jeudi, septembre 15, 2005

لماذا أخفقت جميع مشاريع المصالحة الوطنية في البلاد العربية؟

الجزيرة نت 15 سبتمبر 2005

احتلت قضية المصالحة الوطنية ولا تزال موقعا مركزيا في النقاش والحراك السياسيين في العالم العربي للسنوات القليلة الماضية. لكنها وصلت في جميع البلدان أيضا إلى طريق مسدود. والسؤال ما الذي حال دون تحقيق مثل هذا الهدف بالرغم من اعتقاد قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي بأولوية المصالحة لمواجهة التحديات التي تتعرض لها المجتمعات العربية وبالرغم أيضا من تضافر عوامل داخلية وخارجية كثيرة تشجع على الخروج من الأزمة الخانقة التي لا تزال تهدد بالانفجار في جميع البلدان.
بداية ينبغي القول إن شعار المصالحة الوطنية لا يطرح اليوم في البلدان العربية للتقريب بين فئات اهلية متنازعة وإنما بين السلطات الحاكمة وبقية طبقات الشعب. وهو لا يشير إلى نزاع بالمعنى الدقيق للكلمة بقدر ما يتصدى لنمط من العلاقات الشاذة التي نشأت بين الدولة والمجتمع فجعلت من الأولى متراسا لطبقة حاكمة تحتكر القرار السياسي وتضع يدها على الموارد الوطنية من جهة والشعب الذي همش تماما وأصبح هدفا لعمليات إخضاع شاملة ومستمرة من قبل السلطة من جهة ثانية. لكن هذا النمط من العلاقات يخفي في واقع الأمر حربا خفية يتواجه فيها، في جميع المجتمعات العربية، وعلى درجات مختلفة، أولئك الذين يريدون تحويل الدولة إلى ملكية خاصة ومن خلالها إلى احتكار الموارد الوطنية بالقوة وحرمان الآخرين منها وأولئك الذين يسعون بجميع الوسائل إلى تعميم الفوائد التي تنتجها على أكبر قاعدة اجتماعية ممكنة ويبذلون في سبيل ذلك جهودا جبارة لكسر هذا الاحتكار والدخول في مجتمع الشراكة الوطنية والسيادة الفردية. وهو النزاع الذي يخفي أيضا صراعا حول مفاهيم وتصورات مختلفة ومتناقضة للسلطة وللهوية الاجتماعية والوطنية معا.
من هذا المنظور لا تعني المصالحة الوطنية في الواقع سوى السعي المشترك إلى وضع حد لهذا الاحتكار أو القبول بفتح مفاوضات حول توزيع السلطة والموارد العامة مقابل تنازل الطرف الأضعف في المعادلة عن حقوقه عن الحقبة الماضية وكذلك عن حقه في الثروات التي تحصلت بصورة لا شرعية. فالمصالحة هي البديل المطروح عن الثورة أو عن الانقلاب الذي يمثل آلية انتزاع الحكم بالقوة للدخول إلى ميدان السلطة وطرد المستولين عليها بسلاح القوة نفسه الذي استخدموه ولا يزالون للإبقاء على احتكارهم لها واستملاكهم الشخصي لمواردها.
يعبر بروز فكر المصالحة إذن من دون شك عن تطورين مهمين حصلا في السنوات القليلة الماضية في الوعي السياسي العام أو لدى الرأي العام. التطور الأول يتصل بتنامي الشعور، في موازاة تغير السياقات الإقليمية والدولية، بالغبن الواقع على المجتمع بأكمله والطبقات الشعبية بشكل خاص نتيجة هذه العلاقة غير المتوازنة بين السلطة والمجتمع ويستدعي بالتالي إزالة هذا الغبن كما يشير إلى الاحتجاج الكامن على الوضع القائم. وهو الشعور الذي كان مستحيل الظهور في العقود الماضية بسبب شلل الفكر وتشوش الوعي السياسي الخاضع لضغط الايديولوجيات الشمولية المختلفة. لكن رفض التسليم بالأمر الواقع لا يدفع هنا، وهذا هو التطور الثاني، إلى الثورة ولكنه يترافق بنمو مواز للواقعية والبراغماتية السياسية. فهو يعكس الاقتناع بأن الحلول العنيفة غير مجدية وأنه ليس من الممكن الخروج من المأزق الراهم إلا من خلال القبول بتسوية تقوم على القطع مع الحقبة الماضية بكل ما رافقها من أخطاء ومآسي والنظر في اتجاه المستقبل. إنها تعكس المزاج الاجتماعي والسياسي الجديد للشعوب التي تنزع نحو السلم والحياة الديمقراطية والمشاركة الايجابية. ومن هذه الزاوية لا يبدو لرفض السلطات القائمة الاستجابة لنداء المصالحة الصاعد من وسط معارضتها أي معنى ولا أي منطق.
