على أسس جديدة تضمن التعددية واحترام المباديء القانونية. وهو ما يظهر من خلال التفكك الذي تعاني منه حركة عدم الانحياز والكتلة الدولية التي تمثلها.
ومن هنا، وأمام هذا الاختلال العميق في القوة وفي غياب قطب عربي حقيقي قادر على التفاعل مع فرنسا وأوروبا كشريك فعلي لا كتابع ومتسول عليهما، ما كان بإمكان السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط أن ترسم لنفسها أهدافا أخرى سوى التمسك بمواقعها القائمة والدفاع عنها بعيدا عن أي محاولة جريئة لربطها بما يمكن أن يشكل مصالح عربية وما يستدعي دفع المنطقة والنظم السياسية إلى تبني إعادة بناء نفسها على أسس جديدة كما تدعو إلى ذلك الولايات المتحدة في إطار سعيها إلى ربط سيطرتها الإقليمية بمشروع تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية ليبرالية. وفي إطار الحفاظ على مواقعها ونفوذها تحاول باريس أن تدعم الموقف الدبلوماسي العربي وتحد من انهياره أمام التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي الأمريكي كما تسعى إلى موازنة الضغوط الأمريكية الاسرائيلية التي تخضع لها الدول العربية والتي تهدف إلى تطويعها وتركيعها، والتمسك، بالرغم من كل الصعوبات والعقبات، بالإبقاء على جذوة عملية التسوية السياسية العربية الاسرائيلية حية.

vendredi, novembre 07, 2003

هل تملك فرنسا سياسة عالمية بديلة؟

بفضل موقفها المتميز من عدد كبير من المسائل التي تتعلق بالشرق الأوسط، ونسبيا بأسلوب تنظيم الشؤون الدولية، نجحت السياسة الفرنسية في أن تغير بالعمق من الصورة السلبية التي كانت تحتلها فرنسا في المخيلة العربية بسبب الحروب الاستعمارية وحرب الجزائر بشكل خاص وأن تستبدلها بصورة مناقضة لها تماما. فبسبب مثابرتها على التمسك بحل عادل للقضية الفلسطينية يضمن للفلسطينيين قيام دولة مستقلة وقابلة للحياة، وفي ما وراء ذلك، مبادراتها الاستراتيجية الخاصة بايجاد حلول سلمية للمشاكل التي تعاني منها المنطقة الشرق أوسطية، وفي مقدمها مشكلة النزاع العربي الاسرائيلي. وقد تأكد هذا الموقف مع المقاربة الفرنسية للمسألة العراقية بعد حرب 1991 التي شاركت فيها مع قوات التحالف الأمريكية البريطانية. فبعكس الولايات المتحدة سعت أظهرت فرنسا تفهما أعمق لمشكلة عراق ما بعد الحرب الكويتية ولم تكن تعارض تخفيف الحصار الذي فرض على البلاد. لكنها وقفت بشكل واضح ضد الحرب التي شنتها القوات الأمريكية البريطانية للقضاء على النظام البعثي في العراق في أبريل 2003 ورفضت المشاركة في إضفاء الشرعية الدولية عليها ولا تزال تبذل جهودا دبلوماسية واضحة من أجل تقصير أجل الاحتلال وتسليم السلطة إلى حكومة عراقية متتخبة. ومما ييساعد على ترسيخ الصورة الجديدة لفرنسا الدور الرائد الذي لعبته الدبلوماسية الفرنسية ولا تزال تلعبه في تكوين استقطاب دولي قادر على عرقلة خطط الولايات المتحدة لتثبيت نظام سيطرتها الأحادية على العالم وسعيها المستمر للتأكيد على ضرورة السير بالنظام العالمي نحو صيغة تضمن التعددية القطبية وتعزيز دور منظمة الأمم المتحدة ومكانتها في حل النزاعات الدولية
ويالرغم من أن الجهود الفرنسية لم تتكلل بالنجاح في ايجاد الحل السياسي الذي تدعو له على أي جبهة من جبهات النزاع الأقليمي والدولي الراهنة إلا أن أحدا لا يستطيع أن ينكر اليوم أن باريس قد ساهمت، أكثر من أي قوة كبرى أخرى مثل الصين وروسيا واليابان وألمانيان في إعطاء مصداقية لفكرة و إمكانية نشوء نظام عالمي جديد قائم على التعددية في مكان السياسة الأحادية الامريكية السائدة اليوم. وهذا ما يدفع المحللين السياسيين إلى الاعتقاد بأن هناك عودة ما إلى السياسة الديغولية التي ارتبطت بالتأكيد على روح الاستقلال تجاه الولايات المتحدة والدفاع عن المصالح الفرنسية عبر بلورة سياسة عالمية بديلة أو مقابلة للسياسة الامريكية.
لكن في العالم العربي، كما هو الحال في العالم أجمع، يتنازع الرأي العام تجاه هذه السياسة الفرنسية والدور الذي تلعبه موقفان متناقضين تماما في تقييمهما للجهد الفرنسي في إطار خلق قطب تعددي يواجه إرادة التفرد بالقرار الدولي من قبل الولايات المتحدة. فمقابل قطاعات الرأي العام التي تراهن على أن تنجح فرنسا والقطب الأوروبي الذي تقوده في التعويض عن انهيار الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى موازية وموازنة للولايات المتحدة، ويرى في السياسة الفرنسية بارقة الأمل الوحيدة في عالم اليوم الظالم، هناك قطاعات واسعة من الرأي العام العربي والعالمي التي تعتقد أن الموقف الفرنسي لا يعدو أن يكون سياسة استعراضية تدفع إليها مشاعر العظمة الفرنسية وحب الظهور والخوف من التحول إلى قوة ثانوية لا حساب لها في موازين القوة الدولية. والسبب في ذلك أن فرنسا تفتقر للوسائل التي تسمح لها بتطبيق سياسة عالمية سواء أكانت وسائل عسكرية أو مالية أو حتى تكنولوجية. وبالتالي لا يمكن لهذه السياسة أن تنطوي على آفاق فعلية. وفي هذه لحالة لا تكون سياسة فرنسا المناوئة للانفرادية الأمريكية سوى نوعا من الدون كيشوتية السياسية التي لا تضر ولا تنفع
لكن هناك قطاعات أخرى من الرأي العام العالمي التي تذهب إلى أبعد من ذلك في استنتاجاتها وتعتقد أن السياسة الفرنسية ليست بعيدة عن أن تشكل بديلا للسياسة الأمريكية فحسب ولكنها ليست في العمق سوى سياسة وطنية ضيقة. فكل ما تقوم به الدبلوماسية الفرنسية هو وضع أكثر ما يمكن من الأوراق في يدها كي تحسن من موقعها في المفاوضات التي تجريها مع واشنطن، وأنها لا تملك أي سياسة أو بالأحرى أجندة حقيقية في ما يتعلق بللدول العربية والنامية التي تظهر الدفاع عنها في المحافل الدولية وإنما تستعملها في سبيل زيادة حصتها من الكعكة العالمية التي تسعى إلى اقتسامها مع واشنطن والدول الصناعية الأخرى. وهذا يعني أنها تستخدم هذه الدول النامية كأوراق ضغط، ولا يهمها مصيرها وما يحصل لها في ما بعد عندما تتعرض للهجمات الأمريكية، كما أنها لا تتردد في التخلى عنها عندما تحصل على المنفعة الخاصة بها. ولا يخفي هؤلاء أن مثل هذه السياسة لا يمكن أن تنتهي إلا بتوريط الدول الصغيرة في صراع مصيري مع الولايات المتحدة في الوقت الذي تستطيع فيه فرنسا في أي لحظة، وبسبب علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع واشنطن بالرغم من تنافسها معها، أن تحمي نفسها وتضمن مصالحها الحقيقية. ويقدم هؤلاء أمثلة عديدة على هذا الانعطاف المفاجيء في سياسة المباديء الفرنسية مثل مشاركة باريس في قوات التحالف الدولي للحرب ضد العراق عام 1991 بعد أن أظهرت تفضيلها لحل سلمي للنزاع وتصويتها في ما بعد، بالرغم من التردد والتمنع الأولي، على القرارات الدولية التي سمحت بفرض الحصار على العراق ثم بتكريس احتلاله بعد عام 2003 من قبل القوات الأمريكية.
وفي ما وراء هذه التحليلات المتباينة لسياسة فرنسا الدولية، لا يكف العرب، مسؤولين ومثقفين ورجال أعمال، عن التساؤل في كل مرة تحصل فيها مواجهة عربية أمريكية أو عربية إسرائيلية تتخذ فيها باريس موقفا متميزا عن التحالف الاسرائيلي الأمريكي في الشرق الأوسط في ما إذا كانت فرنسا تخوض مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة أم أنها تسعى فقط إلى عرقلة مشاريع واشنطن في المنطقة في سبيل فرض نفسها كشريك عليها لا أكثر، وهي بالتالي مستعدة للتراجع عن مواقفها في أي لحظة والاصطفاف، في نهاية المطاف، ورغم العنعنات، على خط واشنطن في كل ما يتعلق بالمسائل الأساسية والحاسمة في الشرق الأوسط والعالم معا. فما هي بالفعل حقيقة السياسة الفرنسية الشرق أوسطية والدولية؟ هل تخوض فرنسا مواجهة مع الولايات المتحدة لتقريب أجل بناء عالم متعدد الأقطاب وقائم على احترام القانون وإيجاد تسويات عادلة للنزاعات العالمية والإقليمية أم أنها تستخدم الصعوبات التي تواجهها أو يمكن أن تواجهها الولايات المتحدة في سبيل فرض نفسها واحترام مصالحها على واشنطن والاحتفاظ بدور وموقع متميزين في السياسة الدولية؟ وهل يكون الباعث على السياسة الفرنسية الجديدة استياء باريس، مثلها مثل عواصم العالم أجمع، من سلوك الولايات المتحدة الانفرادي الذي يستفز جميع شركائها التي تتجاهلهم ولا تسأل عنهم أم هو انبعاث حقيقي للديغولية وبالتالي أكثر عمقا وتجذرا؟ وما هي الأسس التي يستند إليها هذا الانبعاث وهل هو حقيقي أم مظهري لا هدف له سوى التغطية على التسليم العملي العميق بالقيادة الأمريكية العالمية والاستفادة من الصورة الايجابية التي تقدمها المقاربة الفرنسية للشؤون الدولية في سبيل الحفاظ على المصالح والمواقع التي لا تزال باريس تسيطر عليها في مناطق العالم المختلفة؟ ومن الواضح أن الاجابة عن هذه الأسئلة شرط لا غنى عنه لمعرفة إلى أي حد يمكن المراهنة من قبل الدول النامية والعربية بشكل خاص على السياسة الفرنسية الخارجية في سبيل تقليص دائرة النفوذ الأمريكية التوسعية أو على الأقل موازنة الضغوط العنيفة التي تمارسها الولايات المتحدة على هذه الدول في سعيها إلى بسط سيطرتها العالمية الشاملة.

أهداف السياسة الفرنسية في الشرق أوسطية

برهان غليون

قلت في مقال سابق أن فرنسا نجحت، بفضل سياساتها المتوازنة في قضايا النزاعات التي تمزق الشرق الأوسط، سواء ما تعلق منها بالنزاع العربي الاسرائيلي أو بالنزاع العراقي، في أن تنتزع لنفسها موقعا مؤثرا في أوساط الرأي العام العربي المتلهف إلى حليف يشد أزره في حرب المواجهة العلنية والشاملة التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع إسرائيل ولصالحها أيضا إلى حد كبير على المنطقة بأسر ها. بيد أن هذا التقدير الكبير للسياسة الفرنسية الخارجية الشرق أوسطية والدولية معا لا يمنع أوساط الرأي العام العربي الرسمية منها والشعبية من التساؤل عن مدى تماسك هذه السياسة وصدقيتها. وقسم لا يستهان به من هذه الأوساط لا يميل إلى التشكيك بأهداف هذه السياسة فحسب ولكنه يعتقد أيضا بأن فرنسا لا تملك وسائل تحقيقها ولا الاستمرار في التمسك بها.
لكن الشعبية التي تحظى بها ليست بالضرورة المعيار الحاسم لصلاح السياسات الخارجية ولا لنجاعتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بدولة كبيرة كفرنسا، ومن وجهة نظر المصالح القومية الفرنسية. كما أن من الصعب محاكمة أي سياسة خارجية انطلاقا من نجاحاتها الوقتية أو على المدى القصير فحسب. ولو تجاوزنا هذين العاملين، أعني الشعبية والنظرة قصيرة المدى، وتأملنا في السياسة الفرنسية الشرق أوسطية على مدى العقود الثلاث أو الأربع الماضية لوجدنا أن ما يميزها هو الخسارة المستمرة و التراجع الدائم في المشرق العربي والشرق الأوسط عموما أمام الزحف الامريكي المتواصل بالرغم من العقبات والصعوبات والمعارضات المحلية والخارجية لهذا الزحف. ونتيجة هذا التراجع تتجلى اليوم في انحسار النفوذ الفرنسي الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي لصالح النفوذ الأمريكي وخسارة باريس مواقع أساسية ربما كان العراق هو أهمها على الإطلاق. وبالمثل من الصعب أيضا القول، من وجهة نظر المصالح العربية، أن هذه السياسة التي تبدو اليوم في توافق مع المشاعر العربية قد نجحت في التحول إلى عامل مؤثر فعلا في المنطقة وأن المشاكل الإقليمية العالقة والتي يعاني منها العرب وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني قد وجدت بفضلها بعض التقدم أو التغيير.
ليس هناك شك في أن المسؤول عن هذا التراجع في المواقع الفرنسية الاستراتيجية في المنطقة ليس العهد القائم وربما ليس عهدا بذاته، ولا اليسار أو اليمين الفرنسيين. وهو ليس بالضرورة ثمرة أخطاء متراكمة ارتكبتها الدبلوماسية الفرنسية بقدر ما هو النتيجة الطبيعية لخيارات سياسية أساسية طبعت استراتيجية فرنسا في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وبعد الخروج من حقبة الاستعمار الطويلة. وقد دفعت باريس في العقدين الماضيين ولا تزال تدفع في نظري ثمن هذه الخيارات التي كانت مسؤولة عن وصول الأوضاع الشرق أوسطية اليوم إلى ما هي عليه أو على الأقل التي ساهمت مساهمة كبيرة في وصولها إلى هذه الأوضاع.
أول هذه الخيارات التي يستحق التذكير به هو تبني السياسة الفرنسية لإسرائيل منذ ولادتها عام 1948 ودعمها، حتى عام 1967، بالسلاح والمال في مواجهة الدول العربية وتقديم العون العلمي والتقني الحاسم لها الذي حولها إلى الدولة الوحيدة التي تملك في المنطقة أسلحة الدمار الشامل الذرية. أما الخيار الثاني فهو وقوفها بشكل واضح، دولة ومثقفين ورأيا عاما، ضد مشاريع التعاون والاندماج العربية التي اتخذت في وقتها صورة الصراع تحت راية الفكرة أو الوحدة القومية العربية، ومشاركتها في إظهار هذه الحركة للرأي العام العالمي على أنها استعادة للفكرة الامبرطورية الاسلامية العتيقة ووصم قيادتها بالعنصرية والفاشية على حد سواء. لكن حتى في ما بعد ذلك، لم تظهر السياسات الفرنسية التي كانت تسير جنبا إلى جنب مع السياسة الأمريكية في المنطقة أي تعاطف مهما كان صغيرا مع حركات التحول الديمقراطي والاجتماعي العربية وبقيت أمينة لتحالفها مع تلك النظم الديكتاتورية نفسها التي تتخذ الولايات المتحدة اليوم من نقد ممارساتها الاستبدادية ذريعة لإضفاء الشرعية على مشروع سيطرتها المادية المباشرة على المشرق العربي واحتكار موارده الاستراتيجية والنفطية.
وهكذا، عندما قررت الإدارة الأمريكية اليمينية تنفيذ خططها في المنطقة وتكنيس المصالح الأوروبية والعالمية الأخرى لم تجد أمامها أي عقبة تذكر. فالعالم العربي الذي بقي ممزقا إلى اثنين وعشرين دولة واحدتها أضعف من الأخرى لم يكن يزن شيئا من الناحية الاستراتيجية وغير قادر على تشكيل جبهة حقيقية للحفاظ على حد أدنى من الاستقلالية والوحدة الداخلية. أما إسرائيل التي احتفت بها الدول الأوروبية بوصفها معقلا للديمقراطية وواحة لها في الشرق الأوسط فهي التي تمثل اليوم الحليف الرئيسي والمطلق للولايات المتحدة وعونها الأول في بسط النفوذ الأمريكي فيها في الوقت الذي لاتكف سياساتها الاستيطانية فيه عن تقويض أسس التقدم المادي والسياسي معا للمنطقة برمتها.
وبالرغم من المظاهر الخادعة لم يشهد الوقت الحاضر تغيرا كبيرا على المضمون العميق لهذه السياسة. ولا تزال السياسة الفرنسية الشرق أوسطية لم تتحرر بعد من العوائق النظرية والعملية التي منعتها من التعاون الفعلي مع العالم العربي وتكوين تحالف متوسطي قادر على تعزيز استقلال المنطقة ككل وتجنيبها التحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الكبرى. وسواء تعلق الأمر بالموقف من الاستيطان الاسرائيلي أو بالتعاون والاندماج العربي لا يبدو أن للدبلوماسية الفرنسية خيارات أخرى متميزة خارج دائرة التعبير عن مشاعر التضامن والتأييد الأدبية والسياسية الدورية.
هناك بالتأكيد عقبات موضوعية عديدة تحول بين فرنسا وبلورة سياسة عربية حقيقية. أولها ارتباط فرنسا بالاتحاد الأوروبي واضطرارها إلى الأخذ بسياسات أوروبية مشتركة ليست هي الوحيدة صاحبة القرار فيها. ولا تتضمن السياسات الأوروبية أي رؤية طويلة المدى أو أي مشروع للتعامل مع البلاد العربية يختلف عما كان قائما في الماضي. فباستثناء الاتفاقيات الانفرادية التي وقعتها أوربة مع معظم البلدان العربية في إطار الشراكة المتوسطية والتي لا تقدم أي حل لأي مشكلة من المشاكل الإقليمية الجوهرية، من النزاع العربي الاسرائيلي إلى مسألة التنمية إلى المسألة الديمقراطية، ليس للسياسات الأوروبية هدف آخر سوى الدفاع عن مصالح أوربة الخاصة المتبقية في مواجهة المدحلة الأمريكية العسكرية والسياسية والثقافية والحفاظ على البقاء في عالم يهرب من تحت سيطرتها. ومن هذه العقبات أيضا ضعف قوى التغيير العربية المحلية التي يمكن المراهنة عليها لنسج علاقات جديدة او بلورة رؤية أخرى لعالم ما بعد الحرب العراقية الأمريكية بسبب تكلس الأنظمة القائمة وعجزها عن التغير والتغيير. ومنها كذلك الخلل الهائل في التوازن الجيوستراتيجي الدولي نتيجة غياب أي قطب فاعل يضم بلدان الجنوب التي تشكل ثلاثة أرباع البشرية وهي ذات المصلحة الرئيسية في أعادة بناء النظام العالمي على أسس جديدة تضمن التعددية واحترام المباديء القانونية. وهو ما يظهر من خلال التفكك الذي تعاني منه حركة عدم الانحياز والكتلة الدولية التي تمثلها.
ومن هنا، وأمام هذا الاختلال العميق في القوة وفي غياب قطب عربي حقيقي قادر على التفاعل مع فرنسا وأوروبا كشريك فعلي لا كتابع ومتسول عليهما، ما كان بإمكان السياسة الفرنسية في الشرق الأوسط أن ترسم لنفسها أهدافا أخرى سوى التمسك بمواقعها القائمة والدفاع عنها بعيدا عن أي محاولة جريئة لربطها بما يمكن أن يشكل مصالح عربية وما يستدعي دفع المنطقة والنظم السياسية إلى تبني إعادة بناء نفسها على أسس جديدة كما تدعو إلى ذلك الولايات المتحدة في إطار سعيها إلى ربط سيطرتها الإقليمية بمشروع تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية ليبرالية. وفي إطار الحفاظ على مواقعها ونفوذها تحاول باريس أن تدعم الموقف الدبلوماسي العربي وتحد من انهياره أمام التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي الأمريكي كما تسعى إلى موازنة الضغوط الأمريكية الاسرائيلية التي تخضع لها الدول العربية والتي تهدف إلى تطويعها وتركيعها، والتمسك، بالرغم من كل الصعوبات والعقبات، بالإبقاء على جذوة عملية التسوية السياسية العربية الاسرائيلية حية.

