vendredi, août 17, 2012

الثورة السورية الكبرى امام تحدي الانتصار


الثورة السورية الكبرى أمام تحدي الانتصار
برهان غليون

١ـ ليست المصطلحات التي استخدمت ولا تزال تستخدم للتعبير عن الثورة السورية  بريئة ولاعفوية، ولكنها تعكس المصالح العميقة، واحيانا غير الواعية، لمستخدميهاولا اريد ان اشير هنا الىمصطلح الحرب الاهلية او الطائفية التي تتردد منذ بداية الثورة، ولا عن العصابات ثم المجموعاتالارهابية التي يستخدمها النظام، والتي تعكس نكران الواقع وارادة الحرب المعلنة ضد الثورة،والسعي الى مواجهتها بكل الوسائل، فهذا امر بديهي اليوم ومعروفلكنني اريد ان اشير الىاستخدام مصطلح المعارضة بوصفها الطرف المناقض للسلطة الذي درجت عليه الدبلوماسيةالدولية عموما ووسائل الاعلام الاجنبية والكثير من الاعلام العربي، والذي يغيب تماما مفهوم الثورةومنطقها ومفرداتهاوقد اوقع هذا الخلط بين الواقع والصورة الخاطئة المشكلة عنه اطرافا عديدةفي الخطا، وادخل مقارباتها او سياساتها في طريق مسدود، وحكم على خططها جميعا بالفشل،وفي مقدمها ما سمي بمبادرات الحوار بين السلطة والمعارضة من أجل انتقال سلمي للسلطة.فالاطراف الدولية التي اختصرت كل ما يحصل في سورية اليوم من احتجاج شعبي واسع النطاقبنشاط المعارضة بالمعنى السياسي والحزبي للكلمة، وجعلت من التفكير فيها وتحليل مواقفهاوالتشديد على عيوبها محور اهتمامها، انتهت الى تجاهل ديناميكيات الثورة التي تسيطر علىالارض وتتحكم بالتحولات والاحداث، وجعلت من توحيد المعارضة القليلة التأثير في الوقت الراهنلازمة يومية، فاخطات في فهم آليات التحول الجارية، ووجدت نفسها تدور في حلقة مفرغةوهي لمتدرك ان انقسام المعارضة ذاته لا ينبع من الاختلاف السياسي أو الايديولوجي وإنما من علاقتهابقوى الثورة واحداثها ومن التنافس في ما بينها على اعطاء معنى لحدث الثورة الكبير أو أحياناكثيرة من استخدامها لتأمين مواقع في حركة التغيير تضمن لها في المستقبل الحصول علىمناصب قياديةاما النظام الذي راهن على الانكار المطلق للثورة ومنطقها ورفض الاعتراف حتىبوجود المعارضة السياسية الكلاسيكية فقد تمسك بفكرة المؤامرة الارهابية ولم يبق له من افكارلمواجهة الوضع سوى فكرة الاستئصال بالقوة والعنف، كما حصل في الثمانينات من القرنالماضي في حماة، لكل ما يمت للثورة بصلة من تظاهرات أو احتجاجات مدنية أو مقاومات شعبية.والنتيجة مزيدا من الانفجار وتوسيع قاعدة الثورة وانتشارها في كل مكان بموزاة التصعيدالجنوني في العنف والممارسات الوحشية..
٢ـ هناك بالتأكيد معارضة سياسية في سورية مرتبطة اليوم اكثر فاكثر بالثورة لكنها لا تشكلالقوة المحركة فيها ولا يمكن ان تشكل مثل هذه القوةإنها بالاحرى تابعة ولا يمكن إلا ان تكونكذلك للثورة بما تمثله من ديناميكية تاريخية فاعلة مرتبطة بزخك كتلة شعبية متفجرة تحركها روح لاتخمد من إرادة التحرر والتضحية والفداء، وهي وحدها من يملك زمام المبادرة على الارض.والفرق بين الثورة والمعارضة هو الفرق بين منطقين وديناميكيتين اجتماعيتين مختلفتين تمامافلاتعمل المعارضة إلا بمنطق السياسة القائم هو نفسه على الحوار والتفاوض للوصول إلى تسوياتأو حلول وسط ترضي جزئيا على الأقل الاطراف المتنازعةومن دون هذا الحوار والتفاوض ليسللمعارضة اي امل في تحقيق شيءولذلك يرتبط نجاح المعارضة بالخبرة السياسية العمليةوبمقدرة القادة السياسيين ومهاراتهم في فن الحوار والمفاوضة والمناورة السياسية والتكتيكيةبشكل خاصولا يمكن لها ان تتقدم من دون خطط واضحة وبرامج مبلورة واهداف معروفةللجميعفالسياسة هي فن الوصول إلى أهداف ممكنة بوسائل قانونية وشرعية اي سلميةوهذايعني انها ممارسة واعية ومنظمة وعقلانية تتحقق ضمن نظام مستقر على مباديء وقواعد واضحةومعلومة.
وبالعكس، تشكل الثورة ظاهرة من نوع الظواهر الطبيعية التي لا تخضع لمعايير العقلانيةالسياسية العادية ولكنها تستمد هويتها من منطق اخر تماما هو منطق الانفجارفهي ظاهرةموضوعية لا ترتبط بأي وعي نظري صوري أو أعداد مسبق أو مسار مخطط له، ولا يتحكم بها أيإدراك سياسي او غير سياسيهي تعبير عن حالة استثنائية بكل المعاني، استثنائية فيمضمونها وفي شكلها معاولذلك لا توجد ثورة شبيهة بثورة اخرى وليس هناك نموذج واحدللثوراتوما يسيرها هو منطق داخلي عميق يستمد قوته ومعناه من منطق الانفعال العميق المرتبطبكتلة من العواطف والمشاعر والإدراكات المتناغمة والمتباينة، المتراكمة عبر التاريخ الاجتماعيلحقبة طويلة من الزمنوهو منطق البركان الذي يتفجر فجأة وعندما يتفجر لا يستطيع احد انيقوده او يتحكم بهوتزداد روح الثورة اشتعالا بمقدار ما تواجه من مقاومة أو عوائق وليس العكس.ويقودها منطق التحدي الذي تدفعه المصاعب الى المزيد من التجذر والمغالاة والنزوع الى القضاءعلى كل من يقف في طريقها او تعتقد انه يفعل ذلك، حتى لو كان داخل صفوفهافليس في الثورةمساومة ولا مهادنة ولا ترشيد للجهد أو اختصار للمسارليس للثورة اهداف مستقلة عنها وإنماهي نفسها الوسيلة والهدف من حيث هي تعبير عن التغيير والتحول الاعمق وتجسيد لانهيارالوضع القائم والانقلاب الشامل عليههي غاية ذاتها، وتحققها هو تحقق لهدفها في الوقت نفسه.
 في منطق الثورة ترمي الشعوب نفسها بكليتها وتضع مصيرها بأكمله في الرهان فإما النصر أوالموتفالثورة من الظواهر الحدية التي تعني ان الاطراف ترمي بنفسها فيها بشكل كلي وشامللا توسط فيه ولا مساومة، ومن دون حساب او حتى من دون تفكير في العواقب او النتائج وفيالربح والخسارة .وهذا يعني ايضا انه لا مجال ولا مكان للهزيمة، للتراجع او للاستسلام والعودةإلى قانون العبودية والمهانة والإذلالفالتضحية تقود في الثورة إلى مزيد من التضحية ومن دونحساب، والقتل الذي يستهدف الثوار لردعهم عن الاستمرار يجر إلى المزيد من القتل بمقدار مايصبح فاقد الطاقة الردعية والمعنىوما شهدته الثورة السورية هو التصعيد المتبادلفي التضحيةوالتفاني من قبل الثوار من أجل الخلاص والتحرر من العبودية من جانب اول، وفي القتل المنظمالهادف لكسر ارادة التحرر والانعتاق من جانب آخر.
من هنا لا تنبثق الثورة من التأمل المسبق وإنما بالعكس من حالة تفقد فيها كل التنظيراتوالحسابات السياسية معناها سوى حساب كسر الطوق والخروج من الاسر والانتصارولو تأملالثوار في عواقب ثورتهم ومآلاتها ما كانوا رموا بانفسهم فيهاهناك قيمة واحدة تحرك كل الثوراتهي الحرية، ومنطق الثورة هو دائما التطلع الى الحرية التي تعني ايضا الخلاص من القهر، أوالموت. 
 ٣ ـ لم يبرز الاختلاف بقوة في البداية بين منطق الثورة السورية ومنطق المعارضةفقد كانتالمعارضة في طريق مسدود وجاءت الثورة لتفتح امامها جميع الآفاقوكما نظرت القوى الثائرةإلى المعارضة بوصفها امتدادا لها في الداخل الاجتماعي والخارج الدولي، رأت المعارضة فيالثورة بساط الريح الذي سيحملها إلى تحقيق برنامجها السياسي وأهدافهالكن مع الوقت،وبموازاة تحول الثورة من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة، بدأ التميز يظهر بشكل اكبر بين منطقالثورة ومنطق المعارضة السياسية.
وقد اخذ هذا التمايز يعبر عن نفسه في البداية في المقابلة بين معارضة الداخل والخارج ثم فيالتباعد بين مواقف المعارضة نفسها، واستقلال طرف من المعارضة بالتمسك بالسلمية وتوجهاطراف اخرى نحو تبني خيار تسليح الثورة لمواجهة عدوانية النظام المتزايدة وهمجية سياساته.وهذا ما يفسر انهيار مواقع هيئة التنسيق التي لم تنجح في مواكبة التحول الداخلي للثورة وتعلقتبحلم السلمية الدائمة مهما كان الوضع.
لكن في ما بعد سوف يؤثر هذا التعارض بين منطق الثورة ومنطق السياسة على مكانة المجلسالوطني نفسه الذي اعلنته الثورة ممثلا لها في الفترة الاولىوقد باءت محاولتي، كأول رءيسللمجلس، لرسم طريق وسط يؤلف بين منطق الثورة الذي لا يساوم ومنطق السياسة الذي يطمح إلىبناء معادلات وتوازنات داخلية، تخفف من احتمالات المواجهة الشاملة والتصعيد اللامحدودبإبقائها على هامش من المناورة السياسية ورفض القطيعة مع اطراف المجتمع المترددة ومعالمجتمع الدولي معا، بالفشل بسبب سد النظام الطريق امام اي حل سياسي واعتماده سياسةالاستئصال المطلق للثورةوبهذا الفشل تم أيضا القضاء على اي امل في تحول المعارضةالسياسية إلى قيادة سياسية للثورة وبالتالي الى المواءمة بين الثورة والسياسة التي من دونها لايمكن وجود اي افق للخروج من المواجهة والتصعيد المستمرين من دون قاتل أو مقتولفأماماستمرار النظام في نهج الحرب الشاملة الاستئصالية من الصعب للسياسة ان تؤمن لها مكانا فيدائرة الثورة التي تنزع هي ايضا إلى جعل التصعيد في العنف تجاه النظام خيارها الأول وترىفي اي مسعى لفتح طريق اخر غير المواجهة اضعافا لها امام آلة حرب نظامية لا تعرف إلا صناعةالموت والدمار.
