mardi, mai 19, 2009

العروبة والهوية العربية في القرن الواحد والعشرين

محاضرة في ندوة العروبة مارس بيروت

1- بين العرب والعروبة
تشكل العروبة موضوع نقاش متجدد في عالم اليوم. وإذا كان من الصعب لأحد أن يشكك في صينية الصيني أو فرنسية الفرنسي أو أمريكية الامريكي، بالرغم من أن الصين تضم عددا لا يحصى من القوميات الصغيرة، وأن فرنسا تشكلت من مجموعات كبيرة من القوميات التي لم تنصهر بعد تماما في الكتلة الغالية، وأن أمريكا بالرغم من سيطرة المزيج الأوروبي الأبيض عليها، تؤلف مزيجا من القوميات التي هجرت إليها، بل هي امة المهاجرين بامتياز، اوروبيين كانوا في أصلهم أم غير أوروبيين. لكن الامر ليس كذلك مع العروبة. ولا يقتصر التشكيك في معناها، بل في وجودها، على الآخرين، والأوروبيين أو الغربيين بشكل عام، وإنما يتعدى ذلك غالبا إلى عدد كبير من العرب أنفسهم. فإذا كان الأولون يعترضون على وجود شعب عربي يقطن أقطارا متعددة لكن توحده مصالح ومشاعر وتطلعات واحدة، ويركزون بالعكس على الأصول غير العربية للشعوب القاطنة في أقطار العالم العربي، فيؤكدون على وجود شعوب مختلفة أخفاها الدين الواحد واللغة الواحدة التي ارتبطت به، لكنها في طريقها لأن تستعيد وعيها بذاتها وهويتها الخاصة، فإن قطاعات واسعة من العرب تنزع إلى نكران عروبتها او تجاهلها أو عدم إعطائها قيمة ومعنى، أحيانا لأسباب ايديولوجية، أو لأسباب سياسية. فلا شك أن الاسلامويين، أو قسما كبيرا منهم، ينفر من العروبة لأنه يخشى أن تكون بديلا للانتماء الديني الأوسع، ويرى بعضهم فيها عصبية جاهلية، ومثل ذلك كان يفعل الكثير من الشيوعيين والقوميين السوريين وأصحاب الايديولوجيات القطرية المتمحورة حول الدولة عموما في الماضي القريب، والحداثيين أو العلمانيين المتطرفين اليوم الذين ينظرون إلى العروبة على أنها ايديولوجية قومية، وهي بالإضافة إلى ذلك ايديولوجية عنصرية ورديفة للفكرة الاستبدادية. والنتيجة، لا تبدو العروبة أبدا أمرا بديهيا.
تستدعي الإجابة على هذه المسألة التمييز بين العروبة من حيث هي واقع ثقافي (اتني) موضوعي والعروبة من حيث هي عقيدة أو فكرة أو ايديولوجية تشير إلى ما يطمح إليه العرب ليحققوا أنفسهم، أو ما يريد الآخرون للعرب أن يكونوا، أي إلى هوية سياسية وحضارية تتجاوز النسب الثقافي والاتني. فنحن نولد ضمن جماعة اتنية وثقافية، وننسب إليها، سواء قبلنا ذلك ام لا، ولا نستطيع اختيارها. فهي واقعة موضوعية خارجة عن إرادتنا ومرتبطة بأصلنا وماضينا، تحدد وجودنا قبل أن نبدأ التفكير والاختيار والتأمل في مستقبل المجتمع والدولة والأمة. وعندما أقول هناك عرب وأفارقة وأوروبيين وهنود وصينيين فأنا أميز بين أجناس، نسبة للصفات الموروثة، والوقائع المادية وغير المادية التي تتجاوز الاختيارات الفردية. أما عندما أقول إن العروبة تعني صفات محددة، أخلاقية وسياسية، كالمروءة والشهامة والكرم وحب الحرية مثلا أو التضامن والتعاون في إطار دولة واحدة أو جماعة موحدة، أو العداء للامبريالية والوقوف ضد الاستبداد، فأنا أتجاوز تقرير الواقع إلى توظيفه في خدمة رؤية فكرية أو ايديلوجية لتحقيق شيء آخر، أو لصوغ هذا الواقع في هيئة عقائدية (دينية) او سياسية.
وإذا كان الواقع المادي لا يتغير كثيرا، او بالأحرى إذا كانت زمانية تغيره هي من النوع الطويل بحيث لا يشعر به الفرد نفسه، كما حصل للغة العربية التي نتحدثها اليوم بالمقارنة مع اللغة العربية الكلاسيكية، فإن المضمون الاخلاقي والايديولوجي والسياسي الذي نعطيه للعروبة يتغير بسرعة أكبر بكثير، لأنه ينتمي لزمنية التغير السريعة. وقد ارتبطت كلمة عروبي في العقود القليلة الماضية التي أعقبت الاستقلالات العربية باختيارات ثقافية وسياسية مرتبطة إلى حد كبير بالفلسفة القومية التي انتشرت في القرن التاسع عشر في أوروبة والعالم. لكن هذه العروبة التي ينبغي أن نطلق عليها العروبية، نسبة لكونها ايديولوجية تنطلق من العروبة كواقعة موضوعية لتبني مشروعا عربيا ايديولوجيا أو سياسيا يتطابق مع معايير العصر السياسية في بناء الدول الامم أو الدول القومية، أقول لكن هذه العروبة ليست لاصقة بالجماعة العربية، وإنما هي إضافة عليها. فهي تشير إلى محتوى معياري بالدرجة الأولى. والسياسة العروبية تهدف إلى تجسيد هذا المحتوى، من أجل الوصول إلى الأهداف التي تتطلبها العروبة من منظور الدولة القومية.
فالعروبة الاتنية واقع ملموس، لكن معطى خام، غير ناطق، لا دلالة كبيرة له سوى وصف بسيط للعرب لتمييزهم عن غيرهم من الشعوب. ومن هذه الناحية هي عبارة عن إرث، ثقافي وربما نسبيا جسماني، أي تأكيد الانتماء لأصل، واستمرار للماضي.
في المقابل، العروبة كاختيار ايديولوجي، هي توجه نحو المستقبل، مشروع للمستقبل، اقتراح للعمل وإعادة تشكيل الذات. مشروع لبناء العروبة الوصفية من أفق آخر وفي شكل آخر. وهي من هذه الناحية خروج من الواقع إلى الرمز، ومن المجسم إلى المجرد، ومن المادة إلى الروح. بث الروح في الجسد.
ولذلك كانت العروبة منذ نشأتها على أنقاض الاجتماع العثماني المللي وايديولوجيته الدينية، مشروع تغيير. وربما كانت، كما ظهرت في بداياتها، موضوع ثورة على الماضي، على العروبة الإتنية نفسها بوصفها التصاق بالدم والعرق والقرابة المادية والتقاليد البدوية أو القرسطوية الجامدة والمستهلكة[1].
باختصار، لا يعني تكلم أناس لغة واحدة، وامتلاكهم تقاليد واحدة، بل وإنتسابهم الفعلي أو الوهمي إلى جد واحد، تلقائيا، أنهم يشكلون جماعة سياسية واحدة، ومن باب أولى أمة واحدة، أو أنهم يتصرفون كجماعة أو أمة. فالعروبة كهوية للعرب لم تولد تلقائيا من اتصافهم بسمات مادية وثقافية مشتركة، وإنما هي عملية صنعية مركبة. ولا تحصل إلا بوجود فكرة وراءها تعطي للصفات المشتركة مضمونا ومعنى. فقد كان العرب يتحدثون لغة واحدة ولديهم إرث بيولوجي وثقافي مشترك في ما يسمى عصر الجاهلية، لكنهم لم يكونوا شعبا أو امة، ولكن كانت هويتهم الحقيقية، أي أسلوبهم في التعريف بأنفسهم وإدراك ذاتهم، ما أسميه الوعي بالذات، قبلية. وكان النزاع بين القبائل العربية يفوق النزاع بين العرب والشعوب الأخرى، لدرجة اعتبر المؤرخون العرب أن اجتماع كلمة العرب في معركة ذي قار ضد الفرس كان إيذانا بولادة هوية عربية مشتركة، أو شعبا عربيا. وبعد ظهور الاسلام اختفت العروبة أيضا كاستراتيجية هوية وتسمية ذاتيه وحل محلها الإسلام، وتقلص الشعور بالعروبة إلى تكوين إتني لا قيمة له ولا أهمية بالمقارنة مع الانتماء للجماعة الدينية التي تتجاوز العنصر الاتني والقبلي معا وتقدم وحدها مرجعا أخلاقيا وسياسيا لأنها هي التي تنطوي على معاني فكرية.
ثم إن الهوية ليست صنعية فحسب ولكنها تاريخية أيضا، أي ليست ثابتة ولا باقية على طول الزمن. وهذا ما يشير إليه تغير محتوى العروبة ودلالاتها الثقافية والسياسية على مر العصور. فقد ورثت العروبة القومية في العصر الحديث العروبة الدينية المنصهرة بالاسلام والمتماهية مع حضارته وثقافته في الحقبة الوسيطة، التي كانت قد حلت في مرحلة سابقة محل العروبة القبلية. واليوم تحن ننزع إلى تخليص العروبة من لباسها القومي الحديث، او القومجي، لنعيد بناءها على أسس أكثر انفتاحا وإنسانية أو كونية.
2- تحولات العروبة:
وبشكل عام، شكل مفهوم العروبة، أي توظيف الخصائص الإتنية الموضوعية في مشروع ثقافي أو سياسي يتطلع إلى المستقبل، بما في ذلك ربط العروبة بالانتماء إلى حضارة وثقافة محددة، والعمل على إحياء تراثها والاستثمار فيها، القاطرة التي سعى المثقفون والمفكرون والساسة، أو كثير منهم، إلى استغلالها لنقل حياة العرب من نموذج المجتمعات التقليدية السلطانية والقرسطوية إلى النموذج الحديث، وإعادة تشكيل حياتهم بحسب القيم والمعايير الحديثة، الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. ولم تتقمص العروبة جسدا واحدا كما يبدو لنا اليوم، هو الفكرة القومية العربية التي سادت في الخمسينات والستينات، ولكنها ظهرت في أشكال مختلفة، وكانت ميدانا لاستثمارات متنوعة أيضا، وغيرت من جلدها مرات ومرات. وبالرغم من أنها تظهر اليوم بمثابة حائط مبكى ومشجب يعلق عليه جميع العرب، بصرف النظر عن أوضاعهم ومواقعهم، إخفاقاتهم ومثالبهم ونقائصهم الفكرية والأخلاقية والسياسية، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولا في النصف الأول من القرن العشرين.
فقد ولدت العروبة الأولى في القرن التاسع عشر في ثياب نزعة إنسانية كونية قوية. وارتبط نشوؤها بمفهوم ايجابي لا نزال نردده إلى اليوم هو عصر النهضة، تيمنا بعصر النهضة او الانبعاث الأوروبي في القرن السادس عشر، وما رافقه من ازدهار في الآداب والفنون والعلوم وجميع أشكال التغير الايجابي والتقدم والابداع. فقد مثلت في ذلك العهد بداية اكتشاف العرب أو مثقفيهم للعالم الحديث الصاعد من حولهم، وما يعنيه من تطور للعلوم والتقنيات والنزعات العقلية والأخلاقية. وكان جوهر العروبة هذه هو الانفصال بالعرب أو الابتعاد بهم عن عصر الثقافة القرسطوية وتقاليدها وتراثها، وإدراجهم في عصر الثقافة الحديثة، والعمل على استيعاب مفاهيمها وقيمها وتطلعاتها العقلية والإنسانوية. وفي هذا العهد سيرتبط مفهوم العروبة الناشيء بالمفاهيم الجديدة الصاعدة مثل الحرية والوطنية والدستور والمواطنة، ويتطابق مع عملية البحث عن تأصيل الثقافة الزمنية وتنمية العلوم العصرية المتميزة عن العلوم الدينية. لم تكن العروبة في هذه الفترة بنت الحداثة فحسب، وإنما كانت أداتها وجوهر مفهومها في المجتمعات العربية التي كانت بالكاد قد بدات تعي وجودها المتميز على هامش تفكك الدولة الامبرطورية العثمانية وانحلالها. وقد استثمرت العروبة هنا لتحقيق النهضة بالمعنى الحديث للكلمة، وتوجيه العرب نحو الفكرة الكونية والإنسانية بما تشتمل عليه من قيم ومعايير اجتماعية. فكانت أداة لتجديد التراث وإحياء القيم الزمنية المدفونة والعودة إلى العلوم العقلية وتجديد التراث العربي القديم نفسه عن طريق الاجتهاد العقلي والإصلاح الديني.
لكن لن يبقى هذا المفهوم الكوني للعروبة جامدا وثابتا لفترة طويلة. وسوف يخضع لتحولات عميقة على هامش معركة الدستور وإصلاح الامبرطورية السياسي، وبشكل خاص بعد إخفاق مشروع تحديث الامبرطورية وتولي نخبة قومية طورانية السلطة في اسطنبول. فبعد أن بقي مفهوم العروبة مرتبطا ببناء ثقافة عربية حديثة مستقلة عن الثقافة الدينية التقليدية ومرتبطة بالعصر، سوف تدفع الصراعات السياسية لنهاية عصر الامبرطورية وفشل الثورة الدستورية العثمانية واغتيالها على يد السلطان عبد الحميد، والقمع الذي أعقب ذلك في المناطق العربية، إلى انزياح العروبة الجديدة بشكل متزايد نحو الحقل السياسي. وبعد حقبة تحكم فيها المثقفون ورجال الدين المصلحون بمفهوم العروبة وجيروه لخدمة اهدافهم الإنسانوية والتحديثية، دخل المفهوم على أيدى رجال السياسة في سجل تاريخي جديد.
وإلى جانب ما أصبح يعرف في الأدبيات التاريخية بالجمعيات العربية التي تبنت مفهوم العروبة، وربما كانت جمعية العهد هي النموذج الأوضح لها، سوف تكتسب فكرة استقلال العرب عن الأتراك وتكوين دولة عربية مستقلة ومتميزة مواقع كبيرة وسريعة في اوساط الرأي العام والطبقة الوسطى[2]. وهذا ما سوف تكرسه فكرة الثورة العربية الكبرى ومشروعها، في العشرينات من القرن العشرين، وذلك بصرف النظر عن مصير هذه الثورة ومستقبل مشروعها. فنحن هنا امام مفهوم للعروبة يتطابق بشكل واضح مع الفكرة الوطنية الاستقلالية والدستورية الليبرالية التي شغلت العرب، ساسة ومثقفين، وحركت نشاطهم، في النصف الأول من القرن العشرين.
ولا أعتقد أن لعروبة الثورة العربية الكبرى، التي قادها الشريف حسين، علاقة كبيرة بفكرة العروبة كما سيعاد بناؤها بتردد وبطء في البداية منذ الأربعينات، لكن بقوة واضحة وتصميم في الخمسينات والستينات، أعني بالحركة القومية العربية الشعبوية، ثم الثورية والانقلابية التي ستملآ عقل العرب وقلبهم بعد الاستقلال. وربما لم تكن هذه الحركة إلا رد فعل مزدوج على إخفاقين شهدتهما العروبة منذ نشوئها، مشروع الاستقلال عن الدولة العثمانية وتكوين دولة مستقلة او كيانا عربيا متميزا ومستقلا، ومشروع بناء دولة وطنية قطرية فاعلة بعد انهيار حلم المملكة العربية الواحدة أو اغتياله من قبل البريطانيين والفرنسيين بتطبيق اتفاق سايكس بيكو سيء السمعة[3].
كان منطلق العروبة الجديدة مفاهيم مختلفة تماما عن المفاهيم الكونية للثقافة الحديثة في القرن التاسع عشر، وعن مفاهيم الثورة الاستقلالية والدستورية التي سيطرت على الحركة العربية داخل الأقطار المكافحة من اجل الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي. ولهذا لم تبق، كما كانت في الحقبة الاستعمارية، أساسا أو مبدأ لرابطة سياسية، تكرس حلم الدولة العربية في الاستقلال وتكوين دول سيدة ومستقلة، يمكن أن تتوحد في المستقبل لتعوض عن انهيار حلم المملكة العربية، وإنما تحولت إلى حركة شعبوية تجمع بين العداء للاستعمار الأوروبي والكفاح ضد النخب والطبقات الاجتماعية الارستقراطية التي ستظهر وكانها الحليفة الرئيسية للغرب الاستعماري. ولذلك ستنسلخ العروبة من جديد عن جلد الوطنية الدستورية الليبرالية الذي لبسته في حقبة ما بين الحربين، في الصراع ضد الاستعمار الغربي ومن أجل الاستقلال وتكريس سيادة الدول، لتتخذ شكل الثورة والانقلاب الاجتماعي والسياسي الذي يشكل مدخلا لاستكمال العمل من أجل الاستقلال غير الناجز والسيادة الناقصة. وهكذا ستنبثق الحركة القومية العربية منذ البداية كحركة انقلابية وثورية، وتراهن على التعبئة الشعبية بدل تفاهم أصحاب المصالح والنفوذ والحظوة من أبناء النخب المدينية والريفية الذين كانوا يسيطرون على الدولة ويشكلون أداة التواصل بين الغالبية الشعبية الفقيرة والمهمشة والسلطة الاستعمارية صاحبة القرار الحقيقي في السياسة والاقتصاد.
في هذه الحقبة التي سنطلق عليها في أدبياتنا اسم الحقبة القومية أيضا، سوف تكون العروبة مرادفة لقيم التقدم الفكري والاجتماعي والتاريخي. وبالرغم من أن الوحدة كانت محور ايديولوجية الحركة القومية، إلا أن نشاط الحركة سيتركز في النهاية في المسألة الاجتماعية والسياسية، أي في تغيير توازنات السلطة واعادة توزيع الثروة. بل إن هذا التغيير السياسي لصالح فئات وطبقات جديدة، هو الجانب الوحيد من التغيير الذي سيستمر ويبقى بعد انحلال الحركة وانحسارها. اما الوحدة أو الوحدات التي طمحت إلى تحقيقها أو همت بتحقيقها فلم ير أي منها النور. والوحدة اليتيمة التي تحققت بين مصر وسورية في أواخر الخمسينات بالكاد دامت ثلاث سنوات. وحتى في ما يتعلق بالنزاع مع الغرب، لم يعد موضوع السيادة والاستقلال هو جوهر المشكلة، وإنما الدفاع ضد الغرب عن سياسات الإصلاح الاجتماعي التي اطلق عليها اسم الاشتراكية، والتي أثارت بالفعل حساسية الدول الغربية وعدائها بسبب ما كانت تنطوي عليه من حتمية التحالف بين الأقطار العربية المنضوية تحت لواء الحركة القومية التقدمية الاشتراكية والمعسكر السوفييتي السابق المنافس للغرب.
العداء للغرب، أو للامبريالية بما تعنيه من سياسات الهيمنة الدولية عبر التكتل السياسي الغربي الليبرالي (لا للاستعمار) ، العدالة الاجتماعية، الثورة على الماضي والتقاليد، وتصفية مرتكزات الطبقة الارستقراطية، التوجهات التقدمية واليسارية، والتحرر الديني، هذه هي قيم القومية الثورية لحقبة ما بعد الاستعمار. ولأنها ارتبطت بفكرة الطليعية السياسية، أصبح من الطبيعي أن لا ترى أي قيمة للقيم الديمقراطية والتمثيلية القانونية والدستورية، وأن تركز بشكل اكبر على النخبة الثورية المخلصة والمنظمة في تكوينات حزبية قوية. وبالمثل، لم يعد للوحدة في منظور هذه العروبة التقدمية والثورية قيمة مركزية طالما أصبحت تعتمد بشكل أكبر في ضمان تقدمها واستقرارها على قوى الثورة العالمية والمعسكر الاشتراكي. ومن الممكن القول إن هذه الطبعة الجديدة من العروبة قد طلقت تماما قيم العروبة السابقة في الاستقلال والوحدة والسيادة. المهم هنا التقدم والتغيير الاجتماعي. وبهذا المعنى تشكل عروبة الخمسينات والستينات نموذجا لما اطلقت عليه الادبيات الماركسية اسم حركة التحرر الوطني كجزء من حركة التحرر العالمي من السيطرة الغربية والرأسمالية.
3- أزمة العروبة وأزمة الهوية
هكذا، لم تكن العروبة أمرا بديهيا في الماضي، وليست أمرا بديهيا اليوم. فمن الواقع الوصفي الواحد، وهو هنا وجود شعب يتحدث لغة واحدة وينسب نفسه لأصول واحدة، يمكن بناء مشاريع اجتماعية وسياسية متعددة، تبعا للقيم التي تحرك النخب السائدة او تنتشر في أوساط واسعة من الرأي العام. وفي كل مرة يشكل التحول من مشروع إلى آخر محور أزمة هوية عميقة، لأنه يضع وجها لوجه الشعور الأولي بالعروبة في مواجهة الاختيارات الفكرية والسياسية التي ارتبطت بها في هذه الحقبة أو تلك. وليس من الممكن تحرير العروبة كمفهوم وصفي من العروبة كما يجسدها هذا المشروع أو ذاك في حقبة من حقب التاريخ ما لم يتبلور مشروع جديد، أي طالما لم ينجح المجتمع في بلورة رؤية واضحة للمستقبل، ويضفي محتوى جديدا على صفة هي من حكم الواقع والتاريخ. ومما يزيد الأوضاع تعقيدا أن بلورة هذه الرؤية ليست مستقلة عن البيئة العالمية وما تقدمه من خيارات استراتيجية وسياسية وفكرية.
ونحن نعيش اليوم أزمة العروبة القومية التي مسحت كل ما قبلها من النسخ، وارتبطت بحقبة تميزت بصعود الحركة الشعبية الواسع والآمال والتطلعات الكبيرة التي رافقتها في التغيير السياسي والاجتماعي والحضاري. حتى أصبح من الصعب فك مفهوم العروبة الأول عن استخدامه العروبي القومي اللاحق. ومن هذا المنظور تشكل العروبة الجديدة التي عمت فكرتها جميع أرجاء العالم العربي لأول مرة، وأصبحت هوية جامعة للشعوب العربية بالرغم من انعدام التواصل السياسي، ثمرة الحركة القومية الشعبية وضحيتها في الوقت نفسه. فمن دونها ما كان من الممكن للعروبة أن تتغلب على الأفكار القطرية أو القومية المنافسة لها، التي انتشرت في العديد من الأقطار، ولا أن تحل محلها. لكن إخفاق الحركة القومية الشعبية يضع العروبة في مأزق صعب نتيجة مطابقة العروبة في الوعي الداخلي والخارجي مع قيم القومية واختياراتها. وهذا ما يفسر الصراع الذي احتدم من جديد حول العروبة وخياراتها والمصير البائس الذي وصلت إليه الفكرة القومية العربية والحركة او الحركات المرتبطة بها، سواء من حيث تراجع مواقعها السياسية والفكرية في وسط الرأي العام، او بسبب تحولها إلى تراث داشر، قابل للاستهلاك والاستخدام والمتاجرة من قبل أطراف عديدة تحاول أن تغطي بالعروبة، حتى في أضعف أحوالها، على افتقارها لأي مصدر مشروعية[4].
ومن الأسباب التي تفاقم من أزمة الهوية المتعلقة بالعروبة، وتعيق إمكانية حلها السريع أن الجماعة العربية، أو التي نطلق عليها اسم عربية، مثلها مثل الجماعات القومية الأخرى، ليست ماهية جامدة وثابتة يمكن تمييزها بسهولة وفصلها عن استخداماتها التاريخية وتقمصاتها الايديولوجية. فهي واقع تاريخي حي ومتحرك، وثمرة التوسع والاختلاط والتزاوج والتصاهر والاندماج المادي والثقافي معا. مما يعني أنها في تغير مستمر. ويمكن القول إن ما حصل للعرب في القرن الماضي هو انقلاب قوي في محور الهوية والانتماء القومي. فقد جاءت إعادة اكتشاف العروبة أو استعادة الوعي بالذات من منطلق ثقافي وقومي بعد قرون طويلة من سيطرة الهوية الدينية الاسلامية. ولم يكن هذا التحول في الشعور بالهوية العربية، أو بالأحرى في استراتيجية الهوية، على مستوى واحد عند جميع قطاعات الرأي العام والفئات الاجتماعية. ولا يزال مصبوغا، إلى اليوم، في أوساط كثيرة، بذاكرة الهوية الملية أو الطائفية التي ميزت تاريخ السلطنة الاسلامية الطويل وتقاليدها. ولم ينجح القوميون، أعني أصحاب الفكرة القومية وفلاسفتها في تحرير الشعور بالانتماء العربي كليا من الانتماء الاسلامي، بالرغم من الجهد الكبير الذي بذلوه في سبيل ذلك. وربما كان أكبر مؤشر على ذلك شعور بعض قادة الفكرة القومية العربية من المسيحيين بالحاجة إلى اعتناق الاسلام، أو التقرب من فلسفته ومبادئه، من أجل إظهار انتمائهم العربي أو تأكيده، كما حصل مع أحد منظري الفكرة الكبار وممثلها ميشيل عفلق.
يضاف إلى ذلك أن التاريخ لم يشهد في أي حقبة من الحقب تطابقا فعليا بين حدود الجماعة الثقافية العربية وحدود الدولة السياسية التي تنتظم فيها. فقد انقسم العرب في الجاهلية بين قبائل وعشائر وممالك أو شبه ممالك متنافسة، اشتهرت من بينها المملكة المنذرية والمملكة الغسانية. وقد تفاقم الأمر مع حركة التوسع والفتوح التي واكبت انتشار الاسلام وأدت إلى بناء دولة امبرطورية تجمع إلى جانب العرب شعوب شرق وجنوب المتوسط جميعا، وتصهرهم تحت راية اسلامية واحدة. وإذا كان العهد الراشدي ثم الاموي قد احتفظ للعرب بموقع متميز في الدولة الجديدة إلا أن تقدم المشروع الامبرطوري قد فتح المجال امام صعود شعوب وأقوام أخرى إلى مقدمة المسرح السياسي للدولة، وإضفائهم خصائصهم الفكرية والثقافية، واحيانا لغاتهم عليها. وخلال قرنين أو ثلاثة أصبحت السيطرة العربية على الدولة الجديدة من ذكريات الماضي. وجاء العثمانيون منذ القرن الرابع عشر الميلادي ليعيدوا صهر المنطقة نفسها وشعوبها في مصهر الهوية الامبرطورية التي تجمع بين ملل دينية.
وقد استمرت الصيغة نفسها في القرن العشرين، بعد انحلال السلطنة وظهور نموذج الدولة القومية. فبسبب غياب قوة سياسية عربية مركزية، لم يسفر تفكك الامبرطورية العثمانية عن نشوء جماعة عربية موحدة ودولة عربية تتطابق فيها حدود الثقافة القومية مع حدود الدولة السياسية، وإنما أسفر عن سيطرة القوى الأوروبية التي أعادت تشكيل المنطقة من وجهة نظر مصالحها الخاصة، أي من منظور تقاسم مناطق النفوذ، وبالتالي تقسيمها بما يضمن تحقيق هذا النفوذ وتوزيع دوائره بين الدول الكبرى الأوروبية. وكان هذا التقسيم فاتحة لأزمة قومية عربية لم تنته إلى اليوم نجمت عن تصادم الوعي القومي العربي الصاعد، تمثلا للقيم القومية الحديثة نفسها، بواقع السيطرة الاستعمارية وتقسيمها للمنطقة العربية.
من هذه الأزمة، وجوابا عليها، نشأت أصلا حركة القومية العربية الشعبية التي وضعت نصب عينيها توحيد العرب من جهة وتحريرهم من النفوذ الغربي والسيطرة الأجنبية، بهدف الوصول إلى الصيغة القومية الحديثة المنشودة، أي مطابقة حدود الجماعة الثقافية، الناطقة بالعربية، مع حدود الجماعة السياسية، أو تكوين دولة عربية قومية بالمعنى الحديث للكلمة، تضع العرب على المستوى ذاته من التطور السياسي والدولي الذي بلغته الشعوب الأخرى.