vendredi, octobre 31, 2003

الثقافة والتنمية


جرت العادة في الكثير من البحوث العربية والأجنبية على تحميل الثقافة العربية، التي تبدو كثقافة ثابتة دينية ولا تاريخية، المسؤولية الرئيسية في ما أصاب ويصيب المجتمعات العربية من تراجع وتقهقر في ميادين التنمية البشرية المادية والتقنية والعلمية. ولهذا تحولت دراسة التراث والتأمل فيه ولا تزال منذ عقود إلى موضوع ثابت للبحث العربي بعد أن كان هذا التراث موضوع الاستشراق الغربي بامتياز. فهذه الثقافة-التراث وما حملته واتسمت به منذ نشأتها الأولى في عصر الجاهلية أو عصر التدوين أو الحقبة العثمانية المتأخرة من عادات وتقاليد ومناهج تفكير هي التي تفسر، في نظرهم، اختيارات العرب في العصر الحديث وتوجهاتهم وأنماط سلوكهم وأسلوب عملهم وبالتالي إنجازاتهم، سواء ما كان منها ايجابيا أو سلبيا. ويوازي ارتداد الباحثين إلى التراث للكشف عن أسباب الأزمات العديدة التي تعيشها المجتمعات العربية إنكفاء عامة المجتمع في العقود القليلة الماضية على هذا التراث نفسه لمواجهة هذه الأزمات أيضا وايجاد الحلول المفقودة لها. وكما يعكس هذا التوجه عند الباحثين الرغبة في التغطية على عجز الفكر العربي الحديث النظري والعلمي منه بشكل خاص عن مواجهة التحديات التاريخية الفعلية التي طرحت على المجتمعات العربية في العصر الراهن وتجنب النقاش في مناهج عمله، يعكس أيضا عند عامة الناس الرغبة في الهرب من الواقع الأسود القائم والاحتماء وراء شعارات وطقوس لا تغني عن نقد الواقع وفهمه والعمل لتغييره. وفي الحالتين يشكل هذا التركيز المستمر على التراث وسيلة للهرب الجماعي من المسؤولية، أعني مسؤولية مواجهة الفكر والعلم لنفسهما ومراجعة أخطائهما وكذلك مسؤولية المجتمع في مواجهة مشاكله والصراع مع القوى المادية والفكرية التي تعيق تقدمه في حلها والخلاص منها.
بالتاكيد، لا ينبغي تجاهل الأثر الكبير الذي تمارسه نظم الاعتقاد والتفكير والسلوك الموروثة على حياة المجتمعات واختياراتها. لكن لا ينبغي بالمقابل أن نعتقد أن هذه النظم المؤثرة هي نظم ثابتة وناجزة يرثها الأحفاد عن الأجداد وليس لهم خيار سوى الخضوع لاستبدادها. فبالرغم من مظاهر الثبات الشكلية تتمتع الثقافة بقدرة هائلة على التحول الداخلي وتحوير معاني الأشياء والتلاعب بالرموز تجعل من المستحيل فهم شيء مما يجري إذا توقفنا عند المظاهر الشكلية. فالعرب الذين كانوا يحجون إلى البيت الحرام قبل الاسلام حيث يجمعون آلهتهم الوثنية ليسوا هم العرب الذين جعلوا من الكعبة نفسها بعد تطهيرها من الأوثان قبلتهم الدينية. بالتأكيد هناك معنى لهذه الاستمرارية في أشكال العبادة الدينية عند العرب وغيرهم من الشعوب. بيد أن من يعتقد أن من الممكن فهم الثقافة الاسلامية الجديدة من خلال اقتفاء آثار طقوس العرب القديمة فيها يخطيء كثيرا في فهم تحولات الثقافة الداخلية ومعنى التشكيلات الرمزية التي تقوم عليها الثقافة ومنطقها. وبالعكس تساعدنا النظرة الاجتماعية للثقافة أو اجتماعيات الثقافة على الذهاب إلى ما وراء المظاهر المستمرة لنكشف عن الانقطاعات الكبيرة والصغيرة التي تكرس داخل الثقافة نفسها تطور اشكال الوعي والممارسة داخل المجتمعات نفسها وتجسد في الوقت نفسه تحولاتها وتبدل اعتقاداتها وسلوكها، وبمعنى آخر تاريخيتها. وفي هذه النظرة الاجتماعية يجد الباحث نفسه أمام ديناميات تاريخية تتجاوز أطر الدولة والسياسة وتشمل عمليات التفاعل القوية بين الداخل والخارج وبين الماضي والحاضر تظهر له عدم جدوى التثبت على الموروث والخصوصي والمختلف فحسب. وسوف يكتشف بسرعة أن الإعاقة أو التراجع في ديناميات اكتساب المعرفة أو استبطان قيم الحداثة المتنامية لا ينجم بالضرورة عن وجود تراث ديني أو أسطوري أو عرفي لا يزول ولا يتحول داخل الثقافة وإنما، بالعكس من ذلك تماما، عن التحولات الثقافية والتجديدات التي أدخلت على الثقافة بما في ذلك على التراث عبر عمليات التأويل والتفسير والتحوير والتوليف والصهر والمخادعة.
والواقع أنه لا توجد في أي مجتمع من المجتمعات ثقافة علمية أو عقلية بالمعنى الشامل للكلمة. وكل ثقافة حية تجمع بالضرورة بين النظم العقلية والميتولوجية والاعتقادات الايديولوجية. ولا يؤثر هذا الجمع على تطور النظم العلمية والتقنية ولا يحد منه. وبالمثل ينبغي التمييز بين الثقافة الشعبية التي محورها التواصل بين البشر وبناء الثقة وتكوين مناخ الألفة والتعارف المتبادل أو الهوية، والثقافة العليا التي ترد على مطالب ذات طبيعة بنائية أو ايجابية تضيف شيئا ولا تقتصر على خلق التواصل والتفاعل كالعلوم والايديولوجيات والفلسفات العقلية. إن الأسباب التي تحول دون جعل الثقافة العربية مركزا لاكتساب المعرفة الجديدة وإنتاجها الإبداعي وتداولها لاتكمن في الثقافة العربية من حيث هي تراث ولا من حيث هي أنساق إعتقادات أو تقاليد أو أنماط سلوك وتفكير شعبية سائدة وإنما في النظام الثقافي القائم. وعندما نتحدث عن نظام ثقافي فنحن نعني أنماط التفكير والتربية والتأهيل والإنتاج والتداول التي نشأت في حقبة زمنية معينة وتطورت بتأثير مجموعة من الخيارات الثقافية الواعية وغير الواعية التي يقوم بها فاعلون إجتماعيون، وبحسب مصالحهم الاجتماعية والسياسية، وأهمهم في دولنا الحديثة، أولئك الذين يتحكمون بمقاليد الأمور الثقافية والتربوية والموارد العامة، وهي الخيارات التي تتعلق بتعيين اتجاهات التنمية الثقافية وميادين هذه التنمية وحدودها.
وربما كان أول ما تنبغي الإشارة إليه في هذا المجال هو ضرورة التركيز على طبيعة الثقافة السياسية والقيم الثقافية التي توجه نشاط هذه النخب الاجتماعية الرسمية والأهلية وتفسر غياب سياسات تنمية معرفية متسقة وناجعة كما يفسر النزوع إلى غلبة النزعة الايديولوجية وتقديم الدعاية والتعبئة السياسية على احترام حقوق الأفراد ونشر القيم الانسانية المرتبطة بالعدالة والمساواة والحرية. ولا ينبغي أن يفهم من التركيز على ثقافة النخب الاجتماعية هنا تبرير الهرب من نقد الثقافة التقليدية أو التراث أو إلى توفير مثل هذا النقد ولكن التذكير بأن الثقافة صيرورة إجتماعية وأن الجزء الأكبر من المشاكل التي تعاني منها الثقافة العربية، مثلها مثل كافة المجتمعات الإنسانية الحديثة التي تعيش في ظروف مشابهة، هو ثمرة القطيعة العميقة التي فصلتها عن التراث الماضي أي هو نتيجة تحلل وتفكك الثقافات التقليدية تحت تأثير الحداثة الزاحفة. وهذا يعني أن المبادرة في إعادة بناء الثقافة ذاتها مثلها مثل إعادة بناء الدولة والنظم السياسية والاقتصادية تعود اليوم إلى النخب الاجتماعية النشيطة والفاعلة، وأن تأسيس قواعد العمل وأساليب الإدارة والقيادة والتنظيم والتدريب والإعداد والتكوين يتوقف في المجتمعات كافة، وإلى حد كبير، على نوعية الثقافة العليا وعلى المفاهيم والمعارف ومنظومات القيم التي تستند إليها هذه النخب. وهذه الثقافة هي التي تجعل من هذه النخب بانية الدول والمجتمعات وتعطيعا دورها ووظيفتها.
وإذا كان ما يؤخذ على الثقافة الشعبية العربية السائدة في الوقت الراهن تردد منظومات القيم التي تحركها بين القديم والحديث والتبدل السريع في المزاجات الفكرية والميل إلى الانسحاب من التجربة العملية والتسليم في مصائرها للقوة الغاشمة الداخلية والخارجية كقدر محتوم، نتيجة الممارسات السياسية والاجتماعية التعسفية المؤلمة التي طبعت العقود الخمس الماضية، فإن الثقافة العليا أو ثقافة النخب العربية تعاني من نقائص خطيرة بنيوية نابعة سواء من سيرورات تكوينها أو من شروط ممارسة السلطة ذاتها الثقافية والسياسية والاجتماعية ونموذجها الشمولي والتسلطي السائد أو من التناقضات العميقة التي تنطوي عليها هذه الثقافة الهجينة وتفاقم التوترات الداخلية التي تمزقها خاصة في العقود الأخيرة. ولعل السمة الغالبة على هذه الثقافة العليا الحديثة في البلاد العربية هي عدم الاكتمال أو النضج الذي يتجلى في ضعف وهشاسشة النظم العقلية الحديثة من فلسفات وعلوم، سواء أتعلق ذلك بالمحتوى أو بمناهج النظر واكتساب المعرفة. فهي من جميع النواحي مثال للثقافة الحديثة الشكلية والسطحية أو المجهضة، والتي تؤسس للقطيعة شبه التامة بين الفعل والقول وغالبا ما تنزع إلى التعويض عن انعدام قدرتها على الممارسة العملية للحداثة إلى المبالغة في الاستعراضات الحداثية الدعائية الفارغة.
ومن هنا يمكن القول إن غياب سياسات ثقافية وعلمية متسقة وافتقار العملية التعليمية لأهداف واضحة وركاكة ثقافة النخبة العليا، أي ثقافة السلطة والإدراة والقيادة، وتخبط السياسات اللغوية وعدم نجاعتها وسيطرة مناخ الاستهلاك الثقافي الرمزي والتعويضي على الانتاج الثقافي والمشاركة الثقافية والعلمية في النشاطات والفعاليات العالمية، وبحث النخب الحاكمة عن المشروعية في نوع من التعبئة الايديولوجية الوطنية والقومية الرخيصة والشكلية تعوض عن الافتقار للشرعية السياسية، كل ذلك يشكل عوامل رئيسية في إعاقة نمو وتراكم المعرفة العلمية والتقنية وتعميم قيم التسلط والاستهتار بالحقوق الفردية والجماعية وتغذية مشاعر الخوف والانكفاء على الذات والتشكيك بالعالم، وبالتالي في بناء نظم ثقافية غير متسقة وغير ناجعة. ولا يمكن لمثل هذه النظم أن تشجع على التعلم والتجدد والبحث والمعرفة والتفكير والتأمل في القضايا المطروحة سواء أكانت علمية أم دينية أم اجتماعية أم سياسية أم عالمية إنسانية.
والنتيجة، لا تستطيع الثقافة ولن تستطيع، في العالم العربي كما هو الحال في بقية بلاد العالم، أن تقدم من تلقاء نفسها الردود الايجابية والخلاقة المنتظرة على التحديات التي تواجهها اليوم جميع ثقافات العالم وبشكل خاص الثقافات الضعيفة التي لم تشارك كثيرا في بناء الحداثة الفكرية والمادية معا: تحدي اكتساب المعرفة الابداعية العلمية والتقنية والأدبية والفنية والدينية معا، وتحدي التأسيس الفكري والأخلاقي للديمقراطية، وتحدي تجاوز الخصوصية للمشاركة الفعالة في بناء الكونية أو العالمية الانسانية الجديدة. إن مثل هذه الردود تتوقف، بالعكس، على قدرة المجتمعات والنخب التي توجهها وتقودها على الاستثمار في الثقافة وتدعيم وظيفتها وتعزيز مكانتها الاجتماعية. وبقدر ما تكون التنمية ذات رؤية إنسانية أو متمحورة حول الانسان وطامحة إلى تعزيز مكانة الفرد وحرياته وقدراته الابداعية يكون تكون الحاجة أكبر لزيادة الاستثمار في الثقافة وتحويل التنمية نفسها إلى تنمية ثقافية. وبالعكس، بقدر ما تتنكر التنمية للانسان وتركز هدفها على تحقيق الربح التجاري أو بناء القوة العسكرية والتفوق فيها تزول الأهمية النسبية للثقافة ويقل الاهتمام بها ومن ورائها بقيم العقل والحرية والسلام. وهذا يعني أن الثقافة ليست هي التي تفسر تراجع الوعي الانساني في العالم العربي ولكن إهمال هذه الثقافة وضعف الاستثمار فيها، وأنه لا يمكن لأي ثقافة أن تساهم في التنمية الانسانية وتطوير قيم والسلام والحرية ما لم تتمتع هي نفسها بفرص تنميتها الخاصة. فلا حداثة ثقافية من دون تحديث الثقافة.

