jeudi, mars 17, 2005

مغزى التحولات اللبنانية ومآلها

الرأي 5 مارس 2005

يطرح تطور الأحداث الذي فجرها الاغتيال المروع للرئيس رفيق الحريري والتظاهرات المتنافسة التي أعقبته، سواء أكان ذلك على جبهة المعارضة لتأكيد الانسحاب السوري الكامل، أو على جبهة الموالاة بإعلان الوفاء لسورية وللنظام القائم، أسئلة عديدة على المراقب السياسي تتجاوز مسألة التحقيق في مسؤولية مقتل الحريري لتصب مباشرة في فهم مغزى التحولات الكبيرة التي أطلقها ولا يزال منذ الرابع عشر من شباط الماضي. هل كانت عملية اغتيال الحرير مناسبة لتفجير ما سوف يطلق عليه البعض اسم انتفاضة الحرية والتحرر والاستقلال عن السيطرة الغشيمة التي مارستها أجهزة أمنية خارجية وداخلية معا وتعبيرا عن استعادة الوعي والإرادة والمبادرة والوطنية اللبنانية بعد عقود طويلة من القهر والارهاب والتخوين أم كانت غطاءا لمؤامرة دولية أمريكية فرنسية وسير أعمى في ركابها يعكس جهل المعارضة اللبنانية بالحسابات الجيوسياسية الدولية؟
من غير الممكن في نظري الفصل تماما بين التظاهرات الوطنية الواسعة التي حصلت في لبنان بعد مقتل الحريري وردا عليه وبين السياق الإقليمي والدولي الذي خلقته المبادرة الاستراتيجية الواسعة التي تقودها الولايات المتحدة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 في إطار ما أطلقت عليه إعادة هيكلة منطقة الشرق الأوسط برمتها والذي طورته في السنتين الماضيتين ليصبح مبادرة إصلاح الشرق الأوسط ودفعه نحو الديمقراطية. ومن هذه الناحية، لا يخطيء الموالون للوضع العربي القائم، بما فيه الوضع القائم في دمشق، بوصفه، كما يقول أنصاره اليوم، آخر موقع للممانعة، عندما يشيرون إلى إن إخراج الجيش السوري من لبنان يندرج، بصرف النظر عن مدعياته، ضمن هذا السياق ويشكل مكسبا كبيرا للاستراتيجة الامريكية الاسرائيلية التي أرادت دائما تفكيك المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وفصل المسارين السوري واللبناني لإضعاف دمشق استراتيجيا وفرض الاتفاقات المجحفة عليها. وليس هناك شك في نظري أن القضاء على المواقع الاستراتيجية السورية القوية في لبنان يشكل نكسة هائلة للاستراتيجية وليس فقط للدبلوماسية السورية وأن المستفيد الوحيد منه استراتيجيا هو تل أبيب والحكومة الاسرائيلية اليمينية التي رفضت ولا تزال ترفض أي مفاوضات جدية حول مسألة الخروج من الجولان المحتل الذي ألحقته بأراضيها منذ الثمانينات.
لكن تأكيد هذا الواقع لا يقلل ذرة واحدة من مسؤولية القوى السورية اللبنانية الحاكمة في ما يحصل اليوم ولا يبرر سياساتها غير العقلانية إن لم نقل إنه يضاعفها. فهو لا يبين فقط أنها لم تكن على مستوى التحدي التاريخي الذي تواجهه البلاد ولكن أكثر من ذلك، أنها فضلت تقديم مصالحها الخاصة على المصالح العامة وفضلت التقاعس على العمل الجاد لمواجهة الأزمة ومواجهة الاستراتيجيات والخطط الأجنبية الرامية إلى إضعاف لبنان وسورية معا. ولا يمكن تفسير عدم مبادرتها باتخاذ الإجراءات الاستراتيجية الضرورية أو التي بدأت تفرض نفسها منذ سنوات أو على الأقل منذ التصويت على قرار 1559 الذي فرض عليها التراجع أمام خصومها الأمريكيين والفرنسيين إلا بأحد أمرين: أنها لم تكن تعتقد بجدية التهديدات الخارجية ولكنها كانت تستخدم شعار المؤامرة الخارجية من أجل تعبئة الشارع العربي وراءها على أمل التوصل إلى تفاهم ما مع القوى الأجنبية أو أنها لا تملك القدرة على التفكير الاستراتيجي الناجع والعقلاني في عالم يتغير بسرعة وفي بيئة جيوستراتيجية متغيرة ومتطورة يوما بعد يوم. وفي الحالتين تتحمل هذه القوى المسؤولية الرئيسية في ما آلت إليه الأوضاع السورية اللبنانية وذلك لجمعها بين الأمور الثلاثة، أعني لتقاعسها وسوء حساباتها ومراهنتها على الوصول إلى صفقة مع الدول الأجنبية وإدارتها الضعيفة وغير الناجعة للأزمة. ومما يزيد من حجم المسؤولية الواقعة على كاهلها أن هذه الأزمة لم تتفجر فجأة ولكنها تعس منذ سنوات طويلة ولم يتوقف المحللون السياسيون والخبراء الاستراتيجيون منذ سنوات عن لفت انتباه القوى الموالية إلى ضرورة إصلاح العلاقات السورية اللبنانية وإقامتها على أسس سليمة من دون جدوى. ومما يزيد من حجم هذه المسؤولية، ويلغي شرعية الحديث عن مؤامرة خارجية لإخفائها أيضا، أن الولايات المتحدة لا تتصرف في الشرق الأوسط من وراء قناع ولكنها لا تكف منذ سنوات عن التصريح بمضمون ما تريد تحقيقه من أهداف وفي مقدمها إعادة هيكلة العلاقات داخل المنطقة الشرق أوسطية على أسس تتفق وغايات السيطرة الامريكية. والأكثر من ذلك، أن أحد أهم الأطراف التي لعبت دورا حساسا في تفجير الأزمة لغير صالح سورية هي الدبلوماسية الفرنسية التي كانت من أكثر الدبلوماسيات الغربية والعالمية دفاعا عن الوضع السوري ودعما له وبالتالي صلة به وتواصلا معه. ولا تتردد هذه الدبلوماسية في التذكير بأنها لم تلجأ إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يفرض على القوات السورية الانسحاب من لبنان إلا بعد إخفاق جميع الحلول والتدخلات الدبلوماسية الأخرى. مما يعني أن دمشق أخفقت في فهم جميع الرسائل التي وردت إليها ورفضت التعامل الايجابي مع كل المبادرات التي رمت إلى تغيير الأوضاع بالطرق السياسية والدبلوماسية السلمية التي تتيح لها الخروج بصورة مشرفة من لبنان تماما كما رفضت ولا تزال ترفض جميع المبادرات التي تطلقها قوى المثقفين والمعارضة المحلية للحوار والتفاهم حول الخروج من نظام الحزب الواحد والسلطة الأمنية والانتقال نحو نظام التعددية والمشاركة الشعبية الطبيعية.
وبالمثل، كما أن تطور الأحداث الإقليمية في اتجاه يخدم المصالح الخارجية أكثر مما يخدم المصالح الداخلية لا يعفي القائمين على الأمر في البلاد العربية من المسؤولية فإن اندراج الحدث في سياق تقدم الاستراتيجية الأمريكية لا يقلل ذرة أيضا من القيمة التحررية والإنسانية لانتفاضة الحرية التي اندلعت في بيروت في الرابع عشر من شباط والتي جاءت كصرخة احتجاج جامعة وعارمة على ما ينطوي عليه نمط الحكم عن طريق الضغط وتقييد الحريات والتلاعب بالناس والجماعات من امتهان لمعايير السياسة والأخلاق الوطنية والإنسانية معا. ولا تغير الدلالات المتباينة وربما المتناقضة التي أضفاها هؤلاء وأولئك على مشاركتهم في هذه الانتفاضة السلمية، أو برروا سلوكهم بها، بما في ذلك بروز بعض الحساسيات الطائفية، أو مشاركة قوى يمينية متطرفة فيها ومراهنتهم على العودة إلى نظام ما قبل الحرب الأهلية، من المغزى العميق لهذا الحدث بوصفه فورة وطنية وتعبير عن فيضان الكيل ورفض قاطع ونهائي للاستمرار على نهج الخضوع للسلطة الأمنية. وبالرغم من أن ارتفاع لهجة المعارضة اللبنانية قد ساهم قبل الحدث في خلق مناخ جديد حضر للقطيعة مع الوضع القائم فليس هناك شك في أن ما شهدته ساحة الشهداء في بيروت في الرابع عشر من شباط فبراير يوم اغتيال رئيس الوزراء السابق وما بعده لم يأت نتيجة ترتيبات مسبقة ولا بتأثير ضغوط خارجية بقدر ما كان تعبيرا عن التقاء عفوي على معنى التحرر من سلطة قهرية ومن باب أولى عندما تكون هذه السلطة ذات ارتباطات خارجية.
لكن في ما وراء ذلك كله، ربما كان الدرس الأهم لما حصل في لبنان وما سيكون له آثار كبيرة أيضا على مشروع تغيير الواقع الجيوسياسي الإقليمي المطروح اليوم بقوة على المنطقة هو أن السيطرة، أي سيطرة، ليست مسألة محلية محض، مؤطرة جغرافيا وخاضعة لقوانين الايديولوجيات الوطنية أو القومية. إن السيطرة المحلية هي ثمرة توازنات سياسية تستند هي نفسها إلى توازنات جيوسياسية إقليمية وعالمية. وإذا كان نظام السيطرة الأمنية المشتركة السورية اللبنانية قد بقي حتى الآن قائما فذلك بسبب ما كان يستند إليه من ميزان قوى إقليمي ودولي لا بسبب إرادته الذاتية ولا التوازنات اللبنانية والسورية وحدها. ومن الطبيعي أن يتغير هذا الوضع مع تغير وتبدل علاقات القوة الإقليمية والدولية. ومن دون فهم هذا الترابط بين الحقل الجيوسياسي الداخلي والحقل الجيوسياسي الخارجي لا يمكن أن نفهم أصلا قيام أي نظام سيطرة في أي منطقة في العالم ولا كيف يستمر في البقاء، بما في ذلك الحضور السوري في لبنان بل ونظام الحكم القائم نفسه.
لكن إذا كان تبدل الأوضاع السياسية داخل لبنان في سياق تغير الموازين الإقليمية لا يقلل من قيمة الحدث اللبناني ولا يزيل عنه صفة الانتفاضة من أجل الحرية فهو لا يلغي أيضا شرعية القول بأن هذا التغيير يجري اليوم في مستوى العلاقات الجيوستراتيجية لصالح تغيير المنظومة الإقليمية لغير صالح القوى العربية وهو يصب بالتالي في طاحونة الدول التي تسعى إلى الهيمنة على المنطقة. والسؤال الذي يطرحه الوضع الراهن يتجاوز بكثير خصوصية الحالة السورية واللبنانية إلى الحالة العربية برمتها ويعكس الطبيعة الإشكالية لمسألة الانتقال العربي الراهن نحو الديمقراطية. فكيف يمكن بالفعل الوصول إلى التغيير الديمقراطي في سياق الهجوم الاستراتيجي الامريكي الواسع من دون المخاطرة بخيانة المباديء القومية أو قيم التضامن العربي التي يتمسك بها، كما بينت ذلك مظاهرة حزب الله التي لا تقل ضخامة عن مظاهرات ربيع بيروت، قطاع ربما كان الأوسع من الرأي العام العربي والإسلامي، وهل يمكن، بالمقابل، الاستمرار في رفض رياح الحرية باسم القيم القومية والإسلامية من دون المخاطرة بالخروج من مغامرة الحداثة العالمية، أي من دون خيانة الذات وإدانتها بالتقوقع والعزلة والتهميش والتقهقر الحضاري المتزايد؟

يطرح هذا الوضع بالتأكيد مسألة كبيرة جدا على التحولات الديمقراطية العربية الجارية والقادمة، بل ربما التحدي الأعظم. فليس هناك مهرب من الاعتراف اليوم بأن استعادة الحرية في لبنان قد ارتبطت أو هي في طريقها لأن ترتبط بعودة الهيمنة الأجنبية على المستوى الإقليمي وبالتالي بتراجع مواقع النظام العربي الإقليمي أو ما بقي من ذكراه الماضية. ولا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يثير قلقلا عميقا عند قطاعات واسعة من الرأي العام العربي ويدفع جزءا كبيرا منه إلى اتخاذ موقف الممانعة أو على الأقل موقفا سلبيا مما يجري، وهو ما يجعل من الديمقراطية قضية إشكالية أيضا في الواقع العربي المعاصر. ومما يفاقم من هذه المشكلة أن الدول الأجنبية التي تقف اليوم وراء مشروع الديمقراطية أو تستخدم شعارها كي تستعيد مواقعها الاستراتيجية قد لعبت دورا أساسيا ولا تزال في تثبيت ركائز الحكم المطلق منذ عقود طويلة في العديد من بقاع العالم العربي وفي جميع بلدانه في ربع القرن الأخير على الأقل. وهي المسؤولة بشكل رئيسي أيضا عن اندلاع النزاع العربي الاسرائيلي واستمراره وتقديم الدعم المالي والعسكري والسياسي كي تستمر اسرائيل في إنكار حقوق الشعب الفلسطيني وفي احتلال الأراضي العربية. بل أكثر من ذلك، إن هذه القوى نفسها التي تريد أن تستعيد مواقعها من خلف ثورة الحرية التي تحبل بها الشعوب العربية لا تخفي إرادتها في تفكيك العالم العربي وفرض هوية شرق أوسطية تلغي وشائج القربى العميقة بين أطرافه في سبيل دمج اسرائيل وتمكينها من السيطرة على مقدرات الأمور الإقليمية.
لا ينبغي إذن أن نطابق بين ما يحدث في لبنان وما حدث من قبل في دول أوروبية وسطى أو في أوكرانيا. فليس للدعم الذي تقدمه الدول الأوروبية والأمريكية للثورات السياسية الديمقراطية التي تجرى في البلقان أو في أوكرانيا المضمون ذاته الذي يتخذه مثل هذا الدعم في البلاد العربية. فلا يوجد هناك أي استحقاقات سياسية أو استراتيجية بين شعوب البلقان وشعوب أوروبة وأمريكا يمكن أن يجعل من التعاون بينهما على تغيير النظم القائمة صفقة خاسرة لفريق ورابحة لفريق آخر. وليس الوضع كذلك بالنسبة للشعوب العربية. ذلك أن الدعم الذي تحظى به أو تطمح إلى أن تتلقاه الحركة الديمقراطية من التحالف الأوروأمريكي يرتبط هنا بشكل يكاد يكون معلنا رسميا بنوايا واضحة لبسط النفوذ والهيمنة الأجنبية على موارد استراتيجية عربية في مقدمها النفط ووضع اليد أيضا على كل ما يتعلق بالترتيبات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الإقليمية في سبيل ضمان أمن إسرائيل وتوطينها النهائي في المنطقة وحسب حاجاتها وطموحاتها كما يرتبط بدفع العرب إلى التخلي عن طموح تاريخي عميق طبع حياتهم السياسية لأكثر من قرن، أعني طموح بناء تكتل عربي وتأكيد هوية مشتركة وتعاون متميز بين بلدانهم يسمح لهم بتجاوز حالة البلقنة والانقسام ويمكنهم من بناء ما يشبه دولة قومية راسخة قريبة مما عرفته الهند أو روسيا الاتحادية أو الصين يتماشى وصورتهم عن حضارتهم وموقع هذه الحضارة بالفعل في الثقافة العالمية. والسيطرة على منابع النفط وتأمين إسرائيل وتمكينها والتخلي عن الحلم العربي الذي يعني الإقرار بأولوية الهوية العربية الثقافية والسياسية في إقليم الشرق الأوسط هي في الواقع الأهداف الثلاثة اليوم إن لم نقل الشروط الرئيسية لقبول التحالف الأوروأمريكي حصول تحولات ديمقراطية، بالضرورة وبالتأكيد جزئية، في البلاد العربية.
هناك أسئلة كثيرة تطرح بعد ذلك منها: هل هناك إرادة حقيقية في بث الديمقراطية في البلاد العربية أم أنها مجرد شعارات مرفوعة لتحسين صورة القوة الهيمنية الجديدة الطامحة إلى خلافة المنظومة الإقليمية العربية والعروبية معا؟ وهل تخدم الديمقراطية الهيمنة الأجنبية وتساعد على استقرار نفوذ الدول الأوروبية وهل هناك استحالة في فصل الديمقراطية العربية عن هذه الهيمنة الأجنبية؟ وأخيرا هل ينبغي أن نرفض التحولات الديمقراطية لأنها تؤدي إلى تراجع مواقعنا الاستراتيجية أكثر مما هي متراجعة اليوم؟ أي هل نقبل بوقف الممانعة بعد أن تخلينا عن المقاومة وأن نتعاون مع الدول الكبرى الطامحة إلى الهيمنة على المنطقة العربية لنيل قسط أكبر من الحريات الفردية وربما من الفرص لتحقيق التنمية الاقتصادية والتحكم بشكل أفضل بمصير أوطاننا القطرية أم نقبل التعاون مع النظم الاستبدادية مهما كانت سياساتها وسلوكاتها تجاه شعوبها والشعوب العربية الأخرى ما دامت لا تزال ترمز، ولو من بعيد، للمشروع العربي الجامع، مشروع بناء القوة والهوية العربية وربما على أمل أن تستعيد هذه النظم زمام المبادرة وتعيد ترتيب أوضاعها بما يمكنها من إعادة الاعتبار لمشروع القوة العربية؟ هذه هي الأسئلة التي يتوجب علينا اليوم جميعا الإجابة عنها في مواجهة ما تخبؤه الأيام القادمة من المواجهات العنيفة على ساحة المشرق العربي والتي يتوقف عليها تحديد موقع كل واحد منا في المعركة الدائرة اليوم حول إعادة بناء الشرق الأوسط ومستقبل التحولات التي سيشهدها في السنوات القادمة
.