لكن العامل الأهم في تعميق أزمة الهوية العربية لحقبة ما بعد الثورة القومية هو إخفاق الحركة القومية العربية في تحقيق حلم الدولة القومية او الدولة الامة التي تتطابق حدودها الثقافية (الأمة) مع حدودها السياسية (الدولة). فقد أدى هذا الإخفاق، لأسباب ليس هنا مجال البحث فيها، إلى وضع الهوية العربية في طريق مسدود، بمقدار ما كرس انتصار الخيار النقيض، أي بمقدار ما ثبت خضوع المنطقة لمنطق تقاسم النفوذ الذي يعني هنا ترسيخ التحالف، كما لم يحصل في أي وقت سابق، بين النخب المحلية الحاكمة والقوى الغربية، الامريكية والاوروبية، وزاد من حدة التناقض بين منطق الجماعة الثقافية ومنطق الجماعة السياسية. فالشعور بالوحدة والانتماء الثقافي المتنامي، بفضل تقدم عملية التحديث والانفتاح على العالم، يصطدم أكثر فأكثر بواقع الانقسام الفعلي والسيطرة الأجنبية أو التبعية للأجنبي، ويعمق الشعور الموازي بخيبة الأمل والخديعة والإحباط التاريخي. وهذا هو المصدر الرئيسي لشقاء الوعي العربي والعروبي اليوم.
تتخذ الردة على ايديولوجية القومية العربية التي كانت في أصل الإخفاق، أو التي يحملها أكثر الرأي العام مسؤولية الإخفاق، ويحملها قسم أقل مسؤولية قيادة العرب في طريق مسدودة، جريا وراء الأوهام، شكل الارتداد أيضا عن الهوية العربية نفسها، أو التشكيك في قيمة هذه الهوية وفائدتها بل في وجودها[5]. وأكثر فأكثر يستفيد معارضي الفكرة العربية من فائض في المعنى، يؤمنه لهم تنصلهم من فكرة أصبحت تبدو عبئا على المجتمعات بعد أن كانت تبدو حافزا لتحريرها. فيظهر هؤلاء كما لو كانوا من المجددين او المبشرين بآفاق جديدة، تسمح بتجاوز الإخفاق الماضي. هكذا يشكل اليوم انتقاد العرب وتشويه صورتهم وتسويد صفحتهم التاريخية، بل وأحيانا الانسلاخ عن الهوية، جزءا من الانتقام من الذات، وإرضاء مشاعر الإحباط العميقة التي تعذب العربي وتضغط عليه بعنف. كما يشكل جلد الذات التمرين اليومي للعرب، مثقفين وسياسيين ومواطنين عاديين. فالكل يشكو من العرب ومن سلوكهم وضعفهم ونفاقهم وتخلفهم وانقسامهم، ويتصرف كما لو لم يكن جزءا منهم، ولا يترتب عليه أي مسؤولية في ما حصل ويحصل لهم. مما يعني في العمق أن هناك منطقا داخليا يسود اليوم تكون المسؤولية بحسبه في ما وصل إليه العرب من إخفاقات وتقصير في جميع ميادين التقدم الحضاري، المادي والمعنوي، هي العروبة نفسها، وليس العرب من حيث هم أفراد وجماعات ونخب وطبقات سياسية وحكومات ونظم ودول. فلا احد من هؤلاء يطرح على نفسه أي سؤال يتعلق بنصيبه في المسؤولية عما حصل ويحصل في الحاضر، ولا نرى أي شكل من أشكال النقد الذاتي او المراجعة، منذ أربع عقود من الحديث عن الإخفاق والفشل، عند أي طرف من الاطراف، لا الأحزاب ولا النخب ولا الحكومات.
ما حصل هو أن إفلاس الحركة القومية العربية، أي الايديولوجية العروبية، قد نزع الصدقية عن العروبة أيضا كاختيارات ايديولوجية، ثقافية وسياسية، وكتوجهات حضارية. وهذا ما أدى إلى انفصال الواقع العيني عن الرمز، وضياع الدلالة التي كانت له. فإذا لم تعد خياراتنا العروبية ناجعة فعلى أي أساس أو مبدأ نتوجه؟ من نحن، وماذا نساوي وبماذا نستطيع أن نحلم؟ إذا انحسرت العروبة كدلالات معنوية معروفة ومقبولة ومنشودة، ما قيمة صفة العربية، وكيف نوظفها، وما معنى أن نكون عربا، وما قيمة ذلك وما فائدة الانتماء للعروبة إذا كانت عاجزة عن أن تفتح لنا أي أفق؟ لا شيء.
هكذا يبقي انحسار المرجعية العروبية، ممثلة بآخر تجسداتها في الحركة القومية، العرب من دون مشروع ومن دون توجه وبالتالي من دون مستقبل، لأنه يحرمها من مرجعية فكرية وسياسية واضحة ومعروفة. وهذا ما تسفر عنه أزمة الهوية التي تتجسد في الانفصال بين الواقع المادي الخام ورمزه، أي في فقدان الانتماء الطبيعي والموضوعي للعروبة دلالاته الأخلاقية والايديويولجية والسياسية، أي الإنسانية. وهو من نوع فقدان المبنى (العروبة) للمعنى ( مشروع المستقبل: التحديث أو الاستقلال او الاتحاد أو الثورة الاجتماعية والعدالة)، وبالتالي البحث عن المعنى في مبنى آخر، أو إعادة إضفاء دلالات جديدة وملهمة على المبنى نفسه.
فالواقع أن الهويات كالعملة، توجد منها اختيارات عدة لكن محدودة. تستثمر الجماعات في ما نعتقد أنه الأبقى والاكثر وعدا. العروبة كانت مرجعية واعدة،: بالانبعاث الفكري والروحي، أي الانساني والأخلاقي، بالنهضة، بالاستقلال، ببناء أمة كبيرة وقادرة، بتمكين الشعوب من المشاركة في حضارة العصر، بالحداثة، أو بدمج العرب في الحداثة، بالمواطنية، بالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة. هكذا ارتفع رصيد العروبة كاستراتيجية هوية او مماهاة أو وعي بالذات، بشكل مستمر منذ النهضة حتى السبعينات. أصبح الجميع، بصرف النظر عن أصلهم الاتني، ينتمون إلى العروبة. أصبحت هوية وايديولوجية أيضا. من ليس عربيا يصيره بالايديولوجية. الاكراد والبربر والارمن والشركس صاروا، في الخمسينات والستينات، كل على طريقته الخاصة، بهذا المعنى، أي بانخراطهم في مشروع العروبة الإنساني ثم الدستوري ثم الاستقلالي ثم التحرري والاجتماعي، عربا.
بعد إخفاقها، فقدت العروبة القومية رصيدها. وزاد في موازاة ذلك النزوع إلى التخلي عنها والتنكر لها واستبدالها، بوعي أو من دون وعي، باختيارات ايديولوجية ومرجعيات أخرى. وتتنافس المحاولات اليوم وتتضارب للبحث عن تربة تكون قادرة أكثر على أن تنتج ما أخفقت في إنتاجه تربة الفكرة العروبية.
ما هي الاختيارات الجديدة التي يراهن الرأي العام او قطاعاته المختلفة عليها لتحل كعملة مرجعية محل عملة القومية العربية المفلسة، وأين يبحث عن المعنى أو الفكرة الملهمة؟
أول مواقع الاستثمار الجديد وأهمها، كما لا يخفى على أحد، هو الدين، والاسلام بشكل خاص. وليست الاسلاموية، وهي غير الاسلام، إلا الايديولوجية او الخيارات الثقافية والسياسية التي تجعل من الاسلام مرجعية جديدة للعروبة الوصفية: روحها ومضمونها ومعناها. فهي تطرح نفسها بديلا عن العروبة القومية في كل النواحي: كمشروع تأهيل أو إعادة تأهيل أخلاقي ومعنوي، ومشروع توحيد جيوسياسي، ومشروع بناء لعلاقة اجتماعية وتضامن اجتماعي معا، أي كهوية ثقافية مميزة للعرب عن غيرهم من الامم والشعوب، وكهوية سياسية مؤسسة لسياسة ودولة فاعلة في النظام الدولي العالمي. من هنا تحمل الاسلاموية في طياتها مشروع صراع وتنافس مع الفكرة القومية وتظهر كما لو كانت فكرة قومية بديلة، أي اعادة تأويل العروبة الموضوعية إسلاميا، وبناء الدولة العربية التي حلم بها القوميون، بوسائل أخرى، برمزية دينية[6].
ومن المشاريع المطروحة أيضا على أنقاض الفكرة العروبية: الوطنية القطرية، التي تعني العودة إلى الاستثمار في القطر ودولته، اكتشاف الهوية السورية واللبنانية والعراقية والمصرية إلخ، والعمل على تزويدها بمعنى ودلالة إنسانية. ويشكل هذا تطلعا جديد إلى المستقبل يهدف إلى بناء الامة بمفهوم المواطنية[7]. وفي هذا السياق ينبغي ان نفهم معنى إعادة تثمين الوطنية المحلية الدستورية والليبرالية لحقبة ما قبل الاستقلال، واكتشاف مرجعية حقوق الانسان، والديمقراطية. وفيه أيضا ينبغي أن نفهم عداء كثير من القوميين للتيارات الديمقراطية التي تبدو وكانها تساهم في إبعاد الفكرة العروبية أكثر عن الساحة أو الحلول محلها، وطرح مشروع يحيدها أو يثمن الدولة القطرية ويلغي أفق العروبة الوحدوية، أو يضعفه. يبدو الخيار الديمقراطي في نظرها، بل في نظر الكثير من أنصار الديمقراطية أيضا، تعويضا وربما بديلا للخيار العربي. ويثير نتيجة ذلك رد فعل قوي لدى أؤلئك الذين يخشون أن يكون المشروع الديمقراطي في النهاية حصان طروادة لترسيخ القطرية ونظام السيطرة الأجنبية المرتبط بها، وإبعاد الخيار العروبي الوحدوي إلى عالم النسيان.
ومن الأفكار التي تسعى إلى ملء الفراغ الذي تركه انحسار القومية العربية وزوال الايمان بوعودها، الشعوبية، أو الإتنوية التي تتجلى في نزعة التاكيد على الانفصال عن العرب والتميز عنهم. وفي هذا السياق ينبغي أن ندرج اكتشاف الأقليات، على مختلف أصنافها هويتها التاريخية او ما قبل التاريخية، وحماسها لإعادة بناء ثقافتها الخاصة، وتكوين مرجعيتها المستقلة. وفيه أيضا ينبغي أن ندرج تنامي الوعي عند الأقليات القومية بذاتها، وكذلك تنامي الوعي عند الأكثرية بوجود الأقليات وأحيانا بحقوقها. ويفسر ذلك كله عودة مشكلة الأقليات التي كادت تغيب تماما عن الذهن في العقود التي سيطرت عليها الفكرة القومية، إلى مقدمة المسرح الثقافي والقانوني والسياسي.
ومن الأفكار الجديدة القديمة الناشئة في حضن أزمة الهوية العربية والطامحة إلى التعويض عنها، الطائفية: سواء تمثلت في صعود الانقسامات المذهبية داخل الدين الواحد أو تنامي العصبيات الجماعية على أساس ديني بين أصحاب العقائد المختلفة. وهي تبدأ على شكل حزازات وانقسامات ونزاعات جزئية، ولا تلبث حتى تكتسب معاني ثقافية وسياسية، وتصبح مرجعية وهوية قائمة بذاتها يعرف الفرد نفسه من خلالها وبها. هكذا يعاد اكتشاف قيمة الاختلاف المذهبي والديني وتحويله إلى قاعدة تضامن مستقل بين الأفراد، إي إلى أساس رابطة مجتمعية، جمعية سياسية أو شبه سياسية[8]. تسعى الطائفية بذلك إلى التعويض الجزئي أو الكلي عن غياب التضامن والترابط الاجتماعي العموميين. وهي تعبر عن إخفاق السياسة القومية في بناء إطار تضامنات فعلية وطنية ما فوق طائفية.
وهذا أيضا ما يعكسه انبعاث العشائرية: أي الاستثمار في القرابات المادية، الحقيقية أو الموهومة. والعشائرية هي عودة إلى العصبية الطبيعية، الدرجة الأبسط والأغشم من الترابط الاجتماعي.
ومن الأفكار أو الايديولوجيات الجديدة التي تسعى إلى وراثة الفكرة القومية العربية، ما أسمييه العدمية القومية. وهي غالبا ما تعرض نفسها على أنها نزعة كونية وإنسانية وتنويرية ترفض الانتماء الجزئي وتنادي بالاندماج في عالم الحداثة، التي تنظر إليها كحداثة قياسية، واحدة وتوحيدية. وتركز من خلالها على العلمانية بوصفها جوهر الحداثة وعقيدة أو خيارا يتجاوز أو يرتفع على الهوية القومية والدينية، على العروبية والاسلاموية والطائفية والعشائرية في الوقت نفسه[9].
أما ما تبقى من القوميين أو أصحاب الفكرة القومية، فقد تحولوا بعد انحسار سلطتهم الايديولوجية إلى عالة على الفكرة الاسلامية. وهذا ما يفسر التقارب بين حركتين ونزعتين بقيا لعقود طويلة خصمين لدودين، وتعميق التحالف بينهما، كما يعبر عن ذلك نجاح المؤتمر القومي الاسلامي واستمراره منذ عام 1994 إلى اليوم.
4- مستقبل العروبة
كيف ستتطور الهوية في البلاد العربية وما هي المخارج المحتملة لأزمة الهوية فيها، أي ما هي احتمالات التاريخ؟
لا اعتقد أن العروبة سوف تفقد قيمتها، سواء أتحقق اتحاد عربي أم لم يتحقق. ولن يؤدي انحسار الطبعة العروبية القومية منها او انحلالها إلى ضياع العروبة كانتماء ومركز استثمار للمستقبل أيضا في القرن الواحد والعشرين. بل ربما كان العكس هو الصحيح. فبمقدار ما تنحسر ذكريات الفترة القومية التي ارتبطت بالإخفاق والإحباط والانحطاط السياسي والأخلاقي في طورها الأخير، من المخيلة العربية، سوف يعود مفهوم العروبة من جديد ليشكل مرتكزا لإعادة بناء الثقافة والهوية وربما الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
وفي اعتقادي، سوف تبقى الاسلاموية التي احتلت جزءا كبيرا من الفضاء الذي كانت تشغله العروبة القومية، ولا تزال تسعى إلى الحلول محلها، من دون آفاق ولا مرتكزات سياسية وثقافية عميقة، إذا انفصلت كليا عن العروبة. وبالعكس، كلما انخرط الاسلامويون في الكفاح من أجل الاندراج في العصر، أي التفاعل بنجاعة وفعالية معه، وتحقيق السيادة والاستقلال السياسي والثقافي والفكري، والانخراط في إدارة الدولة وتسيير الاقتصاد، سيجدون انفسهم مضطرين إلى التراجع إلى موقع العروبة وخندقها. وإعادة بناء عقيدتهم أو مرجعيتهم الاسلامية بالترابط معها. فهي وحدها التي تستطيع أن تستوعب عصرنة المجتمعات الاسلامية أو تحديثها، من دون أن تخاطر بالانفصال عن الاسلام أو الوقوف في مواجهته.
وبهذا المعنى، تشكل العروبة في نظري نقطة التراجع الأخيرة والحتمية للاسلاموية، عندما تصمم على الانخراط الفعلي في معركة عصرها، والحفاظ على نفوذها وسلطتها. ومن خلال العروبة وحدها يمكن لها إعادة تجديد ايديولوجيتها وبث روح العصر فيها، بما في ذلك تمثل منطق احترام حقوق الإنسان والحريات الشخصية والاعتقادية. من دون قاع العروبة، ستبقى استثمارات الاسلامويين وتصحياتهم من دون قرار، وستكون جهودهم كمن يزرع في الفراغ. إذ حتى الفكرة الدينية بحاجة إلى وعاء قومي يحملها. وأحد نقاط ضعف الحركات الاسلاموية العربية هي بالضبط في العدمية القومية التي دفعهم إليها صدامهم التاريخي والطويل مع الحركة القومية العربية كما تجسدت في النظم الناصرية والبعثية بشكل خاص.
أما الايديولوجية القطرية، فليس لها أمل كبير في النمو لأنها لا ترتبط بأي ثقافة كونية وأخلاقية سياسية. فقد قطعت الامبريالية، في المرحلة الأولى، ثم العولمة، في مرحلة ثانية، الطريق على تكوين ثقافات وطنية حية ونشيطة مستقلة عن الثقافة العربية الاسلامية التاريخية في الدول التي نالت الاستقلال. وهذا ما يميز مسارها عن مسار تكون الثقافات والأمم في أوروبة اللاتينية. وبالرغم من مرور عقود طويلة عليها، لم تنشأ في أي قطر ثقافة وطنية متميزة ومستقلة، او بسماكة كافية حتى تحقق القطيعة مع الثقافة العربية التاريخية والشاملة، وتفتح سجلا جديدا للثقافة من منطلقات وحسب معطيات قطرية او وطنية ثابتة. وهذا ما يفسر أن الثقافة العربية الحديثة لا تزال ثقافة واحدة، ولا يزال التواصل في ما بينها عبر الأقطار أقوى تأثيرا في حركتها من التواصل داخل كل قطر من أقطارها. وليس أمام الدول سوى الاختيار بين مرجعية العدمية القومية التي تعني اليوم خيار التغريب الذي يعزز تبعيتها وتخارج بنياتها وتطلع أبناءها الدائم إلى الهجرة والاندراج في الغرب، أو العودة إلى الاستثمار في مفهوم العروبة التي تشكل وحدها منطلق لحداثة أصيلة عالمية ومرتبطة في الوقت نفسه بثقافة محلية عميقة وفاعلة. فبالنسبة للوطنية القطرية أيضا، تشكل العروبة، بوصفها رمزا لثقافة إنسانية كبرى، الجسر الذي لا بديل عنه للوصل بين الخصوصية والعمومية، بين الهوية الثقافية الخاصة والحداثة الكونية. وهي الممر الإجباري للدولة الوطنية في أي مسعى إلى التقدم والاندراج في العالمية.
أما التغريب، فلا يشكل خيارا وطنيا بأي حال. ولن يكون وسيلة للاندراج في الحداثة مهما كان نمطه وحماس دعاته. وسيبقى دائما استراتيجية شرائح قليلة من السكان في بناء تصورها لذاتها أو ضمان مصالحها. وهو يهدد بأن يفصل هؤلاء بشكل متزايد عن أغلبية المجتمع وأن يضعهم في مواجهتها. وفي اعتقادي، أول ما سيصطدم أصحاب هذا الخيار برفض الغرب الاعتراف بهم، وإصراره على معاملتهم كعرب أو كغرباء، سوف يكتشفون العروبة أو يعيدون اكشافها كمنطلق أساسي للخروج من حالة العطالة والهامشية والتبعة والاستنقاع.
من هنا لا أعتقد ان العروبة كانتماء رئيسي وغالب قد قالت كلمتها الأخيرة في المجتمعات العربية. وهذا ما يفسر العنف المتزايد الموجه إليها من قبل خصومها، وبالمقابل حرص قطاعات واسعة من الرأي العام على عدم المساس بها، حتى بين أولئك الذين اختاروا أن يتجاهلوها أو يبنوا رصيدهم السياسي والثقافي والأخلاقي بعيدا عنها. وليس هناك ما يمنع عملة فقدت قيمتها أن تعود لتصبح مركز استثمار واستقطاب وتكوين أرصدة جديدة. الاسلاموية هي التي تبني الآن بالتأكيد الأرصدة الأكبر والأسرع. لكن لن يبقى هذا الوضع لفترة طويلة. إن قوة الاسلاموية نابعة من انسداد أفق الحداثة العربية، لأسباب أكثرها دولية وإقليمية، وتقدم مهام المقاومة والممانعة على مهام البناء والتقدم والتمدن. ويكفي أن تتبدل موازين القوى الجيوستراتيجية، ويتجاوز العرب عنق الزجاجة الذي وضعتهم فيه ظروف الفشل والهزيمة امام التحالف الاسرائيلي الغربي ،حتى تتغير الاتجاهات وتستعيد العروبة موقعها كعملة قوية جاذبة للاستثمارات وقادرة على تكوين الأرصدة الكبيرة والسريعة.
لكن، حتى تنجح العروبة في استعادة مكانتها، ينبغي أن تغير أيضا من جلدها الذي أصبح ضيقا جدا عليها، وهو جلد الخمسينات والستينات الذي ارتبط في مفهومه وأسلوب تجليه وقيمه وغاياته بالقضية القومية، لتلبس جلد الفكرة الوطنية الانسانية، أي أن تكون في نمط تفكيرها ووسائل عملها وغاياتها حاملا لقضية الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة الأخلاقية والقانونية. عندئذ ستكون عروبة للمستقبل، وسيرتبط بها لا محالة الانبعاث الفكري والاجتماعي والسياسي العربي القادم، فتكون ايديويولجية المستقبل لا ايديولوجية الماضي، سواء كان الماض القريب القومي أو الماضي البعيد التاريخي أو الديني.
أما اليوم، فلا تكاد كلمة عربي تستخدم، ليس عند الآخرين فقط، لكن عند العرب أكثر منهم، في سياق آخر غير التعبير عن ما هو سلبي وعاطل.
فهي مرادفة على المستوى الأخلاقي للفشل والجبن والأنانية والتعصب والفوضى والعنف والإرهاب وانعدام الإنسانية عموما. بل تكاد تتحول إلى تهمة أو شتيمة[10]. ويرى الكثيرون في العربي مثالا لانعدام الصدق والشفافية وحس المسؤولية الجماعية وفساد الأخلاق، وتجسيدا لسلوك الغش والخداع والنفاق والغيبة والنميمة والفراغ وانعدام العاطفة الصادقة والمباديء والمثل والالتزامات والواجبات العمومية.
وهي اليوم مساوية على المستوى السياسي لنظم الاستبداد والديكتاتورية والتبعية والاعتماد على العنف، وسيطرة منطق الميليشيات وحب السلطة وتقديم الولاءات الشخصية والقرابات الدموية والطائفية على المباديء والمؤسسات والعلاقات القانونية وقواعد المساءلة والمحاسبة. فعروبة اليوم لا تعرف معنى الحريات الفردية أو الحقوق الانسانية، وتكاد تتطابق مع العصبية وخدمة المصالح الشخصية[11].
وعلى المستوى الانتاجي تتطابق العروبة مع غياب قيم العمل المنتج، ومع السعي للكسب غير المشروع والسريع من دون جهد إذا امكن، ومع الفساد، والمضاربة والاستهلاك والارتهان للمعونات والإعانات. فهي نقيض العمل المنتج والابداع وبذل الجهد وإتقان العمل.
وعلى المستوى الإنساني، تتماهى العروبة في الحاضر مع التمركز حول النفس، والتركيز على الخصوصية المفرطة، وانعدام روح التبادل والتواصل المتفاعل مع الآخرين، وسيطرة العلاقات السلبية ذات الاتجاه الواحد.
كيف يمكن لصورة كهذه أن تبني أمة أو تلهم شعبا أو فردا؟
لا يمكن للعرب بمثل هذه الصورة إلا أن يتجهوا نحو تدمير ذاتهم. لأنهم لا بد وأنهم يحتقرون في العمق أنفسهم، ويشككون بثقافتهم وحضارتهم ومجتمعاتهم. وهذا ما يفسر رغبتهم العميقة في الهجرة من بلادهم والهرب من أنفسهم، كما يفسر موجة الانخراط العام والشامل في موجة السلفية الدنية، او العودة إلى الطبعة الأقدم والأبعد عن العصر من الاسلام. فهم يبحثون عن كل ما يساعدهم على الهرب من واقعهم غير المرضي وغير المحفز وغير الملهم، ونسيانه.
إذا لم نغير هذه الصورة بالعمل والقول، لن تكون هناك عروبة، في المستقبل، وما تبقى من آثارها في الوعي والشعور لن يقاوم لزمن طويل.
إذا أردنا للعروبة أن تعيش، وتستمر عبر القرن الواحد والعشرين، ينبغي أن نعيد صوغها على عكس هذه الصورة تماما. وفي كل ما نفعله، أفرادا وجماعة، ينبغي أن نضع نصب أعيننا قلب هذه الصورة رأسا على عقب. وإلا ليس لنا خلاص. سنبقى في أزمة هوية مدمرة، وتبقى العروبة هوية ضائعة، بدل ضائع، أو ذكرى من الماضي البعيد.
يتطلب هذا تحرير العروبة، كمرتكز لهوية متجددة وجامعة للعرب، من فلسفة وإرث انحطاط العروبة القومية، الذي أدى إلى ما نسميه القومجية التي تخفي وراء شعارات العروبة قيما مناقضة للحداثة من محورة على الذات وضيق أفق قومي ورفض أفق الإنسانوية، كما ينبغي محو الذاكرة السلبية للعروبة الإتنوية المتعالية أو التعالوية. وهو ما يستدعي إعادة بناء العروبة وترميزها خارج الفلسفة القومية للقرن التاسع عشر، وربطها بالقيم الإنسانية. أي جعلها وعاءا لنمو القيم الأخلاقية، وبالتالي لإدماج العرب واندراجهم في تاريخ الحضارة الكونية. العروبة المنشودة هي تلك التي تعنى بتحرير الإنسان كفرد، لا بالبحث عن القوة وإعادة بناء الامبرطورية الاسلامية، الصريحة او المقنعة. والوحدة من دون قيم إنسانية وحقوق ديمقراطية هي بالضرورة عودة إلى صيغة السلطنة الامبرطورية.
لن تبقى العروبة فكرة حية إلا إذا نجحت في أن تتجدد بما يتفق مع معايير العصر، وتصبح أداة ناجعة للاندماج فيه والتعامل الايجابي والتفاعلي معه. وبمقدار ما تصبح العروبة إنسانية، وتتمثل قيم الحرية والعصرانية والديمقراطية، أي بمقدار ما تساهم في بناء الإنسان يمكن أن تساهم في توحيد الشعوب العربية وإعادة بناء نظمها الاجتماعية والسياسية.
في هذه الحالة يمكن أن تستمر العروبة بالفعل فكرة حية وملهمة، تساعد العرب جماعة وأفرادا على تجاوز حالة الانحطاط الأخلاقي والسياسي والفكري التي يعيشونها اليوم. وتبدع صورة للعربي ايجابية تتناقض مع الصورة السلبية السائدة عنده وعند الآخرين عنه وعن تاريخه وثقافته وهويته اليوم، وتمحو هذه الصورة السوداء من الذهن والذاكرة، لتبعث روح الثقة والعمل والانجاز وتبني نمطا جديدا من الاخلاق الايجابية.
بذلك تعود العروبة فكرة محفزة وملهمة ومطلقة لآمال واحلام قابلة للتحقيق أو تستحق بذل الجهد من أجلها، أي تصبح عروبة مستقبلية، تفتح الباب نحو المستقبل وتشير إليه، تكون بانية لمستقبل.
وعروبة المستقبل هذه هي نقيض عروبة الماضي. ليست عروبة التراث والأبوية والتقليد، ولا عروبة كره الذات والبرم بالواقع والشكوى من القدر والإغراق في ذهنية الضحية، ضحية القدر أو ضحية العالم والآخرين. العروبة التي تستطيع أن تعيش، وتعيد بناء ايديولوجية العرب وأخلاقياتهم من حولها، هي تلك التي تشعرهم بذاتهم واستقلالهم الفكري ونديتهم مع الآخرين، ومقدرتهم على المشاركة في حضارة عصرهم، والتصرف حسب معايير أخلاقية ومباديء ومثل إنسانية.
أما العروبة التي تتناقض مع القيم الإنسانية ومع العصر، والتي تدفع العرب إلى الماضي وتشدهم إلى الأسفل، وتمنعهم من التقدم والتحول ومواكبة العصر، فستكون حتما عروبة حزينة، محبطة، يائسة، كئيبة، عازلة ومعزولة عن العالم والحضارة.