لكن في ما وراء ما يعكسه هذا الشعار من تراجع وزن الاستراتيجيات الانقلابية والثورية عند الرأي العام والطبقات الوسطى بشكل خاص، يطرح هذا الشعار مسائل أخرى أكثر تعقيدا على السلطات الحاكمة هي التي تجعلها تتردد في الاستجابة له أو الانخراط في مشروع المصالحة. فهو يخفي وراء إرادة البحث عن تسوية عقلانية وواقعية مع الطبقة الحاكمة مشروع هيكلة ضمنية للحقل السياسي نفسه. إنه يعبر عن ولادة فاعل اجتماعي سياسي جديد يقف في مواجهة هذه الطبقة، أي بمهام التصور والتقدير والتقرير والتنفيذ التي تشكل جوهر السلطة، ويطرح بالتالي الاعتراف بمبدأ التعددية السياسية وما تتضمنه من قبول بالنسبية وشرعية الصراع حول البرامج والتوجهات المجتمعية والثقافية. وهذا ما يقود مباشرة إلى إخراج السياسة من مجال التابو والسر المغلق واللامفكر فيه إلى مجال التأمل المتعدد واختلاف وجهات النظر والشفافية والمسؤولية.
وهكذا يعكس مشروع المصالحة الوطنية ولادة حراك سياسي جديد يقود حتما، من خلال ديناميكية الصراع الثنائي بين الحاكم والمحكوم الذي أدرك معنى الحكم ومضمونه، إلى كسر السكون والأحادية القديمة والطويلة اللذين سمحا بإعادة إنتاج السلطة الاحتكارية والانفرادية من دون تغيير لعقود طويلة بقدر ما مكنا الطبقة الحاكمة من الجمع في قبضة واحدة بين السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية. فهذا الجمع هو الذي مكن النخب الحاكمة من احتكار التعامل بالشأن العمومي وتحويل المجتمع بأكمله إلى مجموعات مصالح اقتصادية ومهنية مستقلة يقف دورها عند الشأن الخاص. وبقدر ما حرمت المجتمع من تكوين رؤية شمولية أو وطنية تعنى بالمصير العام في ما وراء الانقسامات المهنية حكمت عليه بانعدام التأهيل السياسي وجعلت مصير الوحدة المجتمعية معلق بين يدي الطبقة الدولة وحدها.

فالتعددية التي يقترحها ببساطة، وتحت شعار عفى الله عما مضى، شعار المصالحة الوطنية، هي الدواء الوحيد للأحادية التي يقوم عليها النظام الاتوقراطي العربي ولا يمكن أن يستمر من دونها. ولذلك ليس من المستغرب أن تبوء جميع مشاريع المصالحة الوطنية بالفشل ولا أن ترفض الطبقات الحاكمة العربية النظر بجدية إلى أي دعوة من هذا القبيل وتزدري بشدة أصحابها. فهي لا بد أن ترى فيها محاولة لتفجير تناقضات ونزاعات ولفتح جراحات تعمل المستحيل للتغطية عليها. ومن منطق الحفاظ على الأمن والنظام والاستقرار لا تتردد السلطات العربية في اتهام أصحاب دعوة المصالحة بالتآمر مع القوى الأجنبية لضرب الوحدة الوطنية. فلا يبرر الظلم والاستبداد وانعدام القانون وسوء الأوضاع المعيشية، في نظرها، لأي كان تعرية النظام أمام القوى المتربصة به الداخلية والخارجية. إن دعوة المصالحة الوطنية تظل في نظر السلطات القائمة ذريعة لقلب الأوضاع وضرب الاستقرار. وليس المنادون بها سوى أدوات واعية أو غير واعية في يد استراتيجيات الدول الأجنبية. ومما يزيد من ميل الفئات الحاكمة إلى ازدراء أصحاب المصالحة أن أغلب الداعين لها هم من المثقفين الذين استعادوا وعيهم المدني العمومي والذين يفتقرون أكثر من أي فئات اجتماعية أخرى، إلى الوسائل الضرورية لإحداث التغيير، وهي التي لا يمكن أن تكون في نظر السلطات العربية التي استبطنت احتقار الرأي العام وضمنت شله، سوى وسائل العنف والتحالفات الدولية. هكذا لم يكن مآل مشاريع المصالحة الوطنية في عراق صدام وفي مصر وفي سورية وليبيا والعديد من البلاد العربية الاخرى سوى تفجير أحقاد النظام على المعارضة الوليدة والسعي بجميع الوسائل إلى البطش بها وتجريمها.