٤ ـ يقود هذا الوضع الذي يجمع بين اقتراب النصر على النظام وفي الوقت نفسه الخوف منالفوضى بسبب غياب القيادة السياسية ـ والقيادة ليست مجرد رؤية لسورية المستقبل، وانما مركزالقرار الذي يقود تطبيق هذه الرؤية ويضمن تحقيقها ويحظى في الوقت نفسه بثقة الثوار اولا لكنبقية اطياف الشعب ايضا ـ اقول يقود هذا الوضع إلى نوع من القلق على مصير الثورة من جهة منقبل الشعب والثوار، في الداخل، كما يقود هذا الفراغ السياسي إلى مخاوف كبيرة على مستقبلالاستقرار في سورية والمنطقة ايضا، في الخارج الدوليفالشعب والثوار الذين يريدون منالثورة أن تحقق لهم اهدافهم في التحرر وبناء سورية جديدة ديمقراطية مدنية تعددية تساوي بينجميع مواطنيها وتضمن حقوقهم وفي مقدمها حقهم في الحياة أي في الأمن والأمان، يخشون أنيؤدي غياب مثل هذه القيادة التي تضبط وقع الثورة وتوجه خطاها وتحظى بثقة الثوار وتأييدهموبالتالي وحدة التوجه والقرار، إلى وضعية تسود فيها الفوضى وتتصارع فيها  القوى الثورية علىاقتسام النفوذ أو المواقع أو يسود فيها الانتقام بعد السقوط الحتمي القريب للنظام، ويتضاعفهذا القلق وذاك الخوف اضعافا عندما يتعلق الامر بثورة مسلحة وبجيش تحرير مكون من كتائب لاتحصى ولا تخضع في تنظيم صفوفها لأي هيكلية عسكرية نظامية او سياسيةوبالمثل، لا يطمئنغياب  قيادة سياسية واضحة تحظى بثقة الثوار والشعب ولها الحد المطلوب من المصداقي المجتمعالدولي، بما في ذلك اصدقاء سورية، انتشار السلاح على نطاق واسع في بلد يحتل موقعااستراتيجيا وجيوسياسيا خطيرا في منطقة ذات خطورة استثنائيةوترى في ذلك مؤشرا كبيراعلى الفوضى العارمة التي سوف تعم بعد سقوط الاسد عندما لن تجد البلاد اي مركز قرار واضحيجمع الناس ويضمن احترام الكتائب المسلحة للقانون وتعاونها والتزامها.
يشكل هذا الوضع في نظري التحدي الاكبر للثورة السورية التي توشك على الانتصار.   ويولدهذا الوضع شعورا خطيرا بأن مرحلة مابعد السقوط يمكن أن تكون اقسى وتطرح مشاكل علىالبلاد اكبر مما هو الحال اليوم حيث لم يعد للنظام اي نفوذ في اي ميدان لكن وجوده الشكلييساعد على توحيد قوى الثورة والمقاومة المسلحة ضده ويضمن القليل من الاستقرار وضبط النفس.
 بالتأكيد لم تساهم الضغوط العنيفة التي مارسها النظام على المعارضة في دفع الاخيرة إلىالتعاون والتواصل مع قوى الثورة بما يمكنها من مد جسور الثقة المتبادلة والعمل المشترك والتفكيرالمشتركينكما ان حرمان الدول الصديقة المعارضة من الموارد الضرورية لبناء الثقة مع الثوار لعبايضا دورا كبيرا في استمرار القطيعة وتفريغ المعارضة السياسية من صدقيتها امام الثواروالشعب.
لكن من جهة اخرى لا يستطيع احد ان يخلق قيادة سياسية حسب إرادتهوما تقوم به الدولالصديقة لسورية أو التي تطلق على نفسها هذا الاسم من من مناورات ومساعي كاريكاتوريةلتوحيد المعارضة او ابراز وحدتها الشكلية لتزويدها ببعض الصدقية والمشروعية في مواجهة الرأيالعام السوري والعالمي لن يفضي إلى شيءوما تقوم به بعض كتائب الثورة في الداخل منانشاء غطاءات سياسية بديلا لما تسميه المعارضة الخارجية لا قيمة له أيضا ولن يقود إلى ملء فراغالقيادة السياسية الذي تعاني منه الثورة السورية في الداخل والخارج.
 ٥ـ بغياب قيادة سياسية تملك رؤية نظرية وعملية واضحة وتحظى باجماع الناس وقبولهم،وبالتالي تملك نفوذا كبيرا عليهم لتوجيه خطاهم ونيل تعاونهم وضمان وحدتهم، مما لم تسمح لهاالظروف بالنشوء، وتجنبا للرغبة في تركيب قيادة اصطناعية لن تحظى بأي من محددات القيادة، لاأجد بديلا عن تنفيذ مجموعة من الاجراءات العملية والتنظيمية الممكنة والتي تضمن تطمين الرأيالعام السوري والدولي وتقليل مخاطر ما بعد السقوط إلى ابعد حد بانتظار ان تنبثق عن ذلك، وهذاليس مستبعدا، فرصة لولادة الثقة الدافعة هي نفسها لبلورة ولاء ونشوء روح قيادية ايضا عندالشعب والنخبة السياسية معامن أهم هذه الإجراءات التنظيمية:
 ـ العمل على بناء هيكلية ولو مبسطة لكتائب الجيش الحر نتجاوز فيها التشتت والانقسام، وذلك منخلال دفع الكتائب المتواجدة في كل محافظة إلى الانضواء تحت راية قيادة واحدة في مجلسعسكري، يضم ممثلين عنها ويجري فيه التشاور في كل ما يتعلق بالتخطيط للعمليات في المحافظةوتوزيع الموارد المالية وغير الماليةوفي خطوة لاحقة يمكن تشكيل قيادة موحدة من ممثلي جميعالمجالس العسكرية في المحافظاتوهو ما سعينا إلى أطلاق حركته في الاسابيع الماضيةلكن منالمهم ان يتحقق هذا الهدف تحت اشراف قيادة سياسية سورية حتى يكون له الأثر الذي نريده فيما يتعلق بتعزيز شروط بروز مثل هذه القيادة للثورةوقد اكتشفنا ان الدول الصديقة بدأت العملعلى المشروع ذاته بموازاتن وبعيدا عناويشكل هذا إجهاضا لفرص نشوء قيادة سياسية سورية،ويحتاج إلى معالجة سريعة حتى لا تخرج قوة الثورة السورية المسلحة الرئيسية عن اشرافالسوريين انفسهم ونفوذهم.
ـ العمل بنشاط على توحيد المصادر التي تغذي كتائب الجيش الحر والمقاومة، وتوحيد معاييرالتمويل والتسليحمن دون ذلك سنجد انفسنا امام تشكيل ميليشيات خاصة سوف تخضع شئنا امابينا في القريب لإرادة مموليها، وفي وضع تزداد فيه شروط الحياة قساوة سيزيد احتمال تحولالميليشيات إلى مشاريع تحقيق مصالح واهداف خاصةوهذا يتطلب ان تتوجه جميع التبرعاتالمالية والعينية الى قيادة سياسية سورية هي التي تتكفل بتوزيعها على الكتائب.
ـ الاستفادة من القوة العسكرية النظامية المنشقة سواء بإلحاقها بالمجالس العسكرية المشكلة فيالمحافظات أو من خلال تشكيل ألوية نظامية وطنية خاصة تتحول إلى قطب موحد أو مركزاستقطاب الكتائب الأخرى والمقاومين بما تتمتع به من تنظيم ومزايا ميدانية، ويكون من السهلتوجيهها ودمجها في المستقبل في الجيش الوطني وتحويلها إلى نواة للقوات المسلحة الوطنيةالباقية المعاد تشكيلها.
ـ السعي إلى انبثاق لجنة مبادرة وطنية تضم اهم الرموز الوطنية المشهود لها بالنزاهة والعدالةوالاستقلال والتي تحظى بحد كبير من التوافق، على ان تقبل هذه الرموز التي لن تتجاوز ربمااصابع اليد بالالتزام بعدم التقدم لاي منصب سياسي، على الاقل خلال المرحلة من الان إلى ساعةتنظيم اول انتخابات رسمية قانونية، وبالعمل سوية في كل الظروف ومهما كان الحال كمجموعةمتحدة ومتضامنة وضامنة لمصالح الوطن والشعب العليا، والتجرد عن اي مصلحة خاصة أوشخصية، بما في ذلك دعم طرف سياسي أو اجتماعي أو مذهبي ضد آخر أو شخص مقابلشخص آخروأن تتعهد بتطبيق العهد الوطني الذي قبلت به جميع اطياف المعارضة، وباحترامحقوق السوريين المتساوية جميعا والدفاع عنها في كل الظروفوستشكل هذه اللجنة نوعا منالمرجعية الوطنية التي تسهر على وحدة الوطن والشعب واستقلال القرار الوطني وعلى ضمانالاستقرار وخلق الثقة بترفعها على التنافس السياسي ووضعها نفسها على مسافة واحدة منجميع الأطراف الشعبية وتمسكها الوحيد بالاجندة الوطنية العامة وصياغتها لها مقابل الاجنداتالخاصة التي ستفرزها القوى السياسية والاجتماعية المختلفة والمتعددة.
تعمل هذه اللجنة كلجنة حكماء او عقلاء وتقوم بالمصالحة بين الأطراف الشعبية والثورية والتوسطبينها لتجنب التوترات والانقسامات أو تجاوزها، كما تقوم بالمشاورات الضرورية لاستصدار توافقشعبي عام حول أي قرار خطير يتعلق بالمصير العام.
ـ تشكيل حكومة مؤقتة، بعد مشاروات تقوم بها لجنة المبادرة الوطنية، تأخذ مكانها كحكومة ظلتضمن وجود سلطة جاهزة لاستلام مؤسسات الدولة وتسييرها حال سقوط النظام، وتقضي علىمخاوف انتشار الفوضى في الساعات الأولى من انهيار الوضع الراهن، وتساهم في تطمينالمجتمع الدولي على مرحلة مابعد السقوط وتؤمن الغطاء  السياسي الضروري على الصعيدالدولي لاقصاء ممثلي النظام في الدول والمنظمات الدولية والحلول محله، وتمثل  منذ الآن الدولةالسورية الجديدة وسياسدتها ووحدتها واستقلالها.