lundi, mars 07, 2005

la Syrie au cœur de la tourmente

Crise libanaise : la Syrie au cœur de la tourmente
LEMONDE.FR 07.03.05 15h00 • Mis à jour le 17.03.05 11h52
L'intégralité du débat avec Burhan Ghalioun, directeur du Centre d'études de l'Orient contemporain et professeur de civilisation arabe à l'université de la Sorbonne-Nouvelle - Paris-III., lundi 7 Mars, à 15 h .
oussam : Bonjour, je suis d'origine libanaise et voudrais savoir quel est, selon vous, le degré d'implication de la Syrie dans l'attentat qui a coûté la vie à l'ancien premier ministre Hariri ? Est-il possible et réalisable que les services de renseignement syriens quittent le pays du Cèdre ?
Burhan Ghalioun : Concernant la première question, on ne peut pas juger avant la fin de l'enquête. De toute façon, tout le monde a presque accusé la Syrie et la Syrie commence à payer les frais de cette accusation. Elle est obligée de quitter le Liban immédiatement. Donc la question de savoir qui a assassiné l'ex-premier ministre Rafic Hariri est dépassée sur le plan politique. Deuxième question : je pense que les services de renseignement syriens sont obligés de quitter le Liban également. Mais le problème est que personne ne peut vraiment contrôler leur départ, comme on peut contrôler le départ des forces armées. D'autant plus qu'il doit y avoir des membres de ces services qui ne sont pas connus, par définition. Mais je pense que les Syriens sont obligés de démanteler le centre de ces services, qui se trouve à Anjar, dans la Bekaa. C'est un bureau officiel dont les Américains comme les Européens demandent la liquidation. Du moment qu'il y a changement de gouvernement et réorganisation des services libanais, la marge de manœuvre des services secrets va énormément diminuer et ces services au Liban seront même éventuellement neutralisés.
Daruma : A moyen terme, quand la Syrie (armée et renseignement) se sera retirée (ce qui devient inéluctable), et que l'union actuelle de l'opposition aura, de fait, perdu son point principal de ralliement, n'y a-t-il pas un risque que les principaux mouvements libanais ressortent leurs propres drapeaux et revendications ?
Burhan Ghalioun : Ce risque existe, effectivement. C'est pourquoi je crois qu'il faut éviter le retour à la situation qui a donné lieu à plusieurs guerres civiles interconfessionnelles au Liban. Il faudrait exploiter cette renaissance du patriotisme libanais pour sortir du système confessionnel qui a empoisonné la vie politique des Libanais depuis la fondation du Liban. Je pense que c'est le seul remède au danger de voir revenir les mêmes dissensions et affrontements confessionnels. Le système politique libanais reconnaît l'existence des confessions libanaises et attribue des quotas, dans l'administration et au Parlement, aux différentes confessions. Ce système ne peut qu'alimenter la concurrence confessionnelle au détriment d'une logique de compétition entre citoyens quelle que soit leur religion. Dans ce système, chaque confession cherche, pour renforcer sa position, des alliés extérieurs. Et c'est cette logique qui a empêché le nationalisme libanais de s'affirmer face aux loyautés communautaires.
Elia : Comment expliquez-vous la réaction de la rue, notamment celle des communautés druze et sunnite, qui a pris tout le monde par surprise, et ce d'autant que M. Hariri n'était pas spécialement très populaire ?
Burhan Ghalioun : Je pense que la manifestation populaire des sunnites, des chrétiens, des druzes, et éventuellement d'une partie des chiites, a reflété le rejet de l'ingérence des services de renseignement syro-libanais aussi bien dans la vie quotidienne des citoyens que dans le domaine économique, politique, culturel, éducationnel. On est arrivé à une situation où tout est dicté par les services de renseignement, et où les individus sont manipulés comme des jouets. C'est contre cette aliénation que tout le monde s'est révolté et c'est cette volonté de se libérer qui a réuni l'ensemble des Libanais.
Bigmak : Pensez-vous qu'un système fédéral puisse être une solution au Liban ?
Burhan Ghalioun : Je ne pense pas qu'on ait besoin, pour sortir de la crise libanaise, d'aller jusqu'à la création d'un Etat fédéral au Liban. Le Liban est un très petit Etat (sa population ne dépasse pas 4 millions d'habitants) et on ne peut pas séparer chrétiens et musulmans. D'autant plus qu'aujourd'hui ces populations, indépendamment de leur confession, cohabitent dans les mêmes villes.
Jean : Que doit-on craindre de la manifestation appelée demain par le Hezbollah ?
Burhan Ghalioun : Je ne suis pas choqué. Je pense que cette manifestation aura la tâche de montrer l'autre force du Liban qui s'attache à des choix politiques proches de ceux de Damas. Et je crois que l'opinion publique internationale a le droit de voir les deux composantes politiques du Liban, à savoir les forces que nous appelons aujourd'hui "opposition" et qui, depuis l'assassinat de M. Hariri, prennent l'initiative, d'une part, et les forces "loyales" composées essentiellement des mouvements politiques chiites défendant des liens privilégiés avec la Syrie. Jusqu'à maintenant, dans les médias internationaux ou locaux, on ne voit que les forces de l'opposition, et on a relativement négligé la présence d'une grande partie de l'opinion publique libanaise, qui appuie une thèse de gouvernement proche de celle de Damas. C'est-à-dire qui défend la nécessité de maintenir des relations privilégiées entre Damas et Beyrouth. Ces manifestations nous aideront donc à équilibrer notre conception, et peut-être à équilibrer le jeu politique libanais.
Mike : Ne pensez-vous pas qu'il est grand temps pour les Européens de considérer le Hezbollah comme une organisation terroriste, afin de soutenir le mouvement démocratique au Liban ?
Burhan Ghalioun : Non, je pense qu'il est très dangereux de considérer un parti très populaire et qui ne commet pratiquement plus d'attentats depuis très longtemps comme une organisation terroriste. Le parti du Hezbollah s'est affirmé, pour l'ensemble de l'opinion publique libanaise et arabe, comme le parti de la résistance contre l'occupation israélienne. Le parti Hezbollah est un grand parti populaire qui a en même temps un bras militaire qu'il a utilisé pour libérer le territoire libanais (Sud-Liban) occupé par Israël. Le considérer comme une organisation terroriste risque d'aliéner à la fois l'opinion publique libanaise et l'opinion publique arabe, qui vont considérer cette assimilation comme un soutien à la politique israélienne. Elles vont interpréter cela comme visant à renforcer la position géopolique israélienne contre le Liban et la Syrie.
Daruma : MM. Assad et Lahoud ont fini leur entretien, et sans donner de calendrier sur le retrait syrien. Un bras de fer commence-t-il entre les deux hommes ?
Burhan Ghalioun : Mais ce sont des alliés, ils se sont entendus certainement sur un calendrier, mais ne l'ont pas rendu public. On considère MM. Lahoud et Assad comme faisant partie du même camp.
Cedar Révolution : Reste-t-il des soutiens à Bachar Al-Assad dans le monde arabe ?
Burhan Ghalioun : Je pense que le gouvernement syrien, le régime syrien s'est isolé effectivement dangereusement dans son environnement arabe. Cela en raison d'un ensemble d'erreurs que sa diplomatie a commises depuis plusieurs années, et notamment depuis l'assassinat de l'ex-premier ministre Rafic Hariri. Sans accuser Damas d'avoir commis cet attentat, les Saoudiens rendent la Syrie responsable, en partie du fait qu'elle contrôle la sécurité au Liban. La Syrie a commis beaucoup d'erreurs, notamment à l'égard de l'intervention américaine en Irak : elle a pris position pour la résistance au début de la guerre, avant de se rendre compte de la nécessité de répondre aux exigences américaines sur la livraison de terroristes. La Syrie a incité le Congrès américain à voter une loi sur les sanctions contre elle-même. La deuxième erreur, assez grave, est le comportement qui a conduit la France à élaborer puis à voter la résolution 1559 du Conseil de sécurité, qui impose à la Syrie de quitter immédiatement le Liban, de respecter sa souveraineté et son indépendance, alors que la France était pratiquement le soutien principal du régime syrien, en Europe et dans le monde occidental.
Houssam : Est-ce que, selon vous, cet élan de démocratie au Liban entre dans le cadre du projet américain, de "Grand Moyen-Orient" ?
Burhan Ghalioun : Je pense que l'on ne peut pas dissocier ce qui se produit au Liban, c'est-à-dire cette révolution démocratique, du contexte international marqué justement par la volonté des Américains d'imposer un nouvel ordre au Moyen-Orient. Mais cela ne réduit en rien le caractère authentiquement émancipateur de cet événement.
Cedar Révolution : Pourrait-on assister à la chute du régime alaouite, en Syrie, dans les prochaines semaines ?
Burhan Ghalioun : Non, je pense qu'on en n'est pas là. Je pense que le régime syrien aura à affronter une pression croissante de la part de l'Europe et des Etats-Unis, qui le déstabiliseront profondément dans les prochains mois.
Meriem : Pensez-vous que le Liban soit capable aujourd'hui d'assurer la stabilité et la sécurité sans aucune force étrangère ?
Burhan Ghalioun : Je ne pense pas que le Liban est aujourd'hui menacé concernant sa sécurité, extérieure du moins, et je pense que les Libanais sont aujourd'hui suffisamment matures pour prendre en charge leur sécurité intérieure, et même refonder une démocratie meilleure que ce qu'ils ont fait dans le passé.
Chat modéré par Martine Jacot et Stéphane Mazzorato

vendredi, mars 04, 2005

مستقبل العلاقات السورية اللبنانية


قبل مقتل الرئيس الحريري وسقوط حكومة عمر كرامي كانت العلاقات السورية اللبنانية تمر في أزمة عميقة. لكنها دخلت بعد عملية الاغتيال في محنة حقيقية. يمكن تبين معالم هذه المحنة في طبيعة الشعارات التي تطلقها قوى سياسية رئيسية في لبنان ضد الوجود السوري والتي يعكس خطورتها بشكل واضح التقاء القوى اللبنانية التي بقيت لعقدين متتاليين في مواجهة عسكرية مستمرة على العمل يدا بيد مع الولايات المتحدة وفرنسا لتصفية النفوذ السوري في لبنان كما يعبر عنها النزوح الجماعي للعمال السوريين الذين أدركوا بشكل عفوي تبدل اتجاهات الريح قبل أن تطاولهم مخالب الكراهية والاعتداءات العنصرية.
النتيجة الطبيعية المنتظرة لهذا الوضع الذي تتحمل فيه الحكومة السورية القسط الأكبر من المسؤولية هو القطيعة وزعزعة الاستقرار في البلدين معا. لكن ما يزال هناك بعض الوقت، وبعض الأمل في تجنب الوصول إلى هذه النتيجة. ذلك أن الأزمة لا تزال في بدايتها والتطورات اللاحقة ستتوقف على الطريقة التي ستترجم بها القوى المتنازعة جميعا نتائج هذا الانسحاب والأهداف التي ستحددها لسياساتها على طريق استغلاله والرد على آثاره معا، أي الطريقة التي ستحسم بها الأزمة الراهنة في هذه العلاقات. فإذا نجحت بعض أطراف المعارضة في ترجمة ديناميكية الرفض الشعبي المتزايد للحضور الأمني السوري إلى عداء لسورية يحرمها من أي موقع اكتسبته في لبنان في العقود الثلاث الماضية، أي إذا تحول انسحاب سورية إلى مناسبة للعودة بلبنان إلى نمط التحالفات المحلية والدولية التقليدية التي كانت تفرض عليه العمل في دائرة السياسات الغربية وربما إلى تحويله من جديد إلى مصدر ضغط وتهديد للأمن والاستقرار في سورية، فستكون النتيجة بالتأكيد السير السريع نحو قطيعة شبيهة بتلك التي عرفها البلدان عشية الانفصال عن الانتداب الفرنسي في الأربعينات، ومن وراء ذلك تنامي مشاعر العداء وسوء الفهم وانعدام الثقة والشك في لبنان وسورية معا.
ذلك أن مثل هذا التحول في اتجاه لبنان معاد لسورية سوف يضع النظام السوري في أزمة خطيرة داخل سورية نفسها. فهو لن يحرمه من أهم مسرح كان يستخدمه لخوض الصراعات التي اضطر إليها لترسيخ نفسه وتكريس هيمنته خارج أراضيه وبعيدا عن مواقعه الداخلية فحسب ولكن سيحول لبنان، أكثر من ذلك، إلى بؤرة تهديد لمصالحه الاستراتيجية التي تتعلق بحماية نفسه من الضغوط الخارجية ومن احتمال نشوء معارضة سياسية سورية مستقلة وقوية. ولا شك أن هناك قوى كثيرة لبنانية ودولية بدأت تعتقد اليوم، بعد فشل التعامل مع النظام السوري القائم، بأن لبنان جديدا معاديا لسورية أو خارجا عن نطاق سيطرتها يمكن أن يشكل حافزا قويا لنهضة المعارضة السورية وإغراءا كبيرا لها لاتخاذه منطلقا للوثوب إلى السلطة أو لبناء التحالفات الإقليمية والدولية الازمة للاقتراب منها.
لكن، بالمقابل، إذا لم يترجم الانسحاب السوري من لبنان بسيطرة التيارات اللبنانية المعادية لسورية أو بنزعة واضحة للتحالف مع القوى الدولية النازعة إلى تكثيف الضغوط على سورية لجرها إلى دائرة نفوذها واستخدامها كجزء من استراتيجتها العالمية فليس من المستبعد أن يتحول الانسحاب إلى فرصة جدية لإعادة بناء العلاقات السورية اللبنانية على أسس موضوعية وعقلانية، أي على احترام كل بلد لسيادة البلد الآخر الشكلية، أو على مظاهرها، لأنه لم يعد هناك في الواقع شيء آخر غير ذلك، والتعاون على توسيع دائرة المصالح المشتركة الاقتصادية.
وفي اعتقادي أن الحفاظ على إمكانية مثل هذا المخرج الايجابي لأزمة العلاقات السورية وتجنب القطيعة والعداء المتبادل هو الهدف الذي ترمي إليه الجامعة العربية وعلى رأسها أمينها العام عمرو موسى من تدخلها كوسيط ومن دعوتها إلى توفير ما أطلقت عليه مظلة عربية للانسحاب المنظور.
لكن تغليب مثل هذا الاحتمال يحتاج في الواقع إلى توفر حد كبير من العقلانية ومن رجاحة الرأي عند الطرفين: المعارضة اللبنانية والحكومة السورية معا. فكما أن في لبنان من يعتقد أن الفرصة لم تكن في أي فترة موائمة للعودة إلى لبنان ماقبل الحرب الأهلية كما هي عليه اليوم، بكل ما تعنيه من خيارات داخلية وخارجية، هناك أيضا في سورية قوى تعتقد أن الرد الوحيد على مخاطر زعزعة الاستقرار التي ينطوي عليها خروج لبنان من تحت السيطرة السورية يكمن في عملية استباقية لزعزعة الاستقرار في لبنان بل في المنطقة بأكملها.
ومما يساعد على السير في هذا الاتجاه هو سيطرة التصورات المبسطة والتبسيطية لطبيعة المصالح المختلفة التي تربط سوريا بلبنان ونعرة العصبية الوطنية التي تنزع إلى قبول المخاطرة والرد على انعدام روح المسؤولية عند الخصم بالاستهتار بالمصالح المشتركة أي بتبرير مماثل لانعدام المسؤولية. فكما أن من شأن التبسيط أن يقود إلى ردود أفعال سلبية تنعكس على العلاقات السورية بانهيار لا يمكن ترميمه قبل أمد طويل، تشكل النعرة الوطنية أكبر حافز للمزاودة اللاعقلانية. ويتطلب استبعاد الخيارات السلبية وتجنب اللجوء إلى الحلول المتطرفة السيطرة على أوهام الانتصار السهل من جهة وكابوس الهزيمة من جهة، والبحث عن الحلول المتفاوض عليها، أي إلى التحلي بالبصيرة والعقل في معالجة أزمة تتحكم القوى الخارجية بوسائل توجيهها وتخضعها لحسابها أكثر بكثير مما يمكن أن تفعله الأطراف المحلية، بالرغم من قوة الموجة الشعبية. وبالمثل ليس هناك ما يضمن أن لا تركب شبكات المصالح الضيقة أو المافيوزية رأسها وتسير وراء استراتيجيات تدميرية على مبدأ علي وعلى أعدائي، من دون أن تشعر بأي حرج إزاء ما يمكن أن ينجم عن أعمالها من أضرار بليغة على المصالح الوطنية السورية واللبنانية معا.
إن لسورية ولبنان مصالح قوية مشتركة بصرف النظر عن القوى التي تحكمهما أو تتحكم بسياستهما اليوم وفي المستقبل. ولا يمكن تجاهل هذه المصالح من دون تكبيد الشعوب في البلدين خسائر وربما مواجهات تقضي على الأمل عند شعبيهما. وما لم تؤخذ هذه المصالح بجدية ويتم تنظيمها على أسس عقلانية فسوف يكون الإغراء قويا لدى بعض القوى الانتهازية حتى لا أقول المافيوزية التي لا يهمها لا مصير لبنان ولا مصير سورية للاستفادة من ترابط المصالح الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية ، لتحقيق مآربها الخاصة والإساءة إلى البلدين معا. باختصار ما لم يتم الاعتراف بهذه المصالح المشتركة التي تخلقها وشائج القربى والاعتماد المتبادل والسياقات الجيوسياسية ومعالجتها على أسس التفاهم والتعاون الندي وتبادل المنافع فلن تقوم بين البلدين إلا علاقات من العداء والخصومة والتآمر المتبادل الذي يقود إلى زعزعة الاستقرار فيهما معا.
لكن الأهم من ذلك هو أن النفوذ السوري في لبنان لم يعد مسألة سورية بحت وإنما أصبح يشكل عنصرا رئيسيا في التوازنات الداخلية اللبنانية. وحتى لا يقود الانسحاب السوري من لبنان إلى انهيار هذه التوازنات وما يعنيه ذلك من احتمال تفجر النزاعات من جديد يحتاج اللبنانيون إلى تجديد أسس التفاهم الوطني الداخلي بل إلى تفاهم وطني يصلح لما بعد الحقبة السورية ويؤسس لإعادة بناء توازنات جديدة مستقرة. وهذا التفاهم غير موجود تلقائيا في اتفاقية الطائف التي أظهرت الوقائع أنها لم تكن قاعدة لتوازنات نسبية مؤقتة إلا بقدر ما كانت غطاءا للوصاية السورية المستمرة على لبنان.
هذا يعني أن الانسحاب السوري من لبنان يطرح بحدة لا مثيل لها إعادة التفكير في ما يجمع أطراف هذا البلد بعد أن غطت الوصاية السورية على غياب الاجماع بين الأطراف اللبنانية. واستعراض هذه الاتفاقية لا يعوض عن النقاش الجدي في العقد الوطني الذي يتحتم على اللبنانيين تجديده بعد انهيار عقد الوصاية السورية.
وفي اعتقادي إن الانصهار الوطني الذي برز على أثر مقتل الرئيس الحريري التراجيدي والذي فجر مشاعر الوحدة ضد الهيمنة الخارجية لن يصمد طويلا إذا لم تدرك النخبة السياسية اللبنانية دلالات ماحدث وتشرع منذ الآن في إحداث قطيعة حقيقية مع لبنان الطائفي الماضي من أجل بناء لبنان ديمقراطي جديد قائم على مبدأ المواطنية المتساوية الفردية ولا شيء للتجمعات الطائفية. فليس من الممكن في اعتقادي وضع حد نهائي للوصايات الخارجية، السورية وغير السورية، من دون وضع حد أسبق للوصايات الطائفية وإنهاء قاعدة توارث الزعامة والسلطة والمواقع والامتيازات. وليس من الممكن أيضا تحقيق خروج فعلي للقوات السورية ومن سيأتي بعدها من لبنان، ولا استعادة السيادة والاستقلال ما لم يخرج لبنان نفسه من ميثاق الطائفية الذي كان وسيبقى مصدر الطلب الدائم على التدخلات والوصايات الأجنبية. بهذا فقط يمكن لحدث اغتيال الحريري الذي أعاد توحيد لبنان باستشهاده أن يكون إعادة تأسيس للبنان بالفعل وبعثا جديدا له، أي اللحظة الفاصلة في الارتفاع بمحتوى الوطنية اللبنانية إلى مستوى القيم الديمقراطية وقطع الطريق على أي عودة نحو النزاعات الطائفية وما تنطوي عليه حتما من النزوع المتعدد الاطراف لدى اللبنانيين إلى استدراج عروض التدخلات والتحالفات الأجنبية للدفاع عن الامتيازات والمواقع الاستثنائية للزعامات الطائفية.

