mercredi, mars 23, 2011

تصريح لبرهان غليون حول ما نقل عن مراسل وكالة الأنباء الفرنسية في دبي

نشرت بعض وسائل الإعلام العربية والعديد من المواقع الاليكترونية في 21 مارس آذار الجاري مقالا لمراسل وكالة الأنباء الفرنسية في دبي، ينسب إلي فيه أفكارا لا تعبر عن موقفي من الثورة الديمقراطية في الخليج وخاصة في مملكة البحرين. بل هي تتناقض تماما مع كل تصريحاتي العلنية السابقة.ومنطلقاتي الفكرية والسياسية المعروفة للجميع.

في نظري ما يحدث في البحرين لا يختلف عن الثورات الديمقراطية التي تجتاح الوطن العربي بأكمله والتي تعبر عن طموح الشعوب العربية في كل الأقطار إلى استعادة حقوقها الطبيعية في أن تحكم نفسها بنفسها وأن تكون صاحبة قرارها وأن تنتخب ممثليها بحرية في نظام سياسي قائم على التعددية وضمان الحريات الأساسية المدنية والسياسية، خارج أي ضغوط أمنية أو مخابراتية، ومن دون أي تمييز داخل صفوف الشعب على أي أساسي مذهبي كان أو قبلي أو قومي. ولن يساعد إرسال قوات من درع الخليج إلى المنامة في ايجاد حل للأزمة التي تعيشها نظم الحكم المطلق السائدة في المنطقة ولكنها سوف تساهم بالعكس في تفاقمها.

ولا يمكن لبلدان الخليج أن تشذ عن ذلك، لا بسبب بنيتها السكانية القبلية كما يدعي البعض ولا بسبب وجود احتياطيات النفط الكبيرة فيها. وجميعها مدعوة ومطالبة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، بالتحول إلى ممالك دستورية يملك فيها الملك ولا يحكم، وتنبثق السلطة فيها عن انتخابات حرة ودييمقراطية تمثل مصالح الشعب كافة، من دون تمييز، وتقوم على احترام الحقوق الانسانية الطبيعية المعروفة وعلي التعددية السياسية والفكرية.

dimanche, mars 20, 2011

نداء الحرية في مملكة الصمت السورية

الاتحاد 23 مارس 11

لم يعد هناك من يشك امام مشهد الثورات المشتعلة في اكثر من قطر في الوقت نفسه، وبعد انتصار ثورتي تونس ومصر أن انقلابا تاريخيا كبيرا قد حصل في المنطقة العربية لم يعد من الممكن تجاهله وبالأحرى الرجوع عنه. ولن يمكن لأي نظام قهري أن يتجنب آثاره ما لم يبادر هو نفسه بعملية إصلاحية تضع البلاد على الطريق ذاتها التي رسمتها الثورة ويشرع بتنفيذ المهام نفسها التي استدعت الانفجار الشعبية المتوالية والمتواصلة كالبركان الذي لا يريد الانطفاء.

فقد دخل العرب، نفسيا وفكريا وسياسيا في تاريخ جديد، تاريخ الحرية الذي حيل بينهم وبينه لعقود طويلة. ومن لا يدرك معنى هذا التحول أو يرفض النظر إليه، سوف يصبح من منتجات ما قبل التاريخ، ويعيش في عالم ليس له علاقة بعد الآن بعالمنا الراهن، لا قيمه من قيمنا ولا أهدافه من اهدافنا. فهناك اليوم في سياساتنا عصر ما قبل التاريخ وعصر التاريخ وما بعد التاريخ. وقمع الانتفاضات الشعبية، وما بالك بمواجهة الاحتجاجات الصغيرة بالحديد والنار، لا يعمل إلا على تعميق شعور الناس بهذه الحقيقة البدهية، ويفاقم من سخطهم على أوضاعهم وعلى من أصبح أكثر من أي وقت سابق عقبة في وجه تقدمهم واستقلال إرادتهم واندراجهم في حقبتهم التاريخية.

ولأن أي شعب عربي لن يقبل بعد الآن أن يعيش في شروط العهد السابق، وسيبدو القبول بمثل هذه الشروط برهانا على انحطاطه الأخلاقي والسياسي وشهادة على قلة حيلته وانعدام كرامته وعجزه أو جبنه، بل على موته، ستجد جميع الأنظمة الاستبدادية نفسها مهددة لا محالة بحركات الاحتجاج، وستتعرض لضغوط متواصلة من قبل قطاعات متزايدة من الرأي العام يضاعف من اندفاعها نحو المشاركة السيل المتواصل من صور الشعوب المناضلة من أجل حريتها. وأمام إرادة التحرر والتصميم وقبول التضحية، بل ربما احيانا نكران الذات في سبيل إدخال المجتمع في عهد الحرية الجديد، لن يزيد قمع هؤلاء إلا في إلهاب روح الثورة فيهم وتغذيتها.

فلن تستطيع الشعوب، بعد كل ما جرى ويجري على امتداد الساحة العربية، وما تحقق من انتصارات لا يمكن التشكيك فيها، أن تقاوم، مهما عظمت المخاطر والتضحيات، إغراء المحاولة والتحرش بالسلطة القائمة واستفزازها والهجوم عليها. وليس امام السلطة الاستبدادية التي فقدت هيبتها تماما بعد ما ظهر فسادها المرعب، وعماها السياسي واستعداداها لتعريض البلاد لكل الأخطار والتدخلات للحفاظ على مصالح أصحابها اللامشروعة وامتيازاتهم، ولجوئها السهل للعنف الوحشي، فصارت هدفا مباشرا لنقمة شعبية لم تعرفها الشعوب العربية في كل تاريخها الحديث سوى أحد خيارين: تجنب الصدام مع القوى المتظاهرة وهذا ما سوف يترجم بسرعة إلى ضعف ويشجع على خروج الجماهير التي لا تزال خائفة من جميع أوساط الشعب إلى الشوارع والساحات لتشارك في عيد الحرية وتحقق مواطنيتها في التواصل في ما بينها، أو أن تقمع التظاهرات والاحتجاجات وتكبدها خسائر كبيرة. وفي هذه الظروف التي نعيشها، أعني الدخول في التاريخ الجديد والزمانية الثورية التي تلف المنطقة بأكملها، لن تكون نتائج القمع سوى تعميق الشعور بالمهانة وبغربة النظام وقطيعته مع الشعب، ومن وراء ذلك استدراج المزيد من الجمهور المتعاطف مع الضحايا إلى الميدان.

واضح أذن أنه في هذه الحالات الاستثنائية تسقط قوة الردع التي كانت للقمع في الحقبة السابقة. أما الحوار أو الاصلاح الذي تدعو إليه السلطة القهرية اليوم فليس له في السياق الراهن أي قيمة سياسية، ولا يمكن أن يخدع إلا الداعين إليه الذين بخلوا على شعوبهم به خلال عقود طويلة كانوا لا يكفون فيها عن ممارسته مع إسرائيل، بما في ذلك مع حكوماتها الاكثر عنصرية ويمينية، وفي ظل استمرار عملية الاستيطان اليهودية. إنه لا يثير شهية أحد وليس له ترجمة أخرى غير سعي الحاكمين إلى كسب الوقت أملا بمرور العاصفة بسلام وبالتالي تأجيل التحولات المطلوبة والتي لم تعد تقبل الانتظار.

فمنذ أن يشعر الفرد بانه أصبح حرا، وقد أصبح جميع العرب من دون استثناء أحرارا في اللحظة ذاتها التي كان فيها التونسيون ثم بشكل أكبر المصريون ينتزعون في ميدان التحرير، وعلى مرأى من الجميع أيضا، حرياتهم وحقوقهم، ويفرضون إرادتهم على النظام، تسقط شروط العبودية والانظمة الراعية لها. وهذا ما حصل للعرب جميعا اليوم، بصرف النظر عن أقطارهم وخصوصياتهم ومستوى تطورهم أو انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو السياسية أو جنسهم. ذلك أن الحرية لا يمكن أن تتعايش ولا للحظة واحدة مع العبودية. وهي في سموها تدفع الناس أيضا إلى التسامي على جميع جراحاتهم اليومية وحساسياتهم المذهبية واختلافاتهم القبلية والدينية. والنظم التي لا تدرك ذلك تحكم على نفسها بالموت واقفة، من دون أن يطلق عليها الجمهور رصاصة واحدة. إنها تصبح ميتة حتى لو لم يخرج لمقاتلتها أي شخص من لحم ودم.

من هنا يخطيء كثيرا أولئك الذين يعتقدون أنهم يستطيعون الفكاك من الاستحقاقات التاريخية لأن لديهم فائضا من القوة والعنف، وأن شيئا لا يمنعهم من استخدامه، أو أن في أيديهم وسائل عظيمة لتشويه الحقائق والكذب والغش. فلم يعد لكل ذلك أي مفعول، وهو بدل أن يخدع أعداءهم، أي الناس الأحرار، يحول أصحابه، هم أنفسهم، إلى ما يشبه النعامة التي تدفن رأسها بالرمال للخلاص من خطر داهم.

ولعل التجربة الليبية هي التي تقدم الدرس الأهم في هذا المعنى. فلم يعمل الاستخدام الصريح للعنف، الذي وصل إلى حد إعلان "قائد ثورة الفاتح"، وصاحب نظرية الجماهيرية والسلطة للجان الشعبية، الحرب الرسمية على شعبه، وعدم التردد في قصف مدنه وقراه بالطيران والمدفعية، على تعزيز سلطة نظام القهر الليبي وهيبته ولكنه سارع في سقوط هذا النظام السياسي والأخلاقي معا، وجعل من التعاون العربي والعالمي للتخلص منه هدفا مشتركا لجميع الدول، بما فيها تلك التي لا مصلحة لها في الثورة القائمة، ودفع الكثيرين من العرب إلى المخاطرة بقبول التدخل الاجنبي على أنه مساعدة إنسانية.

كيف يمكن لنظام حكم اعتاد التعامل مع شعبه كعبيد أو كأتباع وزبائن، يستمد مجده من إذلالهم، ويجمع أربابه ثرواتهم من تعظيم عذاباته اليومية، إلى الانقلاب على ذاته والقيام بثورة على نفسه، توفر على الشعوب الدماء الزكية وعلى البلاد الخسائر المادية ومخاطر الانهيارات الاقتصادية وربما التدخلات الأجنبية ؟

هذا هو التحدي الذي توجهه الشعوب ويوجهه التاريخ اليوم إلى أولئك الحكام الذين لا يزالون، بعد ثلاثة أشهر من الثورة البركانية المستمرة في كل العواصم والمدن العربية، يراهنون على مقدرة أجهزتهم الأمنية وتحالفاتهم الإقليمية على مقاومة طوفان الحرية. لا أدري، إن كان ذلك من سوء حظ الشعوب العربية أو حسنه أن هؤلاء لم يفهموا أو لا يريدون أن يفهموا معنى ما يجري في بلدان حكموها منذ عقود، من دون أن يعيروا شعوبها لفتة واحدة. ولو فعلوا لأدركوا، كما أدرك جميع الناس من حولهم، هذه الحقيقة البدهية التي لم يكف ملايين العرب عن تردادها منذ شهور: الشعب يريد تغيير النظام، أي ببساطة يريد تغيير أسلوب الحكم، يريد المشاركة، يريد الحرية، يريد الكرامة، يريد الاحترام. هل في هذا ما يعصى على الفهم، وهل الجواب على هذه المطالب يحتاج إلى مثل هذه الحشود الأمنية والعسكرية، وقتل الأبرياء وملء السجون بالأطفال والنساء والرجال، وهل بمثل هذه الوسائل تردم الهوة السحيقة بين الحكومات العربية وشعوبها؟

samedi, mars 19, 2011

سورية على طريق ثورة الكرامة والحرية


لفت صمت الشعب السوري أمام اندلاع ثورة الكرامة والحرية في تونس ومصر وانتقالها المدوي إلى جميع الأقطار العربية، بما فيها دول الخليج النفطية الغنية، والملكيات الاكثر رسوخا في بعض الأقطار، نظر جميع المراقبين في العالم. وتبارى كثير من هؤلاء في تحليل الأسباب التي منعت رياح الحرية المنعشة، التي هبت على المنطقة العربية، وألهبت حماسة شعوبها، ووحدت فكرهم ومشاعرهم وإرادتهم، كما لم يحصل في أي زمن سابق، من التأثير في مجرى الحياة السورية. ولعل النظام السوري اقتنع أيضا بالأطروحة التي روجتها الصحافة هنا وهناك، واعتبر أن التفاف الشعب السوري حول قيادته بسبب مواقفها الحميدة من القضايا القومية، أمرا مفروغا منه، يجنبه المساءلة في قضايا الحكم والسياسة الداخلية والحريات، ويوفر عليه الإصلاحات التي ما كف عن الوعد بها منذ بداية العقد الماضي، من دون إظهار أي رغبة، مهما كانت محدودة، في تحقيقها.