لن تحل هذه الإجراءات التي هي في متناول اليد مسألة غياب القيادة السياسية التي جعلتالبعض من الثوار انفسهم يصفون ثورتنا باليتيمةلكنها، بالإضافة إلى تعبئة الحراك الثوريوالرأي العام عموما حول شعارات الثورة التي لا تعني اسقاط النظام فحسب إنما في الوقت نفسهبناء الدولة الجديدة وتأهيل القوى الثورية والشعب أيضا للدخول في مناخ وسياق هذه الدولةالديمقراطية المدنية التعددية القادمة، سوف تلعب بالتأكيد دورا كبير في تخفيف الاحتقاناتوالتوترات  وتطمين السوريين، من ثوار واهالي، على مستقبلهم، وتزيل قسما كبيرا من المخاوفالتي تنتابهم اليوم بسبب حالة التشتت وغياب التأطير وغياب القيادة الموحدة التي تحظى بالثقةوبسبب سياسات الدول الصديقة التي تثير الريبة أيضا وتزيد من التوتر بسبب تأكيدها هي نفسهاعلى المخاوف من المستقبل بعد سقوط النظام أو تصوير هذا السقوط كما لو كان مصدرا للقلقولتفجر مشاكل لا قبل لأحد في ضبطها بما في ذلك احتمال تفتت البلاد وانتشار معمم للفوضىوالعنفوآمل ان يكون بيننا من العقلاء ما يكفي لتجنب دفع الناس إلى الإحباط والشعور بالخوففي الوقت ذاته الذي بدأت فيه معالم الانتصار تلوح في الأفق واصبح النصر قاب قوسيين أوأدنى.
وفي النهاية، مهما كان الحال، انني على يقين من أن الشعب السوري سيظهر، في الوقت المناسبواللحظة الحاسمة، كما أظهر خلال الأشهر السبعة عشر السابقة، أنه شعب عظيم وخلاق، قادرعلى تجاوز نفسه والارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية والأخلاقية والانسانية، ووضع كلالخلافات والحزازات والمخاوف والاحقاد جانبا من أجل بناء الوطن  الذي حلم به لعقود، وطنالحرية وكرامة الانسان والفرد ووطن العدالة والأخوة والمساواةوسوف ينتصر عنده لا محالة كلما هو نقيض لنظام الموت والخراب الهالكالعقل على الجنون، والوعي على الجهل، والمحبة علىالبغضاء، والتضامن على الانانية، والتسامح على الانتقامهذا هو الشعب السوري وهذه هيثقافة سورية التاريخيةوهي أيضا وسوف تبقى ثقافة سورية المستقبل ومضمون هويتها الواحدةالمتعددة معا.