سورية ولبنان والمصير المشترك

الوطن 23 فبراير 2005

طرح اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري والجنازة الشعبية الاستثنائية التي رافقت مسيرته إلى مثواه الأخير، أكثر من القرار 1995، بصرف النظر عن المسؤول الحقيقي عن هذا الاغتيال، مسألة الانسحاب السوري من لبنان كما لم يحصل في أي وقت وكشف بالمناسبة نفسها عن الأزمة العميقة التي تضرب العلاقات السورية اللبنانية بالعمق والتي يهدد تفجرها بإعادة لبنان إلى دوامة العنف والفوضى من جديد. لا تنبع هذه الأزمة من غياب المصالح السورية اللبنانية ولا من تضاربها وإنما بالعكس تماما، أي من الوجود الموضوعي لمصالح كبرى جيوسياسية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية تحتم التعاون والتواصل العميق بين الشعبين من جهة وغياب الأسس السليمة التي تساعد على تأمين هذه المصالح وتنشيطها لصالح الشعبين وعلى المستويات الفردية والجماعية من جهة ثانية. وبسبب غياب الأسس السليمة، السياسية والقانونية، صارت هذه المصالح الموضوعية الكبرى عبئا على الشعبين نفسيهما بقدر ما مكنت أصحاب المصالح الاقتصادية الخاصة والشلل السياسية المتحالفة من الاستفادة من وجودها وتجيير الشرعية المرتبطة بها في سبيل بناء شبكات منافع اقتصادية أو سياسية تخدم أهداف فئات محدودة من البلدين على حساب فئات أخرى. وهكذا أصبحت الرابطة الاستثنائية القائمة فعليا بين البلدين مصدرا للقوة والثروة عند بعض الأطراف والفئات ووسيلة للعزل والتهميش والحرمان من المشاركة في السلطة والثروة والحق في الكلام في الوقت نفسه بالنسبة لأطراف أخرى إن لم نقل لأغلبية المجتمع في البلدين. وهكذا أصبحت العلاقات السورية اللبنانية، بالشكل الذي آلت إليه، منبعا لنزاعات سياسية واقتصادية وثقافية جديدة بدل أن تكون وسيلة لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار والنمو المشترك الذي يشكل هدفا رئيسيا لأي تعاون إقليمي.
فليس للصراع الذي تحول اليوم إلى قطيعة بين التآلف الحاكم وأطراف المعارضة المتعددة الاتجاهات حول إعادة النظر في حجم وطبيعة النفوذ السوري في لبنان هدفا آخر سوى إعادة بناء المعادلة السياسية والاجتماعية اللبنانية على أسس جديدة تتجاوز تلك التي كرسها حتى الآن التطبيق الجزئي والانتقائي لاتفاقية الطائف. وتتهم المعارضة سورية بأنها لا تتمسك بهذه الاتفاقية لحماية لبنان وضمان استقراره وأمنه بقدر ما تستخدمها في سبيل إبقاء البلد تحت وصاية دمشق وتحولها بالتالي إلى وسيلة لمكافأة القوى التي تعتمد عليها أو الموالية لها. وهو ما عبر عنه وضمنه أيضا استبعاد الأطراف العربية الأخرى بما في ذلك الجامعة العربية كما كان منتظرا عن الإشراف على تطبيقها وربط هذا التطبيق حصرا بإرادة دمشق.
لا ينطبق هذا التحليل على لبنان فحسب ولكنه ينطبق على سورية أيضا ولو بشكل آخر. فأغلبية المجتمع السوري لا ترى لنفسها أي مصلحة حقيقية في العلاقات المختلة القائمة بين البلدين . وفي الأصل لم يكن لسياسة التدخل في لبنان أي شعبية على الإطلاق منذ بدئه عام 1975. وقد بقي الرأي العام الذي قابله بصمت ومن دون أي حماس، بما في ذلك داخل أوساط حزب البعث الحاكم نفسه، ميالا خلال العقود الطويلة السابقة إلى التشكيك في قيمته وجدواه، وهو ما حدا بأجهزة الدعاية السياسية والإعلامية السورية إلى جعل مسألة التدخل السوري في لبنان من المحرمات التي يمنع الحديث فيها لأي كان وإلى اعتبارها قرارا مباشرا صدر عن رئيس ملهم ولا يمكن أن يخضع بالتالي، لا في داخل النظام ولا خارجه، لأي نقاش أو مراجعة. وقد تنامى في ما بعد الشعور عند قطاعات واسعة من الرأي العام، وبشكل أوضح اليوم، بأن الحضور السوري المباشر والكثيف في لبنان، لا يهدف إلى شيء ولا يخدم هدفا آخر سوى تعزيز قوة السلطة الأمنية وتكريسها في سورية أساسا وفي موازاة ذلك تأمين شبكات المصالح الفئوية المشتركة التي نمت وترعرعت على هامش هذه السلطة والسيطرة الأمنية في البلدين.
ويعتقد الكثير من السوريين أن الحكم في سورية يستخدم نفوذه في لبنان وما يقدمه له هذا النفوذ من موارد مادية وغير مادية، سياسية وإعلامية، في سبيل التمكين لنفسه في سورية وتشديد قبضته على مجتمعها وضمان استبعاده من أي قرار. ولهذا فهو يرى أن انحسار النفوذ السوري في لبنان هو انحسار لنفوذ الحكم القائم في سورية وإضعاف له بالدرجة الأولى. وباستثناء أولئك الذين جعلوا من لبنان مرتعا لمصالح استثنائية اقتصادية وسياسية معا، قليل جدا هم المثقفون أو السياسيون الذين أظهروا حماسا، بما في ذلك داخل حزب البعث الحاكم، للإبقاء على هذا النفوذ أو لمعارضة الانسحاب السوري من لينان.
بالتأكيد هناك قلق عند مئات آلاف العمال السوريين الذين يعملون في لبنان، أو يحلمون بالعمل الوقتي فيه لتحسين شروط معيشتهم اليومية، من أن يؤدي هذا الانسحاب إلى خروجهم من لبنان. كما أن هناك قطاعات واسعة من الرأي العام تخشى أن يعني هذا الانسحاب تراجعا عن سياسة مقاومة إسرائيل التي يعبر عنها وجود حزب الله في الجنوب وهو الحزب الذي تحول إلى رمز للمقاومة العربية الناجحة ضد حركة التوسع والاستيطان الاسرائيليين.
لكن ليس هناك من يعتقد أن التمسك بنمط من العلاقات غير المتوازنة يمكن أن يشكل ضمانة لبقاء العمال السوريين أو لحماية حركة المقاومة ضد إسرائيل. وربما اعتقدت أغلبية السوريين، بالعكس من ذلك، أنه لا توجد أي علاقة بين تواجد مئات الألوف منهم للبحث عن لقمة عيشهم في لبنان والعلاقات المختلة وغير المتكافئة التي تثير حساسيات قوية ضدهم وتعرضهم لنقمة قطاعات واسعة من اللبنانيين. والواقع أن وجود مئات آلاف العمال السوريين لم يرتبط بالتدخل العسكري ولا الأمني السوري ولكنه شكل جزءا من العلاقات الثابتة والطبيعية بين قطرين متجاورين تربط بين مجتمعيهما وشائج قربى ثقافية واجتماعية كثيرة. فهو وجود لم ينقطع منذ عقود بسبب جاذبية الاقتصاد اللبناني وديناميته بالمقارنة مع ما اتسم به النظام الاقتصادي السوري من جمود وركود. ثم إن وجود السوريين بمئات الآلاف في لبنان بحثا عن العمل يعبر هو نفسه عن إخفاق إخفاق النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم في سورية منذ أكثر من أربعين عاما في تحقيق التنمية وتوفير فرص عمل شريف للسورييين في بلدهم. وعلى العموم ليس هناك أي شعور فعلي عند الرأي العام السوري بأن نمط العلاقات القائم اليوم بين البلدين يخدم مصالح الشعب السوري أو يساهم في الدفاع عنها بقدر ما يعكس مصالح ما يسميه البعض القاعدة الاجتماعية للنظام السوري اللبناني الموحد ويؤمن له أفضل الشروط لتجديد سيطرته وتخليدها.
بالتأكيد ليس الخلل في العلاقات السورية اللبنانية القائمة وما يشكله من إجحاف بحق أغلبية المجتمعين السوري واللبناني لصالح فئات ضيقة ومحدودة هو السبب الوحيد بل المباشر لاندلاع الصراع المتفجر اليوم في لبنان والذي كان الرئيس الحريري ضحيته المباشرة. فمن الصعب فهم هذا الصراع إذا لم نأخذ بالاعتبار الحقيقة الأكبر ألا وهي أن الأرض قد بدأت تميد فعلا تحت أقدام النظام السوري اللبناني القائم بسبب اختلال المعادلة الجيوستراتيجية وتبدل موازين القوة الإقليمية. فهو نتيجة مباشرة لحركة الانحسار المتواصل لدور سورية الإقليمي في إطار إعادة ترتيب الأوضاع الشرق أوسطية على نار الحرب والتهديدات الأمريكية الاسرائيلية. لكن ليس هناك شك في أن هذا الاختلال في الموازين الجيوستراتيجية ما كان سيقود إلى النزاع الراهن لو كانت العلاقات السورية اللبنانية قائمة على أسس متينة سياسيا وقانونيا وإنسانيا. لكن بسبب وجود قوى واسعة اجتماعية وسياسية عديدة غير راضية بالرغم من أنها خضعت أو أخضعت بالقوة، كان من الطبيعي أن يقود تغير المعادلة الدولية والإقليمية إلى تشجيع هذه القوى على الخروج عن صمتها والمطالبة بتغيير نمط العلاقات القائمة نحو صيغة تضمن لها استرجاع مواقعها أو الدفاع عن حقوقها، أي بإنهاء عصر الامتيازات والحظوات. وخطأ السلطات السورية التي تتعرض لضغوط متنامية لسحب قواتها من لبنان هو أنها لم تدرك هذا التبدل العميق في موازين القوة الإقليمية والدولية أو أنها اعتقدت أن بإمكانها الانخراط في المعادلة الجيوستراتيجية الأمريكية الجديدة مع الاحتفاظ بصيغة العمل الماضية وبالمكاسب الاستثنائية نفسها التي كانت قد حصلت عليها في الحقبة السابقة. وقد حاولت في الحقيقة أن تطبق في لبنان ما طبقته حتى الآن بنجاح في سورية نفسها، أي الانتقال من سياسة "الثورة الاشتراكية وحكم العمال والفلاحين" إلى سياسة الانفتاح والليبرالية الاقتصادية والرهان على الاستثمارات الخاصة في إطار النظام السياسي ذاته ومع الحفاظ على قاعدة المصالح الاجتماعية القديمة نفسها. ولو أنها قبلت في أن تعيد النظر في طبيعة تحالفاتها السياسية والاجتماعية القائمة في لبنان لصالح توسيع دائرتها والانفتاح بشكل أكثر على القوى المتضررة والمغبونة لما اندلع هذا الصراع ولما اضطرت إلى الدخول في المواجهة الخطيرة الراهنة، حتى مع تبدل الظروف الجيواستراتيجية الإقليمية. لكن كما أنها لا تستطيع في سورية ضمان السيطرة الشاملة التي تجعلها تتحكم بموارد البلاد بشكل كلي من دون الانغلاق على القسم الواسع من القوى الاجتماعية واستبعادها وإقصائها عن حقل السياسة بكل الوسائل، فهي لا تستطيع أيضا أن تضمن وصايتها الخارجية على لبنان من دون أن تقيم وصاية داخلية لقسم من اللبنانيين الموالين لها على بقية شعب لبنان.
بمعنى آخر، ما كان من الممكن إصلاح نظام العلاقات السورية اللبنانية من دون إصلاح النظامين السوري واللبناني كليهما من الداخل، أعني من دون توجهات ديمقراطية حقيقية تدفع إلى إقامة نظم سياسية اجتماعية جديدة تستند على الحق والقانون واحترام المصالح العامة وتمكن جميع الأفراد أيضا من المشاركة الفعالة والايجابية في الحياة العامة. أي من دون كسر نظام الاحتكار، احتكار السلطة والثروة والجاه الذي يقود حتما، في كل مكان وزمان، إلى الثورة والانفجار. ولكن للأسف ربما فات الأوان.

mercredi, mars 02, 2005

نحو بعث جديد للوطنية اللبنانية

الاتحاد 2 مارس 2005

قبل مقتل الرئيس الحريري وسقوط حكومة كرامي كانت العلاقات السورية اللبنانية تمر في أزمة عميقة. لكنها دخلت بعد ذلك في محنة حقيقية. يمكن تبين معالم هذه المحنة في طبيعة الشعارات التي تطلقها قوى سياسية رئيسية في لبنان ضد الوجود السوري والتي يعكس خطورتها بشكل واضح التقاء القوى اللبنانية التي بقيت لعقدين متتاليين في مواجهة عسكرية مستمرة على العمل يدا بيد مع الولايات المتحدة وفرنسا لتصفية النفوذ السوري في لبنان، كما يعبر عنها النزوح الجماعي للعمال السوريين الذين أدركوا بشكل عفوي تبدل اتجاهات الريح قبل أن تطالهم مخالب الكراهية والاعتداءات العنصرية. النتيجة الطبيعية المنتظرة لهذا الوضع الذي تتحمل فيه الحكومة السورية القسط الأكبر من المسؤولية هو القطيعة وزعزعة الاستقرار في البلدين معاً. لكن ما يزال هناك بعض الوقت، وبعض الأمل في تجنب الوصول إلى هذه النتيجة. ذلك أن الأزمة لا تزال في بدايتها والتطورات اللاحقة ستتوقف على الطريقة التي ستترجم بها القوى المتنازعة جميعاً نتائج هذا الانسحاب والأهداف التي ستحددها لسياساتها على طريق استغلاله والرد على آثاره معاً، أي الطريقة التي ستحسم بها الأزمة الراهنة في هذه العلاقات. فإذا نجحت بعض أطراف المعارضة في ترجمة ديناميكية الرفض الشعبي المتزايد للحضور الأمني السوري إلى عداء لسوريا يحرمها من أي موقع اكتسبته في لبنان في العقود الثلاثة الماضية، أي إذا تحول انسحاب سوريا إلى مناسبة للعودة بلبنان إلى نمط التحالفات المحلية والدولية التقليدية التي كانت تفرض عليه العمل في دائرة السياسات الغربية وربما إلى تحويله من جديد إلى مصدر ضغط وتهديد للأمن والاستقرار في سوريا، فستكون النتيجة بالتأكيد السير السريع نحو قطيعة شبيهة بتلك التي عرفها البلدان عشية الانفصال عن الانتداب الفرنسي في الأربعينيات، ومن وراء ذلك تنامي مشاعر العداء وسوء الفهم وانعدام الثقة والشك في لبنان وسوريا معاً.ذلك أن مثل هذا التحول في اتجاه لبنانٍ معادٍ لسوريا سيضع النظام السوري في أزمة خطيرة داخل سوريا نفسها. فهو لن يحرمه من أهم مسرح كان يستخدمه لخوض الصراعات التي اضطر إليها لترسيخ نفسه وتكريس هيمنته خارج أراضيه وبعيداً عن مواقعه الداخلية فحسب ولكن سيحول لبنان، أكثر من ذلك، إلى بؤرة تهديد لمصالحه الاستراتيجية التي تتعلق بحماية نفسه من الضغوط الخارجية ومن احتمال نشوء معارضة سياسية سورية مستقلة وقوية.
ولا شك أن هناك قوى كثيرة لبنانية ودولية بدأت تعتقد اليوم، بعد فشل التعامل مع النظام السوري القائم، بأن لبناناً جديداً معادياً لسوريا أو خارجاً عن نطاق سيطرتها يمكن أن يشكل حافزاً قوياً لنهضة المعارضة السورية وإغراءً كبيراً لها لاتخاذه منطلقاً للوثوب إلى السلطة أو لبناء التحالفات الإقليمية والدولية اللازمة للاقتراب منها. لكن، بالمقابل، إذا لم يترجم الانسحاب السوري من لبنان بسيطرة التيارات اللبنانية المعادية لسوريا أو بنزعة واضحة للتحالف مع القوى الدولية النازعة إلى تكثيف الضغوط على سوريا لجرها إلى دائرة نفوذها واستخدامها كجزء من استراتيجيتها العالمية، فليس من المستبعد أن يتحول الانسحاب إلى فرصة جدية لإعادة بناء العلاقات السورية اللبنانية على أسس موضوعية وعقلانية، أي على احترام كل بلد لسيادة البلد الآخر الشكلية، أو على مظاهرها، لأنه لم يعد هناك في الواقع شيء آخر غير ذلك، والتعاون على توسيع دائرة المصالح المشتركة الاقتصادية. لكن تغليب مثل هذا الاحتمال يحتاج في الواقع إلى توفر حد كبير من العقلانية ومن رجاحة الرأي عند الطرفين: المعارضة اللبنانية والحكومة السورية معاً. فكما أن في لبنان من يعتقد أن الفرصة لم تكن في أية فترة موائمة للعودة إلى لبنان ما قبل الحرب الأهلية كما هي عليه اليوم، بكل ما تعنيه من خيارات داخلية وخارجية، هناك أيضاً في سوريا قوى تعتقد أن الرد الوحيد على مخاطر زعزعة الاستقرار التي ينطوي عليها خروج لبنان من تحت السيطرة السورية يكمن في عملية استباقية لزعزعة الاستقرار في لبنان بل في المنطقة بأكملها. ومما يساعد على السير في هذا الاتجاه هو سيطرة التصورات المبسطة والتبسيطية لطبيعة المصالح المختلفة التي تربط سوريا بلبنان ونعرة العصبية الوطنية التي تنزع إلى قبول المخاطرة والرد على انعدام روح المسؤولية عند الخصم بالاستهتار بالمصالح المشتركة أي بتبرير مماثل لانعدام المسؤولية. فكما أن من شأن التبسيط أن يقود إلى ردود أفعال سلبية تنعكس على العلاقات السورية بانهيار لا يمكن ترميمه قبل أمد طويل، تشكل النعرة الوطنية أكبر حافز للمزاودة اللاعقلانية.
ويتطلب استبعاد الخيارات السلبية وتجنب اللجوء إلى الحلول المتطرفة السيطرة على أوهام الانتصار السهل من جهة وكابوس الهزيمة من جهة أخرى، والبحث عن الحلول المتفاوض عليها، أي إلى التحلي بالبصيرة والعقل في معالجة أزمة تتحكم القوى الخارجية بوسائل توجيهها وتخضعها لحسابها أكثر بكثير مما يمكن أن تفعله الأطراف المحلية، بالرغم من قوة الموجة الشعبية. وبالمثل ليس هناك ما يضمن ألا تركب شبكات المصالح الضيقة أو المافيوزية رأسها وتسير وراء استراتيجيات تدميرية على مبدأ علي وعلى أعدائي، من دون أن تشعر بأي حرج إزاء ما يمكن أن ينجم عن أعمالها من أضرار بليغة على المصالح الوطنية السورية واللبنانية معاً.
إن لسوريا ولبنان مصالح قوية مشتركة بصرف النظر عن القوى التي تحكمهما أو تتحكم بسياستهما اليوم وفي المستقبل. ولا يمكن تجاهل هذه المصالح من دون تكبيد الشعوب في البلدين خسائر وربما مواجهات تقضي على الأمل عند شعبيهما. وما لم تؤخذ هذه المصالح بجدية ويتم تنظيمها على أسس عقلانية فسيكون الإغراء قوياً لدى بعض القوى الانتهازية حتى لا أقول المافيوزية التي لا يهمها لا مصير لبنان ولا مصير سوريا للاستفادة من ترابط المصالح الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية، لتحقيق مآربها الخاصة والإساءة إلى البلدين معاً.
لكن الأهم من ذلك هو أن النفوذ السوري في لبنان لم يعد مسألة سورية بحتة وإنما أصبح يشكل عنصراً رئيسياً في التوازنات الداخلية اللبنانية. وحتى لا يقود الانسحاب السوري من لبنان إلى انهيار هذه التوازنات وما يعنيه ذلك من احتمال تفجر النزاعات من جديد يحتاج اللبنانيون إلى تجديد أسس التفاهم الوطني الداخلي بل إلى تفاهم وطني يصلح لما بعد الحقبة السورية ويؤسس لإعادة بناء توازنات جديدة مستقرة. وهذا التفاهم غير موجود تلقائياً في اتفاقية الطائف التي أظهرت الوقائع أنها لم تكن قاعدة لتوازنات نسبية مؤقتة إلا بقدر ما كانت غطاءً للوصاية السورية المستمرة على لبنان. هذا يعني أن الانسحاب السوري من لبنان يطرح بحدة لا مثيل لها إعادة التفكير في ما يجمع أطراف هذا البلد بعد أن غطت الوصاية السورية على غياب الإجماع بين الأطراف اللبنانية. واستعراض هذه الاتفاقية لا يعوض عن النقاش الجدي في العقد الوطني الذي يتحتم على اللبنانيين تجديده بعد انهيار عقد الوصاية السورية.
اعتقادي أن الانصهار الوطني الذي برز على أثر مقتل الرئيس الحريري التراجيدي والذي فجر مشاعر الوحدة ضد الهيمنة الخارجية لن يصمد طويلا إذا لم تدرك النخبة السياسية اللبنانية دلالات ما حدث وتشرع منذ الآن في إحداث قطيعة حقيقية مع لبنان الطائفي الماضي من أجل بناء لبنان ديمقراطي جديد قائم على مبدأ المواطنية المتساوية الفردية ولا شيء للتجمعات الطائفية.

