dimanche, octobre 03, 2004

هل الإصلاح ممكن في البلاد العربية؟


الحزيرة نت 3 أكتوبر 2004

عدت لتوي من زيارة البلاد العربية مثقلا باليأس والانكسار. فمن الواضح أن الإصلاح الذي نتحدث عنه منذ سنوات طويلة لم يحصل ولن يحصل، وأن الأمل بدأ يتآكل كما لم يحدث من قبل في أي مكان لدى الجمهور العريض الذي بدأ يفقد الشعور بأي انتماء وطني أو إنساني، وأن السياسة كما تتجلى في نظم العرب القائمة تبدو كالعارضة على القبر التي تدين الميت بالموت الأبدي ولا تترك له مجالا للأمل أو الانبعاث.
هل هي القيادات الضعيفة؟ هل هي البيرقراطية العقيمة والمعقمة للعقل والذكاء؟ هل هو الحرس القديم الذي يبسط نفوذه في كل الميادين ولا يسمح للجديد بالولادة والنماء؟ هل هو الجهل بمصائر الشعوب أم هو الأنانية والشره والاستهتار؟
يتبارى أنصار الحكومات العربية بالتذكير بعدد المراسيم والقوانين والإجراءات التي اتخذت من قبل الطواقم القائمة لإنعاش الاقتصاد وجذب الاستثمارات ومحاربة الفساد والإهمال. وعلى هذه الحجج ترد المعارضات بحجج أقوى، فتذكر أن القوانين والمراسيم والإجراءات لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وعندما تنفذ لا تغير من الوضع شيئا.
فالاقتصادات لا تزال فقيرة ومتهالكة ولا تكاد الاستثمارات المنتظرة والمتحققة تعادل شيئا بالمقارنة مع الرساميل الهاربة والمهاجرة. أما الفساد فكأنه يتغذى هو نفسه من لهيب معارك محاربته، وينمو عليها فلا يبقي أثرا لأخلاقيات مدنية أو سياسية.
”أول مبادئ الإصلاح هو إحلال معيار الكفاءة محل معيار الولاء، سواء أكان ولاء القرابة العائلية والعشائرية أو الزبائنية والمحسوبية أو ولاء شبكات المصالح الخاصة المتغلغلة في الدولة ”لكن يزداد الاعتقاد لدي كما هو الحال لدى غالبية الجمهور العربي المكوي بنار التدهور المستمر في شروط المعيشة وممارسة الحقوق والحريات التي تشكل علامة الاندماج في العصر الحديث والحضارة، بأنه حتى لو نجحت الحكومات في تنفيذ جميع القوانين والقرارات التي تصوت عليها أو تتخذها, وحتى لو شملت هذه القوانين والقرارات جميع ميادين النشاط الوطني، فلن تعطي نتيجة تذكر. وحتى لو كانت هذه القوانين والقرارات في الاتجاه الصحيح -وهو ليس من الأمور المعطاة، ذلك أن الحكومات قد تخطئ ومن حقها أن تخطئ- فإن الإصلاح سيظل بعيدا عنا.
تسيير الشؤون العامة يحتاج إلى صوغ قوانين واتخاذ قرارات، كما يحتاج إلى تطوير وتحديث الوسائل والأساليب المتبعة في الإدارة والتسيير الاقتصادي معا. لكنه يحتاج قبل هذا وذاك إلى نخب جديدة تدرك حاجات الشعوب وتتواصل معها وتحترمها وتتأثر بما تعاني منه، وتعرف أن المسؤولية والقيادة السياسية تعني المسؤولية والالتزام بالعمل على تحسين شروط حياة المجتمعات وضمان مستقبلها، لا استغلال المنصب السياسي لخدمة مصالحها الخاصة وضمان مستقبل أبنائها والمقربين منها.
ومن هنا وفي ما وراء كل المشاريع وبصرف النظر عنها، يتجلى الإصلاح في نظري في ثلاثة مبادئ رئيسية هي التي تشكل مصدر القوة التي يبثها في الشعوب والمجتمعات. وهي مبادئ لا تتعلق بشكل خاص بالاقتصاد أو بالسياسة ولا تتماهى مع تحديث الإدارة أو إحياء المجتمع المدني، ولكنها تتعلق بروح النظام العام وأسلوب عمله التي تنتشر أو ينبغي أن تنتشر في جميع المواقع والميادين، قبل أن تتحكم بكل نشاط اجتماعي وتحدد السلوك العام لجميع الأفراد في الاقتصاد والسياسة والمجتمع والمؤسسات على حد سواء.
فإذا ما انتشرت مبادئ الإصلاح في هذا النظام العام لا يهم بعد ذلك أكان الإصلاح الاقتصادي هو الأسبق أو الإصلاح السياسي، ولا إن شمل الإصلاح السياسي -وما يعنيه من تكريس التعددية والمشاركة الفعلية في القرارات السياسية- جميع الأفراد دفعة واحدة أم كان تدريجيا وبطيئا.
أول هذه المبادئ التي تخلق الحركة الإصلاحية الدافعة هو إحلال معيار الكفاءة محل معيار الولاء، سواء أكان ولاء القرابة العائلية والعشائرية أو الزبائنية والمحسوبية أو ولاء شبكات المصالح الخاصة المتغلغلة في الدولة أو ولاء الانتماءات الحزبية الضيقة والحاكمة.
وقاعدة الولاء هي السائدة اليوم في مجتمعاتنا العربية جميعا في ميادين النشاط العام بأجمعه, الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والإداري وفي المؤسسات والجمعيات السياسية والمدنية والأهلية. فما دام الموالي هو المطلوب والمنشود فالكفاءة محاربة وهاربة لا محالة ولا شيء يمكن أن يتجدد فعليا في أي نظام أو نشاط.
وسيظل النظام يشكو انعدام الكفاءات والأطر والاختصاصات، فهو بتسويده منطق الولاء لا يدفع إلى هرب الأطر الصالحة فحسب، ولكنه يعيد إنتاج وتكوين الأطر السيئة وبصورة سيئة أيضا وعلى نطاق واسع، وهي الأطر التي تستبدل العمل والجهد الجدي بالتزلف والتملق والممالأة والالتحاق. ففي هذا التزلف وتلك الممالأة وذاك الالتحاق يكمن مصدر صعودها وازدهارها، وهو الذي يعطي لها مكانتها وقيمتها.
وفي جميع البلاد العربية التي زرت لم تتخذ السلطة -ولا تريد أن تتخذ- أي مبادرات أو تقوم بأي جهود لتغيير الاتجاه وزيادة دور الكفاءة والمهارة والموهبة في ملء مناصب المسؤولية السياسية والإدارية. وإذا فعلت ذلك فبالقطارة وعلى سبيل ذر الرماد في العيون والدعاية.
ولذلك ورغم كل ما حصل حتى الآن ومن جميع الضغوط والتحديات، لا تزال العملة الفاسدة في الدولة والمجتمع على حد سواء تطرد في البلاد العربية العملة السليمة، ولا يزال قانون الولاء والموالاة هو السائد عربيا رغم الخطابات المتكررة عن فتح المجال أمام أصحاب المواهب والكفاءات وعدم قصر مناصب المسؤولية على أنصار النظام وأشياعه وتابعيه.
بل إن الملاحظة والتقصي يفيدان بأن المناصب الجديدة أو تلك التي تشغر بسبب الوفاة أو التقاعد أو الإقالة لا تكاد تعلن حتى يتم احتلالها من قبل موالي النظام أو أتباعه وأتباع أتباعه المقربين. فبدل أن تتراجع الظاهرة تتفاقم يوما عن يوم ويتزايد تكالب أنصار النظام على المناصب بصرف النظر عن أي معيار آخر غير التبعية والمحسوبية. ليس لهذا التوجه بالضرورة علاقة مباشرة بنوايا كبار المسؤولين في الدولة، لكنه متعلق بسلوك كل بيرقراطي حزبي يحتل منصبا متوسطا أو عاليا.
”ليس هناك إصلاح ممكن في أي مجال مع استمرار الضبط الأمني اللاقانوني واللاسياسي للمجتمع، فهو لا يقطع الطريق على كل مبادرة مستقلة عند الأفراد وإنما يقتل أي إرادة أو حتى رغبة في التقدم أو العمل ”فما يهمه هو تأمين قواعده أمام احتمال ازدياد مراقبة السلطة العليا لنشاطه، لذلك فهو يسد الثغرات الممكنة بتعيين الموالين والمقربين، والنتيجة أنه لا يؤدي الإعلان عن التغيير والإصلاح ومكافحة المحسوبية إلى التخفيف من آفة سيطرة الحزب الحاكم وأنصاره و"أزلام" النظام على المراكز والمناصب، وإنما إلى استشراء إرادة التضامن والتعاون والتكاتف بين جميع المستفيدين من قانون الولاء ومنطقه حتى تحولت المحسوبية إلى عملية استعمار زاحف للدولة وجميع الأنشطة الوطنية.
والمبدأ الثاني للإصلاح هو إحلال سلطة القانون محل سلطة أجهزة الأمن في تنظيم الحقل العمومي والحياة السياسية والمدنية. ومن الواضح لكل مراقب خارجي أن ضبط الفضاءات العامة والتحكم بالسكان يتنازعه في البلاد العربية اتجاهان رئيسيان: تطبيق قانون استثنائي أو ما يشبهه مع تعديلات تتيح كل أشكال التدخل المباشر وغير المباشر في حياة الناس وتضييق نطاق حرياتهم من جهة، وحرية التدخل المطلق وغير الخاضع لأي مراقبة أو محاسبة لأجهزة الأمن في حياة السكان -بصرف النظر عن أي قانون- حتى الجائر منه، من جهة ثانية.
فنظام الضبط العام يتردد بين نموذج معتدل يقوم على استخدام وسائل الدكتاتورية واحتكار السياسة والتعبير، وبين نموذج أقسى قائم على استباحة الفضاء العام من قبل قوات أمن تحولت إلى مليشيات تتصرف من دون قانون أو مرجعية أخرى غير إرادة المعلم ورغبته التي تتحول إلى قانون فوق القانون وقبله.
وهذا هو المضمون الحقيقي والعميق لما يطلقون عليه اليوم اسم الخطوط الحمراء التي يحددها المسؤول لعمل الناشطين الاجتماعيين من خارج القانون والتي تتحول هي نفسها إلى قانون يحكم القانون. ولا يعني الضبط الأمني للمجتمع شيئا آخر سوى التشريع لأجهزة الأمن لاستدعاء أي شخص في أي وقت ولأي سبب من دون تهمة أو مذكرة قضائية لتخويفه أو تهديده أو سجنه أو إخفائه من دون أن يكون في مقدرة الشخص وأي شخص أن يتردد أو يتلكأ أو يتأخر أو يرفض أو يعترض على ذلك.
إطلاق يد الأمن بحرية لإحضار الناس وتأديبهم أو تأنيبهم هو الوسيلة الرئيسية للإذلال والترهيب والتقزيم الذي يخلق شروط الإذعان، بل لا يترك للفرد خيارا آخر سوى الانسحاق والاستسلام أو التمرد والعصيان.
ليس هناك إصلاح ممكن في أي مجال مع استمرار الضبط الأمني اللاقانوني واللاسياسي للمجتمع، فهو لا يقطع الطريق على كل مبادرة مستقلة عند الأفراد وإنما يقتل أي إرادة فيهم أو حتى رغبة في التقدم أو العمل أو الإنجاز، ولا يقوم إلا على التحييد والشل والإسكات.
إن ما يرمي إليه الضبط الأمني للمجتمع هو إخماد روح النشاط كله عند الفرد لإخماد روحه السياسية وضميره الحر وشعوره بالكرامة، أي كل ما يجعل منه إنسانا مبادرا وفاعلا ومتطلعا للتراكم والإبداع، أي في الواقع قتل المجتمعات في سبيل ضمان الاستقرار والاستمرار للنظام.
وكل ما يتجاوز بشكل أو بآخر إرادة الحاكم أو كل ما يبدو أنه مخالفة للطاعة يترجم في منطق الأمن على أنه تهديد قائم ومؤكد للنظام، ويستحق رد فعل شاملا وحاسما يتجاوز دائما أصحابه المباشرين ليشمل دائرة واسعة من الأقارب أو الأصدقاء أو حتى الجيران.
والحال أنه بقدر ما يشكل الولاء الوسيلة الوحيدة لبناء قاعدة زبائنية عشائرية أو بيرقراطية لنظام يفتقر إلى طبقة اجتماعية منتجة فعلية -أي ذات مشروع اجتماعي وعمومي- يشكل الأمن بمنطق الضبط الميكانيكي الذي يمثله اللحمة الحقيقية للزبائنية المكونة من شرائح مشتتة ومتنافرة والروح الموحدة الخاصة لهذا النمط الاجتماعي السياسي الذي لا روح له.
ومن دون أجهزة الأمن الموحدة والمنظمة والشالة لأي إرادة وطنية أو عمومية أو اجتماعية، يظهر النظام على حقيقته كلفيف من أصحاب المصالح المتعادية والمتصارعة والمتنازعة كالذئاب على فريسة مشتركة واحدة. الأمن هو الحزب الحقيقي الواحد والدائم للنظم العربية لا ما تعلنه الدساتير أو القوائم الانتخابية من أسماء. وسيطرة الأمن التي تعني تفريغ المجتمع من أي إرادة وأي تنظيم مستقل وشله عن أي عمل ومنعه من أي حركة خاصة، هو اليوم العصب الحقيقي للدولة المفرغة من إرادة مجتمعاتها ومصدر استمرارها واستقرارها الوحيد.
المبدأ الثالث هو مبدأ المسؤولية الذي يعني الإحساس بالواجب والعمل بما يقتضيه هذا الواجب في ما يتعلق بالشؤون العمومية ومناصب المسؤولية. وربما كان المبدأ السائد اليوم عند المسؤولين العرب هو النقيض له تماما، أعني مبدأ التمتع واستباحة الموارد العمومية كما لو كانت ملكية شخصية.
”عندما تعني السلطة اللامسؤولية والتحلل من الالتزامات السياسية والأخلاقية يصبح الخروج منها أو الافتقار إليها رديفا للانحدار في سلم الإنسانية وبالتالي للخضوع والتجريد من الحقوق الأساسية”فلا يرتبط المنصب هنا بواجبات ولكن بتأمين فوائد ومنافع وامتيازات وحقوق. وليس للسلطة علاقة بالمسؤولية، بل إن العكس هو الصحيح. فالسلطة تعني التسيّد، ولا يشعر صاحبها بالتسيد إلا إذا وضع نفسه فوق القانون وجعل من موقعه ومنصبه درعا يقيه أي شكل من أشكال المحاسبة والمساءلة والالتزام. فالفوقية والارتفاع فوق القانون الذي يساوي بين الأفراد هو أساس التميز ومصدر الشعور بالأسبقية والامتياز، أي بالسلطة والسلطان.
والسلطان بالمعنى الشائع هو الذي يعيش في أقصى حالات الحرية والبذخ مع أدنى ما يمكن من الالتزامات والواجبات، بل إن مفهومه يتناقض مع الواجبات التي لا تقع إلا على الفقراء والمحكومين والمستضعفين. وعندما تعني السلطة اللامسؤولية والتحلل من الالتزامات السياسية والأخلاقية، يصبح الخروج منها أو الافتقار إليها رديفا للانحدار في سلم الإنسانية، وبالتالي للخضوع والتجريد من الحقوق الأساسية.
وبقدر ما يدفع هذا الوضع إلى تشبث المسؤولين جميعا وعلى كافة المستويات بمناصبهم وعمل المستحيل للبقاء فيها واستثمارها بصرف النظر عن مصلحة النظام ككل، يدفعهم أيضا -ما استمروا يتمتعون بفضائلها وامتيازاتها- إلى فرض الإذعان والانصياع على من هو تحت مسؤوليتهم وتكبيله برداء الذل والمهانة والسخرة اليومية.
والنتيجة هي ما نعرفه اليوم من انهيار أسس الحياة العمومية السياسية والمدنية واحتلال التنازع والتناحر والتنافس على السلطة محل العمل والاجتهاد المادي والفكري لإنتاج الثروة ومراكمة الإبداعات والابتكارات الحضارية. ويكون التأخر والتقهقر في شروط حياة المجتمعات موازيا ومواكبا لنشوء طبقة أرستقراطية تفرض نفسها بالقوة وتعيش على ريع المكانة والمنصب والأسبقية الاجتماعية.

mercredi, septembre 29, 2004

L'Islam n'est pas un obstacle à la modernité

L'Expansion
29/09/2004

Burhan Ghalioun: "L'Islam n'est pas un obstacle à la modernité"

Burhan Ghalioun est professeur de sociologie politique à la Sorbonne Nouvelle, paris III et l'un des auteurs du rapport sur le développement humain dans les pays arabes 2003, du Programme des nations unies pour le développement (PNUD). Interview.
Le rapport du PNUD met en exergue les difficultés sociales, économiques et politiques du monde arabe, comment cette région en est-on arrivée là ?
-- PUBLICITE --