باريس 14 ايار 2012

jeudi, août 18, 2011

حول إعلان النظام عن وقف العمليات العسكرية في 18 اب 11


اعلان بشار الاسد عن وقف العمليات العسكرية في المدن السورية هو اولا نصر كبير لشعب الثورة ومكافاة علي صمود الشباب الذين لم تدفع سياسة الإفراط في القمع والعنف الا في شحذ عزيمتهم وتصميمهم علي اقتلاع الطغيان من الجذور وهو ثانيا اعتراف من النظام باخفاق سياسة الحسم العسكري التي أعلنها بداية رمضان وثالثا تأكيد لقيمة التضامن الدولي والدور الهام الذي يمكن للأمم المتحدة ان تلعبه لوقف السياسات الإجرامية.
المهم الان ان يلتزم النظام بهذا الاعلان وان يوقف عمليا كل سياسات العنف والقمع ضد الشعب السوري. واذا التزم بذلك لم يعد هناك مهرب من الاعتراف بحقوق الشعب ووضع حد لنظام القهر والاستيثار بالسلطة.
لقد كان نظام الاسد يتصرف قبل ما سماه اسبوع الحسم كالوحش الجريح الذي يضرب يمنة ويسرة اما بع فشل سياسة الحسم العسكري فقد اصبح كالمجرة الذي وقع في الفخ الذي نصبه لغيره وصار عليه ان يواجه الحصار الشعبي والدولي ولم يعد له امل في البقا الا في التسليم او الانتحار. وهاهو يعلن التسليم لفظيا لكن علي امل ان يكسب الوقت بانتظار ان يحرر يديه و يعود من جديد الي السياسة التي يدعي اليوم انه يتخلي عنها. لاينبغي لاحد ان يخدع. هذا النظام لم يصدق يوما ولم يلتزم باي وعد. لاينبغي باي ثمن القبول بتخفيف الحصار عنه كما يريد هو من مناورته الراهنة. ونامل ان لايخدع مجلس الامن الذي ينعقد اليوم بمثل هذه التصريحات وان لا يقبل بها ما لم يفتح النظام البلاد امام لجان التحقيق والصحافة الدولية حتي نتحقق مما يجري بالفعل ليس في ما يتعلق بالعمليات العسكرية الكبري وانما أيضاً بعمليات القنص والتنكيل والترويع والاعتقالات الجماعية وأشكال الارهاب الأخري.
لكن مهما كان الحال يعبر هذا الاعلان حتي لو كان علي سبيل المراوغة عن إدراك النظام بزوال اي هامش للمناورة لديه وعدم قدرته علي الاستمرار في سياسة الكذب والمثابرة والغطرسة التي عتدنا عليها خلال الأشهر الطويلة الماضية.
تحية لشباب الثور صانعي النصر ووالخلود والإجلال لارواح شهداء سورية الابرار.