vendredi, octobre 17, 2003

صعود الأمبرطورية الامريكية وانهيارها

الجزيرة نت 17 اكتوبر 2003

ليس هناك شك في أن الحدث الأبرز على الساحة الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وانحسار الشيوعية التي بقيت تشكل الشبح الذي يقض مضاجع الدول الصناعية الكبرى خلال أكثر من قرن هو الصعود الثابت والمستمر للولايات المتحدة الأمريكية إلى قمة الهرم العالمي وتبؤها الفعلي أن لم يكن موقع القيادة والقرار بالمعنى الشرعي للكلمة فعلى الأقل موقع التفوق والريادة في العديد من الميادين الاستراتيجية أو ذات الأبعاد الاستراتيجية بالنسبة لعالمنا المعاصر. والواقع أن صعود القوة الأمريكية لم يبدأ كما يتمثل للرأي العام العالمي والعربي بشكل خاص اليوم في العقد الماضي وليس هو نتيجة السياسات الامبريالية أو الهيمنية الجديدة التي اتبعتها إدارة بوش الابن والتي دعت الباحثين السياسيين إلى تجديد استعمال مفهوم الامبرطورية للتعبير عنها ولكنه أقدم من ذلك بكثير. ومن الممكن الكشف عن بداية الحقبة العالمية التي ستشهد هذا الصعود المضطرد للولايات المتحدة وتنامي دورها في تقرير المصائر العالمية في الدور الكبير والحاسم الذي لعبته هذه الدولة في الانتصار على ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. فلم تظهر هذه الحرب هشاشة الدول الامبرطورية السابقة الفرنسية والبريطانية التي تحكمت في مصير العالم خلال القرن السابق فحسب وقوضت الأسس التي كانت تقوم عليها ولكنها أجهزت في الوقت نفسه على جنين الامبرطورية الألمانية الصاعدة للحلول محلها ونقلت بذلك مركز القوة بشكل حاسم من القارة الأوروبية إلى القارة الأمريكية. ومن الواضح أن معادلة القوة لم تختلف منذ ذلك الوقت. فموقع الأرجحية الجيواستراتيجية الذي انتزعته الولايات المتحدة على الساحة الدولية بفضل مساهمتها الرئيسية والمحورية في حسم الحرب العالمية الثانية لا تزال تحتله اليوم بفضل مساهمتها الفعلية في حسم الحرب الباردة التي وضعت المعكسر الشيوعي خلال عدة عقود في مواجهة معسكر الرأسمالية. وهو الموقع الذي لا تزال تحتله أيضا إلى اليوم أي بعد عقدين أو أكثر، لأنها لا تزال الدولة الوحيدة التي تمتلك من وسائل العنف المادي والنفوذ المعنوي معا ما يمكنها من حسم أي حرب أو نزاع في أي منطقة من مناطق العالم بينما لا تستطيع أكبر دولة تأتي بعدها أن تفعل ذلك حتى لو عبأت جميع قدراتها لتحقيقه. وليس من المبالغة القول إن العامل الأول الذي يستند إليه صعود القوة الأمريكية هو هذا التفوق الاستراتيجي بمعنييه العسكري والسياسي والاقتصادي. ذلك أن الحسم في النزاعات الدولية أو العمل على تأجيجها واستثمارها لا يتوقف على امتلاك وسائل دفاعية أو هجومية عسكرية كافية ولكنه يحتاج أكثر من ذلك إلى قوة اقتصادية قادرة على دعم المجهود الحربي عددا وعدة، كما يحتاج إلى نفوذ سياسي ومعنوي يمكن الاعتماد عليهما كي لا يبقى العمل العسكري معلقا في الفراغ ومن دون أسس أو قواعد ثابتة. وجميع هذه العناصر هي التي تجعل من للولايات المتحدة القوة العالمية الوحيدة القادرة اليوم على بلورة استراتيجية عولمية أوعلى مستوى العالم. وهذه الاستراتيجية العولمية أو الميغاستراتيجية هي التي تسمح للولايات المتحدة بأن تموضع نفسها ونشاطاتها الداخلية في إطار عالمي وأن تربط بين مصالحها الخاصة القومية والسياسية وحركة تحول وتشكل العالم، أي أن تجعل قيادة العالم وتوجيه حركته جؤ. وهذا م ال وأن تقترح رؤية لقيادة العالم أو لتوجيه حركته، لأنها الوحيدة التي تملك أجندة أو جدول أعمال عالمي نابع من كون اقتصا ذلك يشملأهداف واضحة ورؤية سياسية لا وجود استراتي وعدنبع من امتلاكالتدخل الحاسم في حل النزاعات الدولية أو في تأجيجها لا يتوقف فقط على امتلاك قوى مادية
لكن التفو عنف لدرجة ستطيع أن تحسم أي نزاع مساهمتها لا تزال تمثل ال من الأهمية ها لا تزال الدولة الوحيدةوفي ما وراء طبيعية لقدرتها على تقديم مساهمة مكانتها الدولية من قدرتها على حسم الحروب الكبرى لصالحها لا تزال إلى اليوم الدولة التي لا في أو بن هذه الحكما كانت هذه الحرب مقبرة للامبرطوريات البريطانية والفرنسية وللطموح الامبرفليس هناك شك أن الحرب ضط الناولعل الحدث الأكبر الذي أظهر تنامي القوة الامريكية وحول الولايات المتحدة إلى القطب المركزي في التاريخ العالمي الحديث من الممكن أن نؤرخ لبداية هذا الصعود المستمر يمكن لناوربما كان الدور الاستثنائي الذي لعبته هذه الدولة الكبيرة خلال الحرب العالمية الثانية وفالولايات المتحدة كلمة امبرطورية عل السياسات الجدما يمكن أن نطلق عليه إميل إلى الاعتقاد اليوم وإذا كان الرأي العام الدولي لا يرى في هذا الدهذا الموقع يبدو اليوم منولا يرجع هذا الصعود المنقطع النظير والمضطرد للقوة الأمريكية منذ عقود إلى عامل واحد ولكنه ثمرة تضافر عوامل متعددة وليست بالضرورة مرتبطة بعضها بالبعض الآخر. و
والذي لم تشهده أي حقبة عالمية سابقموقع القيادة والقرار في مي المنافس للول الحرب الباردة
يسر موقع قناة الجزيرة الفضائية (الجزيرة نت) أن يدعوكم للمساهمة بكتابة مقال في باب (وجهات نظر) حول (الامبراطورية الأميركية.. صعود أم هبوط؟) يتناول ما هي مؤهلات أميركا لقيادات العالم، وحقيقة القوة التي تتمتع بها أميركا وماذا تفعل بهذه القوة، ومن هم صانعي السياسة الأميركية ودورهم في توجيه هذه السياسة لتحقيق التفرد وتهميش الآخرين، والخبرة التاريخية من صعود الامبراطوريات وسقوطها، بالإضافة إلى تنبؤات مستقبلية وأية بنود أخرى ترونها مفيدة لإثارة القضية وتسليط الضوء عليها وذلك في موعد أقصاه 18/10/2003.
الجزيرة نت. ملفات

dimanche, octobre 12, 2003

سورية أو عجز النخب العربية عن مواجهة لاستحقاقات التاريخية

الجزيرة نت 12 اكتوبر 2003

ليس هناك أي شك في أن الغارة التي شنها الطيران الاسرائيلي على الأراضي السورية في الخامس من أكتوبر تشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي وانتهاكا لاتفاقية فك الاشتباك التي وقعتها إسرائيل عام 1974. ولا شك أيضا في أن التأييد الامريكي الذي حظيت به هذه الغارة والممارسات الأخرى التي رافقتها، سواء في ما يتعلق باستخدام الإدارة الأمريكية لقانون معاقبة سورية واحتمال تمريره في الكونغرس أو بتهديد الاسرائيليين بإسقاط النظام السوري، يعكسان النوايا الحقيقية والاستهتار الذي تبديه كل من واشنطن وتل أبيب ليس فقط بالمصالح السورية وإنما أيضا بالمصالح العربية مجتمعة. ولا شك كذلك في أن الرد الحقيقي على هذا العدوان لا ينبغي أن يقع على كاهل سورية وحدها وإنما لا بد أن يستنهض الدول العربية جميعا، حكومات ومجتمعات، في سبيل وضع حد لتدهور الوضع الإقليمي المادي والمعنوي معا.
بيد أن من الضروري أيضا بعد تاكيد ذلك كله أن نشير إلى أن إدانة هذا العمل الخطير وتحميل تل أبيب وواشنطن مسؤولية ما يمكن أن ينجم عنه من عواقب وخيمة تهدد مصالح جميع الأطراف لا ينبغي أن يترجما على أنهما تبرئة لذمتنا نحن من جميع المسؤوليات، ولا أن يجعلانا نقبل بأن يتحول التدخل العسكري الاسرائيلي في سورية أو غيرها من الدول العربية، كما حصل في لبنان من قبل خلال أكثر من عقدين، إلى حتمية لا راد لها، ولا أن نستسلم لفكرة أننا الضحية الأبدية للإرادة الغاشمة للدول الكبرى أو للتحالفات العدوانية. كما لا ينبغي علينا أن نعتبر أن التوصل إلى انتزاع إدانة قوية أو ضعيفة لهذا العمل الاسرائيلي في مجلس الامن هو آخر ما يمكن أن نصل إليه، وأنه لن يكون لدينا بعد ذلك ما نفعله سوى الشكوى من سوء معاملتنا الدولية، وتأكيد تمسكنا بخيار السلام الاستراتيجي واتهام رئيس الوزارة الاسرائيلية بأنه يدفع المنطقة نحو الحرب أو يريد توريطنا فيها. فإذا كان هذا يفيدنا في الحصول على بعض التغطية الدولية القانونية لعجزنا إلا أنه يبقى أقل بكثير مما نحتاجه لحماية أنفسنا من الناحية العملية، وأقل أيضا بكثير مما نستطيع أن نفعله لدرء المخاطر الكبيرة المحيقة بنا والتي لا يبدو أننا قد استوعبنا مضامينها الفعلية.
والسؤال الكبير الذي يستحق الطرح وينبغي أن نطرحه على أنفسنا في هذه اللحظة بالذات، في سورية بالتأكيد، لكن أيضا في البلاد العربية الأخرى، ليس من نوع : هل يطبق رئيس الوزراء الاسرائيلي سياسة عدوانية أم لا، ولا: هل تبيت الإدارة الأمريكية للرئيس بوش نوايا خبيثة تجاه المصالح العربية وفي مقدمها ضمان استقرار الدول العربية وسيادتها أم لا. فليس هناك من يصعب عليه الإجابة على هذا السؤال حتى في تل أبيب والبيت الأبيض نفسهما. إن السؤال المطروح هو: ماذا فعلنا نحن العرب، حكومات وشعوبا معا، في الأشهر الماضية، بعد احتلال العراق، حتى لا نقول في السنوات بل العقود الطويلة المنقرضة، كي نجنب أنفسنا احتمال التعرض للعدوانات الاسرائيلية، التي كانت ولا تزال الخبز اليومي لحياتنا الإقليمية منذ أكثر من نصف قرن، وحتى نحول دون تحميل الدول الكبرى لنا ثمن الانتصار والخسارة معا في حرب التنافس العالمية على السيادة والقيادة والموارد الاستراتيجية ؟ وما هي الاختيارات التي تبنيناها، بل الإجراءات التي اتخذناها، منذ سقوط بغداد، في مواجهة التهديدات الأمريكية العلنية وتلك التي لم يعلن عنها وليس من الضروري أن يعلن عنها. وما هي الخطط التي أعددناها كي يمكن لنا استثمار الإدانات التي حصلنا عليها في مجلس الامن في أعمال فعلية تزيد من قوة دفاعاتنا الاستراتيجية؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نتذكر أن أيا من طرفي التحالف المعادي لنا لم يخف في أي لحظة أهدافه في منطقتنا. فحكومة آرييل شارون اعتمدت في حملتها الانتخابية الرسمية شعار منع قيام دولة فلسطينية وتفكيك بنى المقاومة الشعبية. أما إدارة الرئيس الأمريكي بوش فلم يخف أحد من أعضائها أن ما تسعى إلى تحقيقه عندنا هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل المنطقة وتغيير أنظمة الحكم والإدارة فيها وإخضاعها لمتطلبات استراتيجية السيطرة الأمريكية الكونية. فالمعركة مفتوحة بشكل علني وشفاف للجميع، ولم يخف أحد من المتنازعين فيها أهدافة الفعلية.