mercredi, février 16, 2005

الصراع على لبنان

الاتحاد 16 فبراير 2005

شكل اغتيال الرئيس الحريري في 14 فبراير الجاري ضربة قوية للمعارضة اللبنانية التي فقدت بتغييبه شخصية استثنائية تلتقي عندها خطوط وطنية لبنانية وإقليمية ودولية عديدة تجعل منها القطب السياسي الوحيد القادر على إعادة تركيب لبنان سياسي بديل كان من الممكن أن يسد فراغ ما بعد الحقبة السورية. لقد كان السؤال المطروح قبل أيام يتعلق في ما إذا كان تطبيق قرار مجلس الأمن 1559 وما يتضمنه من انسحاب القوات السورية من لبنان سيكون ثمرة تفاهم سوري لبناني يضمن استمرار الأمن والاستقرار في البلاد أم سيكون بالإكراه ونتيجة الضغوط الخارجية وانصياعا لها. لكن تحول الوضع اليوم فأصبح السؤال يتعلق في ما إذا كان لبنان سيحتفظ باستقراره أم أنه سيتحول من جديد إلى ساحة للمواجهة الإقليمية والدولية.
كان الانسحاب السوري من لبنان عن طريق التفاهم سيفرض على سورية التراجع أو الانكفاء لكن مع الاحتفاظ بمواقع ثابتة وقوية تعزز قدرتها على الاستمرار في مقاومة الضغوط الأجنبية، في حين أن إخراجها بالقوة والإكراه يمثل تحديا كبيرا للنظام القائم فيها ويجعل من الانسحاب منعطفا خطيرا في سلسلة الانهيارات التي تعاني منها المواقع الإقليمية السورية منذ أن بدأت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة في الشرق الأوسط في سياق ما أطلقت عليه اسم الحرب على الإرهاب.
وقد أظهر تعيين السيد وليد المعلم في بداية هذا العام مساعدا لوزير الخارجية السورية ثم تكليفه بالملف اللبناني وإرساله في مهمة تفاهم مع أطراف المعارضة اللبنانية الشهر الماضي مدى إدراك القيادة السورية لأهمية هذه المسألة وحساسيتها بالنسبة للوضع السوري. فقد بذلت سورية جهودا استثنائية لتغيير أسلوب عملها الذي يعتمد بشكل مباشر على الإدارة الأمنية لتلتقي مع تطلعات المعارضة اللبنانية على أمل أن يمكنها ذلك من إدارة عملية الانسحاب العسكري من لبنان عبر تفاهم سوري لبناني وليس كتنفيذ للقرار الدولي الذي تتشبث بتطبيقه الولايات المتحدة وفرنسا. لكن مهمة وليد المعلم لم تتكلل بالنجاح ولم تحدث النتائج المتوقعة. وجاءت زيارة كوندوليزا رايس للشرق الأوسط وأوروبة لتعزز الانطباع بأنه لم يعد لدى سورية خيارات أخرى سوى الانسحاب من لبنان تنفيذا للقرار الدولي. وأكملت زيارة المبعوث الدولي لارسن إلى بيروت ودمشق إغلاق الحلقة فدخلت القضية اللبنانية في طريق مسدودة تماما.
لكن في ما وراء المعارضة اللبنانية يوجه اغتيال الحريري ضربة قوية للتحالف الأمريكي الفرنسي الذي تبنى عملية تصفية النفوذ السوري في لبنان والذي يجد نفسه في وضع يفرض عليه المواجهة بطريقة لم يكن يتوقعها وبالتأكيد لم يحسب لها. وسواء أكان منفذو العملية من الجماعات الإسلامية كما تدعي جماعة النصرة والجهاد أم من غيرها، فليس هناك شك في أن ما حصل في بيروت قد خدش الصدقية الاستراتيجية للتحالف الأمريكي الأوروبي الذي أخذ على عاتقه ضمان سيادة لبنان وإخراج القوات الأجنبية منه في الوقت الذي أثبت فيه أنه غير قادر على حماية شخصيات المعارضة اللبنانية وضمان أمنها وحياتها. ولا يمكن أن تشكل المطالبة الفرنسية بتحقيق دولي ولا السعي إلى الخروج بقرار من الأمم المتحدة يدين العملية ويعاقب منفذيها ردا على مستوى التحدي قادرا على تطمين القوى اللبنانية التي تجد نفسها عارية في مواجهة لا تملك وسائل الصمود فيها أو على وضع حد للتهديد الفعلي بتفجير الوضع اللبناني بحيث يصبح تطبيق قرار مجلس الأمن 1559 أمرا ثانويا بالمقارنة مع مخاطر جر البلاد إلى العنف والفوضى الشاملة.
لكن الضربة التي وجهت للمعارضة اللبنانية ومن ورائها للتحالف الأوروبي الأمريكي الساعي إلى استعادة سيادة لبنان أو إعادته إلى منطقة النفوذ الغربية بعد أن بقي لعقود طويلة منطقة نفوذ خاصة لن يقدم خدمة كبيرة لسورية التي ليس لديها بديل عن التفاهم مع الغرب في أي محاولة للإصلاح الداخلي وايجاد حل للتحديات الكبيرة التي تواجهها سواء ما تعلق منها بفتح المفاوضات السياسية لاستعادة الجولان المحتل أو بتحسين شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو بتحديث بنياتها ومؤسساتها أو حتى بالحفاظ على أمنها الداخلي والخارجي. وكائنا من كان المنفذ لهذه العملية ستجد دمشق نفسها في موقع الاتهام مهما كانت الحقيقة، أولا بسبب ما تلعبه من دور إستثنائي في ضمان الأمن اللبناني وثانيا لأن اختياراتها السياسية تتعارض بشكل واضح وعلني مع اختيارات المعارضة وهي لا تخفي معارضتها القوية لتطبيق القرار الفرنسي الأمريكي. وسوف تظهر هذه العملية بسرعة على أنها هدية مسمومة.
بالتأكيد لن تفكر لا الولايات المتحدة ولا فرنسا بإرسال قوات إلى لبنان لضمان تطبيق قرار مجلس الأمن بالقوة أو لحماية لبنان من الانحدار نحو الفوضى. وليس لهما أي مصلحة في ذلك بينما لا يزال من غير المعروف في ما إذا كانت واشنطن ستنجح في إطفاء النار التي اشعلتها سياستها الحمقاء في العراق. لكن من الخطأ أيضا الاعتقاد بأن التحالف الاوروبي الأمريكي لا يملك خيارات عديدة أو أنه يفتقر إلى وسائل العمل لمتابعة سياسته في لبنان. ومن الخطأ أيضا الاعتقاد بأن واشنطن لا تستطيع أو أن لا مصلحة لها بلعب ورقة زعزعة الاستقرار وتفجير الوضع اللبناني وربما السوري أيضا إذا شعرت بأنه ليس لها خيار آخر لضمان تحقيق أهدافها والدفاع عن مخططاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
كل الدلائل تشير إذن إلى أن عملية اغتيال الحريري لن تكون حدثا منفردا ولكن حلقة اولى في الحرب الإقليمية والدولية التي بدأت للسيطرة على لبنان، ومن ورائه على سورية، وذلك منذ التصويت على قرار مجلس الأمن الداعي إلى استعادة سيادة لبنان والذي لم يكن يعني، ليس بالنسبة لسورية فحسب ولكن بالنسبة للعديد من قطاعات الرأي العام العربي والإسلامي أيضا، استعادة السلطة في لبنان من قبل القوى المعادية للوجود السوري وإعادة لبنان نفسه إلى فلك السياسة الغربية وربما تحويله من جديد إلى شوكة في خاصرة النظام السوري بعد أن كان شوكة في خاصرة خصومه. وهو ما يعني أيضا احتمال تحويله إلى نافذة للريح التي ستعصف بالأمن السوري الداخلي وربما الخارجي أيضا. وهذا ما لم تخفه المعارضة اللبنانية أو بعض أطرافها كما لا تخفيه تصريحات الثنائي الفرنسي الأمريكي أيضا.
تبرهن عملية اغتيال الحريري التي استهدفت قطب الرحى في التحالف السياسي اللبناني البديل لما بعد الحقبة السورية أنه لا يزال في الوضع العربي القديم، بتشكيلاته وتياراته ومنظماته المختلفة وأحيانا المتناقضة، وبالرغم من حالة الاهتراء الذي يعاني منها، قوى قادرة على المقاومة وركب المخاطر. وليس السبب في ذلك ما تملكه هذه القوى من الجرأة على رد التحدي ولا التمسك بمباديء أو شعارات وطنية أو دينية أو حتى أخلاقية كما يببدو للوهلة الأولى، بل ولا الاعتقاد بالاستناد على قاعدة شعبية ومن باب أولى بوجود مثل هذه القاعدة، وإنما لإدراك هذه القوى الصحيح لمسألتين: أولا أن مشروع الإصلاح الشرق أوسطي الذي ارتبط به استعادة النفوذ الغربي لا يحظى بالحماس الشعبي إن لم نقل إنه يستفز في العديد من جوانبه، المشاعر والاعتقادات الوطنية العربية وبالتالي فليس له ولا للسياسات المرتبطة به والتحالفات المحلية المعتمدة عليه تغطية معنوية وسياسية فعلية. وثانيا أن ضعف الإرادة والتناقض والتردد وانعدام الحسم هو الذي يسم سياسات التحالف الأوروبي الامريكي في العمق بالرغم من الشكل العنتري الذي يتخذه خطاب الدبلوماسية الغربية التي تبنت وتتبنى مشروع الإصلاح في الشرق الأوسط الكبير أو الصغير. أي باختصار لأن هذه القوى القديمة تعتقد عن حق بأن مشاريع الاصلاح والديمقراطية المطروحة من قبل واشنطن وغيرها ليست جدية ولكنها أوراق ضغط فحسب وأنه لا تزال هناك بالتالي فرصة للتفاهم ولعقد صفقة جديدة بين مشاريع السيطرة المحلية القائمة ومشاريع السيطرة الأجنبية أو بالأحرى لتجديد عقد الايجار المعتمد لحماية النظام الإقليمي شبه الاستعماري القائم.

lundi, février 07, 2005

العنف المولد للعنف

الاتحاد 7 فراير 2005

نجحت الولايات المتحدة ومن خلفها مجموعة الدول الصناعية في إقناع العالم أجمع، بما في ذلك النخب العربية والاسلامية بأن العنف هو الشر الأول الذي تعاني منه البشرية المعاصرة وأن الحرب الشاملة ضد العنف هي الحرب المقدسة الوحيدة التي تجتمع حولها وينبغي أن تتوحد عبرها جميع شعوب المعمورة. ليس من المهم بالنسبة لأنصار الحرب الشاملة ضد الارهاب تعريف العنف وأقل من ذلك البحث في أسبابه وشروط نشوئه وتناميه وتفجره. فتلك أمور بسيطة سهلة الإدراك وواضحة وضوح الشمس. ويكفي كي نتأكد من ذلك أن ننظر في سيرة أسامة بن لادن أو أيمن الظواهري أو الزرقاوي ونقرأ رسائلهم وتوصياتهم. فهم رمز العنف وتجسيده. وفي خطابهم يمكن الكشف أيضا عن منطقه. إنه التعصب الديني وبالأخص التعصب الديني الاسلامي الذي نشأ في حضن ثقافة تقليدية منغلقة بعيدة عن العصر ومعادية لقيم التحرر والانعتاق والعقل.
اجتثات جذورالعنف وتجفيف ينابيعه يمران إذن ببساطة باجتثاث حركات العنف وتجفيف ينابيع العقائد والمعتقدات التي وسمت بالاسلامية أو بالاسلام السياسي. ويمر هذا الاجتثاث والتجفيف عبر إغلاق الحسابات المالية للمنظمات الارهابية وتحريم أي تبرعات لصالح ما يشك أنه منظمات لها علاقة بالاسلام السياسي يمكن أن تستفيد منها وتوسيع دائرة التنسيق الأمني بين أجهزة أمن جميع البلدان وتكوين التحالفات الدولية الضرورية لشن الحرب حيث يكون ذلك ضروريا، كما حصل في أفغانستان وفي العراق وكما يمكن أن يحصل في بلدان أخرى.
ليس من المستغرب والحالة هذه أن تأتي نتائج الحرب العالمية ضد الارهاب لتعكس الافلاس السياسي والانحطاط الأخلاقي معا لمنظريها ومخططيها وممارسيها. فبالرغم من مليارات الدولارات التي أنفقتها الولايات المتحدة ولا تزال تنفقها مع حلفائها من الدول الصناعية للحد من الإرهاب العالمي لم يتقلص حجم التهديدات الناشئة عن الارهاب ولكنه تفاقم كما لم يحصل في أي حقبة سابقة. وهو ما ذكره الرئيس الفرنسي نفسه في تصريح له أواخر شهر ديسمبر الجاري أثار استياء الإدارة الأمريكية. والانحطاط الأخلاقي لأن أنصار الحرب العالمية ضد الارهاب يجدون أنفسهم مضطرين إلى القبول بمعايير سلوك كانوا قد جعلوا من وضع حد لها المبرر الأخلاقي للحرب. وتشعر قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي بأن حرب الارهاب تقود بشكل متزايد نحو القبول بانتهاكات الحقوق الانسانية وتبرير ممارسات لا أخلاقية ولا إنسانية سواء ما تعلق منه بالقتل الجماعي والتمييز العنصري والتلاعب بالقانون كان من الصعب السماح بها من قبل.