mercredi, août 17, 2011

في استباحة دماء السوريين من قبل حكامهم

في استباحة دماء السوريين من قبل حكامهم

برهان غليون

تجاوز ما قام ويقوم به النظام السوري من بطش وقتل متعمد ومنهجي للسكان العزل في سبيل ترويعهم وتكريس انتزاع حقوقهم، المدنية والسياسية، والعيش بامان، كل الحدود. وفي الأسبوع الأخير الذي رافق قدوم شهر رمضان، انتقل النظام السوري بسياسة البطش والترويع هذه إلى مستوى لم يسبق لنظام في العالم أن وصل إليه في العقود الطويلة السابقة. فبعد سلسلة طويلة من عمليات القتل والخطف والاعتقال الكيفي والعقوبات الجماعية التي طالت جميع المدن والبلدات والقرى السورية، بدأ منذ أول رمضان حملة مكثفة لسحق الانتفاضة الشعبية مهما كلفه ذلك من وسائل، أي باستخدام كل ما يتوفر له من وسائل العنف والوحشية المنظمة، الجمعية والفردية. هكذا انتشرت قوات الجيش على كامل التراب الوطني، وهي تقوم بفظائع لا توصف في حماة وحمص واللاذقية ودير الزور، من اقتحام للأحياء وعمليات دهم وتمشيط واغتيال وتنكيل بالسكان وتدمير للمساكن والأحياء، مع فرض الحصار الشامل، بما يعنيه من إغلاق المدن على الداخل والخارج ومنع وصول المؤمن والأدوية إليها وقطع الماء والكهرباء عن منازلها لأيام، وبعض المدن والبلدات لايزال يعيش من حالة الحصار والتضييق والتنكيل هذه منذ أشهر عديدة، كما في درعا ومدن الجنوب وفي جسر الشغور والمعرة والشمال الغربي عموما، حتى أن أحدا لا يعرف بالضبط ماذا يجري في بعضها، ولا أساليب الترويع والتهديد التي تمارسها قوات الامن على السكان، بما في ذلك داخل المدينة نفسها. وتفيد المعلومات التي تنشرها التنسيقيات أو منظمات حقوق الانسان بأن عدد الشهداء والجرحى الخطرين بالمئات وأن عدد النازحين الذين نجحوا بالنجاة بأنفسهم من المجزرة قبل إحكام قبضة قوات الامن عليها قد تجاوز ربع السكان.

السؤال الأول الذي يطرح، بعد خمسة أشهر من القتل المنظم والترويع والتعذيب لشباب عزل إلا من صدروهم، اليوم، في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وبعد قرنين من ثورة الديمقراطية وترسخ أسس الحكومات الشعبية في معظم بقاع العالم، على السوريين أنفسهم قبل غيرهم وعلى غير السوريين أيضا، هو كيف يمكن أن تصدر مثل هذه الأفعال عن حاكمين محليين، وكيف يستطيع هؤلاء أن يبرروا استباحة دماء أبناء بلدهم ومواطنيهم وإخوانهم في الانسانية، ويقبلوا بأن يتصرفوا كما لو كانوا قوة احتلال، وأن لا يترددوا في اختلاق جميع الأكاذيب، بما فيها الأكثر إثارة للسخرية، من أجل الاستمرار في عملية القتل المنظم والممنهج التي يمارسونها منذ شهور؟

وقد سؤلت بالفعل مرات عديدة من صحفيين عن تفسير سلوك الحاكمين السوريين، المدنيين والعسكريين الذي يوصف بالعجيب الذي لا يتفق مع أي منطق سوى منطق الجنون أو الانتحار، وحاولت أن أجيب عليها بما تبادر لي من أفكار لا أزال أنا نفسي لست مقتنعا تماما بها. ومن بين ما ذكرته يتعلق بنوعية العلاقة التي قامت، ثم تطورت على مدى عقود طويلة بين الحاكمين السوريين الحاليين والشعب، والتي بنيت منذ البداية على الإخضاع بالقوة المادية المجردة، مع رفض أي صورة من صور الحوار أو النقاش أو المساومة مع أبناء الشعب، والسعي الدائم بموازاة ذلك إلى تحويل الكذب والغش الفكري والسياسي والأخلاقي إلي ايديولوجية رسمية للنظام. ومع الوقت كان لا بد لعلاقة الإخضاع بالقوة هذه أن تنتج في وعي الحاكمين اقتناعا راسخا بأن القوة المنفلتة من أي قيد او قانون هي الحماية الوحيدة للنظام، وفي موازاته اعتقاد لا يقل جنونا عن الأول بأن المحكومين يستحقون هذه المعاملة لانحطاط أخلاقهم وتفكيرهم، ولا يفهمون لغة غيرها، تماما كما هو شائع في خطاب الاسرائيليين تجاه الفلسطينيين والذي جعلهم يبررون، كما يفعل النظام السوري، تجريدهم من حقوقهم وانتهاك كرامتهم واستباحة دمائهم. وشيئا فشيئا يتكون لدى هؤلاء شعور عميق بأنهم ليسوا من طينة أعدائهم ولا هم يشبهونهم، وأن وجود أي من الطرفين على الأرض متوقف على موت الطرف الآخر وإخراجه كليا من ميدان المنافسة والصراع. وفي هذا المستوى من التفكير لا يبقى هناك مكان لقانون ولا لمفهوم الحق ولا حتى لمفهوم الانسان.

من هنا كان لا بد للاستمرار في هذا النهج عند الحاكمين والمستعمرين من تطوير منطقين متوازيين يحكمان تفكيرهم ومشاعرهم معا تجاه محكوميهم. الأول منطق العنصرية الذي يقود إلى الاعتقاد العميق بان مجتمع المسيطرين من طينة مختلفة تماما عن مجتمع الخاضعين، وإلى نشوء علاقة بين الطرفين من نوع علاقة السيد بالعبد. وكما كان الحال في نموذج العبودية القديم، السيد هو بالتاكيد موطن الفضائل والقيم والأخلاق والمعبر عن هوية الانسان المتحضر والراقي مهما فعل، أما العبد فهو موطن انعدام الأخلاق والعقل والأهلية. ولأن العبد لا شيء يذكر، فدمه أيضا مباح، وليس لقتله معنى أو أهمية، فلا يسأل السيد عن قتل عبده ولا يحاسب عليه، وهو حقه المطلق، ولا يحق لاحد أن يتدخل فيه.

ورسخ خضوع المحكومين أو استسلامهم أمام القوة لعقود طويلة هذا الشعور بالتفوق وبالحق في السيادة والسيطرة، والنظر إلى الآخر الخاضع بوصفه من سقط المتاع، يحق للسيد التصرف به وبحياته وأسرته واملاكه كما يشاء. وأصبح يبدو مع الزمن طبيعيا، أي صالحا سياسيا بوصفه أساس النظام والأمن والسلام، وأخلاقيا من حيث هو تعبير عن التفوق الطبيعي للسيد وحقه الذي لا يناقش في السيطرة واستخدام جميع وسائل العنف لإخضاع من ينظر إليهم على أنهم عديمي العقل والفضائل والأخلاق.

