jeudi, septembre 18, 2008

في مديح التعددية الإتنية والدينية

الجزيرة نت 18 ايلول سبتمبر 08

لا يكاد من يتابع ما يكتب من تحليلات حول الأزمة السياسية العامة التي تحيق بالمجتمعات العربية يجد مصطلحا أكثر استخداما من مصطلح الطائفية والعشائرية. وبينما ينظر البعض للطائفية والعشائرية بوصفهما عاملان أساسيان في تكوين الهوية السياسية للمجتمعات العربية، يرى فيهما البعض الآخر ثمرة تلاعب القوى الأجنبية وتجسيدا لإرادتها السرية والعلنية في تقسيم البلدان العربية وتفكيك الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة. وقد جعلت أغلب الحركات الوطنية التي نشأت في بداية القرن العشرين من الكفاح ضد الطائفية والعشائرية شعارا رئيسيا من شعاراتها ونظرت بعداء شديد لأي شكل من أشكال التعبيرات الطائفية.
وفي وقتنا الراهن كثيرا ما يركز المحللون على الانقسام الطائفي، الإتني والديني، لتفسير الأزمة الطاحنة التي تواجهها معظم الدول والمجتمعات العربية في مساعيها لإقامة نظم ديمقراطية أو حتى لتجنب مخاطر الحرب الأهلية. ولا يزال الكفاح ضد الطائفية يشكل محور الأفكار التحررية التي تنادي بها الحركات القومية واليسارية التي ترى في استمرار وجودها عائقا رئيسيا امام تطور الولاءات الوطنية. ويقدم الوضع القائم في لبنان والعراق واليمن، والنزاعات العنيفة التي شهدتها هذه المجتمعات ومجتمعات عربية عديدة أخرى، في نظرهم، نماذج حية للدور السلبي الذي تلعبه الطائفية في قطع الطريق على نشوء الدولة القومية، وفي التمكين للاحتلال وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الوطنية، وفشل التحولات الديمقراطية.
لقد تحولت الطائفية، على مختلف أنواعها، في اللغة السياسية التقدمية العربية من ظاهرة تاريخية اجتماعية متحولة إلى لعنة أبدية، وعاهة مجتمعية لا يعرف أحد كيف يمكن احتواء تأثيراتها السلبية ولا التخلص منها. وأصبح الخوف من تفجراتها المحتملة عقبة أمام تطور المناقشة السياسية نفسها. فهي فتنة نائمة لا سيطرة لنا عليها، والحديث فيها بأي شكل جاء لا يمكن أن يكون إلا ايقاظا ملعونا لها وإطلاقا لبراكينها الكامنة. ولا يعادل الكره الذي تراكمه الثقافة السياسية العربية ضدها، بكل تياراتها اليسارية واليمينية، الاستبدادية والديمقراطية، سوى الخوف من التأمل الموضوعي فيها وفي أسباب بقائها وانتشارها. ولذلك استقر السلوك العربي على نوع من الانفصام في السلوك السياسي إزاءها. فنجد الفرد الذي لا يكف عن إدانة الطائفية والعشائرية والتبرؤ من شرورها لا يتردد في أغلب الأحيان في الانصياع لقانونها، والاندفاع في أحيان أخرى، بإرادته وأحيانا من دون إرادة، وراء رهانات وتلاعبات وحسابات طائفية لا حدود لها.
يخلق الحديث المتكرر عن الطائفية، وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية، التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة، وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية. وبقدر ما يدمر هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة، التي تتبارى في اتهام بعضها البعض بإخفاء النوايا والرهانات الطائفية، يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله بإمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بإمكانية بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده، بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد، ويفرض عليهم مصيرا مشتركا.
والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكا لمخاطر حقيقية وحتمية، بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي والوطني المحلي الذي اتجه، في سعيه لإقامة دولة وطنية حديثة، وإضفاء المشروعية السياسية عليها، إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج بدل بناء مفهوم المواطنية، والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط الممارسة القانونية لها، وبالتالي ضمان حرية أبنائها ومساواتهم. فقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية في مشروعها، أي عن غياب مشروع الدولة الوطنية الحديثة بالفعل، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية والتاريخية الأحادية. وكانت النتيجة توليد نزعة وطنية انصهارية صماء، تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية وشخصية سياسية حقيقية.
هكذا أصبح التعدد الطائفي، الديني والإتني، يظهر على أنه نقمة إلهية أو كارثة طبيعية بدل أن يعاش، كما كان عليه الحال دائما في المجتمعات القديمة، كثروة وطنية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته مجتمعاتنا منذ قرون، وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية، بما تجسده من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والاسلامية، حالة شاذة، أو تعبيرا عما يشبه الخطيئة الأصلية، بل كعاهة ولادية تعاني منها مجتمعاتنا منذ نشأتها، تميزها عن غيرها وتفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية، وتحط من قدرها وقيمها الأخلاقية الجوهرية.
والقصد، ليس تعدد الطوائف، ولا استمرار البنيات العشائرية، هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية، ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني، وعدم تقدم مشاريع التحويل الديمقراطي. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة، ويمكن تخفيضها جميعا إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية وغيرها. والمجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية اليوم طائفيا وعرقيا من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند، وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموما، يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية، التي تبدو في هذا المنظور مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية.
ويعبر هذا التعدد الواسع في المجتمعات الأسيوية، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار لا ينفصل عن نمو قيم التسامح والتعايش، وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات، وما يفرزه من حريات فردية وجمعية. فبقدر ما يدفع إلى تكريس التعددية، ونمو القيم الانسانية، يؤسس لمفهوم التنوع الايجابي والمثري داخل المجتمع الواحد، يحث مجموعات الرأي والثقافة على التعايش وقبول الآخر. وهذا القبول بالتنوع والتعدد وما يرافقه من انتشار التسامح والألفة بين البشر، يفتح عقل الأفراد وأفق تفكيرهم، ويشجع أصحاب الطموح والعقول النيرة في المناطق الأخرى المغلقة بل "المتوحشة" على القدوم والاستثمار البشري والمادي في أرض الحضارة والمدنية. وهذا ما يجعل بلاد الحضارة مرتبطة في كل زمان ومكان بمجتمعات التعدد والتعايش والتنوع الثقافي والقومي.
لا حاجة للذهاب بعيدا لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة أو المغايرة، سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، حيث يسود التسامح والحريات الدينية والفكرية، ويعززون من قدراتها الحضارية بما يحملونه معهم من رؤى وأفكار وتطلعات وطموحات خاصة، في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية، مثلها مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى، إلى الانغلاق وتقديس التجانس الديني والقومي، بأي ثمن، وكبت الاختلاف، والخوف من التعدد والتباين في الرأي، حتى داخل الطائفة أو الجماعة الإتنية أو العرقية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم الحضاري ولا التشكل الوطني ولا التسامي الديني بأي حال.
وبالعكس، يعبر استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة عن ثقة المجتمعات التعددية بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج والاستمرار، بينما يعبر طرد الأقليات، بصورة واعية أو غير واعية، عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس عند المجتمعات. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية أو دينية متجانسة دور كبير في خلق شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ، تشكل الأقليات، المنفتحة باستمرار على الخارج، والعابرة عادة لحدود البلدان، ناقلا مثاليا للمكتسبات والابداعات والابتكارات التقنية والعلمية والفكرية، وبالتالي حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.
ليست التعددية، الدينية والطائفية والمذهبية والقومية، هي المسؤولة عن أي نزاع من النزاعات التي تعرفها المجتمعات العربية. وليس لوجودها أي نصيب في ما تعاني منه الدولة والحياة السياسية والعقائدية من توتر وتمزق واضطراب.إأن المسؤول عن كل ذلك هو استغلال التعددية، أي توظيفها من قبل النخب الاجتماعية في الصراعات السياسية والاقتصادية. ويدخل هذا الاستغلال مباشرة في حقل السياسة، لا في حقل المعتقدات أو الاختلافات القومية أو الجماعات الإتنية المتساكنة. وهو يعبر عن إخفاق الاستراتيجيات السياسية الوطنية، الليبرالية وغير الليبرالية، التي طبقت في بلداننا، ومن وراء ذلك هشاشة المشاريع السياسية المطروحة، بل والسياسة ذاتها كوعي وممارسة، في مجتمعات لا يزال أساس قيام الحكم والنظام العام فيها تهميش المجتمع وإقصاء الرأي العام عن أي مشاركة، واحتكار الرأي والسلطة معا، من قبل فئات ساقتها الأقدار وتوازنات القوى الداخلية والخارجية إلى مركز القيادة والقرار، وهي غي مؤهلة له، ولا تملك للمجتمعات التي أصبحت تتحكم بمصيرها لا رؤية ولا مشروع.

mercredi, septembre 10, 2008

"الربيع العربي" على خطى نيكولا سركوزي في دمشق

الاتحاد 10 ايلول سبتمبر 08
أثارت بعض الاجراءات التي اتخذتها الحكومات العربية في مطالع الألفية الثالثة، في اتجاه الانفتاح الاقتصادي والسياسي، انتعاشا كبيرا للآمال في منطقة بقيت، خلال ربع القرن الماضي، من أقل المناطق الاقليمية في العالم تأثرا برياح التغيير القوية التي هزت المعسكر السوفييتي والاشتراكي سابقا. وتفاءل الكثير من المراقبين بقدوم ما أسموه في ذلك الوقت بالربيع العربي، واعتقدوا أن وقت الديمقراطية العربية قد حان. فربط الأمريكيون مشروع تعزيز سيطرتهم على ا لشرق الأوسط ومنابع النفط فيه بالضغط على الأنظمة العربية وتأكيد أولوية التحولات الديمقراطية. بيد أن السنوات التي تلت ذلك بينت أن ما حاوله بعض الحكام العرب من انفتاح، تجلى عبر السماح بانتخابات تشريعية أو تكوين مجالس شورى لم تكن موجودة من قبل، لم يكن إلا من قبيل ذر الرماد في العيون، وأن خروج الدول العربية من نموذج نظم الغلبة السياسية، أي التي تقوم على قهر إرادة المحكومين بكل الوسائل، لا على التشاور والحوار والتفاهم معهم، لا يزال إشكاليا بالمعنى الحرفي للكلمة. فلا تزال السلطة فيها، بالرغم من المظاهر السطحية، حكرا على فئات محددة من السكان والطبقات، كما لا يزال استبطانها لمفهوم المواطن ضعيفا لدرجة يصعب على الأفراد فيها أن يتعرفوا على حقوقهم المدنية والسياسية، فما بالك بالدفاع عنها أو تكوين قوى سياسية منظمة لوضعها موضع التطبيق ·
وإذا كانت بعض الأوهام قد ساورت القليل من النظم العربية ودفعتها إلى الاعتقاد أن بإمكانها استخدام هذه الاجراءات لامتصاص الضغوط التي كانت موجهة إليها من قبل الدول الكبرى أولا، ثم من قبل قطاعات الرأي العام من المثقفين والطبقة الوسطى ثانيا، فسرعان ما أدركت أن الانفتاح المطالب به يحمل لها من المخاطر أكثر مما يجلب من الفوائد. وبدل أن يساعد على التخفيف من الاحتقان السياسي ويساهم في تحسين صورتها في أوساط الرأي العام الدولية، الرسمية والأهلية، من الممكن، بالعكس، أن يكشف عن هشاشة نظام الغلبة السياسي الذي لا يضمن بقاؤه سوى العنف والتلويح الدائم بانهيار الأمن وتعريض المجتمع بأكمله لعدم الاستقرار. وهكذا عادت المياه إلى مجاريها، واستعاد النظام أدوات عمله الطبيعية، وتشبث رجال السلطة بالحكم واحتكروا القرار والخطاب أكثر مما كانوا يفعلون في أي فترة سابقة، مع التأييد الصريح للدول الغربية التي أدركت هي أيضا خطل اللعب بنار التغيير السياسي، أو التحولات الديمقراطية، في منطقة لم يبق لها فيها، بسبب سياساتها شبه الاستعمارية بل الاستعمارية، صديق سوى أهل الحكم وأصحاب المصالح المكرسة.
لم يتحقق التغيير ولا حتى توسعت دائرة المشاركة الشعبية، كما كانت تطالب عواصم التحالف الغربي في تبريرها لحرب العراق أو تسويقها لها، وإنما تكرست أكثر صيغة النظم التسلطية الوراثية. ولم تساهم الضغوط الأجنبية التي مارستها هذه العواصم بقوة في السنوات القليلة الماضية في تحسين وضع الحريات ولا تعزيز قضية حقوق الانسان. بل من الصحيح القول إنها فاقمت من سوء الأوضاع السياسية والقانونية، وعرضت العديد من الناشطين الحقوقيين والسياسيين لانتقام السلطات، التي استغلت ادعاء واشنطن تبني مسألة الديمقراطية لتشويه سمعتهم لدى الرأي العام، وتوجيه التهم الباطلة لهم بالعمل لصالح الدول الأجنبية. وكم كان من الوهم تصور إمكانية قبول الأنظمة الأمنية بالانفتاح على شعوب لا ترى فيها إلا عالة عليها وبطونا استهلاكية، أو بالتنازل عن جزء من صلاحياتها أو احتكارها للسلطة، حتى لو كان ذلك لصالح الطبقة التكنوقراطية المسؤولة عن تسيير المؤسسات الإدارية والاقتصادية، فما بالك بإلزامها بالاعتراف بمبدأ تداول السلطة، أو تقاسم الصلاحيات بين النخب المختلفة، أو رفع الوصاية عن المواطن والاعتراف بأهليته السياسية؟
لكن إذا لم تنجح الضغوط الخارجية في تحقيق التحولات السياسية المطلوبة، هل يساعد تعويم الأنظمة التسلطية وإعادة تأهيلها وضمان استقرارها، بشكل أفضل، على حثها على الانفتاح وتوسيع دائرة المشاركة السياسية؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه اليوم زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا سركوزي لدمشق، في إطار سياسة انفتاح وتقريب لسورية من التحالف الغربي، بعد أن أخفقت سياسة العزل والحصار التي فرضتها عليها واشنطن، وخضع لها الاتحاد الأوروبي. وهو السؤال الذي يطرحه على أنفسهم أيضا العديد من النشطاء السياسيين والقانونيين الذي يتعرضون لأقسى أنواع التنكيل بسبب تمسكهم بحقهم في المشاركة السياسية ورفضهم الإذعان لسياسة الأمر الواقع والغلبة العسكرية.
والجواب في نظري نعم، لكن فقط إذا كانت الدول الضاغطة راغبة في ذلك، أي مؤمنة حقا بالديمقراطية للعالم العربي، وحريصة على تحسين علاقاتها بشعوبه ورأيه العام. لكن المشكلة أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل أو مؤشر على أن هذا هو الواقع. وتجربة السنوات الخمس الماضية تثبت بالعكس أن الديمقراطية وحقوق الانسان قد استغلت من قبل العواصم الغربية، وواشنطن على رأسها، لتحقيق أجندة معادية في جوهرها وتفاصيلها لمصالح الشعوب العربية وأهدافها. فلو كانت قضية تعميم الديمقراطية هي بالفعل أحد أغراضها لكانت بدأت بترييح هذه ا لشعوب على جبهات التوتر التي هي شريكة أساسية فيها، وفي مقدمها جبهة الاحتلال والنزاع الفلسطيني الاسرائيلي.
يبدو لي اليوم أن العواصم الغربية لم تكن أبعد في أي فترة سابقة عن تبني الديمقراطية أو تمنيها للشعوب العربية مما هي عليه الآن. فالنكسة الكبيرة التي تعرضت لها سياستها الإقليمية، في السنوات القليلة الماضية، قوضت مواقعها أكثر من قبل، وجعلتها أكثر اعتمادا في الحفاظ على مصالحها على النظم القائمة من أي شيء آخر. وهي تعتقد اليوم، ربما أكثر من الأنظمة العربية التي تعرضت لأقسى انتقاداتها أمس فقط، بأن ضمان الأمن والاستقرار، وبالتالي التدفق الطبيعي لصادرات النفط، وتوقيع ا لصفقات الاقتصادية والتوسع في النفوذ، يتوقف في هذه المنطقة على تعميق التحالف مع الاستبداد والتعاون معه من دون حدود ولا شروط. وأن البديل الوحيد لسقوط شعار تطويع الأنظمة هو العمل معها يدا بيد لتطويع الشعوب وإخضاع المجتمعات. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن ننتظر كثيرا حتى نرى اختصاصيي المشرق والعالم العربي يعيدون إلى الحياة نظرية الاستثناء العربي، التي كانوا قد دفنوها في نشوة النصر والتفاؤل تحت تراب نظرية الربيع العربي التي لم تعمر حتى بضع سنوات، ويتداولوا في سياقها الأطروحات السوقية حول الثقافات الجماعوية القرسطوية المغلقة، التي لا تعرف التمييز بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وترفض الانفتاح على غيرها أو التواصل والتفاعل معه، وتنتشي بكل ما هو تعصب قومي وديني.