وبالرغم من مرور ثلاثة أشهر على ثورة شعبية عربية عارمة أدهشت العالم وأصبحت محور اهتمام المنظومة الدولية بأكملها، من سياسيين ومثقفين وفلاسفة وخبراء في السياسة والاستراتيجية، ومن مشاهد الشعوب التي حررت نفسها بقوة إرادتها وعزيمتها وتصميمها، في مواجهة أعتى النظم القمعية، فقد ظل النظام السوري صامتا تماما كما لو أن ما يجري من حوله لا يعنيه بتاتا، او أن سورية منيعة كليا على أي تأثيرات عربية أو عالمية. و بينما لم يبق نظام عربي واحد لم يبادر إلى تقديم تنازلات سياسية والوعد ببرامج إصلاح أو الدعوة إلى حوارات وطنية، لم يجد المسؤولون السوريون ضرورة حتى للتوجه بخطاب أو بكلمة او ببيان للشعب، واكتفوا بما تنشره أو تبثه وسائل الإعلام السورية عن إنجازات النظام الاستثنائية، الوطنية والاجتماعية والاقتصادية. وفي حين بادرت نظم، لا تقل ثقة بقوة الردع التي تتمتع بها أجهزتها الأمنية، إلى إطلاق سراح معتقلين واتخاذ إجراءات فورية لتبريد الأجواء والتخفيف من الضغوط والتوترات التي تعيشها الجماهير المتفجرة توقا إلى الانعتاق، وأعلن بعض الزعماء فيها عن عدم رغبتهم في إعادة ترشيحهم لولاية أخرى، وبادر بعضهم الآخر إلى كف يد الأجهزة الامنية عن الملاحقات التعسفية واستخدام القوة والعنف مع المتظاهرين، وأقر بعض ثالث بضرورة تنظيم انتخابات نزيهة وحرة، ضاعفت أجهزة الأمن السورية من تشددها تجاه النشطاء السياسيين، وزجت المزيد منهم في السجون لأدنى الأسباب، وها هي تتورط في مواجهة التظاهرات بالرصاص بعد أن كالت لهم تهما تساوي الخيانة الوطنية. وحتى في الملكيات الراسخة والغنية، لم يجد القادة بدا من اتخاذ إجراءات سياسية جديدة بالإضافة إلى الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية، وشعر قسم منهم، لم يعتد مخاطبة الجمهور ولا مغازلته، بضرورة أن يتحدث لشعبه ويخاطبه، كتعبير عن الاعتراف بوجوده أو التظاهر باحترام رأيه. وأعلن ملك المغرب الذي لا يشك أحد بما يتمتع به في بلاده من شعبية، نظرا لما شهدته بداية حكمه من انفتاحات ديمقراطية مهمة، عن مشروعه الجديد لتقليص كبير في صلاحيته السياسية وربما التمهيد لإقامة ملكية دستورية. بالمقابل، لم يتردد الرئيس السوري في أن يؤكد، خلال مقابلات حديثة مع الصحافة الأجنبية، أن الاصلاح السياسي في سورية مسألة طويلة وصعبة، ولن يكون من الممكن تحقيقه قبل مرور جيل جديد.

لعل القادة السوريين ارتأووا أن من الأفضل أن لا يتحدثوا في السياسة حتى لا يفتحوا على أنفسهم باب التفكير في الاصلاح السياسي، أو لعل بعضهم اعتقد بالفعل أن تجهيزاتهم وجاهزيتهم الأمنية قوية بما يكفي لردع السوريين عن القيام بأي عمل لا يرضى عنه النظام، أو بأن شعبهم قد فقد تماما الشعور، وأصبح جثة سياسية، أو أنه تحول إلى سائبة لا تعني لها الكرامة شيئا ولا تثيرها رياح الحرية. أو لعلهم اعتقدوا بأن خوف الشعب بعضه من البعض الآخر، وتخويفه بالحرب الأهلية بسبب الانقسامات المذهبية او الجهوية، سوف يعطل إرادته ويشله عن القيام بأي مبادرة عملية. هكذا صم النظام السوري أذنيه تماما عن نداءت هي أشبه بالاستغاثة، صدرت عن بعض من لا يزال على قيد الحياة السياسية، في شعب يكاد يختنق من شدة ضغط أجهزة الأمن التي تحصي على الأفراد أنفاسهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا يكاد فرد، أكان ناشطا سياسيا أو بعيدا عن أي نشاط، يخرج من تحت السيطرة الأمنية المباشرة، ولا نشاط، مهما كان صغيرا أو كبيرا، تجاريا أو ثقافيا، يمكن أن يمر من بين شبكات المرا قبة الضيقة وشكوكها المرضية وملاحقاتها الدائمة واليومية. الإشارة اليتيمة التي قبل النظام أن يقدمها في هذه الظروف التاريخية التي تلهب مشاعر العرب جميعا وتدفعهم لركوب كل المخاطر بما فيها حمل السلاح لمقاتلة أعداء الحرية، كما حصل في ليبيا، هي إطلاق سراح هيثم المالح، الناشط الحقوقي المسن، بعد سنوات من المحاكمات والاعتقالات التنكيلية. وحتى في هذه الحالة، استكثر النظام أن يطلق المالح بعفو خاص، فجمله في عفوه العام الدوري عن الجرائم والجنح المدنية، وأكد على أن الأصل فيه هو السن المتقدم، حتى لا يضفي على هذا العفو عن شخص واحد طابعا سياسيا يغذي أوهام الناشطين الحقوقيين والسياسيين بان من الممكن تعميمه في المستقبل أو توسيع دائرته.

أكثر من الإحباط، أثار هذا الانغلاق السياسي، العميق الدلالة، ذهول الأوساط السياسية والثقافية جميعا، ليس في سورية فحسب ولكن في العالم العربي بأكمله. وفجر صمت النظام روح الثورة الكامنة، بما أبرزه من عدم احترام للشعوب، واستهتار بمشاعر الناس، وتجاهل تطلعاتهم، والاستهانة بمخاوفهم وقلقهم على مستقبلهم، والاستمرار في المراهنة على كسر إرادتهم، من اجل الابقاء على إذعانهم، وتمديد حالة الحصار المفروض عليهم، وتحويلهم إلى أسرى محتجزين داخل ذواتهم هم أنفسهم.

ومن هذا الاحباط وانغلاق الآفاق وقتل الآمال، انطلقت في 15 مارس آذار أول شرارة في حركة يخطيء النظام إذا اعتقد أن من الممكن القضاء عليها بوضع من شارك فيها في السجن وإضافة معتقلين جددا إلى عشرات المعتقلين السابقين. ليس ما حدث ويحدث في دمشق وبانياس والقامشلي ودرعا وحمص سوى الإرهاصات الأولى لثورة الكرامة والحرية التي حملت بها سورية منذ وقت طويل، من دون أن تجد وسيلة لإخراجها. وأصبح أصعب فأصعب اليوم، في سياق الانتفاضة الشاملة للشعوب العربية، إخماد نارها بالوسائل والأساليب القديمة التي اعتادت على استخدامها الأجهزة الأمنية، من عنف مفرط وضرب وشتم، بل لن يزيدها ذلك إلا اشتعالا، بمقدار ما تساهم هذه الأساليب في تأكيد الواقع الذي يثير ثائرة الشعوب اليوم في كل مكان، ويدفعها للانتفاض على حكامها، وجوهره حكم الناس بالقوة والقهر، واحتقار آرائهم، وتسفيه خياراتهم، والتضحية بكرامتهم، والاستهتار بوجودهم.

ليس السوريون هم وحدهم الذين لفت جمود النظام وصممه أنظارهم. ولم تقتصر المقالات والتعليقات النقدية على السوريين، وإنما أصبحت، أكثر، شاغلا رئيسيا لكتاب ومثقفين ومفكرين عربا كانوا ولا يزالون يعتبرون أنفسهم حلفاء أو أصدقاء للنظام. ولم يتردد هؤلاء في تذكير المسؤولين السوريين بأن المواقف الخارجية الحميدة لا ينبغي أن تكون بديلا للاعتراف بحقوق الشعب السوري وحرياته، وأن تقديرهم لسياسات النظام السوري الخارجية، وحرصهم عليها وعليه، هما الذين يدفعانهم إلى تحذير المسؤولين من مخاطر هذه السياسة ويناشدونه القيام بإصلاحات سياسية سريعة وفورية تلتقي مع آمال الشعب السوري وترد على تطلعاته المشروعة، قبل فوات الآوان.

كما هو واضح، لم يدرك القادة السوريون أن شعبهم قد تغير تماما، في أتون الثورة المستمرة التي يعيشها بكل جوارحه عبر القنوات التلفزية، ويشارك فيها ساعة ساعة، حتى وهو قابع في بيوته أو في مقاعده الدراسية. كما أنهم لم يدركوا أن العالم نفسه قد تغير، بفضل الثورة العربية ذاتها، وتغيرت معه أيضا الجامعة العربية، كما أبرز ذلك المثال الليبي. ولم يعد أحد يقبل اليوم مشاهد الحرب التي يشنها مسؤول أو زعيم سياسي على شعبه لمجرد طموحه في البقاء في السلطة أو حماية بعض الامتيازات. ولقد فات الوقت الذي كانت سيادة الدولة تعني حق أي حاكم أو نظام حكم، مهما كان أصله ومصدر شرعيته، في أن يستفرد بشعبه ويفرض عليه الإذعان. ولم يعد من الممكن للرأي العام العالمي، في نظام العولمة الراهن والتواصل المباشر عبر وسائل الإعلام، أن تتنكر حكوماته لواجب التضامن مع الجماعات والشعوب المعرضة لمخاطر الإبادة والاستعباد، أو أن تستهتر بمصادرة إرادتها من قبل جماعات خارجة على العرف الدولي والقانون، سواء اعتمدت في إخضاع شعوبها على القوة العسكرية النظامية أو الأجهزة الأمنية، ومن باب أولى على عصابات المرتزقة وأمثالهم.

مهما تــأخر الوقت، لا يستطيع نظام متكلس يرجع نموذجه إلى حقبة سابقة كثيرا على ثورات التحرر والديمقراطية والانتفاضات الشعبية العربية، أن يستمر. لقد أصبح أثرا من آثار ما قبل التاريخ. تاريخ الحرية الجديد الذي يحرك الشعوب ويلهمها. والسوريون ليسوا أقل جدارة من الشعوب الأخرى، وليسوا أشباه رجال، أو نمطا خاصا من الشعوب التي لا تعنيها الكرامة ولا تعرف معنى الحرية. ولن يقبلوا أن يكونوا أنصاف مواطنين. وما ينشدونه هو ما تتمتع به جميع شعوب العالم اليوم وتنشده أيضا: حكما قائما على المشاركة والاعتراف بأهلية الشعوب وحقوقها وحرياتها الأساسية، والتخلص من عسف المخابرات وتسلطها البغيض على حياة الناس ومصادرة آحلامهم وآمالهم. وليس في هذا أي مطلب استثنائي أو تعجيزي. بالعكس إنه العودة إلى الحالة الطبيعية، أي السليمة.