وتكفلت الثقافة المرتبطة بالنظام في أن تحول هذا التفوق السياسي والأخلاقي المزعوم والمتوهم إلى واقع مادي مقبول ومستبطن لدى الحاكم والمحكوم على حد سواء بمقدار ما نجحت في إضفاء صفات التأخر والتخلف العقلي والجهل على الشعب، وفي حرمانه من أي فرصة للارتقاء في تفكيره وسلوكه إلى مستوى الشعور بالمسؤولية الجماعية أو التاريخية. ومن هنا لم ينفصل تأكيد مشروعية الاستخدام الدائم والمتزايد للعنف غير القانوني والتعسفي ضد الأفراد والمجتمع ككل، - مما شكل خصوصية النظام السوري خلال عقود، أكثر من احتكار السلطة التي يشاركه فيها كثير من النظم - عن تأكيد غياب الشعب مفهوما وواقعا، وبعده عن السياسة وتورط جميع أفراده في الفساد وافتقارهم لأي منظومة أخلاقية. وهو ما تسعى أيضا فيديوهات الجثث المقطعة والمشوهة التي تبثها أجهزة الإعلام السورية اليوم باعتبارها من أعمال المحتجين، إلى تأكيده وترسيخه في وعي الناس أنفسهم حتى يقتنعوا جميعا بأنهم منحطين وفاقدي الأهلية وليس لهم أمل في البقاء والسلام والأمان إلا بالالتحاق بأسرتهم الحاكمة، رمز القوة المادية والكفيلة أيضا بضمان صلاح الأخلاق العمومية. هنا نجد أصل الثقافة العنصرية التي طورتها النخبة السورية الحاكمة في العقود الماضية وحولتها إلى ايديولوجية مستبطنة، تبرر العزل والاقصاء واستسهال انتزاع الحقوق والبطش بمجتمع لم تعد ترى فيه سوى مهلوسين وجهلة واميين وفاسدين وطائفيين وسلفيين.

لكن العنصرية، بما تتضمنه من حط من هوية الشعب وتاكيد فساد أخلاقياته وافتراض تخلف قدراته العقلية وغياب تضامنه الوطني، ليست الوسيلة الوحيدة التي تستخدمها الثقافة القائمة لتبرير انتزاع حقوق الآخرين وامتهان كراماتهم وحرمانهم من الحرية، وفي ما بعد من الحق في الحياة. هناك ما هو أهم من ذلك في نظري. وهذا هو المنطق الثاني الذي طورته الطغمة السورية الحاكمة خلال العقود الطويلة الماضية. وهو منطق يتطابق أيضا مع ما طورته الصهيونية في فلسطين ويقوم على قلب المعادلة وتحويل الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد. فالفسلطينيون في نظر الاسرائيليين مجرمون بالولادة، وأطفالهم لا يقل إجرامهم عن راشديهم لأنهم يولدون وفي ذهنهم معاداة اليهود أو قتلهم. فهم مخربون مهما كان عمرهم وثقافتهم وانتماءهم ومواقفهم المعلنة. وقتلهم جميعا حلال بسبب أو من دون سبب. وإذا لم يحصل ذلك فلأسباب تكتيكية أو حسن أخلاق من الاسرائيليين لاغير. وهذا هو الحال بالنسبة للنظام السوري أيضا. فالسوريون يولدون أيضا مجرمين لأنهم فطروا على الطائفية والسلفية والتآمر مع الخارج ضد سلطة وحدت نفسها وهويتها مع العلمانية والتسامح الديني والوطنية. وهنا أيضا لا يتأثر هذا المنطق بأي عامل تاريخي أو اجتماعي، فالسوري مسلم وطائفي وسلفي حتى لو ظهر غير ذلك. وكل ما يقوم به من نقد او تردد في تأييد النظام وإعلان الولاء للسيد ، "سيد الوطن" كما يقولون، ليس إلا إفصاح موارب عن هذه الطائفية المقيتة اللاصقة فيه وعن السلفية والوهابية التي لا تفارقه ولا يمكن له أن يعيش خارجها. وبوصفه كذلك فهو الذي ينتهك، لمجرد وجوده، حقوق الانسان ويهدد الأقليات في وجودها وعقيدتها، ولا وسيلة لاتقاء شره سوى وضعه في زجاجة وإغلاقها عليه. بذلك يضمن كل إنسان، الإنسان الحقيقي، حياته وحرياته ويعيش بامان. ومثل هذا المنطق هو ما لا تكف أجهزة الإعلام السورية التابعة للنظام عن تكراره وتكريسه في أذهان أنصارها وتابعيها.

وربما كان أفضل مثال وتعبير عن شلل الوعي الأخلاقي أو تحييد الضمير ماكتبه بعض المثقفين الاسرائيليين عندما اتهموا أطفال الحجارة في أول انتفاضة فلسطينية بأنهم هم المجرمين الحقيقيين لأنهم ورطوا بانتفاضتهم جنود إسرائيل "الذين لا يقلون عنهم براءة"، في كسر عظامهم وأجبروهم، دفاعا عن أنفسهم، إلى إطلاق الرصاص عليهم. وعندما يطلق عنصر ميليشيات النظام السوري، المتماهي مع السيد كما يتماهى كلب الحراسة مع صاحبه، النار عشوائيا، وخلال أشهر خمسة متتالية، على المتظاهرين السلميين، فيقتل منهم العشرات وأحيانا المئات لمجرد خروجهم للمطالبة بالحرية، فهو لا يشعر بأي تأنيب ضمير. بل هو يشعر على الأغلب بالشعور ذاته الذي كان يشعر به الجندي والحاكم الاسرائيلي عندما كان يأمر بكسر عظام الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم. إنه يمقتهم أكثر لأنهم اضطروه إلى قتلهم، ووسخوا يديه وثيابه بدمائهم. ليست حياتهم هي الموضوع المهم وإنما راحة بشار، سيدهم، واستقرار حكمه. وعندما يطلق النار عليهم، فهو لا يطلقها على أخوة له في المواطنية أو الانسانية وإنما على جرذان أو صراصير يعكرون صفو حياة السيد ولي نعمتهم. ولا يحق لأحد أن يدافع عن هؤلاء ولا أن يشجب التصدي للأذى المرتبط بمجرد وجودهم من دون أن يكون شريكا في المؤامرة على السيد ومعتديا على حقه المطلق في أن يتصرف بعبيد مزرعته كما يشاء. وليس من الصدفة أن كلمة صراصير وحثالة ومخربين وغيرها هي من التراث المشترك لدعاية الاسرائيليين التي واجهوا بها الفلسطينيين لإنكار شرعية قضيتهم ولأجهزة إعلام النظام السوري في مواجهتهم للمحتجين السلميين السوريين أيضا، وكان القذافي قد اختار كلمة الجرذان ليعبر عن الاحتقار ذاته الذي كان يكنه لمحتجي ليبيا وشعبها المطالب بالتغيير والحرية.