تفترض المصالحة الوطنية التفكير بتسويات تفاوضية لمواجهة التحديات والمشاكل الوطنية لا يمكن تحقيقها من دون اعتراف الأطراف المختلفة بوجود بعضها البعض وبشرعية المطالب التي يرفعها. والحال أن الطبقات العربية الحاكمة لا تعتبر نفسها فئات من بين فئات عديدة أخرى ذات مصالح معينة وإنما تتماهي كليا مع المجتمع بقدر ما تطابق بين وجودها ووجود الدولة التي تمثل الشعب. فهي ليست حتى الممثلة الشرعية الوحيدة للشعب ولكنها الشعب ذاته ممثلا بما تجسده هي من القيم الوطنية والاجتماعية والدينية والثقافية. فهي الضامن لوجوده والمؤتمن على مستقبله. ولا يمكن أن تعترف بوجود فريق آخر يعبر عن الشعب أو عن جزء من مصالحه من دون أن تضع هذا التماهي المطلق بين الفئة الحاكمة والشعب والدولة موضع الشك والسؤال. فوجودها كله نابع من تغييب مفهوم الشعب والطبقات والفئات والمصالح والتيارات المتباينة لصالح فرض هذا المفهوم التطابقي الوهمي للحكم والدولة والشعب وتعميمه. ولذلك بينما يريد أنصار المصالحة الوطنية من مشروعهم تأكيد ايجابية تعاملهم مع السلطة ولا يرون فيه سوى مطالب جزئية يمكن إجمالها تحت مفهوم إصلاح النظام، بما يعني تخليهم عن الدعوة لتغييره وبالتالي القبول بالعمل في إطاره وتحت سلطة القائمين على الأمر، تنظر الطبقة الحاكمة إلى أي تنازل مهما كان صغيرا في إطار مفهوم المصالحة هذا على أنه تهديد كلي لوجودها، أي للمنطق الشمولي الذي يحكم هذا الوجود. وهي لا تكف عن اتهام المعارضة بنيتها في تغيير نظام الحكم من وراء المطالبة بإصلاحات جزئية تتضمن الاعتراف بوجود معارضة والحوار أو التفاوض معها.
والواقع إن مبدأ التفاوض والحوار الذي تستدعيه المصالحة هو الذي يثقل على كاهل النخب الحاكمة. فهي مستعدة للقيام بالكثير من الاصلاحات لكن بشرط أن لا تكون مسمية على المعارضة أو مرتبطة بها. بل هي مستعدة أبعد من ذلك للاعتراف بالمعارضة كممثلة لبعض المصالح الأصنافية الخاصة، لكن ليس كأطراف سياسية، أي ليس كحاملة لوجهة نظر سياسية ولمشروع مجتمعي يعنى بالمصير العام وبالتالي كمنافس سياسي. ولهذا فهي تكاد تعلن عن استعدادها لتنفيذ مطالب المعارضة جميعا في الاصلاح إذا قبلت هذه الأخيرة التخلي عن تسمية نفسها معارضة وسحبت مشروعها السياسي من التداول وقبلت بالعمل تحت راية النظام وبمواكبته. ولهذا يصبح الهجوم على المعارضة وتفتيتها والهزء منها هو مشروع الاصلاح الوحيد الذي يحظى بأمل التطبيق.