[1] وجهت التنظيمات العثمانية التي بدأت السلطنة تطبقها منذ 1835 تحت ضغط الدول الغربية ضربة قوية لهذه الايديولوجية المللية السائدة. لكن إخفاقها وتعثر حركة التحديث العثماني هو الذي سيفتح المجال لنشوء الفكرة العربية الثقافية وتطورها.
[2] منذ نهاية القرن التاسع عشر بدأت تظهر في العاصمة استنبول وفي عواصم المشرق لغداد ودمشق وبيروت والقاهرة أحزاب وجمعيات سياسية عربية مثل جمعية الإصلاح وجمعية العربية الفتاة بالإضافة إلى جمعية العهد. وكان روادها من العسكريين والسياسيين والطلاب. وكانت مطالب هذه الأحزاب والجمعيات تتراوح في مطالبها بين مساواة العرب بالأتراك واعتبار اللغة العربية لغة رسمية، والاستقلال عن الدولة العثمانية وإقامة دولة عربية مستقلة.
[3] بينما كانت بريطانيا تعد العرب بالاستقلال التام لقاء وقوفهم إلى جانبها في الحرب ضد الأتراك، توصل كل ممثل بريطانيا مارك سايكس وممثل فرنسا جورج بيكو إلى اتفاق بينهما في 16 أيار 1916، سمي اتفاقية سايكس بيكو. وقد نص على تقسيم المشرق العربي (الذي كان خاضعاً للسيطرة التركية) إلى 5 مناطق نفوذ: السواحل اللبنانية والسورية وهي منطقة النفوذ الفرنسية، العراق وهو منطقة النفوذ البريطانية، وفلسطين التي اتفق على وضعها تحت إدارة دولية، والمنطقة الداخلية السورية بعترف بها دولة مستقلة عربية على أن تنفرد فيها فرنسا بحق الأولوية في تقديم المشاريع والقروض والمستشارين، وينطبق الأمر ذاته على بريطانيا في المنطقة الداخلية العراقية. بقيت المعاهدة سراً إلى أن نشرتها الحكومة البلشفية في موسكو، وادعت بريطانيا حينها أن الاتفاقية ألغيت بعد دخول العرب الحرب إلى جانب الحلفاء. إلا أن اتفاقية سايكس بيكو دخلت حيز التنفيذ فعلاً بعد نهاية الحرب، عبر صيغة مفصلة ومعدلة اتفق عليها في مؤتمر سان ريمو عام 1920.
وتشكل معاهدة سايكس – بيكو الجزء التنفيذى الخاص لمعاهدة بطرسبرح التى عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في مارس سنة 1916 وقسمت فيها أملاك الامبراطورية العثمانية التركية وكانت أهم مبادئ هذه المعاهدة هى:
- تمنح روسيا الولايات التركية الشمالية والشرقية. - تمنح بريطانيا وفرنسا الولايات العربية في الامبراطورية التركية (موضوع معاهدة حسين - مكماهون). - دويل الاماكن المقدسة فى فلسطين وتأمين حرية الحج اليها وتسهيل سائر السبل اللازمة للوصول إليها وحماية الحجاح من كل اعتداء.
[4] من هنا نجد أنفسنا اليوم أمام نماذج مختلفة من العروبة، ثقافية، دينية، استراتيجية، عروبة الممانعة وعروبة المصالحة والتسوية. وربما كان أهمها تلك التي يصفها حسين احمد أمين قائلا: بعد أن تبددت الآن الأوهام الرومانسية التي كانت لصيقة بأفكار حزب البعث، كما تبخرت المطامح والنزعات البروسية للزعامة المصرية، اتخذ مفهوم القومية العربية شكلاً من أشكال التضامن على أساس من المصلحة المشتركة··· وحيث أن أغنى الدول العربية الممولة لهذا الشكل الجديد كانت من الناحيتين السياسية والاجتماعية أشد دول المنطقة محافظة وتمسكاً بالتقاليد، فإن الاشتراكية لم تعد الطابع المميز للقومية العربية، وإنما أصبح طابعها الغالب ربط العروبة بالإسلام ربطاً دعامته المال والنفط. أنظر مجلة شؤون عربية، الجامعة العربية، شتاء 2005 في ملف بعنوان معبر: هل سقطت العروبة من حسابات السياسة العربية؟
[5] يقول وزير إعلام الكويت محمد السنعوسي في حوار مع هاني نور الدين ( جريدة الخليج 2006.05.15) أن العروبة أكذوبة كبرى، وأنه لم يعد مقبولاً الحلم بوجود وحدة تضم بين جنباتها مختلف الدول العربية، إذ إنه لا يوجد ما يربط بين دولنا سوى اللغة، بينما تبدو ثقافتنا متباينة ومختلفة،
[6] "لماذا لم ينجح التيار القومي العربي في إرساء قواعد العدل السياسي أو الاقتصادي في المجتمعات التي حكمها مع أنه استدعى الديموقراطية والاشتراكية من أجل تحقيق ذلك؟ لماذا لم ينجح التيار القومي العربي في إرساء أية تقاليد ديموقراطية أو اشتراكية كما حدث مع شعوب أخرى في شرق آسيا وأميركا اللاتينية عند تطبيقها للديموقراطية أو الاشتراكية؟ السبب في ذلك هو أن الفكرة القومية العربية التي يستند إليها التيار القومي العربي فكرة لا تملك الحد الأدنى من المعقولية، ولا تقوم على أي أساس واقعي، فالتيار القومي العربي يزعم أنه الأمة الموجودة بين المحيط والخليج أمة عربية، تقوم على عنصري اللغة والتاريخ، والحقيقة أنه ليست هناك أمة عربية تقوم على هذين العنصرين، بل هناك أمة تقوم على الدين الإسلامي، وهذا ما أدى إلى أن تكون القومية العربية فقيرة ثقافياً، بسبب استبعادها لعنصر الدين من تكوين الأمة الموجودة من المحيط إلى الخليج، والذي لا مبرر له إلا المماثلة بين القومية العربية والقومية الغربية التي تقوم على معاداة الدين". غازي التوبة، "عن التيار القومي العربي والعودة إلى الديمقراطية" الحياة اللندنية، 25/9/2005
[7] لا تخلو مثل هذه المواقف من تطرف حتى في أوساط المثقفين. ففي حوار مع إيلاف يؤكد سيد القمنى، وهو مثقف مصرى معروف على مصرية مصر وضرورة التحرر من العروبة التي يصفها على أنها "عبودية لاحتلال طال أمده أكثر مما ينبغى"، ويتساءل كيف يقبل المصريون هوية المحتل ويجعلونها هويتهم القومية.
ايلاف، السبت 14 فبراير 2004
http://www.elaph.com/ElaphWeb/Archive/1076744262081018000.htm
[8] بالمقابل شهدت الحقبة الماضية سعيا متواصلا لتجاوز الانقسامات الدينية، والتقريب بين المذاهب الاسلامية كما يدل على ذلك مؤتمر توحيد المذاهب الاسلامية الذي عقد في القاهرة عام 1935 وكرس الاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب فقهي خامس إضافة للمذاهب السنية الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي.
[9] يسأل أحمد الجار الله: ماذا قدمت »العروبة« للكويت عندما غزاها صدام حسين, وأثبت فعلا انها عروبة متوحشة, واستنسابية وليس عليها اجماع. وكذلك الحال بالنسبة للوضع اللبناني الذي يكابد من هذه العروبة المتوحشة منذ اكثر من ثلاثين عاما؟ ثم يضيف معبرا عن موقف رافضي العروبة من الأساس، كهوية وكايديولوجية سياسية معا: في عالم اليوم هناك مصالح وشبكات مصالح, وهناك »انترنت« جعلت من العالمين سكان قرية كونية صغيرة اسمها كوكب الارض, مطلوب منا فقط ان نتعلم احرف الهجاء الالكترونية وقد اصبحت لغة العالم, كي ندخل اليها ونستفيد منها.. شبكة الانترنت اعلنت بالفعل قيام الامة العالمية الواحدة, التي تتبادل المصالح بالفعل, واجراء التعاملات والمعاملات, وتشترك في التخاطب الفوري بالصوت والصورة, ولا تشعر ان بين اطرافها مسافات فاصلة, بعد ان اختصرت المسافة بكبسة زر, واصبحت لا تأخذ من الوقت اقل من ثانية واحدة.
"عروبة متوحشة وقومية عنصرية" السياسة الكويتية، الإثنين 29 أغسطس 2005
[10] هذا هو عنوان مقال لفيصل القاسم د.فيصل القاسم: "لماذا أصبحت العروبة شتيمة" ؟
الشرق القطرية الأحد 21 أغسطس 2005.

[11] بل يكاد وصف العروبة القومية بالفاشية أن يتحول إلى فكرة شائعة، بعد أن أطلقها المستعرب الفرنسي أولفييه كارية في كتابه : القومية العربية، باريس، بايو، 2004.

samedi, avril 25, 2009

في استحالة قيام شراكة عربية

الاتحاد 25 مارس 09
في الإعداد لمؤتمر القمة العربية القادم أواخر هذا الشهر (آذار 09) في الدوحة، تتسارع خطى المصالحات العربية بين ما كان يسمى محور الاعتدال ومحور الممانعة، وآخرها كانت زيارة الرئيس السوري إلى عمان بعد قليل من انعقاد مؤتمر الرياض المصغر الذي جمع رؤساء مصر والعربية السعودية وسورية والكويت. وبالرغم مما تثيره هذه المصالحات من آمال عند قطاعات واسعة من الرأي العام العربي القلق على مصير بلدانه في مواجهة تحديات استراتيجية واقتصادية متزايدة، إلا أن قليل من العرب من يعتقد بوجود إمكانية لتحقيق تفاهم جدي يصدر عنه موقف عربي جديد مشترك. وبالمقابل تسيطر على الجميع فكرة أن المصالحة تتعلق بالاتفاق على طريقة أقل عنفا في حل الخلافات القائمة والتي ستظل قائمة، أكثر مما تتعلق بتجاوز الخلافات العميقة التي تشتت جهود الدول العربية.
والسؤال الذي يستحق الطرح في هذه المناسبة ليس من النوع الذي يبحث عن الأسباب التي حفزت الزعماء العرب على التقارب في هذه اللحظة بالذات أو إظهار التقارب فيما بينهم. فهو تقارب يبقى دون حدود ما هو مطلوب لإطلاق سياسة عربية مشتركة أصبحت أكثر من ضرورية وملحة لمواجهة مسائل التنمية والحفاظ على الاستقلال وقبل ذلك لوضع حد لمشروع الاستيطان والاحتلال الاسرائيلي، المستمر رغم مفاوضات السلام وبموازاتها، منذ عقود. فلماذا لا يمكن أن يكون هناك تفاهم عربي حقيقي، وما الذي منع جامعة الدول العربية التي طرحت نفسها بديلاً واقعياً، معتدلاً لمشروع الوحدة الشعبية والثورية، من أن تتحول، كما حصل في الكثير من بقاع الأرض، إلى منظمة إقليمية فاعلة في التنسيق بين جهود الشعوب الأعضاء فيها، وتوحيد قواها وإطلاق طاقاتها، من دون أن يهدد ذلك بأي شكل شخصيتها، على منوال المنظمات الإقليمية التي تكوّنت من دول لا تربط شعوبها بعضها ببعض، لا صلة قرابة، ولا لغة، ولا دين؟
نحن لسنا هنا أمام سؤال الوحدة العربية بالمعنى الذي طرحته الفلسفة القومية التي افترضت وجود أمة عربية واحدة ذات إرادة ورسالة خالدتين، تدفعانها لا محالة إلى تكوين دولة مركزية أو قومية موحدة. وأصل الاختلاف بين مشروع الوحدة القومية ومشروع الاتحاد بين دول مستقلة هو أن المشروع الأول يفترض وجود أمة قائمة في الوعي وفي المجتمع المدني معا، أي موحدة في الواقع حتى لو أنها لا تملك بنية دولة سياسية واحدة، وهي تنزع بالتالي إلى تجسيد وحدتها الفكرية والثقافية والاجتماعية في بناء دولة مركزية واحدة، كما حصل مع الألمان بعد انهيار جدار برلين عام 1989، أما المشروع الثاني فهو لا يفترض وجود أي تقارب ثقافي أو إتني أو اجتماعي بين البلدان. فهو اتحاد بين دول وشعوب مستقلة تملك كل منها ثقافتها وهويتها الخاصتين، ولكنها تعمل للتكتل والتقارب في ما بينها من أجل زيادة منافعها الاقتصادية والاستراتيجية، وتحسين شروط منافستها على الساحة الدولية، وتأمين مناخ أفضل لازدهار شعوبها جميعا. وقد كان تكوين منظمات تكامل أقتصادي اتجاها رئيسيا في العقود الماضية، نجم عنه ولادة تكتلات ثابتة ومنتجة في جميع القارات، من أوروبة المتقدمة إلى أفريقيا المتأخرة، مرورا بأمريكا اللاتينية وآسيا التي قطعت بعض بلدانها شوطا كبيرا في النمو فصار يطلق عليها سم البلدان الصاعدة.
في إطار ندوة عن الوحدة العربية عقدها في الشهر الماضي مركز دراسات الوحدة العربية، وطلب مني فيها الجواب على هذا السؤال دافعت عن أطروحة تفيد بأن التقدم نحو مشروع اتحادي أو تكتل إقليمي من هذا النمط يستدعي وجود دولة تتمثل فيها إلى حد أو آخر مصالح المجتمع الأساسية، وأن النخب التي تسيطر عليها وتقودها، تأمل في أن تضفي الشرعية على سلطتها وتمدد أو تجدد لنفسها في الحكم، من خلال تأمين تأييد شعبي أكبر، مما لا يمكن تحقيقه من دون تقديم آفاق وشروط أفضل لتحسين شروط حياة المجتمعات وتقديم إنجازات مادية وسياسية واستراتيجية وطنية لها. وهو ما يدفع بعض نخبها الأكثر نشاطا وحيوية إلى الاندفاع نحو التكتل والتفاهم وتجاوز الاختلافات والنزاعات التاريخية، كما كان عليه الامر بين الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، أملا في أن يساهم هذا التكتل في تعزيز نموها الاقتصادي، وضمان استقرارها السياسي، وتوسيع هامش مبادرتها الاستراتيجية والأمنية.
لكن الأمر لا يطرح بالطريقة ذاتها في ما يتعلق بدول لم تكتسب بعد هويتها الحقيقية ولم تعرف حقيقة الاستقلال والسيادة الوطنية، كما أن النخب الحاكمة فيها لا تعتمد في وجودها ولا في إعادة إنتاج سيطرتها على تأييد الشعوب ودعمها، ولا تعتبر أن هذا التأييد هو الذي يضمن بقاءها في السلطة ويعزز نفوذها في إقليمها. بل بالعكس، إنها تنظر إلى مثل هذا التأييد والالتفاف حول النظام على أنه قيد لها يحرمها من هامش المبادرة الواسع الذي تحتاج إليه تجاه مجتمعاتها من أجل أن تتكيف مع السياسات الدولية التي تضمن لها وحدها الموارد المادية والاستراتيجية والسياسية التي تضفي على وجودها القوة بل الشرعية، التي هي هنا بالضرورة شرعية الموافقة الدولية لا القبول الشعبي. فهي دول مستقلة لكن شعوبها منزوعة السيادة، تخضع لنظم وسيطرة نخب اجتماعية تخشى شعوبها بقدر ما تخشى إقامة هيمنتها على دعمها وتأييدها.
ففي مثل هذه الدول التي تعيش في حجر نظم إقليمية شبه استعمارية، تعتمد اعتمادا واضحا في ضمان أمنها واستقرارها وإعادة إنتاج وسائل بقائها على غيرها، لا يمكن أن تنشأ سياسة وطنية تقدم مصلحة الدولة على مصلحة الفئة الحاكمة، وتضع المصالح العامة فوق المصالح الخاصة، وتنظر إلى تحسين شروط حياة السكان وتأهيل المجتمع للمستقبل باعتبارهما أولوية تسبق مهام السيطرة أو الحفاظ على النظام والمصالح السائدة فيه. بالعكس يشكل احتكار موارد البلاد شرطا ضروريا لبناء طبقة زبائنية تؤمن قاعدة اجتماعية يعتمد عليها النظام، كما يشكل عزل الشعوب عن محيطها وإبقائها في ما يشبه السجن الكبير شرطا آخر لتكريس سيطرة هذه الطبقة الزبائنية التي لا تملك لا فكرة إنسانية محركة ولا معارف استثنائية تعتد بها.
والواقع نحن هنا أمام نظم يرتبط مصيرها بمصير النخب والطبقات التي تحكمها، لا بالتفاهم مع شعوبها، ويقوم استقرارها على التفاهم مع الدول الكبرى التي تتحكم بغايات النظام الإقليمي الذي يحتويها لا على ما تقدمه لمجتمعاتها. وبالرغم من بعض المظاهر الخادعة، تشكل النظم هنا نوعا من المحميات السياسية التي تتغذى من مفهوم "الشرعية" الدولية وتعيش عليه أكثر بكثير مما تطمح إلى بناء شرعية وطنية داخلية، وتخاف من ابتعاد الدول الكبرى عنها أو مجافاتها لها أكثر مما تخشى أي ثورة أو انتفاضات داخلية. ولأنها لا تستطيع أن تتصرف في مثل هذه الوضعية الجيوسياسية من خارج قوانين التبعية ومنطقها، فهي لا يمكن أن تبتعد في سياساتها مهما حصل عن نطاق استراتيجية القوى العالمية المهيمنة. فهي أشبه بوكالة محلية للمركز، تستمد القوة والشرعية منه، وتقدّم له الخدمات، وتساهم في الاستقرار العام الذي يحتاج إليه ازدهاره واستمرار تسيّده. وهذا ما يفرغها من مضمونها القومي، بالمعنى الوطني والشعبي، ويحوّلها إلى دولة أصحاب السلطة والحكم فيها، فيضمر بعدها السياسي حتى لا يكاد يرى، وتنحطّ إلى دولة أجهزة لا دولة شعوب، ودولة سخرة وإكراه وفروض، لا دولة حقوق وحريات ومواطنية. لذلك ليس من المفارقة القول إن الوصول إلى صيغة اتحادية بين الوكالات العربية المتنافسة على المواقع الإقليمية ليست أكثر احتمالا من الصيغة الاندماجية التي توهمناها في الماضي، إن لم تكن أكثر إشكالية منها.