النتيجة الأخطر لهذا المنطق الذي يقوم على تشريع العنصرية واحتقار الفئة الخاضعة للسيطرة والمستعبدة، أو المحولة بالفعل وليس بالمجاز إلى عبيد، والتي تفسر ما يقوم به السيد من قتل وتعذيب وتشريد، من دون أن يرف له جفن، أو يشعر بأنه يرتكب جريمة، أو يخرق القانون، أو يدوس على حقوق الآخرين الشرعية، هي تخدير الضمير، أو قتل الاحساس والشعور الأخلاقي تماما. فالشعور الأخلاقي نابع أساسا من الشعور بوحدة بني الإنسان وتضامنهم في ما بينهم كنوع. وتكريس هذا التضامن وتاكيد هذه الوحدة والتضحية التي ترتبط بإعادة إنتاجها، هما منبع الأخلاق. والحال أنه منذ اللحظة التي نخرج منها فئة أو جماعة من سلك الانسانية، وننظر إليها على أنها حثالة من البشر، أو بشرا من طينة أخرى منحطة لا تستحق الاحترام ولا التضامن معها ولا حتى الحياة، لأنها كارثة على الانسانية، لن يعد هناك ما يردعنا عن أن نتصرف معها خارج أي قانون أو عرف، وأن نعاملها معاملة الأوبئة والجراثيم الفتاكة والمؤذية. هكذا لن يثير حرمان الناس من حقوقهم ولا حتى قتلهم أي شعور بالذنب. إنه يشكل بالعكس من ذلك برهانا على القوة وتجسيدا لفعل السيادة وتأكيدا للهوية. وننتقل من معادلة نحن نقتل لأننا أسياد أو لنكون أسياد، أي يكون لنا الحق في السيطرة والتسيد والحكم، وهي معادلة الأسد الأب، إلى معادلة نحن أسياد إذن نحن نقتل، أي يحق لنا القتل. وهي معادلة الأسد الابن.

ما يقوم به الشعب من مطالبة بالحرية والسيادة على نفسه ومصيره هو في نظر الطغمة الحاكمة عمل من أعمال التمرد والعنف وخلع السيد وتحدي إرادته لا يتفق مع القانون الفعلي الذي يقوم عليه النظام، أعني قانون السيادة والعبودية، وهو غير القانون المعلن بالتاكيد. ولا مجال للمهادنة في هذا المجال. المجرم والمتمرد والخارج على القانون هو الشعب وشباب الثورة من المحتجين. وجزاؤهم القتل من دون تفكير أو استئذان من حق إنساني طبيعي أو قانون. فهم المعتدون على حق السيد ومقامه. وهو عندما ينزل بهم العقاب لا يقوم إلا بممارسة حقه كسيد في وجه عبيد متمردين وخارجين على الطاعة التي هي جوهر العبودية وأساسها. في هذا الموضوع لا تطرح على القتلة أي مشكلة سياسية أو أخلاقية. ما يؤرقه هو كيف يمكن قلب الحقائق أمام الرأي العام الداخلي والخارجي غير المتأثر بالثورة. وهنا يأتي دور الكذب والخداع والمراوغة والغش كسياسة ومادة رئيسية في أجهزة الاعلام الرسمية، ودور اللعب على المخاوف من الحرب الأهلية ثم تمثيل مسرحية المؤامرة الخارجية والعصابات المسلحة المدسوسة التي يسعى من خلالها أن يلبس منطق العبودية الذي يقود أفعاله ثياب الشرعية السياسية المرتبطة بحق الدولة في احتكار العنف.

في الطور الثاني من منطق السيادة، ننتقل خطوة ثانية في تبرير القتل المنظم. فهنا لا يتم القتل باسم الوصاية على شعب جاهل ولمصلحة هذا الشعب، ولا باسم حفظ النظام والقانون والأخلاق المهددة من قبل العوام والجهلة والفاسدين، وإنما باسم الحق في الوجود كأسياد، أي حماية للحق المكتسب بالقتل السابق. والحرية التي يطالب بها الشعب السوري لا تعني شيئا آخر بالفعل سوى تحطيم هذا "الحق"، في السيادة على الشعب. وهذا ما يفسر الحقد الذي تظهره ميليشيات النظام على لفظ الحرية نفسه عندما تنكل بالضحايا وتسخر من مطالبتهم بالحرية وتربط بين طلب الحرية والموت. وفي هذا الصراع بين سيد يريد الحفاظ على سيادته بالعنف، وشعب تحرر ويريد تاكيد سيادته بأي ثمن، لا توجد تسوية ممكنة. بالضرورة صراعنا هو صراع حتى الموت، ولن يتوقف قبل أن تحسم السيادة لأحد الطرفين. وهذا ما يفسر في الوقت نفسه الرفض المطلق للنظام لتقديم أي عرض سياسي مهما كان، وتصميم الشعب على الاستمرار في انتزاع حريته وسيادته أيضا مهما كانت التضحيات. وكما أن التاريخ الحديث لم يعرف نظاما استسلم لمنطق القتل والعنف كما يفعل النظام السوري القائم، مع غياب أي جهد سياسي، لم يعرف التاريخ الحديث شعبا استقبل الشهادة وقبل التضحية بالغالي والرخيص بحماس كما فعل ويفعل الشعب السوري اليوم. إن تكسير قيود العبودية وانتزاع الحرية هو في جوهره فعل بطولة ولا يمكن أن يتحقق من دونها. والشعب السوري ارتفع في صراعه ضد مستعبديه إلى مستوى البطولة من دون شك وهو يسطراليوم أكبر ملحمة في تاريخ الحرية في المنطقة العربية.

بالتاكيد لا يلغي تحييد الضمير أو شلله إدراك القادة وأصحاب المصالح الكبرى والقرار أن ما يقومون به يخدم مصالحهم فحسب. وهم يعرفون أنهم مجرمين في سلوكهم هذا، ولذلك يسعون إلى لبس قناع الشرعية في مواجهة المؤامرة الخارجية. لكنهم وقد أصبحوا حقيقة من غير ضمير لا يعودوا يفكرون بمنطق الحق والقانون والشرعية والمسؤولية. ما يهمهم هو الإبقاء على سيادتهم ومصالحهم مهما كان الثمن. لكن الأمر يختلف عن ذلك بالنسبة لأتباعهم وأنصارهم الذين يتماهون معهم ومع نظامهم. فهؤلاء لا يمكنهم الربط بسهولة بين المصالح الكبرى الاقتصادية والسياسية التي تحرك النخبة الحاكمة التي تقودهم من جهة وآليات قتل الوعي التي تشكل جزأ من عملية خلق التماهي بين النخبة الحاكمة وقاعدتها السياسية، من جهة ثانية. لكن ليس من الممكن فهم السلوك غير الأخلاقي، بل الإجرامي للطرفين من دون وضع هذا السلوك، النظري والعملي، في سياق النظام نفسه وربطه ببنيته العميقة التي تظهر أن أصل العلاقة بين النخبة الحاكمة هنا والشعب هي علاقة العنف الخالي من أي مسايرة أو توسط سياسي، والتي لا يمكن أن تعيد انتاجها إلا بتكريس ثقافة الاستسلام الشامل وامتهان الذات وفقدان الكرامة مقابل ثقافة التفوق والعنصرية.