On peut distinguer trois éléments de blocage. Le populisme, qui domine dans de nombreux pays depuis l’Indépendance, a étouffé les institutions et réduit l’Etat à la notion de communauté. Cela a principalement touché les pays situés autour d’Israël. Ce conflit est devenu un point de fixation. Le conflit avec l’autre a relégué en dernière position tout ce qui concerne le développement du cadre de vie intérieur.
Le deuxième élément de blocage est l’échec des modèles de développements économiques. L’instabilité permanente due à des conflits régionaux et la tension sociale très forte due à la nature des régimes n’ont pas permis un élan de développement d’autant que les investissements étrangers n’ont pas été au rendez-vous, tandis que les investissements nationaux s’exportaient. On se réveille aujourd’hui avec une situation catastrophique.
La troisième raison incombe aux pays industrialisés. L’Europe et les Etats-Unis n’ont pas été assez sensibles à la nécessité de faire décoller la région et pas seulement d’un point de vue économique mais aussi politique. Les occidentaux ont préféré continuer à s’appuyer sur des régimes autoritaires plutôt que sur des régimes démocratiques. Il est plus facile de garantir ses intérêts économiques avec des Cheikhs paternalistes, qui contrôlent la rente pétrolière.
Que pensez-vous du projet de Grand Moyen Orient de l’administration américaine ?
Les Américains tentent de lancer un slogan derrière lequel ils cherchent à refaçonner la région en fonction de leurs intérêts géostratégiques. Ils ont parlé de démocratie pour justifier leur intervention en Irak. Sur le plan pratique, il n’y a aucun acte qui prouve leur volonté de pousser dans ce sens. Depuis que Kadhafi a fait amende honorable, plus personne n’évoque la démocratie en Libye. Les occidentaux craignent que l’avènement de la démocratie dans cette région bénéficie en priorité aux islamistes et privilégient donc les régimes autoritaires actuels. C’est un mauvais calcul, car c’est à cause de ces régimes que l’islamisation se développe. C’est devenu un mouvement de masse, car le mécontentement s’est développé de façon incroyable face à des élites qui se comportent comme des bandits. Ce ne sont plus des groupes politiques, mais des groupes mafieux, qui tiennent le pays, se renforçant par le soutien extérieur. Ils n’ont aucun projet politique, mais seulement un projet économique : accumuler le plus vite possible et au maximum leur richesse. En un mot piller sans retenue.
Quel a été l’impact de l’intervention américaine en Irak ?
Cela a affaibli les régimes dictatoriaux, mais malheureusement cela n’a pas été accompagné par une démarche de démocratisation dans la région. Les Américains n’ont pas détruit une dictature pour faire une démocratie mais pour inciter les autres à jouer le jeu selon leurs règles. Le message est clair : vous lâchez sur nos conditions, comme les armes de destruction massives et nous vous laissons gérer votre pays à votre guise. La lutte contre une dictature va dans le bon sens si on veut mener un combat global dans la région contre les régimes autoritaires. Si c’est pour élargie nos zones d’influence, cela ne peut aboutir qu’à plus de désordres et de conflits.
L’islam est-il un élément de blocage ?
L’Islam n’est pas un obstacle à la modernité. C’est la forme de la modernité façonnée par les intérêts de certains groupes qui a fait faillite. Le retour à l’islam est une réponse à une crise profonde, qui vient combler le vide créé par l’effondrement d’une modernité devenue de plus en plus synonyme d’oppression, de totalitarisme et de sous-développement. Pour la grande partie des populations musulmanes, le retour à l’islam s’identifie avec la reconquête d’une identité collective dans un mode incertain. La majorité des classes moyennes y trouve un moyen de se procurer un cadre de références indispensable à la vie en société se substituant au cadre moderne qui a volé en éclats. C’est pourquoi, la réislamisation s’accompagne de toute sortes de démarches, comme l’apologie à la violence chez les groupes extrémistes. Mais elle se manifeste au sein des classes moyennes qui restent attachées à la modernité par le retour à la grande tradition du modernisme islamique du début du XXème siècle qui cherche, à travers la rénovation et la réinterprétation rationnelle, à moderniser la pensée musulmane pour l’adapter aux nouvelles exigences de la modernité.

Propos recueillis par Benjamin Neumann

lundi, septembre 27, 2004

la situation de la Syrie, entretien Al madina

Entretien avec Burhan Ghalioun, Directeur du Centre d’études de l’Orient Contemporain, La Sorbonne Nouvelle Paris III*

Propos recueillis par Hakim el Ghissassi pour L'Economiste marocain

Quelle est la situation de la Syrie aujourd’hui ?
La Syrie depuis la mort de Hafiz el Assad est dans une période de transition sur tous les plans, intérieurs et extérieurs. Sur le plan intérieur, tout le monde est conscient aujourd’hui que le système socio-économique bureaucratique fondé en 1963 par le parti Baas n’a rien apporté. Il y a un accord sur la nécessité de passer de l’économie dite planifiée à l’économie de marché, du système du parti unique au pluralisme politique, de l’idéologie totalitaire à la liberté d’expression, bref du régime de dictature légitimé par les exigences d’une révolution nationaliste qui a fait long feu, à un régime démocratique. Tout cela suscite un débat intérieur très dense. Sur le plan extérieur, la Syrie se trouve devant un ensemble d’échéances économiques, sociales et géopolitiques. Elle fait face à une grande pression américano- européenne visant à réduire son rôle régional alors qu’elle cherche désespérément à récupérer le Golan occupé par Israël. Elle attend avec impatience la signature des accords euro-méditerranéens grâce auxquels elle espère gagner la bataille de l’intégration économique.

Le système politique actuel est-il favorable à ces transformations ?

Le système politique du parti unique ne fonctionne plus, nous assistons à une mort de la vie politique. C’est au niveau de la société civile que se développent des courants qui appellent à des élections démocratiques, au respect des droits de l’homme. Nous assistons à l’émergence d’une littérature démocratique anti-étatique. La domination baasiste se trouve de plus en plus critiquée. Depuis 4 ans, il y a un débat sur la transition démocratique, cependant plusieurs animateurs des réformes politiques ont été arrêtés en septembre 2001. Il y a une volonté générale de rénovation politique ; même le parti Baas prépare prochainement un congrès pour la rénovation idéologique. Le parti communiste lui-même fait cet effort. Mais tout le monde semble piétiner. On n’arrive pas à avancer, comme si le système est bloqué de son intérieur.

Qu’est ce qui caractérise la scène politique syrienne ?

Ce qui caractérise les 4 dernières années, c’est cet agenda appelé réforme dont tout le monde parle. Le constat est que, vu l’équilibre des forces au sein du régime, les efforts de réforme n’ont rien donné, ils ont été avortés par la résistance des appareils. Le printemps de Damas n’a pas eu lieu, il a été très court. Dès le mois de septembre 2001, à l’aide de l’état d’urgence et de la loi martiale qui sont instaurés dans le pays depuis 1963, lors de l’installation du Baas, sans interruption ? les intellectuels et autres activistes ont été condamnés par des tribunaux d’exception, pratiquement sans droit de défense, à des lourdes peines allant de 2 à 10 ans pour le seul fait d’avoir donné des conférences, voire de participer aux conférence- débats qui se sont déroulés tous dans des salons privés. La réforme promise par le nouveau locataire du palais présidentiel a été une grande déception.

Et sur le plan extérieur ?

La Syrie, depuis l’accès de Hafiz Al Assad au pouvoir, a réussi, grâce à une intelligente exploitation de la guerre froide, à renforcer son influence régionale, s’implanter au Liban et devenir une pièce maîtresse dans la question palestinienne. Hafiz el Assad était maître dans ce jeu. Il a fait de la Syrie un interlocuteur incontournable. Mais cette stratégie fondée sur l’accumulation de la puissance politique, celles des cartes, en vue de la création d’un rapport de force favorable à la Syrie dans l’affrontement avec Israël et pour la récupération du Golan occupé depuis 1967 par Tel Aviv, n’a pas abouti. Devant l’extrémisme israélien et aussi à cause de l’appui inconditionnel de l’administration américaine à sa politique, elle a débouché sur une impasse. Non seulement le Golan n’a pas été libéré, mais le maintien de la présence syrienne au Liban, en Palestine, en Irak et en Turquie coûte de plus en plus cher à la Syrie. Il l’entraîne dans un affrontement direct avec les Etats-Unis, et depuis la dernière résolution 1559 du Conseil de sécurité, avec l’Europe et la France en particulier.
A la fin de la guerre froide et surtout après la mort de Hafiz El Assad, la marge de manœuvre de la Syrie s’est trouvée réduite. Elle appelait à une révision de sa politique régionale et à un renforcement de ses structures et défenses intérieures face aux tentatives évidentes des grandes puissances de réduire son influence extérieure.
Mais, Bechar Al Assad a pensé qu’il pouvait encore joué sur les compétition entre les puissances américaine et européenne pour étendre l’influence syrienne plus encore afin de relancer les négociation sur le Golan. Il n’a réussi qu’à attirer les foudres américaines et européennes qui le met devant un seul choix : de composer avec les forces de coalition ou de subir les conséquences d’une déstabilisation planifiée. Après la loi sur la responsabilité syrienne votée par le Congres, les intimidations militaires sur les frontières syro-israéliennes et syro-irakiennes, vient la résolution du Conseil de sécurité demandant le retrait immédiat des troupes étrangères du Liban, la Syrie se trouve obligée de composer avec les Etats-Unis et l’Europe sans discuter.
Elle est en train de céder, depuis la dernière résolution du CS qui a pris l’aspect d’un ultimatum euro-américain, sur de nombreux points. Elle accepte de satisfaire les demandes européennes sur la clause des armes de destruction massive liée à la signature de l’accord de partenariat euro-méditérranéen après un long refus, elle accepte de collaborer dans l’instauration d’une coopération militaire et sécuritaire tripartite, américano-syro-irakienne pour renforcer la sécurité des frontières de l’Irak et aider le nouveau gouvernement de Iyad Allaoui à s’installer et elle annonce un nouveau redéploiement de ses troupes au Liban.

Sur la proposition de la France, le Conseil de sécurité a adopté la résolution 1559, qui appelle la Syrie à se retirer du Liban, quelles sont les retombées ?

Comme je viens de le mentionner, la Syrie a commencé l’application de la résolution 1559, elle a annoncé le 22 septembre le redéploiement de son armée au Liban. Elle a accepté également en 2003, en réaction à la loi américaine sur le jugement ou la responsabilité de la Syrie, de ne plus défendre les organisations palestiniennes que les Américains ont dénoncées. Ainsi, toutes les activités du Hamas et du FLP (Front de Libération de la Palestine) ont été gelées. Les responsables syriens ont reçu, pour la première fois, une délégation parlementaire palestinienne reconnaissant ainsi de facto l’autorité palestinienne de Yasser Arafat. La Syrie est obligée de collaborer avec les politiques euro-americaines dans la région en espèrant arriver un jour à l’ouverture des négociations israélo-syriennes sur le Golan.
La vérité est que la Syrie se trouve dans une très mauvaise situation, une réforme qui n’arrive pas à s’imposer, malgré tous les efforts, une corruption qui continue à s’étendre, une croissance très faible, un investissement extérieur en deça des espoirs, un blocage du processus de modernisation démocratique et l’absence de tout espoir dans une éventuelle récupération de son territoire occupé par les Israéliens.
Il y a une pression extérieure de plus en plus forte afin d’obliger la Syrie à se replier sur elle-même et de lâcher toues les sources de puissances extérieures sur lesquelles elle comptait jouer. Elle n’a aujourd’hui qu’une seule chance d’en sortir, c’est de miser sur ses propres forces et de mettre en valeur ses ressources humaines et physiques. Cela veut dire une véritable réforme de structures capable de rétablir la confiance, une réconciliation nationale attendue depuis très longtemps, une ouverture démocratique réelle et une politique extérieure fondée sur le respect mutuel, la réciprocité et la coopération. Sinon, il n’y aura pas de remède à la dégradation de la situation ni intérieure ni extérieure.

Ce retour à la réforme intérieure n’est-il pas ce que demande l’administration américaine dans son projet de réforme du Moyen-Orient et de l’Afrique du Nord ?

La réforme américaine est un leur. C’est de la pure propagande. L’exemple de la Libye est très significatif ici. Ce que cherche l’Administration américaine c’est des changements de politiques dans le sens de la préservation de la suprématie israélienne et de la sécurité du pétrole. Elle s’attache avant tout à la dislocation du bloc arabe et à la liquidation des liens de solidarité de quelle que sorte qu’ils soient entre les peuples arabes. Pour le reste, il ne s’agit que de slogans qu’elle brandit pour faire pression sur les gouvernements arabes et les forcer à accepter de collaborer avec la stratégie américaine et pour leur arracher le maximum de concessions.

Donc c’est un échec du panarabisme ?

Cet échec est de toutes les façons le notre. Nous sommes responsables de l’avortement du projet d’intégration arabe, pas les Américains. Mais, eux, ils sont en train d’en tirer le grand profit. Les conséquences de cet échec ont été bien analysées dans les rapports du PNUD auxquels j’ai participé : pas de croissance, les processus de démocratisation restent faibles, le respect des droits de l’homme fait défaut dans une grande partie des pays arabes et dans le même moment, c’est la région du monde où l’influence étrangère est la plus forte.

Quel avenir ?

Reconstruire les pays à l’intérieur : respecter l’humain, favoriser son épanouissement, le former, reconnaître la souveraineté de chaque individus, sa personne, son rôle, sa place dans la sociétés, ses droits et ses devoirs, bref, refonder une vraie nation dans le sens moderne de terme à la place des peuples asservis, inféodés et inhibés qu’a crée l’oppression. Reconstruire les pays arabes à l’extérieur : refonder les relations interarabes sur des bases rationnelles basées sur la recherche de l’intérêt commun, le développement, la paix et l’intégration économique et politique au lieu de continuer à s’entredéchirer pour attirer la protection ou la bienveillance des puissances étrangère à la région. Toute la littérature sur le nationalisme arabe est dépassée, l’expérience européenne a montré qu’on n’a pas besoin d’appartenir à une race ou avoir une même langue pour se constituer en force économique et politique. Mais l’idée de l’intégration arabe reste cruciale. Car, l’une des causes principales de l’échec du monde arabe dans son démarrage économique et politique a été son incapacité à coopérer et à créer un ensemble cohérent.
Malheureusement, nous n’avons pas réussi à faire émerger des forces nouvelles pour porter ce projet de rénovation du monde arabe auquel nous appelons. Les seules forces qui émergent aujourd’hui sont les forces de la société civile. Elles cristallisent les aspirations des gens, dans la justice, la démocratisation. Mais, il y a des forces politiques qui vont être créées, les anciennes organisations se convertissent. Nous pouvons miser sur la maturation de certaines forces islamiques qui rejetaient les principes de la démocratisation et qui aujourd’hui se familiarisent avec le processus démocratique, c’est le cas de la Turquie. Les systèmes autoritaires n’ont plus d’avenir.


Cheikh Quardaoui, dans son discours de déclaration de la Constitution du Conseil mondial des savants musulmans, a dit que la première fatwa que nous faisons « dans l’absence d’un khalifat ce sont les savant qui prendront le flambeau et nous nous considérons à la place des khoulafas », que pensez vous ?

Si on veut dire par savoir la connaissance du monde, de ces dynamiques et la reconnaissance de la capacité de chaque individu à avoir une conscience politique je suis d’accord, mais je ne suis pas sûr que ce soit cela à quoi Quardaoui fait allusion. Pour lui il s’agit des savants religieux. Cela est dépassé. Il faut abolir toutes les tutelles politiques et intellectuelles pour reconnaître le droit de participation à tout le monde.

La demande de la réalisation d’un Etat islamique est-elle toujours à l’ordre du jour des mouvements islamiques ?

Je pense que l’Etat islamique a été un rêve. Il a beaucoup perdu de son impact après les expériences de l’Afghanistan, du Soudan et de l’Iran. Les islamistes, les plus conscients, s’orientent vers le model turc et donc vers la conception d’un gouvernement islamique qui réalise un programme et accepte le processus d’alternance et non pas un Etat islamique.

Y’a-t-il un développement de la pensée arabe ?

Contrairement à ce qu’on dit, le monde arabe a fait une rupture radicale avec la pensée d’il y a 20 ans. La pensée démocratique a gagné beaucoup je pense ; Nous avons gagné la bataille de la pensée, il reste à gagner la bataille du réel et transformer les sociétés.
Depuis, on a réussi à transformer l’idéologie arabe, elle n’est plus nationaliste ou socialiste soviétique, elle est devenue démocratique. Mais la transformation de la réalité est autrement plus ardue. Elle demande de rassembler les forces, avoir des stratégies cohérentes pour vaincre toutes les inerties, matérielles et intellectuelles, se libérer du joug des forces extérieures qui défendent leurs intérêts vitaux, comme le pétrole ou la défense de ce qu’elles appellent la sécurité d’Israël alors qu’il s’agit d’un véritable projet de colonisation. On voit bien que le poids du facteur extérieur est très lourd ici du fait, que le monde arabe est proche de l’Europe, il est au coeur de la stratégie atlantique.

Les hautes instances européennes ont ouvert les portes à l’opposant syrien Ghadry, que pensez vous ?

Ghardy a été monté par les services américains. Cela montre que les Américains et les Européens qui l’invitent ne veulent pas soutenir les véritables forces de transformation démocratique dans les pays arabes mais de simples instruments de domination. S’ils étaient sincères ils n’auraient pas du inventer des forces liées à eux mais aider des forces démocratiques sur place. C’est un instrument de pression et non pas un instrument de changement créé pour couper l’herbe sous les pieds des forces démocratiques et pour les discréditer.