mercredi, avril 08, 2009

القمة العربية بين السياسة والدعاية

الاتحاد 10 أبريل 09
بالرغم من الأهمية الكبرى التي ينبغي أن تولى لمؤتمر العشرين الذي عقد في لندن في مطلع هذا الشهر، وصدرت عنه قرارات أساسية اعتبرها أعلب المراقبين والمحللين بداية إعادة تعريف وصياغة للنظام العالمي، إلا أنني أشعر أن من الضروري والواجب أن أتحدث عن مؤتمر القمة العربي الأخير الذي عقد في الدوحة ونال عن حق اسم مؤتمر المصالحة العربية. من جهة لأنني أعتقد أنه من دون تقدم حقيقي في العمل العربي المشترك، صيغه وقواعد عمله وآليات اتخاذ قراراته وتنفيذها، لن يكون لأي مجتمع من المجتمعات العربية أمل في مواجهة تحديات الحاضر ولا الوصول إلى أي هدف من أهدافه الأساسية الوطنية، ومن جهة ثانية لأنني أعتقد أيضا، أنه حتى إشعار آخر، لا يبدو أن هناك أملا في نشوء إطار بديل للجامعة العربية التي كرستها العقود الماضية، شئنا أم أبينا، إطارا لهذا العمل وميدانا للاستثمار فيه، بعد انحسار نظرية الثورة العربية القومية الشعبية.
وقد تضاربت الآراء في تقييم نتائج مؤتمر الدوحة. فبينما ظهر الزعماء العرب راضين عما حققوه، غلب على تعليقات المحللين السياسيين والصحفيين الشك، إن لم نقل خيبة الأمل الكاملة. وليس من الصعب فهم أسباب هذا التباين الكبير في المواقف. فرضى الزعماء عما أنجزوا نابع من شعورهم بأنهم حققوا بالفعل جزءا مهم من الأهداف التي تبدو ذات أولوية في نظرهم، وهي وضع حد لحالة النزاع العنيف والانقسام الدائم التي تكاد تقضي على صدقيتهم كقيادات سياسية صالحة وتحرمهم من أي أمل في التنسيق في ما بينهم في مرحلة معقدة ومحفوفة بمخاطر كبيرة لتأمين الحد الادنى من مصالحهم المشتركة، الأمنية والسياسية والاستراتيجية، في مواجهة خصومهم ونقادهم في الداخل الوطني والخارج الإقليمي والدولي معا. وفي المقابل، تعكس خيبة أمل المحللين والمراقبين السياسيين حقيقة أنه في ما يتجاوز موضوع المصالحة الذي يعني الحكومات والنظم العربية وحدها، وربما يعبر عن تضامنها في وجه مطالب شعوبها المؤجلة أو المنتظرة، لم يخرج عن مؤتمر القمة أي قرار مؤثر في كل ما يتعلق بالمسائل الحارقة التي تهم الشعوب والمجتمعات: فلا قرار واضح في شأن التنمية ومواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المالية، من بطالة وفقر وركود اقتصادي، ولا في شأن القضية الاستراتيجية الرئيسية التي تعنى بالأمن الوطني والإقليمي، أعني مواجهة تحدي الغطرسة الاسرائيلية واستمرار الاحتلال وحركة الاستيطان التي تعمق شك المجتمعات العربية بنفسها وقدراتها وتدمر ثقتها بمستقبلها، ولا في شأن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإداري الذي وعدت به الشعوب العربية، وأصبح الموضوع الرئيسي لوسائل الإعلام المحلية والدولية تحت ضغط إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في بداية القرن.
لا ينبغي التقليل من أهمية المصالحة العرببة، تلك التي حدثت في مؤتمر الدوحة والتي ستحدث بعده، ولا يقلل الرأي العام العربي من أهيمتها، فهي تحمل بالنسبة له الأمل في احتمال أن ينجح العرب في وقف مسار التدهور القائم. بيد أن المصالحة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي بالنسبة للرأي العام وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وهو يحاكمها أو يحكم عليها، سلبا أو ايجابا، انطلاقا مما حققته أو يمكن أن تحققه من أهداف. فليست نتائج القمة واحدة إذا عنت المصالحة مثلا تفاهم الحكومات والنظم لدفن الإصلاح وتنظيم عملية التهميش والتحييد الكامل للشعوب وتكريس القطيعة معها، أو إذا كانت بالعكس من ذلك تعبيرا عن تفاهم الحكومات من أجل وضع خطة مشتركة وواضحة لمواجهة آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على البلاد العربية. وليست واحدة أيضا إذا جاءت المصالحة لتكريس السياسات الفاشلة أو لبلورة سياسات جديدة أكثر فعالية في مواجهة إسرائيل وسياسة الاستبطان.
والحال يكفي لمعرفة قيمة ما حصل في مؤتمر القمة العربية الأخير التمعن في البيان الذي صدر عنها ومقارنته بما يصدر عن المؤتمرات الدولية الأخرى، وفي مقدمها مؤتمر الدول العشرين الذي عقد بعد يومين منه. فهو يكاد يخلو من أي لغة قرار ويتلخص في بنود متتالية لا هدف لها سوى الإعلان عن الرأي أو التذكير بالحيثيات والمباديء الكبيرة والتأكيد على الانتماءات القومية والدينية. وهذه أمثلة من العبارات التي تبدأ بها كل القرارات المتخذة: الإعلان عن: - " التزامنا بالتضامن العربي"، "نشدد على تسوية الخلافات بالحوار"، "ندعو إلى مواصلة الجهود لتطوير منظومة العمل المشترك"، "نتوجه يتحية إكبار للشعب الفلسطيني"، "نعرب عن دعمنا الكامل للجهود العربية لإنهاء الانقسام الفلسطيني"، "نؤكد على عدم قبول التعطيل والمماطلة من قبل إسرائيل في تنفيذ استحقاقات السلام"، "نؤكد على ضرورة التوصل إلى حل عادل للصراع في إطار الشرعية الدولية"،% نؤكد على تضامننا مع السودان، ورفضنا لقرار الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية بشأن فخامة الرئيس عمر حسن أحمد البشير"، "ـنجدد التزامنا باحترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله، وهويته العربية والإسلامية"، "نعرب عن ترحيبنا بالاتفاق الذي تم بين الأخوة في الصومال"، "نعرب عن الأمل في أن تتجاوب الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة والمساعي العربية لإيجاد حل لقضية الجزر الإماراتية الثلاث"، "نؤكد مجدداً على إدانتنا للإرهاب بجميع أشكاله"، "نطالب المجتمع الدولي العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل، وخاصة الأسلحة النووية"، "نؤكد على الحق المشروع للدول العربية في السعي للحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية"، "نشيد بالجهود المتواصلة التي تبذلها الدول العربية من أجل تعميق ممارسات الإدارة الرشيدة، وتطبيق مبدأ الشفافية والمسؤولية، والمساءلة والمشاركة الشعبية"، "ندعو الى تكثيف الحوار بين الثقافات والشعوب وإرساء ثقافة الانفتاح وقبول الآخر ودعم مبادئ التآخي والتسامح واحترام القيم الإنسانية"، "نرحب بنتائج قرارات القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي عقدت في الكويت خلال الفترة من 19 ـ 20 يناير 2009م، ونؤكد عزمنا على متابعة وتنفيذ نتائجها بما يخدم العمل العربي الاقتصادي المشترك، ويسهم في تنمية المجتمعات العربية"،%.نؤكد سعينا المتواصل لإنجاز منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى"، "نطالب المجتمع الدولي العمل على تضافر الجهود وتعزيز التعاون الوثيق بين دوله والمشاركة الفاعلة في الجهود العالمية الرامية الى تنفيذ الأهداف التنموية للألفية واستئصال الجوع والفقر"، "نؤكد على أهمية التنشئة الاجتماعية القويمة للطفل العربي"، "ندعو الى اتاحة الفرص امام الشباب لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في حياة المجتمع"، "نشدد على إيلاء اللغة العربية اهتماما خاصا باعتبارها وعاء الفكر والثقافة العربيين ولكونها الحاضنة للتراث والثقافة والهوية".
واضح أن بيان القمة العربية ينطوي على خطاب هو أقرب إلى خطاب مثقفين مهمومين بقضايا شعوبهم، ويقتصر واجبهم، في إطار مهمتهم الفكرية والعلمية، على التعبير عن آرائهم ومناشدة الرأي العام للضغط على السلطة وحث المسؤولين السياسيين على العمل في هذا الاتجاه او ذاك، أي حسب المباديء التي يتمسكون بها ويدافعون عنها. فهم يفتقرون للسلطة السياسية وللموارد المادية وللوسائل التي يحتاج إليه العمل الجمعي والسياسي. لكن. لا يمكن لمثل هذا الخطاب أن يكون خطاب قادة سياسيين تقع في ديهم كل الصلاحيات والموارد والوسائل اللازمة لاتخاذ قرارات عملية وتحديد آليات تنفيذها ومتابعتها. فلا يدعو رجل السلطة، على سبيل المثال، إلى الحد من الفقر أو البطالة، وإنما عليه أن يقدم مشروعا عمليا في دائرة صلاحيته وسلطته، وهنا العالم العربي، للحد من الفقر، ويؤمن المبالغ الضرورية لذلك، ويحدد المؤسسات المسؤولية عن صرفها ومعايير هذا الصرف. وفي هذا المجال كان القرار يفترض أن يخصص مؤتمر القمة مبلغا من المال لمواجهة مشكلة تفاقم الفقر وإفلاس الشركات الصغيرة وتعاظم البطالة في البلدان العربية، كما فعلت الدول الكبرى. وبالمثل لا يدعو رجل ا لسلطة إلى متابعة الإصلاح ولكنه يطبق برنامج إصلاح ملموس ويعلن ذلك للرأي العام. كما لا يدعو رجل السلطة أعداءه إلى عدم المماطلة والتسويف في تحقيق السلام ولكنه يتخذ الإجراءات التي تمنع إسرائيل من التعطيل والمماطلة. فكان المطلوب مثلا في مثل هذه الحالة قرارات ذات مغزى استراتيجي من نوع تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، أو تكوين هيئة للتنسيق العسكري على المستوى العريي، أو خطة لتحديث الجيوش العربية وتجديد سلاحها، حتى تدرك إسرائيل بالفعل أن المبادرة العربية المغدورة ليست الكلمة الأخيرة للعرب. وكان من شأن هذه القرارات، حتى من دون التراجع عن اعتبار السلام خيارا استراتيجيا، إشعار العالم الصناعي الحساس لاستقرار الشرق الأوسط، وإسرائيل على الخصوص، بأن شيئا جديدا يحصل، في المعسكر العربي، ويحتاج إلى إعادة التفكير. ولا يقبل رجل السلطة أن يوقع على وثيقة اسمها وثيقة المصالحة، فالثقة لا تبنى بين الأطراف، ووحدة الصف لا يمكن ضمانها بالتوقيع على وثائق لا قيمة لها ولا مستقبل، ولكن من خلال الانخراط الفعلي في مشاريع تعاون مشتركة، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، تضع الشعوب في مسار تعاون حقيقي في ما بينها، وتؤكد للعالم أجمع مقدرة العرب على تجاوز الخلافات وبناء إرادة موحدة.
يكفي لإدراك ذلك، ومعرفة الفرق بين بيان رجال السياسة وبيان رجال الدعاية والإعلام والاستعراض، أن نقارن هذا الخطاب مع ما صدر عن مؤتمر قمة العشرين الذي عقد في الأسبوع نفسه في لندن. فلن نجد في بيان هذا المؤتمر ولا وثائقه أي تأكيد أو تنديد أو تشديد وتهديد، وإنما إجابات والتزامات بخطط ووسائل عمل تتجسد في مخصصات مالية محددة لإنجاز الأهداف المنشودة. فأكثر ما يعبر عن مؤتمر العشرين ويعطي لانعقاده معنى هو تخصيصه ل 5000 مليار دولار لحفز الاقتصاد العالمي خلال سنتين، ورفع طاقة صندوق النقد الدولي إلى 1،1 ترليون دولار لمواجهة حاجات الدول الفقيرة، وزيادة حق السحب إلى 250 مليار، والاتفاق على خطة بقيمة 250 بليون دولار على مدى عامين لدعم تدفقات التجارة العالمية، ونشر قوائم سوداء عن الملاذات الضريبية والبلدان التي لا تحترم معايير مكافحة تبييض الأموال، وتلك التي لا تتعاون في مسائل الجرائم المالية. الإشراف على وكالات التصنيف: وهي التي اتهمت بأنها أخطأت في الحكم على المخاطر المرتبطة بالمنتوجات المضمونة ووضع حدّ لتضارب المصالح، إنشاء مجلس الرقابة المالية، وتحديد سقف مكافآت رؤساء الشركات المالية وربطه بالإداء. هكذا على كل مسألة من مسائل الاجندة المطروحة للبحث بهدف مواجهة خطر الكساد العام، كان هناك جواب وتامين موارد وتحديد جهة الاختصاص في العمل. والغاية «ان تؤدي الاجراءات المنسقة الى زيادة الانتاج العالمي بنسبة 4 في المئة بحلول نهاية 2010".
لماذا يغيب رجل السياسة في القمم العربية ولا يحضر إلا المعلم والموجه والمرشد الأخلاقي القومي أو الإنساني؟ وكيف يمكن لقادة لا تكاد توجد على سلطاتهم قيود أو حدود، أن يتصرفوا كرجال دعاية ودعوة وايمان، وينسوا مسؤولياتهم الأساسية، وما يعطي لسلطتهم نفسها معناها وقيمتها، أعني الفعل المؤثر في المجتمع والتاريخ؟ وفي هذه الحالة ألا يفسر هذا الفهم الخاص للسياسة بوصفها وجاهة وحق احتكار الصدارة والدعاية والكلام هو السبب في العداوة المرة التي يظهرها الحكام العرب للمثقفين. إذ، بالفعل، ماذا يبقى لهؤلاء من عمل إذا أصر المثقفون على إصدار البيانات نفسها التي يعتقد الزعماء السياسيون أن إصدارها يشكل جوهر مهمتهم، ومرتكز وجاهتهم، ومصدر شرعيتهم كرجال سلطة وحكم؟ لكن، بالمثل، ماذا يبقى للمثقفين من موقع إذا تحولت مؤتمرات القمم العربية إلى منابر أو منتديات للدعوة والتوجيه والتأديب والتعليم؟ للمثقف الكلمة، وللسياسي الفعل. وإذا لم يحترم كل منهما ميدان عمل الآخر وشروطه، أي حرية الكلمة وأسبقية الفعل، لن تكون هناك ثقافة ولا سياسة، وإنما فوضى شاملة، وتنازع على سلطة لم تعد تعي ذاتها ومسؤولياتها بين الجميع.

mercredi, mars 25, 2009

في صعوبة قيام شراكة عربية

الاتحاد 25 مارس آذار 09
في الإعداد لمؤتمر القمة العربية القادم أواخر هذا الشهر (آذار 09) في الدوحة، تتسارع خطى المصالحات العربية بين ما كان يسمى محور الاعتدال ومحور الممانعة، وآخرها كانت زيارة الرئيس السوري إلى عمان بعد قليل من انعقاد مؤتمر الرياض المصغر الذي جمع رؤساء مصر والعربية السعودية وسورية والكويت. وبالرغم مما تثيره هذه المصالحات من آمال عند قطاعات واسعة من الرأي العام العربي القلق على مصير بلدانه في مواجهة تحديات استراتيجية واقتصادية متزايدة، إلا أن قليل من العرب من يعتقد بوجود إمكانية لتحقيق تفاهم جدي يصدر عنه موقف عربي جديد مشترك. وبالمقابل تسيطر على الجميع فكرة أن المصالحة تتعلق بالاتفاق على طريقة أقل عنفا في حل الخلافات القائمة والتي ستظل قائمة، أكثر مما تتعلق بتجاوز الخلافات العميقة التي تشتت جهود الدول العربية.
والسؤال الذي يستحق الطرح في هذه المناسبة ليس من النوع الذي يبحث عن الأسباب التي حفزت الزعماء العرب على التقارب في هذه اللحظة بالذات أو إظهار التقارب فيما بينهم. فهو تقارب يبقى دون حدود ما هو مطلوب لإطلاق سياسة عربية مشتركة أصبحت أكثر من ضرورية وملحة لمواجهة مسائل التنمية والحفاظ على الاستقلال وقبل ذلك لوضع حد لمشروع الاستيطان والاحتلال الاسرائيلي، المستمر رغم مفاوضات السلام وبموازاتها، منذ عقود. فلماذا لا يمكن أن يكون هناك تفاهم عربي حقيقي، وما الذي منع جامعة الدول العربية التي طرحت نفسها بديلاً واقعياً، معتدلاً لمشروع الوحدة الشعبية والثورية، من أن تتحول، كما حصل في الكثير من بقاع الأرض، إلى منظمة إقليمية فاعلة في التنسيق بين جهود الشعوب الأعضاء فيها، وتوحيد قواها وإطلاق طاقاتها، من دون أن يهدد ذلك بأي شكل شخصيتها، على منوال المنظمات الإقليمية التي تكوّنت من دول لا تربط شعوبها بعضها ببعض، لا صلة قرابة، ولا لغة، ولا دين؟
نحن لسنا هنا أمام سؤال الوحدة العربية بالمعنى الذي طرحته الفلسفة القومية التي افترضت وجود أمة عربية واحدة ذات إرادة ورسالة خالدتين، تدفعانها لا محالة إلى تكوين دولة مركزية أو قومية موحدة. وأصل الاختلاف بين مشروع الوحدة القومية ومشروع الاتحاد بين دول مستقلة هو أن المشروع الأول يفترض وجود أمة قائمة في الوعي وفي المجتمع المدني معا، أي موحدة في الواقع حتى لو أنها لا تملك بنية دولة سياسية واحدة، وهي تنزع بالتالي إلى تجسيد وحدتها الفكرية والثقافية والاجتماعية في بناء دولة مركزية واحدة، كما حصل مع الألمان بعد انهيار جدار برلين عام 1989، أما المشروع الثاني فهو لا يفترض وجود أي تقارب ثقافي أو إتني أو اجتماعي بين البلدان. فهو اتحاد بين دول وشعوب مستقلة تملك كل منها ثقافتها وهويتها الخاصتين، ولكنها تعمل للتكتل والتقارب في ما بينها من أجل زيادة منافعها الاقتصادية والاستراتيجية، وتحسين شروط منافستها على الساحة الدولية، وتأمين مناخ أفضل لازدهار شعوبها جميعا. وقد كان تكوين منظمات تكامل أقتصادي اتجاها رئيسيا في العقود الماضية، نجم عنه ولادة تكتلات ثابتة ومنتجة في جميع القارات، من أوروبة المتقدمة إلى أفريقيا المتأخرة، مرورا بأمريكا اللاتينية وآسيا التي قطعت بعض بلدانها شوطا كبيرا في النمو فصار يطلق عليها سم البلدان الصاعدة.
في إطار ندوة عن الوحدة العربية عقدها في الشهر الماضي مركز دراسات الوحدة العربية، وطلب مني فيها الجواب على هذا السؤال دافعت عن أطروحة تفيد بأن التقدم نحو مشروع اتحادي أو تكتل إقليمي من هذا النمط يستدعي وجود دولة تتمثل فيها إلى حد أو آخر مصالح المجتمع الأساسية، وأن النخب التي تسيطر عليها وتقودها، تأمل في أن تضفي الشرعية على سلطتها وتمدد أو تجدد لنفسها في الحكم، من خلال تأمين تأييد شعبي أكبر، مما لا يمكن تحقيقه من دون تقديم آفاق وشروط أفضل لتحسين شروط حياة المجتمعات وتقديم إنجازات مادية وسياسية واستراتيجية وطنية لها. وهو ما يدفع بعض نخبها الأكثر نشاطا وحيوية إلى الاندفاع نحو التكتل والتفاهم وتجاوز الاختلافات والنزاعات التاريخية، كما كان عليه الامر بين الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، أملا في أن يساهم هذا التكتل في تعزيز نموها الاقتصادي، وضمان استقرارها السياسي، وتوسيع هامش مبادرتها الاستراتيجية والأمنية.
لكن الأمر لا يطرح بالطريقة ذاتها في ما يتعلق بدول لم تكتسب بعد هويتها الحقيقية ولم تعرف حقيقة الاستقلال والسيادة الوطنية، كما أن النخب الحاكمة فيها لا تعتمد في وجودها ولا في إعادة إنتاج سيطرتها على تأييد الشعوب ودعمها، ولا تعتبر أن هذا التأييد هو الذي يضمن بقاءها في السلطة ويعزز نفوذها في إقليمها. بل بالعكس، إنها تنظر إلى مثل هذا التأييد والالتفاف حول النظام على أنه قيد لها يحرمها من هامش المبادرة الواسع الذي تحتاج إليه تجاه مجتمعاتها من أجل أن تتكيف مع السياسات الدولية التي تضمن لها وحدها الموارد المادية والاستراتيجية والسياسية التي تضفي على وجودها القوة بل الشرعية، التي هي هنا بالضرورة شرعية الموافقة الدولية لا القبول الشعبي. فهي دول مستقلة لكن شعوبها منزوعة السيادة، تخضع لنظم وسيطرة نخب اجتماعية تخشى شعوبها بقدر ما تخشى إقامة هيمنتها على دعمها وتأييدها.
ففي مثل هذه الدول التي تعيش في حجر نظم إقليمية شبه استعمارية، تعتمد اعتمادا واضحا في ضمان أمنها واستقرارها وإعادة إنتاج وسائل بقائها على غيرها، لا يمكن أن تنشأ سياسة وطنية تقدم مصلحة الدولة على مصلحة الفئة الحاكمة، وتضع المصالح العامة فوق المصالح الخاصة، وتنظر إلى تحسين شروط حياة السكان وتأهيل المجتمع للمستقبل باعتبارهما أولوية تسبق مهام السيطرة أو الحفاظ على النظام والمصالح السائدة فيه. بالعكس يشكل احتكار موارد البلاد شرطا ضروريا لبناء طبقة زبائنية تؤمن قاعدة اجتماعية يعتمد عليها النظام، كما يشكل عزل الشعوب عن محيطها وإبقائها في ما يشبه السجن الكبير شرطا آخر لتكريس سيطرة هذه الطبقة الزبائنية التي لا تملك لا فكرة إنسانية محركة ولا معارف استثنائية تعتد بها.
والواقع نحن هنا أمام نظم يرتبط مصيرها بمصير النخب والطبقات التي تحكمها، لا بالتفاهم مع شعوبها، ويقوم استقرارها على التفاهم مع الدول الكبرى التي تتحكم بغايات النظام الإقليمي الذي يحتويها لا على ما تقدمه لمجتمعاتها. وبالرغم من بعض المظاهر الخادعة، تشكل النظم هنا نوعا من المحميات السياسية التي تتغذى من مفهوم "الشرعية" الدولية وتعيش عليه أكثر بكثير مما تطمح إلى بناء شرعية وطنية داخلية، وتخاف من ابتعاد الدول الكبرى عنها أو مجافاتها لها أكثر مما تخشى أي ثورة أو انتفاضات داخلية. ولأنها لا تستطيع أن تتصرف في مثل هذه الوضعية الجيوسياسية من خارج قوانين التبعية ومنطقها، فهي لا يمكن أن تبتعد في سياساتها مهما حصل عن نطاق استراتيجية القوى العالمية المهيمنة. فهي أشبه بوكالة محلية للمركز، تستمد القوة والشرعية منه، وتقدّم له الخدمات، وتساهم في الاستقرار العام الذي يحتاج إليه ازدهاره واستمرار تسيّده. وهذا ما يفرغها من مضمونها القومي، بالمعنى الوطني والشعبي، ويحوّلها إلى دولة أصحاب السلطة والحكم فيها، فيضمر بعدها السياسي حتى لا يكاد يرى، وتنحطّ إلى دولة أجهزة لا دولة شعوب، ودولة سخرة وإكراه وفروض، لا دولة حقوق وحريات ومواطنية. لذلك ليس من المفارقة القول إن الوصول إلى صيغة اتحادية بين الوكالات العربية المتنافسة على المواقع الإقليمية ليست أكثر احتمالا من الصيغة الاندماجية التي توهمناها في الماضي، إن لم تكن أكثر إشكالية منها.

mercredi, mars 11, 2009

السودان والمحكمة الجنائية وهدر القانون

الاتحاد 11 مارس آذار 09
باستثناء الأطراف السياسية المناوئة للحكومة المركزية في دارفور وغيرها من مناطق السودان، يكاد الرأي العام العربي وحكوماته يجمعون كافة على أن مذكرة التوقيف التي وجهتها محكمة الجناية الدولية في 5 مارس آذار 2009 ضد الرئيس السوادني عمر البشير تشكل استمرارا للاستراتيجية الغربية ذاتها التي تهدف إلى حصار العالم العربي وتركيعه، والتي كان العراق أحد ضحاياها الأكثر نموذجية. وبالرغم من أن قطاعات واسعة من الرأي العام العربي لم تعد تشك في ما حدث في دارفور من مجازر، ولا تمانع في أن تعترف بقسط من المسؤولية في حصولها، أو على الأقل في عدم الحؤول بسرعة وفعالية دون استمرارها، على حكومة الخرطوم، إلا أنهم يعتقدون أن هناك مبالغة في تصوير حجم الجريمة، كما يستبعدون أن يكون الدفاع عن الضحايا هو الهدف الحقيقي للمحكمة. والدليل على ذلك أن ما طبق على السودان لا يطبق بالمثل على بلدان أخرى غير عربية، وبشكل خاص لا يطبق على مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين لا تزال أياديهم ملطخة بدم الأبرياء والمدنيين العرب في لبنان وغزة وعموم فلسطين. وأي تشكيك في صدقية القضاء الدولي وشفافيته يمكن أن يكون أقوى من اتهامه بازدواج المعايير وبالخضوع لإرادة القوى الكبرى وممالأتها أو العمل على هامش مبادرتها وتبعا لأجندتها السياسية؟
لا ينبع هذا الرفض لقرار المحكمة الدولية إذن من الاعتقاد ببراءة البشير من المسؤولية في الجرائم الخطيرة التي حصلت في دارفور، ولكن من الشك في أن يكون الانتقام للضحايا هو دافع القوى الراعية للمحكمة الدولية. فالمسؤولية قد تكون واقعة، لكن البشير لا يستهدف من اجلها ولكن كحلقة من حلقات الممانعة العربية، ولرفضه التسليم للغرب، وتطبيقه مباديء الشريعة الاسلامية، وسعيه إلى الحفاظ على وحدة السودان وهويته العربية. فقد نجح البشير بعد استلامه الحكم عام 1989 في أن يحرر السودان من الحرب التي دامت أكثر من عشرين عاما في الجنوب، ويؤمن شروط استغلال الثروة النفطية، ويؤسس للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن ما تسعى إليه الولايات المتحدة والغرب عموما، وإسرائيل خاصة، هو إثارة القلاقل والفوضى في السودان من اجل زعزعة حكم البشير ونظامه، ودفع السودان إلى الانقسام وشق أجزاء كبيرة منه عن الكتلة العربية. ومن اجل ذلك لم تكف القوى الغربية خلال العقدين الماضيين عن شحن الأجواء وتغذية التناقضات واستغلال المصاعب والمشاكل الداخلية للسودان وتضخيمها.
قد لا يكون هذا التحليل الذي يركز على الطابع السياسي للمحكمة أو بالأحرى للمحاكمة خاطئا كليا. فليس هناك في نظري حكم قانوني خال من المحتوى السياسي، والقانون جزء من السياسة ونظامها. وليس من قبيل الصدفة أن تكون المحكمة الدولية محكمة غربية. كما انه ليس من قبيل الصدفة أيضا أن لا تكون هناك، لا في السودان ولا في أكثر الدول النامية، وفي مقدمها الدول العربية، محكمة أصلا، لا دولية ولا وطنية. وأن تكون المحاكمة تقليدا ضعيفا في هذه الدول لدرجة لم يشعر البشير ولا غيره من الحاكمين في السودان أن ما جرى من جرائم في دارفور يستحق تحقيقا قانونيا وإقامة محكمة ورد الحقوق إلى أصحابها. ولا أن مثل هذا العمل، أي تطبيق القانون، هو المسؤولية الأولى للحكومة والدولة. حتى يحصل مثل ذلك ينبغي أن تنغرس فكرة القانون أولا في أذهان المسؤولين والرأي العام معا، وأن يتطور الشعور بأن العنف غير المشروع، أي المنفصل عن القانون، ليس الطريق الأقصر لتحقيق المآرب السياسية. ولا يولد معنى القانون، وليس رسمه وشكله، ما لم يترسخ في وعي النخب السائدة والحاكمة أن الإنسان هو غاية السياسة والاجتماع معا، وان العمل على تحسين شروط معيشته والارتقاء بشروط تكوينه وتأهيله وتربيته، والحفاظ على حياته، هو مبدأ أي عمل عمومي ومبرره وأصل مشروعية الدولة والسياسة ذاتها.
فالدول والشعوب التي تدرك معنى القانون وخطورته هي وحدها التي تستطيع أن تستفيد منه وأن توظف تقدمها القانوني هذا في سياساتها, أي أن تجير القانون عندما تستطيع ذلك لأهدافها السياسية. أما الدول والشعوب التي لا تعرف معنى القانون، فهي تعتقد بأن القوة المجردة عن القانون والمباديء هي وحدها القادرة على الفعل والإنجاز، فتجد نفسها ضحية سياسة القوة والعنف التي خبرتها. والقصد أن أصل استخدام المحاكم الدولية اليوم وسيلة للضغط على الدول هو تجاهل هذه الدول الاخيرة للقانون، بل استهتارها به وخروجها عليه، وتركها ساحته فارغة للقوى الكبرى التي تطرح نفسها عندئذ، كما هو واضح في زمننا، راعية للقانون وحامية للحقوق والحريات، الخاصة بالأقليات أو حتى الشعوب، والذي تنكره وتدوس عليه الدول التي أصبحت تسميها بالمارقة أو الفاشلة أو الساقطة.
وفي العقود الأربع الأخيرة، عملت ظروف متضافرة، خارجية وداخلية، زعزعت استقرار المجتمعات على تحطيم التقاليد والأصول المرعية في كل مكان، وتشويه المرجعيات السياسية والأخلاقية والدينية لدرجة لم تعد فيها للحياة الإنسانية في بلادنا العربية، على امتدادها، معنى. وصار القتل والسجن الطويل والتعذيب والاعتقال والتمثيل بالجسد والنفس معا، أمرا شائعا وطبيعيا، لا يثير أي قلق أو تأنيب ضمير ولا يدفع إلى أي مراجعة فكرية أو أخلاقية. وشيئا فشيئا صار العنف هو العملة الوحيدة الاجتماعية القابلة للصرف. واستسلمنا جميعا للاعتقاد بأن النجاح والتفوق والاكتمال وتحقيق الذات مرتبط بإظهار الاستعداد الأقصى لاستخدام العنف من دون رادع سياسي أو أخلاقي. وطبقنا بنجاح مبدأ الغاية تبرر الواسطة، ففقدنا معنى القوة الأخلاقية ونبالة الدفاع عن القيم الإنسانية.
خطأ البشير لا يكمن في أن العمليات التي خاضها جيشه قد تسببت في مقتل عشرات الألوف من البشر الأبرياء وتعذيب الكثير منهم واغتصاب نسائهم أو بناتهم وتهجير ملايين البشر من منازلهم وتحويلهم إلى لاجئين، يعتاشون مما تتصدق عليهم به الجمعيات الخيرية الدولية. هذا ما يحصل في كثير من عمليات التمرد أو الثورة أو الاحتجاج في العديد من بقاع الأرض. خطؤه أنه لم يكترث لما حصل، ولم يشعر أن ما حصل كان من الخطورة بحيث يستدعي التأمل والتفكير والتحقيق وشيئا من العدالة، حتى لو جاء ذلك لأهداف سياسية. وبذلك قدم نفسه ونظامه وبلده لفصيل الضواري الذين يتصيدون في الماء العكر بالفعل، وإذا لم يكن كذلك فهم يعكرونه بأنفسهم، ضحية على طبق من ذهب. وما كان في حاجة، لو تمثل هو نفسه شيئا من فكرة العدالة والإنسانية والحق وقدسية الحياة البشرية، وأنشأ محكمة سودانية لمعاقبة الجناة وتعويض الضحايا، إلى التمرد على "الشرعية الدولية" والذهاب إلى دارفور لإعلان المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام نفسه تحت حذائه، كما قال.
ما لم نستبطن روح الإنسانية، ونفهم معنى الحق والقانون، ونطبقهما بالفعل، سنبقى لا محالة ضحايا قانون الآخرين، أي الاستخدام الشكلي والسياسي للقانون. لكن عندما نقول ذلك لا نحل للأسف أي مشكلة. فالمفارقة كامنة في جوهر الوضعية السياسية المسيطرة في البلاد العربية، إذ كيف يمكن لنظم قائمة على تعليق القانون، بل هدر القانون، أن تكون مصدر حماية قانونية؟