لكن إذا لم يكن من الممكن المحافظة على نظام يرجع في نموذجه لعصر الحرب الباردة فليس هناك ما يمنع أصحابه او الذين آمنوا به من أن يجنبوا أنفسهم مصيرا شبيها بمصير الخارج على القانون الذي تحول إليه القذافي، الزعيم الملهم، بعد أن غامر بشن الحرب على شعبه وأراد أن يفرض نفسه عليه بالقوة، ولا حتى بمصير بن علي ومبارك اللذين اضطرا إلى الانسلال أو التسلل خوفا من الغضبة الشعبية. والسبيل إلى ذلك ليس بالامر الصعب والخطير: إنه ببساطة ملاقاة مطامح شعوبهم وتطلعاتها الانسانية الطبيعية، والتجرؤ على إعلانها شعوبا حرة، والاعتراف بأهليتها في حكم نفسها واختيار ممثليها بحرية، وتسهيل انتقالها الحتمي نحو الديمقراطية ،والمساهمة في تخفيض تكاليف هذا الانتقال المادية والمعنوية. ولا أعتقد أن كثيرا من القادة السياسيين، بما في ذلك مسؤولون كبار في أجهزة الأمن، من الذين أتيح لي مقابلتهم بمناسبة العديد من التحقيقات التي يشاركني فيها أغلب عناصر النخبة الثقافية، غير قادرين على مثل هذا الخيار، أو غير أبهين بمستقبل شعوبهم وراغبين في تجنيب بلادهم مخاطر العنف والحروب الداخلية، ومن ورائهما احتمال الانزلاق نحو التدخلات الأجنبية القابعة وراء الباب.

mardi, mars 08, 2011

عهد المواطنة العربي الجديد

الجزيرة نت 8/03/2011

كالعنقاء التي تنبعث من رمادها، تولد الشعوب العربية اليوم من الحطام الذي آلت إليه في العقود الطويلة الماضية على يد نظم سياسية واجتماعية قاهرة وقهرية، وتتقدم على مسرح التاريخ طامحة إلى امتلاك مصيرها. ويعني امتلاك المصير استعادة الحق الأصلي في التصرف والسيادة التي نازعتها عليها قبل أن تنتزعها منها النخب الحاكمة في سياق تاريخي استثنائي كسرت فيه إرادة الشعوب العربية، ونجحت فيه الدول الكبرى في استتباع النخب الحاكمة واستخدامها للعمل على أجندتها الخاصة.

هي إذن في الجوهر ثورة سياسية عميقة تعيد تشكيل الشعوب التي صارت خلال العقود الماضية في حكم الرعايا والأتباع والموالي والعبيد المنقسمين والمتنازعين والمهمشين والشاكّين بعضهم ببعض واليائسين من مصيرهم ومستقبلهم والمحتقرين لأنفسهم والمنخلعين عن ذواتهم بسبب عمق المهانة والعطالة والإحباط، وصهرها في أتون الحركة الاحتجاجية والثورة المستمرة على أشباه أسيادها أو أسيادها الزائفين، إلى أمم أو شعوب أمم يوحدها العمل المشترك والأمل الجامع في استلام زمام أمورها وانتزاع حقوقها.

ففي هذه الثورة ومن خلالها اكتشفت الشعوب التي دفعت إلى الشك في نفسها، وحدتها وقدراتها -أي ذاتها- ووقعّت دون أن يستدعي ذلك أي مفاوضات مسبقة أو حوارات سابقة أو تنظير، على عقدها أو عهدها الوطني الجديد: عهد الخبر والكرامة والحرية، تماما كما كانت الثورة الفرنسية عام 1789 قد أسست لعهد الديمقراطية الغربية الجديد بشعارات تحولت في ما بعد إلى جدول أعمال جميع الشعوب الغربية والديمقراطية: الحرية والمساواة والإخاء.

وقصدي من ذلك أن أقول أيضا إن هذه الثورة هي بالتأكيد ثورة الديمقراطية العربية كما وصفها العديد من المحللين، بما تعنيه الديمقراطية من إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الدكتاتورية، وإقامة نظم سياسية تقوم على مشاركة جميع الأفراد في القرارات العمومية عبر ممثلين ينتخبونهم بحرية.

وهذا ما حصل في أوروبا الشرقية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وما حصل في أميركا اللاتينية وبعض الدول الأفريقية قبل ذلك في السبعينيات. لكنها ليست كذلك فحسب، ولا تقتصر على عملية إطلاق الحريات لشعب انتزعت منه.. إنها أكثر شبها بالثورة الفرنسية التي لم تكن هي أيضا مجرد إطلاق للحريات أو تغيير نظام سياسي دكتاتوري بنظام ديمقراطي آخر، وإنما كانت إطارا لولادة أمة من هشيم الرجال والطوائف والجماعات المحلية والطبقات المتنابذة التي ينكر بعضها بعضا.

ومن حيث هي كذلك، كانت في الوقت نفسه ثورة نفسية وأخلاقية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية تستبطن بالضرورة انقلابا جيوستراتيجيا أيضا.

فما حصل في البلاد العربية في العقود الأربعة الماضية على يد بعض النخب التي استلمت السلطة في ظروف تاريخية وبوسائل استثنائية، هو إعادة توطين الملكية المطلقة والتعسفية فيها كما لم يحصل في أي منطقة من مناطق العالم الأخرى، فوضعت العالم العربي بالفعل في حالة شاذة معاكسة لحركة التاريخ واتجاهها.

وأقصد بالملكية المطلقة هنا نفي أي حقوق مهما كانت للشعوب في المشاركة في تقرير الشؤون العامة، وتحويلها إلى شعوب قاصرة أو فرض حالة القصور عليها، وتحويل البلدان إلى ما يشبه الإقطاعات القرسطوية التي يتحكم فيها أولياء نعمة من الملوك والسلاطين والرؤساء المبجلين الذين يفرضون سيطرتهم عبر ترويع السكان بالمليشيات المسلحة التي لا تخضع لقانون غير إرادتهم، ويستحلون جميع الحقوق ويتعاملون مع البلاد كما لو كانت ملكية خاصة لهم، ولهم عليها حق التصرف الكامل، لهم ولأبنائهم وأقربائهم، كما يملكون حق الموت والحياة على السكان ويحولونهم بالجملة إلى عبيد وأتباع.

وربما كانت نكتة توريث الأبناء الحكم من قبل الآباء في الجمهوريات العربية أكبر مؤشر على نوعية هذه العلاقة التي نشأت بين أصحاب الحكم وبين الأرض والشعب، وكان من نتيجتها تصفية الإرث الفكري والسياسي الوطني أو المواطني العميق الذي تراكم منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر وعزز الشعور بوجود شعب وأمة عربيتين لدى الأفراد وفي نظر الرأي العام العالمي أيضا، بعد الانتصار على الاستعمار ونيل الاستقلال، ثم في مرحلة ثانية، الثورة الوطنية التي تفجرت في الخمسينيات والستينيات بهدف تعميق أسس الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي ودمج الأرياف في الحياة العامة، وقادتها الحركة القومية العربية، والناصرية منها بشكل خاص.

ونجم عن انحطاط نموذج الحكم والسلطة في البلاد العربية تدمير منظم للنسيج الوطني، وتفجير نواة الوطنية الجديدة التي ولدت في إطار الصراع ضد الاستعمار والهيمنة الأجنبية وفي سياق الطموح إلى الانخراط في العصر ومسايرة القيم السياسية الحديثة.

وحلت السلطة الشخصية المستندة إلى الولاء للحزب الواحد أو الطائفة أو العشيرة محلّ سلطة القانون، وفرغت مؤسسات الدولة جميعا من مضمونها، واحتلت الجماعات الزبائنية ذات الأصول الحزبية أو الطائفية أو العشائرية، الدولة واستعمرت مؤسساتها وطردت أي أثر لروح السياسة الوطنية وللقانون فيها، وتحولت الجيوش إلى مليشيات تأتمر بأوامر النخب الحاكمة ولا تخدم سوى مصالحها، وأخضعت نظم التعليم لحاجات تعزيز سيطرة هذه النخب وهيمنتها، ووظفت المعارضات السياسية ذاتها -بعد عمليات إخضاع وإذلال وتدجين طويلة ومتواصلة- في خدمة السلطة شبه الإقطاعية الجديدة، وحيل بين الأفراد وإمكانية التواصل والتعارف والتفاهم والعمل المشترك والتعبير عن الرأي أو المصالح الخاصة، فما بالك بالتنظيم والتظاهر والاحتجاج.

ووصل الأمر حدّ منع الناس من التضامن في ما بينهم أثناء الكوارث الطبيعية من زلازل وغيرها، حتى لا يقلل ذلك من هيبة الدولة أو القائمين عليها. وتفنن النظام في تفريغ الثقافة العربية من محتواها التحرري والإنساني أيضا، وفي تعميم ثقافة تجمع بين تعميم الخوف الشامل من كل شيء ولأي سبب أو من دون سبب، نتيجة العسف المعمم وغياب أي حماية سياسية أو قانونية للفرد، والانكفاء على النفس، والاستقالة من أي مسؤولية عمومية، والانطواء على قيم العصبية الأسرية أو العائلية أو الطائفية أو العشائرية، واليأس من المستقبل والانسحاب من العالم، وإدارة الظهر لكل ما يشير إلى قيم التحرر الحديثة.

وفي هذا العالم الاجتماعي الجديد الذي صاغه النظام، وفرغه من أي لحمة مدنية تجمع بين الأفراد، وأقامه على تعميم الخوف الدائم والتهديد المنظم الذي يضمنه الحضور الشامل لأجهزة الأمن والقهر والمخابرات، والاستخدام المفرط للعنف الرمزي والمادي معا، والقطيعة مع العالم الخارجي نفسيا وفكريا وأحيانا ماديا، وسن قوانين المراقبة على كل ما يتعلق بالاتصالات الحديثة والقديمة، وتنويع القيود المفروضة على تنقل الأفراد وحركتهم داخل بلدانهم وخارجها، وكسر حلقات التواصل الاجتماعي والثقافي بتضييق هامش العمل الجمعوي والإنساني والخيري، وكل ما يتعلق بما نسميه اليوم منظمات المجتمع المدني، وتجنيد قسم كبير من النخب المثقفة لبث أيدولوجية القهر الذاتي التي تقوم على تغذية مشاعر كراهية الذات وتشجع على الانخلاع عن الهوية والتبرم بالانتماء للجماعة التاريخية والثقافية، من خلال الانتقاص من قدر الحضارة العربية وتشويه التاريخ وتسويد الثقافة وتقزيم الإنسان والتشكيك في تاريخ العرب ومقدرتهم العقلية على تمثل قيم الحضارة الحديثة أو معانقة القيم المدنية، وتكبيلهم بمشاعر الفشل والعجز واللافاعلية، وتوجيه الدراسة التاريخية والاجتماعية نحو ميادين لا هدف منها سوى إفقاد الفرد الثقة بنفسه ومقدرة مجتمعاته على الانخراط في العصر، مثل ما اعتدنا على قراءته عن الجروح النرجسية والعصاب والماضوية والانطواء على النفس والعداء للآخر، مما حفلت به المكتبة العربية في العقود الثلاثة الماضية ولم تعرفه الدراسات الاجتماعية عن أي شعب آخر خلال التاريخ.. أقول في هذا العالم الاجتماعي الجديد الذي ساهم في خلقه واستمراره الطغاة الكاسرون والأجهزة الأمنية الضاربة والمتمولون الشرهون والمثقفون والدعاة المحبطون والناقمون أو المستفيدون، انحلت جميع العرى الاجتماعية، وقضي على أي أثر للروح العمومية، للوعي الجمعي والإرادة العامة.

لم يعد هناك شعب ولم تعد هناك أمة ولم يعد هناك مجتمع.. ما بقي هو هشيم من الأفراد الذين يتعامل معهم النظام كزبائن، يجازيهم أو يعاقبهم حسب ولائهم له أو ابتعادهم عنه. وبمقدار ما فقد المجتمع مرجعياته السياسية والقانونية، وقتل فيه معنى الإنسان والإنسانية، أصبح أفراده يتعاملون في ما بينهم أيضا كزبائن، يشترون ولاء بعضهم حتى داخل الأسرة الواحدة، ويبيعون بعضهم ويشترون بعضهم كما يبيعهم النظام ويشتريهم.

في هذا السياق تشكل استعادة الشعوب لسيادتها وحقها في تقرير مصيرها من يد الطغاة والطغم التي حولتها إلى رعاع حتى تتحول هي إلى ملوك وسلاطين وأسياد السلطة والمال والجاه، إطارا لاستعادة الوجود كأمة وشعب ومجتمع وجماعة حية، وفي السياق نفسه إطارا لاستعادة الملكية على الأوطان التي انتزعت وحولت إلى إقطاعات قرسطوية. وهي تنطوي بالضرورة -في ما وراء نداء الحريات المدنية والسياسية وبرامج تطبيقها وتعميمها على كل فرد- على ثورة أخلاقية واجتماعية وسياسية بالمعنى العميق للكلمة.