mercredi, août 27, 2008

عطالة التاريخ

الاتحاد 27 أغسطس آب 08
عندما قرأت في مطلع شبابي كتاب المرحوم هشام شرابي عن المثقفين والغرب، استفزني منهجه في التمييز الواضح بين نخبتين مسيحية وإسلامية ورصد مواقفهما المتباينة. وبدا لي هذا التمييز في ذلك الوقت مخالفا للواقع ومبالغا في رصد فروقات ثانوية في المواقف لا تنتمي بالضرورة لاختلاف الانتماءات الدينية بقدر ما تعبر عن تباين وجهات النظر السياسية والفكرية على أرضية استيعاب تحديات الحداثة العربية. وعندما كتبت كتابي المسألة الطائفية ومسألة الأقليات بطلب من المرحوم عبد الوهاب الكيالي الذي أراد معرفة كيف ينظر مسلم سني لموضوع الطائفية، تبنيت موقفا مماثلا، فرفضت أن أميز ظاهرتها كقضية مستقلة لها خصوصيتها، وبالتالي تاريخيتها الخاصة أيضا، وأدرجتها في مسألة أكبر منها هي مسألة بناء الأمة. فصارت مشكلة الأقليات عندي بالدرحة الأولى مشكلة الأكثرية، أي نتيجة لعجز هذه الأخيرة عن بناء رابطة وطنية عميقة، أو جماعة سياسية مكونة من مواطنين أحرار ومتساوين قادرة على دمج الأقليات وتحريرهم من تواريخهم الخاصة، وبالتالي ثمرة العجز عن بناء تاريخ عام جديد وموحد هو تاريخ الجماعة السياسية الوطنية. والتاريخ هنا يعني الذاكرة ويعني أيضا الصيرورة والاندماج في سيرة مشتركة.
كنت أعتقد بالفعل أن الحساسيات التاريخية المرتبطة بفكرة الأقليات ذاتها سوف تزول من تلقاء نفسها عند نشوء ديناميكية وطنية جديدة وشاملة تجذب الجميع إليها وتجرف مخلفات الماضي جميعا وتقضي عليها. وكان هذا الموقف انعكاسا للمناخ السائد في ذلك الوقت، الذي وجه بصورة لا شعورية وعينا وتفكيرنا، أعني سيطرة الفكرة القومية بالفعل على العقول والأذهان، ونجاحها في أوج ازدهارها في الحقبة الناصرية المثيرة، في انتزاع الناس من قوقعاتهم التاريخية الملية وإدراجهم في حركة واحدة، مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، عربا واكرادا وشراكس وغيرهم. وقد نشأ هذا النجاح عن الأمل الصاعد، في أعماق كل فرد عانى من القلق والتمزق والنزاع بسبب الانقسامات العصبوية التقليدية، بوجود فرصة تاريخية لتكوين جماعة وطنية حقيقية، والخروج من تاريخ الضياع والفرقة والانقسام الماضي والسيطرة الاستعمارية معا، أي للقطع نهائيا مع تاريخ الطوائف والملل والاتنيات، تاريخنا الحقيقي الماضي، مسلمين وغير مسلمين.
ومنذ ذلك الوقت نشأ عندي اعتقاد عميق بأن الإنسان ليس حبيس تاريخه ولا ذاكرته، وإنه، بالعكس، ميال وجاهز ومستعد للتحرك إلى الأمام والتطلع إلى المستقبل والتفكير من منظوره بدل التغريز في وحل التاريخ، حالما يشعر أن هناك بصيص ضوء او فرصا للتحرر والانعتاق. فإرادة الحياة الحرة أقوى من إرادة التقوقع والانكفاء على النفس واجترار حزازات الماضي وآلامه. ولا يزال هذا الاعتقاد هو الذي يغذي موقفي الايجابي من الإنسان ومراهنتي دائما على قدرته على الارتفاع فوق أنانيته ومعانقة حياة المباديء والسلوك حسب قواعد الأخلاق إذا ما توفرت له الفرص التي تسمح له بالارتقاء على شرطه القاهر، وإذا حظي بدرجة مناسبة من العناية الفكرية والعاطفية والتربية المدنية والإنسانية.
لكنني من دون أن أغير هذا الاعتقاد، بدأت أشعر اليوم بشكل أكبر بأن للتاريخ عطالة حقيقية، أي ثقلا لا يمكن التحرر منه إلا في حالات االثورات الحماسية الكبرى التي تفجر الوعي الماضي، وتنشيء في لهيبه وعيا جديدا بالفعل. وهو ما لا يمكن حصوله إلا عندما تكون هذه الثورات حاملة هي نفسها لمشروع إنساني ينطوي على فرص أكبر لتحرر الانسان وانعتاقه، وتكون عندئذ مسبوقة بعمل طويل المدى على إعادة صوغ المباديء الإنسانية والقيم الأخلاقية والمدنية. من دون ذلك تظل عقد التاريخ وحساباته المعلقة منذ قرون حية ولو تحت الأرض وجاهزة للبروز إلى السطح، وربما إلى احتلال مقدم ساحة الوعي الفردي والجمعي، في أي فترة تضعف فيها يقظة المجتمعات، أو تخونها نخبها القيادية، أو تزل قدمها وتنهار صدقية السياسة والسلطة فيها. ومن بين هذه العقد والحسابات المعلقة، الحزازات الطائفية والمشاكل المرتبطة بالتعامل التاريخي للأغلبيات المذهبية أو القومية مع الأقليات الدينية والإتنية.
ومن ينظر إلى مجتمعاتنا اليوم يعتقد أن تاريخ الحروب الأهلية الإسلامية الأولى، وتاريخ المعاملات التحقيرية للأقليات غير العربية وغير الاسلامية التي عرفتها عهود السلطنة لا يزالان عائشين فينا إلى اليوم، ولا تزال النزاعات التي رافقتهما ورهاناتها المختلفة مستمرة لم تحسم بعد. يظهر هذا عبر النزعة المتنامية للانسحاب من الهوية الوطنية وإعادة بناء الجماعات العصبية، والانكفاء على القيم التقليدية الطائفية والقبلية والعشائرية والعائلية. كما يظهر من خلال عودة الإشكاليات القديمة على صعيد المناظرة العقلية، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة، مثل بناء الدولة الاسلامية أو الخلاقة أو الامبرطورية، أو من خلال تلغيم جميع المناظرات الفكرية والسياسية الحديثة، وتبطينها بحساسيات الماضي ومخلفاته ونزاعاته التي لم يمكن حلها أو تذويبها واستمرت تعيش فينا حياتها السرية.
بل إنني أعتقد اليوم، ونحن في قلب المناظرة العربية التي أثارها انهيار النظام العام، أي المباديء الفكرية والسياسية التي قام عليها الاستقرار المجتمعي في العقود الماضية، أن تلك البطانة التي لا ترى عبر الخطاب الظاهر أو التي لا يسعى هذا الخطاب إلا إلى إخفائها، لا تجعلنا ندور في حلقة مفرغة تمنعنا من التواصل والنقاش الفعلي فحسب، وإنما تعيق، أكثر من ذلك، أي تقدم لنا على طريق حسم الخلافات الفكرية والسياسية. وأننا لن نستطيع الخروج مما ينبغي تسميته بالفعل حوار الطرشان "الوطني" من دون تنكب مهمة الغوص في هذا الباطن، الذي لا يرى ولا يسمع ولكنه هو الذي يتكلم في غالب الأحيان من وراء غلالة اللغة الفكرية والمفاهيم العقلية المستخدمة. ومما يزيد من قوة فعل هذا الباطن وشدته، كونه ليس فكرة ولا مفهوما ولا حجة عقلية وإنما هواجس تكونت بفعل تراكم الحزازات التاريخية، وتحولت إلى كرة من المشاعر الملتهبة التي تسكن الأعماق وتوجه تفكيرنا الباطن، حتى عندما تخفى على الجميع، بما في ذلك على أصحابها أنفسهم، ويصبح من غير الممكن التحكم بها ولا الكشف عنها.
هكذا يبدو للمرء أحيانا أن نقاشاتنا النظرية وحججنا العقلية في الديمقراطية والعلمانية والحداثة والقومية والوطنية والحرية والعدالة والمساواة والاشتراكية والرأسمالية والغرب والعولمة كثيرا ما تبقى ملغمة ببقايا التاريخ الماضي ونزاعاته الدينية والمذهبية والإتنية، وذاكرات أطرافه المليئة بالمخاوف والهواجس والشكاوى غير المسموعة والحسابات غير المسددة. وإذا ظهرت آثار هذه الذاكرة غير المطهرة على مستوى الجمهور العام من خلال الانكفاء على الجماعة الخاصة وتحويلها إلى هوية أساسية، مع ما يعنيه ذلك من بلورة مواقف ومشاعر وعادات وتقاليد ومواقف تعكس التأكيد على هذه الهوية والحفاظ عليها من الذوبان، أي إعاقة أي بناء جديد لوعي وطني جامع، وبالتالي لقانون جامع أيضا، ونزعة قوية للتميز والتقوقع ضمن منطق القوانين والشرائع الخصوصية، فإن آثارها عند المثقفين بارزة في عجز هؤلاء عن الدخول في حوارات جدية منتجة، وبناء لغة مفهومية واحدة. فيكاد يكون لكل فئة، لغتها المزدوجة النابعة من تمحور تفكيرها حول أولويات وقضايا ومفاهيم خاصة، وتجسيدها رهانات ومشاعر وحقائق غير معلنة نابعة من الحرص على تأكيد مواقف أو إعتقادات مسبقة أو تعزيزها. هكذا لم يعد من الممكن بناء أي حياة ثقافية أو كتلة ثقافية حية في البلاد العربية. وبدل أن يتوحد المثقفون الذين تحولوا إلى أقلية مهددة، حول رؤية مشتركة للمستقبل، تدفعهم الشكوك والحساسيات والهواحس الخاصة، المستندة إلى ذاكرة تاريخية غير مفكر فيها، إلى تحطيم بعضهم البعض والتشكيك بخياراتهم واصطناع الحيل المعقولة وغير المعقولة للايقاع بعضهم ببعض والتشهير بمواقفهم ونزع الصدقية عنها.

dimanche, août 10, 2008

زمن الفتنة

الاتحاد 10 أغسطس آب 08

أحد التعبيرات الرئيسية والبارزة عن الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية هي من دون شك التصدع الذي تشهده هذه المجتمعات، وانقسامها بين أكثرية فقدت الثقة بالصيغ والحلول الحديثة أو المرتبطة بفكرة الحداثة ومفهومها، وتكاد تيأس منها، وتعتقد ان المسؤول عن الأزمة او التخبط الراهنين هي هذه الصيغ والمفاهيم، وأقلية تعتقد أن سبب الأزمة والإخفاق المرتبط بها هو رفض النخب الحاكمة تطبيق مباديء الحداثة وقيمها، واستمرارها في مسايرة الأغلبية المحافظة المتمسكة بالقيم والتقاليد الدينية. وبينما لم يعد لدى الفئة الأولى مطلب آخر سوى تطهير المجتمع والبلاد من آثار التغريب والحداثة اللادينية و"العلمانية"، أصبح الهم الرئيسي لدى الفئة الثانية استئصال ما تسميه قوى الظلامية والرجعية الدينية. ويولد هذا الانقسام بل الفصام، الذي يتغذى من المسبقات والأفكار المشوشة المشتركة والهيجانات النفسية والاحتقانات السياسية الناجمة عن الانغماس في نزاعات لا أمل بكسبها من قبل أحد، أكثر مما يستند إلى مقاربات عقلية وموضوعية، أقول إنه يولد قطيعة متزايدة بين الأطراف لا مخرج منها. ليس لأن الأقلية التي تسمى نفسها علمانية، وهي ليست بالضرورة كذلك، تحتكر، في مواجهة الأغلبية الاجتماعية، وأكثريتها مسلمة، في معظم البلدان، السلطة وموارد القوة واستخدام العنف فحسب، ولكن أكثر من ذلك، لأن كلا الطريقين : طريق الدولة الإسلامية وطريق الدولة العلمانية، أو شبه العلمانية، مسدودة. المشروع الأول لأن الإسلاموية كما ذكرت في مقالات سابقة ليست مشروعا أصلا، وإنما هي غطاء لمشاريع أو لأشباه مشاريع ومطالب وتطلعات مختلفة ومتباينة ومتناقضة، يضرب بعضها البعض الآخر، ولا يمكن أن تقود، عندما تواتيها فرصة الوصول إلى السلطة، إلا إلى الانقسام المتزايد والاقتتال بين الإسلامويين أنفسهم. وهو ما جرى في جميع النظم الإسلاموية التي انبثقت في العشرين سنة الأخيرة، وأحيانا قبل الوصول إلى السلطة. والمشروع الثاني لأن الإستبداد لا يمكن أن يقود، تحت أي يافطة جاء، إلى شيء آخر سوى خيانة الحداثة وقيمها، وفي مقدمها العلمانية، وتحويل الدولة إلى مزرعة للأسر المالكة أو الحاكمة لا فرق، بقدر ما يعني تحييد الرأي العام، وتفريغ المجتمع من الحياة السياسية، وإكراه الأفراد على الخضوع والطاعة العمياء. فإلغاء الحريات هو الأساس لإجهاض الحداثة وقطع الطريق على أي تقدم آخر، في الاقتصاد والسياسة والعلم والتقنية والإدارة والأمن الوطني والأهلي على حد سواء. فالحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية هي منطلق الحداثة وشرط وجودها، لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء الفرد كمواطن مستقل ومسؤول، ومبدأ تربيته كمصدر وعي وصاحب إرادة ومبادرة، وبالتالي كمشارك أو شريك في جماعة سياسية تتجاوز الرابطة الدموية أو الدينية والمذهبية. ومن دون ذلك ليس هناك أمل لا في قيام أمة ولا دولة حديثة ولا مجتمع مدني. كان من الممكن أن يقود هذا الانسداد المزدوج إلى انتشار إدراك أعمق بالأزمة التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، ويمهد للخروج منها بصورة أسرع، لو لم ينفتح الانقسام الداخلي ويرتبط التصدع الوطني بصراع أوسع، دولي وإقليمي، يشكل الشرق الأوسط، والمشرق العربي خاصة، مسرحه الرئيسي. بيد أن اندراج الطرفين المتنازعين في الاستراتيجيات الدولية واصطفافهما وراءها قد عملا على تعزيز هذه القطيعة، ودفعا نحو حرب داخلية مرتبطة بالحرب الدولية والإقليمية ورهينة لها. هكذا أصبحت الإسلاموية، التي بدأت كحركة احتجاج داخلي على الظلم الاجتماعي والتسيب القانوني والاستهتار بمصالح الناس ومستقبلهم، حركة دفاع عن الهوية في وجه الثقافة والقيم العصرية، بوصفها قيما غربية. وهو ما عززته السياسات الغربية التي وجدت هي نفسها في تحويل الإسلاموية إلى عدو استراتيجي وتاريخي بديلا للعدو السوفييتي، يبرر للمركب الصناعي العسكري، وللمصالح الاستعمارية أو شبه الاستعمارية عموما، الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها في البلدان الصناعية. وبالمقابل، تحولت شعارات الديمقراطية والعلمانية إلى حصان طروادة لتلك القوى الدولية الرامية إلى الاحتفاظ بنفوذها في مواجهة الموجة الإسلامية، أو إلى منطلق لترميم النظام شبه الاستعماري الذي يستند إليه هذا النفوذ. وهكذا تمفصل الصراع الداخلي مع صراع خارجي يتبع أجندته الخاصة، وتعقدت سبل المواجهة الداخلية، ومعها فرص اليقظة والخروج من الأزمة. فقد أعطى هذا الصراع للفريق العلمانوي المحلي، في كل البلدان العربية وعلى مستوى المنطقة ككل، الانطباع أن بإمكانه الفوز بالمعركة وحسم الموقف لصالحه طالما أنه يحظى بدعم دولي واسع، كما أعطى الانطباع للفريق الإسلاموي بأن التنازل أمام الأقلية العلمانية المسيطرة لا يعني خيانة الأغلبية المؤيدة له فحسب وإنما أكثر من ذلك الاستسلام أمام قوى الهيمنة الدولية والاستعمارية. هكذا تحول الاحتجاج الاجتماعي باسم الاسلام، كما جسدته الحركة الاسلامية في بداياتها، إلى ما يشبه الحرب العالمية ضد "الإمبريالية" والسيطرة الخارجية وقواعدها المحلية. كما تحول الدفاع عن مشروع الحداثة العلمانوي إلى حرب "وطنية" مقدسة ضد الإسلام والإسلاميين، ومن وراء ذلك إلى ذريعة لتبرير الاستبداد والتحالف مع القوى الاستعمارية. لقد ضاعف ربط الصراعات الداخلية بالصراعات الخارجية من تعقيد المشكلة ومن تفاقم الأزمة، حتى لم يعد من الممكن مواجهة أي نزاع داخلي بمعزل عن الأقطاب الدولية. وبدل أن نتجه نحو تسويات وطنية، كما حصل في جميع المجتمعات التي عرفت العديد من الأزمات الكبرى، أصبحنا نتجه بشكل اكبر، مدعومين، كل منا، بحليف خارجي، نحو القطيعة والتخوين المتبادل والمواجهات المفتوحة من دون نهاية. وبدل أن تقودنا مقاومة الأجنبي "وعملائه" إلى تعزيز استقلالنا الوطني عن الدول الكبرى، أو تدفع بنا العلمانية إلى تعزيز التحولات الديمقراطية، عشنا في العقود الماضية التجربة المريرة للسقوط بشكل أكبر في التبعية والالتحاق بالقوى الأجنبية و تعزيز قوة النظم التعسفية والطغيان.ليس المسؤول عن ذلك الإسلاميين او العلمانيين، وإنما تبني خيارات خاطئة وغير ناجعة في المقاومة وفي المحافظة على الدولة والنظام "العلماني" أي السياسي المدني معا. فلم نر في المقاومة إحتجاجا ضد الظلم والعسف والطغيان، ولكن نبذ القوى والأفكار والمواقع المغايرة أو الحديثة، التي طابقنا بينها والأفكار والقيم والقوى الغربية والأجنبية. فصرنا ننظر إلى الحداثة كاستلاب أجنبي، وإلى الوطنية كعصبية بدائية وعداء لأي خارجي أو غريب. وهو ما يزيد من تعميق الشرخ داخل المجتمعات. وبالمثل، لم نر في الحفاظ على النظم الحديثة "العلمانية" او شبه العلمانية سوى سياسات الأمن والقمع وقتل الحريات التي ليس لها نتيجة أخرى سوى تعزيز قبضة الممسكين بالسلطة على ثروة البلاد والمجتمعات ومواردهما، وتحويل الفساد إلى سياسية وطنية. وفي النتيجة لم نعمل بخياراتنا الخاطئة هذه سوى على تعميم الاقتتال وتخليده من خلال ربطه بأجندات خارجية. وقد عملت المطابقة الكلية بين مقاومة النفوذ الأجنبي والوطنية، وبين الحفاظ على النظم الحديثة والعلمانية، على خلط في الاوراق قضي على ملكة التمييز عند الرأي العام، وجعل من شعار العلمانية أفضل وسيلة لحل عرى الوطنية ودولتها الحديثة، كما جعل من شعار المقاومة الإسلاموية أفضل وسيلة لتحويل حركة الاحتجاج الاجتماعي عن أهدافها الديمقراطية وجعلها غطاءا لنظم البطش والفساد والطغيان. وها هي مجتمعاتنا تتمزق بين أقليات اجتماعية تعتقد أنها لا تضمن حقوقها الإنسانية وحرياتها إلا بالتعامل المباشر مع القوى الاجنبية، وجماهير مهمشة ومنبوذة لا تجد في مواجهتها من وسيلة سوى بعث العصبية الدينية أو الإتنية أو الطائفية أو القبلية في غمار مقاومة تفضي إلى تقويض أسس الحياة الوطنية أكثر مما تقود إلى دحر السيطرة الخارجية.