mercredi, février 25, 2009

شقاء الوعي العربي

الاتحاد 25 فبراير شباط 09
تشكل العروبة موضوع نقاش متجدد في عالم اليوم. وإذا كان من الصعب لأحد أن يشكك في صينية الصيني أو فرنسية الفرنسي أو أميركية الأميركي، رغم أن الصين تضم عدداً لا يحصى من القوميات الصغيرة، وأن فرنسا تشكلت من مجموعات قومية لم تنصهر بعد تماماً في كتلة لغوية واحدة، فإن أميركا رغم سيطرة المزيج الأوروبي الأبيض عليها، تؤلف مزيجاً من القوميات التي هجرت إليها، بل هي أمة المهاجرين بامتياز، أوروبيين كانوا في أصلهم أم غير أوروبيين. لكن الأمر ليس كذلك مع العروبة. ولا يقتصر التشكيك على معناها، بل يشمل وجودها أيضاً، كما لا يقتصر على الآخرين، الغربيين بشكل عام، وإنما يتعدى ذلك غالباً إلى عدد كبير من العرب أنفسهم. فإذا كان الأولون يعترضون على وجود شعب عربي يقطن أقطاراً متعددة لكن توحده مصالح ومشاعر وتطلعات واحدة، فهم يؤكدون على وجود شعوب مختلفة أخفاها الدين الواحد واللغة الواحدة التي ارتبطت به، لكنها في طريقها لأن تستعيد وعيها بذاتها وهويتها الخاصة... فإن قطاعات واسعة من العرب تنزع إلى نكران عروبتها أو إلى تجاهلها أو عدم إعطائها قيمة ومعنى، أحياناً لأسباب أيديولوجية أو سياسية. ولم يعد الأمر يقتصر، كما كان في الماضي، على الإسلاميين لخوفهم من أن تكون العروبة بديلا عن الانتماء الديني، أو لرؤيتهم فيها عصبية جاهلية، ولا على الشيوعيين والقوميين السوريين وأصحاب الأيديولوجيات القطرية، المتمحورة حول الدولة عموماً، في الماضي القريب، ولا على الحداثيين أو العلمانيين المتطرفين اليوم الذين ينظرون إلى العروبة على أنها أيديولوجية قومية، بل ربما أيديولوجية عنصرية ورديفة للاستبداد.
ليس هناك شك في أن بروز العروبة كمحور هوية جمعية قد شكل في القرن الماضي انقلاباً عميقاً في الوعي الذاتي للعرب، بعد قرون طويلة من سيطرة الهوية الدينية الإسلامية. ولم يكن هذا التحول في استراتيجية الهوية، أو التماهي الذاتي، على مستوى واحد عند جميع قطاعات الرأي العام والفئات الاجتماعية. ولا يزال مصبوغاً، إلى اليوم، في أوساط كثيرة، بذاكرة الهوية الملية أو الطائفية التي ميزت تاريخ العالم الإسلامي الطويل وتقاليده. ولم ينجح القوميون، أصحاب الفكرة القومية وفلاسفتها، في تحرير الشعور بالانتماء العربي كلياً من الانتماء الإسلامي، رغم الجهد الكبير الذي بذلوه في سبيل ذلك. ولعل أكبر مؤشر على هذا كان شعور بعض قادة الفكرة القومية العربية من المسيحيين بالحاجة إلى اعتناق الإسلام أو التقرب من فلسفته ومبادئه، لإظهار انتمائهم العربي أو تأكيده، كما حصل مع ميشيل عفلق.
يضاف إلى ذلك أن التاريخ لم يشهد، في أي حقبة من الحقب، تطابقاً فعلياً بين حدود الجماعة الثقافية العربية وحدود الدولة السياسية التي تنتظم فيها. فقد انقسم العرب في الجاهلية قبائل وعشائر وممالك أو شبه ممالك متنافسة، اشتهرت منها المملكة المنذرية والمملكة الغسانية. وقد تفاقم الأمر مع حركة الفتوح التي واكبت انتشار الإسلام وأدت إلى بناء دولة إمبراطورية تجمع إلى جانب العرب شعوب شرق وجنوب المتوسط جميعاً، وتصهرهم تحت راية إسلامية واحدة. وإذا كان العهد الراشدي ثم الأموي قد احتفظ للعرب بموقع متميز في الدولة الجديدة، فإن تقدم المشروع الإمبراطوري قد فتح المجال أمام صعود شعوب وأقوام أخرى إلى مقدمة المسرح السياسي للدولة، وسمح لهم بإضفاء خصائصهم الفكرية والثقافية، وأحياناً لغاتهم، عليها. وخلال قرنين أو ثلاثة أصبحت السيطرة العربية على الدولة الجديدة من ذكريات الماضي. وجاء العثمانيون منذ القرن الرابع عشر الميلادي ليعيدوا صهر المنطقة نفسها وشعوبها في مصهر الهوية الإمبراطورية التي تجمع بين ملل دينية عابرة للقوميات والثقافات.
القطيعة المزدوجة بين الجماعة والدولة، الثقافة والسياسة... هي ما يغذي الشعور العميق بخيبة الأمل التاريخية، وتشكل مصدراً لشقاء الوعي العربي حالياً.
وقد استمرت القطيعة بين حدود الجماعة الثقافية وحدود الجماعة السياسية قائمة في القرن العشرين، رغم انحلال السلطنة وظهور نموذج الدولة "الوطنية". فبسبب غياب قوة سياسية عربية مركزية، لم يسفر تفكك الإمبراطورية العثمانية عن نشوء جماعة عربية موحدة ودولة عربية تتطابق فيها حدود الثقافة القومية مع حدود الدولة السياسية، وإنما أسفر عن سيطرة القوى الأوروبية التي أعادت تشكيل المنطقة من وجهة نظر مصالحها الخاصة، أي من منظور تقاسم مناطق النفوذ، وبالتالي تقسيمها بما يضمن تحقيق هذا النفوذ وتوزيع دوائره بين الدول الكبرى الأوروبية. وكان هذا التقسيم فاتحة لأزمة هوية عربية لم تنته إلى اليوم نجمت عن تصادم الوعي القومي العربي الصاعد، تمثلا للقيم القومية الحديثة نفسها، بواقع السيطرة الاستعمارية وتقسيمها للمنطقة العربية.
من هذه الأزمة، وجواباً عليها، نشأت حركة القومية العربية التي وضعت نصب عينيها توحيد العرب وتحريرهم من النفوذ الغربي والسيطرة الأجنبية، بهدف الوصول إلى الصيغة القومية الحديثة المنشودة، أي مطابقة حدود الجماعة الثقافية، الناطقة بالعربية، مع حدود الجماعة السياسية، أو تكوين دولة عربية قومية بالمعنى الحديث للكلمة، تضع العرب على المستوى ذاته من التطور السياسي والدولي الذي بلغته الشعوب الأخرى.
لكن ما سوف يفاقم بشكل أكبر من أزمة الهوية العربية لحقبة ما بعد الثورة القومية هو إخفاق الحركة القومية العربية ذاتها في تحقيق حلم الدولة القومية أو الدولة الأمة التي تتطابق حدودها الثقافية (الأمة) مع حدودها السياسية (الدولة). فقد أدى هذا الإخفاق إلى وضع الهوية العربية في طريق مسدود، بقدر ما كرس انتصار الخيار النقيض، أي خضوع المنطقة لمنطق تقاسم النفوذ الأجنبي الذي يعني هنا ترسيخ التحالف بين النخب المحلية الحاكمة والقوى الغربية، الأوروبية والأميركية، مما زاد حدة التناقض بين منطق الجماعة الثقافية ومنطق الجماعة السياسية. فلم يعد مصدر الأزمة الشعور بالقطيعة المتزايد والمكرسة بين الانتماء الثقافي المتنامي، بفضل تقدم عملية التحديث والانفتاح على العالم، والانتماء السياسي المرتبط بدولة قطرية أو جزئية فحسب، وإنما أضيف إليه الشعور المتزايد بالقطيعة بين الدولة القطرية المتحولة إلى إطار للتحالف بين النخب المحلية المفروضة بالقوة والسيطرة الأجنبية من جهة والشعب الذي يخضع لها ويعاني من اضطهادها وسياستها التمييزية الاجتماعية والثقافية من جهة ثانية. وهذه القطيعة المزدوجة بين الجماعة والدولة والثقافة والسياسة هي التي تغذي الشعور العميق بخيبة الأمل والخديعة والإحباط التاريخي، وتشكل المصدر الرئيسي لشقاء الوعي العربي والعروبي حالياً.
فليست الهوية صفة ثابتة وجامدة مرتبطة بخصائص جسدية وثقافية موروثة، كالأصل الإتني واللغة، وإنما هي علاقة بين الخصائص الموروثة ومشاريع المستقبل التي تتطلع إليها الشعوب عبر الأيديولوجيات التي تتبناها في حقبة ما. وعندما تخفق هذه المشاريع تعود الإبرة إلى نقطة الصفر، أي إلى الفراغ المقلق والمؤلم. ولا يمكن الخروج من هذه الأزمة إلا بتحقيق النجاح في عمليتين مترابطتين: تحرير العروبة كمفهوم وصفي، أي كأصل وانتماء خام، من العروبة كما يجسدها هذا المشروع الأيديولوجي أو السياسي الذي أخفق أو فقد الأمل بالبقاء، وفي موازاة ذلك تبلور مشروع ثقافي سياسي جديد، يقدم للناس رؤية واضحة للمستقبل، وقيماً ومعايير أخلاقية فاعلة للتوجه الذاتي وبناء السلوك الإيجابي في المجتمع والعالم. وهذا ما لا يمكن فصله أيضاً عن طبيعة البيئة العالمية السائدة والخيارات الفكرية والسياسية والاستراتيجية التي تقدمها للشعوب والجماعات.

mercredi, février 11, 2009

الاستقرار الاجتماعي والأزمة العالمية

الاتحاد 11 فبراير شباط 09
تركز الاهتمام في الأزمة العالمية التي تضرب الاقتصاد العالمي، الافتراضي والحقيقي معاً، على الإفلاسات المتتالية لكبريات الشركات، والخسائر المالية التي تعرضت لها المصارف، كما تعرض لها المساهمون في الأسواق المالية والمضاربون فيها. فيما تركز محور الجهد للخروج من الأزمة على الحلول المالية أساساً، وقليلا على الحلول الاقتصادية. ومن الواضح أن هدف الحلول المطروحة هو إعادة ضخ رأس المال وتحريكه في شرايين المصارف والمؤسسات الاقتصادية بوصفه الدم الذي يغذي الاقتصاد الحديث ويمكّنه من البقاء والاستمرار. لكن لم يحظ العمل وعالمه بأي اهتمام أو رعاية ولم يتقدم أي تقرير من التقارير الدولية أو الخاصة باقتراحات تتعلق بحمايته مصالح البشر المنتجين والعاملين، وهم الجسم الأعظم من المجتمع، سواء تعلق الأمر بالعمال الأجراء في شركات ومؤسسات عامة وخاصة، أو بالطبقات الوسطى العاملة في قطاع الخدمات والتجارة والأعمال المهنية الأخرى. فهؤلاء سيدفعون ثمن الأزمة من جيوبهم، إذا بقي فيها ما يدفع، رغم أنه لا ناقة لهم ولا جمل في تغذيتها أو تفجيرها. يؤكد هذا الاتجاه أننا، بالرغم مما حصل، وهو ليس بالأمر البسيط أبداً، ولا ندري بعد حجم الدمار الذي سوف يسببه في المجتمع وفي الاقتصاد والدولة معاً، لم نخرج بعد من منطق الليبرالية الدوغمائية الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، وأن رهان القوى السياسية والاقتصادية التي لا تزال تحكمنا وتتحكم بنا على مستوى العالم لا يزال يقوم كما كان عليه الحال منذ عقود، على المصالح المالية والاقتصادية الكبرى. وبدل أن تكون الأزمة المدمرة مناسبة لإعادة بناء النظام الاقتصادي على أسس جديدة، كما كنا نأمل ونتوقع، تربط منطق الاقتصاد بمنطق المجتمع وتخضعه له، وتدخل منطق الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة كمحدد جديد في السياسات الاقتصادية، عدنا إلى المنطق نفسه الذي كان وراء اختمار الأزمة وانفجارها، أعني فصل الاقتصاد عن المجتمع وتحويله إلى مبدأ قائم بذاته وسابق على أي منطق آخر.
هذا هو المضمون الحقيقي لبرنامج الإنقاذ الذي يقوم على ركيزتين: تعويم الشركات والمؤسسات المالية والصناعية الكبرى الفاشلة والمفلسة، وتكثيف الضغط على العمالة، سواء أكان ذلك من خلال زيادة ساعات العمل (مشروع مقدم للبرلمان الأوروبي) أو الاستسلام لمبدأ التسريح الواسع للعمال وترك المؤسسات الصغيرة، التجارية والخدماتية، إلى مصيرها.
والواقع أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تطبيق سياسات محورها الرئيسي إطلاق ديناميكية رأس المال وتحريره من التزاماته تجاه العمال والمجتمع ككل. واستندت هذه السياسات التحريرية إلى ما أطلق عليه "مرونة العمل"، أي تخفيف القيود على التسريح والاستغناء عن العاملين، كي ما يتسنى لأصحاب المشاريع الصناعية والتجارية خوض غمار معركة المنافسة الشديدة على المستوى الكوني بأكمله، وفي أحسن الشروط. وقد أدى ذلك بالفعل، وعلى صعيد العالم، لكن بدرجات متفاوتة، إلى التراجع الواضح عن ذخيرة من الخبرة الاجتماعية والمكاسب القانونية التي بذلتها المجتمعات الحديثة، خلال أكثر من قرنين لوضع قوانين تحمي المنتجين من العمال والموظفين، وتفرض على أرباب العمل والصناعيين والمستثمرين الالتزام بقواعد قانونية تحد من التعسف وتضمن للعمال حداً أدنى من الأمن والاستقرار. وبالتأكيد حصل ذلك على حساب أصحاب المصالح الكبرى الذين لا يفكرون بمصير المجتمع ولا بمستقبل مصالحهم نفسها على المدى الطويل، كما بينت ذلك الأزمة الراهنة ذاتها، وإنما تحكمهم معايير واحدة وحيدة هي زيادة الإنتاجية ورفع الأرباح فحسب.
اللافت أنه لا صوت لـ"العمل الدولية"، دفاعاً عن المنتجين في العالم، وكأنها تركت لصندوق النقد ومنظمة التجارة، ساحة التخطيط للمستقبل!
وإذا لم نأخذ مصالح المجتمع ومنطق انسجامه واتساقه بالاعتبار في بلورتنا للسياسات الجديدة الرامية إلى مواجهة الأزمة ودرء مخاطر تفاقمها واتساع آثارها المدمرة، فليس هناك أدنى شك في أن النتيجة ستكون مزيداً من التقويض للأسس والمبادئ التي قامت عليها خلال القرنين الماضيين مفاهيم الحماية الاجتماعية، سواء ما تعلق منها بطبقة العاملين ككل، أو بفئاتها الأضعف من النساء والأطفال. فمع استمرار الضغط في اتجاه إنقاذ المشاريع المالية والصناعية الكبرى من الإفلاس وإعادة ضخ الحياة فيها، والسعي للتعويض عن ذلك إلى زيادة معدل مردود العمل، هناك خطر كبير في أن تفرغ قوانين العمل من أي ضمانات أو حماية وتتحول إلى ذكرى ماضية، وفي موازاة ذلك، تعريض الطبقات العاملة التي تشكل أغلبية المجتمع إلى شتى أنواع الابتزاز، ودفعها إلى وضع من الاضطراب وعدم الاستقرار العميقين.
ليس المطلوب التخلي عن السياسات الكبرى الساعية إلى حفظ الآلة الاقتصادية التي لا يمكن التضحية بها من دون توجيه ضربة قوية للمجتمع ككل، ولطبقاته الكادحة أيضاً، بل المطلوب أن لا نستمر في إطلاق الحرية، كما كان عليه الحال في السابق للقانون الاقتصادي وأن يكون لقانون المجتمع أيضاً مكانه حتى يمكن تحقيق العدالة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. وهذا يعني أنه ينبغي أن يكون المردود الاجتماعي واضحاً وشفافاً في أي إجراءات اقتصادية تتخذها السلطات المعنية، وأن لا تكون فوائدها مقتصرة فقط، كما يحصل حتى الآن، على أصحاب المشاريع والمؤسسات الاستثمارية الكبرى، ومن أجل إحيائها وإنعاشها، مهما كانت مساوئها وأعطابها وعدم نجاعة الحفاظ عليها. وينبغي أن تستثمر الأزمة الراهنة من أجل إعادة توجيه هذه المشاريع والمؤسسات بحيث تعطى الأفضلية لتلك التي تنجح في التكيف مع حاجات المجتمع ومنطق عمله، وتلك التي تقبل بإعادة بناء نفسها على أساس احترام مبادئ الخدمة الاجتماعية والبيئة النظيفة والعوائد العامة لا على قاعدة مراكمة الأرباح والعوائد، بصرف النظر عن أثر ذلك على المجتمع والدولة والحياة البشرية. إن ما ينبغي عمله هو استثمار الأزمة لكسر منطق أسبقية تراكم رأس المال على تحسين شروط حياة المجتمعات، بما يتضمنه هذا المفهوم من الارتقاء بشروط الوجود الإنساني، المادية واللامادية، وتوسيع فرص اختيارات البشر وتعزيز مبادئ العدالة والمساواة بينهم، وبناء أسس اقتصاد سليم ومعافى مستقر وقائم على احترام العمل والمكافأة حسب الجهد، وبالتالي كسر شوكة الرأسمال المضارب ومنطق وجوده وسيطرته على الاقتصاد الحقيقي وتحكمه به. من دون ذلك لن تكون الأزمة سوى مناسبة للإفقار المتزايد للمجتمعات والطبقات الوسطى خصوصاً، وإعادة إنتاج رأسمالية المضاربة التي هي في أساس المأساة الراهنة. ومن الملفت للنظر أننا لا نكاد نسمع لمنظمة العمل الدولية صوتاً اليوم في الدفاع عن المنتجين في العالم، وكأنها استقالت وتركت للمؤسسات المالية والتجارية الدولية كصندوق النقد ومنظمة التجارة العالمية، الساحة حرة لتحتكر التخطيط للمستقبل.