فأول أبعاد هذه الثورة التاريخية، والأكثر وضوحا في الأحداث اليومية المستمرة لها، هو من دون شك قلب التوازنات السياسية القائمة، بحيث يصبح عاليها سافلها والعكس. فقد انقلبت الآية وصار الشعب منذ الآن سيد الموقف بعدما كانت السيادة للنخب الحاكمة المسلحة بأجهزة الأمن والمخابرات، وهو الذي يقود الآن اللعبة السياسية ويحدد برنامج عمل الحكومة وجدول أعمالها.

ولأول مرة في تاريخ العرب يتعرف الشعب على نفسه، ويتصرف بالفعل كمصدر للسلطات، ولا يتضرع إلى الحاكمين أو يستجديهم احترام حقوقه، كما لا يتطلع إلى الدول الأجنبية لاستجداء بيان الإدانة أو الشجب أو المساعدة، وإنما يعتمد على نفسه ويحرص على عدم السماح لأي قوة داخلية أو خارجية أن تنتقص من سيادته.

ولأول مرة تجد النخب الحاكمة نفسها في وضعية التبعية لإرادة الشعب والخادمة له. ولعل أفضل ما يعبر عن ذلك هذا الشعار الذي انتشر أيضا كالثورة في جميع أصقاع العالم العربي كشعار رئيسي ودائم "الشعب يريد". في البداية كانت الإرادة متمثلة في إسقاط النظام، والآن جميع المطالب الاجتماعية تبدأ بفكرة الشعب وبالشعب.

لكن في ما وراء هذا الانقلاب التاريخي الذي نشأ من إعادة تعريف العلاقة أو تحديدها بين الشعب والنخبة الحاكمة، أو بين السلطة والجمهور، هناك ثورة أخلاقية أعمق من ذلك تتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الفرد والفرد في إطار هذه السلطة التي يملك الشعب زمامها ويشكل مصدرها.

ويعني الانقلاب هنا الانتقال من تعريف الناس أو تصورهم لأنفسهم في ما يتعلق بالعلاقات بين بعضهم البعض، كزبائن وأتباع وموال ومحاسيب وأزلام، داخل الأحزاب وخارجها، في وسط النخب الحاكمة وداخل صفوف الشعب والمعارضة معا، إلى تعريفهم كمواطنين. وجوهر المواطنة الاعتراف بالمساواة في إطار القانون أولا، لكن أبعد من ذلك، على المستوى الفكري والأخلاقي. ولا مساواة من دون الحرية التي تشكل جوهر المواطنة كحقيقة سياسية ومسؤولية عمومية.

ومن منطلق المسؤولية التي تؤسسها الحرية والمساواة ينبع التكافل الضامن لإعادة إنتاج علاقة المواطنة، أي الشعب بوصفه أفرادا أحرارا ومتساوين، أو استمرارها. وأي إلغاء للحريات والمساواة القانونية والأخلاقية أو انتقاص منها أو مس بقداستها، يهدد تماسك الأمة ووحدة إرادتها ووجودها.

في هذا السياق الذي تكونت فيه الأمة، أي روح المواطنية الجامعة، من خلال التضامن النشط الذي ما كان للثورة أن تنتصر وتحقق أهدافها من دونه، برزت القيم الجديدة التي صقلت الأفراد وأعادت تربيتهم في لحظة واحدة، اللحظة التأسيسية المنبثقة في زمن الثورة المحررة، وهي في طريقها لإعادة تشكيل القيم والعلاقات الاجتماعية على أنقاض ثقافة الزبائنية والمحسوبية التي ورثتها من الحقبة الاستبدادية البائدة.

فعادت الأمور إلى نصابها الطبيعي، لم تلغ العائلية ولا الانتماءات الطائفية والقبلية، ولكنها رجعت إلى حجمها الطبيعي أمام صعود مشاعر الانتماء الوطني والهوية الجامعة والمصالح والقيم الاجتماعية. فوجدنا الناس يتصرفون بعفوية وبساطة كأعضاء في مجتمع أو شعب واحد، يدافع كل فرد عن الآخر ويضحي من أجله، كما شاهدنا تسامي الأفراد والجماعات على مصالحها الخاصة والزمنية والارتفاع إلى مستوى المبادئ المحركة والملهمة، فتراجعت -وفي بعض الأحيان ذابت- التمايزات والتناقضات الدينية وغير الدينية والحزازات الطائفية والعشائرية، وسار الجميع في حركة واحدة وعلى قلب واحد تحملهم موجة الانعتاق من ذل القهر والجوع والخوف الذي دمر لحمتهم الاجتماعية والوطنية.

لقد ولدت الأمة الحرة من تلك النواة الشبابية الصغيرة التي نجحت في التحرر من نظام العبودية وملحقاته الثقافية والسياسية والاجتماعية، وتعامل فيها كل فرد مع ذاته كرجل حر مسؤول، ومع أقرانه كأفراد أحرار متساوين، بصرف النظر عن أصولهم وأفكارهم واعتقاداتهم.

ما جمع بين هؤلاء كافة لم يكن العقيدة الواحدة ولا الأصل الواحد ولا الدين أو المذهب الواحد، وإنما الإرادة الواحدة في العيش بكرامة وحرية، أي الطموح المقدس لمعانقة أفق القيم الإنسانية، والذي لا يمكن لفرد أن يحترم فيه ذاته من دون أن يحترم غيره، ولا أن يضفي الشرعية على حقوقه -وأولها الحرية- من دون أن يعترف بشرعية حقوق الآخر، وبالتالي مساواته معه، وتقاسمه مع أعضاء مجتمعه جميعا حياة الكرامة والمسؤولية.

كان من الطبيعي أن لا تخرج ثورة التكوين الجديد للشعب الأمة، أو انبعاثه كمجتمع مواطنين أحرار ومتساوين، من رحم تلك البؤر السياسية والثقافية والاجتماعية التي نشأت في ظل العلاقات الزبائنية وترعرت في ثقافة الاستقالة السياسية والأخلاقية، وإنما في وسط أجيال جديدة شابة لم تعرف حياة الذل والمهانة والزبائنية ولم تتعامل معها، بقيت متحررة من تجارب الماضي السلبية، ومن القيود الذاتية المفروضة على العقل والمانعة له من معانقة أفق الكونية الإنسانية. فمن الكرم الذي يحرك روح الشباب في كل زمان ومكان ويجعل منهم الأسرع إلى التضحية ونكران الذات، ومن روح الحرية الطبيعية التي تسكن أجيالا لم تلوثها النزاعات الفكرية المديدة وتمزقها الحزازات المذهبية القديمة، ستولد ثورة الحرية والكرامة والأخوة العربية.

وهي في الواقع وطنية عربية جديدة، أي مشروع أمة جديدة، تولد الآن من وراء الحدود الجغرافية وعبرها، تجمع بين العرب من دون استثناء وتوحدهم من جديد حول مبادئ وقيم أساسية ستشكل المرجعية في تعامل الأفراد مع بعضهم بعضا، وفي تعاملهم مع النخب الحاكمة والسلطات السياسية، وتشكل بالتالي العقد أو العهد العربي الوطني الجديد.

وهي وطنية لا يتناقض فيها القطري والقومي، وإنما يتكاملان بمقدار ما يعزز تحرر شعب عربي من نظام الإذلال والقهر والعبودية والجوع تحرر الشعب الآخر، ويزيد من قدرته على مقاومة الضغوط الداخلية والخارجية.

كما لا تنفي فيها ممارسة الحريات الفردية الحقوق الجماعية، سواء أتجسدت هذه الحقوق في تأكيد تكافل الجميع في مواجهة الفقر والجوع، أو في تعاونهم للحفاظ على السيادة والاستقلال في مواجهة الضغوط الأجنبية.

هنا تتكامل الأجندة الديمقراطية مع الأجندة الوطنية والأجندة الاجتماعية وتنشئ أو تدفع إلى ولادة نموذج لنظام مجتمعي وإقليمي جديد يشكل الالتزام بما سميته العهد الوطني العربي الجديد، عهد الخبز والكرامة والحرية، وتحقيق أهدافه وإنجاحه والفوز فيه، أساسَ وحدة مشاعر عرب اليوم وغاياتهم ومحور اجتماعهم، وقريبا الأساس العقدي لاتحادهم كافة، داخل كل قطر، وعلى مستوى الأقطار جميعا.

ويعني عهد الخبز في هذا البرنامج المؤسس لوطنية عربية وأمة جديدة، أنه لا يجوز بعد اليوم أن يقبل العربي بأن يكون هناك في بلاد العرب من يجوع، وأن تأمين الحد الأدنى للحياة التزام جماعي أخلاقي، وليس سياسة حكومية فحسب، وهو ما يساوي في العهد الجمهوري القديم شعار الإخاء والتكافل والتضامن كحق طبيعي للأضعف وواجب على الأقدر، وما لا يستقيم من دونه بناء اجتماعي حي وقابل للحياة.

وتعني الكرامة أن احترام كل فرد -بصرف النظر عن أصله وفصله ومهنته ووضعه الاجتماعي- واجب وطني، وأنه لا يجوز أن يبقى في بلاد العرب من يقبل الذل أو يتعرض للإذلال، سواء أجاء ذلك من قبل إهانة فرد لآخر أو جماعة لأخرى أو الانتقاص من كرامتهما أو حقوقهما، او ممارسة أي أشكال حاطة بالكرامة الإنسانية تجاه أحد، سلطة كان أم فردا أو جماعة مدنية. وأن أساس هذا الاحترام المتبادل للإنسان في كل إنسان، هو مساواة الجميع، من وراء اختلافات البشر والأفراد في اللون أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية أو الديانة أو الثقافة أو المذهب أو الفكر أو العقيدة السياسية.

وأخيرا تعني الحرية الاعتراف بالحق المقدس لأي فرد في التصرف بشؤونه وتحكيم ضميره والتعبير عن نفسه وفكره والتواصل مع أقرانه والمشاركة المتساوية مع غيره في النشاطات العامة السياسية وغير السياسية، كما تعني كفالة تأمين ممارسة هذا الحق للجميع من دون تمييز، وأن أي انتهاك لهذا الحق والحريات المدنية والسياسية والاجتماعية المرتبطة به هو انتهاك لحق الجماعة والمجتمع وليس لحق الضحية فحسب، وتهديد للعهد الوطني وخيانة للمبادئ التي قامت على أساسها وحدة المجتمع والشعب.

من هنا، في ما وراء مظاهر التحرر السياسية البارزة اليوم، تشكل هذه الثورة/الثورات مرجلا عظيما لإعادة صهر الشعوب العربية التي شوهها الطغيان والاستقالة المعنوية والفساد، وحولها إلى أشباه أمم وأشباه رجال وأشباه دول، وإعادة صوغها في قالب جديد، إنساني واجتماعي، أي إعادة صقلها بالقيم والمبادئ والمثل العليا التي انتزعت منها أو فرض عليها الانخلاع عنها، حتى تتحول إلى ما يحتاج إليه الطغاة من انحطاط ليتمكنوا من وضع أنفسهم في موضع المبدأ الأخلاقي الملهم والروح المحركة والجامعة لهشيم الأمم وركامها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة
2011

mercredi, février 23, 2011

ثورة مصر : الصراع على السيادة


الاتحاد 23 فيفرييه 2011

ما حدث في مصر هو ثورة سياسية ستحدد مصير العرب ومنطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة. وبسبب رهاناتها الداخلية والإقليمية والدولية الكبيرة كانت بالضرورة معركة ضارية، استخدمت فيها كل الوسائل وتدخلت فيها العديد من القوى الداخلية والخارجية. فالأمر يتعلق أولا بتقرير مصير شعب مصر ومستقبله، أي باختيار أسلوب حكمه ووجهة سيره واهدافه وأجنداته الداخلية والخارجية. وفي معركة تقرير المصير هذه يقف في مواجهة شعب مصر، الذي يشكل العمود الفقري للأمة العربية، تآلف من جميع القوى الخارجية الخائفة من استقلال القرار المصري والعربي، وعلى رأسها إسرائيل، والقوى المحلية التي تضم، إلى الطغمة الفاسدة التي كانت تدير شؤون مصر بأكملها من منطق تعظيم ثرواتها وحساباتها المصرفية، قطاعات واسعة من رجال المال والأعمال الذين يشكلون طبقة من الرأسمالية الميركنتيلية التي ارتبطت مصالحها بمصالح العائلة والنظام ، وكذلك قاعدة واسعة من القوى الزبائنية المتحكمة بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والإدارية، والمسستفيدة من موقعها وعلاقتها الوثيقة بالعائلة الحاكمة .