إذن لم يولد هؤلاء الذين يقودوننا ويطلقون النار على أبنائنا من دون ذنب مرضى نفسانيين ومجرمين، لقد حولهم النظام القائم على العنف المطلق إلى ما هم عليه. وليس السلوك الإجرامي الذي يعممونه اليوم على جميع أنصارهم وعناصر ميليشياتهم جزءا من تراث السوريين، كلهم أو بعضهم، ولكنه التعبير الفاضح عن الطبيعة "الاجرامية" لنظام قام منذ البداية على مباديء الإقصاء والاحتكار وتبرير أي شكل من أشكال العنف المطلوب لمواصلتهما، نظام لم يكف منذ ولادته، وفي سبيل ضمان استمراره واستقراره، عن تطوير آليات امتهان كرامة الفرد الانسان وإلغاء حرياته والانتهاك المعمم لحقوقه وفي النهاية إلغاء هويته كإنسان من أجل السطو على حقوقه والانفراد في السيطرة على موارده.

لكن السؤال الثاني والأهم في نظري هو كيف أمكن لغير هؤلاء الذين تبلد ضميرهم أو قتل، من حكومات عربية وأجنبية، ومن مواطنين أيضا، وبعضهم سوريين، أن ينظر إلى هذه الاستباحة السافرة لدماء السوريين ولتوالي قوافل الشهداء والجرحى والمفقودين، يوما بعد يوم وجمعة بعد جمعة، منذ أشهر خمسة متتالية، من دون أن يشعر بالذنب أو بتأنيب الضمير أو بشيء من المسؤولية؟

vendredi, juillet 01, 2011

عن هيئة التنسيق الوطني

عن هيئة التنسيق الوطني

أعلنت مجموعة من أحزاب المعارضة السورية عن تشكيل هيئة تنسيق بينها أطلقت عليها اسم هيئة التنسيق الوطني للتغيير الديمقراطي. وجاء الإعلان عن ولادة هذه الهيئة بعد أشهر من النقاشات الرامية إلى توحيد صفوف المعارضة السورية. وقد كانت لي مساهمة شخصية في هذه النقاشات من أجل دفعها إلى الأمام وتسريع حركتها وتوسيع قاعدتها حتى تشمل أكثر إن لم يكن جميع أطياف المعارضة. وكان الهدف من ذلك ردف حركة الاحتجاج الشعبية بقوة الأحزاب السياسية، وتقديم مظلة وقاية سياسية ومعنوية لها. وبالرغم من تأخرها في الظهور، وعدم شمولها جميع قوى المعارضة، إلا أنها تشكل خطوة على طريق جمع الطاقات وتوحيدها من وراء الانتفاضة وضم قواها لقوى الثورة السورية الظافرة. وقد تكرم قادة أحزاب المعارضة وعينوني منسقا للهيئة في المهجر، وهي مهمة لم أتوقف منذ بداية الثورة عن القيام بها، قبل تشكيل الهيئة وسأقوم بها بعدها.

غني عن القول إن التزامي الأول والأكيد كان وسيظل لثورة الشعب والشباب السوري الذي أظهر بطولة فائقة في الدفاع عن حضوره وحقوقه ومبادئه، وأنه لن يكون لأي عمل أقوم به أهمية أو قيمة في المستقبل ما لم يخدم هذه الغاية ويساهم في تحقيق أهداف الشعب في التخلص من النظام الاستبدادي الفاسد وإقامة نظام ديمقراطي تنبع السلطة فيه من إرادة الشعب وتدير شؤونه حكومة كاملة الصلاحية منتخبة من قبل ممثلي الشعب وخاضعة له ومسؤوله أمامه.

وفي اعتقادي لا توجد هناك قوة أخرى يمكن المراهنة عليها من أجل فرض التغيير الديمقراطي وتخليص الشعب والبلاد من كابوس النظام الحالي ووقف العنف وعمليات التنكيل بالسوريين سوى القوة التي تمثلها تنسيقيات الشباب التي تشكل الطليعة الحقيقية للثورة السورية الراهنة، وأن المعارضات الحزبية وغير الحزبية هي مجرد قوى رديفة ومكملة، ليس لها أي وصاية سياسية أو معنوية، ولا يحق لها أن تفرض أي حل يتعارض مع ما يتفق ومطالب شباب هذه التنسيقيات التي قدمت ولا تزال تقدم أعظم التضحيات لتحرير البلاد من طاعون الاستبداد والفساد.

وأنا إذ أعبر عن تقديري الكبير لاختياري عضوا في هيئة التنسيق أرى أن دوري الأساسي يبقى إلى جانب شباب الثورة الذين أولوني ثقتهم، وسوف استمر من خلال الهيئة الوطنية لدعم الثورة الديمقراطية في العمل معهم، والتواصل مع جميع أطراف المعارضة الأخرى، ومختلف قوى الشعب السوري، لتعزيز الوحدة الوطنية التي تشكل السلاح الأمضى في إسقاط نظام الاستبداد والفساد والدرع الواقي للثورة، وقاعدة بناء سورية الجديدة ومؤسساتها الديمقراطية.

وحول ما تطرحه السلطة وبعض وسائل الاعلام عن احتمال الحوار الوطني، أود أن أؤكد أن السلطة ليست في وارد الحوار وليست مستعدة لتلبية شروط أي حوار ذي معنى، وأن أي حوار يحصل في المستقبل لا يمكن أن يشمل أشخاصا ومسؤولين ساهموا في قتل الأطفال والنساء والشباب العزل، أو أعطوا الأوامر بقتلهم، وأن إطلاقه لا معنى له ما لم يكن هدفه بوضوح تفكيك نظام القمع والقهر والاستبداد، واستبداله بنظام ديمقراطي يكون فيه القرار الأول للشعب وحده، وتكون فيه الحكومة ذات سلطة كاملة، خاضعة لنواب الشعب ومسؤولة أمامه. في هذه الحالة لاينبغي أن يعني الحوار تسوية مع النظام أو توسيع دائرة المشاركة في السلطة كما يريد أصحاب السلطة لانقاذ نظامهم، وإنما التفاهم على رزنامة الانتقال بالبلاد نحو الديمقراطية بوسائل سلمية، أملا في توفير المزيد من الضحايا البشرية والخسائر المادية، وبناء المؤسسات الجديدة وتوفير الشروط اللازمة لحسن اشتغالها.

لقد فقد قادة النظام الحاليين، من سياسيين ورؤساء أجهزة أمنية، شرعيتهم، عندما قبلوا باستخدامهم العنف الدموي تجاه المتظاهرين السلميين، ورفضوا أي أسلوب للتفاهم السياسي مع حركة الاحتجاج، واستخدموا جميع الوسائل لقهر الشعب، ولم يترددوا في تعريض البلاد لمخاطر الفوضى والفتنة والتدخلات الاجنبية. وأضاعوا بذلك أي صدقية لديهم لإطلاق حوار مثمر أو الاشراف عليه.

حول تشكيل هيئة التنسيقي الوطني

http://youtu.be/csRHN-Pnscw