Quelle position doit prendre le monde arabe devant les dangers qui guettent la Syrie ?

L’opinion arabe est très solidaire avec la Syrie. Il faut continuer à rester solidaire pour qu’elle récupère ses droits face aux menaces et pressions israéliennes, américaines et européennes injustes. Il ne faut pas que les fautes diplomatiques de ses responsables nous fassent oublier ses droits ni ceux des Palestiniens qui vivent dans un système d’apartheid de plus en plus renforcé.

Derniers livres :
- المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء العرب وتحولات العالم، (Les arabes et les mutations internationales)

- النظام السياسي في الاسلام، دار الفكر، دمشق (le système politique en Islam)

lundi, septembre 13, 2004

GLOBALIZATION AND DEMOCRACY

Before the widespread use of the term Globalization, and following the end of the Cold War, the field of international relations was briefly dominated by the short-lived concept of a New World Order. Fashioned in stages, this concept initially described a new economic world order sought mainly by developing countries during the 1970’s. Late Algerian president Houari Boumedienne offered a notable defense of the concept in his historic 1974 address at the United Nations’ General Assembly when he spoke in the name of all nations aspiring toward industrial development.
The concept later shifted to the domain of international information relations, becoming known as the new information world order. This was also instrumental to developing nations attempting partake in forming information and disseminating news internationally. Former director of UNESCO Amadou M’Baw, an active supporter of such broader participation, made this a pivotal issue during his term in office.The concept of a new economic world order vocalized the Third World protests of the unjust distribution of wealth among nations and prodded leading industrial nations to recognize the gravity of the prevalent inequality and to subsequently desist from actively attempting to the lower prices of poorer nations’ raw exports. Similarly the concept of a new information world order, defended vigorously by UNESCO in the 1980’s during a wave of hope in the Third World that economic, political and cultural liberalization could curb the monopoly of news agencies controlled by industrialized nations, brought forth new challenges to directing and providing information for the world over.
These successive waves of protest by poor nations against the prevalent world orders instigated the industrialized nations to respond with their own economic and military solidarity, building an exclusive alliance within the framework of NATO. The United States vehemently refused any re-working of the then-dominant order of international relations and labeled the effort to build a new information world order as another Communist conspiracy to censor and control free speech and free press. In protest, the United States withdrew from UNESCO and exerted substantial pressure on Amadou M’Baw to resign. This radical secession by the United States, along with a general reluctance by other industrial nations to reconsider the current situation, quickly dashed any hopes of opening international and multi-lateral negotiations on issues vital to all of humanity. Such censure of any debates on development, the exchange of knowledge, technical expertise or the redistribution of wealth and resources deeply undermined the validity of a world order as a conceptual framework open to research and questioning.
Nevertheless, the concept of a world order was quickly revived and energetically injected into the domain of international relations, this time in a stronger position than before. For following the end of the Cold War and in tandem with the Western coalition’s war against Iraq in the early 1990’s, the concept once again took center stage, donning, however, a new appearance and claiming a new content.Shifting from economic and information issues to political and geo-political ones, the concept, now refurbished, became a device employed by the industrial nations to exert pressure on developing nations, rather than the other way round. In the wake of Iraq’s invasion of Kuwait this new world order, proclaimed by President George Bush following French President Francois Mitterrand, meant not a redistribution of wealth and capital -- be it financial, technological or informational -- but rather an implementation of the so-called rules of international law which prohibited nations from attacking each other.In practical terms, this new world order no longer worked for change, but rather for fixing and stabilizing the existing political and geo-political situation. By controlling the UN Security Council -- whose decision are considered the foundation of international law -- the powerful nations actually controlled and inhibited any political or geo-political change that could have erupted in response to the preceding period. The wealthy industrial nations now could claim themselves as the guardians of a New World Order and the guarantors of international stability.
Around the same time, it was also argued that with the end of the Cold War, this New World Order would open new horizons for a world now safely guided by the United States and other powerful industrial nations. By halting the arms race, it was claimed, a surplus of capital could now be redirected toward developmental projects across the globe, especially for poorer nations. It was also argued that the end of the Cold War would result in the spread of democracy, as tensions in international relations were reduced and the illusions once vested into totalitarian regimes disappeared.
But hopes in this New World Order were short lived. The industrial nations did not increase assistance to poor nations, nor did they coordinate their efforts to help face the pressing needs of the poor. Democracy did not spread, and international law was not implemented. On the contrary, the advent of Bush’s New World Order saw the spread of ethnic and internecine wars in many poor nations, as the more affluent nations continued to vie ever-more greedily for larger shares in Third World markets, partially in an attempt to assuage the rise of unemployment within their own societies. It also became quite clear that no uniform standard was applied in implementing the so-called international law. All this lead the many critics of the industrial nations to depict such biased policies not as a New World Order, but rather as a system of Neo-Colonialism.
And so, gradually, the deployment of the term Globalization gained currency, initially limited to specific circles and domains, but eventually replacing the concept of a New World Order. The term Globalization was alleged to provide a conceptual framework with which to understand the domain of international relations in its constant permutations under a barrage of new information techniques and technologies. But once again, the same issues of importance to poor and developing nations returned: Will Globalization present greater opportunities for economic and social development and thus lead to democracy?
The second part of the question was and remains a matter of debate, resulting in two camps, broadly-speaking. The first side argues that the more Globalization lessens the grip of the nation-state on cultural and communicational arenas, reduces its capacity to maintain a strong base of political clients and connects internal development to the global market, the more it will increase the likelihood of democratic change in the Third World.
The other side, upheld by a wide spectrum of movements critical of Globalization and coming from a tradition of Marxist, leftist and critical thought, tends to argue the opposite position. As Hans-Peter Martin and Harald Schumann, authors of The Global Trap, contend in what has become a reference on the subject, Globalization constitutes the largest threat to democratic systems, not only for the developing nations but also for nations with a long tradition of democracy, namely industrial nations.
Their argument is that as the logic of a globalized economy -- namely the total search for the greatest profit -- spreads through society, the principle of political sovereignty loses its essence and its capacity to act. Political sovereignty is then reduced, according to the authors, to a mere stage upon which stands a crowd of alienated people as the state, caught in the trap of Globalization, capitulates its democratic legitimacy. Authority is then held by a minority, consisting of international speculators, business men, international mafias and multinational corporations, who in turn monopolize international markets and impose their policies on national governments. Briefly said, succumbing to the logic of international economy empties democracy of its essence and surrenders authority to the narrow interests of businessmen. Democracy requires not only the legality of the state, but also an ethic of liberty. Successful democracy includes a variety of political and social balances constantly checked by political parties, syndicates and other coalitions from civil society, as well as a minimum amount of solidarity and a fair distribution of wealth and resources. All this cannot be accomplished under the dire consequences of globalization, like the marginalization of the public and increased unemployment.
And so the question returns: Does Globalization offer the hope of a better future for democracy, or is it, rather, a major threat to democracy? Those who subscribe to the first point of view argue, firstly, that the leading democratic nations do actually seek a democratization of developing nations. For it is through such a process that these nations can promote and disseminate their own socio-political model, along with their values concerning individual freedom. They argue, secondly, that market capitalism, already dominant the world over, requires a similar and reciprocal political market based on the principles of competition among the individuals of the social elite. All of which means, they claim, that as the spread of economic liberalization promoting the West's influence and control of world resources increases, so will the odds of anchoring democracy in developing nations.
And yet, one could argue in response that there are no historical or logical reasons to support these assumptions. For although democratic nations, allegedly worried by the hegemony of totalitarian, fascist and communist regimes, speak often of spreading democracy, there is nevertheless no reason to believe that they are willing to prioritize such political ideals when dealing with other nations. For all nations, whether big or small, poor or powerful, do not base their politics on acts of good-will, or the development of living conditions, or the just governance of other nations, but rather on the basis of their own strategic and economic interests.
Moreover, after the demise of the largest totalitarian regimes, there are no longer any serious and extant threats to the current democracies and their interests which could have been used to justify an organized response. Rather, the maintaining of weak, unpopular and authoritative regimes which can easily be guided and manipulated is much more lucrative to powerful nations than the presence of real democracies; especially as such political systems cannot but reflect and express the longing of Third World populations for international justice, development and equal participation in world politics.
The 20th century abounds in unfortunate examples of how modernizing projects in developing nations -- whether successful or not -- seldom accomplish capital growth within the framework of international competition without implementing harsh measures to maintain low wages. For here in the Third World, economic liberalization undeniably requires an usurping of political authority. This is still evident today among the so-called "Asian tigers and dragons" like China and in any other nation seeking expedient capital accumulation in the current age. The epoch of concordance between the system of economic freedom and the system of political freedom is long past. And yet the major world powers show no compunction when painting a veneer of democracy and cultural diversity over what are essentially authoritative and repressive regimes -- regimes ruled by a small minority of agents who depend on outside forces and outside intelligence agencies to maintain stability and order. This beautifying veneer, which hides a rule of brutality, has become a necessary component of the now dominant world order, as it is also a specious requirement for gaining international legitimacy.
However one should not, as many critics do – making them correct only in principle -- apply suppositions valid for industrial nations on developing nations. For even if Globalization does threaten democracies in industrial nations, this does not necessarily mean that it threatens developing nations in equal or similar terms. True, Globalization threatens democracy in industrial nations, as it tends to destroy those spaces once open to freedom for both political activity and civil society -- and indeed democracy created these individual and societal spaces. Yet Globalization does not constitute the same threat to societies which never witnessed such spaces of freedom, let alone democracy. In such societies, Globalization is bound to damage some of the fortresses of the state that imprison much of society. In such cases Globalization would actually promote the creation of different and newer spaces, slightly less likely to be subjugated by the apparatuses of censorship, control and group punishment.
Therefore it is incorrect to simply state that the effects of Globalization on democratic systems and authoritarian regimes are one and the same. Nor is it correct to reductively claim that Globalization is marching along, with all societies, toward democracy. Rather, Globalization -- regardless of the nature of the society -- has two contradictory impacts: In dismantling the nation, Globalization shakes the foundations of the ethics of liberty and the state's legality as it encourages systems of social, racial, religious and sectarian discrimination. Also, through increased polarization it destroys social, political and national accountability as it entrenches instability and tension within societies. Moreover, by centralizing wealth and resources in the hands of a few, and within a limited number of locales, it stops the economy from growing in tandem with demographic changes and deepens the chasm that separates North from South, leading to increased unemployment, or even famine.
And yet, by opening up national spaces -- internally by breaking the monopoly of a system of political feudalism, and externally by connecting formerly separate spaces to each other -- Globalization promotes a unification of standards. This creates a shared world consciousness of the challenges facing humanity. In other words, it deepens the democratic consciousness, making democracy a common reference for all inhabitants of the earth. Moreover, Globalization gradually allows for the construction of an unprecedented network of international solidarity from which common solutions to common problems can be fashioned. The obvious discrepancy lies in the fact that Globalization promotes the demands of an international democracy, while it weakens the objective conditions for establishing viable national democratic systems.
What prevails is a Globalizing democracy that functions in different registers and on different levels, and possibly transforms the classical concept of individual freedom into an illusion. Therefore, the effect of Globalization is contingent on the nature of the effected societies. Globalization can rattle the old authoritarian regimes, as it can destabilize the classical democratic systems. And although we will continue to witness oligarchic regimes employing a merely executive and formal democracy, the contradictions will continue to loom larger, thus digging an unbridgeable gap between the high principles of democracy and the prevalent dysfunctional realities. These situations will necessarily lead to changes within the system of Globalization itself. For Globalization does not, in fact, increase or inhibit the chances for democracy. Rather, it undoes the foundations upon which the classical concepts of democracy were erected. Therefore it will no longer be possible to reconstruct democracy without an international perspective, one that surpasses the limited national/ethnic principle which once permitted the social solidarity with which national democracies were built. And yet, we ask again: Will globalization allow the building of coalitions among international, political and social groups capable of accomplishing an international solidarity, and thus a surge of national democracies?
The answer is affirmative. For in as much as the now dominant system of liberal Globalization promotes the destruction of democratic structures and disseminates chaos in international and social relations, it will also exacerbate and instigate various movements of protest. It will give birth to various forces able to resist the dominant order -- but only as long as they can construct a strategy for an international alliance able to regain the values of democracy in tangible and actual reality.
The future of democracy in the globalized world, and with it the future of human societies, hinges on the outcome of the struggle between two forces. There are those who put politics and society -- i.e. the logic of humanity and solidarity -- at the top of their political agenda and look beyond national borders for solidarity. And there are those forces which deploy the logic and priorities of economic expansion, undermining the relevance of the nation state, dismantling the structure of society and promoting the monopolies of financial agglomerations and the few sham governments that collaborate with them for the sake of expedient profits.
Building an international democracy will not come about without the tenacity to face this conflict based on the gradual accumulation of the successes of international solidarity movements. Only such a diligent resistance can control the unchecked flow of globalized capital and redirect it away from the logic of unrestrained market competition and into the logic of a human society founded on the primacy of an ethics of solidarity, cooperation and concordance.

Translated by Walid Sadek, Beirut

mardi, septembre 07, 2004

أين هي الثقافة العربية

لقاء أجراه عبده وازن
للحياة اللندنية

العالم قبل 11 أيلول ليس هو نفسه بعده: أين هي الثقافة العربية، برأيك من هذا اليوم التاريخي الحاسم؟


برهان غليون:

لا أدري ما المقصود بالسؤال عن موقع الثقافة العربية من هذا الحدث؟ هل هو معرفة ما إذا كانت هذه الثقافة قد استوعبت المضاعفات السياسية والاقتصادية والثقافية الراهنة والمستقبلية لحدث كبير بحجم هجوم ايلول أم هو معرفة موقف هذه الثقافة من الحدث على مستوى الأخلاق الانسانية. لكن مهما كان الحال لا أعتقد أن سؤالا كهذا يمكن الإجابة عنه. أولا لأن الثقافة لا تستوعب ولا تستجيب ولكن الذي يستوعب ويستجيب هم البشر الذين يعيشون داخل الثقافة وعلى هامشها وفوقها متصلين بثقافات أخرى ومدفوعين بضغط الوقائع التي تسمح لهم بتجاوز شرطهم الثقافي الأصلي أو المفترض كذلك. وثانيا لأن الأهمية التي يأخذها أي حدث، مهما كان كبيرا بالمنظور العام، لا يتوقف عند جماعة ثقافية ما على المعايير الثقافية وحدها ولكن أيضا على حسابات سياسية واستراتيجية.
وبالمقابل يمكن التساؤل عما إذا كان العرب أو نخبهم الثقافية والسياسية التي يفترض أنها تمثلهم، وهو افتراض ضعيف جدا أيضا، قد استوعبوا هذا الحدث، وهل كان تمثلهم لدروسه وآثاره المحتملة موافقا لما حدث أو قريبا منه أم أنهم أخفقوا في ذلك.
وفي اعتقادي أن الوعي العربي العمومي، أي المتوسط الذي يعكس الثقافة بالمعنى الذي ذكرت، قد أعطى حدث ايلول الأهمية والتفسير اللذين يتناسبان مع حقيقة تأثيره على مصيرهم وتطور الأحداث في المنطقة. وفي نظري لم يغير هذا الحدث بالرغم من هول الصدمة التي أحدثها كثيرا في اتجاهات التطور العامة التي كانت سائدة قبله، بالرغم من استخدامنا المتكرر اليوم لعالم ما بعد ايلول. إن كل ما فعله هو أنه سرع في تطور بعض الاتجاهات وكشف عن بعضها الآخر وعزز بعضها الثالث. فالبنود الأساسية التي لا تزال تحتل أجندة السياسة الدولية وهي نزوع الولايات المتحدة الأمريكية إلى السيطرة العالمية، بعد زوال الحرب الباردة، والحرب ضد الارهاب والعولمة كانت موجودة قبله واستمرت بعده مع بعض التعديلات البسيطة في بعضها. وربما كان الأثر الأكبر لحدث ايلول هو مساهمته في تعزيز نظرية صراع الحضارات وتقديمه المبررات السياسية والفكرية لانفلات إرادة الهيمنة ونزعة السيطرة الامبرطورية الأمريكية. لكن على جميع الأحوال ليس هو الذي كون أيا منهما.
من هنا ما كان من الممكن لحدث ايلول أن يفهم ويستوعب بالصورة نفسها في العالم العربي وفي العالم الغربي. فكما كان من الطبيعي أن يضخم الغربيون من مفعول هجوم ايلول 2001 ليؤكدوا على أطروحة تمايز الحضارات وتفوق الحضارة الغربية الأخلاقي، كان من الطبيعي للعرب أن يقللوا من أثر هذا الهجوم ولا يرون في ما أحدثه أو يحدثه أي جديد. وفي المنطقة لم يغير الحدث لا من سياسة الاستيطان الاسرائيلية التوسعية ولا من الدعم الأمريكي غير المشروط لها ولا من الحرب التي بدأت منذ 1991 ضد العراق وانتهت باحتلاله من قبل القوات الأمريكية ولا حتى من موقف الدول الغربية من الحكومات المحلية الفاسدة والعاجزة. وهو يبدو أكثر فأكثر في مرآة الأجندة العربية الأهلية وسيلة للابتزاز وتبرير سياسات عدوانية ضد العرب أكثر مما يظهر كحدث مؤسس لأي توجهات جديدة عالمية خطيرة، سلبية كانت أم ايجابية.