لقد رفع الامريكيون أربع مطالب رئيسية أمام الدول العربية ساعين أن يضمنوا من خلال تحقيقها تطبيق مخططهم في إعادة ترتيب المنطقة حسب المصالح الأمريكية الاسرائيلية. ومن هذه المطالب أولا المشاركة النشطة للعرب في الحرب ضد الارهاب، بما يعنيه ذلك في نظر واشنطن وتل أبيب، بل تخصيصا، مشاركة الدول العربية في مهمة تفكيك منظمات المقاومة الفلسطينية التي تشكل تهديدا لأمن إسرائيل داخل إسرائيل وخارجها، مقابل الوعد بدولة فلسطينية في أفق 2005. ثانيا التطبيع الرسمي مع إسرائيل وإزالة المقاطعة الاقتصادية التي فرضتها الدول العربية عليها منذ قيامها ومنع تأليف أي تجمع أو تحالف عربي تستثنى منه الدولة اليهودية. ثالثا التخلص من أسلحة الدمار التي تملكها بعض الدول العربية والقبول بمراقبة وتفتيش مهينين أحيانا لجميع مرافق التنمية التكنولوجية العسكرية والمدنية، وفي مقدمها التكنولوجية الذرية. ورابعا أجراء تعديلات في نظم الحكم والإدارة تخفف من سرية عملية اتخاذ القرار في البلاد العربية في اتجاه تبني درجة أكبر من الشفافية تسمح للولايات المتحدة وغيرها بمعرفة مايجري بصورة أدق في أوساط القرار العربية، وبالتالي بالتدخل أو التأثير بشكل أكبر في هذه القرار قبل أن يتتخذ، وهو ما تغطي عليه واشنطن باسم مزيد من الديمقراطية والحرية للمجتمع وللأفراد وتحرير للاقتصاد.
بالتأكيد تشكل هذه المطالب الامريكية جدول أعمال كامل تهدف الولايات المتحدة من ورائه إلى إحكام سيطرتها الشاملة والمنفردة على المشرق العربي برمته وتضمن من خلاله في الوقت نفسه الأمن والاستقرار لحليفها الرئيسي أو الاستراتيجي إسرائيل وللتحالف نفسه. ومن الصعب على النخب العربية الحاكمة أن تذعن له من دون أن تتكبد أنظمتها خسائر كبيرة في السيادة والصدقية والنفوذ، وربما الاستمرار في الحكم والاستقرار. بيد أن الاعتراف بما يمثله جدول الأعمال الأمريكي الاسرائيلي هذا من تهديد لديمومة النظم العربية واستقرارها لا يعني أن من الممكن للدول العربية أن تتجاهله أو أن لا ترى فيه استحقاقا استراتيجيا وسياسيا قائما بالفعل ويحتاج إلى إجابات واضحة ومعلنة تستطيع جميع الدول العربية أو معظمها أن تشارك في بلورتها كما تمكن المجتمعات أيضا من تقديم مساهمتها الكبيرة فيها. فهو استحقاق ينطوي على تحد كبير وخطير لا تملك الدول العربية أن تشيح النظر عنه وتتجاهل عواقب انعدام القدرة على رده من دون أن تتكبد خسائر كبرى. فكما أن التسليم لواشنطن بمطالبها لا يعني شيئا آخر سوى تعريب الحرب الإقليمية واستخدام الدول العربية أدوات في الحرب الاسرائيلية الامريكية ضد الإرهاب، أي ضد المقاومة العربية أو ما بقي منها في فلسطين وغيرها، والتي تقوم اليوم بشكل أساسي على أيدى منظمات ذات سمة إسلامية. كذلك لا يعني الرفض العربي المحتمل لجدول الأعمال الإقليمي الذي تطرحه واشنطن معززا بالقوة العسكرية في سبيل ضمان سيطرتها وأمن إسرائيل إلا تحويل البلدان والمجتمعات العربية إلى فريسة سهلة لآلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية، كما حصل في العراق، ومن وراء ذلك زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى والدمار في المنطقة العربية. فليس هناك ما يمنع واشنطن وتل أبيب، في حال تعذر عليهما العمل على تحقيق جدول الأعمال الأمريكي الإقليمي من تبني اختيار سياسة الأسوأ ودفع المنطقة إلى الاقتتال والانهيار، حارمة بذلك المشرق العربي لربع قرن قادم من أي أمل في التقدم المادي والمعنوي.
والحال ليس هناك ما يشير إلى أن النخب العربية الحاكمة، ولا تلك التي تقف في المعارضة وتنتظر دورها عندما يحين الوقت، مدركة بشكل واضح لخطورة هذا الاستحقاق ولا إلى أنها قد سعت في السنوات أو الشهور الأخيرة إلى بلورة استجابة عقلانية وواضحة له تضع جميع القوى الرسمية والأهلية أمام مسؤولياتها وتبين لها طرق مساهمتها ومشاركتها الفعلية في مواجهة المخاطر المحدقة. وبالعكس من ذلك هناك مؤشرات أكبر إلى أن ضخامة التحدي الذي وضعت واشنطن النخب العربية الحاكمة أمامه قد أثار ارتباكا عميقا في وسط النظم القائمة وزرع في وعيها الكثير من الانقسام والتشوش والالتباس. وهي لا تزال تتأرجح بين تجاذبين عميقين متطرفين : الخوف المفرط من التهديد الخارجي الذي يدفع في اتجاه التنازل والاستسلام من جهة، ومن جهة ثانية الجهل المطبق بحقيقة هذه التهديدات وما يقود إليه من العطالة الفكرية والسياسية والتشبث بمواقف ومواقع قديمة وتقليدية تبدو وكأنها لا تزال خنادق مضمونة النجاعة، وهي مجرد خرائب دارسة لا قدرة لها على تأمين أي دفاع.
ومن الواضح أن أغلب النخب العربية الحاكمة لم ينجح بعد في التحرر من تقاليد حقبة الحرب الباردة ومنطقها. وبينما تسعى بعض النخب العربية إلى طمأنة نفسها بالانخراط الآلي في استراتيجيات الإدارة الأمريكية، يعلق العديد من النخب العربية الأخرى آماله على تفاقم النزاع الذي تثيره سياسة الانفراد الأمريكي بالقرار الدولي بين أقطاب التحالف الأطلسي وخاصة أوروبة. ويحلم في أن يزيد تفاقم النزاع هذا من هامش مبادرته الاستراتيجية، كما كان عليه الحال في العهد الماضي ثنائي القطبية. وهذا ما يفسر النزعة السائدة في الإعلام العربي وعند الرأي العام معا إلى المبالغة في تقدير حجم هذا التناقض والحلم بانفجار نزاع كبير بين القطبين العالميين يخفف الضغط عن البلدان العربية ويضمن لها حدا أدنى من هامش الحركة والقرار. ولا يزال هناك قسم ثالث من هذه النخب العربية يعمل على إخفاء عجزه عن بلورة استجابة ايجابية للاستحقاقات التاريخية وراء تصريحات أو قرارات شكلية تصدر عن الامم المتحدة أو انتقادات قوية تصدرها بعض الأقلام التحررية والمتحررة في الغرب ضد السياسات العدوانية أو وراء مقاومات أهلية أثبتت هنا وهناك جدارتها القتالية.
هكذا تميزت ردود النخب العربية في مواجهة الاستحقاق الذي فرضه طفور الولايات المتحدة إلى موقع القطب الأعظم، وزوال التوازن الدولي الثنائي، بالتقلب بين التنازلات الرخيصة الكلامية والعملية وأحيانا التسليم بالأمر الواقع وتسليم الولايات المتحدة مقاليد الأمور والسياسة في العديد من ميادين القرار، مع التصريح بذلك أم من دونه من جهة، والنكوص والارتداد إلى سياسات الإنغلاق والتقوقع والانكفاء على قواعد العمل القديمة المعروفة باسم المقاومة والصمود أو الحفاظ على السلام الأهلي والوحدة الوطنية من جهة ثانية. وبدل التوصل إلى سياسة متزنة تضمن الحد الأدنى من السيادة الوطنية وتكسر موجة الهجوم الأمريكي الشامل، اختارت معظم النخب العربية الردود البهلوانية التي توحي بالتنازل من دون أن تتنازل أو توحي بالتماسك والمقاومة مع تقديم أخطر التنازلات. وقد انعكس هذا التقلب والتردد في سلوك القيادات العربية على عمل وقرارات الجامعة العربية أيضا وأفقدها وزنها وأفرغها من أي مضمون. وهكذا وجدت الدول العربية نفسها في أسوأ وضع ممكن، وهو التخبط والانقسام على النفس وغياب الوجهة والاتجاه، وبالتالي فقدان الصدقية الذي يعطي للولايات المتحدة وإسرائيل الشعور بأن هذه النخب والدول التي تحكمها قد فقدت تماسكها الداخلي وأنها أصبحت فريسة سهلة لعمل سريع وجريء.
والحقيقة، مثل ما يشكل التسليم بالأمر الواقع الأمريكي الاسرائيلي، أو وضع البلاد العربية في مواجهة التحالف الأمريكي الاسرائيلي القائم، انتحارا مؤكدا للدول العربية، لا يمكن أن يشكل رفض الاستجابة والهرب من المشكلة المطروحة حلا ناجعا لها، ولا يقدم للعالم العربي مخرجا من المأزق الذي وضعه فيه الهجوم الاستراتيجي الأمريكي الاسرائيلي، ولا ردا على استحقاق تغير المعادلة الدولية. إنه لا يمكن أن يكون إلا بداية الطريق فحسب نحو بلورة استراتيجية بديلة في مواجهة الموقف الصعب الذي يجد العالم العربي نفسه فيه مخيرا بين الانتحار بالسم أو بالرصاص. ومن الواضح في نظري أن الموقف الصحيح هو الموقف الذي يرفض التنازلات المجانية من جهة كما يعمل لنزع فتيل التصادم والنزاع. والسؤال الرئيسي الذي يطرح في هذه الحالة، في إطار بناء استراتيجية احتواء عقلانية للهجمة الامريكية الشرق أوسطية، هو التالي: كيف يمكن للعرب أن يتجنبوا التنازل عن سيادتهم واستقلالهم من دون أن يعرضوا أنفسهم إلى مواجهة مع الولايات المتحدة لا مصلحة لهم فيها؟ وكيف يمكن لهم أيضا أن يتجنبوا المواجهة مع الولايات المتحدة من دون أن يضطروا لقاء ذلك إلى تقديم تنازلات تخل بموقعهم الاستراتيجي ومصالحهم الوطنية والجماعية؟
الجواب هو النجاح في تحويل "المساهمات والاصلاحات" التي تطلبها الولايات المتحدة من العرب من تنازلات مفروضة إلى مطالب ومصالح يفاوض عليها بين طرفين على قواعد واضحة كما هو الحال في أي مفاوضات دولية، وبالتالي أن تنتهي إلى تنازلات متبادلة أو لقاء مقابل واضح ومن الطبيعة نفسها. وهو ما يفترض مسبقا النجاح في تغيير الأرضية التي تقوم عليها اليوم العلاقات العربية الأمريكية والتي تتسم بطابع المواجهة، حتى مع الدول المحسوبة على واشنطن، وتحويلها إلى أرضية صراع على مصالح واضحة ومعلنة وشفافة تقبل التفاوض ويمكن حلها بالحوار والتسويات المقبولة من الطرفين.
لكن في هذه الحالة يطرح الموضوع مسألة تحول العالم العربي إلى طرف بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي إلى كتلة مقنعة ومتسقة في سياساتها الداخلية والخارجية، سواء ضمت كل الدول العربية أو بعضها. وحتى تكون مقنعة أي ذات صدقية ينبغي ان تظهر أن لديها بالفعل وعي واضح لمصالحها ورؤية مشتركة للمشاكل الدولية والإقليمية كما أن لديها القدرة والإرادة على المشاركة والتأثير في حلها وتحديد مستقبلها بنفسها. وهذا يعني بعبارة أخرى أن يكون للعرب جدول أعمال إقليمي مشترك، وهو ما يعبر عنه التكتل الإقليمي، وخريطة طريق خاصة بهم للانتقال إلى الديمقراطية والاندماج في السوق العالمية، وهو ما يشير إليه مطلب الارتقاء إلى مستوى المعايير الدولية الحضارية والاقتصادية، وأهداف مشتركة تجمع في ما بينهم وتنير طريقهم وهو ما يشكل مصدر وحدة المصالح والفكر ويجمع بينهما.
إن من الصعب تحويل العرب إلى طرف أو شريك حقيقي مقنع، أي متمتع بالرصيد والصدقية، تقبل الولايات المتحدة وغيرها التفاوض معه على شؤون المنطقة وشؤون شعوبها ومجتمعاتها مع الاحتفاظ بشروط توازن القوى وترتيب المواقع الراهنين وأساليب الإدارة والحكم السائدة في المنطقة وداخل المعسكر العربي نفسه بشكل خاص. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب بالعكس القيام بمبادرات جدية وقوية وجريئة لتغيير المعطيات والتوانات القائمة ولخلق أوضاع جديدة تقنع الأمريكيين بأنهم غير قادرين على انتزاع تنازلات من العرب من دون تقديم مقابل، وأن من مصلحتهم التفاهم مع العرب لتحقيق مصالحهم في المنطقة. وربما يقع في صميم هذا التغيبر وقلبه إدخال الشعوب والمجتمعات في الحياة السياسية وملء الدول التي تكاد تتحول إلى قواقع فارغة إلا من قرقعة الأجهزة الأمنية العقيمة والمعقمة، بالحياة والحيوية، وإقناع الدول الخارجية بأن ما يحرك هذه البلدان مصالح وإرادات حية بالفعل قادرة على العمل والانتاج والمشاركة والمساهمة في الابداعات العالمية، وأن هذه البلدان ليست مجرد وعاء لحشد من الكتل البشرية الجائعة والمحبطة والمقهورة التي لا تتقن شيئا سوى فن القتال والاقتتال. وهي مستعدة في أي لحظة للاشتعال.
هذا هو الأساس الحقيقي لبناء سياسة عربية ايجابية وفاعلة تغير من الاعتقاد السائد اليوم عند الامريكيين وغيرهم بأن المفاوضات الحقيقية لضمان مصالحهم في المنطقة الشرق أوسطية لا تتم مع العرب ولكن مع الدول الخارجية وفي مقدمها أوروبة وإسرائيل، وربما أيضا بعض الدول المجاورة الحليفة مثل تركيا. ولا يظهر العرب في هذه الصورة إلا من حيث هم كتل بشرية هائلة ومخيفة بقدر ما هي مفتقرة للسياسة وللمدنية، أي للقيادة الأخلاقية والإنسانية، والتي لا يمكن أن يصدر عنها بالتالي شيء غير تكدير الامن والسلام الإقليميين والعالميين. ومن دون السير في هذا الطريق الذي هو ثورة إصلاحية بالمعنى العميق للكلمة، وبداية في سلوكها هي نفسها، لن تكون أمام النخب العربية أي خيارات أخرى في السنوات القليلة القادمة سوى القبول بتجرع سم التنازل والاستسلام من دون مقابل أو الإكتواء بنار العدوان والتدخلات العسكرية، الاسرائيلية وغير الاسرائيلية، وتحمل تبعات الهزيمة والانكسار من دون سلوان. لا ينبغي إذن أن نخفي على أنفسنا لحظة أن الحفاظ على أساليب العمل والممارسة السائدة عندنا، سواء استمرت المقاومات المشتتة أم لم تستمر، سوف تقود لا محالة إلى إخفاق العالم العربي في الاستجابة للاستحقاقات الدولية الراهنة وأن عواقب هذا الإخفاق لن تكون شيئا آخر سوى التهديد الحتمي بتفجير الأوضاع العربية الداخلية والإقليمية وتدشين حقبة عربية جديدة وطويلة من التفكك والتشرذم والاقتتال.