samedi, août 02, 2008

إعادة اكتشاف المعرفة

الاتحاد 2 أغسطس 08
بعد حقبة طويلة ماضية سيطر على المجتمعات العربية فيها هوس تأكيد الهوية الثقافية والدينية، يسود اليوم بشكل متزايد، لدى المثقفين وبعض المسؤولين العرب شعور عميق بأن فجوة المعرفة قد اتسعت بين العرب والعالم الصناعي، إلى درجة أصبحت تشكل فيه خطورة على مستقبل العالم العربي وصلاح علومه ومعارفه وتكوين أبنائه واجياله الجديدة. ومن هنا بدأ الاهتمام بالتواصل مع المجتمعات الحديثة والاقتداء بها والتعلم منها يطغى في السنوات الأخيرة، بالرغم من مظاهر التعصب القومي والتزمت الديني، على خطاب التأكيد على العصبية والهوية الدينية أو القومية. فمنطق الهوية بالضرورة خصوصي، يسعى إلى تأكيد التمايز والمغايرة مع الآخر كمرتكز لوعي مستقل بالذات، فاقمت من خطورته عندنا ذكرى الاستعمار والاحتلال السابق والقائم الذي غذى ولا يزال الشعور الأليم بالدونية وضعف الذاتية. وبالمقابل لا يمكن لمنطق المعرفة أن يكون إلا منطقا كونيا، أي يخترق الهويات والاختلافات، مؤكدا وحدة العقل الإنساني وامتداده عبر الزمن، أي تراكميته، وتفاعله عبر المكان، وتواصل الباحثين والعلماء المعاصرين بعضهم مع البعض الآخر وتحاورهم. فوحدة العقل المفترضة هذه هي الفرضية الأساسية في وجود العلم بالمعنى الحديث للكلمة، أي من حيث هو مشروع لبناء معرفة موضوعية، ترتفع على شروط إنتاجها العقائدية والثقافية والاجتماعية، وتؤسس نجاعتها ومشروعيتها معا على مناهج تحصيلها وتقنيات مراجعتها لنفسها وتحقيقها في الواقع وفي التجربة. فإذا كانت الذرة لا تنشطر في الظروف ذاتها، أو إذا كانت تخضع في انشطارها لاعتقادات المجتمعات وثقافة الباحثين وذاتياتهم، لن يكون هناك علم. فالعلم واحد بينما الثقافة متعددة.
وبمقدار ما يدفع الشعور بهذه الفجوة المعرفية الأجيال الجديدة من العرب إلى التخلي عن ثقافتهم العربية وهجرها باعتبارها ثقافة فقيرة ومفوتة لا تصلح للعصر، ولا تنفع في فهم إشكالياته الكبرى، وهو ما يعبر عنه الاندفاع نحو التعليم الخاص وباللغات الأجنبية أيضا، يطرح على المجتمعات العربية مسألة إعادة التواصل مع بحر المعرفة الإنسانية وتجديد أسس الثقافة العربية ومحتواها. وهذا ما يعكسه الاهتمام المتزايد عند بعض الحكومات والناشطين الاجتماعيين بمسألة الإبداع العلمي والأدبي، وبشكل أكبر بمسألة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. فهناك اليوم أكثر من مشروع لتكريم المبدعين والباحثين الجادين، وأكثر من مركز أيضا لرعاية الترجمة وتشجيع المترجمين على نقل ما حصل تجاهله من كتب ومراجع علمية في جميع الميادين في الحقبة السابقة. ومن بين هذه المشاريع جائزة الشيخ زايد للكتاب عموما وللكتاب المترجم خصوصا، التي أقامت في معهد العالم العربي في السابع من تموز (2008) أول ندواتها لتكريم الحائزين على جائزة الترجمة، بعنوان الترجمة كوسيلة للتواصل مع الآخر.
وليس هناك أدنى شك، كما أكد على ذلك جميع الباحثين المترجمين الذي قدموا آراءهم في الموضوع، في أن الترجمة تشكل أكبر وسيلة لتجاوز التمحور حول الذات النابع من التاكيد على الهوية، وهي وظيفة لا يمكن لمجتمع أن يتجاهلها أو يتنكر لها، وهي بالتالي أهم مجال لتعريف المجتمعات بعضها على إبداعات بعضها الآخر وثقافته وأنماط تفكيره وتجربته الخاصة. لكن الأمر كما ذكرت في مداخلتي ليس مطلقا وحتميا. إنه يتوقف على نوعية الترجمة. فالترجمة الفاسدة قد تفضي إلى نتائج معاكسة تماما للمطلوب، فلا تعجز عن مد جسور التواصل مع الآخرين وإنما تحرم العرب أنفسهم من التواصل في ما بينهم بمقدار ما تؤدي إلى نزع الاتساق عن لغتهم وزرع الاضطراب والفوضى في عبارتهم، وتشويش فكر وعقل ناشئتهم وقارئهم. وهذا ما نعيشه اليوم حقيقة في العالم العربي. فبسبب غياب سياسة متسقة وجدية تستحق هذا الاسم للترجمة، وتركها سائبة تتحكم بها رغبات دور نشر فقيرة وصغيرة ومزاج المترجمين الشخصيين الذي لا يهمهم سوى تلبية طلب السوق، وفي الغالب الرد على فضول جمهور محدود من القراء، وسعيهم وراء الكتب الذائعة الصيت أو الأكثر مبيعا، وهي غالبا لا علاقة لها بالعلم، تحولت الترجمة إلى أكبر وسيلة لتفكيك اللغة العربية وتشويش عبارتها وبث الاضطراب والفوضى في تفكير أبنائها وأجيالها الجديدة وقرائها. هكذا تملأ المكتبات العربية ترجمات سلبية من حيث الأسلوب والمحتوى معا. وبسبب تعدد المفردات المستخدمة لمصطلح واحد، نتيجة تعدد البلدان والمرجعيات اللغوية الخارجية وغياب العمل القاموسي الجامع، تكاد اللغة العربية تفقد اتساقها ووضوحها.
حتى تكون الترجمة وسيلة فعالة للتواصل بين الثقافات والمجتمعات التي تحملها، ينبغي في اعتقادي أن تقوم على أساس متين، وتتحول إلى مشروع يخدم الإنتاج العلمي المبدع، ويصب في عملية تجديد الثقافة العربية وتنشيط ديناميكاتها الذاتية. وهذا ما يتطلب مشروعا متكاملا للترجمة يتكون في نظري من ثلاث حلقات. الأولى برنامج طويل المدى، متسق ومنهجي، يهدف إلى ترجمة المراجع الأساسية في جميع الميادين العلمية إلى العربية خلال السنوات العشر القادمة، بحيث يستطيع أي طالب علم، في أي ميدان علمي، أن يجد باللغة العربية مادة أساسية ومتكاملة في المجال الذي يريد أن يتخصص فيه. وهو ما يحتاج إلى مجلس أعلى للترجمة يبلور التصور والسياسة العامة، ويعد قوائم الكتب المختارة، وينسق بين جميع النشاطات العربية في هذا الميدان بحيث يتكامل جهد جميع المراكز والمتخصصين معا على مستوى العالم العربي. والثانية حلقة تأهيل المترجمين وذلك من خلال إنشاء مدرسة عليا للترجمة على مستوى العالم العربي، تؤهل المترجمين وتعمل على تطوير أساليب عملهم، وتوحيد أسلوبهم ولغتهم، وتحويل الترجمة ذاتها إلى ميدان من ميادين البحث العلمي. فلا يكفي أن يكون المترجم عالما في ميدانه وإنما لا بد أن يكون ملما أيضا بأصول الترجمة ومصطلحاتها حسب الميدان الذي يترجم فيه. والحلقة الثالثة تتعلق بنشر ما ترجم وتوزيعه وبناء التواصل مع الجامعات والمعاهد العلمية والتعاون معها.
وفي اعتقادي لا يمكن أن توجد اليوم في العالم العربي سياسة ثقافية من دون سياسة للترجمة. إذ تكاد الترجمة تشكل اليوم الجزء الأكبر من ثقافتنا الحديثة، بل جميعها، بما في ذلك تصورنا لأنفسنا وتمثلنا لما نعتقد أنه قيمنا وآدابنا وعقائدنا. فقد تكونا جميعا، بما فيه جيلنا، على قراءة الآداب والعلوم الحديثة عبر الترجمة، وتمثلنا صورتنا عن تاريخنا وثقافتنا وخصائصنا، من كتابات الآخرين المترجمة عنا. وطالما بقينا بعيدين عن مرحلة البحث والانتاج العلمي الأصيل أو الأساسي، ستبقى تآليفنا في المعارف الأساسية والعلوم التطبيقية، باستثناء محاولاتنا النقدية، تلاخيص لأبحاث تجري في العالم وشروحا على معارفها وعلومها.
ولذلك يتوقف صلاح ثقاتنا العلمية والنظرية على صلاح ترجماتنا. وعلى هذه الأخيرة يتوقف أيضا حظنا من الانخراط في المغامرة العلمية والنهضة الفكرية والمعرفية العالمية، وبالتالي بالنهضة عموما. فإذا استمرت الترجمة في جزئها الاكبر من إنتاج إرادات فردية ضعيفة وفقيرة بالتأهيل والموارد وإمكانات التوزيع والنشر، سوف نجد أنفسنا بعد فترة أمام لغة عربية غير صالحة للاستعمال العلمي، ولا تفيد القراءة فيها شيئا، تؤسس لسوء التفاهم بين الأفراد وتغذي بالتالي التوتر وأسباب النزاع، أكثر مما تقود إلى التفاهم والتواصل، ومن باب أولى إلى الإبداع. وربما كان هذا هو ما يدعونا إلى تقديم الشكر والاعتراف بالجميل لجميع أولئك الذين قبلوا من العلماء والباحثين العمل في ميدانها وجميع أؤلئك الذين سعوا إلى تكريمهم وتسليط الضوء على عملهم الإبداعي والتنويري بالمعنى الحقيقي للكلمة.

mardi, juillet 22, 2008

الجذور الثقافية لغياب الديمقراطية

الجزيرة نت، 22 آب أغسطس 08
في مواجهة النظريات الأحادية الجانب التي ترجع غياب الديناميكية الديمقراطية في البلدان العربية إلى رسوخ ثقافة استبدادية دينية او زمنية، تشكل بنية الوعي العربي وتتحكم به عبر الأزمان والأمكنة جميعا، وبالتالي تدين العرب بالبقاء في إطار النظم الديكتاتورية، كنت من بين المحللين القلائل الذين ركزوا على أثر الشروط الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية وإهمية النظر إلى طبيعة السياسات الدولية التي خضعت لها منطقة من بين أكثر المناطق حساسية في الاستراتيجية الدولية، نظرا لموقعها الجيوسياسي وحجم الاحتياطات النفطية فيها، واختيارها لحل المسألة اليهودية التي شغلت أوروبا منذ القرن التاسع عشر، ودفعتها إلى السقوط في أكثر عمليات التصفية البشرية همجية وبربرية.
لم يكن القصد تجاهل العوامل الثقافية المحلية بالتأكيد، وإنما عدم السماح للقوى الغربية، الاوروبية والامريكية، التي مارست ولا تزال تمارس تأثيرا قويا ومباشرا على مصائر دول الشرق الأوسط وتطورها، بالتهرب من المسؤولية، وأكثر من ذلك بتكوين نظرية في الاستثنائية التي تجعل من المجتمعات العربية والاسلامية مجتمعات باردة وساكنة، تعيش خارج أي جدلية تاريخية كونية، ولا تتحرك إلا ضمن شرنقة ثقافة منغلقة على نفسها ومستمرة كما هي خارج حدود الزمان والمكان. وهي أسطورة سلبية هدفها إدانة هذه المجتمعات سياسيا، بإغلاق أي أفق للتحول السياسي الديمقراطي فيها، وأخلاقيا باعتبارها ذات جوهر ثقافي يدينها بالعيش في السلبية الديكتاتورية وانعدام إمكانية بناء أي حياة مدنية قائمة على استبطان معنى القانون والحرية والمسؤولية الفردية والتواصل مع الثقافات الاخرى والتأثر بها والتأثير فيها. وهي نظرية معادية للعلم تهدف إلى وضع المجتمعات العربية موضع الاتهام والإدانة المستمرة بوصفها المنبع الطبيعي والحتمي للعنف والارهاب.
بيد أن هذا التركيز على العوامل الجيوسياسية، وبالتالي الخارجية، السياقية إذا شئنا، لا ينبغي أن تدفعنا إلى الإخذ بنظرية مقابلة ومناقضة لها، كما يدافع عن ذلك بعض المحللين تحت تأثير النزعة القومية المدنية او الدينية. ومعظمهم من أصحاب النوايا الحسنة، المدافعين عن فكرة استنبات الديمقراطية في العالم العربي. نعني تلك النظرية التي تقول بأن قيم الحرية والتعددية موجودة في قلب الثقافة العربية والاسلامية، و أن غياب الديمقراطية، أو بالأحرى الكفاح الواضح من أجل استبدال النظم الاستبدادية بنظم تعددية ديمقراطية يرجع بالعكس إلى القمع الذي تمارسه نظم حكم مرتبطة بالغرب ومدعومة منه. وأنه حتى عندما تتغير الظروف قليلا وتبدو بعض آفاق التحول الديمقراطي فإن سكوت الناس وشلل إرادتهم لا يعبران عن ضعف في الوعي السياسي أو غياب لقيم الديمقراطية وإنما هما ثمرة خوفهم من الحرية، كما يخاف الأسير الذي اعتاد الأسر من الخروج من قفصه.
بالتاكيد لايمكن تفسير غياب الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط من دون معرفة موقع الشرق الأوسط ودوله في الاستراتيجية العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، والدور الذي يلعبه في ميادين الاستراتيجية والاقتصاد الدولي والتوازنات الايديولوجية أيضا. لكن ما يفسر الحركة الكبرى لا يفسر سلوك كل فرد أو تحولات وعيه في هذا الشرق الأوسط المحكوم بقوانين الصراع الدولي بالدرجة الأولى. وليس لخنوع الجمهور، وصمته على كل ما يتعرض له من قهر وامتهان، وهو ما يصدم بقوة وعي النخب الثقافية والسياسية الغربية، بل العربية أيضا التي يكاد تأثيرها لا يتجاوز بعض الشرائح الاجتماعية الصغيرة غير التمثيلية، علاقة مباشرة بالحركة الجيوستراتيجية الكبرى التي تحكم على الشرق بالبقاء رهن الحروب والنزاعات الساخنة والباردة والأزمات الوطنية غير المحلولة والمحسومة وعدم الاستقرار الدائم واقتصاد الريع والمافيات المرتبطة به.
هناك بالتأكيد مكان للثقافة أو لضعف الثقافة في تفسير واقع الحياة السياسية. وحتى لو لم يكن أثر العامل الثقافي حاسما في إقامة النظم التسلطية التي تسيطر على مجتمعاتنا، وهو كذلك، فإن أثره الحاسم لا يمكن تجنب الإشارة إليه في تفسير ضعف الحراك الديمقراطي أو إذا شئنا، في فهم الضعف الشديد الذي تعاني منه حركة مقاومة الديكتاتورية والانفكاك عنها، وبالمقابل تفجير ديناميكية الانعتاق السياسي وبناء قوى قادرة على ذلك حيث تظهر بعض الفرص السانحة، أو حيث يمكن استغلال بعض الثغرات في نظم القهر القائمة. فإذا كان من غير الممكن فهم قيام هذه الأنظمة من دون تحليل السياسات الدولية التي سيطرت على هذه المنطقة، فمن غير الممكن أيضا فهم استمرارها وإعادة إنتاجها، بل تفاقم ظاهرتها، من دون العودة إلى ما يمكن أن نصفه كنقائص في ثقافة الحرية والديمقراطية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فالتفاعل بين العوامل الجيوسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية هو الذي ينبغي التركيز عليه، وهو الإطار النظري الأسلم لتفسير تفاقم الأوضاع السياسية العربية، وليس وضع عامل في مواجهة عامل آخر. ومثل هذا الفصل بين العوامل وتجاهل التفاعل فيما بينها وتأثير واحدها على الآخر - والمقصود التأثير الخلاق الذي يغير من طبيعة مساهمة العامل الآخر وليس الميكانيكي الذي يضيف عنصر إلى آخر - هو الذي يمنع من فهم إشكالية الديمقراطية في البلدان العربية، التي ينبغي النظر إليها كعملية حية، أي تاريخية، تتضمن باستمرار عمليات البناء والتدمير وإعادة البناء، وليست حدثا قاطعا أو نمطا ناجزا. هكذا يبدو لي الأمر أعقد بكثير مما تفترضه النظريات الإقصائية والأحادية النزعة، ثقافوية كانت أم اقتصادوية أو جيوسياسية.
فليس هناك شك في أن الشعوب العربية والإسلامية لم تعرف في ثقافتها التقليدية هذا النوع من الحريات التي تنطوي عليها الديمقراطية، ولا اختبرتها في ممارستها، بالمعنى السياسي والمدني الحديث الذي نستخدمها به اليوم، أي من حيث هي حقوق وممارسات فردية ومشاركة في تقرير الشؤون العمومية. فهذا المعنى هو ثمرة الحداثة السياسية التي جعلت الشعب مصدر السلطة وأسست لشرعية شعبية للسياسة، أي انتخابية ديمقراطية، بعد أن كانت شرعية ملكية تبقيها حكراً على الحاكم الملك أو السلطان. وباستثناء فترات قصيرة ومتقطعة، لم تعرف مجتمعاتنا في العصر الحديث، على عكس المجتمعات الأوروبية، حياة سياسية ديمقراطية فعلية ومديدة تساعدها على تمثل قيم الحرية بمعانيها المدنية والسياسية. وهكذا بقيت نظرتنا إلى الحرية مطبوعة بالتصور التقليدي إلى حد كبير، الذي يقصر معناها على ما تحيل إليه الشريعة والعرف من صفة الشخص غير المملوك من غيره، أي غير العبد والرقيق. ولذلك لا يبعث الحكم الديكتاتوري، مهما استمر وبالغ في تعسفه، على الشعور بانعدام الحرية، ولا يبدو أنه يهدد قيما راسخة وجودية، أي تتصل بوجود الفرد السياسي وهويته ومعنى حياته. فنحن نبقى من الناحية الشرعية أحرارا.ً ولا يثور الرأي العام ضد الاستبداد إلا عندما يرتبط بالظلم. فلهذا الأخير مدلولً واضح وسلبي في الثقافة والوعي الإسلاميين. بل إن الديكتاتورية لا ترى كديكتاتورية، ولا تعبر هذه اللفظة عن شيء مهم في الوعي السائد العام. إن المدلول الديكتاتوري يجد تعبيره المفهوم في مصطلحات التعسف والطغيان والفساد. فإذا لم تترافق السلطة المطلقة بالفساد لا نسميها ديكتاتورية ولكن زعامة. ونتسامح كثيراً مع تغييبها الحريات. وربما نظرنا إليها كسلطة ايجابية إذا ارتبطت بالتطبيق الدقيق للشريعة أو القانون، واحترمت قاعدة الإنصاف في تعاملها مع الأفراد، فلم تميز بينهم. وهذا هو مضمون النظرية الشهيرة للعادل المستبد الذي كان يطالب به المصلحون الكبار في العصور الإسلامية، بما في ذلك في عهد الإصلاح الديني الأخير في أواخر القرن التاسع عشر. وأعتقد أن أغلبية النخب العربية والإسلامية لا تزال تعتقد حتى اليوم، بسبب عدم ثقتها بالشعب، وجهلها هي نفسها بمعنى الحريات المدنية والسياسية إلى حد كبير، بأن حكم المستبد المستنير خير من حكم الديمقراطية الذي ربما أتى بحكومات ضعيفة أو محافظة أو متعلقة بشكل أكبر بمصالحها الخاصة، وبالنسبة للبعض معادية للحداثة والتجديد.والواقع أننا لم نعرف في مجتمعاتنا معنى السياسة الحديثة من حيث هي مشاركة لجميع أعضاء المجتمع في تقرير الشؤون العمومية. لقد كنا معتادين، مثلنا مثل شعوب العالم جميعاً في القرون الوسطى، على تسليم أمرنا لأسيادنا، ملوكاً أو أمراء أو أعيان، في الشؤون العمومية، شؤون الحرب والسلام والحكم والقضاء، وربما حتى الآن، بينما نعتمد في تنظيم شؤون حياتنا الخاصة في كل ما عدا ذلك على تقاليدنا الدينية أو العرفية أو العائلية، أو جميعها.من الطبيعي في هذه الحال أن لا يحرك شعار الحريات الفردية، الذي يعني المشاركة في تقرير الشؤون العمومية، الأغلبية الشعبية التي لم تؤمن يوماً أن من حقها التدخل في ما هو من اختصاص الأكابر والأعيان. بل ربما كان مثل هذا الشعار سبباً في تنفيرها من السياسة. لأنه يبدو وكأنه شرك تستخدمه النخب السياسية المثقفة والحديثة لدفعها إلى الوقوف في مواجهة السلطة، وتعريضها لانتقام هذه الأخيرة العنيف، بينما هي لا تهتم إلا بالدفاع عن مصالحها الخاصة. وحتى أولئك الذين استبطنوا معنى الحرية الفردية، وهم أقلية، لا يتجرؤون على المطالبة بها، لأنهم يدركون أنه لا أمل في تحقيقها في النظم السياسية العربية الراهنة، وأن المجاهرة بها يمكن أن تعرضهم لانتقام الحكام، تماماً كما كان الأقنان يتعرضون للموت إذا اعترضوا على سياسات أسيادهم الإقطاعيين أو ارتفعوا بتفكيرهم إلى مستوى مناقشة أحكامهم السيادية.لكن القول أن قلة من النخب السياسية والثقافية الحديثة هي التي تملك الحس العميق بمعنى الحريات الفردية، بقدر ما تطمح إلى المشاركة السياسية، والمعاملة على قاعدة المساواة ورفض العبودية، لا يعني أن قضية الحرية لا تعنى إلا النخب المثقفة الاجتماعية والسياسية، ولا تفيد غيرها. إن إقامة نظام مدني قائم على احترام الأفراد ومشاركتهم جميعاً في الحياة السياسية، وتطوير وعيهم المدني، وتعميق شعورهم بالمسؤولية عن مصير مجتمعهم وما يحصل فيه، عن حالته وتقدمه ومستقبله، لا يشكل اليوم النظام الوحيد القادر على بناء جماعة سياسية حية وفاعلة ومبدعة فحسب، قادرة على التفاعل والتعاون والتواصل مع المجتمعات المحيطة بها والدفاع عن نفسها ومصالحها. إنه يشكل، أكثر من ذلك، شرط ولادة مفهوم المصلحة العمومية، أي نشوء رؤية وطنية تساعد الفرد على النظر أبعد من مصالحه الشخصية المباشرة، ليأخذ بالاعتبار مصالح الآخرين أولا، وليضع مصلحته الفردية ضمن قاعدة القانون الذي يشكل مصلحة عمومية، لأنه لا بقاء للمجتمع من دونه، ثانياً. نظام الحرية هو وحده الذي يمنع من استفحال الأنانية البغيضة وما يرتبط بها أو ما تنميه من قيم الوصولية والانتهازية والمحسوبية، أي يخلق داخل كل فرد وعيا بأنه جزء من كل، وأن الحفاظ على توازن الكل الاجتماعي وانسجامه هو شرط لاستمراره في تحقيق مصالحه الخصوصية. وليس هناك أكثر دلالة على ذلك مما نشهده من ارتباط واضح داخل النظم الاستبدادية بين إلغاء الحرية وانعدام المسؤولية وسيطرة المصالح الأنانية، التي تتسبب في تدمير المؤسسات وتعميم الفساد والظلم والاقتتال معاً، من القمة إلى القاعدة. أما تأسيس عقد جديد ينقل المجتمع من الديكتاتورية والفساد نحو حياة ديمقراطية حقة، فهو مرتبط بمجموع العملية التحويلية التي نسميها معركة الديمقراطية. وهي في نظري معركة تاريخية تستدعي الاستثمار الفكري والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي الطويل، الذي يتطلب جهداً متواصلاً وإرادياً كبيراً من قبل النخب الاجتماعية، وفي طليعتها المثقفون، تتناقض كلياً مع الانقلابات العسكرية التي عرفناها في السابق، ولا تقتصر على انتظار انهيار النظام الاستبدادي أو الانقلاب عليه. إنها ترتبط بإعادة بناء الوعي ومنظومة القيم وترميم قنوات التواصل والتفاعل والتضامن بين أفراد المجتمع، وقبل ذلك، بين أفراد النخبة الاجتماعية. ومن دون ذلك لن يجلب الانقلاب على الوضع الاستبدادي إلا وضعاً استبدادياً آخر شبيهاً به أو قريباً في صورته منه. فالديكتاتورية ليست انعكاساً لإرادة شخصية من قبل القائمين عليها، حتى لو ظهرت وكأنها كذلك، ولكنها قائمة على شروط موضوعية وذاتية، ومرتبطة ببيئة فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية أيضاً. فشبكات المصالح الأنانية، وما تتميز به من بنيات خاصة، هي التي تخلق المستبد الحاكم بأمره، وليس العكس. لذلك لا يتحقق الخروج من الديكتاتورية إلا بتغيير يشمل جميع الأفراد ومستويات الحياة الاجتماعية، فهو مسؤولية الجميع، وفي مقدمتهم النخب الاجتماعية. والطريق إليه هو تربية الناس وكل فرد على مبادىء المسؤولية، أي إدراك ترابط مصالح الفرد الخاصة بمصالح الأفراد الآخرين، والاستعداد للمشاركة في حمل المسؤولية. بل إن الديمقراطية ليست شيئا آخر سوى مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية تقرير مستقبلهم المشترك. إذا وصلنا إلى هذا الموقف ونمينا هذا الاستعداد عند الأفراد أصبحنا واقعاً، أو من حيث الواقع، مجتمعات ديمقراطية. ولا بد للنخب السياسية أن تأخذ ذلك بالحسبان وتستجيب له. فقاعدة الاستبداد الكبرى ومورده هو الاستقالة السياسية، أي التخلي عن المسؤولية وتجريد الفرد نفسه عن التفكير والعمل في الشؤون العمومية.