lundi, février 02, 2009

الأزمة الفلسطينية وضرورة مراجعة الذات

الجزيرة نت 2 فبراير 09

لم يكن انقسام الرأي العام والحركات السياسية في الخمسينيات والستينيات، بين وحدويين وقطريين، مما شكل محور النقاش السياسي لعقود طويلة، مستقلا عن خيارات استراتيجية وسياسية أساسية. فقد كان أنصار الفكرة القومية يعتقدون أن أولوية تحقيق الوحدة نابعة من أنها شرط التحرر من السيطرة الأجنبية، ومن وراء ذلك استعادة الشعوب العربية لهويتها وأصالتها وشخصيتها، وانخراطها الفعلي والفعال على طريق الحضارة الحديثة. ذلك أن نهضة المجتمعات رهن بتحررها واستقلالها وسيادتها، ولا تحرر ولا استقلال ولا سيادة للدول والأقطار العربية، صغيرها وكبيرها، من دون تفكيك نظام السيطرة الأجنبية. وفي المقابل، كان أنصار الفكرة الليبرالية الذين استلموا السلطة في البلاد العربية بعد رحيل الاستعمار يرون أن الأولوية ينبغي أن تعطى لتحسين شروط حياة الشعوب وتحديثها، وأن مثل هذا البرنامج يستدعي التكيف مع الواقع العربي القائم، مهما كانت أسباب ولادته ونشوئه، والتعامل مع القوى الدولية الكبرى، في نطاق الهامش المتاح، على أمل تغييره في المستقبل. ومن هنا، كما دفعت الفكرة القومية بأصحابها إلى التوجه نحو استراتيجية الثورة والانقلاب لمواجهة النظام القائم، دفعت الفكرة الليبرالية التي كانت منافستها الأولى إلى التقرب بشكل اكبر من الدول الغربية والاستعمارية السابقة والتعاون بل والتفاهم معها، كما حصل في الخمسينات والستينات.
ولعلنا نلحظ معالم هذا الانقسام واختياراته المتناقضة وقد عادت من جديد إلى واقعنا العربي بعد أن فقدت الحركة القومية نفوذها الواسع وتقلصت سيطرتها في العقود الثلاث الماضية. ويكاد الوضع الفلسطيني يقدم مثالا ناصعا لهذا التناقض الذي وصل إلى حدوده القصوى بين الخيارين، بمقدار ما تمثل الحالة الفلسطينية حالة حدية قصوى في تاريخ تحرر العرب الحديث. فكيف يمكن الجمع، ولو بصعوبة، بين مهام تحرير الأرض الفلسطينية من مستعمر غاشم بكل المعاني، من جهة، وتأمين شروط العيش الطبيعي، ولو بحدوده الدنيا، من جهة ثانية؟ فالأولى تقتضي القطيعة مع نظام الاحتلال ومن يتعامل معه، والثانية لا تستقيم إلا بالتكيف أو التعامل أو التفاهم مع نظام السيطرة القائمة. وهي الصعوبة التي تكتشفها حماس السلطة في غزة، حيث المقاومة تعني التضحية بشروط الحياة الطبيعية الدنيا، كما تكتشفها سلطة فتح في الضفة حيث لا يمكن الحفاظ على شروط الحياة الإنسانية من دون مساومة مبدئية، ليس مع سلطات الاحتلال فحسب وإنما مع النظام الدولي الذي يدعمها.
ويكاد تاريخ القضية الفلسطينية يلخص التاريخ السياسي العربي الحديث ويعيده من جديد إلى نقطة الصفر في الوقت نفسه. فمثلما حدث في جميع الأقطار العربية، تحولت فتح ذات الفكر القومي والثوري والفدائي، شيئا فشيئا، وبموازاة وصولها إلى السلطة وتمثلها منطقها، وممارستها لمسؤولياتها فيها، وهي تتركز قبل أي شيء آخر على تحسين شروط حياة السكان، كأي نظام دولة، إلى حركة مسالمة ومساومة في الوقت نفسه. وهو ما حصل من قبل لجميع الحركات الاستقلالية العربية التي انتزعت استقلالها من الاستعمار. وبالمقابل، يؤدي تمسك حماس بمنطق المقاومة إلى تعريض منطقة سيطرتها للانتقام، وما يجره من دمار، ويخرجها من المعادلة السياسية الإقليمية والدولية.
والسبب أن التناقض بين مصالح القوى الاجنبية واختياراتها، وهنا مطامح إسرائيل ومطامعها على سبيل المثال، والمصالح الدنيا للشعوب العربية، في السلام والاستقرار والأمن والتنمية الإنسانية الطبيعية، يكاد يكون من الشدة بحيث يلغي أي إمكانية للتسوية او لتسوية مقبولة. فأي تسوية يمكن أن تحصل بين إسرائيل تريد وتعمل علنا على انتزاع الأرض من ساكنيها واستيطانها، وشعب فلسطيني يريد العيش بسلام على أرضه، أو ما تبقى منها؟
إخفاق النظم الليبرالية العربية لحقبة ما بعد الاستقلال في ايجاد جواب لهذه المعادلة الصعبة بين والاستقلال والسيادة من جهة، والتنمية الإنسانية من جهة أخرى، ألم يترك لها خيارا سوى الرحيل تحت ضغط الحركة الشعبية والقومية الناقمة. لكن حظ الحركة القومية الشعبية التي انتزعت القيادة منها، لم يكن أفضل من ذلك في حل هذا التناقض التاريخي في الحياة العربية الحديثة. بل ربما كان إخفاقها مضاعفا بالمقارنة من النخبة التي سبقتها. فقد ضحت بمصالح التنمية العربية من دون ان تربح معركة مواجهة النفوذ الغربي. هكذا وجدت الشعوب العربية نفسها في حالة تفاقمت فيها السيطرة الخارجية والتبعية المباشرة للغرب مع فساد النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانعدام فرص التنمية الانسانية.
زيادة الضغط الخارجي تزيد الانقسام داخل الشعوب، بمقدار ما تفرقهم في اختيار استراتيجيات المواجهة. ويزيد هذا التفرق في قوة النفوذ الأجنبي ومقدراته على التلاعب بالقوى المحلية واستتباعها، ويقضي في النهاية على الحركة الوطنية بأكملها، محولا قسما منها إلى متمردين على النظام وخارجين عليه موسومين بالمروق والإرهاب، وقسما آخر إلى عملاء يحتضنهم النظام ليستخدمهم أداة في تحقيق سياساته واستراتيجيته.
هكذا حصل فرط الشعوب والحركات الوطنية التي قادتها في العديد من بلدان العالم. ولا يختلف عن هذا ما تعيشه اليوم الحركة الوطنية الفلسطينية التي يتهم بعضها بالعمالة للغرب وإسرائيل وبعضها الآخر بالعمل لحساب أجندة ايرانية ليس لها علاقة بالعرب. والنتيجة تخوينا متبادلا، هو مقدمة لصراعات ونزاعات أهلية تجهض الحركة من الداخل وتقضي على أحلام الشعب الفسطيني الوطنية.
لا ينبغي أن نركن للتفكير المبسط والانفعالي الذي يقود إلى العداء والقطيعة داخل صفوف الحركة الواحدة. وفتح وحماس هما مكونان أساسيان في هذه الحركة. ولا ينبغي كذلك أن نسكر بالانتصارات الجزئية حتى لو كانت نتيجة تضحيات كبيرة، فنعتقد أننا قادرين لوحدنا، كطرف مقاوم أو كطرف مساوم على القيام بالتزامات القضية واستحقاقاتها. لا يزال الطريق طويلا جدا امام الفلسطينيين، ومزروعا بالألغام الاسرائيلية والغربية والعربية أيضا. ولا يحق لنا أن ننسى الدرس الذي استخلصته حركات التحرر الوطني خلال أكثر من قرن من الكفاح والصراع مع العدو نفسه، وهو الحفاظ، مهما كان الثمن، على وحدة الحركة الوطنية، ومن ورائها على الوحدة الوطنية نفسها. إن تغلبنا على الانقسام الذي يدفعنا إليه عجزنا وأحيانا إخفاقنا المشترك، من ثورويين قوميين وإسلاميين مقاومين، وليبراليين علمانيين، متعايشين ومتعاملين ومعتدلين، هو وحده الذي يمكننا من احتواء الضغوط الخارجية، ومنع أعدائنا من اختراق صفوفنا، واللعب على تناقضاتنا الداخلية. وبالعكس، إن فشلنا في التوصل إلى تسوية تمكنا من استعادة وحدتنا ومبادرتنا الوطنية، يعني أن نظام السيطرة الأجنبية قد نجح في تحقيق أهدافه، وفي فرط مجتمعاتنا وحركاتنا الوطنية والتحررية، ونقل الحرب الخارجية لتصبح حربا داخليا نواجه فيها بعضنا البعض.
ليس هناك، ولم يكن عبر التاريخ، حلا للتناقض القائم بين المقاومة والدولة. فهو أحد مكونات الوضع الاستعماري أو شبه الاستعماري نفسه. ولن يزول إلا بزواله. إنما هناك بالضرورة، ولا بد أن يكون هناك، من أجل العمل على هذا الزوال، تسويات مؤقتة، وحلول عملية، جزئية أو أكثر من جزئية، تحول دون الصدام وتجنب النزاع، وتحقق أوسع وحدة وطنية ممكنة، بهدف تكثيف الضغط على القوى الاستعمارية، ولعل ما حصل في لبنان من اتفاق بين الدولة والمقاومة مثال على العمل الذي ينبغي القيام به في فلسطين للحفاظ على ما يشبه الدولة ومهامها، حتى لا يسقط المجتمع في الفوضى والجهل والتخلف وغياب القانون، وتمكين المقاومة من متابعة عملها حتى لا يشعر العدو بالراحة ولا يطمئن إلى المكاسب التي حققها ويعتبرها نهائية، وفي مقدمها ضم الارض واستيطانها ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.
يستدعي هذا بالتاكيد مراجعة من قبل الأطراف جميعا، حتى تكون الدولة دولة، وليست وكرا لأصحاب المصالح المكرسة، وحتى تبقى المقاومة في إطار أجندة وطنية شاملة تأخذ بالاعتبار مصلحة القضية العليا والشعب بأكمله، ولا تكون رهينة أجندة سياسية تمارس لتحقيق تقدم فريق سياسي على آخر. وليست هذه المراجعة من المستحيلات، إنما يحتاج تحقيقها إلى صفاء ذهني ونكران للذات وارتفاع على الحزازات والحساسيات والنزاعات الصغيرة. لكن وحده الذي يملك مثل هذه الملكات هو الذي يحقق الوحدة من حوله، أي يقدر ان يستوعب الآخر، ويكسب الرهان.

mercredi, janvier 28, 2009

إلى جورج ميتشيل: صناعة العداون

الاتحاد 28 يناير 09

في كلمته التي أعقبت تعيينه مبعوثا للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، قال جورج ميتشيل لا يوجد نزاع لا يمكن حله، لأن النزاع لا ينشأ تلقائيا ولكنه يبعث ويصنع ويغذى باستمرار. وهذه في نظري بداية مشجعة للمبعوث الامريكي إذا كان يعني بالفعل ما يقوله. ويكاد يختلف هذا الكلام إلى حد التناقض مع ما تضمنه خطاب رئيسه الذي وقع قرار تعيينه في منصبه، والذي كان أقرب في التصور الذي أعلنه إلى الرئيس السابق جورج دبليو بوش في تأكيده على تعهد الولايات المتحدة بالدفاع عن إسرائيل وضمان أمنها من دون أي إشارة إلى أصل المشكلة وجوهرها، أعني الاحتلال الاسرائيلي.
السؤال الرئيس يبقى بالفعل : من المسؤول عن خلق النزاع العربي الاسرائيلي وتصنيعه، وما هي الدوافع العميقة لتغذيته وإدامته؟ وهذه في اعتقادي نقطة البدء المنطقية والعملية لأي مبادرة تهدف إلى إنهاء النزاع والتغلب على عوامل استمراره.
بالنسبة للأمريكي العادي، وجميع أولئك الذين يناصرون إسرائيل ويحرصون على إرضائها، يظهر العرب، والفلسطينيون منهم بشكل خاص، وكانهم السبب في تفجير النزاع واستمراره، بسبب رفضهم الاعتراف باسرائيل منذ البداية، ومعاملتهم لها بوصفها دولة مختلقة، ولدت في أذيال السيطرة الاستعمارية، وشنهم حروبا متتالية، نظامية وفدائية، عليها، كان آخرها رمي مدنها الجنوبية بالصواريخ والقذائف المتنوعة، من قبل حركة المقاومة الاسلامية وحلفائها. فرفض العرب إسرائيل التي ولدت من قرار صوتت عليه الجمعية العمومية بالأغلبية، ثم التدخل عسكريا، حال ولادتها، من أجل محوها عن الخريطة المشرقية، هو الذي يفسر في نظر هؤلاء جميعا ولادة استراتيجية الردع العسكري الاسرائيلية، وتبني تل أبيب، قبل إدارة الرئيس جورج بوش بعقود طويلة، نظرية الحروب الوقائية أو الإجهاضية، التي لم تكن حرب غزة الأخيرة سوى مثالا ساطعا لها، وانخراطها في سياسات الاحتلال وتطويرها المشاريع الاستيطانية، بقصد تعزيز قوة الدولة العبرية وتمكينها في المنطقة، وإجبار العرب على التعايش معها، وربما الخضوع لأوامرها والانصياع لإرادتها.
تسيطر هذه النظرة بشكل واضح على الرأي العام الغربي، الرسمي والشعبي، وتتجلى عبر تصريحات مسؤولي الدول الغربية وسياساتها اليومية حتى ليكاد المسؤول الغربي، أوروبيا كان أم أمريكيا، لا يشعر بأي تناقض ولا تمييز عنصري في تبني معادلة تعكس التجاهل الكامل للحقوق الفلسطينية والعربية عندما تقصر حقوق الشعب الفلسطيني على تأمين الحاجات الإنسانية بينما تركز على تحقيق ما يشبه الأمن المطلق لاسرائيل، وتتعهد في سبيل ذلك بالابقاء على التفوق العسكري والاستراتيجي الساحق لتل أبيب كشرط للاستقرار والسلام. وهذا ما يفسر أيضا تدجيج إسرائيل بالسلاح وإشراكها في ثمار التقدم العلمي والتقني، وتوفير الغطاء السياسي والدبلوماسي لحروبها وحملاتها التي أصبحت حملات منظمة ومنتظمة على جيرانها، منذ حرب عام 1967. فإسرائيل مهما كانت قوتها العسكرية تبقى في نظر الغربيين مهددة، ومحتاجة إلى الدعم والتعزيز. أما العرب فهم مصدر تهديد لاسرائيل مهما ضعفت حيلتهم العسكرية وتعددت انقساماتهم السياسية والمذهبية. ومن هذا المنظور كل ما تقوم به إسرائيل مشروع ومطلوب : من مراكمة الترسانة العسكرية، بما في ذلك إنتاج السلاح النووي المرفوض لغيرها، إلى شن الحروب الوقائية، إلى احتلال الأراضي العربية والتمسك بها، إلى شن الحملات الانتقامية التي تهدف إلى إرهاب المدنيين وردع الشعوب العربية.
إلى جانب نظرية الرفض العربي لاسرائيل وتهديدها في وجودها، هناك أيضا نظرية ثانية تجعل غض النظر عما تقوم به إسرائيل من خرق للقوانين الدولية، بل تشجيعها على القيام به، أمرا ضروريا ومهمة أخلاقية، هي استخدام الحكومات العربية العداء لاسرائيل وسيلة للتغطية على مشاكلها الداخلية وإخفاقها في تحقيق الحد الأدنى من المطالب الاجتماعية.
في هذا المنظور لا تنتفي أي شرعية للكفاح العربي ضد السيطرة الاسرائيلية فحسب ولكن أكثر من ذلك تتحول كل مقاومة للقهر أو للتوسع أو للحروب الإجهاضية والانتقامية الاسرائيلية إلى تأكيد على الخطيئة العربية الأصلية التي هي رفض وجود إسرائيل وقيامها. لأن أي مقاومة لا تعود تعني شيئا آخر سوى إصرار العرب على هذا الرفض وتاكيد إرادتهم العدوانية في محو الدولة اليهودية من الخريطة. يجعل هذا التفكير كل شيء مبررا: الاحتلال والحرب والقتل الجماعي معا. وهذا ما حصل ويحصل يوميا ومنذ أكثر من نصف قرن بين العرب والاسرائيليين.
من هنا لم يتردد احد من المسؤولين الغربيين في تأييد الحملة الاسرائيلية الاخيرة على غزة، ولم ير في القتل الذي تعمدت أن يكون وسيلتها لردع المقاومة والشعب الملتف حولها، أمرا منافيا للقانون الدولي أو للقيم الإنسانية، بل حربا دفاعية، كما ذكر رئيس الاتحاد الأوروبي للدورة الحالية. وكما سيذكرنا بذلك الرئيس الأمريكي الجديد الذي تعهد من جديد بضمان واشنطن امن إسرائيل واستقرارها، وأكد على حقها في الدفاع عن نفسها ضد المقاومة الفلسطينية، مقابل تعاطفه مع المدنيين الفلسطينيين. فهذه المعادلة لم تتغير ولا يمكن أن تتغير طالما أن العرب هم الظالمون سياسيا، والاسرائيليين هم ضحاياهم. فإسرائيل محقة في حربها حتى لو ارتكبت مجازر جماعية، طالما أنها تدافع عن قضية عادلة هي وجودها نفسه، أما الضحايا من المدنيين فهم يندرجون في خانة الخسائر الجانبية ولا يؤثرون كثيرا على المعادلة السياسية.
ما ينقص هذا التصور حتى تنقلب المعادلة رأسا على عقب هو ما يتجاهله جميع هؤلاء، وما يشكل أصل المشكلة، أعني الاحتلال. ففي هذا التجاهل الإرادي أو غير الإرادي يكمن فساد التصور الغربي بأكمله وعجزه أيضا عن تصور أي مخرج ممكن للأزمة، وتأكيد ساساته ودبلوماسييه باستمرار على التعقيد الاستثنائي للوضع في الشرق الاوسط وغياب إمكانية التوصل إلى حل. وبالفعل كيف يمكن الخروج من حلقة العنف إذا استمر المرء في تجاهل احتلال عام 1948 وإعلان الدولة اليهودية من جانب واحد وتشريد الفلسطينيين، وكيف يمكن التغلب على النزاع العربي الاسرائيلي إذا رفضنا الاعتراف باحتلال عام 1967 وما بعده ونظرنا إليه كمجرد امساك بالأرض كوسيلة لردع العرب عن العدوان، وكيف يمكن إدانة الاستيطان اليهودي في الأراضي العربية المحتلة إذا نظرنا إليه كوسيلة ناجعة وضرورية لتعزيز فرص إسرائيل في الدفاع عن نفسها وضمان وجودها؟
استمرار السياسة الغربية في تجاهل واقع الاحتلال وحذفه من أي تصور للنزاع مقابل التركيز على التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها إسرائيل ليس برئيا ولا يعبر عن سذاجة سياسية، إنه أساس الاستراتيجية الغربية التي تعتمد على إسرائيل وتراهن على تفوقها العسكري والاستراتيجي للابقاء على نفوذها في أكثر منطقة حساسية جيوستراتيجية في العالم، وعدم السماح لشعوب المنطقة من العرب وغيرهم بالاستقلال بشؤونهم والخروج من الفلك الذي فرض عليهم أن يظلوا يسبحون به. وهذا الغرب الذي يتجاهل احتلال اسرائيل كما تجاهل احتلاله للمستعمرات السابقة من قبل هو الذي خلق النزاع، وهو الذي يغذيه ويشعله متى يشاء، ويطفيء لهبه عندما يشاء، وهو المستفيد الأول والاخير منه.
ما لم يعترف الغرب وسياسييوه بأولوية مشكلة الاحتلال، لا يمكن التوصل إلى أي تسوية أو حل للنزاع، لا في عهد أوباما ولا في عهد من سيعقبه في البيت الأبيض. فالاحتلال الأول الذي أنتج تدمير المدن والقرى العربية وتشريد أهلها وتحويل الجزء الأكبر من شعبها إلى لاجئين هو منطلق النزاع ومفجره، والسعي إلى الحفاظ على الوضع القائم والتوسع في الاستيطان، وإجهاض أي جهد عسكري أو سياسي عربي ودولي للتوصل إلى تسوية تضمن إرضاء الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية الشرعية، أي إقامة دولة فلسطينية لا تزال تل أبيب ترفض الاعتراف بها، وتحتل أراضيها، هو الذي يغذي النزاع ويديمه. إن إسرائيل المرتبطة ارتباطا عضويا بالتكتل الغربي الأطلسي هي التي تزعزع أسس الحياة السياسية والاقتصادية والإنسانية للشعوب العربية، وفي مقدمها الشعب الفلسطيني.
من دون الاعتراف بهذه الحقائق البسيطة سيكون بإمكان الغرب أن يبرر كل الخروقات السافرة للقانون الدولي وحقوق الانسان، بل ويغض النظر عن مشاريع نظام الميز العنصري والتطهير العرقي التي لا مهرب لاسرائيل منها طالما بقيت متعلقة بالاحتلال ورافضة لأي مراجعة لسياستها التوسعية، أي طالما بقي الغرب ينظر إلى سياساتها الاستعمارية كدفاع عن النفس، ويجنبها أي ملاحقة قانونية أو مساءلة أخلاقية.

lundi, janvier 05, 2009

محنة غزة: لا يمكن للجبن أن يكون سياسة عربية

burhan ghalioun: امتحان غزة: لا يمكن للجبن أن يكون سياسة عربية

امتحان غزة: لا يمكن للجبن أن يصنع سياسة

بعد أكثر من أسبوع من القصف الهمجي على غزة، وسقوط آلاف الضحايا بين قتلى وجرحى، وتحدي الحكومة الاسرائيلية إرادة جميع الدول والمنظمات الدولية، بما في ذلك الامم المتحدة، بتوسيع عملياتها العسكرية، والبدء بهجوم بري يستهدف علنا إخضاع غزة والقضاء على المقاومة الوطنية فيها، لم يعد من الممكن لحكومات العالم العربي أن تتمسك بالسياسة التي اتبعتها خلال الأسبوع الماضي، ولا ان تستمر في إقناع العالم بالتدخل لوقف إطلاق النار. لا يؤكد مثل هذا الموقف استقالة العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية، وتصرفه تجاهها من قبيل سقط العتب فحسب، ولكنه يقوض أكثر مما هي عليه اليوم أي صدقية سياسية للدول العربية.
من المضحك والمثير للسخرية ان يكون هدف العرب اليوم وقف إطلاق النار، في الوقت الذي يرفض فيه قادة المقاومة في غزة هذا الهدف، ويعبرون عن إرادتهم القوية ومقدرتهم على المقاومة، ورفض العودة، مهما كان الثمن، إلى الوضع الذي كان قائما من قبل، أي إلى تكريس حالة الحصار، ومن ورائها حالة الاحتلال، التي اعترف بها الرئيس المصري كما لو كانت أمرا قانونيا لا حول لنا ولا قوة لنا به. هذا يعني بالفعل، كما أشار إلى ذلك عن حق الأمير القطري، قبول العرب بالعمل على مساعدة إسرائيل على قطف ثمار العدوان.
المطلوب من العالم العربي حتى يسترجع الحد الأدنى من الاعتبار، ليس في نظر الجمهور العربي، الذي عبر عن غضبه بالنزول إلى شوارع المدن العربية والعالمية كما لم يحصل منذ سنوات طويلة، وإنما في نظر المنظومة الدولية التي كادت تنسى وجودها على الخريطة السياسية، هو أن يستثمر العرب صمود الشعب الفلسطيني واستبساله في غزة، واستعداده الواضح للتضحية، لإعادة طرح قضية الاحتلال بأكملها وإجبار الاسرائيليين على العودة إلى طريق المفاوضات السلمية الجدية. وهذا ليس في صالح اهل غزة والفلسطينيين وإنما العرب بأجمعهم، وفي مقدمهم الدول التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل.
يستدعي هذا، قبل أي شيء آخر، أن تكف الدول العربية عن مناشدة الآخرين الضغط على إسرائيل، وتدخل هي نفسها في الصراع، باعتبارها معنية به، ولا تتصرف كدول محايدة او خائفة او مهزومة. وليس من الصحيح أن هذه الدول لا تملك وسائل ضغط كافية لإجبار إسرائيل على مراجعة حساباتها، والكف عن الاستهانة بها، والدوس على الحقوق العربية، والتصرف في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وغيرها من البلدان، بحرية، كما لو كانت هي وحدها التي تقرر معنى الحق والقانون أو لو كان عملها هو نفسه القانون في هذه المنطقة المركزية من العالم.
ولا أقصد بالضغط هنا إصدار بيانات الإدانة أو الشجب. فهذا هو رد الفعل الأول، او في الدقيقة الأولى للهجوم، بانتظار إجراءات عملية جدية ينبغي اتخاذها. ما ينبغي عمله اليوم هو إجراءات يكون لها آثار عملية مباشرة، إقتصادية وسياسية واستراتيجية على إسرائيل. وأقل ما ينبغي عمله الآن لتعديل كفة الميزان، وتجاوز الخسارة السياسية الكبيرة التي تكبدتها الحكومات العربية نتيجة خوفها، وترددها، وانعدام روح المبادرة السياسية فيها، او حساباتها الجزئية، هو قطع الحكومات العربية جميع علاقاتها مع إسرائيل، ووقف كل أشكال التبادل معها، والتهديد، في حالة عدم استجابة إسرائيل للمطالب العربية، بإلغاء كل الاتفاقيات الموقعة سابقا.
وليس المقصود من ذلك إنقاذ شعب غزة من المصير المأساوي الذي رهنته له إسرائيل، منذ سنوات عديدة، نتيجة إدراكها العميق بعدم إمكانية توسيع دائرة الاستيطان في غزة بانتظار ضمها في المستقبل للدولة الاسرائيلية، وإنما لوضع حد لمراوغة الاسرائيليين، واستهزائهم بالعرب جميعا، واستمرارهم في الرهان على القوة والحرب لتحقيق أهدافهم التوسعية. إن المقصود هو إنقاذ سياسة السلام العربية، وحصول العرب على سلام دفعوا ثمنه سلفا، ولم يقطفوا أي ثمرة من ثمراته، لا في تحرير الأرض، ولا في استرجاع الحق الفلسطيني، ولا في إنهاء كابوس الحروب والاستعمار الاستيطاني والتمادي في سياسة الاحتقار والإذلال وزرع الفوضى والدمار في المنطقة.
لقد أصبح من الواضح أنه من دون رد فعل قوي من هذا النوع، يظهر استعداد العرب وقف مهزلة السلام، الذي تحول إلى مناورة إسرائيلية للتغطية على الحرب المستمرة، بثمن بخس، والعودة إلى خيار المقاطعة الشاملة لاسرائيل حتى تقر نهائيا بمتطلبات السلام العادل الذي اقترحه العرب منذ عقدين، فسيفقد مفهوم السلام العربي معناه، وتتحول سياساتهم في هذا المجال إلى خدعة تنقلب عليهم أكثر مما تفتح لهم سبل الخروج من أزمة القصور والعجز التي دفعتهم إليها.
هكذا، تضع الحرب في غزة العرب أمام تحد كبير، هو اتخاذ مبادرة مؤثرة وقادرة على وقف العدوان. فما لم يظهر العرب مقدرتهم على الرد بفعالية على الأزمة التي فجرتها في وجههم إسرائيل، فسوف يجدون أنفسهم واقعين في فخها، وسيتحملون نتيجة ذلك خسائر مضاعفة. وأول ما ينتظر من العرب أن يتخذوه في إطار الجامعة لإنقاذ سياتهم الاسرائيلية المفلسة هو الإعلان الصريح والمباشر عن دعمهم الكامل لشعب غزة ومقاومتها، وتهديدهم بتزويدهما بالمعدات والسلاح. وسيكون هذا أول إشارة إلى استعداد العرب لمعاقبة اسرائيل لسخريتها من مئات ملايين العرب، ومن جميع حكوماتهم، خلال أكثر من عقدين من مفاوضات السلام الفارغة، ولرفضها الانصياع إلى نداء وقف العمليات العسكرية في غزة من دون شروط، وإنهاء الحصار اللاإنساني الذي فرضته على شعبها، انتهاكا لكل القوانين الدولية والإرادة العربية.
قد يبدو مثل هذا الموقف جرئيا أكثر مما يمكن أن تحتمله حكومات استسلمت منذ عقود لحلم السلام الذي تحول حقيقة إلى استسلام أمام إرادة إسرائيل وغطرستها، كما يدل على ذلك استهتار هذه الأخيرة بكل مبادرات السلام العربية والدولية على حد سواء، ومثابرتها على سياسة الحصار والحرب وتوسيع الاستيطان. لكن مخاطره ستكون أقل على الحكومات العربية من مخاطر ترك إسرائيل تقود المنطقة نحو الفوضى والدمار، والاضطرار في امد قصير إلى تحمل نتائج سياستها العصابية المريضة. فلن يقود مثل هذا العمل إسرائيل إلى شن الحرب على الدول العربية، ولا على أي دولة منها. فلو لم يكن لديها مصلحة في تحييد هذه الدول لما وقعت معها أي اتفاقية، وفضلت الإبقاء على حالة الحرب معها. ما سيحصل هو أن إسرائيل ستجد نفسها في مواجهة خطر حرمانها من جميع ما أنجزته من مكاسب سياسية واستراتيجية هائلة، إقليمية ودولية، نتيجة اختيار العرب طريق التسوية ومفاوضات السلام.
والقصد، إذا لم يشعر الاسرائيليون بأن اغتيال عملية السلام، وهذا هو مضمون سياستهم الفعلية، يمكن أن يكلفهم غاليا، لن يكون هناك ما يردعهم عن الإمعان في سياستهم الاستعمارية التقليدية التي درجوا عليها، والتعامل مع السلام كوسيلة لتخدير العرب والضحك عليهم.
أما بالنسبة لبعض الحكومات العربية التي تخشى من أن يشكل صمود غزة ومقاومتها انتصارا لمحاور إقليمية منافسة، فليس لديها سياسة أفضل مما ذكرت في سبيل قطع الطريق على مثل هذا الاحتمال، واستعادة مواقعها التي فقدتها في قيادة المجتمعات لصالح الاحزاب والمنظمات الأهلية، الاسلامية وغير الإسلامية، وكسب ثقة الجمهور العربي الواسع من جديد. وربما ساعد ذلك على إنهاء حرب المحاور، التي تقوض حياة المنطقة السياسية، لصالحهم، وأهم من ذلك، استرجاع صدقيتهم كقيادات سياسية، تمثل شعوبا، وتحكم دولا، لا مجرد شبكات مصالح خاصة تستخدم الدول والشعوب وسائل لتحقيق ازدهارها وإندراجها في النظام العالمي.
لا يليق بدول تحترم نفسها أن تتسول مواقف ضغط من دول أجنبية، ولا حتى من مجالس دولية. حتى تستحق اسم الدولة ومفهومها، ينبغي أن تكون قادرة على القيام هي نفسها بالضغط، أي بالدفاع عن مصالحها العليا. ومن الخطأ الاعتقاد يأن هناك دولا او منظمات دولية مستعدة للتضحية بمصالحها لخدمة نظم عربية ترفض هي ذاتها مثل هذه التضحية لخدمة هذه المصالح نقسها. لا يمنع هذا من وضع الدول الغربية الداعمة لاسرائيل، والمنظمات الدولية، أمام مسؤولياتها، وتذكيرها بتعهداتها المتعلقة بحقوق الإنسان، وفي كل مناسبة، إنما لا ينبغي المراهنة على تحريك الضمير الأخلاقي والقانوني، مهما كان نبله، لتحقيق أهداف سياسية، ولا بالأحرى استراتيجية، ومن باب أولى استخدامه كأداة للعمل السياسي. الدولة أو الدول التي ليس لديها وسائل للضغط خاصة بها، أي وسائل للعمل السياسي، ليست دولا ولا مكان لها في العالم، ولا تستفيد، مهما فعلت، أي شيء من استدرار عطف المجتمع الدولي والمنظمات الدولية.
تطرح معركة غزة اليوم كل سياسة السلام العريية واستراتيجيتها على الطاولة، وتقوض الأسس التي قامت عليها، ولا تخص غزة او شعبها خاصة. وتهدد بتقويض أسس استقرار الدول والمجتمعات العربية. فإما أن ينجح القادة العرب في إعادة بث الصدقية في خياراتهم السياسية الاستراتيجية، وتحويلها إلى خيارات جدية ومقنعة وفعالة، أو يدينوا أنفسهم بالاستسلام لسياسات إسرائيلية مرضية ولا مسؤولة تدفع بهم، بالرغم منهم، ومن مناشدات الرأي العام العالمي وإداناته وشجبه اللامتناهي، وغير الفعال، إلى الانهيار، وتدفع البلاد لتي يحكمونها إلى مزرعة للفوضى والدمار السياسي، وتسلمها، عاجلا او آجلا للميليشيات الأهلية المتنافسة.
أن هزيمة إسرائيل في غزة ممكنة، تماما كما كانت هزيمتها في لبنان. وهي لن تكون انتصارا لحماس، ولا للفلسطينيين وحدهم، وإنما للعرب جميعا.