samedi, octobre 04, 2003

بين العنف والاصلاح في الشرق الأوسط


لا يزال غياب الحلول الناجعة لمشاكل الافقار الجماعي والقهر المتزايد وتفاقم النزاعات الداخلية والمحلية يمثل مصدر ضغط هائل على شعوب فقدت أو هي في طريقها لأن تفقد الحد الأدنى من الحياة القانونية والمدنية والسياسية الطبيعية والعادية. وتترافق هذه الضغوط الاستثنائية الوطنية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشكل الأبعاد الرئيسية للأزمة الراهنة التي يعيشها العالم العربي منذ ثلاثة عقود مع جمود استثنائي للنخب الحاكمة وتصطدم بقوة بتخلف نظمها وانعدام شعور رجالاتها بالمسؤولية. ولا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يعمق الشعور باليأس والاحباط وانعدام الثقة بالنفس ويدفع الشرائح الأكثر شعورا بالتهديد والأكثر حساسية ونفاذ صبر إلى اللجوء إلى الحلول العنيفة التي تأمل أن تهز من خلالها السلطات والنظم والدول المسؤولة أو التي تعتقد أنها في أصل الأوضاع السلبية القائمة وأن تنقل حالة زعزعة الاستقرار إليها.
يشبه وضع العالم العربي المشرقي اليوم الوضع الذي كانت تعيشه منطقة أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية· فهناك أيضا جعلت السيطرة الخارجية والافقار المستمر والتفاوت الطبقي المفزع وتكالب النخب الاجتماعية الحاكمة على السلطة، والدعم الدائم لديكتاتورية هذه النخب من قبل الولايات المتحدة ضد إرادة الرأي العام المحلي، أقول جعل كل ذلك، من أمريكا اللاتينية، خلال عقود الخمسبنات والستينات، الموطن الرئيسي للارهاب العالمي الموجه إلى المصالح الامريكية بالذات في أمريكا اللاتينية وفي مناطق العالم الأخرى·
وقد تتلمذ العرب منذ السبعينات على أمريكا اللاتينية هذه وتعلموا منها أساليب الاغتيال والعنف وحرب العصابات وحروب المدن قبل أن يصبحوا معلمين فيها. وترجموا مختلف كتب وأدبيات حرب العصابات وحرب المدن والحركات الثورية الأخرى التي انتشرت فيها انتشار النار في الهشيم· ولم يتوقف نمو العنف والارهاب في أمريكا اللاتينية إلا منذ عقدين أو أكثر قليلا وذلك في موازاة نجاح هذه القارة في تجاوز نزاعاتها الداخلية وتحرير نفسها من التبعية المطلقة للولايات المتحدة، وأخذها بمناهج الحكم الديمقراطي واعتمادها سياسات تنموية جديدة أخرجتها من دائرة الفقر والهامشية وضعف معدلات النمو الاقتصادي أو انعدامها· وقد حصل ذلك نتيجة إدراك مشترك في واشنطن وفي البلدان الأمريكية اللاتينية بأنه قد أصبح من المستحيل الحفاظ على الأمن والسلام مع استمرار الأوضاع على ما هي عليه وأن من مصلحة الطرفين، أعني الإدارة الأمريكية، الدولة المهيمنة الرئيسية على مصائر شعوب أمريكا اللاتينية، والنخب المحلية الحاكمة العمل في اتجاهين متلازمين: أولهما تعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تكثيف الاستثمار وتوحيد السوق الاقتصادية الاقليمية وثانيهما التوصل إلى تسويات سياسية قابلة للحياة بين النظم القائمة والمعارضات المحلية الثورية أو السلمية عن طريق الالتزام بالتعددية والدمقرطة الحثيثة والفعلية للحياة السياسية.
وكما كان عليه الحال في أمريكا اللاتينية، ليس من الممكن في العالم العربي فصل العوامل الداخلية وسياسات النخب المحلية عن استراتيجيات الدول الكبرى التي كانت ولا تزال وراء ترتيب الأوضاع السياسية والجيوسياسية المشرقية. وليس هناك أي أمل في التغيير في هذه المنطقة من دون التقاء مصالح القوى الخارجية المهيمنة على النظم والنخب الحاكمة المحلية ومصالح الجمهور الواسع الذي يحتاج إلى التغيير ويتطلع إليه بفارغ الصبر. إن الخروج من الأزمة المثلثة التي تضرب العديد من مجتمعات الشرق الأوسط العربية،أعني من حالة الفقر والاستبداد والنزاعات التاريخية المستديمة سيكون مستحيلا إذا ترك الأمر للنخب المحلية الحاكمة التي فقدت أي مفهوم للمعايير القانونية والسياسية للحكم وبالتالي من دون دفع بل من دون مبادرة دولية حكيمة قادرة على فرض الحوار الداخلي على النخب القائمة ومدعومة بإرادة جدية للمساهمة في حل النزاعات الداخلية والاقليمية المستشرية ومساعدة هذه البلدان على الخروج من العزلة السياسية والهامشية الاقتصادية التي تعيش فيها منذ عقود.
يعني هذا أن أي خطة أو مبادرة بناءة تستدعي من أصحابها الالتزام بخطة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ولضخ دماء وأفكار ورساميل جديدة أيضا في المنطقة تمكنها من امتصاص الفقر وتخفيض نسبة البطالة وفتح آفاق حقيقية للأجيال الشابة معدومة الأمل اليوم· كما تستدعي القيام بجهود فعالة في سبيل التقريب بين وجهات نظر الحكومات والمعارضة السياسية والقوى الاجتماعية وفتح آفاق التعاون والتفاهم فيما بينها على أساس عقد وطني يضمن الحد الأدنى من الحقوق المدنية والسياسية ويلغي التفرد بالسلطة واغتيال الحياة السياسية واستخدام القمع والتعذيب والاعتقال التعسفي، ويؤكد فصل السلطات وسيادة القانون واعتماد الانتخابات الحرة كطريق وحيد لتداول السلطة· كما يستدعي أخيرا التصدي بشجاعة وقوة للنزاعات الاقليمية والداخلية المتفسخة التي سممت الحياة السياسية في المنطقة وتكاد تسمم الحياة الدبلوماسية الدولية ذاتها، وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي·
لا أعتقد أن النظم والنخب الحاكمة في المنطقة العربية منها وغير العربية قادرة لوحدها على الخروج من هذه الأزمة الطاحنة. لكن التدخلات الأمريكية والأوروبية المتواصلة منذ عقود لم تساعد على الخروج من هذه الأزمة أيضا ولكنها عمقتها بقدر ما حاولت الاستفادة منها لتعزيز سيطرتها على بلدان المنطقة وبقدر ما جزأتها وسعت إلى فصل جوانبها المتشابكة بعضها عن بعض. إن أي مساعدة خارجية على حل أزمة الشرق الاوسط تستدعي ايجاد إطار دولي تشارك فيه جميع القوى المعنية من جهة بما يمنع من استخدامه كوسيلة لتعظيم منافع جهة دون أخرى ويكون قادرا على طرح جميع مشاكل المنطقة في وقت واحد من جهة أخرى. وربما كان أفضل إطار لتحقيق هذا الهدف مؤتمر دولي يوضع تحت إشراف الأمم المتحدة تشارك فيه جميع الأطراف الدولية والإقليمية وممثلين عن المجتمعات المدنية وأصحاب الرأي والمسؤولين السياسيين في الحكم والمعارضة يكون إطارا للنقاش والمفاوضات الجماعية حول جميع المسائل العالقة ويهدف إلى ووضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها. فليس من الممكن فصل أزمة الشرق الأوسط عن التدخلات الخارجية القوية التي تعرض ولا يزال يتعرض لها من قبل الدول الكبرى كما أنه من غير الممكن مواجهة مشاكل الشرق الأوسط بتجزئتها. فهي مترابطة ومتضامنةلا بد من طرحها مجتمعة وعلى مائدة واحدة سواء ما تعلق منها بالاحتلال أو بالتحولات السياسية الداخلية أو بمسائل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتنمية مرتبطة بالتحولات الديمقراطية والديمقراطية مرتبطة بالسيادة الشعبية والسيادة مرتبطة بالسلام الذي يفترض الاستقلال وتصفية الاحتلال وقيام علاقات اعتراف متبادل وتعاون طبيعية ومثمرة بين جميع الأطراف داخل كل قطر على حدة وفي علاقة الأقطار في ما بينها.
ينبغي بشكل خاص تمييز مثل هذه المبادرة الدولية المنزهة عن الأغراض عن المبادرات والمشاريع التي تتردد منذ سنتين على ألسنة مسؤولين أمريكيين وأوروبيين والتي لا تهدف في الواقع إلا إلى التغطية على مشاريع الهيمنة وتقاسم النفوذ الغربية التي كانت ولا تزال الدافع الرئيسي لتهميش المنطقة ودعم نظم العنف والاستبداد فيها. إن المبادرة المطلوبة تستدعي بالعكس فصل المساعدة الخارجية في حل أزمة الشرق الاوسط عن استراتيجيات الهيمنة والتسلط والالحاق الأجنبية التي تبرر مشاريع التسلط والاستتباع الداخلية وتغذيها. وعليها بالتالي تطوير فرص التعامل مع المجتمعات والشعوب العربية على أسس جديدة، أسس الشراكة الاقتصادية والسياسية وتشجيع الاتجاه إلى الحلول المتكاملة التي تربط بشكل بناء بين مسألة السلام والاستقرار الإقليمي ومسألة الاصلاح السياسي ومسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
فكما أنه لا يمكن تحرير الشرق الأوسط من إرادة الانتقام والعداء والرفض التي تتملكه تجاه الغرب عموما من دون إخراجه من أزمته التاريخية ومساعدته على الاندراج في دائر الحضارة العصرية وتمثل قيمها وتقاليدها، لا يمكن أيضا القضاء على العنف الموجه أو الذي يمكن أن يوجه نحو الخارج من دون إلغاء العنف كوسيلة للحكم والممارسة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية الذي يقوم عليها النظام الداخلي القائم· ومن الصعب على الانسان المحروم من التنظيم السياسي والنقابي ومن التظاهر ومن الإضراب ومن التعبير عن الرأي في الصحافة والإعلام، أي من استخدام أي وسيلة سلمية وسياسية للدفاع عن نفسه وضمان حقوقه الدنيا، أن يتمثل معنى الحياة القانونية· كما أنه من الصعب على الانسان الذي يعيش في ظل أنظمة تعسفية ولا إنسانية ويتعرض للاحتلالات والاعتداءات والتدخلات الخارجية المستمرة ولم يعرف معنى الشرعية الوطنية أو يشارك في بنائها أو يتمتع بقانونها أن يفهم معنى الشرعية الدولية ويقبل التكيف معها والخضوع لها·
وليس من المبالغة القول إن مصير المنطقة التي أصبحت مسرحا لحرب عالمية تقودها الدول الصناعية الكبرى ضد الارهاب، بتأييد أممي أم من دونه، يبدو اليوم، أكثر من أي حقبة سابقة، معلقا على رؤية هذه الدول لواقع المنطقة وتصورها لدورها وموقعها في التحولات العالمية والمكانة التي تريد أن تعطيها لها في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية. هل ستظل تنظر إلى الشرق الأوسط كما كانت تفعل في السابق من خلال منطق تأمين الطاقة العالمية المضمونة والرخيصة وتنظيم سوق النفط من جهة ومنطق الفراغ الاستراتيجي الذي يشكل الحزام العازل الذي يحتاج إليه ضمان السلام والتقدم والازدهار في "أرض اسرائيل الكبرى" من جهة ثانية، أم ستقبل في النظر إليه بوصفه شريكا قادرا، حسب امكاناته وموقعه، على المساهمة الايجابية في النشاطات الدولية إلى جانب الدول الأخرى النامية وغير النامية. مما يعني العمل على تثمير موارد المنطقة البشرية والطبيعية وتأهيلها للاندماج النشيط والمنتج في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية الدولية وتحمل المسؤوليات التي تقع على كاهلها في إطار بناء أي سياسة عالمية.
إذا كان الخيار الأول هو المقصود فلن تكون الحرب العالمية المعلنة والمخاضة اليوم على تراب العالم العربي ضد الارهاب سوى مقدمة نحو محاصرة هذا العالم بصورة أشد وتعزيز تهميشه وفرض الوصاية والحماية عليه وتركه مسرحا سائبا للنزاعات الاقليمية والوطنية التي تفتك بشعوبه وتشل إرادة مجتمعاته، وفي موازاة ذلك وبالارتباط بهذه الأهداف، تدعيم أنظمة القهر والاستبداد والعنف الأعمى التي لا يمكن من دونها ضمان مثل هذا التهميش وتلك السيطرة والوصاية الخارجيتين. أما إذا كان الخيار الثاني هو المقصود، فسيكون من الضروري تبني سياسات عقلانية وبناءة تعزز قدرة العالم العربي على الانتقال، كما حدث في أمريكا اللاتينية منذ الثمانينات من القرن الماضي، من سياسات السيطرة والعزل والتهميش وتمكين النظم الديكتاتورية نحو سياسات قائمة بالعكس على خلق الفرص الجديدة والآمال، أي في النهاية على السعي إلى دمج الشرق الأوسط بعالم عصره، وإخراجه من حالة اليأس التي تقوده إليها سياسات نخب ديكتاتورية محلية ومصالح عالمية قائمة على ضمان الاستقرار الشكلي من دون مراعاة لأي مباديء سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ولأي معايير قانونية· وبقدر ما سيدفع الخيار الأول إلى تفاقم أزمة العالم العربي وتعميق إحباطاته سوف يزيد من احتمالات النمو المتجدد لحركات العنف والارهاب التي يصعب السيطرة عليها· وبالعكس، بقدر ما يؤدي الموقف الايجابي إلى إخراج العالم العربي من أزمته التاريخية ويفتح آفاق التحولات الديمقراطية فيه، يعزز من احتمال نمو قيم الحرية والمساواة والعدالة والانسانية ويهمش مجموعات الارهاب ويعزلها ويجعل من نشاطاتها نشاطات غير منتجة وغير قادرة على تأمين أي تعاطف معها، أي يجفف الينابيع التي تستقي منها ويجعلها تذبل وتختفي من تلقاء نفسها·
وللأسف ليس هناك بعد ما يدل على أن سياسات الحصار والهيمنة والتسلط وتقاسم النفوذ قد تراجعت أو هي في طريق التراجع في الشرق الأوسط ولا على أن الأمل يزداد بإمكانية السير في طريق التعاون الايجابي مع العالم الصناعي للخروج من الأزمة. بالعكس، إن جميع الدلائل تشير إلى أن طريق الآلام لا يزال هو الطريق الوحيد المفتوح، مع ما نشهده من تكالب الدول الكبرى على تقاسم مناطق النفوذ والصفقات التجارية وخطب ود النخب الحاكمة الفاسدة وما نعاينه من تفاقم العنصرية في العلاقات الاجتماعية وتنامي الاعتقاد لدى الأوساط الرسمية والشعبية في عموم البلدان الصناعية بأطروحة وجود هوة ثقافية لا يمكن ردمها بين الاسلام والثقافة العصرية وبأن الحرب بين عالم الاسلام وعالم الغرب حتمية، سواء أسميناها حضارية أم همجية.
باختصار، لا يمكن للعالم العربي أن يفلت من كماشة عقيدة الحرب الوقائية التي أصبحت منهجا في التفكير الاستراتيجي الغربي، في أمريكا وغيرها، بالرغم من المظاهر الشكلية واختلاف التفسير، ما لم ينجح العرب في إعادة طرح مسألة العنف على أسس مغايرة لتلك التي لا تزال مطروحة بها اليوم، أي ما لم يتطور الوعي عند الشرقيين والغربيين معا بأن العنف ليس سمة ثقافية ولا حتمية تاريخية ولكنه ثمرة شروط مادية، أي يمكن تحليلها بالعقل وتغييرها أيضا، يمكن لجميع الشعوب والمجتمعات أن تجد نفسها حبيستها وأن تسقط في شرك إرادة القوة الناجمة عنها. وبقدر ما ننجح في ترسيخ الاعتقاد بأن العزل والتهميش والإذلال والقتل ليس الوسيلة الأنجع لدرء العنف، وأن تنمية العالم العربي ودمقرطته هما بالعكس الطريق الوحيدة لإخراج هذا العالم من أزمته التاريخية وتمكينه من تمثل معايير القياس الكونية فنحن نساعد الرأي العام الغربي على تبني مقاربة أكثر عقلانية وندفعه إلى إعادة النظر في السياسات الدولية المدمرة تجاه المنطقة العربية ·

jeudi, octobre 02, 2003

العالم العربي بين خيارين

لم يكرس أي حدث في العقود القليلة الماضية تهافت النظام العربي ويعلن إفلاسه بقدر ما فعل سقوط بغداد قبل حوالي ستة اشهر وما تبعه من احتلال العراق من قبل قوات التحالف الأمريكية البريطانية. وليس المقصود بالنظام العربي هنا نظام التعاون بين الدول العربية فحسب ولكن أيضا صيغة التنظيم العام وتوازنات القوى والمصالح التي سادت داخل الدول والمجتمعات العربية منذ حقبة ما بعد الاستقلال. ولم يعد هناك شك اليوم في أن هذه الصيغة بتنويعاتها المختلفة، الأبوية والبيرقراطية، قد أظهرت فشلها في تعبئة طاقات الشعوب العربية والارتقاء بها إلى مستوى من التكوين السياسي والأخلاقي والمهني يسمح لها بالتفاعل الايجابي مع عصرها وبالرد الناجع على التحديات التي تواجهها، سواء ما تعلق منها بحماية الاستقلال والسيادة أو بتحسين شروط الحياة المادية والمعنوية أو مكافحة الأمراض التاريخية الخطيرة التي كانت حركات الاستقلال تلخصها بالفقر والجهل والمرض لتستقي مشروعية كفاحها ضد الحكم الأجنبي واستحقاقها لإقامة دول مستقلة ذات سيادة. ولعل السبب الرئيسي لفشل هذه الصيغ التنظيمية السياسية والاقتصادية والإدارية التي اتبعتها المجتمعات العربية في نصف القرن الماضي هو قصورها عن خلق علاقات تواصل وتعاون ايجابي بين الافراد داخل المجتمعات وتشجيعها المباشر أو غير المباشر على تعميم الفساد والعجز وانعدام الثقة والانقسام الطبقي والمذهبي والاجتماعي معا.
في هذا الفشل، والإفلاس الذي نشأ عنه، يكمن المفتاح الحقيقي لفهم ما يعيشه العالم العربي اليوم من فوضى. فليست الفوضى في نهاية المطاف سوى النتيجة الطبيعية لانهيار القواعد والأسس التي بني عليها تنظيم المجتمعات خلال القرن الماضي، من دون أن تنشأ في مقابل ذلك قواعد جديدة، وقبل أن تتبلور في مواجهة اانهيار القواعد والمباديء القديمة قواعد ومباديء وقيم، وبالتالي قوى مجتمعية جديدة تساهم في بناء نظام بديل. ولذلك لن تجد الفوضى أي عائق يحول دون تعميمها وانتشارها. فهي اليوم فوضى نظرية تتجلى في التخبط الفكري والعقائدي الذي يعيشه الرأي العام العربي بصرف النظر عن اختلاف تياراته العقائدية. وهي فوضى دينية تظهر عبر التاويلات والصراعات والاجتهادات المتناقضة والمختلفة التي تتقاذف الجماعات الدينية. وفوضى سياسية تبرزها التوترات والصراعات والنزاعات، بل الحروب الأهلية وتنامي العنف، من دون أن تكون هناك آليات معروفة ومقبولة لامتصاص الصدمات وتسهيل التوصل إلى تسويات مقبولة بين المصالح والجماعات المتنازعة. ونحن نفتقر بشكل جلي لقواعد واضحة ومقبولة اليوم لممارسة السلطة والتعاقب على الحكم كما نفتقر إلى الثقافة السياسية العصرية. وبدل السعي لزيادة المشاركة وتوسيع دائرة تحمل المسؤوليات العمومية استمرأت النخب العربية اللجوء السهل إلى وسائل القمع والعزل والاستبعاد والمناورة السياسية. وتعيش مجتمعاتنا أيضا فوضى اقتصادية يعكسها التفسخ المتزايد في قطاعاتنا العامة وتشوه قطاعاتنا الخاصة وتعثر نموها وسيطرة روح المضاربة على جميع نشاطات مجتمعاتنا الانتاجية. فنحن لا نفتقر إلى خطة وسياسات اقتصادية ناجعة وفعالة فحسب ولكن، أكثر من ذلك، إلى آفاق تنمية اقتصادية فعلية قائمة على أسس إقتصادية سليمة وعصرية وقادرة على التفاعل مع المعايير الدولية للانتاج والاقتصاد العام. وفوضى استراتيجية يعكسها تهافت وزن العرب العسكري وتقهقر مواقعهم الاقليمية والعالمية في مواجهة الدولة الاسرائيلية وسياستها الاستيطانية التوسعية وفي مواجهة الضغوط الخارجية العسكرية والسياسية. وفي ما وراء ذلك كله نعاني من الافتقار لأي مخطط او جدول أعمال زمني، على المستوى الوطني أو الجماعي، لمواجهة جميع هذه التحديات الخارجية الخطيرة التي تؤرقنا. وليس من المبالغة القول إننا نشهد اليوم أمام أعيننا عملية تشييد إسرائيل ثانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب إسرائيل عام 1948 من دون أن تكون لدينا أي خيارات للحد منها أو لوقفها. و نحن نعيش أخيرا فوضى في العلاقات بين البلدان العربية. فلم يعد للجامعة العربية دور واضح تقوم به ولا قدرة على التدخل الناجع لوقف تدهور الموقف العربي، وتكاد تفقد اجتماعات مجالسها الدورية أي صدقية. ولا احد يدري بالفعل كيف لا تزال مستمرة.
في مواجهة هذه الفوضى الزاحفة والمدمرة للحياة الاجتماعية، الأخلاقية والقانونية والاقتصادية معا، والناجمة هي نفسها عن غياب أي معايير واضحة تحكم سلوك الجماعات ونشاطاتها، لا تقف المجتمعات مكتوفة الأيدي. وقد اتخذت مقاومة المجتمعات العربية لهذه الفوضى وآثارها الخطيرة أشكالا متعددة. فنشأت في معظم المجتمعات العربية منذ السبعينات حركات اجتماعية وسياسية داخلية باسماء وبايديولوجيات مختلفة هدفها الحد من الطغيان : طغيان الدولة وطغيان الحزب وطغيان الطبقة وطغيان العشيرة وطغيان الطائفة وطغيان العائلة. لكن معظمها قد أخفق في تحقيق أهدافه بسبب التحالف الموضوعي وأحيانا الذاتي بين النخب الحاكمة والقوى الكبرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة الشرق أوسطية. وينبغي أن نعترف بأن المجتمعات العربية فشلت فعلا في العقدين الماضيين الذين شهدا انهيار النظم الشمولية في كل مكان واستبدالها بنظم ديمقراطية ان تنتج أي نمط من أنماط الحكم التعددي أو تحدث ثغرة فعلية في نظام السيطرة المطلقة أو الاستبدادية. وهو ما مهد الطريق لتوسيع دائرة التدخل الأجنبي وفي المقابل إلى تنامي تيارات المقاومة الوطنية أو الدينية التي لا ترى من معادلة التحول العربي سوى قضية الاعتداءات الخارجية. وهكذا سوف تتصاعد التوترات الداخلية بموازاة تفاقم الفوضى الناجمة عن فساد النخب وتفاقم الضغوط الأجنبية. وبدل المقاومة السياسية والسلمية التي تبنتها قوى التغيير العربية في الثمانينات وما ارتبط بها من مبادرات للتسوية السياسية للنزاعات الاقليمية، سوف تشهد المنطقة انفجارا لا حدود له للعنف وتتحول القنبلة البشرية إلى السلاح الأمضى في يد الشعوب العربية الملوعة بالاحتلال والاستبداد في الوقت نفسه. وهذا يعكس من دون شك الصعوبة القصوى التي تواجهها قوى التغيير في تحقيق أي إنجاز أو فرض الاصلاح أو التغيير، والتطابق المتزايد في الوعي العام بين المعركة الداخلية والخارجية.
إن جوهر ما تعيشه المنطقة العربية هو اليوم بالفعل إعادة تشكيل الواقع العربي الوطني والاقليمي بالمعنى العميق للكلمة. وما نشهده من صراعات ومعارك وعنف منفلت هو ثمرة التنافس المفتوح على تحديد جدول أعمال إعادة التشكيل هذه بين مشروعين متناقضين كل التناقض: مشروع خارجي يريد إعادة ترتيب الوضع العربي الوطني والإقليمي من وجهة نظر مصالح نظام الهيمنة الدولي وفي سبيل تكريس هذه المصالح، ونمط الهيمنة المرتبطة بها، ومشروع تغيير داخلي يطمح إلى قطع الطريق على إرادة تكريس التدخل الأجنبي الدائم والشامل لحقبة طويلة قادمة وإرساء أسس نظام عربي وطني وإقليمي يستجيب إلى مصالح الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة وشعوبها. وبينما يراهن مشروع التغيير الخارجي على القوة العسكرية والاستراتيجية الضاربة للولايات المتحدة وإسرائيل والنفوذ التاريخي للدول الصناعية الكبرى في الشرق الأوسط وتدعمه فئات كبيرة من رجال الأعمال المرتبطين بالخارج، يعتمد مشروع التغيير الداخلي على قوى وعناصر وجماعات متباينة من قطاعات الرأي والسياسيين والمثقفين لا تزال مشتتة إلى حد كبير. وهي مضطرة في أغلب الأحيان إلى أن تخوض معارك مركبة ضد قوات الاحتلال ونظم الطغيان المحلية وفئات المصالح الخاصة التي ترفض التسليم بأي قاعدة اجتماعية أو قانون. أما النخب الحاكمة فهي لا تزال، في العديد من المواقع والحالات، مترددة بين التحالف مع القوى الأجنبية والانخراط في مشروع التغيير الخارجي، الذي يؤمن لها السيطرة لحقبة جديدة قادمة على الأسس ذاتها التي ضمنت لها بقائها في السابق، أو الوقوف في وجهها والتمسك بخط وطني أو نصف وطني يبقيها على صلة مع جمهورها المحلي. بيد أن هذه النخب، أقصد تلك التي تخشى التسليم بالأمر الواقع والانحياز الكامل للمشروع الخارجي، لا تزال ترفض في الوقت نفسه أي انحياز لصالح مشروع التغيير الداخلي. وكثيرا ما تغطي على شللها أو خوفها من الحركة بالحديث المكرور عن رفض الرديكالية وتبني خط معتدل ومتدرج أي آمن للتغيير.
والنتيجة أن الدولة والنخب المسيطرة عليها تكاد تكون محيدة في معركة الاختيار الحاسمة الدائرة اليوم على اتساع المنطقة العربية بين مشروع إعادة صوغ المنطقة من وجهة مصالح الدول الأجنبية، وفي مقدمها إسرائيل، أو إخضاعها لمصالح الشعوب العربية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الذي يستبسل في الدفاع عن مواقعه أمام موجة الاستعمار الاستيطاني الزاحف في فلسطين ما بعد 1948. وهذا ما يفسر أننا لا نزال بعيدين عن بلورة خط إصلاح واضح ومقاومة ايجابية قوية ومتسقة وقادرة على اعادة تشكيل الاوضاع العربية من داخل المجتمعات العربية نفسها.
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه ولم تنجح قوى الاصلاح الديمقراطية في تجاوز تشتتها وفي كسب جزء على الأقل من النخب الحاكمة لصف التغيبر العربي، فسيكون من الصعب حسم معركة الخيار في السنوات القليلة القادمة. وسوف يكون ثمن استمرار الصراع، من دون أفق واضح للتغيير، تفاقم الفوضى العربية مع تنامي حظوظ المشروع الخارجي لفرض نفسه على المجتمعات العربية، نخبا حاكمة ومعارضات ومجتمعات معا. ومن النافل القول أنه سيكون من الصعب علينا أن نوقف سيل الضغوط الأجنبية علينا من دون أن ننجح في بلورة مشروع التغيير الداخلي العربي، الوطني والإقليمي، من حيث هو رؤية فكرية وسياسية واضحة ومن حيث هو قوة منظمة وواسعة الانتشار قادرة على قيادة عملية تحويل حقيقي للعالم العربي في اتجاه تحرير المجتمعات من العوائق الفكرية والسياسية والاقتصادية والقانونية التي تكبلها وتشل نشاطها وتفاعل أبنائها، أي في اتجاه التنمية النشطة والديمقراطية واحترام الإنسان.