ليس هناك إصلاح ولا أمل في أي إصلاح أو تطوير أو تحديث في أي بلد عربي أو غير عربي من دون الاعتراف بتعدد المصالح المجتمعية وتعددية تمثيلها من قبل القوى السياسية في الوقت نفسه، أي من دون تحطيم هذا التصور الشمولي للمطابقة الخرافية بين السلطة والدولة والمجتمع، وهو التصور الذي يغلق النقاش والحوار والفهم ويلغي التاريخ أو يجمده عند أقدام النخبة الحاكمة. وليس لمشروع الاصلاح بداية أخرى سوى وضع حد لأحادية الحكم وفتح السياسة على المجتمع والاعتراف بحق الجميع في المشاركة المتساوية في التصور والتقدير والتقرير والتنفيذ في كل ما يتعلق بالمصير العام. وهذا ما يتناقض كليا مع مفهوم الاصلاح الذي يبدو أن الأنظمة العربية قد أخذت به وأقرته أخيرا، والقائم على رفض الحقوق السياسية والقبول بمبدأ تقاسم الثروة والسلطة الجزئي مع النخب المهمشة أو الخارجية، الاقتصادية والتقنوقراطية. لكن هذا المبدأ التقاسمي هو في الواقع الأساس العميق لانحرافات السلطة الخطيرة في الماضي والحاضر بقدر ما هو الأصل والمنبع السياسي لكل أشكال الفساد. والتمسك به يعني أننا لا نزال لم نخرج بعد من عصر"السلبطة" والجاهلية الوطنية والسياسية.

mercredi, septembre 14, 2005

الموت السياسي أو في أصل العطالة التاريخية في البلاد العربية

اتحاد 14 سبتمبر 2005

هناك استحقاقات تاريخية تفرض نفسها على البشر والمجتمعات. ومهما حاول المرء تجاهلها لا بد أن تعود مرارا وتكرارا لتذكر بنفسها. ولا يمكن أن يؤدي تجاهلها إلا إلى المزيد من إلحاحها وتفاقم سوء العواقب التي يصعب في ما بعد التحكم بها او مواجهتها. وكما أن الورقة التي تسقط من الشجرة يصعب إعادة الحياة إليها فإن الجسد الذي يفقد الحياة يتحول إلى جثة. وإذا لم يقم باللازم لدفن الجثة في وقته وإهالة التراب عليها فلن يكون مصيرها، مهما استخدم الحالمون من عقاقير الطب والتعاويذ والأساليب السحرية، سوى المزيد من التفسخ والانحلال.
وهذا هو بالضبط وضع النظام الذي أفرزه إخفاق التجارب الشمولية القومية أو الاشتراكية وأسفر عنه انحطاطها والذي يتخذ أشكالا وصيغا متنوعة حسب الظروف التي آلت إليها السلطة في البلدان المختلفة بما فيها البلدان العربية. فقد تحول هذا النظام إلى جثة هامدة منذ وفاة مؤسسيه الحقيقيين وكهنته. كل إنسان يشم رائحة تفسخ هذا النظام وانحلاله، باستثناء تلك الديدان التي تنهش من الجثة المتفسخة وتعمل على تفسيخها وتحللها بشكل أكبر. فهي ليست عديمة الحس فحسب ولكن التفسخ والتحلل هو وليمتها ومصدر سعادتها. إذ من دون ذلك لن يكون لها وجود ولا حياة.
والواقع أن النظم العقائدية التي كانت تعتمد على الحزب الواحد أو الرب الواحد الذي يسير عبيده ويقودهم إلى جناته الروحية والتي تعتمد على التعبئة الحماسية، الحقيقية والمصطنعة معا، تفقد كل مقومات وجودها ومؤهلاتها الانسانية منذ اللحظة التي تتفتت فيها عقيدتها أو تذبل وتموت. فهي تتحول عندئذ إلى نظم تسلطية من دون أي غلالة سحرية. ويتخذ الحكم فيها أكثر فأكثر طابع السطو المسلح على حياة الناس وأرزاقهم ومصائرهم. وكانت عقيدة النظام الشمولي الفعلية، في كل مكان وبصرف النظر عن اختلاف الثقافات والأديان، وجود الرئيس-الرب نفسه وتجليه في الحياة العمومية والخصوصية. فلم يكن هو مؤسس النظام ومحركه فحسب ولكنه كان روحه وإلهامه في الوقت ذاته. وفي جميع هذه النظم، العربية وغير العربية، كانت وفاة الزعيم الرب بمثابة خروج الروح من الجسد.