كما يتعلق الأمر، في المعركة التاريخية الراهنة، بتحديد موقع مصر ودورها في المنطقة الشرق أوسطية، ومن وراء ذلك هوية المنطقة نفسها، والمصالح السائدة فيها، ومستقبل تطورها ومكانتها الدولية. ومن المحتم أن عودة مصر للشعب المصري الذي اختطفت منه، واستعادة هذا الشعب سيادته وحريته في تقرير شؤونه السياسية الداخلية والخارجية، سوف يغير من الوظيفة التي قامت بها مصر في العقود الثلاث السابقة في إطار النظام الإقليمي، فيحولها من رصيد استراتيجي للتحالف الغربي والاسرائيلي الذي يبسط نفوذه في المنطقة، ويسعى من خلال إخضاع الشعوب العربية وتحييدها إلى احتواء المقاومات المحلية والإقليمية وضمان سيطرته على منابع الطاقة الاستراتيجية وعلى أمن إسرائيل ومشروع توسعها الاستعماري، إلى قاعدة كبرى لعملية إعادة بناء المنطقة العربية وتأهيلها للدخول في عصر السيطرة الذاتية والقضاء على المشاريع والمطامع التوسعية الاسرائيلية وفتح الطريق امام ممارسة الشعوب حقوقها الطبيعية وجعل المنطقة مركزا من المراكز العالمية للتنمية الحضارية والانسانية.

هذا هو الذي يفسر ما شهدته ساحة الثورة ولا تزال تشهده من مناورات دولية ومحلية، ومن ضمنها السعي إلى تقسيم القوى السياسية، وربما شق الجبهة الموحدة أو الالتفاف على إمكانية قيام جبهة موحدة تجميع الشباب وقوى المعارضة المصرية في خط واضح وحاسم لاحاث تغيير نوعي في النظام. فقد عمل حسني مبارك وحلفاؤه كل ما مايستطيعونه، مستخدمين الحوار تارة والبلطجة تارة أخرى، من أجل احتواء عناصر الثورة وصهر مطالبها داخل النظام وقواعده الدستورية والقانونية، أي في الحقيقة كي تتحول الثورة من مشروع تغيير للنظام إلى مشروع إصلاح داخل النظام، وينجح الالتفاف على مطلب الثورة الحقيقي والجوهري الذي هو إقامة نظام يستمد شرعيته من الشعب، ويكون الشعب فيه هو مصدر السلطة وصاحبها ومرجعها، وبهدف الإبقاء على الوضع القائم الذي يفتقر إلى أي شرعية سوى التمسك الأعمى بدستور تمت صياغته بحسب حاجات ومصالح قاعدته الزبائنية المحلية وحلفائه الخارجيين. هذا هو المعنى الحقيقي لشعار التغيير مع الحفاظ على الاستقرار او ما يسمى في قاموس التصريحات الأمريكية الرسمية التي كان يرددها المسؤولون المصريون حرفيا، الانتقال السلمي والآمن، أو انتقال السلطة، من دون أي تحديد لمضمون هذا الانتقال.

لكن التظاهرات المليونية التي استمرت ما يقارب الأسابيع الثلاثة والتي فقد فيها الشعب مئات الشهداء حسمت الأمر. وعندما أصبح من الواضح أنه لم يعد من الممكن تجاهل إرادة الشعب في إسقاط النظام، وأن مراوحة النظام في المكان تقود إلى تصعيد خطير في عدد المحتجين ومطالبهم معا، تقدم الجيش الذي بقي يراقب عن قرب الصراع المحتدم بين الشعب ونظام مبارك، ليحسم الموقف، فارضا نفسه لاعبا أساسيا في الصراع.

لم يحسم الجيش الموقف لصالح الشعب، أي من أجل بناء نظام جديد يستمد شرعيته من الشعب وحده، ويلغي نظام الوصاية القائم، وصاية الرئيس أو الطغمة الحاكمة. ولكنه حسمه لصالحه، فصار هو الطرف الرئيسي المؤهل لإعادة بناء النظام المقبل. وبالرغم من أن هذا النظام الجديد المنتظر قد قطع الطريق على عودة النظام السابق وسيقوم على حساب الطبقة الميركنتيلية التي استند إليها، إلا أنه لن يكون نظاما ديمقراطيا بسيادة شعبية خالصة ومعترف بها، أي لن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيه الشعب الذي نزل إلى الشوارع والساحات وقلب النظام، وإنما نظاما ديمقراطيا بسيادة متقاسمة بين الشعب والجيش تعكس هي نفسها الوضعية التي يعيشها المصريون والعرب عموما والتي تتجسد في الفصل داخل السيادة بين وظائف مختلفة ومتباينة. ومن البداية برز هذا التقاسم للسيادة بوضوح. فالجيش الذي كان وحده القادر على إخراج الكستناء من النار بعد صراع طويل هو الذي أمسك بزمام المبادرة وأعلن منذ الأيام الاولى تمسكه بالتزامات مصر الدولية، والمقصود اتفاقيات السلام المصرية الاسرائيلية، ومن وراء ذلك بتحديد السياسات الخارجية وعلاقات مصر بمحيطها الإقليمي والدولي. وبالمقابل سيمارس الشعب سيادته في مجال تحديد السياسات الداخلية. مما يعني حقه في أن يحكم نفسه في الداخل من خلال ممثلين يختارهم بحرية. فالديمقراطية المصرية ستكون ديمقراطية مقيدة، لا يصون الجيش فيها مصالح الشعب في ممارسة حرياته إلا بمقدار ما لا تتعارض هذه الممارسة مع الحفاظ على موقع مصر وتحالفاتها الإقليمية والدولية كما تنظر إليها وتحددها نخبتها العسكرية اليوم.

وهذا يعني أننا نسير نحو نموذج شبيه بذاك الذي عرفته تركيا في فترة ماقبل قدوم حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ولا يزال قائما جزئيا بعده، يحتفظ فيه الجيش بحق مراقبة ممارسة الشعب لسيادته والاشراف عليها، لكن لا يمنع الشعب من هذه الممارسة، أي يسمح بانتخابات حرة .

يشكل هذا انجازا كبيرا من دون شك. لكنه ليس نهاية المطاف. فقد كانت الصيغة التي فرضت على مصر والعرب عموما تقضي بحرمان الشعب من جميع حقوقه السياسية، أي انتزاع سيادته تماما لصالح نخبة حاكمة مطلقة الصلاحية ضمانا لتحقيق أهداف الأمن الإقليمية التي يقع في مقدمها الأمن الاسرائيلي. والمطروح اليوم بعد بروز الشعب كفاعل قوي في السياسة الاعتراف بحقه في ممارسة سيادته في كل ما يتعلق بشؤون تنظيمه لحياته الداخلية على شرط أن لا يمس تلك المنطقة من السيادة التي تتصل بعلاقاته الدولية، أي اصطفاف مصر الاستراتيجي واتجاهات عملها المستقبلية.

لكن السيادة بطبيعتها لا يمكن أن تتجزأ. والتسوية التي بدت مقبولة في الأيام الاخيرة للثورة سوف تصبح بسرعة موضوع صراع مستمر بين الشعب والجيش أو بالأحرى بين النخبة السياسية الجديدة التي ستطلع من صفوف الثورة وتجربتها والنخبة العسكرية التي تربت في ظل نظام الامتيازات والمنافع الخصوصية البائد. وهذا ما أكدته للتو مسيرة الملايين التي احتلت ميدان التحرير في جمعة الانتصار 18 فبراير الماضية.

lundi, février 21, 2011

القبليَّة والتطرف فزَّاعة القذافي

دوتشيه فيلي

21.02.2011

القبليَّة والتطرف فزَّاعة القذافي للاستمرار في الحكم قهرا

أثار التحذير الذي أطلقه سيف الإسلام نجم الزعيم الليبي بقيام حرب أهلية في ليبيا وتمزقها إلى إمارات، تساؤلات حول الصعوبات التي يمكن أن تواجه عملية إعادة بناء المؤسسات السياسية والدولة في ليبيا في مرحلة ما بعد حكم القذافي

يرى برهان غليون المفكر العربي وأستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة السوربون في باريس، أن نظام القذافي هو من خلق حالة الفوضى وأطلق فزَّاعتي الانقسام القبلي والتشدد الإسلامي، بهدف مواصلة سيطرته على الشعب الليبي وحكمه قهرا لمدة 42 عاما. وفي حوار مع دويشته فيله قال غليون، إن غياب أحزاب ومجتمع مدني في ليبيا، ربما يجعل مهمة الشعب الليبي صعبة قياسا لحالتي تونس ومصر ولكنه سيتمكن بفضل نخبه وقياداته من القيام بها، مشيرا إلى أن "إزاحة القذافي من الحكم ستكون أصعب من مبارك وبن علي".

وفيما يلي نص الحوار مع الدكتور برهان غليون:

دويشته فيله: هل تعتقد أن نظام الزعيم الليبي معمر القذافي يمكن إصلاحه من خلال ما طرحه نجله سيف الإسلام، بشأن إقامة جمهورية ثانية في ليبيا بدستور جديد؟

برهان غليون: لا أعتقد أن ما ورد في خطاب سيف الإسلام يقنع الليبيين،خاصة أنه قدم هذه المقترحات كمنَة على الشعب الليبي، قائلا إنه مستعد في هذه الظروف للقيام بعمليات تغيير سياسي. والأسوأ أنه عرض أفكاره في سياق تهديد لليبيين بأنهم سيواجهون حربا أهلية، وبأن والده القذافي في طرابلس وهو يقود المواجهة ضد الانتفاضة. وقد قال سيف الإسلام بأنهم (أي هو ووالده) سيستمرون في المواجهة حتى آخر طلقة نار. وهذه مفارقة لأنه ليس هنالك زعيم سياسي في التاريخ، يهدد شعبه بالحرب والقتل إذا لم يقبل بالحوار والتصالح، بما أن الموضوع الأساسي هو إيجاد صيغة للتصالح مع الشعب من أجل وقف الاحتجاجات. اعتقد أن خطاب سيف الإسلام نموذج معبر بوضوح عن طبيعة النظام القائم في ليبيا، وهو في حقيقة الأمر ليس بنظام سياسي.

ماذا تقصد بأنه ليس بنظام سياسي؟

هنالك نظام في ليبيا ولكنه ليس بنظام سياسي ولا يمكن أن يُصلَح أو يُغيَّر، وهو في حقيقة الأمر نظام قائم على حكم عصابة لها موالون توزع عليهم المنافع، ولكن لا يتم الحكم استنادا إلى سياسة محددة. وما يصدر عنه يعتبر كلام مجرمين وليس سياسيين أو مسؤولين، فكيف يخاطبون شعبا بهذه الصيغة التي لا تحمل أي اعتبار أو احترام له. ولذلك اعتبر أن ما هو قائم في ليبيا ليس بنظام سياسي بل نظام سيطرة بالقوة على شعب من أجل السطو على موارده النفطية...

وإذا قارنا خطاب نظام القذافي بوعي الشعب الليبي وبدعوات شيوخ العشائر والقبائل الليبية للثورة على الطاغية، وبدعوتهم إلى إقامة نظام سياسي ديمقراطي، يتبين للمرء الفرق الكبير بين هذه الزمرة الحاكمة التي انخلعت عن شعبها ولم يعد لها أي مفهوم للسياسة، وبين الشعب الذي، وبالرغم من تركيبته القبلية، ما يزال يؤمن بالسياسة والمؤسسات والدولة وباحترام القانون، وبالتصالح والتفاهم بين أبناء مختلف طبقات وفئات المجتمع. ولذلك أرى بأن خطاب سيف الإسلام مهين للشعب الليبي.

هل إن بنية المجتمع الليبي ذات الطابع القبلي وغياب مؤسسات الدولة بالمعنى الحديث، سيجعل مهمة بناء مؤسسات سياسية جديدة صعبة في مرحلة ما بعد نظام القذافي؟

سيف الإسلام، نجل الزعيم الليبي، تم تقديمه لسنوات كخليفة محتمل لوالده.سيف الإسلام، نجل الزعيم الليبي، تم تقديمه لسنوات كخليفة محتمل لوالده.لا على الإطلاق، لأن القبائل العربية على مر التاريخ هي التي بنت الدولة والإمبراطورية الإسلامية. إن فكر القبيلة لا يعني بالضرورة العداء والتعارض مع الدولة. فالقبائل تتفاهم وتتعاقد على قيام الدولة، وكل الدول العربية بنيت على تفاهم بين النخب المدينية (نخب المدن) وزعماء القبائل، وحتى فترة قريبة كانت البرلمانات في الخمسينات تتكون من زعماء العشائر الذي يمثلون أهلهم، كسبيل لضمان الوحدة الوطنية.