mercredi, juillet 02, 2008

مصير الحلم الجمهوري

الاتحاد 2 تموز 08

دعيت في الرابع عشر من يونيو (08) للمشاركة في ندوة عنوانها جمهوريون من دون جمهورية، دعا إليها مركز الدراسات الاوروبية ومركز الدراساات الدولية في سانت إدوارد هول، في جامعة أكسفورد. شارك في الندوة باحثون وأساتذة جامعيون من بريطانيا وخارجها. وقد لخص كنتين سكينر، وهو من كبار المختصين بالفكر السياسي والمدافعين عن فكرة الجمهورية في العالم، معنى الجمهورية بأمرين: الفرد الحر والدولة الحرة. يعني الفرد الحر أن يكون المرء مستقلا بنفسه، لا يخضع لأي إكراهات أو ضغوط في خياراته. وبالتالي أن يشارك في كل ما يتعلق بشؤون المجتمع حسب قناعاته واجتهاداته. وأن تكون الدولة حرة يعني أن تكون ذات سيادة لا تسمح لأي طرف خارجي أن يتدخل في تكوين إرادة المجتمع الذي تضمه أو في بناء إرادة عامة من خلال اختيارات الأفراد الأحرار أنفسهم. فسيادة الفرد وسيادة المجتمع وجهان لأمر واحد هو السياسة بوصفها مشاركة شعبية شاملة، وإطارا يعبر عن إبداع الناس أنفسهم، أفرادا وجماعة، لحياتهم المدنية وتنظيمهم شؤون وجودهم كما يرونها. فمن دون دولة سيدة تبقى إرادة المجتمع العامة مرتهنة لضغوط خارجية، ومن دون حرية واستقلال فرديين لا تكون هناك مشاركة حقيقية للأفراد في تكوين نظامهم السياسي والاجتماعي، وبالتالي لا حرية ولا حياة قانونية. فالجمهورية والسياسة المدنية صنوان لا انفصال بينهما.
وبهذا المعنى تشكل الجمهورية الام الحاضنة للديمقراطية. وما كان من الممكن القضاء على إرث الملكية وأساطيرها المثيرة وتحطيم الشرعية التاريخية التي بنتها لنفسها مع مرور الزمن من دون الحماس الذي أثارته فكرة الجمهورية، قبل الثورة الفرنسية وبشكل خاص بعدها، أي فكرة أن يكون الأفراد أحرارا ومتحررين من أي ضغط، وأن يكون لهم وحدهم حق اختيار ما يجدونه مناسبا لحياتهم المشتركة، أي أن يبنوا نظاما اجتماعيا ومجتمعا قائما على العقل ومستمدا قوته من التفاهم والتضامن والتواصل والاعتراف المتبادل وبالتساوي بين جميع أعضائه.
وبالمقارنة، كانت الملكية تبدو نظاما مشابها لقوانين الطبيعة، يولد الفرد فيه رعية من رعايا السلطان، وتابعا لإرادته، وخاضعا لإكراهات أعوانه، يؤمن بأن الملك هو صاحب الولاية والسيادة بعد الله، وأحيانا يوحد بين إرادتيهما، ولا يحلم بشيء سوى نيل رضى الله والملك والوالدين، أي أصحاب السلطة الموروثة والمكرسة. وليس هناك من يقيد إرادة الملك أو يمنعه من العمل مع ملك آخر أو تحت إمرته إذا ضعفت أحواله، متجاوزا بذلك أي مفهوم لسيادة الدولة والمجتمع الذي يخضع لقوانينها. الملك هو الدولة والسيادة في الوقت ذاته، ولا توجد سياسة ولا سيادة خارج سلطته وصلاحياته. ولهذا ليس من المبالغة أن يربط المؤرخون بين الجمهورية والثورة السياسية، أي بين قتل الملك وتحرير الشعب أفرادا وجماعة في الوقت نفسه. ليس في تقرير ذلك أي مشكلة.
لكن، وكما ذكرت في مداخلتي، ينبغي التمييز بين ما هو من باب الوعي والمثال والحلم، وبين الواقع التاريخي العملي. فليس هناك فكرة يمكن أن تفصل عن شروط إنتاجها. وقد تقود أحيانا في شروط أخرى إلى عكس ما كانت ترمي إليه. وفحص حقيقة الجمهورية اليوم، أي بعد أكثر من قرنين على ولادتها، يشير إلى أمرين متناقضين. الأول هو قوة الفكرة وانتشارها بحيث لم يعد هناك إمكانية للتفكير في السياسة، وبالتالي في قيام المجتمعات واستقرارها، من دون مراعاتها أو استلهامها والتوافق معها. والثاني هو تراكم الدلائل على اهتلاكها وتفريغها من مضمونها، بل واستغلالها لإقامة نظم تهدف بالضبط إلى عكس ما كان يقصد منها. فمن أصل 194 بلدا، تغطي النظم الجمهورية 135 منها، بينما لا يزيد عدد النظم الملكية اليوم عن 22 نظاما، وتضم التسعة الباقية نظما اتحادية متنوعة. لكن بالمقابل لا نبالغ إذا قلنا أنه لا يوجد هناك ما يجمع اليوم بين النظم الجمهورية التي أطلقت على نفسها اسم النظم الاشتراكية، كما في دول الكتلة السوفييتية السابقة، أو نظم الديمقراطيات الشعبية التي سادت في أوروبة الشرقية وبعض بلدان آسيا بما فيها الصين وبعض الدول العربية والأفريقية، والتي أصبحت تصنف جميعا، بعد انهيار جدار برلين عام 1989، باسم النظم الشمولية، والنظم الليبرالية على اختلاف أنواعها. وحتى داخل هذه الأخيرة ليس هناك ما يجمع نظم أوروبة الغربية وما شابهها من الديمقراطيات الحديثة ونظم ليبرالية اقتصاديا لكنها بعيدة كليا عن الأخذ بمعايير الحرية والمشاركة الشعبية.
وبشكل عام، أعتقد أن تطبيق فكرة الجمهورية في مجتمعات لم تتوفر فيها شروط الحرية الفردية، أي لا تزال ثقافة الإمعية القرسطوية والاتكالية والتسليم للقوى الخارجية، الإلهية (القدر) أو الدولية (الدول الكبرى الراعية والوصية)، أو المحلية (الزعماء الملهمين من كل الأنواع)، ولا تملك عمليا شروط السيادة الجماعية، أي لا تملك دولها صفة السيادة الفعلية، ولا تستطيع بمواردها أن تضمنها، لعبت الجمهورية دورا معاكسا تماما لما قامت به في مجتمعات ولادتها الأصلية. فقد قادت إلى أمرين متضامنين: تسريع وتيرة مراكمة السلطة والقوة وتعظيمها لدى النخب أو الفئات الحاكمة، وتعميق تلاحم هذه النخب والفئات وتفاهمها واتحادها مع القوى الدولية السائدة. وكانت النتيجة تقليص حرية الأفراد، أكثر مما كان في المجتمعات الملكية بكثير، وانتزاع ما بقي منها من حريات مدنية ودينية قديمة، واحلال مفهوم الدولة التابعة والعاملة في نطاق استراتيجية الدول الكبرى محل مفهوم سيادة الدولة أو الدولة السيدة الحرة. وكان من الطبيعي أن تتحول الجمهورية في العديد من البلدان التي طبقتها، بل في معظمها، إلى ملكية مقنعة، يحتل فيها الزعيم الخالد محل الملك، سواء نجح في توريث أولاده السلطة أم لم ينجح، ويتحكم فيها أصحاب الملكية والمال والسلطة، أي النخبة السائدة، بمصير البلاد وسيادتها ويتفاوضون عليها مع الدول الكبرى ذات المصالح والاستراتيجيات الكونية من أجل تعزيز موقعهم، أو انتزاع الاعتراف لهم بما يشبه حق الملكية الإقطاعية في بلدانهم وقبولهم بسياساتهم تجاه شعوبهم، مهما كانت المعايير التي يطبقونها في حكمها مخالفة لمباديء الحق والعدالة والمساواة والقانون التي يتمسكون بها أو يدعون التمسك بها واعتمادها معيارا لسياساتهم الخارجية. وهذا هو الذي يفسر أن النخب المحلية لا تتردد في رفض تطييق معايير الديمقراطية وحقوق الانسان، وتعتبر أنها ليست معنية بها وان التذكير بها يشكل هو نفسه تدخلا في شؤونها الداخلية، وانتقاصا من سيادتها الوطنية. فالسيادة هنا لا تنطبق على المجتمع والشعب وإنما على النخب الحاكمة وحدها، والانتقاص منها لا يتم ولا يدرك إلا عندما يتعلق الأمر بقضايا الحرية وتطبيق ا لقانون والعدالة والمساواة الداخلية. أما عندما يتعلق الأمر بتوقيع تفاهمات وأحيانا معاهدات حماية أو وصاية وصفقات مع الدول الكبرى، أو عندما تحتل أراضي هذه الدولة أو تلك وتضطر إلى التخلي عنها، فليس هناك انتقاص من السيادة ولا تهديد لأمن الدولة ولا لاستقرارها.

ليست الفكرة الجمهورية هي المسؤولة عن ذك بالتأكيد. فكل أفكار التحرر والانعتاق الكبرى تتحول إلى طوبى وتصبح أداة استلاب للأفراد والإرادات عندما لا تجد في التاريخ شروط تحقيقها العملي. هذا هو مصير الطوباويات الدينية، أو معظمها، والطوباويات الشيوعية التي كانت أيضا أفكار تحرير وانعتاق إنساني كبرى. وقد اصطدم حلم الجمهورية في البلاد القديمة التي لم تنخرط في مسيرة الثورة السياسية بثلاث عقبات رئيسية جعلت من السهل على أصحاب القرار من الجمهوريين المتحمسين أن يصادروا حرية الشعب وقراره باسم تمثيلهم له والعمل من أجل ضمان تحرره وسيادته، أي أن يحولوا أنفسهم إلى أوصياء عليه. وهو الموقع نفسه الذي كان يحتله الملوك والنخب الارستقراطية التي تساندهم ويستندون إليها في حكمهم. فالحرية الفردية أو الشعور بالاستقلال الذاتي وبالتالي الحق والواجب في المشاركة السياسية لا يمكن أن يتحققا من دون ثقافة حرية، وثقافة الحرية جزء لا يتجزأ من معركة التحرر داخل الفرد من السيطرة الخارجية، أي من الاستلاب لإرادة أخرى والعمل تحت أمرتها وبوحي منها ولخدمة أهدافها. ودولة الحرية أو السيادة العامة لا يمكن أن توجد من دون وجود مجتمع خر، أي مجتمع الأحرار، فهم وحدهم الذين يعلمون أن حريتهم الفردية لا قيمة لها ولا يمكن ممارستها إذا كانت إرادة الدولة التي يخضعون لها ويستخدمونها للتعبير عن إرادتهم الخاصة، دولة مستلبة لغيرها أو مقيدة الإرادة أو منتقصة الحرية.
وبالمثل، لا يمكن للدولة الحرة أن توجد من دون نظام دولي يضمن الاستقلال والندية بين الدول. والحال ليس هناك في حقل العلاقات الدولية إلى اليوم قاعدة أخرى لضبط التعامل بين البلدان والدول سوى ميزان القوة الاستراتيجية والاقتصادية. ولا يطبق ما طور حتى الآن من بذرة قانون دولي إلا عندما تتفق إرادات الدول الكبرى على أمر أو يتقاطع تطبيقه مع مصالح إقليمية جماعية.
الجمهورية من دون شروط تحققها المجتمعية والثقافية والجيوسياسية تتحول إلى آلة جبارة للمركزة والتوحيد القسري للأفراد، وحرمانهم من التمثيل الذاتي وإعادة بناء وعيهم وأفكارهم. فهي تعطي لنفسها الحق في تنظيم الأفراد لتكوين أمة متضامنة تتجاوز انشقاقات المجتمع التقليدي وعصبياته وعزلة جماعاته الطائفية والعشائرية. وتعتقد أن دفاعها عن مصالحهم في وجه الطبقات المالكة القديمة ومخاطر عودتها إلى السلطة، هو مصدر شرعية تاريخية وثورية لا تنازع من أجل تمثيلهم او ادعاء تمثيلهم، من دون ولاية رسمية ولا انتخابات دورية. بل ربما نظرت إلى هذه الانتخابات كمصدر لخطر كبير وفرصة يمكن أن تستغلها الارستقراطية للعودة من جديد إلى السلطة. لذلك اتسمت الحركات الجمهورية في العديد من البلاد النامية بالطابع الثوري وتبنت فكرة الثورة الانقلابية. وعوضت بالشعبوية عن تجاوز مسألة الشرعية الدستورية. وتعني الجمهورية أخيرا بناء وعي الأفراد وتلقينهم مباديء الحرية والسيادة والندية. لكنها في الممارسة تحول التربية نفسها إلى عقيدة تسليمية تنفي الروح النقدية وتنزع إلى الدعاية وتحويل الصفة الشعبية إلى فلكلور، يلغي الشعب نفسه كحقيقة سياسية تعددية واختبارية. يصبح الشعب عقيدة وفكرة ومثال وحلم أكثر منه نظاما من العلاقات الاجتماعية الحية والمعقدة الزاخرة بالتنافس والصراع والمنازعات الفكرية والمادية.