الاتحاد

lundi, septembre 15, 2003

حول تخبط السياسة الأمريكية في العراق


لم يعد أحد ينكر أن الإدارة الأمريكية تعاني من مشاكل كبيرة في العراق بما في ذلك هذه الإدارة نفسها. والعديد من قادة الحزب الديمقراطي الأمريكي الذين أيدوا بحماس خيار الحرب على العراق يتهمون القيادة الأمريكية بالافتقار إلى خطة وبرنامج واضحين لإدارة عراق ما بعد الحرب. وهو ما اضطر الرئيس الأمريكي إلى أن يحدد بشكل أدق أهداف سياسته في العراق في خطابه الأخير في منتصف سبتمبر الجاري 2003.
ويرجع التخبط الواضح في السياسة الأمريكية في العراق في نظري لأسباب عديدة يمكن أن يكون في مقدمها الاعتقاد المبسط الذي نشأ نتيجة تفكك النظام البعثي القديم بأن ما تقوم به واشنطن في العراق سوف ينظر إليه أساسا باعتباره عملية تحرير وإنقاذ للشعب الممتحن من ويلات السلطة الارهابية وأنه لا توجد هناك ولا يمكن أن توجد أي حوافز كي يرفض الشعب العراقي السير وراء أي حكومة جديدة تعمل على تشكيلها الإدارة العسكرية الأمريكية وتعده بإعادة إعمار البلاد وبالديمقراطية. لكن التجربة بينت من جهة أنه كان من الصعب على الإدارة الأمريكية أن تخفي مطامعها في العراق بعد أن رفضت كل الاقتراحات الدولية المتعلقة بوضع المرحلة الانتقالية تحت إشراف الأمم المتحدة، بل بمشاركة الدول الكبرى الحليفة في المسؤولية السياسية. كما بينت من جهة ثانية أن من الصعب على الشعب الذي عانى الأمرين من النظام الديكتاتوري العراقي أن يتخلى ببساطة عن سيادته لسلطة أجنبية، حتى لو كانت هذه السلطة هي الأداة التي حصلت بها إطاحة النظام العراقي.
لكن في ما وراء هذا السبب الذي يشير إلى خطأ حسابات السياسة الأمريكية يبدو لي أن من الصعب فصل تخبط الإدارة العكسرية الأمريكية في العراق عن مسألة أكبر وأهم هي اختلاف وأحيانا تناقض أولويات أو "أجندات" الحروب الثلاث التي تخاض في ظل احتلال العراق والتي تفسر هذا الاحتلال وطبيعته كما تفسر عجز الإدارة الأمريكية في واشنطن عن إصلاح سياساتها ومراجعة حساباتها الخاطئة في العراق والشرق الأوسط معا.
الأجندة الأولى، أو جدول الأعمال الأول الذي أريد للحرب أن تحققه والذي من أجله تبلور خيار الاحتلال ورفض التعاون مع الدول الأطلسية الحليفة ومع الأمم المتحدة والدول العربية الصديقة أيضا، هو أجندة حرب الحفاظ على التفوق الأمريكي العالمي. وبنود هذه الأجندة الرئيسية، كما لا تكف الإدارة الأمريكية عن الترداد، هي بالفعل القضاء على نظم وترسانات الأسلحة الاستراتيجية أو أسلحة الدمار الشامل سواء أكان ذلك في العراق أو في أي دولة جديدة وحظر تنامي ترسانات الأسلحة النووية، والسيطرة على الموارد الاستراتيجية وتوسيع دائرة السيطرة الإقليمية. فالهدف الرئيسي اليوم للولايات المتحدة التي أدركت قوتها الاستثنائية ووجدت نفسها بالفعل في موقع القيادة والسيادة العالمية هو العمل على ترسيخ أسس قوتها وسيطرتها حتى تضمن لها الديمومة. وهو ما يستدعي الحفاظ على التفوق وعدم التفريط بأي موقع مكتسب والسعي إلى الإمساك باكثر ما يمكن من أوراق القوة الدولية. وتعني الترجمة الشرق أوسطية لهذه الأجندة العمل على التحكم بمنابع الطاقة واحتياطياتها في العراق ومن ورائه في منطقة الخليج بأسرها وإخضاعها لأهداف الاستراتيجية الهيمنية ، كما تعني تعزيز التحالف الأمريكي الاسرائيلي لقطع الطريق على أي معارضة إقليمية عربية وأخيرا تقزيم الدول العربية وترويع نخبها وأنظمتها لمنع نشوء أي حركة تعاون أو اندماج أو تفاهم إقليمي ينتج عنه ازدياد في هامش مناورة المجتمعات العربية الاستراتيجي وربما احتمال تحول تدريجي في ميزان القوى الاقليمية.
ومن هذه الزاوية يشكل مشروع احتلال العراق أداة من أدوات الاستراتيجية الجديدة الرامية إلى إمساك واشنطن بأهم أوراق وعناصر النمو والتفوق الاستراتيجي من أجل تأكيد قيادتها العالمية وضمان استمرار تفوقها الاستراتيجي على جميع القوى الدولية الأخرى التي تهم بالارتقاء إلى مصاف الدولة العظمى في السنوات القادمة وفي مقدمها الاتحاد الاوروبي والصين. وبالسيطرة على هذه الورقة لا تضمن الولايات المتحدة لنفسها التزود الثابت والمستقر بالطاقة ولكن أكثر من ذلك ضبط أسعارها التي تلعب دورا كبيرا اليوم في تحديد الهامش التنافسي الضيق في كلف الانتاج في الدول الصناعية وبالتالي في معدلات النمو الاقتصادي. وتزداد أهمية هذه السيطرة على منابع الطاقة الشرق أوسطية عندما نعرف أن المنابع الأمريكية للنفط سوف تنفذ خلال السنوات العشر الماضية وأن الشركات النفطية الأمريكية التي سيطرت خلال القرن الماضي على معظم تجارة النفط الدولية لن تقبل بأن تخرج من هذه السوق أو تفقد وزنها الهائل فيها. وبسيطرتها على منابع الشرق الأوسط، من خلال إلحاق هذه المنطقة بالسوق الأمريكية، كما اقترح الرئيس جورج بوش، تعيد هذه الشركات تأهيل نفسها وتثبت موقعها في سوق النفط العالمية. بل ربما كانت هذه هي فرصتها الوحيدة للحفاظ على البقاء.
لكن في ما وراء السيطرة على منابع الطاقة لأهداف إقتصادية يشكل التحكم بنفط الشرق الأوسط والنفط عامة ورقة استراتيجية عظيمة الاهمية لتعزيز مفهوم القوة والتفوق الاستراتيجي الامريكي تجاه الدول الصناعية الكبرى التي ستجد نفسها تحت رحمة الشركات الأمريكية في أهم عامل من عوامل الانتاج، أعني عامل الطاقة من حيث توفرها ومن حيث تحديد سعرها.
هذه من دون شك هي أجندة حرب النفط ليس بالمعنى البسيط الذي يعني حصول أمريكا على النفط، ولكن بالمعنى المركب الذي يعنى استخدام النفط وسيلة من وسائل التنافس والصراع العالمي الراهن على تحقيق الأسبقية الاقتصادية والاستراتيجية، وبالتالي التحكم بموقع القيادة الدولية وما يعنيه من تحديد جدول أعمال السياسة العالمية.
إلى جانب أجندة حرب حماية التفوق الأمريكي والسيطرة على منابع الطاقة، وأحيانا في مواجهتها، تقف أجندة أخرى من الصعب تمييزها بشكل مستقل وواضح لأن المستفيد منها لم يدفع بجيوشه إلى ساحة المعركة، هي أجندة الحرب الاسرائيلية الرامية إلى ضمان الأمن والاستقرار والإزدهار لاسرائيل. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون تفكيك القوة العربية. وليس هناك أي شك في نظري في أن تحطيم العراق من حيث هو قوة عسكرية وتدمير معداته وحل جيشه وقطع الطريق أمام أي حكومة عراقية قادمة على إعادة بناء عراق قوي عسكريا واقتصادي وتقنيا وعلميا، و دفع العراق نحو الاقتتال الداخلي والعنف والفوضى الشاملة هو هدف خاص باسرائيل ولا علاقة له بالأهداف الأمريكية الرئيسية. وهو استنتاج صحيح حتى لو أن التحطيم العسكري للعراق يمكن أن يدخل ضمن الاستراتيجية الأمريكية بوصفه شرطا ضروريا لإنهاء الصراع في المنطقة وتعبيد الطريق نحو تسوية سياسية تعبر عن بداية الحقبة الجديدة للنفوذ أو السيطرة الأمريكية الشرق أوسطية. إن حرب تدمير البنية التحتية والدولة العراقية بوصفها جزءا من مصادر القوة الاستراتيجية العربية لا تخوضها الولايات المتحدة وبريطانيا لصالحها ولكن لحساب إسرائيل. وهي لا تهدف إلى إخراج العراق من ساحة الصراع العربي الاسرائيلي التاريخي كما أخرجت مصر باتفاقيات كمب ديفيد فحسب، ولكن أكثر من ذلك، إلى إنهاء جبهة الصراع العربي الاسرائيلي لصالح تل أبيب وفرض الاستسلام على البلاد العربية وإجبارها على القبول بإسرائيل كقوة مركزية وقيادية في المنطقة والتسليم بتسوية فلسطينية إسرائيلية وإسراائيلية عربية ضعيفة تراعي بالدرجة الأولى مصالح إسرائيل وتعزز موقعها المتفوق في المنطقة.
والواقع ليس هناك ما يمكن أن يفسر الطريقة التي تصرفت فيها القوات الأمريكية البريطانية تجاه الدولة العراقية القائمة ومؤسساتها وعلى رأسها المؤسسة العسكرية سوى السعي إلى تدمير العراق كدولة وكوحدة سياسية وكمصدر محتمل في المستقبل لإعادة بناء قوة عسكرية يمكن أن تغير في موازين القوى الإقليمية. وليس هناك ما يفسر إرادة سلطات الاحتلال في نشر الفوضى والتشجيع عليها سوى رغبتها في تفجير الصراعات والنزاعات الداخلية الطائفية والأقوامية بهدف تفكيك العراق نفسه ومنعه من إعادة لم شمله واستعادة قدراته وموقعه في التوازنات الإقليمية. إن ما تريده إسرائيل من العراق، عبر ممثليها العلنيين داخل الإدارة الامريكية الراهنة، هو في الواقع دفع العراق نحو حالة مستمرة من الفوضى والاقتتال يحيده لسنوات طويلة وريما نهائيا عن ساحة الصراع إن لم يقض عليه كدولة موحدة عربية الانتماء. ويكاد المرء يعتقد بالفعل أن إسرائيل هي التي تخوض، من خلف التحالف الأمريكي البريطاني، حرب الانتقام التاريخي من نبوخذنصر وبمنطق حروب العصر القديم ذاتها التي تتطابق مفاهيمها مع تدمير الحجر وقطع الشجر وقتل البشر وترك البلاد قاعا صفصفا، أي القضاء المادي والكامل على الدولة بكل ما فيها من مؤسسات وبشر وماء وحياة .
ومما يزيد من صدقية هذه النظرية أن دفع العراق نحو الفوضى والانهيار الكامل لا يتماشى مع مشروع السيطرة الأمريكية الراهن على المنطقة. بل إنه يسيء إلى المصالح الامريكية وإلى الشعارات التي ترفعها واشنطن باسم الديمقراطية والحرية والتخلص من الاستبداد ومن أجل السلام والتغيير والإصلاح. فالاسرائيليون يعملون بالفعل، من خلال ممثليهم في الإدارة الأمريكية، سواء أكانوا من المسيحيين المتصهينين أو من الصهاينة الفعليين، على تجيير الحرب الأمريكية على العراق لخدمة مصالحهم الإقليمية الخاصة فحسب، ولا يهمهم إن أدى ذلك إلى تقويض مشروع السيطرة الأمريكية. وهو ما يحصل الآن أو ما هو في طريق الحصول.
أما الأجندة الثالثة التي تفسر ما يجري في العراق فهي أجندة ما تم التعارف على تسميته بالحرب الحضارية التي انتقلت بسرعة إلى أرض العراق بعد أن شهدت حلقاتها الأولى في أفغانستان ثم في واشنطن ونيويورك نفسها. وهي حرب يغذيها الاعتقاد لدى قسم من القادة الأمريكيين، منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، بصرف النظر عن صلتهم بشركات النفط أو بإسرائيل، بأن ما نعيشه اليوم هو صراع بين الثقافة والحضارة الغربية العقلانية والديمقراطية والثقافة والحضارة العربية الاسلامية، وربما أيضا الصينية المناهضة لهذه القيم والقائمة على قيم وتقاليد محافظة لاهوتية وإستبدادية ولا إنسانية. وتساعد مثل هذه الطروحات على التغطية على حقيقة الحربين الأساسيين، أعني حرب الطاقة وحرب التمكين التاريخي لاسرائيل في الشرق الأوسط، وتظهرهما كما لو كانتا حربين أخلاقيتين تخاضان باسم القيم الإنسانية وفي سبيل تأكيدها ضد البربرية والهمجية. وأجندة هذه الحرب هي التي تفسر ما تعرض له العراق من تدمير غير مفهوم للوهلة الأولى لمكتبات العراق ومتاحفه وآثاره التاريخية وكل ما يرمز إليه كثقافة ساهمت في تقدم الحضارة الإنسانية. وليس المقصود من هذا التدمير محو ذاكرة العراق وتراثه الثقافي والحضاري فحسب لقطع المجتمع عن جذوره وتشويه شخصيته وإعادته إلى حالة الضياع والهمجية وإنما أكثر من ذلك توجيه ضربة قوية إلى الحضارة العربية ومحو آثارها على الأرض، عبر أحد أهم مراكزها الثقافية والتاريخية.