mercredi, décembre 31, 2008

تبا لأوربة وتبا لشراكتها المتوسطية

الاتحاد 31 ديسمبر كانون أول 08

اعتادت إسرائيل في السنوات الماضية أن تفكك بعض الحواجز ونقاط التفتيش التي تزرع الأراضي الفلسطينية المحتلة طولا وعرضا، ويزيد عددها على الخمسمئة وخمسين، لتقيم بعضها الآخر في مواقع قريبة أو جديدة. وقد غاب عنا سر هذه السياسة فترة طويلة حتى جاءت إتفاقية تعميق الشراكة الاسرائيلية الأوروبية التي وقعت بين الطرفين في 16 من ديسمبر الجاري لتجعل من إسرائيل عضو الاتحاد الجديد المدلل بامتياز. فلم تجد الإدارة الأوروبية المسؤولة شيئا أخرسوى هذا التفكيك الشكلي والجزئي للحواجز تستند إليه لتبرير هذا التمييز الاستثنائي لاسرائيل، ولتجاوز بنود اتفاقية الشراكة الاسرائيلية الأوروبية التي تنص على ربط تعميق الشراكة بتحقيق نتائج ملموسة على طريق تكييف المباديء الاسرائيلية مع القيم الأوروبية المتعلقة بالسلام واحترام حقوق الانسان في فلسطين.
والحق أنه لا ينبغي لمثل هذا العمل أن يفاجئنا بعد أن أعلن وزير خارجية فرنسا، الذي قادت بلاده عملية رفع درجة الشراكة مع إسرائيل، وأكرهت بقية الأعضاء الأوروبيين المترددين على وضعها على أجندة النقاش قبل الموعد المقرر لها أصلا، للاستفادة من الموقع الذي يحتله الرئيس الفرنسي حتى نهاية ديسمبر كرئيس للاتحاد الاوروبي، أقول بعد أن أعلن السيد كوشنر أن هناك تناقضا لايمكن تجاوزه بين السياسة ومباديء حقوق الإنسان. لكننا هنا أيضا كنا قد أخطأنا التفسير معتقدين أن ما قصده الوزير الفرنسي يتعلق بسياسة بلاده مع بعض البلدان التي تحتل موقعا استراتيجيا ولا يمكن تجاهلها بالرغم مما تمارسه من انتهاكات صارخة لحقوق الانسان، على مبدأ للضرورة أحكام. بيد أن الأمر كان على ما يبدو أعمق من ذلك، وعنى، كما لم يكن يخطر ببال، الإعلان عن التخلي الكامل عن مبدأ ربط السياسة الخارجية الاوروبية بمعايير حقوق الانسان بعد أن استنفدت هذه العلاقة أغراضها.
لكن بالرغم من ذلك، لا تزال مفاجأة الإسراع بتوقيع اتفاقية الشراكة المعمقة الاسرائيلية الأوروبية كبيرة، ليس لأنها تنافي مباديء حقوق الإنسان هذه المرة، فهذا ما لم يكن سرا سوى لصانعي السياسة الغربية، الذين كانوا وربما لا يزالون يعتقدون أن خصومهم يجهلون حقيقة أن مثل هذه المباديء لم تؤخذ ولو مرة واحدة في الاعتبار السياسي في أي وقت مضى، وإنما بسبب الوقت الذي اختارته رئاسة الاتحاد. فإذا استثنينا التصريحات المفاجئة بالفعل، والدعائية بالتأكيد، لرئيس الوزراء الإسرائيلي المنتهية صلاحيته، في الأشهر الأخيرة حول نواياه السلمية، لم تكن إسرائيل أبعد في سياساتها العملية عن السلام وأكثر عدوانية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني، وأشد تجسيدا لسياسات الاستعمار التقليدي ومناهج حكمه مما هي عليه منذ أن دفنت ورقة الطريق الشهيرة، وعلقت المفاوضات مع الفلسطينيين، وصار مؤتمر أنابوليس في حكم النسيان. ولم تحقق الحكومة الاسرائيلية أي تقدم طالب به الاتحاد الأوروبي كشرط لتعميق التعاون في موضوع تفكيك المستوطنات، الشرعية وغير الشرعية، حسب الاصطلاحات الاسرائيلية، ولا حتى في وقف المشاريع الاستيطانية المدعومة من الحكومة. بل إن ما حصل هو العكس تماما. فلا تزال حركة الاستيطان مستمرة تحت غطاء الاستعداد للتفاوض على السلام مع دمشق.
لكن الأمر الأدهى من ذلك والذي يجعل من التوقيع على الاتفاقية الجديدة عملية إذلال مقصود للعرب واستفزاز للفلسطينيين وتحد لأي ضمير إنساني حي، حتى في أوروبة نفسها، هو غض نظر بروكسيل عن السياسات الاسرائيلية المتعلقة بالحصار الكامل المفروض على غزة، والذي لا يطال المواد الاستراتيجية أو التي يمكن أن تخدم أغراضا عسكرية وتعزز عمل المقاومة الفلسطينية، ولكن كل ما يحتاج إليه الانسان للبقاء والحفاظ على الحياة. فهو يشمل الماء والكهرباء والمواد الطبية والغذائية والطاقة ومواد البناء ألخ، ويهدف كما هو واضح إلى خنق شعب كامل وتجويعه وإفقاره وتشريده على أرضه. وهذا ما يحصل على الأرض بالفعل. فقد أدى الحصار حتى الآن إلى إغلاق أبواب أكثر من ثلاثة أرباع المؤسسات والمصانع والمحلات التجارية، وتوقف الحياة الاقتصادية تماما، مع ما يعنيه ذلك من انتشار البطالة والفقر واليأس والمرض. ولم يمنع الكارثة حتى الآن سوى ما يصل من بضائع قليلة من مصر عن طريق التهريب من خلال أنفاق حفرت بوسائل بدائية، قابلة دائما للانهيار على أصحابها.
كيف أمكن لقادة الاتحاد أن يتجاهلوا هذا الواقع، وأن يعملوا كما لو لم يكن قائما، وكما لو أن العرب غير موجودين أيضا، لا كرأي عام ولا كحكومات تدعي جميعها الصداقة لأوروبة، بل تراهن على أوروبة لتكون سندا لها في مواجهة التصلب الاسرائيلي والغطرسة الأمريكية؟ وما هو المغزى من توقيع هذه الاتفاقية قبل أوانها، والموعد المقرر لها؟
اعتاد الأوربيون في كل مرة يحاولون فيها تبرير تجاوزهم لمباديء حقوق الانسان، بل تغطيتهم على الانتهاكات الخطيرة لها هنا وهناك على الإدعاء بأن المقصود هو تمتين العلاقات مع الطرف الآخر في سبيل احتلال موقع يسمح بالضغط عليه أو الأخذ بيده في الطريق الأسلم ومنعه من تبني سياسات سلبية أكثر. ولا نريد أن نتهم الأوربيين بالسذاجة، لكننا لا يمكن أن يعاملوننا أيضا كساذجين.
لا يعني ما قام به الاتحاد الأوروبي في إطار تطوير علاقات الشراكة الأورومتوسطية مع إسرائيل هذا الشهر شيئا أخر سوى إطلاق يد إسرائيل في فلسطين، وبداية تمهيد السبيل لعملية الاجتياح التي كانت الحكومة الاسرائيلية تعد بتنفيذها في غزة، والتي تهدف من خلالها إلى تغيير الوقائع على الأرض وإزاحة حركة حماس من السلطة هناك مهما كلف ذلك من مآسي وكوارث للشعب ا لفلسطيني، مادية وسياسية. وقد جاء تنفيذ العملية يوم 27 ديسمبر بعد أقل من أسبوعين من توقيع اتفاقية الشراكة المعززة ليؤكد هذا الاستنتاج، ويقدم غطاءا سياسيا مسبقا لاسرائيل ضد أي انتقاد أو اعتراض في أوروبة على سياسة الاحتلال والعنف والمجازر الجماعية التي ترتكبها في الأرض الفلسطينية وتجاه الشعب الفلسطيني..
فالاتفاقية الجديدة تجعل من إسرائيل عضوا حقيقيا في الاتحاد الاوروبي يشارك في حواراته واجتماعاته السياسية، من خلال اجتماعات دورية، كما يشارك في برامج أوروبية عديدة خاصة في ميادين تطوير المنافسة والتجديد التقني والبحث العلمي والتنموي، كما يشمل التعاون في إطار الاتفاق الجديد ميادين الطاقة والنقل والقضاء والشؤون الاجتماعية والتربية والتعليم، وأخير قضايا حقوق الانسان والكفاح ضد الإرهاب. ويعني هذا أن لاسرائيل منذ الآن كلمتها في تحديد السياسات الأوروبية في الشرق الأوسط والعالم أجمع. وبإمكانها كأي عضو آخر أن تعترض على هذه السياسة أو تلك وأن تطالب باحترام مصالحها كأي عضو آخر. وهذا هو في الواقع الهدف الرئيسي من توقيع اتفاقية الشراكة المعززة.
والواقع أن إسرائيل حصلت بهذه الاتفاقية على موقع يتجاوز الاندماج في الاتحاد. وهو ما كان قد حصل منذ اتفاقية عام 1995 التي أسست منطقة التجارة الحرة الأوروبية الاسرائيلية، وبنت أسس التعاون الثنائي في إطار برنامج لبحث العلمي والتنمية (2007-2013)، والذي أمن لها معونة بلغت مليار دولار من أجل دعم التعاون بين الشركات الأوروبية والإسرائيلية. وقد أتاح هذا البرنامج الذي تشارك فيه أكثر من 2000 شركة إسرائيلية لتل أبيب بتوسيع مقدراتها الصناعية والتعاون مع مراكز البحث العلمي الرائدة وأهم الجامعات الاوروبية. أما الاتفاق الجديد فسوف يقدم لإسرائيل مشاركة لا محدودة في برامج البحث العلمي الأوروبية، الأكاديمية والتقنية. وبعكس الأعضاء ال 27 الرسميين، تتمتع إسرائيل بجميع الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء من دون أن يترتب عليها أي واجبات. فهي البلد الوحيد الذي يحق له أن يكون بلدا استعماريا ويتحدى مباديء الديمقراطية وحقوق الانسان التي تنص عليها الوثيقة التأسيسية للاتحاد ويحظى أكثر من ذلك بمعاملة تفضيلية.
هذا من دون شك أكبر انجاز سياسي حققته إسرائيل منذ سنوات طويلة. ولا يرجع الفضل فيه للرئيس سركوزي والوزير كوشنر فحسب، وإنما لغياب العمل الوطني العربي الكامل عن الساحة العالمية بل والإقليمية، إن لم نقل لضياع أي رؤية عربية وطنية، وهو ما يستحق من إسرائيل أعظم الشكر والتقدير.

mardi, décembre 30, 2008

غزة والمسؤوليات العربية والفلسطينية

الجزيرة نت

1- تعيش غزة اليوم وشعبها محنة حقيقية تجمع بين الحرب الغاشمة والحصار الطويل تذكر بأيام النكبة الأليمة عام 1948 وتجددها. وتدفع غزة وشعبها في وقت واحد ثمن الاستمرار في مقاومة المخططات الاسرائيلية والغربية، واحتداد التنافس بين الزعامات الاسرائيلية قبل الانتخابات التشريعية القريبة، وانهيار التضامن العربي، وانسحاب العرب من ساحة المواجهة، وتلاعب الدول العربية والاسلامية بالقضية الفلسطينية واستخدامها مصدرا للتعويض عن فقدان أنظمتها الشرعية السياسية، وأزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، وتجاهل قادة حماس قوانين السياسة الإقليمية والدولية، وضياع الرأي العام العربي وتشتت فكره، وبحثه عما ينفس عن كربه أكثر من مطالبته بخطة منظمة ورؤية واضحة للعمل الوطني، تمكنه من الحكم على سلوك القوى السياسة على أساس مقدرتها على تحقيقها أو السير بها خطوات ولو صغيرة إلى الأمام.
باختصار غزة تدفع ثمن الآزمة المأساوية الايديولوجية و السياسية والوطنية التي تعيشها الامة العربية بأكملها، وفي مقدمها الحركة الوطنية الفلسطينية. وهي بضعفها السياسي والاستراتيجي والاقتصادي تجذب جميع الاطراف للعب على ساحتها، وتنفيس تناقضاتها فيها وخوض معاركها السياسية والرمزية على أرضها، بما في ذلك أطراف عربية وأجنبية، كما كان لبنان في فترة سابقة.

2- أما هدف الحرب الاسرائيلية الراهنة فهو توجيه ضربة قوية تزعزع سلطة حماس في غزة وتدفعها إلى الترنح والسقوط، إذا أمكن، وذلك من خلال قصف مواقع السلطة ومؤسساتها، واستهداف المدنيين ليثوروا على هذه السلطة. والغاية من ذلك هي بالتأكيد وضع حد لمقاومة الاحتلال، وفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني، في غزة والضفة على حد سواء. لكن في سياق ذلك، تمتحن إسرائيل في هذه الضربة إرادة الدول العربية، وأين وصلت حدود تراجع تضامنها مع القضية الفلسطينية، وتستبق استلام الرئيس الأمريكي السلطة في واشنطن بوضع قواعد للعبة في المنطقة تظهر فيها على أنها اللاعب الوحيد والقادر، وأنه لا يوجد للعرب وزن وليس هناك أي ضرورة لأخذهم بالاعتبار في تحديد سياسات واشنطن المقبلة في الشرق الأوسط. وهي تمتحن أيضا قوة اتفاق الشراكة المعززة الذي وقعته في 16 من الشهر الجاري(ديسمبر 08) مع أوروبة وتحولت بموجبه إلى ما يشبه العضو الكامل في الاتحاد الاوروبي، وهو ينص على التعاون والحوار والتفاهم في مسائل عديدة ومنها المسائل الأمنية.
3- لن تستطيع الحملة العسكرية الاسرائيلية أن تقضي على حماس وسلطتها في غزة، وربما عززتها. إنما ليس هناك شك في أنها ستدمي شعب غزة وتساهم بشكل أكبر في تفكيك العالم العربي وتعميق الشرخ بين أعضائه ومحاوره، وتزيد الشك واليأس والإحباط عند الشعوب العربية، وتدفع إلى تفريغ العالم العربي ككل، حكومات وشعوبا، بصورة أكبر من ثقله النوعي، حتى يبدو عالما ضعيفا مفككا مشتتا تحكمه النزاعات والمشاحنات والمشاعر السلبية واليأس، لا يستحق الاعتبار ولا يؤخذ لأقواله وأفعاله حساب. وهذا ما يساهم أكثر في تدهور الموقف العربي، فوق تدهوره، ويفاقم من الأزمة السياسية والفكرية والوطنية التي يعيشها منذ عقود.
4- للأسف في كل مناسبة من هذا النوع، أي أمام ضربات إسرائيل المتعاقبة على مناطق أو قوى أو شعوب عربية، تعود الشكوى من ضعف الموقف العربي كلازمة لا بد منها. كما لو أننا لا نزال غير مقتنعين بأن روح التضامن العربي القديمة قد زالت تماما، على الأقل في أوساط النخب والسلطات الحاكمة، وأننا لا نزال غير مدركين أنه لا تضامن سياسيا ممكنا من دون تفاهم مسبق أو رؤية مشتركة تجمع بين المتضامنين. والقصد من هذا الكلام أن التضامن بالمعنى السياسي، وما بالك العسكري، ليس مزروعا في الدم والمشاعر وإنما يبنى بالعمل السياسي والدبلوماسي بين القوى المختلفة، حتى عندما تكون من أسرة واحدة، ولا يقوم إلا على أسس واضحة تجعل المتضامن يشعر بمصلحته في دعم شريكه، وتعمق إدراكه بأن تخاذله عن دعم حليفه لا يسيء إلى هذا الأخير فحسب وإنما يرتب خسائر سياسية واستراتيجية عليه هو أيضا.
والحال إن ضرب هذا التضامن السياسي العربي وإزالة فكرته من الوجود هو اليوم أحد محاور سياسة الهيمنة الغربية في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن الأنظمة التي تمتنع عن إظهار هذا التضامن أو تعطله لا تخسر وإنما تربح دعما إضافيا أو على الأقل تضمن استمرار الدعم الغربي لها.
بالتأكيد يثير هذا الموقف الرأي العام العربي. بيد أن الأنظمة الحاكمة لا تعبأ اليوم بالرأي العام العربي، لأنها ببساطة لا تدين له بوجودها في الحكم واستمرارها في السلطة، وإنما تدين في ذلك لدعم المعسكر الغربي، الأوروبي الأمريكي، وتأييده وتغطيته السياسية والاستراتيجية. وهو الذي تأخذه في الاعتبار وليس رأي الجمهور العربي الذي اعتادت أن تواجهه بالعنف أو بالتلاعب أو بالتنفيس العاطفي.
5- لا تختلف مصر في هذا عن باقي الدول العربية. وبالرغم من أن لمصر مسؤوليات إضافية بوصفها الدولة العربية الاكبر والمتاخمة لغزة التي ترتبط بها بروابط جغرافية وبشرية قوية، إلا أنها ليست الوحيدة المسؤولة عن تقويض أسس التضامن العربي، الذي يشكل وحده ورقة يمكن الرهان عليها لإجبار إسرائيل على أخذ المطالب الفلسطينية بالاعتبار. وليس هناك من بين الحكومات العربية حكومة واحدة أظهرت في العقدين الاخيرين انشغالها بتطوير التضامن العربي أو حتى الحفاظ عليه، وٌقامت بالحد الادنى من التضحيات المطلوبة لاستيعاب تناقضات العالم العربي ومصالحه المتعددة والمتضاربة وسعت إلى تذليلها وتجاوزها. بالعكس، لقد تنافست الأنظمة على التحلل من ارتباطاتها والتزاماتها العربية الجماعية، وقام كل نظام بتحميل المسؤولية على النظام الآخر ليبرر موقفه ويعززه أمام رأيه العام. وهكذا عمل الجميع، كل بطريقته واسلوبه وخطابه الخاص على تعميق الشرخ داخل أقطار العالم العربي، بما في ذلك داخل الصف الفلسطيني نفسه. من هنا ينبغي في نظري أن نحمل جميع النظم العربية المسؤولية الجماعية عن تحطيم التضامن السياسي العربي، وإفراغ الفكرة العربية نفسها من مضمونها، والانكفاء نحو استراتيجيات قطرية عن سابق إدراك وتصميم. جميع الأنظمة، بوسائلها وحسب رزنامتها الخاصة، تستثمر تحطيم التضامن العربي وقتله لتحسين علاقتها بالكتلة الغربية. وكلها في نظري شريك في الجريمة.
والقصد من ذلك أنه لا ينبغي أن نراهن منذ الآن على أي موقف عربي ايجابي، أي مجاني. ولا جدوى ولا فائدة من الندب المستمر ومن مناشدات لا تقوم إلا بتعميق إحباط الجمهور العربي ويأسه وقنوطه. وبالمثل، ليس هناك أي أمل في أن يتخذ المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة ومجلس الأمن أي قرار يردع الاحتلال ويحد من إرادة العداون أو تشتم منه حتى رائحة الإدانة الحقيقية لاسرائيل.