mercredi, juin 18, 2008

السكون الذي يسبق العاصفة

الاتحاد 18 يونيو 2008

قلت في مقال سابق إن المعارضات العربية قد أخفقت أو دخلت في طريق مسدود، في السنوات الماضية، لأنها بدل أن تعمل بجد على بناء التحالف الاجتماعي والسياسي الذي يحتاج إليه أي تغيير، والذي لا يمكن من دونه قيام أي نظام جديد، ضيعت وقتها في مناكفة النظام والاحتجاج عليه. فليس هناك شك في أن تغيير النظام هو الهدف الأسمى والنهائي لأي معارضة، لكن الوصول إلى هذا الهدف يمر بتحقيق أهداف مرحلية كثيرة في مقدمها بناء قوة التغيير نفسها، ليس من حيث هي تأليف للقوى ومراكمة للقوة والنفوذ فحسب، وإنما من حيث هي فكرة ومفهوم ورؤية وأسلوب في الحكم والإدارة والتسيير معا، أي مثال، ومشروع مجتمعي، وبرنامج عمل، ومهام للتنفيذ تتمحور جميعا حول صياغة مبدعة لمفهوم المصلحة العمومية التي يستمد أي نظام من تعزيزها وتنميتها وإمكانية إنجازها مشروعيته التاريخية.
بيد أن هذا الإخفاق لا ينبغي أن يقدم أي عزاء للنخب الحاكمة التي حنثت في وعودها ولم تحقق ولو جزءا بسيطا من الإصلاحات التي وعدت بها، وربما كان لبعضها نية بتحقيق شيء منها. فقد نظرت هذه النخب إلى برنامج الإصلاح كبديل عن المعارضة السياسة أو كوسيلة لقطع الطريق عليها، وتخليد حرمانها من المشاركة السياسية. وربما اعتقد معظم هذه النخب أنه من غير الممكن الشروع في إصلاح ما لم تقبل الطبقات الوسطى والمعارضات الوليدة التي تعبر عنها بإعلان إلتحاقها بالنظام والتعاون معه في مواجهة حركات التمرد والاحتجاج والاعتراض الشعبية التي تمثلها حركات متطرفة يزداد نفوذها بموازاة تفاقم عجز النظام عن الاستجابة لحاجات السكان ومطالبهم. وهي في معظمها اليوم حركات إسلامية أو تعطي لعملها صفة التساوق مع متطلبات الدين وتحقيق الشريعة السماوية. وقد تراجعت جميع هذه النظم عن الإصلاح بسرعة عندما اكتشفت أن الإصلاحات السياسية لن تخفف من حجم المخاطر التي يتعرض لها النظام، كما كانت تعتقد، وإنما ستضيف إليها مخاطر جديدة، ناجمة عن احتمال تحول الطبقات الوسطى نفسها إلى قوة معارضة سياسية منظمة، بفضل ما يمكن للاصلاحات القانونية والسياسية أن تقدمه لها من فرص جديدة لتعزيز قدرتها على استقطاب مجموعات الرأي وفئات المصالح التي لا تزال مترددة في دخول الحراك الديمقراطي، سواء بسبب خوفها من تزايد نفوذ القوى الإسلامية المتطرفة، أو شكها في وجود فرص فعلية للعمل السياسي.
وهكذا بعد سنوات التفاؤل والأمل بالإصلاحات والمصالحات الوطنية وتجديد السياسة وفتح النظم المغلقة منذ عقود، عادت المجتمعات العربية إلى نقطة الصفر، ودخلت من جديد في مأزق أشد من السابق، أي في حالة موات عميق. فلا النظام قادر على التحرك إلى الأمام، ولو خطوة واحدة، لإنجاز الاصلاحات التي لا بد منها لكسب تعاون حزء من القوى الاجتماعية الحية، التي أصبح استقطابها ضرورة لتجديد دم النظام القائم نفسه وإنقاذه من التعفن والفساد الشامل. ولا حركات الاحتجاج القوية والعديدة قادرة على تغيير النظام، أو تغيير سلوكه، ودفعه إلى تبديل خياراته السياسية. والنتيجة تزايد في الطلب على الاحتجاج والتطرف من جهة، وانكفاء أكبر على أساليب التقييد والاعتقال والقمع، بل تطبيق منهجي متزايد لمبدأ الحرب الوقائية ضد حركات المعارضة والاحتجاج من قبل معظم النظم السياسية. ومن الطبيعي أن يتبع ذلك تفاقم الاحتقان السياسي والاجتماعي، وتسارع الاستقطاب داخل النظم نفسها وفي المجتمع وبينهما معا، واتساع دائرة الاحباط، وارتفاع درجة التوتر والاستعداد للانفجار والانفلات والعنف لدى كل الأوساط وعلى جميع المستويات، مما لم تشهد مثله المجتمعات العربية من قبل.
والحال، كما بينت ذلك الوقائع التاريخية القريبة، لم تسقط النظم الشمولية بسبب وجود معارضة سياسية منظمة ورؤية وبرنامج واضحين ومتميزين، نالا تأييد الرأي العام أو أغلبيته وحظيا برضاه. وإنما انهارت من داخلها بسبب ما قاد إليه غياب النقد والمساءلة والمحاسبة من ترهل في النظام جعله يقف وجها لوجه امام مجتمع فقد أي أمل فيه أو ثقة بأصحابة وقياداته. فوجود المعارضة لا يعني التغيير بالضرورة، ولا حتمية قلب النظام، وإنما الحفاظ على حد أدنى من التوازن الاجتماعي. فغياب المعارضة هو الطريق المفتوحة نحو نشوء نخبة متحللة من أي التزام وطني كان أم أخلاقي، محمية من أي ضغط شعبي ومرفوعة عن أي منافسة أو مراقبة أو محاسبة، أي الوسيلة المثلى لخلق شروط تعميم الفساد وتحويل النخب السائدة إلى كائنات مفترسة لا رؤية سياسية لها ولا مشروع سوى التهام موارد الدولة والسيطرة عليها بجميع الوسائل.
وبالمثل، لم تفسد النظم الشمولية بسبب سوء عقائدياتها أو أهدافها أو غاياتها الاجتماعية المتركزة حول التقدم والعدل والمساواة، وإنما بسبب افتقارها لأي عنصر معارضة، أي لنخبة بديل تجبر النخبة الحاكمة على الالتزام بالحد الادنى من قواعد العمل العام والمسؤول، وتستبطن معنى الحكم لصالح الشعب والمسؤولية أمامه. وبفقدانها معنى المسؤولية واستفرادها بتحديد معايير القيادة ومهامها من دون منافسة ولا نقد ولا محاسبة أو مساءلة، لم يكن هناك ما يحول دون استباحة النخب الحاكمة مصالح الناس وحقوقهم وتحولها إلى العدو الرئيسي للمجتمع، تستجلب نقمته أكثر مما يستجلبها العدو الوطني نفسه.
وفي جميع الحالات، لم يكن البديل لحركات المعارضة الفعلية، استسلام الشعوب والمجتمعات كما كانت تتوقع أجهزة القمع الضاربة وأدوات الدعاية والتشهير والإذلال، وإنما إنتاج موسع، تحت الأرض وداخل شعور كل فرد، بما في ذلك الأفراد المنتمين إلى الأمر الواقع نفسه، لروح الرفض والثورة والانشقاق والعصيان.
لقد سقطت النظم الشمولية بالضبط بسبب افتقارها للنقد الداخلي وغياب مفهوم الإصلاح، وبالتالي تعفنها الداخلي وفسادها المضطرد، واستسهالها استخدام العنف على الاحتكام لمنطق السياسة، وإمعانها في الكذب على الرأي العام وتجاهله، ورهانها على استبطان الدونية والخوف واحتقار الذات، وتنميتها بالتالي، وهي تعتقد العكس، منظومة عصيان واحتجاج اخترقت الدولة والمجتمع معا، وبدلت ثقافته وقيمه وعقيدته.
فلا يمكن لسياسات الإقصاء والعزل والحرمان من المشاركة، في ظروف تفاقم الأزمة العامة، وتراجع قدرة الدولة على تلبية الحاجات الاجتماعية الأساسية، وتحدي تسونامي ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات، إلى شيء آخر غير إلحاق المزيد من الجماعات الشعبية وغير الشعبية بقوى الاحتجاج، وإعادة إنتاجها كقوى انشقاق وعصيان تنتظر الفرصة كي تنقض على النظام وتعيد إنتاجه حسب مصالحها الخاصة. وليس هناك أدنى شك في أننا دخلنا اليوم، في هذه المنطقة من العالم، في حقبة جديدة من عدم الاستقرار. ولن يفيد سعي النخب الحاكمة إلى تحصين نفسها وإغلاق الأبواب بشكل أكبر أمام مجتمعاتها إلا في تفاقم الأزمة بمقدار ما سيزيد من تدهور الأوضاع، ويدفع بالنخب والطبقات الاجتماعية التي فقدت الأمل بأي مخرج سياسي لازماتها الوجودية، بالاستسلام لنداء التمرد والعصيان.

mercredi, juin 04, 2008

الاتحاد المتوسطي، ورقة نعوة الوحدة العربية؟

الاتحاد 4 يونيو 08
في سعيه إلى إبراز تفرده في تجديد السياسات الفرنسية الداخلية والخارجية، أعلن الرئيس نيكولا سركوزي أثناء حملته الانتخابية عن عزم فرنسا إنشاء اتحاد متوسطي يضم بلدان الضفتين المتجاورتين، ويسمح لتركيا أن تجد إطارها الإقليمي الطبيعي بدل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن أجل الحفاظ على هذا المشروع، الذي أصبح منذ ذلك الوقت محور رئيسي في سياسة باريس، قبلت فرنسا تنازلات جوهرية لإرضاء حلفائها في الاتحاد الاوربي، منها تغيير اسم الاتحاد من اتحاد البلدان المتوسطية إلى الاتحاد من أجل المتوسط، حتى يمكن ضم جميع البلدان الأوروبية، ومنها أيضا القبول بوضع المشروع في سياق الاتفاقات الأورومتوسطية التي شكلت منذ 1995 الإطار السياسي والقانوني الرئيسي للتعاون بين الضفتين، فأصبح بطلق على المشروع الجديد : عملية برشلونة-الاتحاد من أجل المتوسط.
وفي إطار السعي إلى بلورة موقف عربي مشترك من هذه الفكرة، اجتمع ممثلو تسع دول عربية محيطة بالمتوسط في القاهرة في 25 من هذا الشهر (مايو أيار)، وأقروا تكليف مصر، بصفتها منسقة مواقف البلدان العربية في المشروع الفرنسي المقترح، بإعداد الورقة العربية التحضيرية للاجتماع العربي الأوروبي المقرر عقده يومي 9 و10 حزيران المقبل في سلوفينيا للإعلان الرسمي عن ولادة الاتحاد الذي رشح حسني مبارك ليكون رئيسه الجنوبي.
يقول الأوروبيون أن الاتحاد الجديد يهدف إلى رأب الصدع المتفاقم بين ضفتي المتوسط، سواء أكان ذلك على الصعيد الاقتصادي أو الثقافي. وإن الاتحاد سوف يعمل من خلال تركيزه على مشاريع ملموسة تمس ميادين التعاون الاقتصادي والبيئة والهجرة والأمن والحوار الثقافي، إلى تجاوز الأسباب التي أدت إلى فشل عملية برشلونة والعمل يمنهج أفضل يساعد على تقريب الأمم بعضها من بعض. ويعني هذا المنهج التعاون في ما يمكن أن يحصل من حوله اتفاق وترك شؤون النزاع السياسي العربي الاسرائيلي والقضايا الشائكة الأخرى من ديمقراطية وحقوق إنسان وغيرها إلى مرحلة لاحقة. وهذا مايوصي به أيضا وزير الخارجية الفرنسية الأسبق رولان دوما في مقال له نشر في صحيفة لومند الفرنسية (24 مايو). لكن من وراء هذه الأهداف المعلنة والمتعلقة بتجسير الفجوة بين الضفتين، تسعى الدبلوماسية الفرنسية إلى تحقيق غاية رئيسية هي استعادة باريس مكانتها في منطقة تكاد تخرج من تحت نفوذها، خاصة في المغرب العربي الذي يعنيها مباشرة بسبب موقعه الاستراتيجي الحساس بالنسبة لها، وحجم الاستثمارات الاقتصادية والثقافية واللغوية فيه، وتنامي وزن القوى الاسلامية المتطرفة، وما يمكن أن يقود إليه من زعزعة الاستقرار في أكثر من دولة شمال أفريقية، بما في ذلك مصر، وتأثير كل ذلك على أمن فرنسا واستقرارها، وهي التي تضم أكبر جالية أوروبية من أصول عربية وإسلامية لم تنجح بعد في استيعابها أو صهرها.
ولاستعادة هذا النفوذ وتأكيد الحضور الاقتصادي والسياسي والثقافي، وتعزيزه في إطار التنافس مع النفوذ الامريكي المتنامي في المنطقة بأكملها، تعتقد الدبلوماسية الفرنسية أن من الضروري خلق روابط لا تقتصر على لغة الاستثمارات والأرباح، وإنما تستخدم أيضا لغة العواطف والذاكرة والتاريخ والمستقبل. من هنا الحديث عن هوية متوسطية تجمع الأطراف، وتسعى إلى التعويض عن ضعف هذه الاستثمارات المادية والاستراتيجية أو عدم تلبيتها الحاجات المطلوبة، تماما كما سعت واشنطن إلى ربط مشروع الشرق الاوسط الكبير المتهاوي بمشاريع الدمقرطة العربية . وتأمل فرنسا أن تدفع أيضا، من خلال التركيز على هذه الروابط الثقافية والحضارية التاريخية، إلى تجاوز عقبة النزاع العربي الاسرائيلي أو تهميشها. وهذا ما ينسجم مع سياسة تل أبيب وواشنطن التي تريد أن تجمع العرب والاسرائيليين في مواجهة القوة الايرانية الصاعدة.
لم تكن بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى، وفي مقدمها ألمانيا، مستعدة للقبول بهذا النزوع الفرنسي لاحتكار المتوسطية والاستفادة منها على حسابها، فعملت بسرعة على تعديل فكرة الاتحاد الجديد بما يضمن مشاركتها جميعا فيه. أما الدول العربية التسع المرشحة لعضوية الاتحاد فليس لديها من القوة والوزن ما يجعلها تفرض مثل هذا التعديل على السياسة الأوروبية تجاهها. وهي سائرة بحماس، بالرغم من امتعاض البعض وشكوك البعض الآخر، نحو الانضمام إلى الاتحاد المتوسطي المقترح. فبإخفاقها هي نفسها في بناء اتحاد يجمع بين شعوبها، خسرت الدول العربية معاركها جميعا: معركة الإقلاع الاقتصادي ومعركة الأمن القومي ومعركة بناء الحياة السياسية الشرعية الضامنة للاستقرار والسلام الأهلي. ولم يعد أمامها خيار آخر سوى الالتحاق بالتكتلات الدولية الأخرى لتامين ما تحتاج إليه من شروط الاستقرار الأدنى والبقاء. وفي سبيل حفظ ماء وجه المتخوفين من التطبيع المجاني مع إسرائيل أعلن المسؤولون الفرنسيون أن الاتحاد سيتبع سياسة براغماتية. وكما سيكون هناك مشاريع يشارك فيها العرب مع إسرائيل، سيكون هناك مشاريع تعاون ترضي معارضي التطبيع لا تشارك فيها إسرائيل.
يأمل العرب من خلال الاتحاد مع أوروبا في الحصول على الدعم الاقتصادي لمواجهة العجز المزمن في ميزانياتهم واستثماراتهم، بل في وقف تدهور شروط الحياة الإنسانية الدنيا في بلدانهم، وفي تأمين الدعم السياسي للمواجهات الشاملة التي يعدون لها مع شعوبهم، وفي ضمان شراء صمت الدول الغربية وقبولها التغطية على الفساد وسوء الإدارة وهدر الموارد البشرية والمادية الذي يميز سياساتهم. ولا يهمهم كثيرا، بعد أن فقدوا رهان التعاون العربي والإقليمي، أن يكون الاتحاد المتوسطي ورقة نعي الجامعة العربية وأداة تقسيمهم بين من هو عضو في المتوسطية ومن هو خارجها، وبين العضو القابل للعمل مع إسرائيل وذاك الرافض له داخل الاتحاد العتيد ذاته. وفي تنافسهم في التنازل لنيل الحظوة الأوروبية لم يعد يعنيهم حتى حفظ ماء الوجه والتمسك بمشاركة جميع أعضاء الجامعة العربية، أسوة بمشاركة أعضاء الاتحاد الأوروبي جميعا في اتحاد أصبح اسمه رسميا الاتحاد من أجل المتوسط، وليس اتحاد دول المتوسط. فلماذا لا يمكن أن تكون اليمن أو العراق أو المملكة العربية السعودية أو السودان عضوا في الاتحاد من أجل المتوسط بينما تستطيع ذلك فيلندا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها.
ليس هناك عتب على الفرنسيين أو الأوروبيين. فهم يسعون وراء مصالحهم ويفكرون في المشاريع التي تستطيع أن تساعدهم على تحقيقها وتعظيمها. العتب على العرب الذين قبلوا بأن يكون اجتماعهم عبر المظلة الأجنبية ومن خلالها، وبالعمل على أجندة التنافس بين التكتلات الدولية التي تتنازع وتتقاسم السيطرة عليهم، وتبدد أملهم بالتحول إلى فاعل دولي. ويكفي أن نذكر أنه في الوقت الذي كان ممثلو الدول العربية السعيدة يتداولون في شان الدعوة الفرنسية للانخراط في اتحاد يلحقهم بأوروبة ويقطع عليهم طريق اتحادهم واندماجهم الحقيقي وفرص تنميتهم الفعلية، كان زعماء 12 دولة في أمريكا الجنوبية بقيت لقرنين في قبضة واشنطن القوية (الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وشيلي وكولومبيا والإكوادور وجويانا وباراجواي وبيرو وسورينام وأوروجواي وفنزويلا)، يوقعون في 24 من مايو الجاري اتفاقية في البرازيل لإنشاء اتحاد إقليمي أطلق عليه اسم اتحاد أمم أمريكا الجنوبية (أوناسور) يهدف، كما صرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا داسيلفا، إلى تعزيز استقلال أمريكا الجنوبية وتحويلها إلى فاعل دولي، على غرار الاتحاد الاوروبي.
بئسا لهذا الاتحاد الالتحاق، وبئسا للعرب الذين قبلوا أن يحولوا بلدانهم، بعد قرون من الجعجعة القومية والتمسك المرضي بالسيادة والهوية، إلى حزام أمن للامبرطورية الاوروبية. فهل نحتاج بعد إلى دليل آقوى على تهافت السياسة العربية.