mardi, août 24, 2004

تعليق على كتاب النظام السياسي في الاسلام لرضوان زيادة


الدولة في الفكر الإسلامي الدولة الإسلامية.. حقيقة شرعية أم وهم؟
د. رضوان زيادة
24/08/2004
غلاف كتاب النظام السياسي في الإسلام *
مع صعود مد حركات الإسلام السياسي الموصوفة بـ"الإحيائية" لدى مناصريها و"الأصولية" لدى منتقديها، برز مصطلح أخذ رواجا منقطع النظير، إنه مفهوم "الدولة الإسلامية". لقد بدا هذا المفهوم للإسلاميين وكأنه يحقق لهم طموحا أو أملا افتقدوه منذ عقود ولا سيما مع إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924م على يد أتاتورك. لقد بقي هذا المفهوم أشبه بالنموذج المثال الذي يُحدد بالسلب أكثر من تحديده بإحداثياته الخاصة؛ فالنظام الاقتصادي في الدولة الإسلامية -على سبيل المثال- لا يعتمد النموذج الاشتراكي في توسيع القطاع العام وسيطرة الدولة على وسائل الإنتاج، ولا هو كالنموذج الرأسمالي في إطلاق حرية اقتصاد السوق وانفتاح الأسواق على بعضها، إنه لا هذا ولا ذاك، إنه نموذج خاص بالدولة الإسلامية، لكننا ما نزال -إلى الآن- نفتقد أسسه وفلسفته التي يقوم عليها.
الحركات الإسلامية مدعوة لإعادة النظر في مفهوم "الدولة الإسلامية"
ومع دخول حركات الإسلام السياسي في خصام أو في دوامة العنف مع معظم الأنظمة السياسية في العالم العربي، أو في دخولها في إطار التعددية الحزبية القائمة في بعض الأقطار مثل الأردن والمغرب وغيرهما، بدا أن هذه الحركات مدعوة لإعادة النظر في الكثير من مفاهيمها التي بنت عليها خطابها، وأسُّ هذه المفاهيم هو مفهوم "الدولة الإسلامية" الذي حاول الكثير من المفكرين والمثقفين العرب النظر إليه وفق تاريخيته الزمنية وأصوله المرجعية.
لذلك يحاول برهان غليون في حواره مع محمد سليم العوا حول "النظام السياسي في الإسلام" أن يميز بين ما يسمى بالنظام السياسي في الإسلام ومفهوم "الدولة الإسلامية"؛ فالنظام السياسي يشير إلى مجموعة القواعد والمبادئ والأهداف التي تحدد نمط ممارسة السلطة العامة في المجتمع، سلطة الحكم، أي أسلوب استثمار الموارد المادية والمعنوية التي ينطوي عليها حقل سياسي معين. أما مصطلح الدولة الإسلامية فإنه مصطلح مبتدعٌ حيث يعبر عن تأثر الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر القومي الحديث السائد، ذلك أن هذا الفكر هو الذي يُعطي للدولة هذه الأهمية الاستثنائية والخاصة التي تجعل منها المعبود الحقيقي للمجتمع؛ لأنه يُطابق فيها بين هوية هذا المجتمع وقيمه ونظامه وغاياته، وهكذا فلم تكن للدولة في الإسلام الأول قيمة إيجابية، ولم يكن لها في الإسلام التاريخي نفسه القيمة التي نميل إلى إعطائها لها اليوم، والتي جاءت بالضبط من السعي إلى التقليل من أهمية الدين، بل تهميشه وخلق بديل عنه.
ولذلك فالصراع اليوم بين الحركات الإسلامية وأعدائها ليس على تعيين حقيقة الإسلام أو على معرفة جوهر رسالته، وإنما يرتبط نزاعهم النظري بالصراع على السلطة الذي يتمحور حول مسألتين رئيسيتين هما: تداول السلطة وعلاقة الدولة ومؤسساتها بالمجتمع.
فالحركات الإسلامية تجد في الدين مصدرا مقابلا لشرعية فرض التداول على السلطة، وإزاحة النخب الحاكمة عن مواقعها، وبنفس الوقت فإن مرجعية الدين ودوره في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يشكل أيضا مصدر خلاف حقيقيا بين أنصار الحركات الإسلامية والأحزاب السياسية المنافسة لها.
لكن وبالرغم من الأصول الشرعية والفقهية التي تبني الحركات الإسلامية عليها خطابها، فإن ذلك لا يمنع من نشوء حركة إسلامية ديمقراطية بالمعنى العميق للكلمة كما يرى غليون؛ إذ من شأن هذه الحركة أن تعكس هموم قطاع كبير من الرأي العام العربي الحريص على القيم الدينية، والمتمسك بها، وتعمل مع الحركات الاجتماعية والسياسية الأخرى على أسس ديمقراطية في التوصل إلى الحلول المطلوبة، لإقامة نظام مجتمعي يضمن المساواة والعدالة، والحريات الفردية لجميع المواطنين.
وإذا كان الكثير من الباحثين يعتقدون بأن الديمقراطية ينبغي أن تكتفي بمصدر الشرعية الشعبية وتنأى بنفسها عن أي علاقة مع الدين، فإن غليون يرى العكس؛ فمحاولات دمقرطة الفكر السياسي الإسلامي يمكن أن تمنح المساعي القائمة لتعزيز فرص التحول الديمقراطي في البلاد العربية: مشروعية إضافية تُساهم في تدعيمها.
فغليون إذن يرفض مفهوم الدولة الإسلامية لاعتبارين: الأول هو عدم مشروعيتها داخل الإسلام كدين، والثاني: أنها شكل من أشكال الدولة الدينية التي تجاوزها الجميع باتجاه الدولة الديمقراطية التي تكفل قيام الحق والقانون، وترسخ مبدأ المواطنية كأساس للتعامل بين الجميع.
وما يمنع العرب من إنجاز دولتهم الديمقراطية، ليس طبيعة التراث الفكري الديني أو العقلي في الحضارة الإسلامية، وإنما يتعلق الأمر بقوانين عمل الديناميكيات الجيوتاريخية السياسية والاقتصادية، ولا سيما إجهاض الثورة الصناعية ومحركها التراكم الرأسمالي في العالم العربي.
نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة.
أما محمد سليم العوا فإنه يقرُّ بداية بأن نموذج الدولة الإسلامية ليس فيه نص قرآني صريح لا يحتمل في تأويله الاختلاف، ولا نص سنة صحيح الورود قطعي الدلالة؛ ولذلك فإن لعلماء المسلمين أن يجتهدوا في شأن هذه الدولة في كل عصر بما يحقق مصلحتهم في عصرهم، ولا يغلق الباب أمام من يأتي بعدهم ليجتهد كما اجتهدوا.
والدولة لدى العوا مرادفة لكلمة الشريعة، التي أثبتتها نصوص صريحة قطعية الورود والدلالة، وأكثرها ظني فيهما أو في أحدهما، وعليه فيكون الفقه المبني على النوعين معا هو الاجتهاد البشري في فهم النصوص القرآنية والنبوية.
لكن قبول العوا هنا لمصطلح "الدولة الإسلامية"، ثم بناء نصه عليه، عبر اجتهاده في قبول التعددية الحزبية وتشريعه لوضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية وغير ذلك يدلنا على أن مصطلح "الدولة الإسلامية" ليس قائما بذاته معينا ومحدد المعالم والقسمات، إذ يمكن -وفقا لذلك- قبول البرلمان، عندها تكون الدولة الإسلامية أشبه بالنظام التداولي، وهكذا يحتفظ العوا بالتسمية لكنه ينفتح باتجاه قبول كل الاجتهادات، بيد أنه من الأفضل له بداية أن مصطلح الدولة الإسلامية ليس تعبديا، وإنما النظام الذي يدعو إليه الإسلام وفق نصوصه المقاصدية يهدف إلى تحقيق المثل أو الغايات العليا وعلى رأسها العمل، ولذلك على المسلمين أن يتوسلوا بأي نظام يحقق هذه المثل، وعندها لن تكون هذه الدولة إسلامية بالمعنى الذي يطلق على الدولة الدينية أو الثيوقراطية، وإنما دولة مدنية تحترم الإسلام في قوانينها وتشريعاتها وتحقق مثله وأهدافه العليا في مبادئها وأطرها العامة.
ويبدو النقد ذاته منطبقا على مفهوم العوا عن التعددية الحزبية؛ إذ يعتبر أنه "لا تثريب اليوم على دولة إسلامية إن هي سمحت بتعدد الأحزاب. وأنها يجوز لها، بل يجب عليها، أن تشترط على هذه الأحزاب الالتزام بقيم الإسلام وأحكامه، ثم تدعها بعد ذلك وما تدعو إليه من برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها".
يبدو عندها مفهوم التعددية ملغيا تماما، ولا يصح إلا على شبيهنا، كما يقول لسان حال العوا، وهذه الحال أشبه بالنظم الشمولية التي تدعي التعددية الحزبية لكنها تربط هذه التعددية بالأحزاب التي تماثلها فكرا وسياسة وعقيدة، وعندها تكون التعددية أشبه بشهادة الزور منها إلى التعددية الحقيقية؛ لذلك يبدو مفهوم التعددية بمثابة المحك الرئيسي الذي يكشف مدى قبول الدولة الإسلامية بالآخر، والاعتراف بالاختلاف المتساوي مع جميع الفرقاء.

mercredi, août 18, 2004

عولمة الديمقراطية أو ديمقراطية العولمة


بعد الضجة الكبيرة التي أثارتها مبادرات الاصلاح الخارجية في سياق البحث عن وسيلة لإضفاء الشرعية على مشروع السيطرة الأجنبية على مقدرات منطقة الشرق الأوسط الاستراتيجية همدت الأمور وصمتت الأصوات جميعا: تلك التي كانت تنادي بالاصلاحات العتيدة في العاصمة الأمريكية وتلك التي كانت تهول في الأمور في أوساط النخب العربية ومحازبيها. وبالرغم من أن هذا التراجع الغربي عن التلاعب بشعارات الاصلاح والديمقراطية حرصا على تعاون الحكومات لم يضعف علاقات التبعية ولا قلل من أثر الهيمنة الأجنبية كما أنه لم يزد فرص الاصلاحات الداخلية إلا أنه أعاد المنطقة إلى السؤالات القديمة ذاتها التي أثارها جمود الأوضاع العربية والتي كنت أعتقد ولا أزال أنه من المستحيل الرد عليها من أفق الخصوصية الإقليمية أو بالأحرى من خارج أفق العالمية. ولعل أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها بعد سقوط غبار هذه المعركة الاصلاحية الوهمية هي أن الحقائق العالمية الكبرى لعصر العولمة قد فرضت نفسها على خصوصيات الأوضاع العربية وبينت أن العالم العربي، بالرغم من كل ما يتميز به وضعه من سمات استثنائية مرتبطة بمسائل النفط وإسرائيل وحساسية الموقع الجيوستراتيجي خضع في النهاية للقوانين العمومية لحقبتنا التاريخية.
وكانت العولمة قد طرحت منذ عقود وقبل أن تتفجر الأزمة الكبرى الشرق أوسطية مسائل التحول الديمقراطي ضمن الاشكالية العالمية على النحو التالي: هل تقود العولمة إلى زيادة فرص التحول نحو الديمقراطية في البلاد العربية كما هو الحال في بقية الدول النامية بل والعالم أجمع؟
وقد برزت في الاجابة على هذاالسؤال وجهتا نظر متناقضتان. تقول الأولى إن العولمة بقدر ما تضعف من سيطرة الدولة الوطنية على فضاءاتها الثقافية والإعلامية الخاصة، وبالتالي بقدر ما تقلل من قدرتها على تكوين قاعدة إجتماعية واسعة من الزبائن السياسيين، وتربط مصير التنمية فيها بالسوق العالمية، لا بد أن تدفع إلى زيادة فرص التحولات الديمقراطية وتوسيع دائرة الانخراط فيها من قبل المزيد من بلدان العالم الثالث ومنها البلدان العربية.
أما وجهة النظر الثانية التي يدافع عنها تيار نقد العولمة، وريث الاتجاهات اليسارية الماركسية والنقدية عموما، فقد كانت ترى عكس ذلك تماما، أي أن العولمة تشكل أكبر تهديد للنظام الديمقراطي، ليس في البلاد النامية فقط ولكن في بلدان الديمقراطية الناضجة والراسخة ذاتها، أعني البلدان الصناعية الكبرى نفسها. وأهم الحجج التي قدمت لتفسير ذلك تركزت على ما بدا ولا يزال وكأنه جوهر العولمة والدافع الحقيقي والعميق لها, أي توسع الرأسمالية. فبقدر ما تتقدم عملية التوسع الرأسمالي هذه وما تعنيه من دمج للأسواق وفتح لأسواق جديدة كانت مغلقة أو هامشية أو مهمشة سوف يسيطر منطق الربح الذي هو منطق الرأسمال على حياة المجتمعات ويدفع إلى الخلف جميع المعايير والمؤشرات الأخرى الثقافية والسياسية والاجتماعية. وبقدر ما يسيطر منطق البحث الشامل عن أقصى الأرباح، ويعم جميع بقاع الكرة الأرضية سوف تفقد الدولة والسلطة السياسية التي تمثلها محتواها ومقدرتها على عمل أي شيء، وتتحول برمتهاإلى مسرح يضم حشدا من رحال مسلوبي الإرادة. وفي هذه الحالة لا بد أن تفقد الديمقراطية التي هي المحتوى الحقيقي للدولة الحديثة أو الدولة الأمة شرعيتها. ومن هنا تصور هؤلاء أن العولمة ستكون لا محالة مصيدة الديمقراطية.
ولا يعني فقدان الدولة الحديثة لمحتواها الديمقراطي شيئا آخر هنا سوى تراجع سيطرة المجتمع على السلطة العمومية أو المركزية لصالح أقلية من المضاربين الدوليين ورجال الأعمال والمافيات العالمية والشركات المتعدية الجنسية التي سوف تستخدم نفوذها وأدوات سيطرتها أو ضفطها على السلطة العمومية كي تفرض سياساتها على الحكومات وتهيمن على الأسواق الدولية.
باختصار تفيد نظرية تعارض العولمة مع الديمقراطية بأن الخضوع لمنطق الاقتصاد، أو بالأحرى منطق الربح، لا بد أن يفرغ الديمقراطية من محتواها ويضع السلطة جميعها في أيدي أصحاب الرساميل الذين يقررون وحدهم، في الواقع، ومن منطلق تحصيل أقصى الأرباح، مصير المجتمعات البشرية. وبالعكس، تحتاج الديمقراطية إلى أخلاقية الحرية وإلى دولة قانونية وتوازنات سياسية اجتماعية يضمنها التنظيم الحزبي والنقابي التعددي والمجتمع المدني عموما، كما تحتاج إلى حد أدنى من التضامن والتوزيع العادل للثروة. ولا يمكن تحقيق ذلك في سياق تطور العولمة وما تقود إليه من تهميش متزايد للجمهور الواسع وتعميم للبطالة.

في الواقع ينطلق أصحاب وجهة النظر الأولى التي تراهن على العولمة في سبيل تحقيق المزيد من الاصلاحات الديمقراطية من فرضيتين رئيسيتين أولاهما أن الدول الكبرى الديمقراطية تسعى إلى، أو هي معنية بتحقيق الديمقراطية في البلاد النامية على سبيل تعميم نموذجها الاجتماعي السياسي وتوسيع دائرة انتشار قيم الحرية الفردية التي تؤمن بها. وثانيهما أن رأسمالية السوق نفسها، وهي السائدة منذ الآن في العالم كله، تفترض وتتطلب ما يمكن اعتباره سوقا سياسية مماثلة ومقابلة لها تقوم على قاعدة التنافس بين أفراد النخبة الاجتماعية على الوصول إلى مناصب المسؤولية. وهذا يعني أنه بقدر ما تتجه الأمور في اتجاه الليبرالية الاقتصادية وتتوسع دائرة النفوذ والسيطرة الغربية على المقدرات العالمية، ترتفع حظوظ تحقيق الديمقراطية في البلاد النامية.
والحال ليس هناك تاريخيا ومنطقيا ما يدعم هاتين الفرضيتين. إن الدول الديمقراطية الكبرى تتحدث بالفعل عن تعميم القيم الديمقراطية، وهي تخشى سيطرة النظم الشمولية مثل النظم الفاشية والشيوعية، لكن ليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأنها مستعدة لوضع الخيار الديمقراطي في مقدمة أولوياتها في علاقاتها بالدول الأخرى. إن الدول سواء أكانت صغيرة أو كبيرة لا تحدد سياساتها على أساس عمل الخير وتحسين نمط حياة أو طريقة حكم المجتمعات الأخرى، ولكن على أساس مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. وبعد انهيار النظم الشمولية القوية، لم يعد هناك أي تهديد حقيقي للنظم الديمقراطية القائمة يفرض عليها من وجهة نظر مصالحها الاستراتيجية التعبئة باسم الديمقراطية ضد الخطر المحتمل. إن وجود نظم مستبدة وضعيفة ولا شعبية يمكن الضغط عليها بسهولة وتحقيق مصالح الدول الكبرى عبرها أكثر فائدة لها من وجود ديمقراطيات لا بد أن تعكس طموح شعوب العالم الثالث وجوعها للعدالة العالمية والتنمية والمشاركة في السياسات الدولية. وبالمثل، كل التجارب الحديثة، الناجحة أو شبه الناجحة، التي نشأت في القرن العشرين دلت على أن من الصعب تحقيق تنمية رأسمالية تبعية في البلاد النامية في إطار المنافسة الدولية العالية اليوم من دون اتباع سياسات قمعية هي وحدها التي تسمح بالاحتفاظ بمعدل منخفض للأجور وبطاعة كلية للنظام. فالرأسمالية المحلية المحصورة بين مطرقة السوق العالمية وسندان المجتمعات المنكوبة لا يمكن أن تكون ليبرالية وهي تتطلب حتما الاستبداد السياسي، وهو ما لا تزال صوره بارزة في نموذج التنانين والنمور الآسيوية، وفي الصين وكل الدول التي تسعي إلى تحقيق تراكم رأسمالي سريع في العصر الراهن. إن عصر التوافق بين نظام الحرية الاقتصادية ونظام الحرية السياسية قد ولى منذ زمن طويل. لكن هذا لا يمنع بالتأكيد أن تسعى الدول الكبرى، وهو ما تقوم به بالفعل، إلى فرض الصبغة الديمقراطية والتعددية الشكلية على نظم قمعية في الجوهر، تتحكم بها نخب محدودة مرتبطة بالخارج، وتقوم بتنظيم الأمن والاستقرار فيها أجهزة أمنية تستخدم خبراء من الدول الديمقراطية ذاتها. فهذه الصبغة من المحسنات الضرورية لنظام الهيمنة الدولي القائم، ومن مستلزمات كسب الشرعية.