6- نستنتج من هذا أن القضية ترجع إلينا نحن، أي لمقدرتنا على التعامل داخل محيط إقليمي متخاذل أو مشلول الإرادة، وبيئة دولية ضالعة مع الاحتلال أو غير مكترثة بنا. وعلينا نحن أن نفكر كيف ننقذ رهاناتنا الوطنية ونعمل من أجل الخروج من الحصار المادي، لكن أيضا السياسي والاستراتيجي، المفروض علينا، وهو الأهم. ويبدو لي أن الوقت قد حان للاعتراف بأن جوهر المأساة التي نعيشها قائم في أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية الذي يتجلى عبر انقسامها السياسي الخطير، وترهل القسم الأكبر من إطاراتها السياسية والقيادية القديمة، وتراجع فاعلية مؤسساتها وتنظيماتها المختلفة، وتشوش تفكيرها. وريما كان التعبير الأوضح عن هذه الأزمة انفراد حماس بالسلطة في غزة، وانكفاء فتح على الضفة الغربية، ودخول الطرفين في محاور إقليمية ودولية متنازعة للدفاع عن أنفسهما والحفاظ على سلطتيهما، أي على الانقسام الفلسطيني الفلسطيني.
وكان من المتوقع، كما حصل بالفعل، أن تستقطب غزة في السنتين الماضيتين نقمة القوى الإقليمية والدولية المعادية للمحور الذي تنتمي إليه حماس، وان يصبح الصراع على السيطرة عليها جزءا من الصراع على الهيمنة الإقليمية. وكان هذا هو أحد المحاذير الرئيسية، التي أشرت إليها في وقتها، من استفراد حماس، بالسلطة فيها، حتى لو استند ذلك إلى الشرعية الانتخابية والقانونية الفلسطينية. وقد أظهرت السنوات القليلة الماضية المردود العكسي لاستفراد القوى الاسلامية بالسلطة ونتائجه السلبية. فالحركات الاسلامية، عموما، منتجة في المقاومة، ربما أكثر من الحركات القومية أو الوطنية أو العلمانية. فهي تحظى برصيد من العطف الشعبي يقوم على قاعدة قوية من الأفكار والاعتقادات والرموز التي بقيت وحدها حية بعد الزلزال الذي أصاب الايديولوجيات الكلاسيكية اليسارية والليبرالية في مجتمعاتنا. لكنها غير منتجة، بل ذات نتائج معاكسة، في الحكم، لأنها تحرم الشعب الذي تحكمه من أي هامش مناورة أو مبادرة سياسية على الساحة الإقليمية والدولية معا.
فالعالم كله، بحكوماته ورأيه العام معبأ ضد الحركات الاسلامية التي يطابق بينها والعنف والإرهاب والتعصب والردة للماضي والظلامية. وليس هناك أي فائدة في أن تحمل القضية الوطنية لأي شعب عبء هذه الصورة المروعة، التي نجمت عن وقائع جزئية فعلية، مثل ممارسات بعض فرق السلفية الجهادية، لكن بشكل أكبر عن عملية غسل الدماغ المتواصل والواسع النطاق التي مارستها أجهزة الإعلام وبعض المثقفين الغربيين أيضا على الرأي العام العالمي. ولذلك عندما تستلم حركة إسلامية الحكم لا تدفع إلى عزل الشعب الذي تريد أن تقوده، حتى لو كان مجمعا عليها، عن العالم فحسب، وهذا ما حصل لغزة، حتى على المستوى العربي، وهو ما يحصل لايران وما حصل لأفغانستان وللسودان من قبل، وإنما تجعل من مهاجمته ومعاقبته هدفا للنظام الدولي بأكمله. وهذا ما يفسر ضلوع هذا النظام الدولي الفعلي مع القنابل الإسرائيلية التي تسقط على شعب غزة، إلى درجة سوى بيان الامم المتحدة فيها بين العنف الاسرائيلي وعنف حماس، وبرر بصورة غير مباشرة العدوان الاسرائيلي باعتباره نوعا من رد الفعل. أقصى ما يمكن أن ننتظره للأسف من الرأي العام العالمي اليوم هو أن يقول إن العنف الاسرائيلي لا يتناسب مع العنف الفلسطيني. لكن من وراء كل ذلك ضاعت القضية الرئيسية التي تتجاوز العنف من أي طرف جاء، وأعني قضية الاحتلال.
والحال إن ما ينبغي علينا أن نفعله هو تجنب كل ما من شأنه أن يغطي على القضية المركزية في النزاع العربي الاسرائيلي، وهي قضية الاحتلال، والاستعمار المرتبط به، ولا نقدم لاسرائيل وأبواقها الدولية القوية مايساعدها على التشويش على الرأي العام الدولي.
وبالمثل، لا بد لنا من مراجعة استراتيجية المقاومة اليومية. فلا ينبغي استخدام العنف الشرعي والمشروع الذي يخوله لنا حق الدفاع عن النفس وطرد الاحتلال لتنفيس عن الغضب وإلهاب المشاعر والتغطية على الشعور بالعجز واليأس والإحباط، وإنما أن نوفره للاستخدام الناجع ضمن رؤية استراتيجية وخطة مقاومة منظمة وطويلة النفس تهدف إلى فضح الاحتلال وتعريته واقتلاعه. فليس المطلوب مقاومة تعبر عن الوجود وإنما تغير الواقع الموجود، وتبديل الأوضاع السلبية القائمة.
وهذا يحتاج إلى تغليب النظرة العملية، أي المحققة لنتائج على الأرض، لا المنفسة عن مشاعر الغضب، كما يحتاج إلى بلورة خطة عمل للمقاومة تتجاوز رد الفعل على الاعتداءات الاسرائيلية، تؤلف بين أوسع قطاعات الرأي العام الفلسطيني، كما يحتاج إلى ضمان الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتوسيع هامش مبادرة الشعب الفلسطيني السياسية في المنطقة وعلى الساحة الدولية. ولا يمكن لقيادة مطبوعة بالصبغة الدينية، مهما كان إخلاصها للقضية وحماسها لها، أن تحقق هذه الشروط في الظروف الراهنة. لكن بإمكان مثل هذه الحركة أن تلعب بامتياز دورا مركزيا في المقاومة، وتترك لقوى أخرى، وطنية جامعة، مسألة قيادة سلطة لا تزال، مهما كابرنا على أنفسنا، تستمد شرعيتها من الاحتلال وتتبع له عمليا في كل شيء.
7- لم تعد هناك أختيارات كثيرة اليوم. فقد قطع العدوان الاسرائيلي الراهن، الذي جاء تتويجا لإخفاق محادثات رأب الصدع الفلسطيني، واستفاد منه إلى حد كبير، الطريق امام أي تفاهم بين حماس وفتح. فكما أصبح من الصعب على حماس أن تقبل بما كانت ترفضه من قبل من دون أن تعطي ثمنا للعدوان، أصبح من الصعب على السلطة الفلسطينية، التي أخفقت هي أيضا في الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني بسبب سياساتها العصبوية، وفساد جزء كبير من كادرها واستقالتها السياسية، في أن تقبل بما سيترجم من قبل إسرائيل على أنه إعادة الاعتبار لحماس وسلطتها في غزة.
أفضل ما يمكن أن تفعله حماس هو أن تعمل على إعادة بناء السلطة في غزة على أسس جديدة تضمن التعددية السياسية ومشاركة كبيرة لقوى وطنية مستقلة، على طريق التمهيد لمفاوضات جديدة مع السلطة في الضفة، لا من أجل تقاسم المناصب مناصفة، وإنما من أجل توسيع مفهوم حكومة الوحدة الوطنية التعددية، وتعميمها على جميع المناطق الفلسطينية. ولن يتحقق ذلك إلا على حساب فتح وحماس واستفرادهما بالقضية معا، وبقبولهما الطوعي بتقليص وزنهما في الحكومة الموحدة القادمة، ودفع ثمن النكسة الخطيرة التي أصابت القضية الفلسطينية في السنتين الماضيتين. ولا أزال أعتقد أن من مصلحة حماس والقضية الفلسطينية ان تعف عن الانفراد بالسلطة، وأن تفاوض على نجاحها الانتخابي مقابل تأليف مثل هذه الحكومة الوطنية الواسعة التي لا تبقي السلطة احتكارا لفتح أو لفريق محمود عباس، ولا تقسمها بين فريقين متنابذين، وتقسم فلسطين المحتلة معها.
هذا هو طريق التفاهم الوطني مع ضمان الغاية الرئيسية منه، وهي امران مترابطان ومتكاملان: توسيع قاعدة الحركة الوطنية والوحدة الفلسطينية من جهة والحفاظ على خط المقاومة للاحتلال من جهة ثانية. وكل ما عدا ذلك ينبغي أن يخضع لهذه الغاية ويصب فيها.
هذا يعني أن الحل قائم عند الفلسطينيين أنفسهم، وليس في أي مكان آخر. ولا تجدي المراهنة على الأطراف الخارجية مهما كانت، عربية أو دولية. فإذا رفض الفلسطينيون أن يقوموا بواجبهم تجاه قضيتهم، فلن يقوم بهذا الواجب أي طرف آخر عوضا عنهم. وإذا لم يقتنع الفلسطينيون بضرورة العمل جبهة واحدة للاحتفاظ بمقدرتهم على مقاومة الاحتلال، فلن تفيدهم وساطة أحد ولا ضغوطه ولا تأييده. فلا يتدخل أي طرف من الاطراف العربية والإقليمية إلا لخدمة مصالحه السياسية والاستراتيجية، ولن يكون حافزه سوى استغلال النزاع الفلسطيني الفلسطيني من أجل تحقيق أهدافه الخاصة. ولا يعني توسيط هذا الطرف الخارجي أو ذاك، سواء اكان الطلب من قيادة فتح او حماس، سوى التهرب من استحقاقات الاتفاق الجدي، والتمسك بالسلطة، حتى لو كانت على حساب القضية الوطنية وعلى أنقاضها.

mercredi, décembre 17, 2008

في ما بعد الجماعة الدينية والأمة السياسية

الاتحاد 17 ديسمبر 08
حررت السياسة، بما أبدعته من ادوات، في مقدمها الدولة الحديثة القانونية والديمقراطية، الفرد من الوصاية الدينية والقبلية والعائلية، وأنتجت نظما اجتماعية استثنائية في ما طورته من قيم التسامح والتضامن والشفافية والعدالة والحرية والمساواة، وما قدمته من فرص الازدهار المادي والاجتماعي، لم تعرفها البشرية من قبل. وهكذا حصلت إعادة بناء العالم بسرعة مذهلة في القرن الماضي على أساس نموذج الدولة الأمة التي تحول جميع الأفراد إلى مواطنين، أي شركاء سياسيين.
بيد أن نظام الدولة والسياسة هذا الذي راهنت جميع الشعوب عليه لتخليصها من ذل القرون الوسطى وجوعها وخوفها وإحباطها المادي والروحي، لم يلبث، في موازاة التوسع في تطبيقه، أن ولد نظاما عالميا، جامعا لدول لا تتمتع جميعا بالفرص نفسها ولا بالموارد والخبرات ذاتها. فأصبح هذا النظام هو نفسه المولد لنظام دولي تراتبي، يقسم العالم بين دول مسيطرة ومسيطر عليها، دول حرة تملك أدوات التحكم بالسياسة ونظامها الدولي، وتوجهه لخدمة مصالحها الوطنية، فتصح دول شعوبها، ودول تابعة، مسلتبة الإرادة لا قدرة لها على التعبير عن نفسها، ولا تملك فرص توليد جماعة سياسية حقيقية، أي في الواقع بين دول سيدة مؤسسة لأمة واخرى مفتقرة لأي سيادة، وغير قادرة على تأسيس أي جماعة وطنية.
ولأن إخضاع الدول الضعيفة لصالح الدول القوية يشكل في هذا النظام شرطا أساسا لتحقيق السيادة وضمان الوحدة الداخلية وتوسيع دائرة التنمية الاقتصادية في المركز، قادت إعادة تنظيم العالم على حسب نموذج نظام الدولة الأمة منذ ولادته في اتفاقية وستفاليا في القرن السادس عشر، إلى تعميم نوع جديد من الحروب والنزاعات، تختلف عن حروب الفتح والغزو التقليدية، وهي ما نسميه بحروب الاستعمار والامبريالية. وأصبح التنافس بين الدول الحديثة على عناصر السيادة والاستقلال والتنمية البشرية أكبر مصدر للاقتتال والتدمير المتبادل لبني الانسان. وبعد أن كان نظام السياسة نظام انعتاق للأفراد من أسر الولاءات الدينية، واتحادهم في بوتقة القيم والقوانين والمؤسسات القانونية الجامعة والزمنية، أصبح النظام الدولي الذي نشأ عن تعميم نموذج الدولة الوطنية الحديثة نفسه يقوم على استعباد القسم الأكبر من المجتمعات الانسانية، وإقصائها وتكريس تخلفها وانحطاطها.
وهكذا ما كان من الممكن لنظام الدولة الوطنية المعمم إلا أن يولد، بموازاة عملية انتشاره، في مواقع وعبر سياقات مختلفة ومتباينة، وكنقيض له، كيانات شبيهة بالدولة ولكنها ليست في الواقع إلا مقلوبها، أي "نيغاتيف" الدولة. وصارت هذه الدولة المضادة أو مسخ الدولة أقوى أداة لاستعباد الشعوب وتكبيلها ونزع هويتها الجمعية نفسها على مستوى العالم. فبدل أن تكون مؤسسة لأمة وجماعة وطنية تتحول هذه الدولة المسخ هي نفسها إلى مولدة لعصبية خاصة موازية للعصبية الجمعية ومسيطرة عليها. وعلى المجتمع الخضوع لمنطق دولة العصبية واحتياجاتها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية وليس العكس.
في هذه الحالة المجتمع هو الذي يضع نفسه في خدمة الدولة، أي في خدمة العصبة التي تسيطر عليها وتنتظم من خلالها في عصبية خاصة، وليست الدولة هي التي تضع نفسها، عبر السياسة، في خدمة المجتمع الذي تسيره وتستمد منه القوة والشرعية. بالمقابل لا يمكن للدولة المضادة أن تقوم إلا بقدر ما تنجح في السيطرة على مجتمعها من الخارج وضد إرادته المستقلة وعلى أنقاض استقلالية عناصره. ويستدعي قيامها بالضرورة حيازة مصادر للقوة من خارج مجتمعاتها، سواء عنينا بالتخارج الالتحاق بعصبية "طبيعية" لا سياسية، أو التعلق بمصادر قوة أجنبية ناجمة عن الالتحاق باستراتيجيات الدول الكبرى المهيمنة. وتكمن في هذه الخارجية أهم موارد الدولة المضادة ورصيدها وشرعيتها. وغالبا ما يتحد العاملان، العصبية الطبيعية والتبعية الخارجية، فتتحول الدولة المذكورة إلى وكالة خاصة تستخدمها الدول السيدة الحقيقية في سبيل ضبط المجتمعات وجماعات اللادولة، أو التي أخفقت في بناء دولة أمة بالمعني الفعلي للكلمة، أو التي لا تسمح لها مواردها وشروط وجودها بالوصول إلى مستوى الجماعة الدولة. فهي كيانات تتأسس على التقاء قانون الغزو القديم (في الداخل) وقانون الخضوع للقوة على صعيد النظام الدولي الذي يحدد وظيفتها ودورها ورسالتها.
من هنا أصبحت الدولة الحديثة، في الجزء الأكبر من المعمورة، أكبر مصدر للقهر والاستلاب وانعدام الأمل والأفق معا. وهي السجن الأكبر لغالبية سكان الأرض، ومصدر. الآلام والمعاناة والقهر الدائم لمليارات البشر. وبعد أن كانت حلما عند كل الشعوب، باعتبارها منبع الحرية والسيادة والتنمية والتقدم، كما عبرت عن ذلك حركات التحرر الوطني التي غطت أكثر من قرن من التاريخ، أصبحت كابوسا لمعظم الشعوب. فهي مصدر العنف الرئيسي الذي تستخدمه الدول الكبرى في محيطها لفرض وجودها ومواجهة الدول الأخرى، كما تستخدمه الدولة المسخ في مواجهة شعوبها التي خاب أملها فيها، ولم تعد تنتظر منها توفير أي حقوق وحريات أو تحقيق مكتسبات لا مقدرة لها عليها في ظروفها القائمة.
من هنا تولد الحاجة إلى ثورة ما بعد سياسية، تتجاوز السياسة القومية ومنطقها التنافسي، لتؤسس لسياسة عالمية تتفق وتنامي ترابط المصالح بين الشعوب وتعاظم التداخل في المصائر البشرية. ولا يعني تجاوز السياسة ونظامها الدولوي تدميرها، تماما كما لم يعن تجاوز نظام الجماعة الدينية نحو الدولة القانونية القضاء على الدين، وإنما عنى فتح سجل جديد للتواصل والتعارف والتعاون والتضامن بين البشر، بموازاتها وعبر حدودها، مع الإبقاء عليها كآطر إسناد وتدعيم لسياسة شمولية تقوم على تطبيق برامج ذات مضامين ودائرة تنفيذ ومعايير عقلانية أكثر شمولا وأوسع أفقا، تضع في مجال العمل المشترك والتعاون شعوبا أو أجزاءا وأطرافا من شعوب متعددة، وتدفع إلى بناء مصالح مشتركة عابرة للحدود لا يمكن نشوؤها بالبقاء في حدود منطق الدولة (التي لم يعد لها علاقة فعلية بالأمة) ومعاييرها وتحديداتها القانونية والدستورية.
فليس هدف السياسة العالمية إلغاء الحريات والحقوق الإنسانية التي ولدتها الثورة السياسية، وإنما بالعكس، التحقيق الواسع لقيم السياسة، من حريات وحقوق وعدالة ومساواة وتعاون وسلام، أي زيادة فرص الاختيار عند الناس جميعا، لم يكن من الممكن تعميمها في إطار نظام الدولة القومية. فلا يشكل بناء النظام الجديد بالضرورة قطيعة مع الدولة القانونية الديمقراطية، ولا يتناقض معها. بالعكس إنه يستخدمها ويحتاج إلى تعزيزها بشكل أكبر، باعتبارها أداته الرئيسية في بناء مصالح ومؤسسات ومسؤوليات عالمية مشتركة تجمع بين أفراد ينتمون إلى شعوب متعددة وتوحدهم عبر العالم.

هذا ما يستدعي اكتشاف صيغ لتنظيم الجهد الانساني من وراء حدود الدول، ويناء شبكة علاقات عابرة للدول ومولدة لوعي إنساني وآليات تعاون وتضامن مختلفة عن الآليات القومية المعروفة. ومن الواضح أن الاتجاه العفوي الذي اتخذه الرد على أزمة الرأسمالية العالمية الجديدة كان تطوير التفكير على مستوى عالمي، والنزوع إلى إشراك جميع الدول في ايجاد الحلول. وربما بشر مثل هذا الرد بولادة مجتمع عالمي بدأت ملامحه بالتبلور منذ بضعة عقود، عبر نشاط الجماعات المدنية التي تلتقي عبر الحدود وتدافع عن قضايا وقيم ومباديء وغايات واحدة، بصرف النظر عن أصول أعضائها القومية وولاءاتهم السياسية والدينية. لكن المطلوب اليوم هو استكمال النشاط المدني العالمي الذي نما في الماضي عبر الحدود بنشاط سياسي عالمي، منظم ومنسق، لا يستبعد أن يقود في المستقبل إلى إقامة نوع من الحكومة العالمية التي تطبق سياسات متجاوزة للوطنية، أي لا تقتصر في اعتباراتها وحساباتها على خدمة مصالح الجماعات التابعة للدول، كما في الدول الصناعية الكبيرة، ولا من باب أولى على خدمة مصالح النخب المسيطرة عليها، كما هو حال أشباه الدول، ولكن توجهها اعتبارات وحسابات إنسانية كوكبية. وربما لم تكن النزعة الامبرطورية الامريكي التي قادت، بمساعدة سياسات الرئيس بوش الابن، إلى الأزمة العالمية الأخطر التي عرفها الاقتصاد الدولي منذ نشوئه، والتي فجرتها عوامل التنافس والنزاع لتأكيد أسبقية الولايات المتحدة وقيادتها العالمية وتفوقها في جميع الحقول على منافسيها وخصومها، إلا برهانا على وجود هذه الحاجة إلى سياسة عالمية بديلة ومصادرة لها في الوقت نفسه.

mercredi, décembre 03, 2008

في موت السياسة وغياب القانون

الاتحاد 3 ديسمبر 08

ما الذي يفسر ما تعرفه المجتمعات العربية من استهتار بالحياة القانونية على مستوى الدولة والمجتمع معا، وارتدادها نحو العصبية والتضامنات البدائية والاستسلام لغريزة الاقتتال والعنف؟ سؤال فاجأني به أحد مسؤولي منظمات حقوق الإنسان الدولية. في زيارته الأخيرة لباريس. وبالفعل لا يمكن للمراقب المحايد أن ينكر أن أكثر ما يسم وضع المجتمعات العربية الراهنة هو غياب احترام القانون وضعف الحوافز الأخلاقية، إلى درجة يبدو فيها وكأن القوة وحدها هي التي تقوم فيها بترتيب العلاقات وأشكال الانتظام الفكرية والسياسية والاجتماعية، التي تمتد من العائلة إلى الدولة. ولا يكاد سلوك أو جهد يقوم على أصول أو قواعد مرعية واضحة، وكل ما نقوم به، من التربية الفردية إلى الحرب، يجري تقريبا خارج أي مثال أو أطر واضحة فقهية وعلمية وسياسية، كما لو أن التقاليد التي درجت النظم عليها، بما تمثله من خبرة مختزنة وثابتة مستمدة من التجربة الانسانية الطويلة، قد ضاعت تماما، ولم يعد هناك أي مرجعية واضحة يستند إليها الفرد أو الجماعة أو الدولة في أفعالهم أو ترتيب شؤونهم وحقول ممارستهم. لا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يثير تساؤلات عديدة، خاصة عندما يتذكر المرء ما حفلت به الحضارة العربية من تراث فقهي وتعلق بالتقاليد واحترام شديد للشرعية والأصول المرعية.
هناك في نظري أربع تجارب أو بالأحرى محن تفسر ربما هذا الانهيار في معنى القانون في المجتمعات العربية. الأولى هي المحنة الاستعمارية. فبالرغم من تحديثها للدولة وإدارتها ومؤسساتها القانونية والقضائية، إلا أنها قوضت معنى القانون باستخدامها لتطبيقه في حقل العلاقات المدنية كغطاء لممارسة عامة غير شرعية وغير قانونية، وبقدر ما أدخلت من مفاهيم ومعايير وقيم مرتبطة بالحرية والعدالة والمساواة لتبرير تدخلها في الشؤون العربية، شكل حكمها نفسه نفيا عمليا يوميا للعنصر الرئيسي الذي تصدر عنه هذه القيم والمعايير القانونية، وهو الإرادة الوطنية والسيادة السياسية. وبينما تذرعت بتعليم شعوبنا القانون، لم يقم وجودها إلا على أساس القوة والقهر والإكراه. فالسلطة الاستعمارية هي التي أعطت المثال الأول والأهم على اغتصاب إرادة المجتمعات والجماعات والأفراد وحكمهم خارج القانون وضد إرادتهم أو بالرغم منهم. هل هناك مثال لتلاعب الاحتلال والاستعمار بمفهوم القانون والشرعية أفضل من مثال احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق عام 2003؟ فكيف يمكن، بعد تجربة معسكرات عوانتانامو، وممارسة أقسى أنواع الإذلال والإهانة النفسية والجسدية التي فضحتها الصحافة الدولية، وهي ليست إلا التتويج الأخير للممارسة والسياسة الاستعماريتين في البلاد الضعيفة، والعربية منها بشكل خاص، بعث الثقة بالقانون أو الايمان بشرعة دولية أو بقيم تضامن إنسانية ما فوق قومية؟
التجربة الثانية التي ساهمت في تدمير تقاليد الشرعية والأصول القانونية، وعلمت الناس الايمان بتفوق مبدأ القوة على الحق، ونجاعة خرق القانون وسهولته، جاء على يد الاستيطان اليهودي في فلسطين. فقد اتبع هذا الاستيطان التقليد الاستعماري ذاته، لكن مع تحويله إلى كاريكاتير لدرجة أصبحت الهوة لا تعبر بين الخطاب القانوني والإنساني المعلن والممارسة العملية، القائمة على التوسع من دون حدود في استخدام القوة، والرهان الوحيد عليها لضمان وجود الطعم الاستيطاني اليهودي في فلسطين واستمراره. باستخدامها خرق القانون والاعتداء على الحريات الفردية وانتزاع الملكية والاحتيال على القوانين الدولية والابتزاز بصورة الضحية لتحقيق مصالح استعمارية آنية وبعيدة المدى معا، وبإهدارها حقوق الناس ومصالحهم، شكل قيام الدولة اليهودية الاستيطانية ضربة قاصمة لمفهوم الحق والقانون والعدالة والانسانية، وأحدث شرخا عميقا في الصمير الانساني والوعي القانوني عند أي عربي عاش التجربة الاستيطانية أو قرأ عنها. فهل يمكن لحرب التطهير العرقي التي حصلت في فلسطين الحديثة أن تبقي أي احترام لقيم انسانية مشتركة أو تترك معنى لفكرة حكم القانون وأسبقيته على القوة، مهما كان محدودا. وكيف لا يلتف الناس حول ميليشياتهم الذاتية ولا تراهنون على القوة وينتجونها خارج القانون وضده، عندما يتعرضون خلال عقود طويلة للقصف العشوائي والقاتل دون أن يحميهم أي قانون أو ترد عنهم الأذى أي دولة أو منظمة دولية؟
أما التجربة الثالثة التي تعلم منها العرب فراغ القانون من أي معنى ومضمون فهو حكم النظم العربية التسلطية الذي يقوم منذ عقود على غير قانون، أي على الشهوة كما يقول فقهاء السياسة القدماء، وإرادة التسلط والاستبداد بالرأي والعسف اليومي. فليس هناك مثال لحكم القوة والحكم بالقوة ضد القانون، واغتصاب إرادة الشعب، واعتقاداته العميقة، أفصح من نموذج النظم السياسية العربية. فهي إلا ما ندر تنفي الحقوق الطبيعية، وتتصرف بوصفها وصية أبدية على شعوبها، وتجعل من الأفراد أدوات مسيرة من قبل السلطة، لا فائدة لها في استخدام العقل ولا في التفكير في مستقبل المجتمع. فالقانون الوحيد السائد هنا هو خرق القانون، والتجريد العملي والرسمي من الحقوق المدنية والسياسية، والإذعان لإرادة السلطة وأحكامها. القانون هو إرادة الفرد الإله الحاكم، وما يصدر عنه من قول أو عمل أو سلوك، فهو أب الأمة ومربيها ومعلمها وملهمها وسيدها المطلق. وهو صانع القانون ومصدر التشريعات ومبدع السنن والتقاليد، لا شيء قبله ولا شيء بعده. وجميع الأفراد يعيشون من فضله وكرمه وتحت رعايته الشاملة.
أما التجربة الرابعة التي قضت على ما يمكن أن يكون قد تبقى من معنى الحق والقانون بكل المعاني الممكنة، فهو الأصولية الدينية التي تلغي الدولة من الذهن وتتصرف وتربي الأفراد على العيش في نموذج من العلاقات الاجتماعية ماقبل دولوي، يضع الجماعة وتقاليدها وهويتها وعصبيتها قبل المؤسسات القانونية وخارجها. وهذا هو في الواقع المعنى الوحيد لقانون الشريعة الدينية الذي يسعى الاصوليون إلى نشر فكرته وتطبيقه إذا أمكن بدل القانون السياسي في إطار الدولة. مما يعني الانتقال من مناهضة الدولة القانونية كمفهوم وكفكرة ناظمة للحقيقة الاجتماعية، إلى إلغاء الدولة من الوجود وإحلال منطق العصبية والجماعة الدينية محلها.

في غياب القانون، وانعدام الايمان به، والشك بجدواه، أو غياب أي رغبة للحديث فيه، لا يبقى حاكما في المجتمعات إلا القوة. وبالقوة وحدها يمكن لمن يسيطر على مقاليد الأمر من النخب السائدة أن يحتفظ بسيطرته، داخل الجماعة وداخل الدولة الجماعة معا. وبالعنف المرتبط بالقوة يستطيع أن يحل خلافاته مع من يخالفه في الرأي أو الموقع أو السلطة. فقانون القوة هو العنف والقهر والإكراه. وليس للعرب اليوم حياة جمعية سوى حياة العنف والإكراه. ولذلك ليس بمقدروهم أيضا أن يتصوروا حياة مدنية قائمة على تبادل الاحترام والثقة والمصالح والمعاني والرموز، أو على التفاهم والتواصل عبر قوانين وأصول إجرائية منظمة وثابتة. وهذا هو أحد أركان الهمجية التي تعرفها مجتمعاتنا، وتتجلى عبر الحروب الأهلية والاقتتال الداخلي واستسهال سفك الدماء والقتل والسجن والاعتقال، والسكوت على انتهاك الحقوق والمحرمات، وعبادة القوة والتسليم للأقوى. فلا حياة مدنية هناك، ولا حضارة. فالمدنية تعني قبل أي شيء آخر تطور الحياة الأخلاقية والقانونية التي تؤسس لتنظيم العلاقات بين الأفراد على مباديء أخلاقية ثابتة ومعروفة، وتسمح بحل النزاعات والخلافات في النظر والمصالح معا بوسائل سلمية، أي عن طريق الحوار والتفاهم والتسويات القائمة على تنازلات، أو بالأحرى مساهمات، مقبولة من جميع الأطراف.