mercredi, mai 21, 2008

أزمة لبنان: خطايا الآخرين وأخطاؤنا

الاتحاد 21 مايو 08

أخطأ حزب الله في اندفاعه نحو بيروت مرتين، الأولى لأنه استخدم أسلحته لأغراض سياسية بعد أن قضى عقودا يؤكد أنها مكرسة قطعا لمقاومة إسرائيل، وفقد بالتالي جزءا كبيرا من رصيده السياسي وصدقية استراتيجيته التي اضطر فيها إلى الاعتراف بصورة غير مباشرة أنه لا يمكن الفصل داخل القوة بين استخداماتها الخارجية والداخلية. والثانية لأنه أوحى للجميع بأن حزب الله يملك كل الشروط كي يتحول، إذا وجدت الظروف الملائمة، إلى حزب شمولي لا شيء يمكن أن يقاوم فيه إغراء القوة والتفوق الساحق على كل الخصوم. وقد فعل حسنا بنزوله عند إرادة وفد الجامعة العربية وتلبيته مطالب أغلبية الرأي العام اللبناني في فك الاعتصام وإلغاء العصيان وسحب القوى المسلحة من شوارع بيروت وفتحها للناس.
لكن خطأ حزب الله لا ينبغي أن يغطي على المسؤوليات العديدة التي تكمن وراء الأزمة التي عاشها لبنان في السنوات القليلة الماضية. فكما أنه من المستحيل فهم ولادة حزب الله نفسه من دون التذكير بسياسات إسرائيل الإقليمية واللبنانية والتي جعلت من الجنوب هدفا دائما للغارات والهجمات وعمليات التهجير العمدي للجنوبيين، من المستحيل أيضا فهم الوضع الذي قاد إلى المواجهة بين المقاومة التي يمثلها الحزب والأغلبية الحاكمة في بيروت من دون العودة إلى القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن، بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد حرب ايلول 2006 والذي استهدف حصار حزب الله ونزع سلاحه وجعلت من الشريط الحدودي التي كانت تحتله إسرائيل منطقة عازلة أيضا. فلم تكلف هذه القرارات حكومة لبنان تنفيذ مهام هي غير قادرة عليها فحسب ولكنها حولت اهتمام حزب الله ضرورة، وبالتالي سلاحه أيضا، نحو الداخل الذي أصبح بالنسبة إليه مصدر الخطر الحقيقي على وجوده. بهذا القرار وضعت واشنطن، من وراء مجلس الأمن، بذور الفتنة التي ستنمو باستمرار بين المقاومة والدولة، وفرضت على اللبنانيين الاصطفاف والانقسام بين مؤيد للمقاومة، على حساب استقرار لبنان، ومؤيد للدولة، على حساب المقاومة وما تمثله من اهداف ومصالح تعني ملايين الناس أيضا، داخل لبنان وخارجه.
وبعكس ما تشيعه خطابات الدعاية المتبادلة، ما قضى على حالة التعايش بين المقاومة والدولة، وهو الذي سيدفع المقاومة لتكون معارضة والدولة لتكون حكومة الأغلبية الحاكمة وحلفائها، ليس اعتماد حزب الله على المعونات الايرانية أو انحيازه لسياستها أو ارتماء تيار المستقبل وجنبلاط على الأمريكيين وتعلقهم بدعمهم. فقد بقي الأمر على هذا المنوال عقودا طويلة سابقة. إن الانخراط المتزايد لحزب الله في الاستراتيجية الايرانية والسورية قد جاء نتيجة الضغوط المتنامية التي بدأ يتعرض لها في لبنان نفسه، وكذلك الضغوط التي بدأت تتعرض لها دمشق وطهران أيضا في سياق السياسة الأمريكية الجديدة المعروفه نفسها، تماما كما أن الاعتماد المتزايد لحكومة الأغلبية التي يقودها تيار المستقبل على الدعم الأمريكي والغربي عموما، جاء نتيجة الضغوط التي أصبحت تتعرض لها من حزب الله المهموم بفك الحصار الاستراتيجي عنه، وكذلك الضغوط التي مارستها واشنطن ولا تزال على العواصم العربية القريبة منها، في القاهرة والرياض والأردن، للوقوف في وجه المحور الايراني السوري نفسه. وهكذا تحولت حكومة لبنان فجأة في نظر حزب الله إلى حكومة لاشرعية، بل عميلة، وتحول حزب الله في نظر حكومة الأغلبية إلى أداة لتنفيذ الأغراض الايرانية والسورية.
لا يقلل هذا من مسؤولية ايران ولا سورية بالتأكيد. لكن عصيانهما لا يختلف في جوهره عن العصيان الذي أعلنه حزب الله في لبنان، أعني عن قلب ظهر المجن الأمريكي لهما بعد أن كانا يسعيان بكل الطرق إلى التفاهم أو على الأقل التعايش مع السياسة الأمريكية التقليدية، وبالنسبة لسورية المراهنة على التعاون معها من أجل التوصل إلى تسوية مع اسرائيل تضمن عودة الجولان، أو على الأقل عدم نسيانه في الأجندات الدولية. فمثلما تطور عصيان طهران ودمشق في مواجهة السياسة الأمريكية الجديدة التي جعلت أيضا من حصارهما أحد أغراضها الرئيسية، تطور بالمثل عصيان حزب الله وابتعاده عن حلفائه وتخليه عن تحالفاته التقليدية التي سمحت له أصلا بالوجود والبقاء والنمو، أعني مع رفيق الحريري وتياره ومع جنبلاط أيضا والحركة التقدمية.
قصدي أن السياسة الأمريكية الجديدة الرامية إلى إعادة تركيب المشرق على هوى المصالح الاستراتيجية الأمريكية والاسرائيلية، بقدر ما كانت سياسة خاطئة أخلاقيا وغير متسقة سياسيا، وإلى حد كبير جنونية ومغامرة، كما أظهرت ذلك الحرب على العراق وفيه، دفعت جميع الأطراف المحلية إلى الخطأ، وفرضت عليهم ممارسة سياسات لا تقل جنونا ومغامرة منها، لأنها نابعة مثل السياسة الأمريكية من الخوف والقلق والشك ومندفعة مثلها إلى إقصاء الأطراف الخصم واستبعادها من الخريطة السياسية. هذا هو السياق الحقيقي لاغتيال رفيق الحريري الذي كان هو نفسه مصدرا لأزمة إضافية إقليمية ارتبطت بتكوين المحكمة الدولية وأصبح لها أنصار ومناهضين في لبنان وفي البلاد العربية والعالم، وتحولت إلى قضية قائمة بذاتها. وهو السياق الذي يفسر أيضا ولادة مشروع التقنية النووية الايرانية وطموح طهران إلى امتلاك قوة نووية تقلل بها ما تشعر به من حصار أمريكي، وبالتالي إقليمي، لا يزال مستمرا منذ الثورة الخمينية عام 1979.
لكن إذا كانت السياسة الأمريكية الشرق أوسطية التي اتبعتها حكومة المحافظين الجدد تفسر إلى حد كبير تفجر الأزمات التي شهدها المشرق في السنوات القليلة الماضية، ومنها أزمة لبنان، وأيضا أزمة فلسطين التي فجرت النزاع بين فتح وحماس، وأزمة سورية التي قضت على حلم الانفتاح والتعددية، وقبل ذلك أزمة العراق التي تتمثل في تفجر الحرب الأهلية الطائفية، فهي لا تبرر بأي حال أخطاء الأطراف العربية، الرسمية منها والأهلية. لا تبرر انسياق دول الجامعة العربية وراء أوهام السياسة الأمريكية وإخفاقها في التقدم نحو بناء إطار للتفاهم الجماعي الإقليمي مع ايران وتركيا، مما كان سيعزز استقلال المنطقة نسبيا تجاه الضغوط الأمريكية ويحول دون تحويل ايران إلى لاعب مستقل على حساب العالم العربي. ولا تبرر المغامرة بضرب المحور العربي الثلاثي المصري السعودي السوري الذي سمح داخل الجماعة بالحفاظ على الحد الأدنى من التنسيق والتناغم في سياسات المشرق العربي لعقود ثلاث متتالية. ولا تبرر أيضا تحرر دمشق من التزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه شعب لبنان وشعب سورية معا، واستخدامهما كأدوات في معركة الدفاع عن النظام والذود عنه. ولا تبرر أخيرا اتخاذ حزب سياسي الدولة اللبنانية رهينة، ونزوله إلى الشارع واحتلاله بالقوة بيروت. ليس لأنه ليس لدى المجموعة العربية ولا سورية ولا ايران ولا حزب الله حقا او دافعا مشروعا لعمل ما قاموا به، وهو الدفاع عن النفس امام موجة هجوم امريكية عاتية. إنما لأنهم تصرفوا جميعا من منطق رد الفعل، وردوا على الخطأ بخطء أكبر، ووقعوا بالتالي في فخ السياسة التي أرادوا مقاومتها، أي تفكيك التحالف العربي، وزرع الفتنة داخل مجتمعاته وشعوبه، وتفجير النزاعات العربية العربية، وتوسيع دائرة الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي يحتاج إليه التدخل الاجنبي لتبرير وجوده الدائم في المنطقة، بينما كان المطلوب ولا يزال بلورة سياسة ايجابية عقلانية تحفظ الانسجام داخل الصف العربي، وتحتوي النزاعات العربية العربية، وتنزع فتيل الحروب الأهلية، أي تحبط عمل الخصم وتجبره على تغيير سياساته. وفي هذه السياسة يشكل ضبط النفس قيمة أساسية لا يبدو أن كثيرا من الاطراف المتنازعة على علاقة بها.
مهما كانت شرعية قضايانا، ليس مبررا أن نخطيء في الدفاع عنها، وعلينا تقع مسؤولية خطئنا بالدرجة الأولى. ولا ينبغي أن نركن إلى صفة الضحية أو نحولها إلى قناع لعجزنا وسوء تقديراتنا وحساباتنا. ينبغي أن نرفض فكرة أن نكون ضحية، وأن نؤمن أننا قادرون على التصرف من مستوى المسؤولية، كدول واحزاب سياسية وقوى مدنية، وأهل للعمل العقلاني المخطط والمنظم الطويل المدى، لا كأوراق خريفية تعبث بها الرياح بل النسمات الضعيفة. والأمل أن يشكل نجاح المبادرة العربية في لبنان الفاتحة في استدراك الأخطاء والتقاط أول الخيط على طريق بناء سياسة عربية جديدة قائمة على المبادرة والعمل المنظم بدل المراهنة على التهديد بالخراب المتبادل.

dimanche, mai 18, 2008

مبادرة قطرية خلاقة في لبنان

الجزيرة نت 18 مايو 08
أصبح من المعتاد القول اليوم أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة اللبنانية، وأن الحل الوحيد يكمن في توافق الاطراف واتفاقها. ولا يمكن للبنان أن يعيش في ظل سيطرة طرف واحد أو فئة عليه. لكن ما لا ينبغي أن نتجاهله أيضا وفي السياق ذاته أنه لا حل توافقي في لبنان من دون توافق الدول والاطراف العربية والدولية التي تتنازع السيطرة على لبنان، وتأمل في أن يكون أحد مواقع عملها الاستراتيجية. فغياب هذا التوافق هو اليوم مانع أكبر لحصول التوافق اللبناني من التضارب الذي يبدو في الرؤى والمصالح بين الأطراف التي يقود بعضها حزب الله وبعضها الآخر تيار المستقبل.
لا يعني ذلك أنه لا توجد خلافات حقيقية بين اللبنانيين، سواء في قضية توزيع السلطة أو في التحالفات الخارجية، إنما لم يكن من الصعب تعايش الأطراف اللبنانية مع هذه الخلافات، على الأقل لفترة طويلة بانتظار أن تنقشع الرؤية الإقليمية والدولية. وهذا هو الوضع الذي ساد في الحقبة السابقة حتى اغتيال رفيق الحريري أو قبله بقليل، فقد بقي الطرفان حليفين قويين بالرغم من خلافاتهما العميقة، بفضل غياب التنافس على لبنان بين الأطراف الإقليمية والدولية، أي عندما كان ،تحت الإشراف السوري طالما كانت دمشق تشكل طرفا في الإجماع العربي الذي تجسد في اتفاق الطائف، وتعمل من خلاله. بدأ الامر يتغير مع تغير موقع دمشق في هذا الإجماع العربي وخروجها من التفاهم الثلاثي السعودي المصري السوري الذي أشرف على ترتيب أوضاع المشرق العربي خلال العقود الثلاث السابقة. فبقدر ما تخلت دمشق تحالفاتها العربية السابقة وانضمت إلى طهران التي لا تزال تعيش على منطق الثورة المعادية للولايات المتحدة وتخضع لحصار غربي مستمر منذ عقود، فقدت مظلة الإجماع العربي ووضعت دورها في لبنان على المحك، وبالمناسبة أعادت فتح معركة السيطرة الإقليمية والدولية على لبنان.
جاء تفكك المحور العربي المشرقي نتيجة مباشرة لضغط الإدارة الأمريكية الجديدة على الدول العربية في سياق تطبيق المحافظين الجدد مذهبهم الاستراتيجي القاضي بإعادة هيكلة الشرق الاوسط وإخضاعه مباشرة لاجندة السيطرة العالمية الأمريكية. وسرع احتلال العراق عام 2003 في توسيع الهوة بين مواقف العواصم المشرقية ودفعها إلى تبني استراتيجيات متباينة، واحيانا متناقضة، في مواجهة هذه الضغوط والتهديدات الرامية إلى تطويع الانظمة العربية وإدخالها في استراتيجة واشنطن، سواء أجاء ذلك باسم الديمقراطية وإصلاح النظم العربية أو باسم الحرب العالمية ضد الإرهاب. فبينما اختارت القاهرة والرياض استراتيجية الانحناء للعاصفة والتكيف مع السياسة الأمريكية، نزعت دمشق التي كان القضاء على نظامها هدفا معلنا للأمريكيين بعد سقوط صدام، إلى تبني موقف المجاهرة برفض السياسة الامريكية الجديدة ومقاومتها. وتفاقم الخلاف بين دمشق والقاهرة والرياض بموازاة ارتفاع وتيرة الضغط الأمريكي على سورية، وإجبارها على الخروج من لبنان، سواء أجاء على شكل قرارات تؤكد على ضرورة انسحاب الجيوش الأجنبية صوت عليها مجلس الامن، او على شكل تعبئة سياسية داخل لبنان وخارجه ضد النظام البعثي في دمشق أو على شكل عقوبات دولية. وأمام ما بدا لدمشق خيانة لها من قبل العواصم العربية الحليفة، وتخل عنها، لم يجد النظام البعثي بديلا للتضامن العربي الذي عاش عليه خلال عقود طويلة سابقة، سوى في الارتماء على طهران التي كانت ولا تزال تغذي عقيدة العداء الأقوى لواشنطن في المنطقة. ومع اغتيال الحريري واضطرار دمشق لسحب قواتها من لبنان، ونصب مقصلة المحكمة الدولية بتأييد من العرب، تكرست القطيعة نهائيا بين دمشق وحلفائها السابقين في القاهرة والرياض. وبدخول ايران في معركة الحصول على التقنية النووية، سوف يتحول الخلاف العربي العربي إلى حرب إقليمية.
على هامش هذه القطيعة والحرب العربية العربية التي ولدتها الضغوط الامريكية منذ بداية القرن الجديد، ستولد القطيعة في لبنان بين الاطراف المتعايشة: حزب الله والخط الذي يمثله والأكثرية النيابية التي يمثلها الحريري. وبموازاة ذلك سيعاد تكوين الاحلاف الإقليمية والدولية كما لم تكن من قبل، أي التحالف المصري السعودي الأردني الأمريكي، والتحالف الايراني السوري وحزب الله وحماس ومن ورائهما على درجة أو أخرى روسيا والصين.
لا يستطيع حزب الله أن يستمر في التعايش مع والأغلبية الحاكمة في بيروت بينما يخوض نظامي دمشق وطهران معركة حياة أو موت مع الولايات المتحدة. وبالمثل لا تستطيع الأغلبية اللبنانية أن توقف الضغط الذي تتعرض له من طهران ودمشق وحزب الله، وأن تؤكد سيطرتها على الوضع وتؤمن الدعم الدولي ا لذي تحتاجه بالوقوف ضد الولايات المتحدة أو بالمغامرة بتأليب الرياض والقاهرة عليها. وليس لهذه المعادلة أسباب أخرى سوى أن لبنان، كما صنعته الحروب الداخلية وسياسات النخب المحلية معا، ظل بلدا يفتقر لأي مقومات اقتصادية فعلية أو عمق استراتيجي، ويحتاج من أجل بقائه إلى مساعدات الدول العربية والغربية معا. وكما أن التخلي عن طهران وبالتالي دمشق يعني المساس بمشاعر مئات آلاف البشر ومصالحهم، يعني التخلي عن الرياض وواشنطن وباريس حرمان لبنان من الدعم المالي الاستثنائي الذي سمح له بالبقاء منذ نهاية الحرب الأهلية، وأمن له الموارد الضرورية للتنمية والإعمار وإعادة بناء الدولة. وهذا ما وفرته له مؤتمرات باريس الدولية.
ترجع المسؤولية في ما وصل إليه لبنان بالدرجة الاولى إلى النخبة اللبنانية التي استمرأت العيش على حساب الدول الاجنبية، الإسلامية منها والعلمانية، المعادية للولايات المتحدة والمؤيدة لها. وترجع المسؤولية بالدرجة الثانية إلى واشنطن وسياستها الغوغائية التي دمرت آخر ما تبقى من توازنات نسبية في منطقة الشرق الأوسط وقضت على فرص التعايش بين الأطراف اللبنانية المتنازعة، برعايتها التصويت في مجلس الأمن على قرارات غير واقعية ولا مدروسة، تهدف إلى محاصرة حزب الله ونزع سلاحه لصالح إسرائيل وتطمينها على أمن حدودها الشمالية. وترجع المسؤولية ثالثا إلى دمشق التي دفعها الخوف والقلق والشك إلى اتخاذ قرارات متعجلة أودت بالتحالف العربي التقليدي لصالح سياسة المحاور المتنازعة، بدل السعي بروية من أجل تقوية عزيمة الأطراف العربية وتشجيعها على مواجهة الضغوط الأمريكية. وترجع المسؤولية أخيرا للرياض والقاهرة لعجزهما، وهما العاصمتان الأكبر، عن تأمين إطار سياسي وجيوسياسي فعال يضم جميع الدول العربية ويؤمنها ضد التدخلات الأجنبية.
لكن مهما كان الحال، إذا كان الهدف الحفاظ على السلام الأهلي في لبنان وتجنب الحرب الأهلية، ليس هناك ولن يكون حل آخر سوى القبول بمنطق التعايش بين الاطراف، وتحييد لبنان أو الاتفاق على تجنب تحويله إلى ساحة مواجهة بين الاطراف الإقليمية والدولية. وهذا يعني ببساطة أنه مثل ما أن لبنان لا يستمر مع استئثار أي طرف من أطرافه، طائفيا كان أم سياسيا، بالسلطة والنفوذ فيه، فإنه لن يستمر ولن يستطيع أن يضمن شروط التعايش بين الطوائف والتيارات السياسية والفكرية إذا قرر أحد الاطراف الإقليمية أو الدولية المتنازعة في الشرق الاوسط الاستئثار بالسيطرة على لبنان والقضاء على نفوذ الأطراف الاخرى. لن يستقر لبنان إذا كان قرار الأمريكيين والاسرائيليين القضاء على النفوذ السوري والايراني فيه، وبصورة أكبر إذا اعتبر هؤلاء أن حزب الله هو امتداد لهذا النفوذ فحسب، وبرروا بالتالي حصاره وتجريده من سلاحه. وبالمثل لن يستقر أيضا إذا قررت طهران ودمشق وحزب الله ان لبنان ينبغي أن يكون قلعة المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وقرروا هم أيضا إزالة أي نفوذ سعودي أو مصري أو أمريكي فيه. فكما أن طهران ودمشق لن تسمحا بأن يكون لبنان تحت نفوذ معاد لهم، لن تسمح أيضا واشنطن ولا تل أبيب ولا الرياض ولا القاهرة أن يتحول لبنان إلى قاعدة للنشاط الايراني والسوري المعادي لهم.
هذا يعني أنه إذا كان التعايش يصبح أكثر احتمالا بانحسار الولاءات الخارجية، فهو أصعب بكثير إذا استمرت الدول الخارجية التي لا يعنيها مستقبل لبنان في اعتباره ساحة نزاع استراتيجية. وهو ما يشير إلى صعوبة التفكير بمخرج عن طريق التفاهم الخارجي أو إقامة ما يشبه الوصاية المشتركة على لبنان. إن الرهان الرئيسي في تعزيز استقلال لبنان ينبغي أن يكون على بروز رأي عام لبناني قوي مؤمن بلبنان ورافض للحرب الأهلية، وبالتالي لأي التحاق بهذه القوة الخارجية أو تلك، أو تقديم الخدمات الاستراتيجية والسياسية لها، أو استخدام السلاح لأهداف سياسية، أو خارج إطار التوافق على الجبهات الخارجية. مما يعني أن سلاح حزب الله، إذا تم الاتفاق على صيانته، ينبغي أن يكون ذلك لأهداف دفاعية فحسب.
مع ذلك لا ينبغي أن نقطع الامل تماما في احتمال توصل الاطراف الدولية إلى توافق على تحييد لبنان إذا قدرت أن أحدا منها لن يستطيع الانتصار فيه وعزل الاطراف الاخرى. وربما هنا، أي في عدم اليأس من وجود هذا الاحتمال، تكمن عبقرية المبادرة القطرية العربية التي قلبت الموقف اللبناني خلال ساعات من السلبية إلى الايجاب. وفي هذه الحالة سيكون تحييد لبنان في الصراعات الإقليمية أساس لاستقرار طويل المدى. ولا يعني تحييد لبنان القطيعة معه أو حتى قطع المعونات عنه وإنما الكف عن استخدامه كورقة في اللعبة الاستراتيجية الإقليمية أو ساحة مواجهة بين الاطراف الأجنبية. والتحييد بهذا المعنى يختلف عن مفهوم الحياد كما كان مطروحا في الحرب الاهلية الماضية، أي عن اعتباره دولة لاهوية ولا موقع لها في الصراع الحضاري والاستراتيجي الإقليمي. وهو ما لايمكن أن يتحقق من دون ضغط من قبل الرأي العام اللبناني على طبقته السياسية نفسها وتأكيده رفض العمل في خدمة الاستراتيجيات الخارجية.
أساس التوافق الداخلي أن تدرك القوى السياسية المتنازعة، على اختلافها، أنه لا يكفي أن يكون المرء ضد الولايات المتحدة وإسرائيل حتى يبرر استئثاره بالسلطة أو تمديده لدائرة قوته ونفوذه بما يهدد فكرة التعايش والمساواة بين الجماعات والطوائف المختلفة. كما لا يكفي الحديث عن تعزيز الدولة والدفاع عن المؤسسات من أجل تبرير محاصرة حزب الله او تجريده من سلاحه. بالعكس أن احترام موقع الآخرين وحقوقهم هو شرط قيام التعايش بين الاطراف. وهو مما يستدعي ضبط النفس وعدم الكيل بمكيالين. فالذي يعيش على المساعدات والمنح الايرانية لا يملك حق حرمان الآخرين من العيش على المساعدات والمنح السعودية، والعكس بالعكس. لبنان بلد مدان بالتبعية بسبب بنيته الاقتصادية ذاتها. والذي يستمد قوته من الدعم الاستراتيجي الخارجي لا يستطيع أن ينكر على الآخرين حقهم في استمداد الدعم من الخارج أيضا. هذا يفسر الواقع المأساوي الذي يعيشه لبنان لكنه لا يبرر الحرب الأهلية ولا يشجع أو ينبغي ان يشجع عليها. بل بالعكس ينبغي أن يحث الجميع على التفكير في التوافق الذي يسمح بإعادة بناء لبنان وتطوير قاعدته الاقتصادية والسياسية، وتحريره من التبعية البنيوية التي ليست هي نفسها سوى النتيجة الحتمية للحروب والنزاعات الاهلية المتكررة والمستمرة.
قد يقول البعض كيف يمكن الحديث عن تحييد لبنان، في سياق الهمجيات المنفلتة في المنطقة، وأن لبنان لا يمكن أن يتخلى عن مشروع المقاومة، بل أن من الجريمة تحييده في المعركة القومية. هذا هو مع الأسف الثمن الوحيد لتجنب الحرب الاهلية.
وقد يعتقد البعض، تحت إغراء القوة، أن المواجهة الاخيرة أثبتت أن من الممكن للمقاومة أن تفرض سيطرتها على لبنان من دون أن يقود ذلك إلى حرب أهلية كما يهدد خصومها. فهي تتمتع بتفوق عسكري ساحق إلى درجة لا يجد خصوم حزب الله بدا من الخضوع والتسليم. والواقع عكس ذلك تماما. إن الإمعان في تحدي التوافقية، التي أصبحت شبه عقيدة لبنانية رسمية جديدة حلت من دون أن يشعر أحد بذلك محل الميثاق الوطني، سوف يقود بالعكس إلى إشعال الطائفية ودفع تلك الجماعات التي أخفقت في مواجهة التحدي العسكري الراهن إلى مضاعفة جهودها لتكديس الأسلحة والتدرب على استخدامها لمواجهة تحدي حزب الله. ولن تجد هذه الجماعات صعوبة في ذلك. بل إن النتيجة الطبيعية لمثل هذا الحساب الخاطيء ستكون لا محالة تدخلا عسكريا أمريكيا وغربيا لا يستهدف لبنان وحده وإنما الأطراف الإقليمية التي تريد أن تستأثر به في الوقت نفسه، وفي مقدمها سورية.
وإذا اشتعلت الحرب لن يستفيد منها لا أصحاب حماية المقاومة ولا أصحاب صون الاستقلال. كل ما سيحصل هو أن اللبنانيين يكونوا قد اختاروا بأنفسهم أن تخاض المعركة الاسرائيلية الايرانية والامريكية الايرانية السورية، على أرض لبنان وعلى حسابه.