ولكنني مبدئيا أعترض على هذه الصورة النمطية التي تقدم عن المجتمع الليبي بكونه مجتمعا قبليا، هنالك قبائل أجل، لكن هنالك أيضا مجتمع حضري (من المدن) متطور مثل غيره من شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط، ولا يمكن أن ننفيه، لأن القذافي نفاه (أي المجتمع المديني) وعرضه للتفكيك والقهر.

وكيف يمكن مساهمة البنية القبلية في مؤسسات الدولة الحديثة؟

اعتقد أن الليبيين قادرون بفضل نخبهم المدينية الواعية، وهي لا تقل وعيا عن نخب البلدان العربية الأخرى، وبفضل التعاون مع زعماء القبائل والعشائر، بأن يقودوا جميعا حملة بناء مؤسسات الدولة، وفق معادلة تفاهم وتعاقد، يتم في إطارها تلبية مطالب العشائر والقبائل وهي تتلخص في تحقيق التنمية والعدالة وتوفير الخدمات ومرافق الصحة والتعليم ورفع مستوى معيشة أبناء القبائل، وهم لا يطالبون بتولي الحكم. وقد انتهى العصر القبلي، وما يتردد هو مجرد فزَّاعة تم تضخيمها من قبل حكم القذافي وجعلها كحاجز يغطي على الآخرين فهم ما يجري في المجتمع الليبي والتستر على الكارثة الاجتماعية التي ارتكبها في حق بلده. لأنه نظام أفرغ الدولة من كل مضمون.

بعد أربعة عقود من حكم القذافي، يوجد فراغ سياسي في ليبيا وليس بها مجتمع مدني ولا أحزاب ولا نقابات، بخلاف تونس أو مصر التي لعبت فيها هذه المؤسسات دورا مهما بعد الثورة، الا تعتقد أن ليبيا ستواجه مرحلة صعبة بعد نظام القذافي؟

اعتقد أن الصعوبات ستكون أكبر من حالتي مصر وتونس، ولاشك أن إسقاط القذافي سيكون مهمة أصعب من إسقاط مبارك وبن علي، لأننا لسنا أمام نظام يمتلك الحد الأدنى من مفهوم السياسة وقيم العصر. ولكن ليس هنالك ما يحول دون بروز مجتمع مدني في ليبيا ويلتحم فيما بينه ويتفق على إعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية. واعتقد أن النظام التعددي البرلماني هو القادر على استيعاب هذه الحالات في المجتمعات التي لا تتوفر على مجتمع مدني قوي ومنظم بسبب تعاقب الحكومات المتسلطة. ومن شأن هذا النظام ( التعددي البرلماني) أن يسمح للشعب بإعادة ترتيب أوضاعه وتحقيق المصالحة بينه وبين السياسة وإعادة توزيع السلطات بشكل مرن وقابل للتطوير.

هل يمكن مقارنة المرحلة التي يجتازها المجتمع الليبي بحالات أخرى في محيطه العربي أو الإفريقي، وهل هناك بدائل مساعدة، مثلا دور الجيش؟

يمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى تجارب الدول الإفريقية التي تبنت النظام التعددي وهي أكثر قبلية من ليبيا وبعض الدول العربية. وفي مصر التي هي دولة عريقة تمتد إلى آلاف السنين، كان فيها مجتمع مدني ضعيف جدا، ومن تولي عملية إعادة بناء النظام هو الجيش. وفي ليبيا هناك جيش وهو يستطيع كمؤسسة أن يلعب دورا مع بقية أطراف المجتمع والقوى السياسية والقبلية، من أجل إعادة بناء الدولة. وهذه مهمة لن يجد الشعب صعوبة في تحقيقها طالما هو متماسك وموحد حول رفضه لحالة الفوضى التي كانت الهدف والشرط الأساسي من أجل استمرار حكم القذافي وعائلته.

واعتقد أن الثورة القائمة في ليبيا هي ضد القذافي وضد الفوضى والتمزيق الذي خلقه في المجتمع.

هنالك بعض المراقبين الذين يتخوفون من هيمنة التيارات الإسلامية وبعضها متشددة في ظل ضعف القوى السياسية الليبرالية والحداثية في البلاد؟

الثورة على نظام القذافي تجاوت أسبوعها الأول الثورة على نظام القذافي تجاوت أسبوعها الأولليس هنالك شيء مضمون بشكل تام، فنحن بصدد تحول حقيقي وانقلاب بالمعنى السياسي والفكري. ولكن ما يبعث الأمل هو أن حركة الثورة الليبية ليست منفصلة عن سياق حركة الثورة العربية القائمة اليوم من أجل الديمقراطية، وهي جزء من عملية إعادة وضع ليبيا في سياق هذه الثورة كما حدث في سياقات تاريخية أخرى.

واعتقد أن سياق التحول الديمقراطي في المنطقة سيكون عنصر ضغط وتشجيع لليبيين بمختلف خلفياتهم القبلية والحضرية أو السياسية على أن يقتفوا اثر الشعوب العربية الأخرى ويتعاونوا معها ضمن هذه الحركة الديمقراطية الشاملة. وليس لدي تخوف من أن الإسلاميين سيتمكنون من الهيمنة على الوضع، لأن الرأي العام العربي يشعر أن من أنقذ أو من هو في طريق إنقاذ مصير الشعوب العربية هم ليسوا الأحزاب أو الجماعات الإسلامية وإنما هو الشعب. إنه الشعب الذي لم يكن منضويا في أطر تنظيمية هَبَّ من أعماقه في صحوة من أجل إنقاذ مستقبله والتحكم في مصيره. ولذلك لا أرى مجالا للخوف من أن تسيطر الجماعات الإسلامية المتطرفة على الأوضاع، بالرغم من أنه ستكون هنالك أحزاب تستلهم الإيديولوجية الإسلامية والدين، ولكن ليس إلى حد أن تكون عقبة أمام تشكُّل دولة تعددية حديثة في العالم العربي.

ألا تعتقد أن ثروات ليبيا الهائلة واتساع رقعتها الجغرافية، يمكن أن تشكل تهديدا لأمنها، أو ربما تواجه وضعا مشابها لحالة العراق بعد سقوط نظام صدام حسين؟

عندما نقارن ليبيا بالعراق، يتعين أولا التأكيد على أن ما حدث في العراق لم يكن نتيجة قيام الشعب بثورة أدت إلى سقوط النظام وتسلم الشعب زمام الأمور بيده وإعادة بناء نظامه السياسي، وإنما قامت دولة عظمى بتحطيم النظام المركزي... أجل استبدادي، لكن اسقاطه لم يكن بسبب سياسة العراق الداخلية ومن أجل إقامة ديمقراطية فيه، بل بسبب سياسته الخارجية.

ولذلك فُرض على الشعب العراقي حكومة تحت نظام أُطلق عليها صفة الفيدرالية، وهي في حقيقة الأمر حكومة ضعيفة غير قادرة على التأثير في السياسات الإقليمية النفطية وأن لا تشكل تهديدا لإسرائيل. ولذلك لا يمكن إجراء مقارنة بين ما حدث في العراق وما يحدث الآن في العالم العربي.

وفي ليبيا الأمر مختلف كليا، وليس هنالك سبب ليعود الليبيون إلى مرحلة الإنقسام بسبب اتساع البلد جغرافيا. بطبيعة الحال فإن ضعف تعداد السكان (5 ملايين نسمة) في مساحة جغرافية فسيحة سيشكل صعوبة في التواصل، ولكن في ظل التكنولوجيا الحديثة وبما تمتلكه ليبيا من ثروة هائلة وفي ظل عدد سكانها المحدود، فإن ذلك يمنحها فرصة نادرة في بناء ديمقراطية جديدة مدعومة ببنيات تحتية ومشاريع وشبكات اتصالات ومواصلات عبر سكك الحديد. ويمكنها أن تحقق ثورة اقتصادية حقيقية خلال سنوات قليلة تُخرج الشعب الليبي من مآسي الماضي وانسداد الآفاق والمطبّات التي أدخله فيها حكم القذافي بهدف السيطرة عليه وإخضاعه إلى الأبد.

أجرى الحوار منصف السليمي

مراجعة: يوسف بوفيجلين

lundi, février 14, 2011

ثورة مصر ترسم مصير العرب

يرى مدير مركز دراسات الشرق المعاصر برهان غليون، في حواره مع الجزيرة نت، أن الثورة المصرية لن يقتصر تأثيرها على مصر فحسب بل ستعيد رسم مصير العرب والمنطقة برمتها.
يبدي المفكر غليون إيمانه الكبير بالدور الذي يلعبه المثقف الحقيقي المبشّر منذ عقود. ويتحمس، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون الجديدة في باريس، لما تشهده المنطقة العربية من حراك وعدوى نحو التحررّ، وإن كان ينبّه إلى اختلاف المسارات لدى كل دولة.
.
ـ كيف تتصورون مآلات ما يحدث في مصر راهنا؟ مع مشهد انقسام الشعب إلى مؤيد ومعارض للنظام، ودخول الاخوان المسلمين حلبة الحوار.. وهل تثقون في قدرة العقل العربي على استيعاب ومواكبة كل هذه المستجدات المتلاحقة؟

برهان غليون:

ما يحدث في مصر هو ثورة شعبية عارمة ستحدد نتائجها مصير العرب ومنطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة قادمة. وبسبب ضخافة رهاناتها الداخلية والإقليمية والدولية كانت بالضرورة معركة ضارية، تستخدم فيها كل الوسائل ويتدخل فيها العديد من القوى الداخلية والخارجية. فالأمر يتعلق أولا بتقرير مصير شعب مصر العظيم ومستقبله على أرضه، أي الاستمرار في استعباده وإخضاعه أو تحرره من نظام العسف والفساد والاستبداد والمعاملة المهينة واللاإنسانية. ويقف في مقابل شعب مصر الذي يشكل العمود الفقري للأمة العربية تآلف يجمع بين الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الغربية الخائفة من تحرر المنطقة العربية ومجموعة من القوى المحلية التي تضم، إلى جانب الأسر المافيوية التي تدير مصر بأكملها من منطق تعظيم ثرواتها وحساباتها النقدية، قطاعات واسعة من رجال المال والأعمال الذين يشكلون طبقة من الميركنتيلية التي ارتبطت مصالحها بمصالح العائلة والنظام الاستبدادي والفاسد على حد سواء، بالإضافة إلى قاعدة واسعة من القوى الزبائنية المتحكمة بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والإدارية والمسستفيدة من موقعها وعلاقتها الوثيقة بالعائلة الحاكمة أو بالأحرى المالكة.

كما يتعلق الأمر، أعني المعركة التاريخية الراهنة، بتحديد موقع مصر ودورها في المنطقة الشرق أوسطية، ومن وراء ذلك هوية المنطقة نفسها، والمصالح السائدة فيها، ومستقبل تطورها ومكانتها الدولية. ومن المحتم أن عودة مصر للشعب المصري الذي اختطفت منه، واستعادة هذا الشعب لسيادته وحريته في تقرير شؤونه السياسية الداخلية والخارجية، سوف يغير من الوظيفة التي قامت بها مصر في إطار النظام الإقليمي، فيحولها من حليف استراتيجي للتحالف الغربي والاسرائيلي الذي يبسط نفوذه في المنطقة ويسعى من خلال إخضاع الشعوب العربية وتحييدها إلى احتواء المقاومات المحلية والإقليمية وضمان سيطرته على منابع الطاقة الاستراتيجية وعلى أمن إسرائيل ومشروع توسعها الاستعماري، إلى قاعدة كبرى لعملية إعادة بناء المنطقة العربية وتأهيلها للدخول في عصر السيطرة الذاتية والقضاء على المشاريع والمطامع التوسعية الاسرائيلية وفتح الطريق امام ممارسة الشعوب لحقوقها الانسانية وجعل المنطقة مركزا من المراكز العالمية للتنمية الحضارية والانسانية.