كان لدى الإدارة الأمريكية فرصة أكبر لتحقيق سيطرتها على العراق وما يمثله من موقع جيوسياسي ونفطي استراتيجي لو لم تتبن خيار تدمير الدولة العراقية بكل ما يعنيه ذلك من حل الجيش والإدارة والشرطة وجميع المؤسسات القانونية والقضائية الأخرى. لكن كان سيبدو ذلك وكأنه على حساب أجندة حماية إسرائيل وضمان استقرارها، أو على الأقل ما كان من الممكن لاسرائيل أن تستفيد كثيرا من انهيار نظام صدام وتجعله جزءا من مكاسبها الاستراتيجية. وبالمثل، كان بإمكان الولايات المتحدة أن تحتفظ بهامش مناورة استراتيجية أكبر في وجه القوى المعادية للاحتلال لو لم تجعل من القضاء على نظام صدام جزءا من برنامج أشمل لإعادة ترتيب المنطقة برمتها وتغيير عقليتها والتدخل في نظمها التعليمية والاعتقادية، أي لو لم تربط بين السعي لتغيير الثقافة العربية الاسلامية والحرب العالمية ضد الارهاب.
لكن كان من الصعب أن ننتظر من الإدارة الأمريكية الراهنة سياسات بناءة، أكثر اتساقا وعقلانية، يستفيد منها الشرق الأوسط. فليس لهذه السياسات من أساس آخر سوى احتقار الشعوب العربية والتضامن الشامل مع إسرائيل والحرص على استمرار السيطرة المنفردة على موارد المنطقة ومصائرها. ولا يمكن لحرب احتلال العراق التي تجسد هذه البرامج الثلاثة إلا أن تكون مناسبة لإظهار تخبط مشاريع السيطرة الأمريكية وتضارب الأهداف والمصالح التي تضمها وتقوم عليها في الشرق الاوسط، وفي ما وراء ذلك، تعميق القطيعة العربية الأمريكية وتعزيز سياسة اسرائيل الاستيطانية والتوسعية وتأكيد الطابع الاستعماري البدائي للهيمنة الأمريكية.

mardi, juin 03, 2003

مستقبل العلاقات السورية اللبنانية

لقاء مع برهان غليون
يسين حج صالح
الآداب اللبنانية

إشكالية العلاقات السورية اللبنانية. ماهي العناصر التي حكمت المنظورات والمواقف المتقابلة لطرفي العلاقة؟ لماذا كانت العلاقات السورية اللبنانية إشكالية وقلقة دائما حتى قبل التدخل السوري في لبنان؟ هل كان للمثقفين السوريين تأثير على هذه العلاقة؟

- برهان غليون
ربما نستطيع القول بأن نشوء لبنان من حيث هو كيان مستقل عن محيطه كان ثمرة تقاطع ديناميكيتين رئيسيتين حكمتا تكون المجتمع اللبناني في الرقعة الصغيرة التي كانت تسمى لبنان الصغير قبل أن يتحول إلى الدولة التي نعرفها في الحدود الجديدة القائمة. الأولى دينامية التناحر والنزاع الداخلي المستمر بين جماعات قوية وشبه متوازنة في القوة على السيطرة على الأرض والسلطة. وهي الدينامية التي تجد أساسها في أن الرقعة الصغيرة من الأرض التي تسمي جبل لبنان وما يحيط بها قد تحولت منذ زمن بعيد إلى موطن أفليات دينية عديدة مهمشة من قبل الدولة ومهمشة لنفسها أيضا بسبب ضعف انتمائها الديني لدولة دينية الطابع. وهو ما خلق بؤرة جغرافية سياسية ملائمة لاستقرار ثم نمو روح الاستقلالية. والدينامية الثانية نابعة من الانفتاح المبكر للبنان على عالم الحداثة الغربية الناجم عن الضغوط الغربية المستمرة والقوية على منطقة الساحل السوري في إطار الصراعات الجيوسياسية التاريخية لكن بشكل خاص مع تراجع قوة الدولة العثمانية وبداية النزوعات التوسعية الاوروبية. وقد ساهم هذا الانفتاح المبكر على عناصر الحداثة الاوروبية الذي تعزز بوجود وشائج القربى الدينية، منذ القرن السابع عشر وتحت نفوذ الإمارة المعنية بشكل خاص، على تمثل عناصر حداثة متعددة جعلته سباقا في القرن التاسع عشر إلى المساهمة في النهضة الفكرية والأدبية واللغوية العربية. وكانت نتيجة تقابل والتقاء هاتين الديناميتين بنية اجتماعية متميزة ومفارقة يختلط فيها أكثر من أي مجتمع عربي آخر تعزيز البنى والهياكل والعصبيات الوسطوية الطائفية والعشائرية مع تنامي المكتسبات الحديثة وتمثلها. وإذا كان للبنان خصوصية فهي هذا الجميع الاستثنائي، أحيانا السعيد، لكن غالبا المأساوي، للمشيخة التقليدية العشائرية والعائلية وللفردانية البرجوازية المدينية الأكثر مغالاة معا.
وقد شكلت هذه البنية الحاملة لعناصر توتر قوية ودائمة تحديا لسلطة الدولة المركزية العثمانية التي كانت حساسة جدا، مثلها مثل جميع السلطات الامبرطورية، للقلاقل وعدم الاستقرار. وقد اضطرت الدولة منذ القرن التاسع عشر تحت ضغط القوى الأوروبية إلى القبول بإخضاع جبل لبنان لنمط متميز من الحكم يشبه ما نسميه اليوم بالحكم الذاتي أي المتصرفية.
وقد جاء الانتداب الفرنسي على لبنان ليعزز من هذا التطور المفارق للمجتمع اللبناني. فهو بقدر ما أقام الدولة الحديثة على الأسس الطائفية أو الملية ذاتها التي عملت بها الدولة العثمانية منذ نهاية القرون الوسطى، عمق النزوع لدى هذه الطوائف والملل ذاتها، وفي مقدمها الملة التي ستتيح لها الظروف السيطرة على مقاليد الأمور، إلى ربط لبنان بالغرب سواء من حيث الامتدادات والتصاهرات الثقافية أو من حيث الاختيارات الاستراتيجية والسياسية. وقد أعطى هذا الوضع طابعا خاصا للحداثة المفارقة اللبنانية التي تجمع أكثر العناصر الاجتماعية عتقا وقدما مع أكثر عناصر الحداثة تجددا وآخر الصرعات التقانية، بحيث ليس من السهل غالبا أن يميز الملاحظ البسيط فيما إذا كانت البنى التقليدية هي التي تستعمل الحداثة أم أن الحداثة هي التي تستعمل البنى والعناصر التقليدية. وفي كثير من الاحيان تبدو الحداثة هنا كما لو كانت عرض ٍأزياء وأفكار ومنتجات لا ينتهي ولا يقف وراءه أي شيء آخر.
وقد انعكسنت هذه البنية الخاصة على النخبة الاجتماعية والسياسية نفسها في شكل انقسام عميق في الولاءات والانتماءات وأنماط الحياة والتفكير، وأحدثت توترا عميقا ومستمرا في الهوية السياسية اللبنانية ذاتها. ولم يكن من الممكن خروج لبنان من تحت الانتداب إلا في إطار ما سوف يسمى بالميثاق الوطني الذي تخلت بموجبه بعض نخب الطوائف عن المطالبة بإبقاء الارتباطات القوية مع فرنسا لقاء تخلي النخب الأخرى الاسلامية عن مطالبتها بالارتباط المقابل بالمحيط العربي وبشكل خاص السوري. ومما زاد من عوامل التوتر والصراع داخل الهوية اللبنانية دخول جماعات دينية إضافية بعد توسيع حدود لبنان الصغير. وهكذا، خلال فترة طويلة من مرحلة ما بعد الاستقلال بقيت قطاعات رأي عام لبناني عديدة لا تجد نفسها في إطار الهوية السياسية اللبنانية بقدر ما تطمح إلى أن تدرج نفسها في إطار هوية أوسع سورية أو عربية أو إسلامية.
تكون النسيج الوطني السوري الحديث في سياق مختلف تماما عن السياق اللبناني واتسم منذ البداية بنزعة قوية للتكتل حول الدولة البيرقراطية الحديثة التي لم تتخل أيضا عن الأنماط العثمانية. وشهد تطور الأحداث تعزيزا متواصلا للدور السياسي والثقافي والاقتصادي لهذه الدولة. وقد تفاقم هذا النزوع بعد الاستقلال لدرجة انمحت فيها هوية المجتمع السوري السياسية في هويه دولته والفئات أو الجماعات المتحكمة فيها والمتماهية معها. وقد كان هذا الاختلاف دافعا لتبلور أساليب عمل وطني مختلفة منذ الانتداب ثم فيما بعد للتباعد المستمر بين الكيانين المحدثين. لكن الخلاف السوري اللبناني الأعمق لن يتبلور إلا بعد استقلال البلدين وبسبب الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتباينة للنخب الاجتماعية التي كانت مسيطرة على كل منهما في تلك الفترة. وقد عمت الاختيارات المتباينة جميع الميادين تقريبا. فبقدر ما راهنت النخبة اللبنانية الاستقلالية على العلاقات الممتازة مع الغرب وخاصة فرنسا اختارت النخبة السورية في وقت مبكر سياسات وطنية مستقلة أو شبه مستقلة دفعتها إلى توقيع صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا الشيوعية منذ عام 1956 وقبل أن تدخل سورية في إطار الاختيارات الاشتراكية. وكما سيقود نمط الاختيار الوطني سورية نحو سياسات تعليمية ثم اقتصادية وفيما بعد سياسية واجتماعية قائمة على تجاهل الطائفية ولتمايزات العصبوية لصالح المساواة القانونية بين الأفراد بصرف النظر عن انتماءاتهم الأصلية وعلى تعميم التعليم الوطني على حساب التعليم الخاص ثم على الحماية الاقتصادية بهدف إنشاء صناعات وطنية ثم على سيطرة الدولة على الحياة العمومية وإمساكها بناصية العملية التحديثية سوف يقود النمط اللبناني الليبرالي المراهن بالعكس على الالتصاق بالدول الكبرى الغربية والاعتماد على دعمها وحمايتها إلى تعبئة الانتماءات ما قبل الوطنية كأساس لبناء التوازنات السياسية الداخلية التعددية وتوسيع قاعدة وأشكال الانفتاح الثقافي والاقتصادي والاستراتيجي على الغرب والاعتماد عليه في تحقيق الأمن والرخاء والاستقرار. ومن الواضح أن هذه الاختيارات المتباينة للنخب السورية واللبنانية لم تكن ثقافية ولا دينية بقدر ما كانت تعبيرا عن المصالح المتناقضة للطبقة التجارية الصناعية السورية الناشئة التي أرادت خلق سوق محلية مستقلة نسبيا وللطبقة التجارية الكمبرادورية اللبنانية المسيطرة التي كانت تعيش على دور الوساطة التجارية الاقليمية. وقد كانت القطيعة الجمركية في بداية الخمسينات بقرار من خالد العظم رئيس الوزراء السوري بداية لمرحلة جديدة من الطلاق بين التشكيلتين السياسيتين واحيانا المجتمعين. وقد أكدت الأحداث والاختيارات القادمة في البلدين هذه القطيعة وعممتها على جميع الميادين ورسختها. فصار لبنان بلدا معاديا باختياراته الأساسية لسورية في نظر النخبة السورية الحاكمة التي نظرت إليه كما لو كان هونغ كونغ بالنسبة للصين وصارت سورية بلدا معاديا للبنان في نظر النخبة الحاكمة اللبنانية كما لو كان الوباء الشيوعي الأحمر الزاحف على أوربة الليبرالية.
ولا شك أن الهزة الاقليمية السياسية والجيوسياسية التي أحدثتها الثورة الوطنية المصرية بزعامة عبد الناصر وما تبعها من هزات في الساحة العربية في صورة تنامي النزعة العروبية الوحدوية أو القومية العربية قد زعزعت منذ عام 1958 التوازنات الداخلية اللبنانية ووضعت الميثاق الوطني في طريق مسدود. وبدل أن تحني النخبة اللبنانية الليبرالية الحاكمة ظهرها للموجة الجديدة الاستقلالية التحررية أو المعادية للهيمنة الأجنبية في المنطقة بأكملها، والعمل على امتصاص آثارها، اختارت الانكفاء على مواقف أكثر يمينية وتبعية للغرب. وما كان من الممكن الاستمرار في مثل هذه السياسة ورفض إعادة النظر في الاختيارات القديمة للتكيف مع الموجة الصاعدة من دون تعريض لبنان لحرب أهلية. وهو ما حصل بالفعل ليس بسبب ما عناه إصرار الرئيس شمعون القريب من الأحلاف الأجنبية من جهل كبير بالسياسة ولا بسبب تدخل الناصرية أو سورية في لبنان في ذلك الوقت، ولكن بسبب تغير موقف قطاع كبير من الرأي العام اللبناني تحت تأثير أفكار التقدم القومية والاشتراكية مما سيؤدي إلى انهيار التوازنات اللبنانية الداخلية، أي في الواقع بسبب عدم إدراك حقيقة أن الاختيارات اللبنانية التقليدية لم تعد تتماشى مع الحقبة الوطنية العربية الجديدة. وليس هناك شك في أن السوريين والمصريين قد لعبوا دورا في الحرب الأهلية اللبنانية لعام 1958 لكن ليسوا هم الذين فجروها. لقد استغلوا الشرخ الذي أحدثه عجز النخبة السياسية اللبنانية عن استيعاب التحولات الجيواستراتيجية العميقة التي حصلت في المنطقة المحيطة وبالتالي عن العمل لإعادة توحيد الصف الوطني اللبناني على أسس جديدة. وينبغي القول أنه في مواجهة تصاعد المد القومي العربي المعادي للأمبريالية الغربية لم تبد النخبة الحاكمة اللبنانية المرونة الضرورية التي تسمح بتجاوز الاتفاقات السابقة التي عقدت في ظروف استعمارية مختلفة تماما وإعادة بلورة ميثاق وطني جديد او تجديد الميثاق القديم بما يسمح باستيعاب أفضل للقوى الاجتماعية والسياسية الصاعدة مع الموجة الجديدة. وكان من الطبيعي أن لا تترك مصر الناصرية وسورية السائرة في ركابها نفسها معرضة لسقوط لبنان تحت نفوذ الدول الغربية المعادية لها في الوقت الذي كان محور كفاح هاتين الدولتين مقاومة ومناهضة الأحلاف الغربية المفروضة على دول المنطقة والتي تهدف إلى الحد من سيادتها وتقضي على استقلال دولها أو نزوعاتها الاستقلالية. وتدخلهما يمكن أن يفسر باعتباره دفاعا عن النفس في إطار منطق المواجهة الاقليمية الطبيعي لتلك الفترة. فكما كان انتصار الرئيس شمعون في انتزاع ولاية جديدة يعني بالنسبة لحكومتي البلدين تمكين الدول الغربية من إضعاف موقفهما الاستراتيجي كان استغلال الحرب الأهلية اللبنانية يشكل في نظرهما جزءا من المعركة القائمة ضد عودة الهيمنة الاستعمارية على المنطقة بأكملها عن طريق إعادة ربطها بالدول الغربية عبر الأحلاف الأجنبية.
بالتاكيد سوف تظهر هذه الخيارات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية المتباينة للبنان وسورية بشكل أعمق بعد وصول البعث إلى السلطة في دمشق. فلم يبدو لبنان بنظامه الليبرالي وعلاقاته مع الغرب وموضاته الثقافية وقيمه الاستهلاكية تهديدا للاختيارات السورية الاشتراكية والشمولية فحسب ولكنه بدا في هذه الحقبة أكثر من ذلك وكانه ثغرة حقيقية في الدفاعات السورية عن النظام القائم الجديد وساحة جانبية يمكن أن تستغلها المعارضة السورية للحفاظ على نفسها حية وللاستمرار بالرغم من نجاح السلطات البعثية في تدمير قواعدها في سورية. وقد التقت مصالح الحكم السوري البعثي مع مصالح نظم عربية أخرى كانت تسير هي أيضا على طريق تصفية المعارضة الداخلية وبسط الحكم المطلق في البلاد التي تحكمها كما هو الحال في المملكة العربية السعودية. وهنا أيضا جاءت الحرب الأهلية اللبنانية منذ 1975 لتقدم فرصة لا مثيل لها لإغلاق هذه الساحة اللبنانية الجانبية لاستمرار نشاط المعارضة العربية الفكرية والسياسية المحتمل. وقد زاد الرهان على إغلاق هذه الساحة بعد أن أصبح لبنان مسرحا لنشاطات المنظمات الفلسطينية التي تخشى السلطات السورية مع العديد من السلطات العربية الأخرى وفي مقدمها لبنان من أن تكون وسيلة لتوريطها في حرب غير مستعدة لها مع اسرائيل. وما أن استتب الأمر للقوات السورية في لبنان بتفويض عربي لا شك فيه حتى نشأت عن الوضع الجديد رهانات جديدة أهم من الأولى وفي مقدمها استخدام لبنان كساحة صراع ثانوية وجانبية مع اسرائيل تضمن أن لا تخلد المنطقة للسكون والصمت الذي يكرس مكاسب اسرائيل الاقليمية واحتلال الأرض ويجنب في الوقت نفسه سورية الدخول في حرب مكلفة مع اسرائيل وغير مضمونة النتائج أيضا. وقد ضمن التدخل السوري في لبنان منذ 1975 مكاسب للعديد من الدول العربية والقوى الاجتماعية وفي مقدمها بالطبع النظام السوري الذي نجح في الابقاء على حالة من الحرب الخفيفة أو المخففة التي يستمد منها الشرعية الوطنية ويمنع تجميد الأوضاع لصالح اسرائيل. وكان هناك مستفيدون لبنانيون كثر من نخب الطوائف اللبنانية المختلفة بحسب تطور الحرب ومراحلها. لكن الشعب السوري هو وحده الذي لم يحصل منه على أي مكسب كان بل دفع ثمنه غاليا من الناحية السياسية إذ عزز الدخول السوري إلى لبنان النزوعات الفاشية والشمولية في النظام والاستخدام الموسع للعنف في كبح أي معارضة أو احتجاج داخلي. لقد كرس التدخل السوري في لبنان الطابع العسكري للاحتفاظ بالسلطة وألغى كل حياة سياسية سورية تماما.
ومن الواضح أنه في الحالتين، أعني عام 1958 و عام 1975 لم يكن التدخل السوري في لبنان مرتبطا بأي موقف سلبي للنظم السياسية العربية من الدولة أو المجتمع اللبناني بقدر ما يعبر عن الاستجابات الطبيعية للقيادات الناصرية الوطنية في البداية ثم التسلطية الشمولية أو الأبوية في الحرب الثانية في إطار الصراعات الجيوسياسية والدفاع عن مواقعها في معارك كانت تعتبرها مصيرية بالنسبة لنظم الحكم التي سادت في السبعينات والتي كانت تواجه تحديات قوية خارجية وإقليمية وعربية عربية من دون أن تتمتع بأي قاعدة شعبية عريضة تضمن لها الحد الأدنى من الثقة بالنفس والاستقرار. ولا شك أن أحد دوافع التدخل السوري العربي في لبنان كان خوف هذه النظم الضعيفة من جميع النواحي من أن أن يتحول ضعف لبنان الاستراتيجي، وهذا واقع، إلى منفذ للقلاقل والاضطرابات الاقليمية والداخلية ، وأن تضطر هي نفسها إلى دفع ثمن هذا الضعف. ولن يكتشف السوريون إلا متأخرين الفرص الجديدة التي تقدمها لهم السيطرة العسكرية والأمنية على لبنان، أي الحصول، في ما وراء صد النفوذ الاسرائيلي الصاعد فيه، على إمكانية بناء تكتيك هجومي يعوض قليلا عن الاستراتيجية الدفاعية الجامدة والسكونية التي اضطروا إلى الانكفاء عليها بعد حرب 1973 بسبب التفوق الاسرائيلي الاستراتيجي الساحق عليهم.
لم يكن الدافع إذن للسيطرة السورية على لبنان، كما يعتقد ويردد الكثيرون من المراقبين اللبنانيين والغربيين، رفض السوريين كشعب الاعتراف باستقلال لبنان وسيادته ولا نزوع النظام السوري البعثي إلى توحيد سورية ولبنان سواء أكان ذلك من منطلق الايديولوجية القومية العربية أو من منطلق ايديولوجية الهلال الخصيب ولا يعبر عن أي شعور سلبني تجاه لبنان واللبنانيين كما يحلو للكثيرين أن يرددوا. ولم يكن وراء هذه السيطرة ولا يزال ليس وراءها أي تصور استراتيجي أو عقائدي حقيقي ولكنها تخضع فقط لحسابات استراتيجية سياسية واقتصادية محضة معروفة. إن مايريده النظام البعثي السوري من لبنان هو استخدامه كما يستخدم سورية ذاتها كأداة للدفاع عن الوضع القائم لا أكثر ولا أبعد من ذلك وطالما بقي هذا الاستخدام ممكنا. فسياسة سورية الراهنة من لبنان هي سياسة براغماتيكية محضة ونفعية بكل المعايير. وهذه هي نقطة ضعفها الرئيسية أيضا.
لقد تصرفت سوريا في لبنان كما كان من الممكن لأي دولة أن تتصرف مع دولة مجاورة ضعيفة لا تربطها بها لا وشائج قربى إنسانية ولا قومية ولا جغرافية. وأي دولة أخرى غير سورية كانت في ظروف مشابهة ستسعى إلى استغلال الفرصة السانحة لتحقيق مثل هذه الأهداف التكتيكية. وعلى جميع الاحوال لم يكن هناك أي دور ولا علاقة للمثقفين السوريين لا من قريب ولا من بعيد في خلق هذا الوضع في لبنان. إن ما حصل يعكس هشاشة الاختيارات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية الضيقة الأفق والمحدودة للنخبة السياسية اللبنانية. فلم يكن هناك أي أمل للبنان في الاحتفاظ بالأمن والسلام والرخاء من خلال إدارة ظهره للداخل العربي والاستمرار في سياسة دفن الرأس في التراب مهما كانت الذرائع الدينية أو الطوائفية في منطقة تهزها بعنف زوابع الانقلابات الاجتماعية العنيفة والحروب الخارجية المدمرة. لقد تأخرت النخبة المسيطرة اللبنانية كثيرا قبل أن تدرك دروس حرب 1967 وأكثر من ذلك حرب 1973 وفي ما بعد الحروب الفلسطينية الاسرائيلية التي سيجري جزء كبير منها على أرض لبنان. ولن يعود الاستقرار إلى هذا البلد إلا بموازاة استيعابه لهذه الحقائق ومشاركته ولو بوسائل وأساليب مختلفة أهلية في الحرب العربية الاسرائيلية. وهو اليوم أكثر استقرارا من العديد من الدول العربية الأخرى. لم يختر المثقفون السوريون ولا السوريون هذا الوضع للبنان كما لم يختاروا أيضا الوضع الذي يسود في سورية. بل إن من الممكن القول إن استمرار هذه الأوضاع العربية جميعا هو ثمرة لما وسم تفكيرنا وعملنا جميعا في لبنان والبلاد العربية الأخرى من عجز عن استيعاب حقائق التاريخ والجغرافية السياسية للتحكم ولو بجزء من تقرير مصيرنا والسيطرة النسبية على واقعنا. لقد كنا جميعا ضحايا اختيارات لم نتعمق كثيرا في دراستها أو دفعنا إليها أو فرضت علينا. والمطلوب من الجميع إذا أردنا الخروج مما نحن فيه من عجز وتخبط العودة إلى التفكير في هذه الخيارات الاستراتيجية والسياسية والثقافية أيضا ومعرفة في ما إذا كان هناك مجال لبلورة خيارات أفضل وأكثر معقولية وايجابية.
هناك ديمقراطية لبنانية. فيها الكثير من النواقص والعيوب لكنها ضمنت مستوى معقولا من الحريات العامة. لماذا كان تأثيرها الإيجابي محدودا في العالم العربي؟ ما هي العلاقة بين الحرب اللبنانية والديمقراطية اللبنانية؟