يشكل تفكيك شبكات التنظيم العسكري والتمويل المادي لحركات العنف هدفا لا شك في أهميته في أي خطة جدية للقضاء على مصادر العنف والجريمة في العالم. لكن كما بينت السنوات القليلة الماضية بشكل ملموس يمكن لاستراتيجية الاجتثاث الأمني للعنف أن يقود إلى نتائج معاكسة ويخلق بالتالي شروطا أكثر ملاءمة لتفريخ حركات العنف الجديدة وتوسيع دائرة عملها وانتشارها إذا لم تندرج منذ البداية ضمن خطة شاملة للتهدئة الإقليمية والوطنية والاجتماعية، أي لبسط الأمل والأمن وفتح آفاق اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية أمام جميع شعوب المنطقة وطبقاتها الاجتماعية وقطاعات رأيها العام السياسية والعقائدية. فلن يكون للحرب ضد الارهاب أي نتيجة ايجابية ولن تساهم في استتباب الأمن والسلام الأهلي والإقليمي والعالمي ما لم تتجاوز المفاهيم التقنية التي استبدت بها وما لم تعمل على تغيير التربة التي يعشش فيها العنف وتشكل الحاضنة الحقيقية لكل بذور الارهاب· وهذه التربة ليست شيئا آخر سوى الأزمة الشاملة التي قادت إليها سياسات الهيمنة وتقاسم النفوذ الغربية والنزاعات المتعفنة والسلطات التعسفية والديكتاتوريات المقيتة والبليدة والنظم الأبوية المتخلفة وحالة التقهقر الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة العربية·
وليس من المبالغة القول إن مصير المنطقة التي أصبحت مسرحا لحرب عالمية تقودها الدول الصناعية الكبرى ضد الارهاب، بتأييد أممي أم من دونه، يبدو اليوم، أكثر من أي حقبة سابقة، معلقا على رؤية هذه الدول لواقع المنطقة وتصورها لدورها وموقعها في التحولات العالمية والمكانة التي تريد أن تعطيها لها في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية. هل ستظل كما كانت في السابق رهينة منطق تأمين الطاقة العالمية المضمونة والرخيصة وتنظيم سوق النفط من جهة ومنطق الفراغ الاستراتيجي الذي يشكل الحزام العازل الذي يحتاج إليه ضمان السلام والتقدم والازدهار في "أرض اسرائيل الكبرى" من جهة ثانية، أم سيكون مصيرها المشاركة، حسب امكاناتها وموقعها، في النشاطات الدولية إلى جانب الدول الأخرى النامية وغير النامية، ويتطلب بالتالي تثمير مواردها البشرية والطبيعية وتأهيلها للاندماج النشيط والمنتج في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية الدولية وتحمل المسؤوليات التي تقع على كاهلها في إطار بناء أي سياسة عالمية.
إذا كان الخيار الأول هو المقصود فلن تكون الحرب العالمية المعلنة والمخاضة اليوم على تراب العالم العربي ضد الارهاب سوى مقدمة نحو محاصرة هذا العالم بصورة أشد وتعزيز تهميشه وفرض الوصاية والحماية عليه وتركه مسرحا سائبا للنزاعات الاقليمية والوطنية التي تفتك بشعوبه وتشل إرادة مجتمعاته، وفي موازاة ذلك وبالارتباط بهذه الأهداف، تدعيم أنظمة القهر والاستبداد والعنف الأعمى التي لا يمكن من دونها ضمان مثل هذا التهميش وتلك السيطرة والوصاية الخارجيتين. أما إذا كان الخيار الثاني هو المقصود، فسيكون من الضروري تبني سياسات عقلانية وبناءة تعزز قدرة العالم العربي على الانتقال، كما حدث في أمريكا اللاتينية منذ الثمانينات من القرن الماضي، من سياسات السيطرة والعزل والتهميش وتمكين النظم الديكتاتورية نحو سياسات قائمة بالعكس على خلق الفرص الجديدة والآمال، أي في النهاية على السعي إلى دمج الشرق الأوسط بعالم عصره، وإخراجه من حالة اليأس التي تقوده إليها سياسات نخب ديكتاتورية محلية ومصالح عالمية قائمة على ضمان الاستقرار الشكلي من دون مراعاة لأي مباديء سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ولأي معايير قانونية· وبقدر ما سيدفع الخيار الأول إلى تفاقم أزمة العالم العربي وتعميق إحباطاته سوف يزيد من احتمالات النمو المتجدد لحركات العنف والارهاب التي يصعب السيطرة عليها· وبالعكس، بقدر ما يؤدي الموقف الايجابي إلى إخراج العالم العربي من أزمته التاريخية ويفتح آفاق التحولات الديمقراطية فيه، يعزز من احتمال نمو قيم الحرية والمساواة والعدالة والانسانية ويهمش مجموعات الارهاب ويعزلها ويجعل من نشاطاتها نشاطات غير منتجة وغير قادرة على تأمين أي تعاطف معها، أي يجفف الينابيع التي تستقي منها ويجعلها تذبل وتختفي من تلقاء نفسها·
وللأسف ليس هناك بعد ما يدل على أن سياسات الحصار والهيمنة والتسلط وتقاسم النفوذ قد تراجعت أو هي في طريق التراجع في الشرق الأوسط ولا على أن الأمل يزداد بإمكانية السير في طريق التعاون الايجابي مع العالم الصناعي للخروج من الأزمة. بالعكس، إن جميع الدلائل تشير إلى أن طريق الآلام لا يزال هو الطريق الوحيد المفتوح، مع ما نشهده من تكالب الدول الكبرى على تقاسم مناطق النفوذ والصفقات التجارية وخطب ود النخب الحاكمة الفاسدة وما نعاينه من تفاقم العنصرية في العلاقات الاجتماعية وتنامي الاعتقاد لدى الأوساط الرسمية والشعبية في عموم البلدان الصناعية بأطروحة وجود هوة ثقافية لا يمكن ردمها بين الاسلام والثقافة العصرية وبأن الحرب بين عالم الاسلام وعالم الغرب حتمية، سواء أسميناها حضارية أم همجية.
باختصار، لا يمكن للعالم العربي أن يفلت من كماشة عقيدة الحرب الوقائية التي أصبحت منهجا في التفكير الاستراتيجي الغربي، في أمريكا وغيرها، بالرغم من المظاهر الشكلية واختلاف التفسير، ما لم ينجح العرب في إعادة طرح مسألة العنف على أسس مغايرة لتلك التي لا تزال مطروحة بها اليوم، أي ما لم يتطور الوعي عند الشرقيين والغربيين معا بأن العنف ليس سمة ثقافية ولا حتمية تاريخية ولكنه ثمرة شروط مادية، أي يمكن تحليلها بالعقل وتغييرها أيضا، يمكن لجميع الشعوب والمجتمعات أن تجد نفسها حبيستها وأن تسقط في شرك إرادة القوة الناجمة عنها. وبقدر ما ننجح في ترسيخ الاعتقاد بأن العزل والتهميش والإذلال والقتل ليس الوسيلة الأنجع لدرء العنف، وأن تنمية العالم العربي ودمقرطته هما بالعكس الطريق الوحيدة لإخراج هذا العالم من أزمته التاريخية وتمكينه من تمثل معايير القياس الكونية فنحن نساعد الرأي العام الغربي على تبني مقاربة أكثر عقلانية وندفعه إلى إعادة النظر في السياسات الدولية المدمرة تجاه المنطقة العربية ·

mercredi, janvier 26, 2005

لماذا لا يمكن إصلاح الجامعة العربية

اتحاد 26 يناير 05

أقر مجلس وزراء خارجية الدول العربية الذي عقد في العشرين من شهر كانون الثاني يناير الجاري مشروع إنشاء برلمان عربي بينما تجاهل ملفات ورحل إلى قمة الجزائر المقبلة في شهر آذار مارس أو إلى ما بعد ذلك، حسب مزاج القادة العرب وتقديراتهم وأجندتهم الشخصية، قضايا أكثر أهمية مثل محكمة العدل العربية التي كانت قد أقرت في قمة القاهرة عام 1996 ووافق عليها المجلس الوزاري نفسه عام 2000 لكنها لم تر النور منذ ذلك الوقت، وهيئة متابعة قرارات الجامعة وإصلاح آلية التصويت داخل الجامعة ومشروع تكوين مجلس أمن شبيه بمجلس الأمن الدولي لكن على مستوى المنطقة العربية ومجلس قومي للثقافة العربية ومصرف عربي للتنمية.
ويعتقد مسؤولو الجامعة أنه بالرغم من الصعوبات الكبيرة التي يواجهها مشروع الاصلاح الذي قدمه الأمين العام واعتمدته من حيث المبدأ الدول العربية في سعيها للتخفيف من الضغوط الخارجية والتظاهر بامتلاكها مشروعها الخاص للاصلاح في مواجهة المشاريع المفروضة من الخارج أن إقرار البرلمان خطوة أولى تعبر على الأقل عن استمرار الأمل في تقدم عملية الاصلاح والسير إلى الأمام.
وفي جميع المقاييس تشكل نتائج المجلس الوزاري العربي خيبة أمل عميقة لكل المتابعين لملف العمل العربي المشترك ولمشروع الاصلاح العربي من الداخل أيضا. وربما جاءت الموافقة على البرلمان العربي كتغطية على الفشل وكترضية شكلية للرأي العام الذي ينتظر تحركا ملموسا على جميع الأصعدة وفي جميع الميادين. فالبرلمان الجديد الذي يتكون من 88 عضوا يعينون من قبل برلمانتهم الوطنية أو حكوماتهم للسنوات الخمس القادمة بالتساوي، أي بحدود أربع نواب لكل بلد، يعكس الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها التي قادت التعاون العربي إلى الطريق المسدود الذي لا يزال يتخبط فيه منذ منتصف القرن الماضي. فلا أعتقد أن لدى عربي واحد أدنى شك في أن البرلمان الجديد سوف يكون صورة باهتة أكثر للبرلمانات العربية الكثيرة القائمة والتي ليس لها وظيفة أخرى سوى المصادقة على سياسات وقرارات النخب الحاكمة التي تخدم مصالحها وحدها ولا تعبر ولا بنسبة محدودة عن مصالح المجتمع أو أغلبيته الساحقة. ولن يكون سلوك هؤلاء النواب الجدد الذين ستختارهم أجهزة الأمن في كل دولة، حتى تضمن أن لا تسير الأمور داخل البرلمان العتيد لصالح الحكومات العربية الأخرى بغير ما تريد هي، مختلفا عن سلوك أي عضو ممثل لهذه الدولة أو تلك ضمن بيرقراطية الجامعة العربية التقليدية. إن كل ما سيضيفه هو توسيع القاعدة العددية لهذه البيرقراطية وجعل بلورة القرارات التي تتخذها الجامعة العربية أكثر تعقيدا وتوفير دهاليز سياسية أكثر لدفنها أو تجميدها حتى يصعب على الرأي العام انتقادها. إن إقرار البرلمان العربي لا يعبر عن خطوة إلى الأمام ولكنه مبادرة فارغة هدفها التغطية على الجمود وطمس انعدام الإرادة وغياب التفاهم معا بين أطراف المنظومة العربية حول برنامج إصلاح جدي.
ليس هناك أي لوم في ذلك على الجامعة العربية نفسها أو على أمانتها العامة. فالجامعة ليست في الواقع سوى مرآه شفافة للحكومات العربية التي تتحكم بها ولا تسمح لها بأي استقلالية ولو كانت هامشية. وهي في طبيعة تكوينها ووضعها والوظائف الموكلة لها لا تختلف كثيرا عن المؤسسات الرسمية الأخرى القائمة في البلاد العربية. فهي جميعا مفرغة من المعنى ومن المضمون لأنها تفتقر إلى جوهر ما يجعل منها مؤسسات حية وفاعلة، أعني الارتباط بالمجتمع والاستناد إليه والاعتماد على توجيهاته ومشاركته ومراقبته وبالتالي بسبب خضوعها الآلي لإرادة النخب الأقلوية المقطوعة تماما عن مجتمعاتها والمفتقرة في ثقافتها وسلوكها معا لمعنى السياسة الوطنية ومضمونها. فالانفصال عن المجتمع وعن قواه الحية، وهو الانفصال الذي يعززه ويعمقه غياب القوى الاجتماعية والسياسية المنظمة التي تساعد على بلورة إرادة المجتمع بفئات مصالحه المتنوعة والمتعددة، يحول هذه المؤسسات، وعلى رأسها الدولة ذاتها، إلى أدوات طيعة تستخدمها النخب الحاكمة لتنفيذ مآربها وتحقيق مصالحها كما تتصورها كاملة.
ومن هنا نجد أن الدولة التي يفترض فيها أن تساعد المجتمع على توحيد إرادته عبر توسطها بين المصالح المتباينة وبث الاتساق فيها تتحول إلى آلة تقسيم وتفتيت له لضمان السيطرة عليه وإخضاعه وقهره واستبعاده من أي حياة عمومية. ومجلس نواب الشعب أو البرلمان الذي يفترض فيه التجسيد الشفاف للسيادة الشعبية وتكوين أغلبية شرعية تقوم برسم السياسات الوطنية يتحول إلى وسيلة استثنائية لتزييف الإرادة العامة وفرض تشريعات وسلطة الأقلية الحاكمة بالسلاح والعنف. والجيوش أو القوات المسلحة المكلفة بالدفاع عن المصالح الوطنية ضد التحرشات والتهديدات الخارجية تصبح الركيزة الرئيسية للتفاهم والتعاون بين النخب المحلية الحاكمة والدول الأجنبية وتعميق النفوذ الخارجي . وأجهزة الأمن التي يفترض فيها حماية الفرد وضمان احترام حقوقه وصيانة استقلاله الذاتي تجعل من بث الرعب والخوف الوسيلة الرئيسية لتجريد الأفراد جميعا من حصانتهم الطبيعية وإضاعة حقوقهم السياسية وأحيانا المدنية، أي لإلغاء السياسة وتحويل المواطنين إلى محاسيب طيعين مفتقدين للحرية والكرامة معا. والقضاء الذي يفترض أن ينشر العدل بين الناس بحل النزاعات في ما بينهم على أسس قانونية وأخلاقية لتعزيز روح السلام والأمن الأهليين وتعميق الوحدة والانسجام بين الأفراد يصبح هو المصدر الرئيسي لتكريس المظالم وتبرير العدوان وتعميم مبدأ حرب الجميع ضد الجميع.
باختصار، إن المؤسسات لا توجد، بكافة أنواعها، إلا بالقوة والروح التي تسكنها وتسيرها. وفي غياب مجتمع حي ومنظم يمسك المؤسسات من الداخل ويشغلها لصالحه، تتحول جميع مؤسسات الدولة والدولة ذاتها إلى أدوات تستخدمها الفئات التي تتحكم فيها، من بيرقراطية وغيرها من أصحاب المصالح والنفوذ، إلى أدوات لكسر إرادة الناس وتعميق استلابهم وتكبيلهم بالقيود وقتل أي حياة أو مبادرة أو قدرة على الحركة والتنظيم الاجتماعيين فيهم.
ومن هنا، كنت أعتقد ولا أزال أن المشكلة التي تحكم كل مسائل الاصلاح وتتحكم بها، في الجامعة العربية كما هو الحال داخل كل بلد عربي على حدة، كانت ولا تزال هي التغييب المتعمد والمنظم والمنهجي للمجتمع من الحياة العامة وفرض الانسحاب الكامل عليه أو تهجيره خارج حقل السياسة والمدنية والشأن العام بأي طريق كانت.
ولأن مؤسساتنا الراهنة جميعا، من الدولة إلى المنظمة الإقليمية، أعني الجامعة العربية، مرورا بالبرلمانات ومؤسسات الدفاع والأمن ومؤسسة القضاء ودور العلم من مدارس وجامعات، تظل وهي إطار مفرغ من المضمون، فليس من الممكن إصلاحها ولا توجد وصفة إصلاحية ممكنة تفيدها. وحتى تصلح ويسري عليها مبدأ الإصلاح ينبغي أن تكون ذات مضمون أو أن يعود إليها مضمونها أعني المجتمع الذي أقيمت من أجله وصممت لتكون أداة لخدمة مصالحه. وإصلاحها لا يعني شيئا آخر سوى إعادتها إلى حقيقتها الوجودية بوصفها الأطر القانونية التي ينظم فيها المجتمع، فكريا وعمليا واقتصاديا وسياسيا وإجتماعيا، نفسه ذاتيا، أو التي ينتظم في علاقة مدنية عبرها. وهذا يعني أن ينتهي استلابها تجاه النخب الحاكمة كي تعود إلى المجتمع ليكون حاملها و محركها الحقيقي. عندئذ يمكنها أن تتحول إلى مؤسسات عامة وأن تتمتع بسلطة مؤسسية فعلية نتيجة ما تحظى به من الصدقية في الفاعلية الاجتماعية التي تقودها وتنظمها. ومثل هذا العمل، أي ملء هذه الأطر الفارغة بالمضمون المجتمعي العمومي الذي افتقرت له حتى الآن أو بسلطة المجتمع، ممنوع اليوم على الجامعة العربية كما هو ممنوع على غيرها من مؤسسات الحياة السياسية العربية وفي مقدمها كما قلت الدولة. ولذلك ليس من الممكن الاصلاح من دون التغيير، أي من دون تغيير علاقة السلطة السائدة أولا والبيئة السياسية والثقافية والفكرية العربية. فلا إصلاح ممكنا للجامعة العربية مع الأسف من دون إصلاح المجتمعات العربية نفسها، أي إصلاح الدولة والحياة السياسية العربية عموما، أو بكلمة أدق من دون وجود مجتمع.

samedi, janvier 22, 2005

أزمة المثقفين العرب


الجزيرة الفضائية برنامج الكتاب خير جليس
22 يناير05
مقدم الحلقة: خالد الحروب
ضيفا الحلقة: - هشام شرابي/ رئيس اللجنة التنفيذية بمركز تحليل سياسات فلسطين بواشنطن- برهان غليون/ رئيس مركز دراسات الشرق في جامعة السوربون
تاريخ الحلقة: 22/1/2005
- إعادة إنتاج النصوص وتصنيفات المثقفين- تغير دور المثقفين وتوسع قاعدتهم- ما يستطيع المثقف فعله أمام الزخم الإعلامي
خالد الحروب: أعزائي المشاهدين، أهلاً وسهلاً بكم إلى هذه الحلقة من برنامج الكتاب، أزمة المثقفين العرب هذا هو عنوان جليس هذا اليوم وهو كتاب من تأليف المفكر العربي هشام شرابي، الكتاب يحتوي على نصوص حول دور المثقفين العرب وحول الحداثة وصدمتها وحول المجتمع الأبوي وأزمة الخطاب العربي العلماني وغير ذلك من قضايا البروفيسور هشام شرابي معروف للقارئ العربي والغربي بكتاباته حول هذه الموضوعات وهو الذي ظل يهجس بها عقوداً من الزمن، أحد كتبه الأولى عن المثقفين العرب والغرب والذي صدر عام 1970 احتل موقعاً مركزياً في الأدبيات التي تتحدث عن دور المثقفين ورواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كتب أيضاً عن بنية المجتمع العربي وانتقد ما سماه نمط الأبوية أو البطركية السائد في هذا المجتمع والذي يعتبره جذر كثير من التخلف الذي يسم هذا المجتمع، حتى صارت لفظة المجتمع العربي الأبوي ملازمة لهشام شرابي، لكن من هو المثقف العربي وما هو تعريفه؟ أهو المتعلم المطّلع أم هو المثقف الأيديولوجي المبشر بمشروع للتغيير أم هو المدافع عن تطلعات الشعب ضد قمع الأنظمة، أم هو الجسر الواصل بين الثقافات الخارجية والثقافة المحلية؟ وأيضاً من هو مثقف الشعب ومن هو مثقف السلطة؟ وهل بالضرورة أن يتصف الأول بالنضالية والثاني بالتبعية هذا ما سنناقشه اليوم مع ضيفين كريمين هنا في الاستوديو هما الدكتور هشام شرابي مؤلف الكتاب ورئيس مجلس إدارة صندوق القدس ورئيس اللجنة التنفيذية بمركز تحليل سياسات فلسطين في واشنطن والدكتور برهان غليون رئيس مركز دراسات الشرق في جامعة السوربون وهو الذي كتب أيضاً عن دور المثقف العربي إزاء النخب الحاكمة وأيضاً عن اغتيال العقل في الثقافة العربية وكذلك هموم الحداثة والتحديث في المجتمعات العربية، دكتور هشام، دكتور برهان، أهلاً وسهلاً بكما.