mercredi, mai 07, 2008

في معنى المعارضة السياسية ووظيفتها

الاتحاد 7 مايو 2008

كثيرا ما يؤخذ على المعارضات السياسية عجزها عن إحداث التغيير الذي ينتظره الرأي العام. وفي حالات كثيرة تستخدم النظم التسلطية هذا العجز لإقناع الجمهور بأنه لا قيمة للمعارضة ولا جدوى منها. .والحال أن المعارضة لا تستطيع أن تكون وسيلة تغيير إلا في إطار نظم ديمقراطية، تعترف بشرعية المعارضة وتحترم حقوقها، وفي مقدمها حقها في التداول على السلطة عند حصولها على أكثرية نيابية. خارج هذا الإطار لا يمكن لحركة التغيير أن تستند إلى المعارضة السياسية، خاصة وأن هذه المعارضة تكون سرية أو شبه سرية وبالتالي مقيدة إلى حد كبير.
يرتبط تغيير النظم بالتقاء عاملين : نمودج النظام وسياساته ووضعه العام من جهة وتحول الاوضاع الدولية وموقعه فيها من الجهة الثانية. وهذا ما يفسر أن التغييرات في النظم تتخذ شكل موجات تعكس تحولات عميقة في الأوضاع والتوازنات الدولية وتجرف عددا كبيرا من الانظمة التي تجاوزتها الأحداث والمعايير الدولية في أكثر من موقع ومكان. ومن الأمثلة على دلك تلك الموجة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وعكست في الوقت نفسه تراجع قوة الدول الاستعمارية الاوروبية بعد الحرب العالمية الثانية من جهة وفقدان النظم المجتمعية التي أقامتها في المستعمرات لأي صدقية.
وفي سياق الحرب الباردة التي ساهمت في توسيع هامش مناورة الدول الصغيرة والضعيفة، شهدت الستينات من القرن الماضي موجة ثانية من التغييرات التي استلهمت النظام السوفييتي الذي بدا في ذلك الوقت النموذج الأمثل لاستدراك التأخر والصعود إلى مصاف الدول الكبرى. وقد كان لانهيار هذا النموذج وتفكك الاتحاد السوفييتي أثر كبير على نشوء موجة ثالثة من التغيير، حلت بموجبها النظم شبه الليبرالية في العديد من بلدان العالم النامي والبلدان الشيوعية محل النظم الاحادية، الاشتراكية أو القومية، التي صعد نجمها في التغير السابق.
لكن القول بأن المعارضة ليست أداة التغيير الرئيسية في النظم السياسية وبشكل خاص استبدادية لا يعني أنها عديمة القيمة أو لا دور لها في التغيير. فهي تستمد أهميتها من انها الوسيلة الوحيدة للتغيير داخل النظم وحفظها من الفساد والانحطاط، وبالتالي ضمان أن لا يتحول الحكم السياسي، مهما كان نوعه إلى حكم العصبية والولاءات الشحصية المدمرة لروح القانون والعدالة والمخربة للأوطان والأعمال. وهذا ما يفسر وجودها وتعددها وتنوع مشاربها في معظم الدول والمجتمعات. فهي لا تستمد شرعيتها من مقدرتها على التغيير وقلب نظم الحكم، وإنما من قيامها بوظائف أخرى ضرورية حتى من دون تغيير النظام، بل بسبب امتناع هذا التغيير أو صعوبة تحقيقه. وفي مقدم هذه الوظائف واهمها مراقبة الحكومة ومتابعة سياستها، وبالتالي بث حد أدنى من التوازن في السلطة، وبشكل أكبر، عندما يتعلق الأمر بنظم يتحول فيها البرلمان صورة تعكس إرادة السلطة التنفيدية وأداة طيعة في يدها. وتشكل مراقبة الحكومة وتحليل سياستها ونقدها، مدرسة أساسية لتأهيل النخب الاجتماعية والسياسية، المشاركة في الحكم والموجودة خارجه، وتدريبها على تمثل مفهوم المصالح الوطنية والتعامل مع تعدد المصالح الاجتماعية والتمرس على إدارة الشؤون العمومية.
ومن هده الوظائف عقلنة حركات الاحتجاج وترجمتها إلى مطالب سياسية يمكن النقاش فيها والتفاهم من حولها. وإلغاء المعارضة أو تغييبها يخلق فراغا كبيرا لا يمكن لأي حزب حاكم مهما كان نوعه ملأه لأنه يمثل الحكومة، ولا يستطيع مهما فعل أن يعبر عن مطالب وطموحات القوى والفئات الاجتماعية الأخرى التي لا تشارك فيها أو التي تتناقض مصالحها مع سياساتها الخاصة. والافتقار إلى المعارضات السياسية الشرعية والقانونية يهدد بتحويل أي حركة احتجاج أو اعتراض أو نزاع، مهما كان حجمها ومحدودية مطالبها وضيق مجال انتشارها، إلى ما يشبه الثورة أو التمرد على النظام، بقدر ما يحرم المجتمع من آلية التوسط التي تمثلها المعارضة بين المصالح الخاصة والعامة. ويشير هذا إلى الدور البنيوي التي تمثله المعارضة في أي نظام، أعني تحويل حركات الاحتجاج إلى مطالب سياسية وتجنيبها الانخراط في منطق الانشقاق والتمرد والمواجهة.
فوجود المعارضة هو التعبير الأبسط عن وجود السياسة ذاتها. فكما أنه لا مكان للسياسة ولا وجود من دون معارضة، ليس للمعارضة أيضا وجود ولا مكان في مناخ المواجهة والمجابهة والانفجار. فهي صمام الأمان الوحيد ضد احتمال تحول النزاعات الداخلية على المصالح إلى انفجارات أو صراعات وحروب أهلية. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن هذا هو الوضع القائم للأسف في العديد من البلاد العربية إن لم يكن في معظمها. فبسبب إلغاء السياسة واستبعاد المعارضة أو التنكيل المستمر بها وعدم الاعتراف بقيمتها ودورها وحرمانها من الشرعية، تكاد جميع حركات الاحتجاج الاجتماعية تتحول إلى حركات انشقاق إتنية أو طائفية أو عقائدية وتعامل كأنها حركات تقويض للنظام القائم وتمرد عليه. وهو ما يفسر أيضا مناخ المواجهة التي تعيشه هذه المجتمعات. بل إن المعارضة السياسية نفسها لا تجد، بغياب السياسة، مبررا لوجودها خارج المشاركة في حركة التمرد والانشقاق وتقمص روحها وجدول أعمالها. وهكذا تفقد المعارضة أيضا دورها التوسطي والمعقلن للنزاعات الأهلية، لتتحول إلى فريق احتجاج من نوع آخر، يضاف إلى جماعات الاحتجاج الأهلية الاخرى.
بتحويل المعارضة إلى حركة انشقاق معزولة عن المجتمع مرتبطة بأجندتها الخاصة، لا أجندة التحول الاجتماعي العام، تضمن السلطة تفريغ النظام الكامل من السياسة وإقفاله تماما أمام أي احتمال إعادة إحيائها. وفي سبيل ذلك لا تكف السلطة عن استفزاز المعارضة والتحرش المستمر بها لدفعها إلى الدخول في منطق رد الفعل والتحدي والمجابهة، ومنعها من العمل بالسياسة وحسب منطق السياسة، أي كوسيط بين المصالح الخاصة المتعددة والمتنازعة والمصلحة العامة، وبالتالي كمحول سياسي ومركز استقطاب اجتماعي. وبمقدار ما تنجح في تقويض ديناميكية المعارضة السياسية، تستطيع السلطة أن تفرض على أعضائها صورة المنشقين وتعاملهم معاملة المجرمين، تماما كما عاملت السلطات عمال المحلة الكبرى جنوب القاهرة في أبريل 2008، وكما تعامل سلطات عديدة المشاركين في الاحتجاجات الإتنية أو الطائفية.
وهذا ما حصل بالفعل. فبقبولها الدخول في منطق الانشقاق، سقطت المعارضة في فخ النظام ذاته، ودخلت هي نفسها في هوس القيامة أو الانقلاب الوشيك للأوضاع. فتحولت إلى قوى اعتراض واحتجاج على نظام السيطرة القائم أكثر مما هي معارضات منظمة تعمل حسب أصول وقواعد مرعية ومشروعة كسلطة بديلة محتملة. وأصبح مفهوم التغيير شعارها الرئيسي، وهو في ذهنها رديف تغيير النظام أو قلبه، ويطرح عادة كنقيض للإصلاح أو للتغييرات التي يمكن الحصول عليها بالتفاهم والحوار. والواقع أن العجز عن التمييز بين مفهوم المعارضة السياسية ومهامها من جهة، ومفهوم التغيير الجدري للنظام ومهامه من جهة ثانية يشكل، بالإضافة إلى القهر الفكري والسياسي الذي تمثله السلطة التسلطية بل شبه الإقطاعية السائدة اليوم في البلاد العربية، السبب الرئيسي لفشل المعارضة، بمقدار ما وضعها أمام تحد ليس مطروحا عليها وليست قادرة على رده.
القول أن المعارضة ليست أداة تغيير النظم ولا شرطه الرئيسي لا يعني أننا لسنا أمام مهمة تغيير ولكن بالعكس أن لكل نوع من التغيير، أقصد تغيير النظام والتغيير ضمن النظام، شروطه وأدواته. ولا يمكن للمعارضة السياسية أن تحل محل الثورة أو الانقلاب كما لا يمكن لأي إنقلاب أن يتحول إلى تغيير فعلي للنظام من دون إعداد طويل وعميق للنخب والرأي العام وتغيير مسبق في سلم القيم والأولويات، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون السياسة وخارج السياسة، بصرف النظر عن طبيعة النظم ووسائل القمع وحجم القوى الانقلابية أو طبيعتها. وكما يقول الشاعر العربي: ووضع القنا في موضع السيف بالوغى مضر كوضع السيف في موضع القنا.

mercredi, avril 23, 2008

العالم العربي في مهب الريح

الاتحاد 23 أفريل 08

مثل العالم العربي اليوم كسفينة ضلت طريقها، تضربها العواصف وتتقاذفها الأمواج، في محيط بلا قرار. وفي كل لحظة تهدأ فيها العاصفة قليلا يسرع الأقوى من ركابها إلى إلقاء مراكب النجاة الصغيرة في البحر للهرب بأنفسهم، بينما لا تجد الغالبية من الركاب خيارا سوى الاستسلام للمصير المحتوم، والانشغال عن العاصفة بالتضرع إلى الله وطلب رحمته وغفرانه. أما داخل غرفة القيادة فالصراع على أشده بين فريق من الركاب، الذي انتدب نفسه لإنقاذ السفينة، وقبطانها الذي يصر على أنه هو وحده صاحب الحق بقيادتها، ولن يحيد عن االطريق التي اختارها، مهما عظمت المخاطر والتحديات. والنتيجة المنتظرة كارثة محققة للجميع، لن ينجو منها من هرب ولا من سلم أمره ولا من انتدب نفسها لانقاذها ولا قبطانها الأحمق أيضا.
والقصد أن السبب في ما وصلنا إليه هو ببساطة غياب القيادة، لا بمعنى وجود الزعيم الملهم والقائد الفذ الذي يفرض نفسه بالقوة ويجبر الجميع على اتباعه والسير وراءه، ولكن بالعكس، بمعنى وجود الرؤية الصائبة التي تتحدد فيها الأهداف والوسائل وخطة العمل وتحظى بقبول الشعوب وتأييدها، والمعرفة الصحيحة بمنطق التطورات والأحداث الجارية، والحكمة الضرورية لمواجهة النزاعات وحل التناقضات التي تخترق كل المجتمعات وإشراك الجميع في المسؤولية. ولا قيادة من دون رؤية توضح الاتجاه. ولا رؤية من دون معرفة سليمة وموضوعية بالوقائع والامكانيات والاحتياجات. بالمقابل، دفع تقاطع سلبي للحوادث والتطورات في العقود الماضية، إلى منصب القيادة، في معظم البلاد العربية، فئات ليس لها أي رؤية لما هو مطلوب لتحرير المجتمعات وانعتاقها وتقدمها، لا تحظى بالكثير من المعرفة، ولا تملك الخبرة، ومن باب أولى الحكمة النظرية والعملية اللازمة للتعامل مع المجتمعات المتصدعة وتوحيد إرادتها وجهودها، تحركها العواطف والضغائن والأحقاد اكثر مما تحفزها الأفكار، تفتقر لموهبة التواصل مع شعوبها، كما تفتقر للمقدرة على إدارة الدولة، بل على فهم منطق عملها والعمل المؤسسي بشكل عام. لا تشعر بالراحة والسعادة إلا في جو الزعامة الشخصية والولاءات العائلية أو العشائرية أو الزبائنية. هكذا حلت الأمزجة الشخصية وإرضاء الطموحات الفردية محل السياسات المنبثقة من العمل المنهجي والمنظم على بلورة مصالح الجماعة الوطنية وتعظيمها. وانتصرت أساليب التعبئة العصبوية (زعيم وأتباع) على أسلوب العمل المؤسسي المستند إلى الخبرة الصحيحة والمستقل عن الأشخاص وطموحاتهم وأمزجتهم الذاتية. وفي سياق نشوء هذا "النظام" الجديد، لن تزول الحاجة للمعرفة العقلية، أي النقدية، فحسب، ولكن سينظر إليها أكثر من ذلك على أنها نزعة تخريبية، بل خيانة وطنية لأنها تقوض الأسس التي تقوم عليها القيادة الملهمة، التي هي بالتعريف قيادة إستثنائية، لا تدرك بالعقل ولا تخضع لمعاييره وحساباته، بمقدار ما تستدعي الايمان والتصديق. وفي السياق ذاته تنتفي الحاجة إلى إدارة مؤسسية، تستند إلى توزيع واضح للسلطات والصلاحيات، وترتبط بمبدا المسؤولية، وتتطلب الاحتكام إلى معايير ثابتة في المحاسبة والمساءلة السياسية والقانونية. فكل ذلك مما يهدد أسس الزعامة الإلهامية التي تميل إلى إنكار أي تراتبية فعلية تتوسط بين الزعيم الملهم وأتباعه، أو تفرض على الاتباع الخضوع لسلطات إضافية لا تنبثق منه مباشرة وفورا، أو حيازة مسؤوليات خاصة أو مستقلة، تقلل من صدقية السلطة الواحديه وتحد من وهجها وتنتقص من شمولها واستقلالها وإطلاقيتها. فهذه الأخيرة لا تعمل إلا إذا عمقت، لدى من تمارس عليهم، الشعور بأنها هي وحدها العقل والروح والحكمة الأبدية التي تحرك أناسا وأفراد لا يتخذون قيمتهم، ولا يحتلون مكانتهم، ولا يحققون دورهم، ولا يبلغون سعادتهم، إلا بمقدار ما يتخلون عن إرادتهم ويتحولون إلى أدوات، بل إلى مرايا جاهزة لالتقاط القبس الإلهي وعكسه على العالم. من دون ذلك ليس هناك نظام ولا وحدة ولا استقرار. ليس المقصود بالقيادة هنا القيادة السياسة التي تتألف من أصحاب المسؤولية العمومية والذين يحتلون مناصب الدولة الرئيسية فحسب، وإنما جميع القيادات الروحية والثقافية والإقتصادية والأهلية التي يتوقف عليها بث الاتساق والانتظام في الهيئة الاجتماعية، وتسيير شؤونها، وتغذيتها بالمعارف والأفكار النافعة، ومساعدتها على رسم الخطط والاستدلال على الطريق المؤدي للانجاز والتثمير والتنمية الانسانية. فلكل من هذه القيادات نصيبه في نشر الظلام، وتشويش الرؤية، وإضعاف مقدرة الأفراد على إدراك تحديات الحاضر والمستقبل، ومعرفة الأهداف الصحيحة وتجنب الاختيارات الخاطئة التي لا تقود إلى أي هدف. ولها جميعا مساهمتها الخاصة في تعميم مفهوم للزعامة والرئاسة والسلطة يتعارض تعارضا كليا مع تنمية روح الحرية والمسؤولية والمبادرة والمشاركة والتفكير المنظم والعمل الجماعي.بالتأكيد، يقف في المقدمة منظومات السلطة السياسة وقيمها القرسطوية أو شبه السلطانية التي تحرم على الشعوب أي شكل من أشكال المشاركة أو المشاورة الشعبية أو النقاش أو النقد او الإصلاح، ويتلبسها الحمق والجنون لمجرد شعورها بأن هناك من ينافسها على القيادة أو يطمع فيها، مهما ضؤلت مقدراته وضعف أمله في تحقيق مثل هذا الهدف. لكن لا ينبغي لهذا أن يمنعنا من إدراك فساد منظومات الزعامة الأهلية، الدينية والمدنية، القائمة على العنترية التي تعوض عن الاستسلام الحقيقي للقوة والخضوع لها والانقياد لأصحابها وتغطي عليه في الوقت نفسه. ولا فساد منظومة النخبة الاجتماعية التي تدفع أصحاب المال والثروة والمجد والجاه، إلى التصرف كأرستقراطية أجنبية، لا يهمها مصير المجتمعات التي تعيش فيها إلا من حيث هي مصدر للعوائد والمنافع والثروات، وهي على استعداد للفرار والتخلي عن أي مسؤولية لدى أول شعور بوجود مخاطر عليها أو نقص في عوائد السيطرة أو تحديات غير منتظرة للنظام. ولا فساد منظومات المعارضة التي لا ترى في المقاومة للنظم القائمة سوى مناطحة على طريقة فرسان القرون الوسطى، تمتح من بحر الشجاعة والفروسية والعنجهية والتناحة الشخصية، بل المراهنة على ما تمثله الشعوب وتختزنه معا من قوة معنوية ومادية، وما يمكن أن ينتج عن العمل المنهجي على تنظيمها وتأهيلها بالحكمة والرأي السديد من إمكانيات واحتمالات.
هذا المزيج غير المدرك وغير المفكر فيه من الجشع والغرور وضيق الأفق واحتقار الرأي وانعدام الحكمة ونفاذ الصبر وغياب الثقة والخوف من الآخر، الذي يميز منظومة القيادة والسلطة، على جميع مستوياتها وفي كل ميادين ممارستها في مجتمعاتنا، هو المسؤول الحقيقي عن الضياع وغياب الرؤية والتخبط في تحديد الأهداف الصحيحة، وعن سيطرة الجهل بأحوال الأمم والمصائر التاريخية والعجز عن مواجهة تحدياتها. وهو في الوقت نفسه التعبير الأقسى عن الفقر الإنساني الذي تعاني منه مجتمعات تستثمر في العنف والحرب الداخلية والخارجية، وتنفق على الآلات العسكرية والأجهزة القمعية، أكثر بكثير مما تنفق على تأهيل أبنائها، وتمكينهم، بالمعرفة والحكمة والمثال الصالح، من أن يتصالحوا مع العالم المحيط بهم، ويكونوا أعضاء فاعلين، ايجاببين، منتجين ومبدعين، في حضارة عصرهم. وبالفعل، من دون علم ولا حكمة ولا فضائل أخلاقية كيف يمكن أن يقوم، على غير القوة والقهر، حكم أو نظام. وقديما قال الشاعر: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لها ولا سراة إذا حهالهم سادوا.