هذا ما يفسر في الواقع انهيار الآمال التي عقدت في السنوات القليلة الماضية على سياسات العولمة الجديدة في سبيل توسيع دائرة ممارسة الحريات الديمقراطية في العالم، تماما كما انهارت من قبل آمال المراهنة على النظام العالمي الجديد الذي وقفت وراءه الدول الكبرى في سبيل توفير حد أدنى من احترام القانون الدولي والتقليل من استخدام المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين في العلاقات الدولية. فلا عملت الدول الكبرى كما وعدت على تطبيق القانون الدولي ولا تعمقت مسيرة الديمقراطية في البلدان العربية والنامية. إن ما حصل كان العكس من ذلك تماما، فقد ترافق نشوء ما سمي بالنظام العالمي الجديد بانفجار الحروب الداخلية والعرقية في العديد من البلاد الفقيرة، وبازدياد شراسة الدول الصناعية في سعيها لاقتسام الأسواق ومناطق النفوذ والموارد العالمية في مواجهة تصاعد وتيرة المنافسة بينها لتحسين صادراتها على حساب غيرها وتجاوز أزمة البطالة التي تعرفها مجتمعاتها. كما ترافق تطور العولمة مع تفريغ الديمقراطيات الوطنية من محتواها وتعميم نظم فاشية جديدة موجهة بشكل أساسي ضد الشعوب ولصالح حفنة من رجال الأعمال المتلاعبين بالقانون ومن النخب التي تتعيش على فتات موائدهم، سواء أأخفت هذه النظم حقيقتها وراء واجهة تعددية أم احتفظت، كما هو الحال في العديد من البلاد العربية، بصورتها التقليدية الكالحة.

lundi, août 16, 2004

تجويف الدولة الوطنية

يناير 2005
يعمل الاستمرار في إخضاع السوق إلى منطق السيطرة السياسية العسكرية، بقدر ما يولد ارستقراطية مالية جديدة ويكرس سيطرتها الآلية، على تفريغ الدولة الحديثة من مضمونها، أي من مفاهيم الوطن والمؤسسة والمواطنية والقانون والحرية الشخصية. وهو ما يفسر العودة القوية في إطار السلطة القائمة إلى تعبئة العصبيات العشائرية والعائلية وتكريس قانون القرابة والولاء والانتماء الخاص والتمديد له إلى ما لانهاية. فمن خلال اختراق الدولة الحديثة من قبل البنيات والقيم الزبائنية فقط تستطيع الارستقراطية الجديدة أن تحول مؤسسات الدولة العسكرية والسياسية إلى ما يشبه ميليشيات القرون الوسطى التي تضمن لها التفوق والاستمرار. وهكذا تتحول الدولة الحديثة من إطار قانوني وسياسي يضمن للمجتمع المكون من أفراد أحرار ومتساوين تنظيم شؤونهم وتجاوز تناقضاتهم وحلها بالوسائل السلمية، ومن ثم تحقيق وحدتهم وتضامناتهم مع تجنب الحرب والصراع الأهليين، إلى أداة لإخضاع المجتمع بالقوة واستخدام العنف الشرعي لقهره وتركيعه.
هذا ما آلت إليه في الواقع عملية الانتقال من اقتصاد الدولة إلى إقتصاد السوق في ظروف الإبقاء على نظام السيطرة الشمولية المعتمد على تعليق القانون وإلغاء المراقبة والمساءلة الوطنية وتكريس العلاقات الزبونية. وهو الذي يفسر أن الانفتاح الاقتصادي لا يقود هنا إلى نشوء آليات سوق رأسمالية قائمة على درجة أو أخرى من التنافسية والشفافية وحرية الحركة للقوى الاجتماعية وإنما إلى نشوء سوق رأسمالية مقيدة ومحكومة بالتوازنات العشائرية والسياسية والأمنية وبالتالي مفتقرة بالضرورة للشفافية والمنافسة القانونية معا. وهي تسير جنبا إلى جنب مع تحلل عناصر الدولة الحديثة القانونية والموطنية وتنامي القوانين والإجراءات المقيدة للحريات جميعا والقائمة على التمييز والرشوة المنظمة. وبقدر ما يعكس هذا الوضع افتقار رأسمالية العائلة والعشيرة الناشئة في أحشاء بيرقراطية الدولة إلى أي حافز للتغيير السياسي يؤكد راهنية الإبقاء على أنماط الحكم العسكري والأمني وحتمية إعادة إنتاجها. وكما أنه لا أمل لهذه الرأسمالية في الوجود والاستمرار مع تشغيل أليات ووسائل المراقبة والمحاسبة والشفافية والمساءلة القانونية والسياسية، فليس بإمكانها التطور والنماء من دون االاستخدام المعمم للعنف الذي يضمن لها وحده لجم القوى الاجتماعية المنتجة والعاطلة والمهمشة والاستمرار في الاستفادة من الميزات الاستراتيجية نفسها التي استفاد منها جيل آبائها للانتقال من حال البؤس إلى مصاف الطبقة الارستقراطية المكرسة، أي احتكار السياسة والاستخدام المعمم للعنف العملي أو الرمزي المستبطن .
وبعكس ما يراهن عليه الاتحاد الأوروبي الذي يعتقد أن تدعيم القطاع الخاص مهما كان نوعه لا بد أن يفتح باب التعددية السياسية والديمقراطية في المستقبل، وليس من الضروري الاصرار منذ البداية في إطار التعاون مع دول الجنوب التمسك بملفات الديمقراطية وحقوق الانسان، أظهرت التجربة أن الدمج بين السياسات النيوليبرالية الجديدة والسلطة العشائرية الارستقراطية التسلطية لا يقود في أي مرحلة لاحقة إلى الانفتاح السياسي ولا إلى تجديد قواعد عمل النظام والطبقة الحاكمة. فرأسمالية العشيرة مدانة حتما بالاعتماد الدائم على تعبئة العصبية العائلية والعشائرية وتفكيك اللحمة الوطنية وتذريرها. وهي بالضرورة رأسمالية Clanique أرستقراطية ومافيوزية معا تعتمد التلاعب بالقوانين والمداخلات الشخصية. ولذلك فهي غير منتجة وليس في برنامجها ولا مشروعها ولا طاقتها إطلاق عملية التنمية أو خلق فرص عمل جديدة. ولا يكمن السبب فقط في أن تكوين هذه الطبقة الزبونية لا يتم إلا على حساب نشوء الطبقة الوسطى المنتجة ولكن في أن هذا التكوين لا يمكن أن يتحقق من دون أن يقطع الطريق على نشوء طبقة رأسمالية عمومية نشيطة وحية مكونة من رجال الأعمال الأكفاء والمنتجين والمبادرين. والرأسمالية العشيرية ليست في الواقع إلا نوعا من رأسمالية المضاربة التي برزت في سياق عملية الانتقال البسيط للثروة، ومن دون جهد ومن دون منافسة، داخل قائمة العائلات والأسر نفسها التي سيطرت على الدولة واستغلت نفوذها فيها لتحقيق طفرتها التاريخية.
يلقي هذا التحليل بالمقابل بعض الضوء على مسألة استشراء الفساد وغياب أي سياسة جدية لمكافحته أو الحد منه. فالفساد لا يصدر هنا عن انحراف أو نقص فعالية في النظام وإنما هو قانون النظام الحقيقي، أي الأساس لنشوء التراكم الرأسمالي بالنسبة لرأسمالية ارستقراطية مرتبطة بالسيطرة السياسية وتابعة بشكل جوهري لها. لذلك ما كان من الممكن للتحرير الاقتصادي أن يعني هنا تراجع الفساد بقدر ما عنى تفاقمه بموازاة تقدم عملية التحرير بل تحوله هو نفسه إلى قاعدة نمو الاقتصاد الجديد ومحركها. فتحقيق هذا التراكم على أكمل وجه وفي أسرع شكل هو الذي يقود سياسات تحديث النظام القائم وتطويره وليس أي حساب اجتماعي آخر أو مصلحة وطنية عامة. فمحرك نشاط وعمل ارستقراطية الدولة والسوق المبتورة القائمة لا يرتبط لا بالتفكير في مستقبل البلاد ولا يتطور الانتاج ولا بتوسع استثماراتها في الداخل وإنما جمع أكثر ما يمكن من الثروة قبل أن يحين وقت تصديرها على شكل ودائع واستثمارات إلى السوق العالمية. وهي تريد أن تستفيد من كل يوم يمر قبل الانفجار الاجتماعي الذي تنظر إليه كقدر لا بد منه وتعد قوى الأمن لتحقيق الانتصار عليه. إنها تعيش في حرب مستمرة كامنة مع المجتمع. وليس النظام السياسي وتشكيلات السلطة التي طورتها إلا تعبيرا وتجسيدا لإرادة التعايش بشكل دائم، سياسيا وفكريا، مع هذه الحرب.
لكن إذا كان استمرار النظام التسلطي والشمولي شرطا لنشوء الرأسمالية العشيرية وأرستقراطية المال ولأعمال المافيوزية فهو ليس ثمرة لها. إن استمراره لا يمكن تفسيره إلا بوضعه داخل دائرة العلاقات الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي حددت شروط تكون الدول وبلورة القوى السياسية وتوازناتها داخل البلاد العربية8.
والمهم أن ندرك أنه، ما لم يتعرض نظام الاحتكار المطلق للسلطة السياسية والاقتصادية والثقافية الذي يمثله الحكم في إطار قوانين الطواريء وحرمان المجتمع من أي حياة مدنية أو سياسية للانهيار من تلقاء نفسه، كما حصل في البلاد الأخرى الشمولية، أو أن يواجه معارضة قوية وقادرة من طرف المجتمع، لن يكون هناك أي أمل بأي تغيير جدي سياسا كان أم إقتصاديا. فليس للطبقة-العشيرة أي مصلحة في أن تعدل في آليات السيطرة الكلية والاحتكار المرتبطة بالنظام الشمولي أو تأهيلها. فهي تقدم لها أفضل الشروط لتحقيق التراكم السريع أو بالاحرى لتمديد مرحلة التراكم البدائي القائم على استخدام القوة المجردة لرفع عوائد ريع الموقع السياسي إلى حدها الأقصى، وإذا أمكن، مراكمة الثروة ورأس المال من دون أي استثمار آخر سوى الرشوة الضرورية لكسب المحاسيب والأعوان قبل الاستثمار في الخارج. فكيما تضمن لنفسها الانطلاق من ضيق الاقتصاد الوطني الصغير نحو رحابة السوق العالمية التي تشكل منذ الآن امتدادا طبيعيا لها ليس عندها خيار آخر سوى تحقيق المعادلة الصعبة: أقصى معدلات التراكم بأسرع وقت وبأدنى تكلفة. وهو ما يقود إلى منطق عمل السخرة ونمطه.