إعادة إنتاج النصوص وتصنيفات المثقفين
أول ما يتبادر للذهن دكتور هشام بعد قراءة الكتاب إنه فيه بعض النصوص تتصف ببعض القدم، يعني تم اختيارها من كتابات ساهمت فيها سواء في كتب أو مؤتمرات أو غيرها والآن مثلاً وضعت بين دفتين هذا الكتاب سؤالي الأول يعني ما الذي يعطي شرعية لنص قديم أن يُعاد إنتاجه في كتاب جديد؟
هشام شرابي: لا يوجد شرعية لشيء من ها النوع وإنما يوجد نص يظهر واقع مزدوج، النص الذي يتعلق فيَّ شخصياً من النص الأول وهو 47 إلى النص الأخير وهو 2001، كذلك هذه النصوص تعكس واقع آخر غير الواقع الذاتي، الواقع الاجتماعي تماماً كما وضعتُ هنا باختصار في المقدمة، المقالات تعكس واقعاً مزدوجاً واقع المراحل والتجارب الفكرية التي مررت فيها شخصياً وأيضاً واقع الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي، في النصف القرن الأخير يعني من الـ47 للـ2001 أو إثنين بالأحرى.
خالد الحروب: في المساهمة الأولى اللي هي يعني مباشرة أيضاً ولها علاقة بالعنوان أزمة المثقفين العرب، يذكر الدكتور هشام أن هناك تصنيفات للمثقفين، طبعاً هذه من الكتابات أيضاً القديمة اللي هي هناك مثقفون سلفيون يعودون إلى الماضي ويحاولون إعادة إنتاج التراث بصيغ معاصرة، هناك طبعاً المثقفون العلمانيون وفي الوسط يقف المثقفون القوميون يعني جزءاً من هذا وجزءاً من ذاك، هل هذا التصنيف مازال قائم ينطبق على شرائح المثقفين العرب في الوقت الراهن، أم أن هناك تصنيف آخر؟ وأنت أيضاً كتبت عن هذه الموضوعات وتصنيفات المثقفين العرب.
"تطبيق الشريعة يعني إعادة تأسيس القيم الإسلامية التي انحرفت المجتمعات عنها " برهان غليونبرهان غليون: يعني هو أول شيء لازم نقول إنه فعلاً كان اختيار موفق فعلاً إنه تجيب الأستاذ هشام شرابي من شان مناقشة أزمة المثقفين العرب أو كتاب يتعلق بأزمة المثقفين العرب وبالحقيقة إنه هشام هو نموذج لـ.. مساره نموذج لمسار المثقفين العرب على الأقل في نصف القرن الماضي ويمثل.. والكتاب أيضاً في نصوصه المختلفة يمثل إلى حد كبير هذا التحول في مسار المثقفين العرب واللي كان جزء أساسي أيضاً من.. من مسار الأستاذ هشام وهو بالحقيقة يعني تجسيد أيضاً لأزمة المثقفين يعني لأزمة الفكر العربي اللي بلَّش بدأ خلينا نقول من منتصف القرن العشرين لليوم في محاولة لتلمس معالم الأزمة العربية، أزمة المجتمعات العربية ولا يزال يتخبط، جميعاً لا نزال نتخبط من أجل الوصول إلى رؤية أدق ورؤية أعمق تساعد على تحويل هذه المجتمعات والكتاب مهم أيضاً، لأنه بيبين أيش قد إنه بقدر ما الأستاذ هشام مهووس بالتغيير المثقف كان فعلاً مهووس بالتغيير، هون بدي أرجع بالمثقف العربي كان مهووس بالتغيير ولا يزال، لا يزال الفكرة الرئيسية عند المثقف هي التغيير، الآن ضمن إطار ها التغيير، هالهوس العام والحقيقي والإيجابي، طبعاً يعني مش مجال للنقد السلبي، للمثقف العربي يمكن نقول إنه فيه فئات متعددة فعلاً، فيه تيارات متعددة داخل ها الفكر العربي بين المثقفين العرب، فيه هوس للتغيير في اتجاه ما نسميه بأسلمة المجتمع اليوم، يعني إذا قلنا فيه نخبة إسلامية، مثقفين إسلاميين يريدون أن يوجِّهوا المجتمع أو يعتقدون أن إعادة بناء المجتمعات بما يجعلها أكثر نجاعة وأكثر قوة وأكثر حضارة، هو التوجه نحو اتجاهات إسلامية، لتطبيق الشريعة يعني إعادة تأسيس القيم الإسلامية التي انحرفت المجتمعات عنها في تصورهم، هناك مثقفين يتحدثون بالفعل عن.. يمكن الأستاذ هشام كمان بيمثل هون عن العلمانية مشروع للتغيير في اتجاه مجتمعات علمانية يعني تتخلى إلى حد كبير عن.. مش عن الدين، عن خلط الدين بالسياسة وخلط الدين بالحياة اليومية ويطمحون إلى تحديث خلينا نقول أو أحياناً يستعمل الأستاذ هشام نفسه الكلمة، قريب من التغريب يعني قريب من إعادة استنباط خلينا نقول البنى الحديثة اللي ظهرت بأوروبا لكن في سياق عربي وفي بلدان عربية، فيه تيارات أخرى يعني ممكن نقول إنه كانت أكثر يسارية، ماركسية، اشتراكية وأخرى كانت أكثر ليبرالية، لكن اليوم بالوضع الراهن يمكن التيارين الرئيسيين اللي يتصادمان في العالم العربي، هو تيار المثقفين الإسلاميين وداخل الإسلاميين هناك..
خالد الحروب: كتير أطياف أي نعم.
برهان غليون: توجهات مختلفة طبعاً يعني فيه إسلاميين اليوم ديمقراطيين، فيه إسلاميين ينتمون إلى فئات كتير تقليدية وكتير سلفية وداخل أيضاً هناك تيار آخر من المثقفين اللي كان أصلهم يساري واللي كان أصلهم نصف ليبرالي واللي كان أصلهم ربما راديكالي بالمعنى الأوروبي للكلمة يعني للتغيير وأنا بأعتقد إنه الأستاذ هشام كان منهم يعني الراديكاليين..
خالد الحروب: الجذريين.. الجذريين.
برهان غليون: الجذريين، كل هؤلاء التيارات تتحول اليوم إلى طيف واسع هو الطيف الديمقراطي، يعني الهدف هو أو يعتقد هؤلاء وأنا أعتقد معهم أن تغيير المجتمع في اتجاه أكثر ديمقراطية هو خطوة ضرورية هو ليس حلاً..
خالد الحروب: أي أكثر..
برهان غليون: وإنما خطوة ضرورية في اتجاه التغيير.
خالد الحروب: تيار يعني ديمقراطية أكثر من كونه مودلج يعني بمعطى أيديولوجي مسبق يعني إنه مثلاً مش مُعبأ مثلاً ماركسياً أو إسلامياً أو حتى ليبرالياً، دكتور هشام يعني معناه.. معنى ذلك إنه بشكل أساسي مازال الوصف تقريباً ينطبق إنه يعني فيه تيارين أساسيين، تيار مثلاً علماني وتيار سلفي، هل لو أتيحت لك إعادة النظر في هذا التصنيف، خاصة قد يقول البعض إنه السلفية مثلاً الوصف السلفي قد ينطبق عندك أصول الليبرالية وعندك أصولي قومي مثلاً إنه متمسك.. أو أصولي ليبرالي زي ما نسمع أصولية السوق مثلاً فعندك مثلاً، أصوليين بأطياف مختلفة وعندك مثلاً ليبراليين بأطياف مختلفة، يعني قد نعكس التصنيف كله، يعني ما رأيك؟
هشام شرابي: يعني أنا المقاربة التحليلية لموضوعة المثقفين العرب وأزمتهم مبنية على تصنيف أساسي وهو أن وضع المثقف الاجتماعي والفكري، الاجتماعي والفكري يعني الانتماء لمجتمع معين في فترة معينة وتوجه إيديولوجي، هذا التصنيف، هذه المقاربة تجعلنا نرى أن في القرن.. نصف القرن الماضي اللي بيتناوله الكتاب حدث تغيير أساسي في تركيبة المثقف وفي اتجاهه وبالتالي في دوره الاجتماعي وهو بنظري أهم شيء اليوم، خليني أعطي مثل دقيق، يعني عندما كتبت أول مقالة على الموضوع بالأربعينات أو الخمسينات المثقفون العرب في نصف القرن كان طه حسين والعقاد، توفيق الحكيم، يعني أشخاص يمثلوا ذروات أساسية قلائل، المثقف كان شيء فذ، كاتب كبير، مؤلف أو شاعر أو.. كانوا منهم أطباء ومحاميين، توجهاتهم كانت مبنية على خلفية الأيديولوجية النهضوية وكانت واضحة من حيث السلفيين، من حيث العلمانيين، سلامة موسى إلى آخره وأيضاً من حيث الحداثة أول واحد حكى بالحداثة مضبوط هو طه حسين، هلا بعد خمسين سنة، هذا التصنيف أو هذا الـ(Categorization) للمثقف العربي، لم يعد يصلح إطلاقاً ما عادش فيه مثقف مثل طه حسين، نوعيةً وعدداً ووظيفة، نحن هلا فيه عندنا حوالي مائتين جامعة في العالم العربي سنة الخمسين يمكن كان فيه ثلاث أو أربع جامعات، ما حدث إنتاج المثقف على الصعيد الاجتماعي أصبح المثقفون جمهور قوة فاعلة المجتمع من حيث إنها عددياً ضخمة، هلا مثل ما قال الدكتور برهان حدث من الستينات إلى الوضع الوقت الحاضر على صعيد الأيديولوجيا تغيير مماثل يعني الحركات المختلفة التي رافقت الناصرية واليسار والشيوعية والإخوان المسلمين، كل هذه الحركات في آخر القرن أصبحت بالنسبة للمثقفين لم تعد تحددهم (To Define Them) فاليوم نحن الآن نتعامل مع قوى جماهيرية مش بالمعنى العددي المطلق مثل الجماهير الشعبية، إنما أعداد ضخمة من أناس نساء ورجال مؤهلين بشكل خاص لتحليل المجتمع وقضاياه، تكوين رؤية لما يجب أن يتجه فيه هذا المجتمع على الصعيد السياسي والاجتماعي وبناء خطاب نقدي.. نقدي لمكافحة الوضع الراهن على صعيده السياسي والاجتماعي والفكري.

تغير دور المثقفين وتوسع قاعدتهم
خالد الحروب: إذاً يعني الشيء الذي يجب أن نتوقف عنده في هذه الصيرورة تحول المثقفين من أعلام أو أقطاب كبيرة نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، طه حسين، إلى شريحة إنه صار فيه عندنا يعني تغير كبير تغير جوهري في.. وهذا بينعكس على تغير دور المثقف، يعني دائماً هذا الأطروحة الكبيرة، ما هي دور المثقف؟ طب إذا المثقف نفسه تحول من طليعة فردية إلى شريحة، هل هذا يعني يميّع من دور المثقف برهان أم إنه يدفع فيه باتجاهات جديدة أو إلى أي مدى؟
برهان غليون: مهم.كثير إنه واحد يشوف التغير دا والمثقف فعلاً بالبلدان العربية، هلا العنصر اللي ذكره الدكتور هشام صحيح إنه.. إنه توسعت قاعدة المثقفين يعني كانت أقلية صغيرة وأقلية نافذة لكن صغيرة ومرتبطة بالقرار، يعني كانوا أصلاً منتمين لعائلات كبيرة، منتمين.. وقادرين إنه يؤثروا بالقرار السياسي وقريبين من العائلات السياسية، لأنه كانوا قريبين أيضاً من أصحاب القرار من العائلات أصحاب القرار، الآن صار المثقفين ثلاثة أرباعهم من أصول شعبية وفلاحين وإلى آخره وإذاً عندهم النفسية أيضاً مختلفة وإيش، لكن أنا باعتقادي اللي أثر على دور المثقفين مش فقط توسع القاعدة، أهم من ذلك بكثير هو إنه ببلدان مثل بلداننا المثقف ارتبط فيها فعلاً بمشروع الحداثة تحديث الدولة والمجتمع، أصلاً ما كان موجود قبل ما يصير فيه فكرة التحديث وارتبط بمشروع التحديث وكان الديناميكي له يعني الفاعل الرئيسي إله ليش؟ لأنه التحديث فكرة أتت من الخارج ليس من نمو نمط إنتاج رأسمالي وتقني حديثي داخل المجتمعات، الفكرة آتتنا لأنه شفنا مجتمعات أخرى أكثر تقدماً تكنولوجياً وعلمياً منا، فتأثرنا من الخارج وحامل الفكرة الرئيسية هو المثقف، يعني المثقف لعب دور أساسي أول شيء في إدخال فكرة الحداثة، لعب دور أساسي في نشرها وتطويرها، ثم لعب دور أساسي منذ أول القرن العشرين في بناء الأحزاب السياسية نفسها محمد عبده وغيره كانوا والحركات الإصلاحية وكل الحركات السياسية كانت مبنية من قِبَل المثقفين بما فيها الحركات القومية والحركات الماركسية والحركات الاشتراكية، كلها هي عمل مثقفين لأنه الطبقة البرجوازية خلينا نقول المعتمدة على وجودها الاقتصادي ضعيفة وهشة وما عندها تفكير وتبحث عن الربح ولا تزال طبقة رجال الأعمال في بلادنا يعني طبقة بدون وعي، طبقة بدون وعي سياسي، بدون وعي، بدون اهتمام بالشأن العام ولذلك المثقف كان إله دور استثنائي في تحريك المجتمعات، في بناء الأفق السياسي في بناء الحقل السياسي، في تشغيل الحقل السياسي، شو صار من.. من الستينات؟ اللي صار إنه من الستينات إنه المثقفين اللي شاركوا بالأحزاب، مثل البعث والناصريين والماركسيين وكلهم..
خالد الحروب: الحركات القومية المعروفة.
برهان غليون: دخلوا أخدوا سلطة، يعني بعض الأحزاب أو أكثر الأحزاب اللي المثقفين كانوا على رأسها ودفعوا وأخذت نجحت إنه فيه تأخذ سلطة بانقلابات عسكرية أو بغيرها، خلال وجودهم بالسلطة صار فيه فرز، البيروقراطية أخذت بالحقيقة السلطة يعني أكثر فأكثر جزء من المثقفين تحولوا إلى البيروقراطية بالإدارة وبأجهزة الأمن وبالاقتصاد وأصبحوا يدافعوا عن مصالح كثير مرتبطة بوجود النظم الراهنة ويدافعوا عن الديكتاتورية وعن الاستبداد وعن كل شيء وبنفس الوقت صار عندهم رغبة في تنحية المثقفين جانباً، من الستينات لليوم الأنظمة اللي حصلت اللي نشأت في العالم العربي، في مصر، في سوريا، في اليمن، في العراق، في كل البلدان، كان هدفها الرئيسي هو عملياً إعدام المثقفين، بأي معنى إعدامهم يعني مش إعدامهم شنقاً بالمقاصل وإنما..
خالد الحروب: لكن برهان.
برهان غليون: استثناء.. إخراجهم من الساحة وتسكيتهم وإخراسهم حتى يمكن ضبط النظام كما هو..
خالد الحروب: لكن إذا يعني هذا..
برهان غليون: لم يعد لهم دور سياسي، صاروا عبارة عن أنبياء في الصحراء يصرخون في الصحراء أكثر من أي شيء ثاني.
خالد الحروب: لكن هذا طبعاً يعني هذا بيطرح سؤال يعني كبير يعني دكتور هشام إنه المثقف الذي يعني كان يعني مبشراً بأيديولوجية معينة أو بحركة حزبية وهذه الحركة الحزبية وصلت إلى السلطة ثم تحول هذا المثقف من مثقف إلى رجل سلطة، بيطرح لنا هذه الإشكالية، ما هي علاقة المثقف بالسلطة؟ هل المثقف يجب أن يكون دائماً على الصف المعارض للسلطة، ناقد للسلطة أم أن المثقف ممكن أن يكون صاحب مشروع نقد باتجاهين باتجاه السلطة وباتجاه المجتمع؟ وحيثما يتوجه النقد يعني بضمير حر بنوع من.. وهذه الأوصاف يعني إنه مثلاً الشرطة عفواً السلطة اشترت هؤلاء المثقفين فأصبحوا مثقفو سلطة وإحنا يعني في التاريخ العربي الإسلامي، علماء سوق يعني حتى علماء الدين يعني علماء سوق وهذا عنده تاريخ في كل ثقافة من الثقافات، أين هو موقع المثقف من السلطة؟
هشام شرابي: هذا الموضوع أساسي جداً ودائماً موجود، إنما تغيير طبيعة السلطة وطبيعة المجتمع اللي نحن فيه الآن، هو في صميم الأزمة التي يواجهها المثقف والأزمة هذه ناتجة عن إنه ما حدث في المجتمع العربي من.. بكامله بكل مجتمعاته القُطرية إنه بعد انهيار الأحزاب الأيديولوجية وبعد انتهاء الناصرية بالسبعينات وإلى آخره وبعد هجمة الأموال النفطية والاتجاهات الاقتصادية والسياسية، صفَّى المجتمع العربي مؤلف من جماهير ما عادش فيها بأي معنى دقيق طبقة وسطى وطبقة حاكمة تملك كل السلطة وكل الثروة وها الشريحة التي تقف بينهما.. فوقهما.. فيهما وهي المثقفون اللي واعيين، اللي عندهم نظرة نقدية، اللي عندهم قدرة على تأمين أمورهم الخاصة ودخول ها الطبقة الحاكمة والثرية والعمل معها أو بالعكس مجابهتها فبعد.. بعد القضاء على الأحزاب اللي كنت عم بتحكي عنها، إعدام المثقف، لم يعد هناك أحزاب تأخذ وتعطي مع.. مع الحاكم يعني على القليل الأحزاب حتى الوفد حتى الأشياء المحافظة الليبرالية كانت تخلق نوع من الجسر بين الشعب وبين الحكام، الآن لا يوجد إلا فراغ بين الجماهير الشعبية والحكام، فدور المثقف مثل ما بأشوفه مفروض عليه بسبب هذا.. هذه التركيبة الاجتماعية السياسية، أنا.. أنا بدي أسألك أنت كيف بتشوف دور المثقف ضمن هذا السياق؟
برهان غليون: بس بدي أصلح بس هاي الفكرة اللي يمكن فهمها عني غلط خالد.
خالد الحروب: اسمح لي قبل بس ما أتيح المجال لكن حتى نتابع هذا الخط السلطة، إن بعض المثقفين أيش يعني عندهم هذا الطرح، يقول لك يعني أنا مخلص لقضايا المجتمع، عندي موقف نقدي من السلطة، لكن مساهمتي مع السلطة قد تكون من موقع إصلاحي إنه أستطيع أن أساهم مساهمة يعني تحسن الظروف التي سوف تعود على المجتمع يعني بنوايا حسنة ومن نوايا..
"المجتمع العربي بكامله مصيره مهدد، فإن لم يحدث تغيير جذري في العلاقات الأساسية للأنظمة الاجتماعية والسياسية سوف يسير المجتمع إلى الهاوية" هشان شرابيهشان شرابي: بدي أقاطعك بس بين هلالين نحن الآن في أزمة لا.. لا يمكن أن يكون موقف المثقف بهذه الرفاهية الفكرية إنه يقعد ويعطي نظريات وأفكار، المجتمع العربي الآن أزمته تحدد بمعنى أن مصيره مهدد، مصير المجتمع العربي بكامله مهدد، فإن لم يحدث تغيير جذري في العلاقات الأساسية للأنظمة الاجتماعية والسياسية، نحن نسير إلى الهاوية، هلا الحرب العراق راح تحدث، هشاشة هذه المجتمعات سيكون.. ستكون السبب في انهيارات لا يمكن التنبؤ فيها، لذلك عم بأسأل الدكتور برهان يعني الشيء المحوري هلا إنه نحنا شو لازم تكون مسؤوليتنا؟ شو لازم يكون عمل المثقف على صعيد الرؤية والفكر وأيضاً على صعيد الممارسة الاجتماعية والسياسية؟ وطبعاً أعني تلك الفئة بين المثقفين اللي موجودين بالداخل والموجودين بالخارج مثلنا هو الالتزام، نحن.. أنا بأعتبر نفسي، بأعتبر الدكتور برهان مثقف ملتزم، لذلك لرأيه.. لموقفه الآن أهمية كبرى، ما بيهمني اللي قاعد عم بيعمل كتب وعم بيعمل نظريات، الآن في سياق هو سياق مجتمعنا ومستقبلنا في خطر.
خالد الحروب: طيب برهان، يعني مازال السؤال قائم، يعني إذا كان هذا المثقف الملتزم يعني إذا استخدمنا تعبيرات أنطونيو جرامشيل المثقف العضوي الملتزم بقضايا المجتمع والطالع منها، إذا أراد أن يكون حراً ويتسق مع ضميره ويقول كلمة النقد كاملة، هناك أيضاً فيه مساهمة عن المثقف وقول الحقيقة، هو عملياً سوف لا يصل صوته إلى هذا المجتمع الذي يريد أن يساعده، سوف يحرم من الإعلام، يحرم من الصوت، يحرم من.. من أن يستضاف في مثل هذه الجلسات مثلاً إلى غير ذلك، فالمثقف أمام إشكالية كبرى، إما أن يقول نصف الحقيقة وأحياناً ربعها، يعني مثلاً برهان بيروح على سوريا أو على أي بلد آخر، يعني هل يستطيع أن يقول ما يقوله في باريس؟ إذاً هو بيقدم نوع من المساومات يعني بالمعنى الإيجابي، إنه هو يقول نصف الحقيقة، لأنه أفضل من ألا يقول الحقيقة كاملة، إذا قالها كاملة، فلن يستطيع أن يقولها مثلاً في هذا المجتمع أو ذاك، فأين هو موقع المثقف برهان يعني بغض النظر عن استشهادي فيك؟
برهان غليون: بغض النظر عن المثال الشخصي، لأن أنا بأعتقد الحدود الجغرافية ما عاد لها معنى على الإطلاق، عم نحكي هون نحن بسوريا عمليا أو إذا كنا بسوريا عم نحكي بالخارج، يعني ما عاد فيه حاجة واحد يعمل مساومات.
خالد الحروب: صحيح.
برهان غليون: لا أنا ولا غيري يعني بأعتقد، هذا اعتقادي، لأن الأمور صارت واضحة مثل ما عم بيقول الدكتور هشام تماماً نحن في لحظة حقيقة مصيرية وكل إنسان عليه مسؤوليات، اللي ما.. والمسؤوليات بتعني بالنسبة إلنا نحن كمثقفين بالدرجة الأولى إنه الواحد يقول رأيه الفعلي، يعني ما يجامل برأيه وقت اللي بيشعر، هاي المسؤولية الحقيقية، لأنه نحن لا عندنا جيوش ولا.. ولا دبابات ولا مدفعية نغير فيها، نحن نغير بكلامنا، فكلامنا لازم يكون على الأقل كلام صادق، يعني هاي جزء أساسي، هلا بدي أرجع بس من شان نقول شو دور المثقف وشو مشكلة المثقف وشو المشكلة الرئيسية المطروحة اليوم. أول شيء عنصر أول، المثقف عندما نتحدث عن المثقف لا نتحدث عن مجموعة أفراد ولا عن فرد، نتحدث عن فئة اجتماعية تلعب دور اجتماعي، لعبت دور اجتماعي في فترة ضمن إطار حركة اجتماعية، المثقف مش موجود بالفراغ، ضمن إطار حركة اجتماعية ومع قوى اجتماعية أخرى، اللي حصل قلت أنا من الستينات هو شو؟ هو إنه فئة من أفراد من فئات النخبة.. النخبة الاجتماعية، البيروقراطية في بعض البلدان، البيروقراطية بالتحالف مع شوية رجال أعمال في البلدان الأخرى استأثروا فعلاً بالسلطة وبالقرار ومن أجل يضمنوا ها الاستئثار حذفوا المثقفين كلياً وطردوهم من خارج أي لعبه، من أخذ.. حتى حق التعبير ألغوه وهناك بلدان ممنوع فيها حق التعبير، تعبير مراقب، يعني كل واحد بده يعطي صورة عن الكلام اللي بده يقوله لأجهزة الأمن، ففيه فئة من النخبة الاجتماعية اللي هي أهم عنصر في بلورة الفكرة، بلورة الرأي، بلورة التصورات للمستقبل، بلورة الحلول أخرجت من بره، من شان هيك دخلنا في أزمة كبيرة داخل السياسة، يعني حذف المثقفين أدخل السياسة نفسها في أزمة لأنه صارت سياسة براغماتيكية يومية ما فيها أي تفكير، ما فيها أي إنضاج، ما فيها أي شيء، الآن إذا قلنا شو وضع المثقفين اليوم وشو المنشود منهم؟ اللي هو السؤال تبع دكتور هشام، شو وضع المثقفين اليوم؟ مش صحيح إنه كلهم انتهازيين وكلهم يلتحقوا السلطة، على الإطلاق أنا من الناس اللي بيعتقد إن المثقفين العرب قاوموا مقاومة كبرى وكان فيه شيء لازم نسميه محنة المثقفين، اعتقل القسم الأكبر من اللي اعتقلوا كانوا مثقفين، القسم الأكبر ممنوعين من الكلام والمثقفين اللي محرومين من جوازات سفرهم مثقفين..
خالد الحروب: اللاجئين السياسيين..
برهان غليون: اللاجئين السياسيين مثقفين، أكثر طبقة.. أكبر فئة اجتماعية أهينت واضطهدت وامتحنت بالمعنى السلبي للكلمة كانت في العشرين سنة الأخيرة أو الثلاثين سنة الأخير المثقفين، قسم منهم صغير جداً تافه جداً مشي مع الأنظمة وصار يطبل للأنظمة صحيح، بس قسم كبير بقى بره وقسم تالت صار يشتغل شبه خبير، يعني عمل حالة تقني، إنه إحنا ما لنا علاقة بالسياسة، السياسة بيقرروها الضباط وأجهزة الأمن والمسؤولين والحزب الحاكم، أما نحنا في مشكلتنا بنعطي أمور تقنية أو خبرة، معلش هذا كان يمكن إنه يحصل في أي بلد أو في أي مجتمع في العالم، إنما اليوم السؤال التاني اليوم المشكلة هي إنه المثقفين مشتتين مفتتين ما عندهم سلطة، ما عندهم اعتراف، نجحت السلطة البيروقراطية في أنه تجعلهم كبش فداء يعني ضحية، بمعنى إنه هم المسؤولين على ما حصل، كل.. وقت اللي صارت أزمة العراق حرب الخليج وقت اللي صارت بيقولوا هاي السبب هو المثقفين شوفوا المثقفين شو بيحكوا إلى آخره، مش السبب هو..
خالد الحروب: طب شوف برهان أي نعم.
برهان غليون: عدم قيام الدولة، عدم قيام السلطة والأحزاب السياسية بدولهم، بس خليني أكمل هون اتهم فيها المثقفين، الهدف تماماً هو إخراج المثقفين من أي لعبة سياسية من أجل تبرير الفشل ووضع الفشل على كاهل المثقفين، دور المثقفين اليوم هو إنه يكسروا هذه الحلقة المفرغة لإخراج المثقفين كنخبة.. كجزء من النخبة من الحياة السياسية ويدخلوا كقادة هم وهذا اللي عم يحصل بالواقع، أنا ما عم أجيب شيء كقادة للعمل الديمقراطي وللتحويل الديمقراطي داخل البلدان العربية وهذا يحصل بالفعل.