من الطبيعي إذن أن نشهد المناورات الدولية والمحلية المستمرة على الثورة، ومن ضمنها السعي إلى تقسيم القوى السياسية، وربما شق الجبهة الموحدة أو الالتفاف على إمكانية قيام جبهة موحدة تجميع الشباب وقوى المعارضة المصرية في خط واضح وحاسم لتغيير النظام. وهذا هو الهدف من الحوار الذي طرحه نائب الرئيس والذي أراد فيه أن يحتوي عناصر الثورة ومطالبها داخل النظام وقواعده الدستورية والقانونية، أي في الحقيقة أن يقلب الثورة من مشروع تغيير للنظام إلى مشروع إصلاح داخل النظام. وهذا يعني الالتفاف على مطلب الثورة الحقيقي والجوهري الذي هو إقامة نظام يستمد شرعيته من الشعب، أي يكون الشعب فيه هو مصدر السلطة وصاحبها ومرجعها، بهدف الإبقاء على الوضع القائم الذي يفتقر إلى أي شرعية سوى التمسك الأعمى بدستور تمت صياغته بحسب حاجات أجندة السيطرة الغربية ومصالح قاعدتها الزبائنية المحلية، وفي مقدمها العائلة الحاكمة. وهذا هو المعنى الحقيقي لشعار التغيير مع الحفاظ على الاستقرار او ما يسمى في قاموس التصريحات الأمريكية الرسمية التي يرددها المسؤولون المصريون حرفيا، الانتقال السلمي والآمن، أو انتقال السلطة، من دون أي تحديد لمضمون هذا الانتقال. والحال أن المطلب الأول للثورة الذي هو سيد جميع المطالب الأخرى الاعتراف بأن الشعب هو مصدر السلطات، أي صاحب السيادة في البلاد، وبالتالي هو الذي يقرر وحده مصيرها واختياراتها الداخلية والخارجية، من خلال ممثلين شرعيين تم انتخابهم بحرية وفي شروط قانونية. ولا تعبر التظاهرات المليونية التي يقوم بها هذا الشعب منذ ثلاثة أسابيع، والتي تزداد اتقادا وقوة يوما بعد يوم، إلا عن هذه الحقيقة الناصعة أعني تأكيد الشعب لحقه في هذه السيادة التي انتزعت منه بالقوة والحيلة والغش والخداع، وإرادته في أن يستعيدها ممن اختطفوها منه. مما يعني بدهيا أن السلطة القائمة هي بالضرورة سلطة ساقطة لأنها تقوم على تزييف إرادة الشعب واغتصاب حقه في السيادة، كما تستند إلى نواب لا يمثلونه وإنما هم الادوات التي استخدمها ويستخدمها صاحب السلطة الفعلية للقيام بهذا التزييف وإضفاء الصفة القانونية الشكلية عليه. ففي الواقع الصراع القائم اليوم في مصر يدور حول تقرير صاحب السيادة في مصر، الشعب المصري أم النظام الكمبرادوري الذي قام بالتفاهم بين النخبة الحاكمة والولايات المتحدة الأمريكية التي التزم أمامها بسياسة إقليمية تخدم مصالحها القومية، أم الجيش وقيادة القوات المسلحة، أي القوة أو من يملك القوة والتفوق في استخدام العنف.

وفي اعتقادي أن جميع المصريين أصبحوا منخرطين اليوم في هذه الثورة أو المعركة الكبرى الداخلية لكن ذات الأبعاد الإقليمية والدولية. لكن جميعهم ليسوا على درجة واحدة من إدراك رهاناتها الكبيرة والمتعددة، الاجتماعية والإقليمية، وليس لديهم جميعا المصلحة ذاتها في تغيير التوازن السياسي والاجتماعي والاقتصادي وربما الجيوستراتيجي القائم، وبعضهم ليس على ثقة كبيرة بإمكانية الذهاب في الثورة إلى حد القطيعة مع الوصاية العسكرية والدولية، مع ايمانه بضرورة التغيير، وبعضهم يعتقد أن من الممكن البناء على ما أظهره الشعب حتى الآن من قوة لبدء مرحلة التفاوض على الانتقال نحو حكومة تعددية تضمن الحريات الأساسية، وبعضهم الآخر يعتقد أن هذه هي الفرصة التاريخية لفرض قاعدة جديدة للعمل السياسي تنطلق من التسليم النهائي بسيادة الشعب وحقه في اختيار قادته ومن يمثله ويطبق سياساته. وأن حسم المعركة لصالح سيادة الشعب ليست مستحيلة ولكنها راهنة.

على هذا التباين الطبيعي في اختيارات الاطراف والأفراد وحساسياتهم يلعب النظام القائم لبث الفرقة والاختلاف داخل صفوف الشعب، مستخدما منذ البداية الحوار والمفاوضات كأفضل وسيلة لفك التحالف الشعبي الواسع الذي كان في طريقه إلى البناء. لكنني أعتقد أن الحوار قد فشل وكان محكوما عليه بالفشل ليس في تحقيق هدفه الرئيسي هذا، أي المناورة لتقسيم قوى الثورة وقطع الطريق على بناء تحالف ثوري واسع، ولكن أيضا في تحقيق أي نتائج مع المحاورين المعتدلين أنفسهم. ولذلك انسحب القسم الأكبر منهم منه. وفي المقابل ادى انكشاف خطة النظام في استخدام الحوار كوسيلة للمناورة للاحتفاظ بالمبادرة وتشويش الرأي العام المصري، إلى رد فعل معاكس عند الشعب فتح الطريق امام نزول فئات وقطاعات جديدة إلى الشارع وساهم في توسيع دائرة التحالف الثوري، بما يجعل من هذا الحوار فارغا من المضمون تماما

أنا أعتقد أن النظام قد خسر مناورة الحوار تماما، وأن الصراع من أجل تأكيد السيادة الكاملة للشعب على أرضه وفي تقرير مصيره لم يعد هدفا بعيد المنال أبدا. لقد أصبح مع انخراط الشعب المصري بأكمله في الصراع الهدف الوحيد المطلوب والمقبول من قبل المصريين. وهذا يعني عدم القبول بأي تسوية مع النظام القائم، والاصرار على أن من يقرر مصير الشعب وخياراته هو الشعب نفسه، وأن المطلوب من النظام القائم ليس الاعداد للانتقال كما يدعي حتى يبرر التمديد لها وينتزع شرعية من العدم، وإنما الانسحاب والاستسلام للنظام الجديد النابع من الشعب نفسه. المطلوب إذن نظام جديد يستمد شرعيته من الشعب نفسه، ويلغي نظام الوصاية القائم، وصاية الرئيس او الجيش أو الطغمة الأبوية الحاكمة. وعندما نصل إلى الاعتراف بهذه القاعدة الرئيسية يمكن البحث، بين قوى الثورة المختلفة والمتعددة المصالح ،عن تسويات في ما يتعلق برزنامة تحقيق المطالب المرتبطة بتجسيد هذه السيادة، وبأسلوب التعامل مع الحقبة الماضية ومخلفاتها.

لم يعد هناك مجال للخوف. الذي يقرر مصير الثورة الآن، ليست طاولة الحوار، لكن زخم الحشود والتعبئة الشعبية. وفي اعتقادي أن الثورة المصرية تجاوزت خطر التراجع أو انحسار المد الشعبي كما يدعي أعداؤها، وسوف تجذب إليها اكثر فأكثر جماهير جديدة بدأت تتعرف على نفسها في جو الحرية وتعي عمق المأساة التي تعيشها وتستيقظ على حقوقها الطبيعية.

وهذا ما يفسر إخفاق الحوار الذي طرحه نائب الرئيس وانسحاب الاخوان منه. وفي اعتقادي سوف يدرك جمبع من شارك ويشارك في هذا الحوار أن طريقه مسدود، وليس بإمكانهم هم أنفسهم تحقيق شيء من اهدافهم الجزئية من دون استمرار ضغط الشارع والتعبئة الشعبية. ولذلك ينبغي في اعتقادي عدم التركيز على هذا الحوار والعمل على استعادة الجميع على صف الثورة وإشراكهم في القضاء على مشروعت تكريس نظام الوصاية العسكرية أو الابوية.

أما في ما يتعلق بقدرة العقل العربي على مواجهة تحديات التغيير الثوري، فالواقع نفسه يقدم الجواب. مصر كلها تغلي اليوم بحلم الثورة وترمي بنفسها في أتونها. ويجدر بنا أن نتجنب في هذه اللحظة التاريخية التشكيك بقدرات شعوبنا. ليس هناك عقل عربي او أعجمي أو غربي. هناك خيارات سياسية واستراتيجية علينا أن نناقشها بطريقة عقلية ونقدية وأن نثق بأننا قادرين ونحن قادرون بالتأكيد على تحقيق أهدافنا وإنجاز مطالبنا العادلة. وقد نغامر من دون أن ندري، عندما نطرح أسئلة من نوع ما هي قدرة العقل العربي على كذا وكذا، بتسفيه أنفسنا ومجتمعاتنا وثقافتنا بشكل غير مباشر. فالتساؤل بهذه الطريقة عن قدرة العقل العربي على استيعاب حاجات الثورة أو التغيير قد يغذي نوعا من العنصرية الموجهة نحو الذات التي تعكس استبطاننا للعنصرية التي وجهت إلينا خلال العقود الماضية والتي جعلتنا نعتقد أن لنا عقلا يختلف عن عقول بقية أبناء الانسانية، وهو الذي يفسر فشلنا في مسايرة ما يحصل في المجتمعات الاخرى. والثورة العربية الراهنة تأتي لتحطم هذا الوهم بالذات.

3 ـ رفضتم اطلاق صفة الاتكالية على الشعب المصري الذي ينتظر تحركا للجيش، معتبرا ذلك خطوة في التموقع الصحيح أي في اطار ضبط دور المؤسسة العسكرية في حماية السيادة الوطنية والقانون لكن ألا يعتبر إلتزام الحياد طيلة الوقت، في ظل كل التغيرات، سلبية لا جدوى منها! خصوصا وأن موقف الجيش كان نقطة مفصلية في الثورة التونسية؟

غليون:

الشعب المصري هو الذي فجر الانتفاضة الراهنة ولم يتكل على الجيش أو على مبادرة العسكريين لتحقيق ذلك. وهذا أمر لا يناقش. وهذا كان ردي على سؤال من قبل قناة اورونيوز يقول متى يتخلي الشعب المصري عن اتكاله على الجيش. وقلت بالفعل إن الشعب لا يتكل على الجيش في تحقيق مطالبه ولكنه يعتمد على نفسه، لكنه يسعى إلى التآخي مع الجنود حتى يكسبهم لقضيته.

وفي اعتقادي أن الجيش المصري ليس كتلة واحدة صماء بالرغم من انه مؤسسة راسخة. فقيادته مرتبطة بالتاكيد بالنظام القائم وحريصة على الوفاء بالتزاماتها الإقليمية والدولية أيضا حيث تجد لنفسها الدعم المادي والعسكري. لكن القيادة العسكرية لا تستطيع أن تقرر ما تشاء، لأن عليها أن تحسب أيضا حساب القاعدة المكونة من جنود وضباط مصريين هم أبناء الشعب وربما لا تختلف معاناتهم كثيرا إن لم تزد عن معاناة بقية طبقاته. وهذا ما يفسر الموقف الذي اتخذته القيادة العسكرية. وهو في اعتقادي ليس موقفا محايدا أبدا. لم يقمع الجيش المتظاهرين، هذا هو المكسب الرئيسي، لأن القادة كانوا يخشون أن يؤدي مثل هذا الأمر إلى تمرد القاعدة من الضباط والجنود. لكنه لم يدعم مطالب الشعب كما حصل في تونس، ولم يتخذ أي موقف لدعوة الرئيس مبارك إلى التخلي لضمان مصالح مصر الوطنية وعدم جر البلاد إلى الفوضى والعنف. وهذا يعني أنه لم يتخل عن الحكم القائم ولم يسحب تأييده عنه. كانت قيادة الجيش ايجابية تجاه الرئيس والنظام وسلبية تجاه مطالب الشعب، لكن من دون عنف حتى الآن. وفي اعتقادي أن أي مشاركة للقيادة العسكرية في قمع الثورة الشعبية تهدد تماسك الجيش ويمكن أن تدخل البلاد في حرب أهلية حقيقية. هذه أخطر مغامرة يمكن أن تتخذها القيادة العسكرية أو حكم حسني مبارك.