الرأسمالية العائلية وفشل الانفتاح الاقتصادي

الوطن 14 يناير 2005

جاء تصريح المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الانمائي مارك براون الذي قال فيه، في حديث نشرته صحيفة "النهار" اللبنانية السبت الماضي، ان العالم العربي هو المنطقة الوحيدة التي يتراجع مستوى حصتها الاقتصادية من الرفاهية العالمية بينما تتقدم مناطق أخرى أو على الأقل تراوح مكانها، ليذكرنا من جديد، إذا كانت هناك حاجة للتذكير، بالمأزق الكبير الذي لا تزال تواجهه عملية التنمية الاقتصادية ومشاريع الاصلاح العتيدة في البلاد العربية. لكن الأهم في تصريح مارك براون هو تأكيده أيضا بأنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن طبيعة النظم التسلطية القائمة في العالم العربي وما تعنيه من نقص شديد في المشاركة السياسية. والسؤال الذي يثيره تصريح المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية لا يتعلق بمدى صحة الارتباط بين التنمية الاقتصادية والنظام السياسي أو نقص المشاركة ولكن يتعلق بالأسباب التي دفعت معظم الحكومات العربية إلى تصور عملية الاصلاح الاقتصادي بعيدا عن أي عملية موازية للاصلاح السياسي خلافا لما حصل في المناطق العالمية الأخرى. فليس هناك شك في أن ما ميز تجربة البلاد العربية في الانتقال نحو اقتصاد السوق والاندراج في السياسات النيوليبرالية هو تمسك الحكومات العربية بسياسة الفصل بين الانفتاح الاقتصادي والانفتاح السياسي. كما أنه ليس هناك شك في أن الاحتفاظ بالنظم التسلطية القديمة ما كان له إلا أن يساهم في إفراغ عملية الاصلاح الاقتصادي نفسها من محتواها بما عناه من تكريس سيطرة الحكومات والنخب الفاسدة نفسها ومن الاستمرار في التلاعب بالقانون وغياب المعايير الموضوعية والمحاسبة العمومية وانعدام الشعور بالمسؤولية العامة والافتقار للشفافية.
ينبغي القول بداية أن الفصل بين الانفتاح الاقتصادي والانفتاح السياسي أو التفكير بالاصلاح الاقتصادي بمعزل عن السياسة ليس اختيارا تقنيا أو فنيا. إنه بالدرجة الأولى اختيار سياسي واجتماعي يهدف إلى ضمان تحكم الفئات الحاكمة بعملية الانفتاح وبثمارها معا ومنع فئات أخرى من الاستفادة منها, سواء أكانت فئات رأسمالية، أي مالكة لرأس المال وطامحة إلى المشاركة في الاستثمار، أم شعبية تريد استغلال فرص الانفتاح السياسي لتعزيز نفوذها وتقوية تنظيمها والحفاظ على مصالحها في مواجهة رجال المال والأعمال.
ومن هنا يشكل الاحتفاظ بالنظم التسلطية القائمة في البلاد العربية في إطار تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي أفضل وسيلة لضمان سيطرة العائلات والأسر الحاكمة على موارد الاقتصاد الرأسمالي الجديد أو النامي في إطار الانفتاح على الخارج والاندماج في السوق العالمية. فهي تقدم لهم فرصة التحكم الكلي بعملية الانفتاح ووتيرتها كما تمكنهم من إدارة دفة توزيع المصالح بصورة منهجية. فالنخب الحاكمة ومن يرتبط بها من الأقرباء العائليين والمحاسيب والأزلام هم الذين يستفيدون بالدرجة الأولى من قوانين الانفتاح وما يرتبط بها من عمليات تخصيص ومن صفقات ومعونات وتدفقات خارجية وإعادة تأهيل لبعض القطاعات وتوسيع دائرة الاستثمار فيها. ولعل أكثر ما يقدمه الاحتفاظ بالنظم التسلطية من فوائد لأصحاب الحظوة والحكم في إطار الانفتاح الاقتصادي الجاري هو إخضاع القوانين الجارية لخدمة مصالحهم المباشرة بما يعنيه ذلك من امتيازات في الوصول إلى المعلومات والحصول على الصفقات ومن الاستفادة من مناخ السرية وغياب المنافسة ومن أمكانية تطبيق أسعار احتكارية على السلع والخدمات والأسواق تؤمن الربح السريع أو بالأحرى الهوامش الريعية الكبيرة. ولا يمكن لمثل هذا التحكم شبه الكامل بموارد الاقتصاد أن يحصل من دون الامساك معا وفي الوقت نفسه من قبل العائلات الحاكمة بالسلطتين الاقتصادية والسياسية. فهي تضمن بذلك تحييد جميع الأطراف الاجتماعية الأخرى بمن فيها رجال الأعمال والرأسماليين غير التابعين أو غير المحسوبين على النظام وإخراجهم من دائرة المنافسة الاقتصادية بل القضاء عليهم.
ومن الطبيعي أن يترتب على هذا التطور الاستثنائي نشوء رأسمالية من طبيعة خاصة تستغل علاقات المصاهرة والقرابة والزبونية لضمان توافق السلطتين الاقتصادية والسياسية وتأمين السيطرة البسيطة على آلية تراكم رأس المال. ولا يغير في ذلك ميل الطبقة الجديدة إلى أن تتكون على شكل شبكات مصالح متضاربة ومتنافسة تتنازع للحصول على مناقصات الدولة التي تحدد هي نفسها هامش الريع المرتبط بها، أي تتصارع على تقاسم الثروة العامة واقتسامها لا على مراكمتها عبر تطوير الاستثمار وتوسيع دائرة الانتاج والانفاق لتطوير القاعدة التقنية والعلمية. وبالمقابل، وبالرغم من تراكم الثروات الكبيرة وتوسع الأسواق، تبقى الرأسمالية رأسمالية ضعيفة فاقدة للحيوية والابتكار كما يستمر الافتقار الشديد إلى طبقة رأسمالية ذات تقاليد ووعي وطني ومواطني ورؤية استراتيجية شاملة وطويلة المدى.
في هذا النمط الخصوصي والعائلي من الانتقال نحو اقتصاد السوق العالمية أو المعولمة نجد التفسير والتبرير الوحيد للابقاء على نظام الوصاية الفكرية والمدنية والسياسية التي يجسدها نظام الحزب الواحد أو إلغاء الحياة السياسية ورفض إجراء أي تعديل أو تغيير أو إصلاح على قواعد العمل العمومي القائمة والتقوقع بشكل أكبر على مفهوم السلطة الأحادية والشاملة. وفيه نجد أيضا معنى حرص أصحاب المناصب بمختلف مستوياتهم على البقاء في مناصبهم إلى النهاية مع الأمل والعمل أيضا على توريثها لأبنائهم. وفي هذا النمط الخاص أيضا نجد التفسير المناسب لنشوء رأسمالية من طبيعة مافيوزية تجنح إلى التصرف كأرستقراطية جديدة أو تعيد بناء المجتمع على أسس الأبوية الإقطاعية والفاشية الجديدة. والواقع، كما يشكل الفصل بين السلطة السياسية وأصحاب المصالح الاقتصادية سمة رئيسية من سمات الدولة القانونية الحديثة ومصدر الحراك الطبقي في مجتمعات عصرنا يشكل الاندماج بين السلطتين سمة أساسية من سمات الدولة أو السلطة الإقطاعية القديمة التي كانت تقوم على منع الحراك الاجتماعي وتثبيت السكان والفئات الاجتماعية في مراتب جامدة وتكريس السلطة والثروة معا كحق محسوم وثابت لارستقراطية وراثية محصورة في جزء محدود من العائلات التي نجحت عن طريق تفوقها في تنظيم الميليشيات المسلحة في وضع يدها على السلطة ولا تزال تملك القوة الكافية للاحتفاظ بها.
أما الحجج التي ترددها الارستقراطية المالية الجديدة لتبرير رفض الاصلاح السياسي والانفتاح، وما تدعيه من حرص على جعل الأولوية في خياراتها لتأمين لقمة الخبز وفرص العمل للعاطلين والنمو الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة، وهو ما كذبه ويكذبه واقع الحال كل يوم, فليس سوى ذرائع للتغطية على عملية نقل الثروة والسلطة في دائرة العائلات الحاكمة ذاتها من جيل الآباء إلى جيل الأبناء لا غير ولا علاقة لها بأي خيارات سياسية جدية وعملية. والأمر نفسه ينطبق أيضا على ما يشاع من ذرائع حول خطر الفوضى الكامن وراء الانفتاح السياسي.
يشكل هذا النمط من الانتقال نحو اقتصاد السوق في البلاد العربية وبعض البلدان الأخرى الموجودة في وضعيات مشابهة التربة الخصبة لنشوء رأسمالية خاصة قائمة على المضاربة والاحتكار واستغلال النفوذ وفي سياقها لولادة وازدهار ارستقراطية مالية تعتمد علي نفوذها السياسي وموقعها الاحتكاري لتأمين وجودها واستمرارها أكثر مما تعتمد على كفاءتها الاقتصادية التنافسية. كما يشكل أيضا العقبة الرئيسية أمام ولادة الرأسمالية بالمعنى الموضوعي والتاريخي للكلمة, أي الاستثمار الرأسمالي الذي يعتمد التراكم فيه على تثمين العمل وزيادة الانتاج وتحسين الانتاجية والتقدم التكنولوجي, ويكون بالتالي منبعا للتجديدات والابتكارات التقنية والعلمية والإدارية. لكن أهم ما تحمله صيغة هذا الانتقال نحو اقتصاد السوق من دون انفتاح سياسي هو تأمين استمرار احتكار السلطة السياسية من قبل الفئات العائلية ذاتها بالرغم من تغيير النظام الاقتصادي. فبفضلها تضمن الارستقراطية الجديدة وقاعدتها العشائرية والزبونية أن لا يتحول الانتقال من اقتصاد الدولة إلى إقتصاد السوق إلى مناسبة لبروز طبقة رجال أعمال جديدة رأسمالية بالمعنى الحقيقي للكلمة تنازعها على ما أصبح يبدو لها نوعا من الملكية الشخصية الموروثة أو التي يمكن وراثتها. فهي تقطع الطريق على نشوء طبقة رأسمالية فعلية مستقلة عن السلطة والإدارة وبالتالي وبالضرورة طبقة حاملة لإمكانية ولادة قوة سياسية جديدة تعبر عنها وتفرض إعادة النظر في طبيعة السلطة وقواعد ممارستها وتضع موضع السؤال الاستمرار في احتكارها.
فليس هناك شك، وهذا ما تراهن عليه القوى الخارجية التي تدعم الانتقال نحو اقتصاد السوق، أن نشوء طبقة رأسمالية قائمة على المنافسة الفعلية والسوق الحرة بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، أي رأسمالية ذات مضمون سياسي لا يمكن إلا أن تهدد على المدى البعيد، بل المتوسط، نظام سيطرة النخب العائلية الجامدة التي لا يماثلها إلا ما كان عليه الحال في مجتمعات القرون الوسطى. ومن أجل قطع الطريق على مثل هذا الاحتمال تجد هذه النخب نفسها مدفوعة إلى تطبيق سياسات تتعارض مع أي تنمية اقتصادية حقيقية لأنها تهدف إلى منع نشوء رأسمالية موضوعية وتنافسية كما تهدف إلى تفكيك أي حقيقة سياسية وطنية وإحلال صيغ التفاهم العشائري والعائلي محلها. هذا ما يفسر الواقع المؤلم الذي تحدث عنه المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة، واقع أن البلاد العربية وحدها تتراجع في مسيرة التنمية الانسانية بينما تتقدم بلاد أخرى لا تحظى بالقليل من الموارد التي تملكها.

mercredi, août 11, 2004

أزمة تداول السلطة في العالم العربي

الجزيرة نت 7 فبراير 2002

قد يبدو استمرار النخب الحاكمة لعقود طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه جميع الدول والحكومات من أجل خلق مناخ ملائم للتنمية وجذب الاستثمار. هذا صحيح عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة من خلال مسار طبيعي واستشارة شعبية واضحة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام القاسي للقوة أو التلاعب بالرأي العام ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. ففي هذه الحال لا ينبغي الحديث عن الاستقرار ولكن عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، والمقصود هنا وظائف التعبير عن التوازن الفعلي للمصالح الاجتماعية المتعددة، وتتجسد في الاختناق والانسداد وما ينجم عنهما من تفاقم للتوترات والتناقضات واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة تحت سطح الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها يجنح جميع اطراف النظام إلى تطوير التقنيات والساحات الموازية وغير الشفافة للسياسة والتي تعبر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه التقنيات والساحات الموازية والأسواق السوداء للسياسة النزعات الطائفية والعشائرية واالدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها وتضمن حضورها السياسي واستمرارها في عالم الصراع الدموي من أجل الحفاظ على النفوذ والبقاء.
هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية الى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره في الميدان ليس عن طريق ما يحققه من انجازات للمجتمع, فهذا ممتنع عليه بسبب انشغاله بالحرب ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية أالتي تسيطر عليها اليوم القوة الأمريكية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها. فبإثارته المشاكل أمام النظام يطمح الطرف المهمش والمنبوذ الى تأمين مشاركته في الحياة العمومية حتى لو كان ذلك بوسائل غير صحية. وما يفعله الأصوليون تفعله الكثير من القوى الاجتماعية المنبوذة داخل المجتمع وعلى الصعيد الدولي بوسائل أخرى وللسبب ذاته. وهذا ما يقود إلى ما أسميه بحرب المواقع المستمرة في حياتنا السياسية. فلا وجود عموميا ممكنا ولا تأكيد للحضور والنفوذ وبالتالي مشاركة في الحياة العمومية إلا بالمقاومة السلبية والحرب غير العلنية. ولا يستطيع أحد أن يفرض اعترافه في ساحة سياسية مغلقة ومحرمة إلا بقدر ما يظهر قدرته على خرق المحرمات وكسر جدران العزلة والمنع. ولذلك تتحول السياسة أيضا إلى تراشق بالقذائف والشتائم والاتهامات والتخوين المتبادل. ويحل التناحر الدائم بين جميع القوى الواقفة بعضها للبعض الآخر بالمرصاد محل التعاون والتفاهم والحوار والتداول. وهذا ما يفسر ما نشهده في جميع الدول العربية من تنابذ وانعدام ثقة وصراع لا يرحم بين العلماء والأحزاب الحاكمة منها وغير الحاكمة والجيش وقوى الأمن والإدارة وغيرها من مراكز القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتكون في هذا النظام في وجه بعضها البعض وتدخل في تنازع وتنافس عدائي يدفع بها الى التفتت الدائم والانقسام. وحرب المواقع هذه هي حرب التحييد المتبادل أيضا. فكل من لا يستطيع التعبير عن نفسه وتأكيد وجوده بوسائل ايجابية أي بالمشاركة في الانجاز يسعى إلى تحقيق هدفه بمنع الآخر من الانجاز وسد السبل أمامه وإضعاف فرص نجاحه. هذا هو قانون أو منطق العمل في نظام احتكار السلطة العمومية وانعدام التداول الحر والسليم بها من قبل أطراف المجتمع المختلفة.لكن حرب التحييد المتبادل لا تمثل رد الفعل الحتمي على انعدام تداول السلطة أو التعويض عنه فحسب وإنما تؤسس أيضا لمنطق اقتسام الغنائم في الدولة وتوزيع الموارد الوطنية على قاعدة ميزان القوة. فالذي يفرض نفسه بأي وسيلة كانت : قرابة عائلية أو قوة عسكرية أو مركز نفوذ داخلي أو خارجي, يؤهل نفسه بالضرورة للمشاركة في الغنيمة وتقاسم الثروة ويطمح عن جدارة في أن يحصل على نصيب من العقود والكمسيونات والمنافع والكرامات يعادل قدرته على تهديد التوازنات الداخلية. ومن هنا يختفي مفهوم الفساد نفسه. فالحصول على المزايا الخاصة لا يبدو في وعي المرتشين ولا مستغلي النفوذ خرقا للقاعدة والعرف والأخلاق ولكنه كتكريس للقانون السائد وللعرف المقبول وللأخلاق "الخصوصية" "الوطنية". وكل من يحصل على مزايا تبدو في الأحوال الطبيعية لا قانونية يعتبر أنه لم يحصل في الواقع إلا على حقه وأنه لو لم يأخذ هو الرشوة لأخذها خصمه ومنافسه. فهو لم يسيء لأحد ولكنه نفع نفسه. والواقع أن سيطرة منطق توزيع الغنائم على حساب منطق التداول على السلطة كأساس للاعتراف بالأهلية بين قوى النخبة المتعددة يعني في الوقت نفسه زوال الشعور بالمصالح العمومية وفناء التفكير من وجهة نظر الارتقاء بشروط حياة المجتمعات كموضوع للسياسة والممارسة العمومية. إن النظام التوزيعي يعطي للجميع الانطباع, وأعني جميع المتنافسين على السلطة والنفوذ, بأنه لا يوجد في الواقع إلا مصالح خصوصية, ومن حق كل فرد أن يدافع عن تعظيم هذه المصالح الخاصة. وبالمقابل يبدو المعارضون الذين يذكرون بالمصلحة العمومية ويطالبون بنشر رؤية أشمل للمسائل السياسية والاقتصادية الوطنية وكأنهم هم الغشاشون والمخادعون الذين يخفون سعيهم لدخول ميدان تقاسم المنافع وراء شعارات أخلاقية ووطنية لا أساس لها من الواقع والحقيقة. فغير المستفيد أوغير الباحث عن تعظيم منافعه الشخصية لا بد أن يكون مزاودا أشرا يسعى إلى زعزعة النظام والاستقرار ويعمل من دون أن يدري وربما بوعي لخدمة الدول الأجنبية. وينبغي للنظام أن يبذل جهدا أكبر في الكشف عن هؤلاء المزاودين وتحييدهم أو كف يدهم مما يبذله لكشف المسيئين للمصالح العامة ومعاقبتهم. فمشكلة هؤلاء معروفة وبسيطة هي الانتفاع الشخصي أما صاحب المباديء فهو يتطلع إلى السلطة ويسعى إلى قسمة جديدة يخرج فيها القائمين ويحل محلهم. هكذا لا يعود الفساد ظاهرة خطيرة ولا شاذة ولا يظهر في عين صانعيه خروجا على المباديء ولكن ممارسة طبيعية وتعبيرا عن الولاء والتوافق مع النظام ورفض المعارضة والمزاودة المبدئية.
فالنخبة الحاكمة لاتشجع على الفساد من خلال الرشوة التي تقدمها للموالين لها فحسب ولكنها تدفع إلى استفحاله أيضا بضربها المستمر لأصحاب المباديء وتحييدهم ومعاقبتهم. فهم بالنسبة إليها الخطر الفعلي لأنهم يظهرون بالضبط معارضة فعلية, حتى لو لم ينطقوا بكلمة واحدة, للأساس الذي يقوم عليه النظام ويبني عليه قاعدته الاجتماعية, أعني قاعدة تقاسم الغنائم والرشوة المنظمة المعممة.
والواقع أن مجتمعات التحييد المتبادل وتقاسم الغنائم هي الوجه المقابل للمجتمعات الفعلية التي لا تقوم ولا تستمر إلا بسبب خلقها شروطا أفضل لتبادل المنافع وزيادة المكاسب القانونية والفكرية والسياسية والحضارية والاقتصادية للجميع. فهي إذن مجتمعات مضادة للاجتماع تماما كما نتحدث عن المادة وضد المادة. ولا يكسب فيها الأفراد شيئا ولكنهم يخسرون جميعا لصالح فئة تقل عددا باستمرار من المسيطرين سيطرة متزايدة أيضا وعائلية أكثر فأكثر على مقدرات البلاد. ففي هذه المجتمعات يحل قانون التخويف المتبادل أي تبادل الأضرار والأذى محل قانون تبادل المنافع كأساس لبقاء الاجتماع والحفاظ على وحدة النظام. ففي الأصل يبعث اللقاء في إطار مجتمع واحد وثقافة ودولة وتاريخ مشترك مشاعر تقارب وتراحم بين الناس ويعمق التعاون والتضامن والتفاهم والثقة بين الأفراد. ويعمل هذا التعاون على تعظيم فرص كل واحد منهم في التقدم وتحسين الأحوال. ومن هنا يعتبر تبادل المنافع هو مبرر وجود المجتمعات وبقائها. فإذا انعدم تبادل المصالح والمنافع أو ضعف لم يعد لوجود المجتمعات واستمرارها بشكل مستقل عن غيرها قيمة وأصبح من المحتم أن تندمج بغيرها من المجتمعات الأخرى التي نجحت بشكل أفضل في الاحتفاظ بقيم النزاهة والصدق والثقة والتعاون والتفاهم والتنظيم, أي بالقيم التي تمكنها من تحقيق التراكم المادي والمعرفي والتقني التي لا بد منها للارتفاع بمستوى حياة أفرادها وضمان استمرارهم يعيشون على مستوى معايير حضارة عصرهم. وهذا هو أساس نشوء الإمبرطوريات التاريخية التي ضمت شعوبا كثيرة مختلفة وقامت على أنقاض دول قومية أو شبة قومية لا تحصى.
ومن الصعب تصور مخرج من هذا النظام أو أي تغيير له من دون تصور نشوء ديناميكية تنافس سياسي جديدة تزعزع استقرار منطق التوزيع القائم للغنائم والمكارم والمكاسب وتفرض آلية جديدة لتداول السلطة السياسية وتوزيعها، من منطق المسؤولية الجماعية وتراكم الثروة والخبرة الوطنية. وهذا هو ما ترمي إليه النضالات الديمقراطية والعمل لتوسيع دائرة الحريات ونقل الصراع من الميدان الاقتصادي إلى الميدان السياسي والفكري. ففي البقاء في المستوى الاقتصادي وحده، سواء أتعلق الأمر باقتصاد السوق أو اقتصاد التخطيط، ليس هناك أي أمل في المس بمنطق نظام تقاسم المغانم وزعزعته.