samedi, avril 12, 2008

مشكلتا العرب: الديمقراطية والاتحاد

8-3-2008مقابلة مع مجلة شؤون استراتيجية، المغرب الأقصى
* كتبتم عن الديمقراطية، مند سنوات من خلال مقالاتكم وكتبكم، مثل كتابكم "بيان من اجل الديمقراطية" و"العالم العربي أمام تحديات القرن 21". هل ترى أن الأمور تسير في اتجاه تحقيق الديمقراطية في العالم العربي، بمعنى الفصل الحقيقي بين المؤسسات( التنفيدية والقضائية والتشريعية)، وتحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام الحريات الصحافية واحترام حرية التعبير، وتشجيع الشباب على المشاركة السياسية، وتشجيع المبدعين منهم في المجالات المختلفة الخ... ؟

غليون :
واضح أن الأوضاع سارت منذ ذلك الوقت نحو الأسوأ على جميع المستويات التي ذكرت. والسبب في ذلك التحالف القائم على حساب الشعوب، منذ ما يقارب نصف قرن، بين النخب المحلية الحاكمة والدول الصناعية المهتمة بتأمين مصادر الطاقة والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بصرف النظر عن أي مباديء أو قيم أخلاقية أو سياسية. ولا ينبغي أن تخدعنا المظاهر، ليس للنخب الحاكمة التي جعلت من البلاد مزارع شخصية وعائلية لها أمل في البقاء ومقاومة الشعوب المظلومة والمحرومة إلا بالالتصاق بالغرب والاستفادة من مظلته السياسية وحمايته الاستراتيجية. والعكس صحيح أيضا، ليس للدول الغربية الداخلة في منافسة اقتصادية شديدة في ظل بناء السوق الاقتصادية العالمية من أمل في الابقاء على مناطق نفوذها ومصالحها النفطية والاستراتيجية سوى بالتحالف مع قوى الاستبداد القائم ودعمها وحمايتها من السقوط. هذه هي الحقيقة حتى لو حصلت خلافات من فترة لأخرى بين الحلفاء لا تفسد حقيقة العهد المشترك. كل ما عدا ذلك خداع ونفاق.


* إذا لم تتحقق الديمقراطية العربية حتى الآن، متى ستولد في نظركم؟

غليون:
الديمقراطية لن تخرج من قلب المجتمعات كما يخرج الجنين من بطن أمه. إنها ثمرة مخاض وصراع طويل يبدأ بتكوين المجتمعات وتأهيلها وتربيتها على مباديء أخلاق الحق والقانون والمساواة والعدالة والحرية، وهو ما يقع على كاهل المفكرين والمثقفين والأدباء والفنانين. فمن دون فرد يملك الحد الأدنى من الشخصية، أي من الوعي والإرادة الحرة والقدرة على الالتزام والعمل الجمعي، لن تنشأ القوى الاجتماعية والسياسية الضرورية لإحداث التغيير. ومن دون قوى حية ومنظمة لن يكون من الممكن إعادة بناء ميزان القوى وتعديل الكفة لصالح سلطة تمثل الأغلبية المجتمعية. وسيكون من المستحيل الوصول إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي القائم، بل إلى تعديله. وهذه هي حالتنا اليوم. الديمقراطية لا تولد ولكنها تنتزع من المتسلطين كالحرية، وانتزاعها يعني أنها معركة طويلة بالكاد قد بدأت. ولكنها مع ذلك موجودة ومستمرة. إنها متجسدة في مقاومة النظم الاستبدادية والاحتجاج على السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تشارك فيه جماعات وقطاعات رأي متزايدة في العديد من بقاع العالم العربي. وهي موجود وقائمة في الأدبيات والإبداعات النقدية الفكرية والفنية، وفي المقاومات السلبية التي تتخذ شكل مقاطعة السلطة والتبرؤ منها. وستكون ثمرة تراكم هذه المقاومات ونضوجها وفي سياقها نضوج معنى الانسانية وقيمها في مجتمعاتنا التي أقفلت عليها عهود الظلام وحرمتها من الضوء والمعرفة والثقة بالذات.

* ادا كانت التجارب السياسية قد اثبتت أن الديمقراطية لا يمكن استيرادها جاهزة وتطبيقها في البلاد العربية، فكيف في نظركم يمكن الاستفادة من الديمقراطية الغربية مع احترام الخصوصية العربية؟

غليون:
لا يستطيع شعب حتى لو أراد أن يقلد شعبا آخر في نماذج حكمه السياسية، اللهم إلا إذا حصل التغيير من خلال انقلاب فوقي أو احتلال أجنبي. وفي هذه الحالة لن يكون النموذج المأخوذ مماثلا لنموذج الغرب أو صورة عنه، ولكن بالعكس تماما، غطاءا للانقلاب العسكري أو للاحتلال الأجنبي. فما هو ثمرة كفاح الناس لا يمكن إلا أن يتأثر بطبيعة الناس وثقافاتهم وشروط حياتهم وظروف انتصارهم التاريخية. وهذا يعني، لن تكون هناك ديمقراطية عربية أو في البلاد العربية إلا بقدر ما تنجح الشعوب العربية في تحرير نفسها من الاستبداد والظلم الذي يمثله، وستكون ديمقراطيتها في صيغتها ومضمونها وبرنامج عملها تجسيدا لهذا التحرير وانعكاسا له. إن الديمقراطية تخلق بالكفاح أي بالعمل والفعل، الفردي والجمعي. وبقدر ما يقود هذا الفعل الكفاحي إلى التغيير الذاتي ويستدعي نمو الفضائل السياسية عند الأفراد والجماعات، يفتح المجال أمام التغيير الموضوعي، أي أمام إعادة بناء النظام المجتمعي والدولة على أسس غير تلك التي قام عليه الاستبداد ولا يزال. الكفاح الشعبي من أجل الديمقراطية هو شرط قيام الديمقراطية ومدخلها الحقيقي بقدر ما يشكل مسار التربية الجديدة للشعوب على الجد والتضحية والتضامن والمسؤولية.

*من جهة أخرى لمادا في نظركم نجح الاتحاد الأوروبي في توحيد أوروبا، خصوصا في المجالات الاقتصادية والمالية (الاورو) والعسكرية وفي السياسة الخارجية، بل كاد أن ينجح في تكريس دستور أوروبي واحد، هدا الاتحاد الأوروبي الذي مافتئ يستقطب دولا من أوروبا الشرقية التي كانت في وقت سابق محسوبة على المعسكر الشرقي، في حين ان جامعة الدول العربية أخفقت في توحيد البلدان العربية خصوصا في المجالات الاقتصادية (السوق العربية المشتركة) والعسكرية (اتفاقية الدفاع العربي المشترك)، خصوصا ونحن نعيش في زمن التكتلات الدولية أكثر من أي يوم وقت مضى؟

غليون
هناك ثلاثة أسباب رئيسية تفسر إخفاق العرب في التوصل إلى اتفاق سياسي للتعاون والتحالف والوحدة الاقتصادية. الأول هو افتقار العرب لحكومات ونخب اجتماعية مهمومة فعلا بمصير الناس ومنشغلة بضمان حقوقهم ومستقبلهم. معظم النخب العربية الحاكمة، على الأقل في الدول المركزية أو الكبيرة ذات التأثير، هي جماعات مصالح خاصة، لا تفكر إلا في خدمة نفسها وزبائنها الذين تعتمد عليهم للبقاء ولتأمين قاعدة دعم، وأجهزة أمنية قوية. ولهذا لا تملك هذه النخب سياسات وطنية حتى تنتقل منها إلى رؤية المصلحة الوطنية في الوحدة أو لاتحاد مع الدول المجاورة أو القريبة. بل إنها تخشى أن تفرض عليها مثل هذه العملية التوحيدية التزامات وشروط لممارسة السلطة داخل بلدانها نفسها تحرمها من قدرتها على الاستمرار في الحكم أو في النهب السافر لموارد شعوبها.
والسبب الثاني خوف البلاد الغربية قبل الاستعمار وخلاله وبعده من أن تتكون، على بعد أقل من ألف كيلو ميتر في جنوبها، قوة اقتصادية وبالتالي عسكرية يمكن أن تهدد أمنها في يوم ما، أو تفرض عليها شروطا للتبادل والتعايش تلغي نهائيا نظام الاستعمار الجديد الذي أقامته في المنطقة وحولتها من خلاله إلى مناطق نفوذ، وأحيانا حقول صيد خاصة. وللسبب نفسه لا تخفي هذه الدول إرادتها في رفض أي انتقال للتقنية الحديثة أو أي تطور سياسي يمكن أن يخل بموازين القوى القائمة ويؤثر على نفوذها الراهن. ولا شك ان هذا الموقف الغربي الذي لا يزال مستمرا من دون تغيير منذ عقود متوالية، والذي تمخض عن حروب عديدة واعتداءات مستمرة أيضا، هنا وهناك، كان ضحيتها الرئيسية الشعب الفلسطيني، لكن ليس وحده، هو الذي يشجع النخب العربية الحاكمة على خيانة شعوبها، بقدر ما يحبط إرادتها المستقلة ويخصيها ويدفعها إلى التخلي عن نزوعاتها الوطنية. فهو يؤكد لها أن بقاءها مرهون بسيرها في ركاب الاستراتيجية الغربية وقبولها بها. هذا هو الدرس الأكبر الذي تعلمته هذه النخب من تجربة عبد الناصر في الستينات والتجربة الفلسطينية، إن لم نقل المأساة الفلسطينية المستمرة منذ نصف قرن.
أما السبب الثالث فهو طبيعة الجامعة العربية نفسها. فمن الواضح من ظروف تأسيسها ولوائحها التنظيمية أن هذه الجامعة لم تقام من أجل توحيد الدول العربية ولكن من أجل منع مثل هذه الوحدة، والتغطية على ذلك بأشكال فلكورية من التعاون والتشاور وتبويس اللحى. والبرهان على ذلك أنها، وهي أول منظمة إقليمية نشات بعد الحرب العالمية الثانية في العالم، لا تزال كما كانت، لم يطرأ عليها أي تغيير، ولم تنجح في تجديد أي من لوائحها أو نظمها الداخلية ولا في بناء أي إطار لأي شكل من أشكال التعاون العربي، الجدي والثابت، المستقبل عن رغبات الحكام ومزاجهم، اقتصاديا كان أم ثقافيا أو سياسيا أم قانونيا. الأمر الوحيد الذي نجحت فيه، والذي يتفق مع مصالح الأطراف العضوة جميعا، هو التنسيق الأمني بين وزراء الداخلية وأجهزة الامن الوطنية في سبيل الوقوف صفا واحدا في وجه حركات التغيير أو منع انتشارها.

* بالنسبة للاتحاد المتوسطي الذي اقترحه الرئيس الفرنسي ساركوزي الا يعد نوعا من إعادة مفهوم الاستعمار الجديد من خلال رسم ادوار قديمة جديدة لفرنسا المستعمرة في المنطقة المغاربية ، فرنسا التي كان ينبغي عليها ان تقدم الاعتذار مثلا للجزائر على سنوات الاستعمار الطويلة. بدلا من دلك هربت إلى الأمام خلال زيارة ساركوزي التسويقية في المغرب العربي لمشروع الاتحاد المتوسطي بتوقيع اتفاقيات اقتصادية ضخمة، هل معنى هدا ان الكرامة العربية تلاشت أمام الاتفاقيات والمصالح؟

غليون: التعاون الوثيق بين الكتلة العربية التي ينبغي تكوينها بأي ثمن والاتحاد الاوروبي المجاور شرط التنمية في بلداننا والأمن والاستقرار، وبالتالي الازدهار في أوروبة. وينبغي أن نكون نحن معنيين جدا بتطوير هذا التعاون. لكن للأسف لا تزال الدول الأوروبية تستخدم مسألة التعاون مع الدول العربية لأهداف سياسية تكتيكية، لا علاقة لها بأي خطة عمل صادقة وطويلة المدى. هذا هو الذي قوض صيغة برشلونة وجعل الاتفاقات الأورومتوسطية من دون فائدة ولا أثر. وهو نفسه الذي يجعل من الاتحاد من أجل المتوسط الذي أعلن عنه الرئيس الفرنسي سركوزي واضطر إلى أن يقلص فيه من طموحاته، مشروعا فارغا من المعنى. ففي الحالتين ليس الهدف خلق مستقبل أفضل للشعوب الاوروبية والعربية وبناء أسس تعاون دائم ومثمر، وإنما ايجاد إطار يسمح لاسرائيل بالاندماج في الشرق الأوسط على حساب العرب ومن دون التراجع عن السياسات الاستعمارية والاستيطانية المستمرة منذ قرن. وفي زيارته الأخيرة في العاشر من شهر مارس الجاري 2008 لفرنسا، لم يخف الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس حماسته لمشروع اتحاد المتوسط السركوزي ولا هدفه، فصرح من دون تردد إن الاتحاد سوف يكون إطارا لجمع العرب والاسرائيليين في رابطة واحدة. وهو على حق تماما. فلم يبق ولن يبق من هذا المشروع هدفا آخر بالفعل سوى هذا الهدف. وكانت واشنطن قد حلمت أيضا بإقامة سوق شرق أوسطية مرتبطة بها تضم العرب والاسرائيليين.
للعرب مصلحة كبرى في التعاون مع أوربة، كما ذكرت. لكن لا ينبغي أن ينظر لهذا التعاون من زاوية تحقيق المصلحة الاسرائيلية أولا وربما أخيرا، ولا على أنه بديل للتعاون والتكتل بين العرب أنفسهم. وكل من يرفض مبدأ الاتحاد العربي ويصر على الاتحاد في إطار آخر، ينفي العربية أو يهمشها، لا يفكر في مصلحة العرب والمنطقة عموما، وإنما في مصلحة إسرائيل وحدها. ولا أدري لمادذا يكون الاتحاد العربي مشروعا مرفوضا، وخطرا ينبغي الوقوف ضده، بينما تصبح مشاريع التوحيد القائمة على طمس الهوية العربية، المتوسطية منها والشرق أوسطية، مشاريع خير وازدهار وتجميع ضروري للطاقات يستحق الثناء والدعم.

* إنني اقترح لو يتم تأسيس اتحاد حقيقي يمكن تسميته بالاتحاد العربي الأوروبي ، يجمع اتفاقية موقعة بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية وغيرها ردا على الاتحاد المتوسطي على الأقل يكون أمر عضوية إسرائيل في هدا الاتحاد العربي الأوروبي محسوما ما رأيكم؟

غليون:
كما ذكرت، أعتقد أن أوروبة لا تزال غير مهتمة بمصير العالم العربي وغير قادرة على تقدير مخاطر تركه للفوضى والعنف والتأخر. وهي لا تأخذه بأكمله على محمل الجد. ولذلك من الصعب أن تفكر باتحاد جدي معها. إن ما يهمها من الاتحاد هو كما قلت دمج إسرائيل في المنطقة والتأمين على وجودها ومستقبلها. ما عدا ذلك هي حريصة على استمرار التجزئة والقطيعة العربية بالرغم من كل ما يقال. ولن يكون للاتحادات التي تقترحه بروكسيل أي قيمة أو منفعة للعرب، وسيقتصر إنجازها الحقيقي على تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية فقط. بعد ذلك ستتبخر كل الوعود بدعم التنمية العربية وتشجيع الاستثمارات العاملة على تحقيقي الازدهار، اللهم إلا عندما تكون لهذه الاستثمارات فوائد مباشرة مستقلة عن الاتحاد وأهدافه.
ألقد رفض الاتحاد الأوروبي حتى فكرة إعادة إطلاق الحوار العربي الاوروبي الذي أطلق في الثمانينات، واستبدله بالحوار الأوروبي المتوسطي حتى يلغي هوية الجنوب وحاجاته السياسية والثقافية. وهو لا يزال يتردد منذ ثلاثة عقود في ضم تركيا، الجمهورية العلمانية إلى عضويته، فكيف تريد له أن يضم العرب جميعا ويتحمل عبء الارتقاء بشروط معيشتهم البائسة إلى مستوى معيشة الاوروبيين كما يفعل في أوربة الشرقية وبولونيا، وهو يرى فيه بؤرة التطرف والعنف والبطالة والفقر وانعدام المستقبل؟ لا أعتقد أن هناك أي أساس ممكن لمثل هذا المشروع.

* عندما تشرفت بمحاورة المفكر الاستراتيجي الأمريكي السيد ليندون لاروش اقترحت عليه تأسيس نظام إنساني عالمي جديد ميني على الحوار الحقيقي العادل بين الأمم والشعوب واحترام الديانات والحضارات، ما رأيكم ؟
غليون:
هذه هي المعضلة الكبرى. لقد قام نظام العلاقات الدولية منذ ثلاثة قرون على أساس ميزان القوة، ولا تكاد فكرة وجود قانون دولي تتبلور بعد، بالرغم من كل ما يصدر عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن من قرارات. ولا شك أن استمرار هذه العلاقات قائمة على منطق الغاب هو الثغرة الأكثر خطورة في نظام الحداثة بأكمله. وهو الآن، كما يظهر في الشرق الأوسط الذي نحن الشركاء الأكبر فيه، السبب الرئيسي في انتشار العنف والعداون والسقوط في الهمجية. وليس هناك مخرج من هذا السقوط من دون الانتقال نحو نظام جديد قائم بالفعل، كما هو الحال في العلاقات الاجتماعية داخل الدول القطرية، على مبدأ الحق والعدالة والقانون..
أجرى الحوار محسن الندوي مدير مجلة شؤون إستراتيجية- المغرب