برهان غليون:

هنا أيضا هناك وهم كبير عند السوريين واللبنانيين معا حول ما نسميه الديمقراطية اللبنانية. هناك بالتاكيد تعددية سياسية في لبنان لكن هذه التعددية خاضعة لنظام الطوائف الذي يشكل ضمانة وجودها وليس لها وظيفة إلا إعادة توزيع حصص السلطة ومناصبها على نخب الطوائف المختلفة وتكريس هذه النخب في الوقت نفسه. فهي ثمرة وجود فعلي لمراكز قوة قائمة هي الطوائف ووسيلة أيضا للتسوية بين مصالح زعامات هذه الطوائف وإعادة إنتاج هذه الزعامات في الوقت نفسه. فالديمقراطية هي إطار تفاهم الطوائف او العصبيات المتناحرة وعجز واحدتها عن القضاء على الأخرى. والدولة ليست المجال الذي تتآلف فيه مجموعة من المواطنين المتساوين ولكن المنطقة المحايدة التي يمكن لجميع العصبيات المتحاربة أن تعبرها وتعيش فيها طالما لم يكن هناك حرب أو تهديد بالحرب من قبل واحدة او أكثر منها. فالدولة تابعة للطوائف لا فوقها وآلة في يدها لا مبدأ محركا لأفرادها. ولذلك فإن الدولة تنهار وتنحل منذ اللحظة التي ينهار فيها التفاهم الطائفي ولا يبق منها سوى الحرب الأهلية. وليست الحرب الأهلية الدورية إلا التعبير عن منطق ميزان القوة الذي يضمن في كل مرة صيغة توزيع الموارد على نخب العصبيات المتناحرة. وهو ميزان قوة يتغير ويمكن أن يتغير في أي لحظة تتغير فيها الظروف الاقليمية أو التوازنات الاجتماعية الداخلية أيضا.
وتختلف الديمقراطية التي تعكس التحييد المتبادل للسيطرة الطائفية المنفردة وتضمن بالتالي الحد الأدنى من حرية الحركة للأفراد الذين يستفيدون من فرص السلام المؤقت عن الديمقراطية كما تفرضها الصيغة الجمهورية الكلاسيكية القائمة على أساس المساواة بين الأفراد المواطنين في الحقوق والواجبات وحرية التنافس الكامل على السلطة والمناصب بينهم لاحتلال مناصب المسؤولية العمومية. فبالرغم من وجود مساحات لا شك فيها لحرية الرأي والتنافس على السلطة في الصيغة التآلفية الطائفية اللبنانية إلا أن هناك جمودا كبيرا في عملية تداول النخب سواء منها الوطنية أو الطائفية. فالنظام اللبناني قائم على إعادة انتاج الزعامات الطائفية نفسها كزعامات سياسية. ولا يمكن كسر احتكار الزعامات التقليدية أو المكرسة للمواقع إلا عبر حروب مستمرة داخل كل طائفة على حدة وبين الطوائف على تعديل صيغة الدولة أو الحكم أو النظام الانتخابي. ومن الدولة إلى الأحزاب إلى الإدارة يقوم النظام على توريث الآباء الآبناء مناصب المسؤولية مهما كان نوعها. ولذلك تعود الأسماء ذاتها في كل عهد في قيادات الدولة والبرلمان والاحزاب والهيئات الأهلية أيضا ولا تتغير قائمة هذه الأسماء قليلا إلا بعد الحروب الطاحنة التي تقضي على قمة الزعامات المحلية أو القبلية وبقدر ما تحقق ذلك. والتعددية اللبنانية هي الناتج الجانبي او الثانوي لنظام التوزيع الزبائني للحصص على زعامات الطوائف، والذي يشكل أساس التفاهم الطائفي بقدر ما يمكن أن يشكل عند الاعتراض عليه من قبل هذه الطائفة او تلك أساس الحرب الطائفية. وما يحدد طبيعة أي نظام توزيع زيائني متغير ومتبدل بالضروة هو ميزان القوة الناشيء عن آخر حرب حصلت داخل العصبية المحلية أو بين العصبيات المتناحرة. وبشكل عام يمكن القول إن الديمقراطية السياسية اللبنانية هي الإطار الضروري لضمان التوزيع المناسب أو الموافق لموازين القوة الطوائفية التي تضمن وحدها استمرار الدولة والنظام. وكما أن العصبيات الطائفية تؤسس للدولة الزبائنية فإن المطلوب من التوزيع الزبائني للسلطة والثروة هو ضمان إعادة إنتاج العصبيات الطائفية وتكريسها شرطا للدولة ومرجعية لها معا. فلا يهدف التوزيع الزبائني الطائفي للحصص على الأفراد داخل العصبية ذاتها إلا إلى إنتاج العصبية القبلية عند كل فرد ومنع نشوء المواطنية. فهي تضمن أن يظل مصير الفرد مرتبطا بمصير طائفته كما يمنع الدولة من أن تتحرر بفضل تحرر الأفراد من عصبياتهم من هيمنة السلطة الطوائفية التعددية.
لقد نشأ هذا النظام الديمقراطي الزبائني في سياق تاريخ طويل من الصراع الطائفي الذي عرفه لبنان والتوازنات التي أسسها والثقافة التي طبعت الطوائف اللبنانية في الحرب والسلم معا. ومن الصعب تعميم مثل هذا النموذج الخاص جدا والتأثر به, ومن الصعب أكثر النظر إليه كمثال أعلى يحتذى. يمكن لقسم كبير من الرأي العام العربي أن يعجب بما يبدو من بعيد كبلد الحريات الفكرية وهو كذلك بالفعل, لكن لا أحد ينسى الثمن المرتفع لمثل هذه الديمقراطية الزبائنية الهشة والمحدودة التي تجعل من لبنان في الوقت نفسه بلد العصبيات الأكثر استعصاءا على الحل والتغيير والحداثة الأكثر استغراقا في ثقافة الاستهلاك الرمزي والتنمير. ولا يقف الثمن المرتفع لهذه الديمقراطية على الحروب الأهلية والتصفيات العشائرية المتكررة ولكنه يتجاوز ذلك إلى المعاناة الانسانية والمعنوية نفسها في مجتمع يتردد من دون وسيط بين أقصى قطبي الحداثة والتقليد.
ربما زاد إغراء النموذج اللبناني اليوم بالنسبة للسوريين بعد ما فقدوا الأمل بالنموذج الذي عرفوه والقائم على التعبئة الوطنية المبالغ فيها وعلى إنكار كل التمايزات أو الهويات والعصبيات الجزئية من قبل دولة هي مركز التنظيم الحقيقي للإرادة الجمعية. فبدل أن يحقق النظام الجمهوري الانصهاري المساواة المنتطرة بين المواطنين في الحقوق والواجبات وينشيء إطارا ثابتا لنمو المواطنية الفردية على حساب العصبيات الطائفية حول الدولة إلى غول ابتلع كل العصبيات والقوى الوسيطة الاجتماعية من دون أن يفتح ثغرة مهما كانت صغيرة لنمو المواطنية والفردية فصار نظام الطحن الشامل للانسان خارج أي مفهوم حديث للأمن الشخصي والحرية والمساواة والحق والقانون

لبنان الثقافي: هل ما زال لدى لبنان ما يقوله ثقافيا للعالم العربي؟ هل يحتاج دور لبنان هذا إلى تصور جديد بما أنه لم يعد يحتكر الاتصال بالغرب؟

نعم، وسيظل كذلك وهذه نقطة قوته والحرية الفكرية هي الوجه الوحيد المضيء في نظامه السياسي والاجتماعي. وفي اعتقادي أن ما يقوله لبنان ثقافيا يتجاوز التعبير عن احتكار الاتصال بالغرب. في لبنان إبداع ثقافي وفني حقيقي يجعل من البلد الصغير مركزا من مراكز الثقافة العربية الحديثة الأساسية. إنه أحد مصانع الثقافة الكبرى في العالم العربي. وهذا الموقع الثقافي لم يدركه لبنان بالصدفة والعرض ولكنه ثمرة تاريخ طويل أيضا من الارتباط بالثقافة الحديثة والتعامل معها وليس هناك في نظري أي بلد عربي آخر يمكن أن يحتل محل لبنان في هذا المجال أو يفعل مثله. في سورية مبدعين كبار من دون شك لكن لا يوجد فيها ثقافة. لا يوجد فيها إلا الحرب.
بصرف النظر عن أي تقصير محتمل من المثقفين اللبنانيين حيال سورية، هل هناك تقصير من المثقفين الديمقراطيين السوريين حيال لبنان كما يصر عدد من المثقفين اللبنانيين(لم نهتم بالدفاع عن السيادة اللبنانية واستقلالية القرار اللبناني ...)؟ ما مصدر فكرة التقصير؟ هل هذا منظور صحيح لرؤية موقف المثقفين الديمقراطيين السوريين من المسالة اللبنانية؟ هل هو منظور مناسب؟

- برهان غليون:


يعتقد لبنانيون كثيرون أن لبنان دفع ثمن صراعات الآخرين على أرضه، وأنه انحكم بالصراع العربي الإسرائيلي، وأنه نظر إليه دائما من منظور عروبي أو فلسطيني أو حتى إسلامي. لماذا لا يمكن التفكير بلبنان خارج هذه الأحداثيات؟
كيف تنظرون إلى تطور العلاقات اللبنانية السورية في إطار التغيرات الإقليمية المتوقعة؟ هل سنشهد تغيرا للدور السوري في لبنان؟ كيف ستؤثر التغيرات العراقية والإسرائيلية الفلسطينية على العلاقة السورية اللبنانية؟
كمثقفين ديمقراطيين سوريين، ماذا نتوقع من زملائنا اللبنانيين؟ ماذا نطلب منهم؟