mardi, mai 18, 2004

في أصول النزعة الأمبرطورية الأمريكية وسبل مواجهتها


بالرغم من أن القسم الاكبر من المحللين لم يكونوا يتوقعون قبل سنة من اليوم ما تواجهه الولايات المتحدة الامريكية التي خرجت المنتصرة الوحيدة من الحرب الباردة، من صعوبات متزايدة للسيطرة على العراق، خاصة بعد الانهيار السريع لنظام صدام حسين، إلا أن أحدا لم يكن يتوقع أيضا أن تتم هذه السيطرة بسهولة ويسر. ولا يحصى عدد المحللين الذين حاولوا أن يبرهنوا، ونحن منهم، أن سعي الولايات المتحدة إلى بسط نفوذها الشامل وملء الفراغ الذي تركه انهيار الاتحاد السوفييتي السابق بالقوة وحدها سوف يقود العالم نحو التفكك والفوضى. فبقدر ما عززت الثورتين التقنية والعسكرية من موارد القوة التي تمكن دولة عظمى تتحكم بتجديداتهما من التفوق الساحق على جميع خصومها العسكرييين، خلقت في الوقت نفسه مناخا فكريا وأخلاقيا ونفسيا عالميا يجعل من المستحيل إخضاع الشعوب بالقوة وبالتالي تحقيق السيطرة الخارجية أو أهدافها بالاستخدام المجرد للعنف. ولعل أفضل مثال على هذه المفارقة التاريخية التي تجوف قانون القوة في الوقت نفسه الذي تعمل على تفجير طاقاتها وتطوير وسائل استخدامها هو ما يحصل في فلسطين نفسها منذ عقدين. فإذا كان من الصحيح أن إسرائيل قادرة على هزيمة أي قوة عسكرية شرق أوسطية يمكن أن تقف في وجهها فهي عاجزة كما هو واضح للعيان اليوم عن إخضاع شعب صغير أعزل ومجرد من السلاح وليس لديها أي أمل، مهما نجحت في تعزيز ترسانة القوة في كسر المقاومة الأهلية والشعبية التي لا تفيد معها القوة ولا يحسمها التفوق العسكري الاستراتيجي. وكما أنه لا أحد يشك في أن الانتفاضة الفلسطينية تنهك إسرائيل وتقوض أركان وجودها المادية والسياسية والنفسية كما لم تفعل من قبل ولا تفعل أي قوة عسكرية عربية منظمة فإن أحدا أيضا لا يستطيع أن يخفي أن ما تكبدته القوات الأمريكية في مواجهة جيش العراق النظامي عام 2003 لا يمثل شيئا يذكر مما تكابده وتعاني منه اليوم في مواجهة قوى خفية صغيرة لا تحظى حتى بإجماع الشعب العراقي بكل فئاته وتياراته على غير ما هو الحال بالنسبة لقوى الانتفاضة في فلسطين.

لكن ذلك لم يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست وتمارس اليوم دور الدولة العظمى الوحيدة في العالم وسوف تظل تمارسه في المدى المنظور على الأقل، بالرغم من كل ما يواجهها وسوف يواجهها من عقبات وما سوف يثيره اندفاعها الجامح للسيطرة من قلاقل وفوضى واضطراب. فليس هذا الاندفاع مسألة مزاجية شخصية بالرغم مما يمكن للمزاج الشخصي أن يلعبه في تحديد أسلوب العمل لفرض الهيمنة والسيطرة العالمية للقوة الأمريكية. إنه نابع من وجود القوة ذاتها وهو مبرر وجودها ومصدر استمرارها معا. فأي قيمة أو تبرير للانفاق الهائل على التسلح الأمريكي من دون تحويل هذا التسلح إلى مصادر للسيطرة والمنفعة وتحقيق مصالح حيوية واستراتيجية. وكيف يمكن إعادة إنتاج هذه القوة وتعزيزها من دون السيطرة الخارجية وتحقيق منافع إضافية أو إستثنائية لا يمكن تحقيقها بغير القوة والتفوق العسكري والاستراتيجي.
والواقع أنه، بعكس ما يعتقده الرأي العام الشعبي بل وقطاعات واسعة من الرأي العام الرسمي والمحللين السياسيين، لا ينبع النزوع الامبرطوري الاميركي وإرادة الهيمنة الدولية الشاملة عند الإدارة الامريكية اليوم وعند غيرها غدا من وجود التفوق الاستراتيجي فحسب. إن مصدره الحقيقي وأصل نشوئه الرئيسي قائمين في الفراغ الايديولوجي الاستراتيجي والسياسي الذي تعيشه الساحة الدولية الناجم هو نفسه عن عجز المجموعة الدولية بأطرافها المختلفة عن التوصل إلى أجندة عالمية واحدة ومشتركة. وهو ما يسمح لصاحب القوة الأكبر أن يفرض أجندته القومية على العالم أو يحولها إلى أجندة عالمية.
وهذا يعني إن جذور المشروع الامبرطوري الأمريكي قائم في انهيار أو تحلل مشاريع العمل والكتل الدولية التاريخية التي كانت تساهم في تحقيق الحد الأدنى من توازن القوة وفي مقدمها كتلة الدول النامية وعدم الانحياز الذي كان يقف وراءها عدد لا يحصى من حركات التحرر الوطني الشعبية النشطة والفاعلة وهي اليوم قاع صفصف لا روح فيها. ومنها أيضا الكتلة السوفيتية التي تبخرت في ربع القرن الأخير في حين أن أوروبة الديمقراطية التي زاد الرهان عليها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لموازنة إرادة القوة الأمريكية تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى، بالرغم من نجاحها في تشكيل اتحاد أوروبي اقتصادي قوي وعملة واحدة، أكثر تفككا استراتيجيا من أي حقبة سابقة. وهي تجمع بين انعدام الرؤية الشاملة وفقدان الإرادة إن لم نقل من التبعية العميقة لواشنطن في جميع المسائل الكبرى الاقتصادية والجيوستراتيجية والثقافية معا. لا بل إن الولايات المتحدة الامريكية قد اخترقتها من الداخل عن طريق الدول الصغيرة التي تساندها والتي تراهن على تحالفها مع واشنطن لتعزز مواقعها داخل الاتحاد الأوروبي. أما ما تبقى من الدول القومية الموزعة في العالم من دون رابط يربط فيما بينها فهي ليست مؤهلة لبلورة أجندة أو جدول أعمال عالمي بل إن معظمها إن لم يكن جميعها يفتقر للقدرة والإمكانية لبلورة أجندة إقليمية أو حتى وطنية وداخلية تختلف عن أجندة الحفاظ على النظام أو تأمين الاستقرار في حده الأدنى للدولة والمجتمع في المرحلة العاصفة من التحولات الدولية.
هذا الوضع العالمي المفكك من جميع النواحي، والذي لا تلحمه لا ايديولوجيات تقدمية أو رجعية كما كان عليه الأمر في الحقبة السابقة، ولا برامج عملية مشتركة معبئة كما تريد قطاعات كبيرة من الرأي العام الدولي المؤيدة لقيام حركة تضامن عالمي إنساني من أجل السلام والتنمية، هو الذي يقدم لواشنطن الفرصة والظرف المناسب لتحويل تفوقها الاستراتيجي إلى نفوذ عالمي استثنائي، ولجعل تحرير الأسواق وتطوير الاستهلاك ايديولوجية قائمة بذاتها، أعني أيديولوجية عصر كامل. وهذا هو الذي يزيد الطلب العالمي على الأمركة من حيث هي تدخل في الشؤون الداخلية في العالم، أي قيادة استراتيجية، ومن حيث هي رؤية ايديولوجية، أي موجهة للتحولات العالمية المجتمعية، ومن حيث هي عامل توازن إقليمي بل وطني لا غنى عنه لضمان الحد الأدنى من الاستقرار والوحدة الشكليتين. إن هذا الطلب الكبير على قوة عظمى تدخلية ونشطة وقادرة على لملمة الأوضاع الوطنية والإقليمية والعالمية هو الأساس الحقيقي للهيمنة الأمريكية الأمبرطورية. وهو الذي يكمن وراء الانخراط الواسع الذي تظهره الدبلوماسية الأمريكية في قضايا العالم كلها، صغيرها وكبيرها، بحيث لا تكاد تبرز مسألة في هذه المنطقة أو تلك، مهما كانت محلية، إلا وتظهر واشنطن موقفها تجاهها وترسل مبعوثيها لمعالجتها. بل إن واشنطن قد أصبحت عاملا رئيسيا في تركيب النظم والحكومات في العدد الأكبر من الدول المسماة وطنية والتي أصبحت تبدي عجزا محيرا عن إفراز التفاهم الداخلي والاجماعات القومية الضرورية لاستمرار الدولة والنظام. إن واشنطن تتصرف بالفعل كقيادة عالمية أو كعاصمة للعالم لأن العالم ككل وكأقاليم ودول أصبح يفتقر هو نفسه للقيادة واللحمة والسيادة والسيطرة الذاتية.
ويكفي أن نفكر في هذه المناسبة بما يحصل في منطقتنا العربية وداخل دولها نفسها أيضا. فنحن لا نكف عن مطالبة الولايات المتحدة بالتدخل لوقف الهجومات الاسرائيلية وايجاد حل للقضية الفلسطينية منذ عقود. كما لا نتوقف عن دعوتها للمساهمة في تحقيق السلام والأمن في المنطقة. والآن هناك عدد كبير من الدول العربية يعتمد عليها في ضمان الأمن والحماية الوطنية من خلال اتفاقات رسمية بينما تراهن العديد من القوى الاجتماعية والسياسية على التدخلات والضغوط الأمريكية لتحقيق التغيير الذي تطمح إليه ويستجيب لمصالحها المغبونة أو لآمالها. ومن الواضح أن قوة واشنطن في الشرق العربي نابعة من عجز هذا الشرق دولا ومنظمات إقليمية عن التوصل إلى تسويات وطنية حية ومستقرة تلبي مصالح الجميع وتحترمها، أفرادا وشعوبا وأقليات، وكذلك إلى تسويات إقليمية قادرة على ضمان الأمن والاستقرار للجميع.
بالتأكيد لن يمر احتلال العراق والمشاكل التي واجهتها القوات الأمريكية فيه من دون ترك آثار على خطط التوسع الامبرطوري الأمريكي. وسوف يزداد الضغط الخارجي والداخلي على واشنطن لمنعها من القيام بمغامرات جديدة. لكن ذلك لن يثنيها عن إرادة التوسع والتمدد السياسيين، ما دامت الظروف التي تحدثنا عنها باقية. وربما ستزيدها هذه التجربة قوة لأنها ستعلمها ضرورة الاقتصاد في استخدام العنف لصالح العمل السياسي والدبلوماسي الاكثر مردودا والقائم على تأمين السيطرة والنفوذ بشكل أكبر عن طريق التفاهم والحوار. وهو سلاح أمضى خاصة عندما تتقنه الدول ذات التفوق الاستراتيجي كما برهنت على ذلك القوة البريطانية في عصر امبرطوري سابق.
لكن المخاطر على العالم والعالم العربي بشكل خاص لن تزول نتيجة ذلك. فمن جهة تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على التفكك العميق الحاصل في العديد من أقاليم العالم ودوله لتبرير تدخلها السياسي والعسكري كما تستطيع أن تراهن على الأزمة الشاملة التي يعيشها الاقتصاد الدولي من أجل الحفاظ على نفوذها. وتقدم الحرب العالمية ضد الارهاب نموذجا حيا لما يمكن لواشنطن أن تستخدمه من وسائل وتكتيكات من أجل تعبئة الأنظمة والكتل الدولية وجرها وراءها لتحقيق أجندة سيطرتها الدولية الخاصة. فلا تكاد توجد دولة في العالم اليوم لا تجعل من الحرب ضد الارهاب التي لم تكن تذكر في المناقشات الدولية قبل عشر سنوات البند الأول في أجندتها الوطنية، وفي مقدمة هذه الدول الدول العربية نفسها المعنية الرئيسية بهذه الحرب أو بالأحرى المستهدفة فيها.
وفي جميع البلاد التي تعتقد الإدارة الأمريكية أن السيطرة المباشرة عليها ضرورية لتحقيق السيطرة العالمية تستطيع الولايات المتحدة أن تراهن على الشروخ العميقة التي خلفتها أنظمة القهر في بقاع عديدة من أجل تأمين قوى حليفة أو استخدامها كحصان طروادة. ويقدم العراق نموذجا حيا لهذه التكتيكات والوسائل معا. ويشكل تكوين مجلس الحكم الانتقالي على أساس التمثيل الأقوامي والطائفي صورة مجسدة لطبيعة التوازنات التي تسعى واشنطن إلى بنائها في بلدان السيطرة هذه والاعتماد عليها في سبيل الابقاء على دور محوري لها في استمرار الدول القائمة.
وما حصل لمؤتمر القمة العربية الأخير في تونس يعبر بشكل واضح عن الامكانيات الكبيرة التي تملكها الولايات المتحدة للتحكم بلعبة السيطرة العالمية في مناطق تفتقر للحد الأدنى من التفاهم الإقليمي وتتعرض مجتمعاتها لأزمة تفكك عميقة بعد عقود طويلة من الحكم السياسي المفروض وانهيار المجتمع المدني وعودة العصبيات القديمة الطائفية والأقوامية وغياب المؤسسات الوسيطة.
والخلاصة، لن يتوقف الزمن القادم عن التأكيد على محدودية عامل القوة في تحقيق السيطرة العالمية، ولا عن تأكيد تنامي الفوضى والعنف وعدم الاستقرار في العالم بموازاة تطور مشروع السيطرة الأمريكية الامبرطورية. لكن لن يغير ذلك من الموقع الفعلي الذي تحتله الولايات المتحدة اليوم في شؤون العالم والسياسات الدولية. ولن تتخلى الولايات المتحدة عن سلوكها الامبرطوري الراهن ما لم تتبلور مع الوقت، وفي مواجهة هذا السلوك نفسه وردا عليه، أجندة سياسية عالمية مشتركة بالفعل وما لم يتحقق ما ينبغي تسميته منذ الآن عقدا دوليا تشارك فيه جميع الكتل العالمية ويعكس التفاهم في ما بينها ودرجة كبيرة من توازن المصالح والاعتراف بضرورة السعي المشترك إلى حل المشاكل الخطيرة التي تواجهها المجموعة الدولية، سواء ما تعلق منها بتحقيق السلام العالمي أو معالجة مسألة التأخر وانعدام النمو أو تعميم الديمقراطية واحترام الحقوق الانسانية. وكل ذلك يتوقف قبل أي شيء آخر على تجاوز الدول والجماعات الوطنية لأزماتها الداخلية ونجاحها في تحقيق التفاهمات الداخلية الضرورية لبقائها واستمرارها وتطورها من الداخل. باختصار إن السيطرة العالمية الامريكية تتغذى قبل أي شيء آخر وتبرر نفسها من الفراغ السياسي والفكري والروحي الذي تعيشه الجماعات الوطنية في العالم أجمع وتجعل من سيطرتها الخارجية تعويضا لا بديل عنه لفقدان السيطرة الذاتية في معظم بقاع الأرض.

dimanche, avril 04, 2004

محنة الاصلاح في العالم العربي 1


الانهيار الذي عرفته قمة الاصلاح التي كان من المتوقع أن تعقد في العاصمة التونسية في نهاية شهر آذار مارس الحالي يقدم البرهان القاطع على المحنة التي واجهها الاصلاح ولا يزال في العالم العربي منذ عقود طويلة. وبالرغم من أن الأمين العام لجامعة الدول العربية قد أعلن عن الاتفاق لعقد هذه القمة مجددا في تونس في مايو القادم إلا أن الأمل في احراز تقدم حقيقي فيه يكاد ينعدم اليوم بسبب المناخ الذي خلقته الدعاية الرسمية العربية في الأشهر القليلة الماضية. فقد نجحت هذه الدعاية في حرف المناقشة حول الاصلاح عن هدفها الرئيسي عندما ركزت الجهود كلها على موضوع واحد ووحيد : من أين تأتي الاصلاحات؟ من الداخل وبأيادي عربية أم من الخارج وبأيادي أجنبية. والنتيجة لم يعد أحد يفكر في طبيعة الاصلاحات المطلوبة ومضمونها وأهدافها ووتيرتها ولكن في طبيعة المصدر الذي يتحدث بها وعنها. بل ليس من المبالغة القول إن الدعاية العربية الرسمية قد نجحت في وضع مسألة الاصلاحات في مواجهة المسألة الوطنية لا بتزاز الرأي العام وفرضت عليه الاختيار بين التمسك بالقيم الوطنية ورفض الاصلاح أو القبول بالاصلاح والخضوع لإرادة القوى الأجنبية. فقد ربطت مبادرة الاصلاح بحل المسألة الفلسطينية أو بتحرير الأراضي المحتلة كما لو كان هذا التحرير جزءا من مهام الدول الأجنبية وثمنا لقبول الدول العربية بالاصلاحات الداخلية، أو كما لو أن مثل هذا التحرير لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التمسك بنظم استبدادية تستبعد بشكل دائم ومطلق أي احتكام حر للإرادة الشعبية وتفتقر إلى المؤسسات وينعدم فيها حكم القانون لصالح قانون المحسوبية والولاءات الشخصية للزعامات أو الطوائف أو العشائر ولا يسمح فيها لقوة منظمة بالبقاء سوى قوى الأجهزة الامنية.