[فاصل إعلاني]
ما يستطيع المثقف فعله أمام الزخم الإعلامي
خالد الحروب: طيب.. طيب برهان، إذا سمحت لي يعني ما يعني في دور المثقف هذا الدور يعني المأمول والطليع، دكتور هشام، يعني فيه سجال الآن حديث في على الأقل يعني وفي الأوساط الغربية المهتمة بهذا الموضوع، إنه يعني دور المثقف بشكل عام في العالم كله يعني صار ضئيلاً وضعيفاً أخذاً بالاعتبار كل وسائل الإعلام هذه، التليفزيونات، الإعلام الفضائي، الإنترنت، كل هذا الضخ الذي يتوجه إلى الرأي العام واللحظي، ليس فقط اليومي على مدار الـ 24 ساعة هذا هو الذي يشكل العقل الجماعي والآراء العامة، أين هو دور المثقف؟ المثقف مسكين، ليس نبي عنده قدرات خارقة، يعني ربما كان له دور في السابق، ربما عندما كان مثلاً في القرون السابقة إمام مسجد مثلاً أو في فرنسا يعني في بدايات القرن العشرين في قضية إدريافوس أو إلى آخره كان عنده دور إنه إذا قال الناس سمعوا له، لكن الآن أمام هذا الزخم الإعلامي، أين فعلاً من ناحية عملية بحتة ماذا يستطيع أن يفعل المثقف؟
هشام شرابي: إذا كان ركزنا على مقولة الدور أنا بنظري دور المثقف في مجتمع مثل مجتمعنا العربي اليوم أهم بكثير من دور المثقف في أميركا أو في فرنسا مثلاً بالمجتمعات النامية، هلا إذا قام المثقف بهذا الدور أو عجز عن القيام به موضوع آخر، من حيث أهمية دور المثقف أنا بنظري في هذه الفترة الحاسمة هذا المنعطف هو دور بغاية الخطورة لمجتمعنا، لمستقبلنا، لذلك بس والأزمة، طيب عندما يجابه أشخاص أفراد وشرائح نسميها مثقفة بهذا الواقع إذا كان اللي عم بأحكيه مضبوط معناه فيه أزمة هائلة، ما العمل؟ هذا هو السؤال الأساسي، هلا ما عادتش الأولوية إلى التحاليل التاريخية والسياقات الاجتماعية فقط، إنما من حيث المساهمة المباشرة والممارسة الاجتماعية للمثقف، مثلاً إذا كان أخذنا بول بودييه اللي هو بنظري يمثل أهم مثقف عالم اجتماع، ما يقوله له علاقة بواقع مثل واقعنا وهو يصب على الشيء اللي عم بأقوله، على النقد، على الممارسة، على الدخول في العملية الاجتماعية.
خالد الحروب: طيب برهان، فيه سؤال أيضاً عملي، يعني حتى إنه نحاول ننزل الكلام إلى التطبيق العملي إنه على ضوء المناقشات بعض الطروحات حول المثقف يعني من عند جوليان بندانا أحياناً إدوارد سعيد بيرسم صورة مثالية للمثقف، صورة خارقة فعلاً وصورة إن المثقف الحر المثقف الكوني الذي يعني يتحدث بالنقد من دون أي تحديدات، من دون أي ضوابط، يقول ما يمليه عليه ضميره ورأيه في أي مكان في أي زمان، لأن هذا الكلام جميل، لكن من الناحية العملية فيه.. فيه قيود، فيه ضوابط، فيه.. فيه تحديدات، فيه عناصر تدخل على المعادلة، فيه الرزق المعيشي، هذا المثقف بده يعيش، بده يأكل، فيه عنده أولاد، فهو إذا قال كل ما عنده عملياً يعني خسر خسارات حياتية على المستوى الحياتي، حتى روجية دوبريه يعني فيه أحياناً يعني بيقول يعني كلام مثالي هذا المثقف المنطلق من كل.. من كل حدود، الآن على صعيد المثقف العربي يعني أين هي.. أين هو الحظ الذي ممكن أن نرسمه بين أن يحافظ هذا المثقف على مصداقيته أمام جمهوره وأمام.. أمام المجتمع وفي نفس الوقت يعني أن.. أن يقول يعني نصف أو تلات أرباع الحقيقة أن يقولها..
برهان غليون: أنت مُصِر على أن يقول نصف الحقيقة.
خالد الحروب: أنا مش أنا حابب يقول الحقيقة كلها لكن أنا يعني واقعي يعني أنا بأشوف المثقفين العرب في الساحة اللي موجودة..
برهان غليون: لأ أنا اسمح لي أقول لك إنه بالفعل.. بالفعل المناخ العربي اليوم اختلف كتير، اختلف بأي معنى؟ بمعنى إنه هناك عطش، فيه تربة عطشانة فعلاً بالمجتمع بأقصد، لا ناس بيتحدثوا باسمها، لا ناس يعيدوا يذكروها بالمفاهيم والقيم السياسية والديمقراطية والإنسانية، لأنه فيه بعض.. في بعض الملامح مجتمعاتنا دخلت بما يشبه الهمجية في التعامل مع المواطن، يعني بعض الأنظمة بتتعامل مع المواطن كأنه أي شيء، كأنه شيء.. كأنه شيء يعني مادة أو غرض.. شيء جامد تغير دور المثقف ومازال إله دور كبير، تغير بالنسبة للبلدان الأخرى أول شيء، صحيح إنه فيه.. فيه ناس ممكن يكونوا مثل ما تصور إدوارد سعيد وكأنه.. إنه ناس أنبياء أو.. أو شبه ضمير على الأقل عالمي، مش فقط ضمير محلي، لكن في بلدان مثل بلداننا بالحقيقة ينقصها الكوادر السياسية، ينقصها الكوادر الإدارية، ينقصها الطبقات المتبلورة وذات التقاليد السياسية، المثقف في النهاية هو اللي عم يكون مبلور للوعي الاجتماعي، هو اللي.. ما.. ما إذا.. سواء فعل أو ما فعل، إذا ما فعل بيكون مبلور سلبي، إذا فعل بيكون مبلور إيجابي، يعني هو اللي عم يملِّي.. يملأ الفراغات المختلفة الموجودة. اليوم المجتمع أهم دور بالنسبة إلى.. إلنا مثلاً في العالم العربي شو عم يعمل المثقف اللي عم.. عم يدرك دوره ويعي ذاته إلى حد كبير؟ عم يشتغل مع المجتمع المدني لإحياء التجمعات للمجتمع، عم يدخل.. عم يشتغل لإحياء المجتمع اللي قتلته أنظمة اعتمدت على الدولة وقطعت الدولة عن المجتمع، هو عم بيحاول إنه من خلال المجتمع وإحياء المجتمع المدني إنه يوصل لشيء. الآن ممكن إنه يساوم بأي معنى، بمعنى إنه مش إنه مبادئه تكون نصف مبادئ ديمقراطية، نصف يعني.. نصف مبادئ بالحرية، نصف مبادئ بالعدالة، لأنه قول..
خالد الحروب: لأ المبادئ إحنا متفقين على إنه التعبير عنها.
برهان غليون: لأنه نحن مش أنصاف بشر، نحن بشر مثلنا مثل غيرنا، ما بنختلف عن غيرنا على الإطلاق، إنما ممكن يساوم بأي.. ما.. ما بنسميه مساوم بها الحالة، ممكن يكون مرن، بمعنى إنه نحن عندنا برنامج ديمقراطي، المساواة الكاملة بين المواطنين، المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، المساواة الكاملة بين بدون ذكر أقلية، بدون.. بين الأديان المختلفة إلى آخره أو أبناء الأديان، هذا ما أعني مثل هاي المبادئ إنه بنحقق ها الشيء بسنة أو سنتين أو نتحاور بأحسن الوسائل لتحقيق الديمقراطية، هذا ممكن، أما يعني.. يعني بها المعنى فيه مجال للأخذ والعطا وليس اليوم فيه.. لا.. لا يمكن أن يكون اليوم فيه نقاش حول نمط المجتمع العربي المنشود، يعني نمط ديمقراطي حقيقة يعترف بالمواطنية، يعترف بحقوق الفرد، يعترف بحقه في التعبير في العدالة، فيه قانون، فيه دولة قانونية، هذا الشيء المحرومين منه.
خالد الحروب: يعني خلينا نحكي التمسك بجذرية المبدأ، لكن مرحلية التطبيق حتى.. طيب..
برهان غليون: ضمن ظروف الحوار، لأنه أحياناً ممكن واحد يقول لك لأ أجلها عشرة سنين، ليش؟
خالد الحروب: أي نعم. دكتور هشام..
برهان غليون: بدي أفهم ليش لازم أجل تطبيق القانون ودولة القانون و.. لخمس سنين؟
خالد الحروب: حسب السياق المطروح.
برهان غليون: ليش ما اليوم ليش بأعمل دولة قانونية بمعنى الكلمة؟ يعني مش المساومة للمساومة أو المرونة، للمرونة لتطبيق المرونة بهدف الوصول إلى الهدف، يعني للوصول أفضل للهدف.
خالد الحروب: طيب خلينا، يعني دكتور.. إذا سمحت لي برهان.. الدكتور هشام، فيه يعني فصل أو حتى أكثر من فصل حقيقة يعني، اللي هي تتحدث فيه عن المجتمع العربي، البنية الأبوية فيه ودور المثقف في نقد هذه البنية، الآن إذا المثقف انتقد هذه البنية وانتقدها أيضاً بصرامة وشراسة، يشعر بالغربة والاغتراب عن هذا المجتمع الذي يريد أيضاً أن يدافع عن قضاياه وهو أيضاً مغترب بالأصل عن السلطة، فلذلك يشعر بوحدة كلانية، أين يقف المثقف من نقد.. من نقده المزدوج للمجتمع والسلطة وقد يشعر فعلاً بالتهميش والاغتراب الذاتي؟
هشام شرابي: يعني مش مهم شو بيشعر المثقف، المهم هو شو بيعمل المثقف وبالأخير ما فيه قاعدة أو.. أو روشتة شو لازم يعمل المثقف، لأنه كل واحد على.. على.. كل فرد، كل مجموعة عندها ظروف خاصة وأوضاع خاصة، أنت قلت الأشياء المعيشية، هذا دائماً دائماً قضية جوهرية، كيف بده يعيش المثقف بمجتمع مثل مجتمعنا، مجتمع نفطي من ناحية، مجتمع فقير معزول من ناحية تانية؟ يعني بدنا نقطع من كل من خلال كل هذه الصعوبات ونركز على الأزمة، على المنعطف، لذلك نقول إنه جواباً على سؤالك هو الظروف هي التي تقرر للمثقف الذي حاز على رؤية نقدية، معرفة موضوعية لما يجابه هذا المجتمع وبنفس الوقت بيشعر بمسؤولية والتزام وقدرة على القيام بأعمال معينة، بدنا نحكي بالأشياء المحسوسة، (الإمبريكال).
خالد الحروب: التطبيقية، ممكن تطبيقها نعم.
برهان غليون: تجريبية، اختبارية اللي هو..
هشام شرابي: ولازم نعمل فصل بين التحليل المجرد التاريخي التحليلي الفكري والممارسة اللي بتقوم على استراتيجيات صغيرة، بلبنان شيء، بسوريا شيء، بالأردن شيء، بمصر شيء آخر، مع العلم إنه فيه إطار يجمع بيناتهم كلهم، هلا إن إحنا مقبلين على انهيار، ما بأعرف شو كيف شكله.
خالد الحروب: تقصد للحرب ضد العراق أو كذا.
هشام شرابي: مش إذا وقعت الحرب.
برهان غليون: وإذا ما وقعت.
هشام شرابي: وإذا ما وقعت.
برهان غليون: مقبلين على انهيار لأنه إذا ما.
هشام شرابي: لا.. لا نزال بنفس الأزمة.
خالد الحروب: إحنا نعيش الانهيار يعني.
برهان غليون: لأ.. لأنه نحن في أوضاع هشة جداً.
خالد الحروب: الانهيار داخل انهيار.
هشام شرابي: فهذا المنعطف التاريخي، شو ما يحدث فيه من قوى خارجية تتدخل، شو ما يبيت لنا الإسرائيليون اللي قاعدين بقلب العالم العربي، نحن علينا مسؤولية كبرى إزاء شعبنا، إزاء تاريخنا، إنه نفسر الأمور، نفسر الخطر، نحط الدوائر الحمر، نخلق خطاب يظله مستمر و.. وقائم، مش كل مرة بدنا نعطي الحلول منA لـZ وبعدين نشغل بممارسات محدودة، العمل المحلي مش كل شيء على صعيد الوطن العربي.
خالد الحروب: على صعيد العالم العرب طيب دكتور هشام، فيه يعني الوقت الحقيقة أدركنا، يعني معنا مجال لتعليقين سريعات، لكن.. اللي هو هذا المثقف إذا تواصل يعني مع الثقافات العالمية وأراد أن ينقلها إلى الثقافة المحلية ولعب هذا الدور ولو جزئي كجسر للثقافات وكذا، يُتهم بأنه تغريبي وأنه يعني يعمل على تغريب المجتمع وأنه مثلاً متغربن أو حتى متأمرك، إلى آخره، كيف نواجه هذه الأزمة دكتور برهان؟ هذا الاتهام العصيب من المجتمع الذي يعني ينتمي إليه هذا المثقف؟
برهان غليون: بس أول النقطة الثانية اللي ما أجبنا عليها، لازم نميز بين المثقفين المفكرين وبين المثقفين كقاعدة اجتماعية كبيرة، بما يتعلق بتأمين الحياة وكذا.
خالد الحروب: استجابة المغزى المعنوي.
برهان غليون: فهادول القاعدة الكبيرة ما هي اللي.. ضروري إنه تعلن دائماً عن مواقفها وبتتحمل النتائج، يعني تعلن يومياً مثل ما بيعلنوا الكبار هلا.. فيما يتعلق.. فيما يتعلق بموضوع الأخذ عن الغرب والاتهامات، كل إنسان بيقوم بقضية، بُيتهم يمكن أن يتهم من الطرف الثاني المعادي للقضية، مش مشكلة الاتهام وأنا بأعتقد إنه اليوم ما عاد مطروح إنه يُتهم مثقف إذا كان فعلاً ما إنه غربي، يعني اليوم بيتهموا الناس بأنهم ينقلوا أفكار الغرب وقت اللي بيسلكوا بسلوكهن ما يؤكد إنهم عم يتعاملوا مع الغرب أو عم يدعموا مواقع ومواقف الغرب، يعني بشكل من الأشكال، أما عندما يكون..
خالد الحروب [مقاطعاً]: وتحديداً المواقف السياسية يعني..
برهان غليون: سياسية تماماً.
خالد الحروب: يعني صار فيه تفريق، يعني حتى عند الجمهور العام...
برهان غليون: أو حتى فكرياً..
خالد الحروب: بين الموقف الحضاري والموقف السياسي.
برهان غليون: بينقلوا.. إذا بينقلوا نقل حرفي وبدهم يفرضوا نموذج غربي على المجتمعات العربية، طبعاً ما فيه شك إنه الناس هيشعر الجمهور إنه.. إنه هادولا عايشين بره بمعنى إنه فكرهم عايش بره، إنما اليوم إنسان عنده وعي عقلاني ونقدي ومع التغيير الديمقراطي وبيقوم بواجبه لا يتهم إطلاقاً، ما فيه أي سبب إنه يتهم أو يكون..
خالد الحروب: طيب تعليق أخير من الدكتور هشام على هذه النقطة، قصة يعني دا اتهام المثقفين خاصة اللي في خارج المنطقة العربية بإنهم يعني متغربنين ويريدون أن يغربنوا هذه المجتمعات.
هشام شرابي: صراحة أنا ما بيهمني الاتهام، بيهمني الواقع، نحن الآن أمام واقع إزاء علاقتنا بالغرب واقع يشبه أقصى زمن الاستعمار الأوروبي والاستيطان الأوروبي في بلادنا وفي العالم الثالث. نحن الآن نجابه أوروبا، أنانية قذرة بالنسبة لعلاقتها في العرب والإسلام، نحن نجابه الدولة الكبرى في العالم، تقوم وتُعد لحملة مستمرة عسكرية اقتصادية لكسر إرادتنا في العالم العربي والإسلامي واستعمارنا عن جديد، هلا شو ها الرفاهية الفكرية إنه غرب وتغريب وما تغريب، عم ناويين لإلنا الشر الأكبر.
خالد الحروب: أي نعم.
برهان غليون: على كلٍ.. على كلٍ يعني بكلمة فقط.
خالد الحروب: ثلاثين ثانية يا برهان.
برهان غليون: الرأي العام اليوم يدرك من هو مدافع عن المشروع الغربي ومن الذي يدافع فعلاً عن مشروع تقدم عربي وتنمية عربية، ما فيش أي مشاكل.
خالد الحروب: على كل حال شكراً جزيلاً وأعزائي المشاهدين، بهذا التعليق أشكركم أيضاً على مرافقتكم لنا جليس هذا اليوم الذي كان كتاب أزمة المثقفين العرب من تأليف الدكتور هشام شرابي، الذي نشكره أيضاً على مشاركته معنا في حلقة اليوم، كما نشكر الدكتور برهان غليون رئيس مركز دراسات الشرق في جامعة السوربون وعلى أمل أن نجالسكم في الأسبوع القادم مع جليس جديد، هذه تحية من فريق البرنامج ومني خالد الحروب ودمتم بألف خير.