ـ ألا ترون أنّ ما حدث من ثورة شبابية انطلقت شرارتها في تونس ومرت على عديد دول عربية قبل أن تستقر حاليا في مصر هو تحدّ جاد للمفكر العربي الذي كثيرا ما استخف بهذا الجيل كونه جيلا لا يعوّل عليه كثيرا وبكونه جيلا مستقيلا من الشأن العام؟!

غليون: أكيد أن معظم المثقفين العرب اهتزت موازينهم في العقود الثلاثة الماضية المريرة والمؤلمة، فالتحق بعضهم بالأنظمة اعتقادا منهم أنها أصبحت قوية لا أمل بالخلاص منها ولا مهرب من التعامل معها، وفقد بعضهم الآخر، حتى عندما بقي بعيدا عن التعامل مع الانظمة، ثقته كليا بالشعب وعاش في ما يشبه المناحة والقطيعة واليتم في مجتمعه نفسه. لكن لا ينبغي هذا أن ينسينا أن قسما آخر من المثقفين استمر في المقاومة الفكرية والسياسية، وشكلت أفكاره خميرة الثورة الشبابية التي تفجرت اليوم. ولم تثن الأوضاع السيئة هؤلاء عن الايمان بأهلية الشعوب العربية ذات الثقافة التاريخية وقدرتها على الرد عندما تنضج الشروط على نظم القهر والإهانة التي تكبلها. وكان الرهان على الشباب هو أيضا أحد منابع الأمل والإلهام عندهم.

وهذا يعني أنه لا ينبغي علينا أيضا أن نخلق قطيعة نفسية جديدة بين الأجيال الشابة وغير الشابة في مجتمعاتنا المتحولة التي تحتاج للشباب وللأقل شبابا أيضا. ومن استخف في الماضي بجيل الشباب تلقن درسا لن ينساه أبدا، ولا ينبغي أن نستخف اليوم بالكهول. لا يمكن لنا أن نتقدم إلا إذا سرنا معا صفا واحدا، شبابا وكهولا وتوحدت أفكارنا وقلوبنا حول مطلب التغيير الشامل الذي يعيد لمجتمعاتنا الحيوية والوحدة والدينامية الضرورية للتنمية الانسانية التي ستصبح منذ الآن التحدي الرئيسي لنا جميعا وللثورة المجيدة التي فجرها الشباب أيضا. فالمهام المنتظرة منا لا تنتهي بتفجير الثورة وإنما تبدأ بعدها. ومن واجبنا أن ننجح في تحقيقها. وهذا ما يحتاج تضافر جميع القوى وتعاون جميع الأفراد بصرف النظر عن أعمارهم وأنسابهم ومذاهبهم الفكرية ودياناتهم.

ـ كتبتم في أول يوم من السنة الجديدة أن عام 2011 سيكون "عام القلاقل والتحولات" فبعد شذرات وجزئيات بسيطة استطعتم التنبؤ بـ "بداية دورة جديدة من الحراك الداخلي الذي يستفيد من اهتزاز وضع النظم القائمة الخارجي وتراجع ثقتها بنفسها وبحماياتها الخارجية".. إلى أين يمكن أن تصل المنطقة العربية من هذا المخاض الذي نشهده هذه الأيام؟

غليون:

في نظري كانت المنطقة العربية ناضجة للتحول نحو التعددية السياسية إذا لم نشأ الحديث عن الديمقراطية منذ الثمانينات مع انهيار مشاريع التنمية التي رعتها الدولة. لكن الأوضاع الإقليمية والسياسات الدولية هي التي شجعت النخب الحاكمة على اتباع طريق القمع والديكتاتورية. وجاءت الحرب الأمريكية على العراق الأولى والثانية لتجهض موجة الاحتجاج والنقمة الشعبية وإرادة التغيير الديمقراطي عند الشعوب العربية قبل أن تغلق سياسة الحرب العالمية على الارهاب الباب كليا أمام أي أمل في حصول إصلاحات سياسية وتعزز الانغلاق المتزايد للنظم العربية على نفسها ومحو الديمقراطية تماما من قاموس السياسة العربية.

ما نعيشه هو تصحيج عنيف للانحراف الذي دفع الأقطار العربية خارج المسار الطبيعي وفرض عليها مسارات استبدادية واستعمارية في الوقت نفسه.

ونحن ذاهبون نحو تكسير هذه الحواجز التي حالت دون الشعوب العربية والديمقراطية ودونها أيضا واستقلالها وسيادتها الوطنية. وإذا نجحنا في ذلك فسيكون كل شيء متاح بعده، من القضاء على الاحتلال إلى التعاون العربي الشامل بل ربما تكوين اتحاد عربي من الدول العربية الديمقراطية، إلى خلق شروط التنمية الاقتصادية الوطنية، إلى النهضة الفكرية والأدبية والعلمية.

ـ أصدر المثقفون العرب والمصريون بيانهم المؤيد لما أسموه هم بـ "ثورة الشباب" بعد 12 يوما عن بداية التظاهرات والاحتجاجات.. إلى أيّ مدى فقد المثقف زمام المبادرة وأضحى سائرا خلف الثورت لا أمامها؟

غليون:

لم يفقد المثقف في نظري زمام المبادرة. لقد كان معظم المثقفين الحقيقيين في موقف المبشرين بالتغيير والعاملين من اجله منذ عقود. لكن الذي يصنع التاريخ في كل مجتمع ومكان ليس المثقفين ولا الأحزاب السياسية وإنما الشعوب نفسها. البطل الحقيقي كان وهو اليوم وسيظل الشعب. وما لم تنضج روح الثورة في الشعب ويتحقق التواصل بين أعضائه، وتشتعل فيه الخميرة الأخلاقية، لا يستطيع المثقف ولا الحزب السياسي أن يفعل شيئا. والشباب ليسوا بمعزل عن الشعب أو خارجه، وإنما هم جزء منه. وكانوا هم أيضا وسيلة تواصله وفتيلة اشتعاله.

وعندما نقول إن الثورات العربية الجديدة من فعل الشباب فليس المقصود بذلك صغر السن فحسب، وإنما صدور المبادرة من الشعب وليس من المنظمات السياسية أو الطبقات المرتبطة بالسلطة، سواء أكانت سلطة سياسية أم اجتماعية أم ثقافية. ينبغي بالعكس مساعدة المثقفين المخلصين على الالتحاق بالمبادرة والانخراط في الثورة والمشاركة الفعالة فيها. فنحن بحاجة للجميع، ما لم يكن أحدهم قد ارتكب جرما واضحا بحق الجماعة الوطنية.

ـ دائما ما تحتاج الثورة إلى فئة نخبوية تؤطرها وتدعم هيكلها.. هل ماتزال هناك امكانية في استعادة المثقف لدوره الحقيقي الفعال، والقيام بما يجب القيام به قبل أن تسرق هذه الثورات ويشوه مسارها الطبيعي؟

ليس تفجير الثورة أو النجاح في قلب النظام القائم هو نهاية المطاف وإنما هو بداية المسيرة الطويلة نحو التغيير. وفي معركة التغيير هذه لا تكفي الشجاعة ولا المبادرة وإنما لا بد من بناء مؤسسات فاعلة واقتراح خطط وبرامج اجتماعية للمثقفين ورجال السياسة دور كبير في بلورتها وتطوير النقاش من حولها وإنضاجها. ما قصر فيه المثقفون قبل الثورة يمكن ان يعوضونه ما بعد الثورة. المهم أن لا نخلق كما قلت قطيعة لا معنى لها ولا وجود بين الشعب ومثقفيه وقواه السياسية المنظمة. وقد أثر في كثيرا كلام روائية عربية معروفة التقيتها منذ أيام واعترفت لي بأنها تريد أن تعتذر للشعب العربي لأنها وصلت قبل الانتفاضات الراهنة إلى درجة من اليأس والاحباط فقدت ايمانها بالشعوب العربية وبقدرتها على الارتفاع إلى مستوى الحياة الاخلاقية والكفاح من اجل الحرية والعدالة الانسانية. بل وصلت إلى حد أنها لم تعد تشعر بنفسها أنها عربية أو لا تريد أن تعلن عن عروبتها. وهي تقول اليوم إنها فخورة فعلا بانتمائها العربي. وأعتقد أن هذا الشعور مشترك بين الجميع.

والقصد من هذا أننا لا ينبغي أن نجعل من خطأ الناس أو جهلهم أو ضعفهم أو سرعة احباطهم سببا لإدانتهم والتخلي عنهم، فندخل في المدخل السيء نفسه الذي دخل فيه من نثور اليوم ضدهم. علينا بالعكس أن نؤكد ثقتنا بالجميع وايماننا بأنهم قادرين، ولو على درجات متفاوتة، على أن يكونوا مواطنين أو جديرين بصفة المواطنية بما تعنيه من مقدرة على السلوك الاجتماعي على قاعدة قانونية وسياسية وأخلاقية. وأن نقبل الخطأ كشرط إنساني ونتقبل الاعتذار ونتجنب كل أشكال العزل والإدانة والابعاد بسبب الاختلاف في الرأي أو التقييم أو الالتزام. المواطنية تستحق بالعمل من دون شك، ولكنها حق مسلم به للجميع ما لم تقع من بعضهم ممارسات تخل بالالتزامات الجماعية.

ـ هل ننتظر، مستقبلا، انتفاضة باقي الدول العربية بهوامش واسعة ونتائج ايجابية؟!

منذ انطلاقها اعتقدت أن الانتفاضة التونسية ليست تونسية فحسب ولكنها مقدمة لانتفاضات عربية قادمة لا محالة، لا بسبب تشابه الأحوال والنظم الحاكمة فحسب، وإنما بسبب تماثل العوامل الداخلية والخارجية أيضا التي عززت نظم الحكم البوليسي وعممتها على بلدان المنطقة العربية بأكملها، وقطعت طريق التغيير والاصلاح بالصورة نفسها تقريبا في كل الأقطار. من هنا وضعت لأول مقال كتبته حول هذه الثورة عنوان: تونس تفتح طريق الحرية للعرب. ولم يمض أسبوع على انتصار الثورة التونسية حتى اندلعت شرارة الثورة المصرية الكبرى التي سوف تغير موازين القوى واتجاهات الفكر والممارسة في المنطقة العربية بأكملها.

لكن قلت أيضا أننا لا ينبغي أن نتوقع حصول هذا التغيير حسب الأنماط نفسها والمسارات ذاتها. وأن الثورة التي انطلقت من تونس شكلت خميرة قوية سوف تدفع إلى اختمار العجين العربي في كل مكان. إنما لن يكون هذا الاختمار منفصلا عن نوعية العجين والمناخ العام الذي يحيط به وحرارة الجو والمجتمع. فحيث تكون العوامل ملائمة ستنطلق الثورة على الفور كما حصل في مصر وتتحول إلى ثورة شاملة. لكنها يمكن أن تبدأ بإرهاصات مديدة وتستمر لوقت طويل في أقطار أخرى، كما أن من الممكن لبعض النظم أن تتعلم من أخطاء غيرها وتقوم ببعض الاصلاحات التي تبرد الجو أو تخفف من حرارة المجتمع وتؤجل الثورة أو تغير من نمط إنجازها.

لكن ما نستطيع أن نؤكده هو أولا أن العالم العربي لن يكون بعد الثورة التونسية، ثم أكثر المصرية، كما كان قبلها، وذلك على جميع الأصعدة، النفسية والثقافية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وثانيا أن التغيير الذي سيحصل سيتمحور أساسا على أجندة تحررية تعنى بمكانة الفرد ودوره ومعاملته ومشاركته الاجتماعية، وتفتح باب البناء الديمقراطي الذي كان تغييبه والعمل ضده الاستراتيجية الرئيسية التي استخدمها التحالف الأمريكي الاسرائيلي الغربي وتوابعه العربية من أجل إحكام السيطرة على الشعوب العربية وتحييدها في معركة التحكم بمصير المنطقة الشرق أوسطية ، التي حددت وظيفتها بتوفير الطاقة النفطية الرخيصة للدول الصناعية، وبتكوين بيئة جيوستراتيجية وسياسية ملائمة لتأمين الدولة اليهودية وتعزيز قوتها وتفوقها الاستراتيجي الساحق وضمان ازدهارها، على حساب الشعوب العربية والتضحية بحقوقها الانسانية الأساسية.

المصدرالجزيرة