وإذا عبر هذا المنطق عن شيء فإنما يعبر عن تهافت معنى الاصلاح في أذهان العديد من النخب العربية أو بالأحرى عن انعدام أي امل فيه في إطار النظم وقواعد العمل والحكم القائمة في معظم البلاد العربية. وبالفعل، إن الوقت الذي كان بالامكان الإصلاح عبر النظم القائمة قد فات منذ زمن طويل ولم يعد هناك بديلا من الاعتراف بأن أي إصلاح مهما كان ضعيفا وجزئيا أصبح يستدعي كشرط ومقدمة له تغييرا في طبيعة الحكم وأساليبه وقواعده وغاياته ورجالاته أيضا، أي يستدعي التحول من نمط الحكم القائم على الوصاية أو القيادة الطليعية أو الأبوية إلى نمط الحكم المستند إلى تفويض مباشر وعن طريق انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية من قبل الشعب والخاضع لمراقبة ممثليه أو نوابه. ومن غير ذلك لن يتقدم مشروع الاصلاح خطوة واحدة سواء كان الدافع إليه الضغط الخارجي أو الضغوط الداخلية. وكل الجهود المادية والمعنوية التي ستبذل أو يمكن أن تبذل في هذا الاطار قبل التغيير سوف تضيع وتساهم أكثر من ذلك في إضاعة الوقت على المجتمعات العربية التي تعيش حالة خطيرة من الاحباط والاحتقان والقلق والخوف من المستقبل.

ومهما كان الامر لا أعتقد أن حالة التخبط والتمزق والانهيار التي نعيشها على جميع مستويات حياتنا الجمعية، في جبهة النزاع العربي الاسرائيلي وفي الميدان الاقتصادي وفي الميدان السياسي والاجتماعي والفكري، هي بأي معنى أو شكل مقدمة للاصلاح، أي إصلاح كان، بقدر ما هي النتيجة الطبيعية لفشل الاصلاح الذي كان منتظرا منذ عقود ولم يمكن تحقيقه. وإذا كنا لا نزال نتحدث عن الاصلاح أو إذا عدنا إلى مفاهيم الاصلاح بعد طول نسيان فليس ذلك لأننا أصبحنا أكثر وعيا بمتطلبات الاصلاح ودواعيه وإنما كي ما نغطي، نحن ودول الغرب الأطلسية التي تمارس دور الوصي علينا معا، على إخفاق الاصلاح وانعدام فرصه وآفاقه.
يعني الاصلاح كما تتحدث عنه الولايات المتحدة وأوروبا اليوم وكما تتحدث عنه النظم العربية التي تريد تمييز مشروعها عن المشاريع الأجنبية حتى لا تبدو وكأنها وكيلة لها في المنطقة، أن النظم القائمة، بالرغم ما بدا منها من قصور في تحقيق الأهداف والمطالب المجتمعية، لا تزال سليمة بالعموم وليس من الضروري تبديلها أو تغييرها. إن المطلوب في نظرها، وهذا واضح من المشروع الامريكي الذي وجدته النظم العربية طموحا بالنسبة لها، هو تعديل بعض القوانين التي تحد من عمل النظام أو تعيق اشتغاله بشكل صحيح. ومن ذلك الاصرار على توسيع قاعدة المشاركة السياسية للطبقة الوسطى بما يعنيه ذلك من الحد من السيطرة الشمولية والشاملة للحزب أو للفريق الحاكم على وسائل السلطة والثقافة والاعلام والاقتصاد والإدارة معا والحد من الفساد المستشري وإدخال إصلاحات تتعلق باكتساب المعرفة والتقنيات الحديثة وزيادة مشاركة المرأة في الحياة العمومية. ومن المفروض أن يطلق كل ذلك دينامية التنمية الاقتصادية الضرورية لامتصاص البطالة المتزايدة والحد من توسع دائرة الفقر وبالتالي التخفيف من مشاعر الاحباط ومن التوترات التي تعرفها المجتمعات العربية اليوم والتي تهدد باتساع دائرة الخروج على النظام وربما الانتماء إلى منظمات العنف والتمرد المحلي والعالمي. إن المقصود هو باختصار إجراء بعض التعديلات الضرورية حتى تستعيد الأنظمة الراهنة بعض الصدقية وتخفف من المفرزات المدمرة والخطيرة للأزمة التاريخية التي تعيشها مئات الملايين الثلاثة العربية والتي ليس لها في الأفق المنظور أي حل.
في اعتقادي كان من الممكن لمثل هذا المشروع الاصلاحي، بصرف النظر عن الداعي له أو المشجع عليه، أن يتحقق ويفتح آفاقا جديدة لو حصل في الثمانينات، أي في الفترة ذاتها التي شهدت موجة عامة من الاصلاحات في العالم أجمع وبشكل خاص في الدول الشيوعية والفاشية أو شبه الفاشية التي انضمت في ما بعد إلى أوروبة والتي كانت تشابه في بنية أنظمتها أنظمة معظم النظم العربية. فلم تكن الأزمة التي شهدتها البلاد العربية في تلك السنوات أقل حدة ولا أقل تجليات مما حدث في أوربة الشرقية واليونان والبلقان واسبانيا والبرتغال. وقد بدأت ثورات الخبز منذ بداية الثمانينات وامتدت إلى أكثر من بلد عربي وتكررت المواجهات بأشكال مختلفة ولأسباب واحدة بين قوات الامن العربية وحركات الاحتجاج الشعبي التي كانت في أغلب الاحيان حركات عفوية قبل أن تتحول في مرحلة لاحقة لمنظمات تسميها الدول اليوم إرهابية تستخدم السلاح وتجعل من العنف وسيلتها الرئيسية لمقاومة السلطات المحلية. وأعقب هذه الحركات انتفاضات واعتصامات وإضرابات مختلفة مناطقية وقطاعية ومهنية في أكثر من مكان أيضا قتل فيها في بعض الأحيان المئات من المواطنين بل الآلاف.
وبالرغم من هذه التظاهرات الكبيرة والخطيرة للأزمة المجتمعية والاحتقان العميق الذي بدأت تفرزه وتزايد حسابات القتلى والسجناء، لم تظهر النظم الحاكمة أي قلق ولم تبد أي تساؤل عما حدث وما يمكن أن يحدث في المستقبل. لقد كانت أكيدة مئة بالمئة من صحة توجهها ولم تر في حركات الاحتجاج والاعتصام والتشكي سوى محاولات من قبل القوى الأجنبية للضغط عليها والانتقاص من سيادتها أو من قبل قوى المعارضة التي لا تستحق حتى اسمها في نظرها لمنافستها على السلطة والثروة. ولأنها رفضت الاعتراف حتى بحصول أخطاء جزئية أو اتباع مناهج أو السير في توجهات غير مناسبة لم يكن من الممكن لها التفكير حتى بفكرة الاصلاح. لقد كانت تعترف في أفضل الأحوال بوجود صعوبات لكن لتؤكد أن كل خياراتها السياسية والاستراتيجية والثقافية والتعليمية كانت صحيحة وعلى صواب. واالنتيجة هي ما نعرفه اليوم من خروج مسألة الاصلاح من بين أيدينا وتبنيها من قبل الدول الاجنبية.

الاتحاد أفريل 04

عام على احتلال العراق


من الواضح ان احتلال العراق يشكل ورطة بالنسبة للإدارة الأمريكية التي توقعت نصرا سريعا وحسما أسرع للوضع لكنها لا تكف عن مواجهة أوضاع تتعقد أكثر مع مرور الوقت. وبالرغم من مظاهر الاستمرار في استعراض القوة تدرك واشنطن أكثر فأكثر أن المخرج الوحيد الذي بقي لها هو السعي إلى تحقيق التفاهم مع الدول الأوروبية لاتخاذ قرارات جديدة في مجلس الأمن تسهل نقل السلطة إلى العراقيين وتخفف العبء عن الأمريكيين. إنها تتراجع شيئا فشيئا عن غطرستها الأولى وتقبل بالشراكة مع حلفائها الذين رفضت مشاركتهم في السابق.
بيد أن المخاطر على العراق لم تتضاءل ولن تتضاءل بسبب ذلك. فمن جهة أولى لا تزال لدى الولايات المتحدة القدرة على نشر الخراب والحروب الداخلية لتبرير بقائها العسكري والسياسي وقطع الطريق على استقلال ناجز للعراق. وهي تستطيع في هذا المجال أن تعتمد على الكثير من القوى الصغيرة المتطرفة كما تستطيع أن تعتمد على أجهزتها ووسائلها الخاصة لتحويل الحرب من حرب وطنية بالنسبة للعراقيين إلى حرب داخلية أهلية. ومما يضاعف المخاوف في هذا المجال الاختلاط الكبير الحاصل في وضع المقاومة الوطنية العراقية نفسها. فإذا كانت الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي تقف بشكل واضح ضد الاحتلال وتريد إخراجه من العراق، لا يختلف في ذلك السنة والشيعة، فإن الاختلافات التي بظهرها العراقيون بخصوص تحديد طرق هذه المقاومة وأساليبها تزيد من مخاطر الانقسام داخل الصف العراقي. لكن ما هو أهم من كل ذلك الغموض الذي يلف المقاومة المسلحة والطابع شبه الطائفي الذي تنزع إلى اتخاذه. فبالاضافة إلى أن هذه المقاومة لا تزال تفتقر للهوية الواضحة ولا تعلن عن أي أهداف واضحة بخصوص مستقبل العراق لا يزال من الصعب على المراقب التمييز بين أعمال المقاومة الوطنية الحقيقية والعمليات الاجرامية الكثيرة التي تستهدف المدنيين العراقيين وتخفي إرادة تفجير الحروب الداخلية. وللأسف لا يبدو أن هذه المقاومة تدرك حتى الآن مخاطر هذا الاختلاط والالتباس الحاصل وتقوم بما ينبغي القيام به لتمييز نفسها وعملياتها بصورة حاسمة عن الأجهزة المشبوهة وعمليات العنف الأعمى، كما أنها لا تظهر إدراكا كبيرا لضرورة وأهمية أن تتحمل هي أيضا المسؤولية في المشاركة في وضع حد للمجازر التي ترتكب في العراق والتي لا تستهدف الاحتلال بقدر ما تستهدف وحدة الشعب العراقي وفرصه في الخروج من الفوضى والخراب.
ومن جهة ثانية يشكل الخلاف حول مسألة ا لفيدرالية بين العرب والأكراد مصدر قلق آخر بشأن مستقبل عراق ما بعد الفاشية. فإذا كان من المكن تبرير مشروع االفيدرالية على أساس غير أقوامي كما تسعى إلى التأكيد عليه الأطراف العربية في إطار الاعتراف بالشروخ العميقة التي خلفها النظام الطغياني داخل المجتمع والعمل على تجاوز ضياع الثقة فيما بينها، فإن مشروع الفيدرالية القائمة على التقسيم الأقوامي أو العرقي كما تريد الأحزاب الكردية يخفي من دون شك إرادة الانفصال سواء أجاء ذلك مع إعلان قيام الدولة الكردية المستقلة أو من دونه. وإذا كان هذا هو الهدف فلتفتح المفاوضات منذ الآن ومن دون لف ودوران حول وضع المنطقة الكردية ومستقبل علاقاتها بالعراق بدل أن تدور المعركة في الظل ومن وراء ظهر الشعب العراقي وفي خفية عنه.
ومن المؤكد أن عدم توصل العراقيين بين سنة وشيعة وعربا وأكرادا وتركمان إلى تفاهم فيما بينهم سوف يقدم للولايات المتحدة فرصة ثمينة لتأجيل الاعتراف بسيادة العراق أو لفرض سيادة ناقصة عليه. وسوف يشجعهم من دون شك على تبني مواقف شبيهة بتلك التي لجأت إليها بريطانيا في حقبة ما بين الحربين العالميتين لتكريس احتلالها الدائم للعراق، أي تطبيق نوع من الوصاية غير المعلنة على عراق منقسم على نفسه يحكمه العراقيون أنفسهم من حيث المظهر فحسب في حين يبقى القرار الحقيقي في يد مندوب سام معين بالاسم أو من دون تعيين رسمي.
ومن جهة ثالثة، وفي حالة من الغياب الكامل للعالم العربي عن الأحداث الدولية والإقليمية التي تهزه يخشى أن تقود المقاومة العراقية إلى تحقيق أهداف غير التي تسعى إليها. فمن الممكن تماما أن يؤدي الضغط العسكري الكبير على قوى الاحتلال الأمريكي البريطاني إلى دفع الأمريكيين، للحد من تدهور الوضع السياسي والعسكري في العراق، إلى التقرب من جديد من الاوربيين الذين لا يطمحون إلى شيء آخر في العراق سوى المشاركة في الغنيمة وتجنب الاستبعاد، والتفاهم لاستصدار قرارات جديدة في الأمم المتحدة تعزز مواقفهم جميعا. ومن المؤكد أن مثل هذا التفاهم، بعكس ما يعتقده الساسة العرب، لن يكون إلا على حساب مصالح العرب وضدهم. فمثل هذا التفاهم الأمريكي الأوروبي هو القاعدة الأساسية لتعزيز السيطرة الأطلسية على المنطقة العربية.
كما أن من الممكن لاستمرار تدهور الموقف السياسي والعكسري الأمريكي في العراق أن يشجع بعض صقور واشنطن وهم كثر إلى تبني سياسة الهرب إلى الأمام وتوسيع دائرة الحرب لتشمل سورية، خاصة وأن مثل هذا الهرب يمكن أن يخدم أيضا خطط الحكومة اليمينية الاسرائيلية التي تسعى إلى الخروج من ورطة الحرب الفلسطينية. وكما أن من الممكن أن يساهم توسيع دائرة الحرب، بصرف النظر عن الفوضى التي سيثيرها، إلى التغطية على المأزق الأمريكي في العراق، من الممكن أن يقدم نقل الحرب إلى سورية وسيلة للتغطية على انسحاب حكومة شارون من غزة والضفة الغربية وما يعبر عنه هذا الانحساب من إخفاق في تحقيق أهداف الحرب الاسرائيلية الجارية لتصفية القضية الفلسطينية. ومما يزيد من مثل هذه المخاطر، هو أن أجندة الولايات المتحدة في سورية أو بالنسبة لسورية هي أجندة إسرائيلية أكثر حتى مما هي أمريكية. ومن الطبيعي أن يتفاقم الخطر على سورية عندما تتعرض حكومة شارون إلى هزة كبيرة وتحتاج كي تتجاوزها إلى عمل يعزز موقفها في الداخل وتجاه الفلسطينيين. والأمر يتوقف في الأشهر القادمة على نجاح هذه الحكومة في تحقيق إنسحابها من الأراضي من دون الحاجة إلى عمليات استعراضية للتغطية على مأزق التورط، من دون أمل في تحقيق أي هدف من أهدافها الأصلية، في حرب الدمار الفلسطينية.
وكما ذكرت في أحد مقالاتي الماضية أن الحرب التي تدور في العراق ليست حربا أمريكية عراقية فحسب ولكنها أيضا حرب اسرائيلية عربية. فتحت رداء الحرب الأمريكية كانت تل أبيب تخوض ولا تزال حربها الخاصة. وإذا كانت أحد أهداف الحرب الأمريكية ا لسيطرة على العراق، ومن ورائه تثبيت سيطرتها على الخليج ونفطه، فإن هدف الحرب الاسرائيلية منع العراق من الاستقرار وإذا أمكن دفعه نحو التمزق والتفتت. ولا أستبعد أن تكون العديد من العمليات الارهابية التي عرفتها المدن والمواقع الدينية العراقية والمؤسسات الدولية من صنع أيادي المخابرات الاسرائيلية.
ثم إن اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ظروف تؤكد بشكل متزايد تصاعد شعبية المرشح الديمقراطي قد تدفع الإدارة الأمريكية الراهنة إلى التشدد أكثر في المنطقة العربية لتحسين صورة وسمعة الرئيس بوش لدى الرأي العام الذي يميل بشكل أكبر لصالح تأكيد القوة والقدرة على السيطرة الأمريكية.
ومهما كان الأمر، وهذه هي المسألة المحورية، لا يمكن لمصير العراق أن ينفصل عن مصير المنطقة العربية برمتها. فإذا استمر الوضع العربي في التدهور لن يكون هناك أمل في أن ينجح العراقيون في السيطرة على استراتيجيات الهيمنة والتمزيق التي تستهدفهم من قبل الولايات المتحدة واسرائيل. لكن إذا نجج العالم العربي المكرسح في أن يقف على قدميه، وشرط ذلك إعادة إدخال المجتمعات العربية في الحياة السياسية ووقف الارهاب الرسمي المنظم الذي يمارس ضدها في سبيل ضمان الازدهار والانتعاش الأبدي لحفنة قليلة من اللصوص والطفيليات، فلن يستطيع العراق الخروج من قمقم الاحتلال ولكن الاحتلال هو الذي سيزيد من هامش مبادرته وسينجح في تعزيز موقفه في البلاد العربية الأخرى.