samedi, janvier 08, 2005

عهد التغيير

الرأي 8 يناير 2005

في هذه المرحلة من التطور الدقيق للأوضاع المشرقية ينظر الرأي العام العربي، بالرغم من تراجع آمال الوحدة والاندماج أكثر من أي مرحلة سابقة، إلى ما يجري في البلاد العربية المجاورة، سواء أتعلق الأمر بالمسألة الفلسطينية أو بالمسألة العراقية أو اللبنانية، على أنه ليس أمرا يهم هذه البلاد وحدها ولكنه يهم العرب أيضا بقدر ما يؤثر على حاضرهم ومستقبلهم. ومن المنظور نفسه نظر الرأي العام العربي إلى التهديدات التي تعرضت ولا تزال تتعرض لها سورية على أنها لا تعني الشعب السوري وحده وإنما العالم العربي برمته بقدر ما يؤثر مصير سورية على مصيره. فكل ما يعمل على إضعاف سورية أو تدهور الاوضاع فيها يؤثر في نظره، عن حق، على مصير المشرق العربي بأكمله والعكس صحيح أيضا. ولهذا السبب لم تعد مسألة الاصلاح السياسي والاقتصادي التي يدور النقاش حولها في سورية منذ سنوات مسألة سورية بحتة ولكنها أصبحت مسألة قومية حسب تعبيراتنا الكلاسيكية. وهي تحتل أكثر فأكثر موقعا متميزا في النقاشات العربية المعبر عنها في الصحافة المكتوبة والمسموعة أو في الندوات واللقاءات العلمية، كما تحتل موقعا مهما في النقاشات العالمية الدائرة حول مصير الشرق الأوسط ومستقبله.
وفي سورية تحولت مسألة التغيير والإصلاح ألى المحور الرئيسي للحياة السياسية السورية الراكدة والمصدر الوحيد الذي يستمد منه النظام السياسي مشروعية استمراره وبقائه منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي بعد أن تفاقمت الأزمة الاقتصادية. وليس هناك شك في أن الآمال التي أثارها عهد الرئيس بشار الأسد منذ وصوله إلى السلطة عام 2000 قد نجمت عن تبنيه بشكل أكثر وضوحا من أي عهد سابق مفهوم التغيير الذي كان الرأي العام السوري والدولي أيضا ينتظره بفارغ الصبر بعد أربعين سنة من حكم الحزب الواحد والعصبة الثابتة المكرسة في مناصبها. لكن السنوات الثلاث التي مرت على العهد الذي أراد أن يكون عهد الإصلاح بامتياز، أظهرت أن التغيير في مثل هذا النمط من الانظمة يظل مسألة صعبة وإشكالية. وهو ما اعترف به الرئيس نفسه في مقابلاته العديدة مع الصحافة العربية والأجنبية. بيد أن الاعتراف بهذه الصعوبة التي لا يشك أحد بوجودها لا يمنع المراقبين للأوضاع السورية أيضا من الاعتقاد بأن العهد الجديد قد ضيع على نفسه فرصا عديدة كان من الممكن استغلالها بطريقة أفضل لتسريع وتيرة التحولات السورية. ومن هذه الفرص وربما آخرها الانتخابات التشريعية لعام 2002 التي كان من الممكن أن تكون وسيلة لتحقيق درجة أولى من الانفتاح على قوى المجتمع السياسي والمدني. ومنها أيضا تشكيل حكومة العطري الأخيرة في عام 2003 والتي كان الكثير ينتظر منها أن تكون أقل خضوعا لحسابات ومصالح مراكز القوى الفئوية والحزبية. ومنها أخيرا الاجماع الشعبي الذي ظهر على أثر العدوان الاسرائيلي في عين الصاحب، والذي أخفق النظام في استثماره لخلق حالة وطنية تساعد على الانفراج السياسي وتسمح بتوسيع قاعدة السلطة الاجتماعية.
لكن بالرغم من ضياع هذه الفرص جميعا ومرورها من دون أن ينجح الحكم الجديد في استغلالها لصالحه في سبيل تحقيق الانفتاح الأولي المطلوب وتغيير المناخ السياسي والنفسي السائد وإعطاء إشارة قوية بتبلور إرادة التغيير، لا يزال الأمل قويا في في أوساط الرأي العام السوري والعربي والعالمي المعني بالشأن السوري بأن فرص العمل للخروج من الأزمة لم تنفذ جميعا بعد. فالتخلي عن خيار الاصلاح لا يعني استمرار الأوضاع كما هي وإنما التدهور المستمر فيها سواء أكان ذلك على المستوى الاستراتيجي أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. كما أن أحدا لا يستطيع أن يفكر أو يعتقد بأن من الممكن لدولة كسورية أن تغامر بمستقبلها وتقبل أن تستمر تعمل حسب النظام القديم الذي ولد منذ أربعين عاما وتتراجع عن فكرة التغيير أو تدير ظهرها بهذه البساطة للعالم المحيط بها والذي يتغير بسرعة البرق. ثم إن قطاعات واسعة من الرأي العام السوري والعربي والعالمي تعتقد أيضا أنه لا يمكن للتهديدات التي تتعرض لها البلاد، بعد سقوط بغداد في أيدي القوات الأمريكية وإخفاق سياسة الاستئصال الإسرائيلية في فلسطين، إلا أن تزيد من راهنية مسألة التغيير وإلحاحها على الشعب والقيادة السوريين معا.
والواقع أن إشكالية التغيير كما هي مطروحة اليوم في سورية تثير أسئلة أساسية مثل: هل هناك مشروع تغيير حقيقي واضح أم أن الأمر يتعلق بعملية تجميل للنظام فحسب؟ هل هناك أسس موضوعية لحصول مثل هذا التغيير أم أن التغيير معلق برغبة ذاتية لبعض المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ؟ هل لدى قوى التغيير إذا وجدت الوسائل والأدوات القانونية والسياسية التي تمكنها من تحقيق نواياها الاصلاحية التي لا يبدو أن أحدا يشك في وجودها في سورية وخارجها معا أم لا؟ وهل نجح ما يطلق عليه اسم الحرس القديم في تجميد مسار الاصلاح السوري نهائيا أم أن ما كسبه هو جولة فحسب ؟ هل أخطأت المعارضة والمثقفون معها في التعامل مع حقبة ما بعد حافظ الأسد ولم يقدروا تماما طبيعة الصراع داخل النظام نفسه وعلى الصعيد الإقليمي فساهموا من دون قصدهم في تعثر المسار الاصلاحي أو في عرقلته، مثل ما يتهمهم بعض مناوئيهم، أم أن ما أشيع عن تطرف بعضهم هو ذريعة استخدمتها القوى المتضررة من الاصلاح للضغط على الفريق الاصلاحي داخل الدولة وعزله وتسفيه أطروحاته ؟ وأخيرا هل يساهم الوضع الجديد الناشيء عن احتلال الولايات المتحدة للعراق وتصاعد تهديداتها لسورية في دفع النظام البعثي في سورية إلى تسريع وتيرة التغيير والاصلاح أم هو يضغط في اتجاه تقوقع أكبر على وسائل القمع والتضييق القديمة التي أظهرت نجاعتها في العقود السابقة ؟
ليس لدينا من المعطيات بعد ما يكفي للإجابة الوافية عن هذه الأسئلة الصعبة جميعا. لكن التدقيق في ما يكتب عن سورية مؤخرا على أيدي المثقفين المستقلين أو القريبين في موقفهم من الحكم يؤكد ملاحظة أولى هي تزايد الشك في إمكانية تقدم عملية الاصلاح. وهذا ما يعكسه التبدل الحاصل في جوهر الجدال السياسي والوطني. فبعد أن كان موضوع المناظرة في الطور الأول يدور حول تعيين أولويات الاصلاح، هل هي للملف الاقتصادي أم للملف السياسي والاجتماعي، أصبح يدور اليوم حول ما إذا كان هناك مشروع فعلي وجدي للاصلاح أم لا. وتكاد كتابات المثقفين السوريين الذين شكلوا الفريق الأكثر نشاطا وانخراطا في تغذية عملية التغيير السوري بالأفكار والمشاريع الاصلاحية منذ بدايته في الثمانينات تقتصر اليوم على التأكيد المأساوي والمكرور لنهاية عصر الإصلاح أو للكشف عن أوهامه أو إعلان الحداد عليه.
تستند هذه الاستنتاجات المتشائمة واليائسة على حجج من الصعب للوهلة الأولى نقضها أو معارضتها. في مقدم هذه الحجج غياب النتائج المادية والملموسة على الأرض لأي شكل من أشكل التغيير بالرغم من التعديلات العديدة التي طرأت على القوانين الاقتصادية والإدارية. فهي تشير إلى أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية لا تزال كما كانت من قبل. بل إن هناك من المظاهر ما يؤكد على أن الوضع قد تراجع عن السابق على مستويات عديدة حتى بالمقارنة مع الأوضاع التي كانت سائدة قبل إطلاق وعود الاصلاح والتغيير في التسعينات. فبدل أن يتراجع الفساد زاد قوة وتفاقم نفوذ المحسوبية والزبائنية وتنازع شبكات المصالح الجزئية على حساب المصالح العامة الوطنية. وكما أن الإجراءات التحريرية للاقتصاد لم تجذب استثمارات جديدة لم تظهر الدولة من جهتها رغبة أكبر في الاستثمار العام أو في تشجيع الاستثمارات الخاصة. وبالرغم من الزيادة الطفيفة في المرتبات فإن الفقر لا يزال يزداد انتشارا وتوسعا كما أن الهوة لا تزال تتفاقم بين الشرائح الدنيا التي تشكل أغلبية المجتمع اليوم والقلة من المنتفعين من النظام، بموازاة انخفاض القوة الشرائية لمتوسطي الدخل وعدم تناسبها مع كلفة تأمين الحاجات الأساسية. ولا تزال الزيادة في المرتبات بعيدة جدا عن أن تمتص صدمة العجز الكبير الذي أحدثه تجميد الأجور خلال أكثر من عقد ونصف سابقين.
أما على المستوى السياسي فلم يقلل التخفيف الواضح من درجة العنف والقمع في معاملة المعارضين من قساوة التهميش والاستبعاد والعزل السياسي والمدني الذي يطال المجتمع بأكمله ولا من شدة قبضة النظام وشمول المراقبة والمنع جميع شؤون ونشاطات الحياة الفردية والجماعية. وأجهزة الأمن التي كادت تختفي من الواجهة منذ نهاية التسعينات عادت من جديد إلى مقدمة الحياة السياسية والمدنية وأصبح لها، أكثر من قبل، اليد الطولى في تسيير شؤون البلاد وضبط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والثقافية والإعلامية. وقد زادت في الحقبة الاخيرة بشكل غير متوقع الاعتقالات والملاحقات اليومية لأصحاب الرأي. وعمل تجريم الندوات والحوار، حتى داخل القاعات المنزلية المغلقة التي كانت السلطة تغض النظر عنها منذ أكثر من عقدين، على تحطيم جميع آمال الأجيال الجديدة في التغيير السلمي وأعاد الحياة بقوة إلى مشاريع الهجرة الداخلية والخارجية. ولا شك أن السياسات الإعلامية المريضة والقصيرة النظر قد أجهزت على كل الوعود التي قدمت لاحترام الرأي الآخر، بما في ذلك الرأي الآخر داخل صفوف الحزب الحاكم نفسه. ولم يحصل في أي حقبة سابقة أن بدا مصير البلاد مرتبطا كما هو عليه اليوم بمنطق واحد هو منطق الضبط الأمني على حساب أي منطق منتج آخر إقتصاديا كان أم إداريا أم سياسيا أم علميا أم ثقافيا أم وطنيا أيضا. ولم يحدث أن ألحقت نشاطات المجتمع كافة، الجمعية والفردية، بالأجهزة الأمنية وأخضعت لحساباتها ومخاوفها وتقديراتها كما هو حاصل اليوم بحيث أصبح منطق الأمن هو المنطق الوحيد الذي يسيطر على الحياة العمومية ويقضي في الوقت نفسه على أي حياة خاصة وعامة، اقتصادية وسياسية ومدنية. ولعل اعترافات كبار المسؤولين بوجود عقبات فعلية أمام الاصلاح وبعدم تنفيذ الكثير من القوانين الجديدة وحديثهم الدائم عن ضرورة التدرج ورفض التسرع في التغيير يزيد من صدقية حجج المعارضة والمثقفين واستنتاجاتهم المتشائمة.
بالتأكيد لا يعدم النظام حججا أخرى تفيد ما يعارض هذه الاستنتاجات أو يقلل من حدتها. وهي تميل إلى اعتبار ما يبدو للبعض وكأنه مظاهر إخفاق الاصلاح أو انتكاس في مسيرة التغيير أو التطوير والتحديث مجرد تعبير عن تأخر في الجدول الزمني أو عن ضغوطات في الوقت لا غير. وفي هذا الإطار يرد المدافعون عن النظام على منتقديهم من المثقفين والمعارضين باتهامهم بالاستعجال وتبني تصور متهور لمسار الاصلاح يمكن أن يؤدي بالبلاد إلى الفوضى. وهم يشددون في مقابل ذلك على أهمية التدرجية في التغيير من دون أن يغيب عن خطابهم التذكير بالنشاط الدائب لمؤسسات الدولة والحزب التشريعية والإدارية التي لم تتوقف عن إصدار القرارات الإصلاحية التي كانت حصيلتها مئات القوانين والمراسيم الجديدة والمجددة التي صدرت في السنوات الثلاث الماضية والتي مست ميادين النشاط الاقتصادي والنشاط الإداري بشكل خاص وجعلت من سورية بيئة قانونية مثالية للاستثمار. وحتى لو أن هذه القوانين لم تطبق كلها بعد أو لم تسمح بجذب الاستثمارات الأجنبية الموعودة إلا أنها قد أعدت، في نظرهم، الشروط الضرورية لقيام حالة اقتصادية جديدة لن تتأخر ثمراتها حتى تظهر في المستقبل القريب. ثم إنهم يعتقدون أن من المستحيل أن ننظر إلى مسيرة الاصلاح، وهذه حجة أخرى أساسية لأنصار النظام، بمعزل عن الأوضاع الوطنية الخاصة التي تمر بها البلاد وما تتطلبه من ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار في مواجهة التهديدات الأجنبية القوية والمتزايدة. وإذا كان العهد قد أظهر بطأ في تغيير التقاليد السياسية والثقافية فذلك لأن هناك خطر في أن يفسر التخفيف من القبضة الحديدية اليوم على أنه علامة ضعف وتنازل أمام هذه التهديدات يشجع بعض أوساط الرأي العام على الخروج على النظام كما يزيد من الأطماع الخارجية في تنازلات سورية وطنية إضافية. فأين تكمن الحقيقة في هذا الجدال ؟ هذا هو موضوع مقال قادم.