وليس المقصود بالنظام السلطة القائمة أو القائمين عليها، ولا بالديدان تلك الذئاب الكاسرة التي تغرس أنيابها وكانت تغرسها من قبل في قلب الحي لتنتزع منه الحياة وتستملكها، ولكن جميع أولئك الذين كيفوا أنفسهم مع الموت وأتقنوا تجارته. وهم غالبية كبرى من الناس الذين قطعوا الأمل بحياة مدنية طبيعية وقبلوا، كل حسب ظروفه وإمكانياته، بالعمل والحياة خارج أي أطر قانونية وتأقلموا مع مبدأ اقتناص الفرص والمكاسب الخاصة والاستثنائية والاكتفاء بما يتوفر لهم من المصالح والمنافع الصغيرة اليومية.
فالفرد الذي لا يتردد في استخدام الرشوة أو التملق والانتهازية في سبيل الحصول على منافع وامتيازات خاصة وتجنب المنافسة الطبيعية، والطالب الذي يقبل الغش في الامتحانات أو يستخدم الممالأة لأحزاب السلطة أو ميليشياتها في سبيل التقدم على أقرانه في مسابقات القبول والمنح والمساعدات الدراسية، والشرطي الذي يستسلم لإغراء الرشوة بذريعة الحاجة أو الضرورات الحياتية، والمقاول الذي يسعى إلى جني الأرباح السريعة عن طريق الفساد وإفساد المسؤولين وانتزاع المناقصات بالوسائل غير الشرعية، والعسكري الذي يحارب في شعبه ويستخدم الأملاك العامة في سبيل تحقيق مآربه الشخصية ومآرب أقربائه وأصحابه ومواليه، والرسمي الذي يملأ دائرته بأبناء عشيرته أو ديرته، والمتشدد الديني الذي يقهر الناس على اتباع قيادته، والتاجر الذي يعتقد أن تأمين تجارته ضد الخسارة والبوار يبيح له التخلي عن جميع الالتزامات المدنية والسياسية، كل هؤلاء وغيرهم كثير يعتقدون، بطريقة أو أخرى، أنهم مستفيدون استفادة غير قانونية وليس عليهم أن يغامروا بشيء من اجل تعديل النظام، بل إن تعديل النظام يقلل من مكاسبهم المكرسة المعنوية أو المادية. وكلهم يشكلون قوة عطالة حقيقية تسمح للنظام الجثة بأن يستمر بالرغم من الرائحة الكريهة التي تخرش الأنوف. فكل واحد من هؤلاء يجعل من منفعته الخاصة الاستثنائية كمامته الحقيقية التي تمنعه من شم رائحة الجثة المتعفنه وتمكنه من التعايش معها.
إن أصل البقاء للجثة هو هذا الوهم المشترك الذي يجمع بين الجميع والذي نجح النظام أو مؤسسيه في تعميمه وهو أن أحدا لا يملك حقا في شيء وأن كل ما يملكه الفرد فهو بفضل خروجه على القانون ومعاملته المتميزة لنفسه أو من قبل الآخرين وهربه بشيء ما في غفلة عن الآخرين أو بتجاوز للقانون.
وقد نجح النظام في البقاء بتعميمه هذا الشعور بأنه ليس هناك مفهوم لحق ولا مفهوم لواجب ولا قانون. المجتمع غابة، وكل شيء يحصل عليه الفرد فهو ينتزعه بذراعه وحنكته وخبثه وفهلويته. لا شيء يكتسب بالحق والقانون والجدارة. كل شيء يكتسب بطرق لا شرعية ولا قانونية . هذا هو نظام الرشوة المعممة أو تعميم نظام الرشوة كأساس للعلاقة الاجتماعية.
من هنا لم يعد هناك مجال لا للفضاء العمومي ولا للشأن العام ولا للمصلحة العامة ولا للسياسة باعتبارها الاهتمام بالشأن العام والعمومي وإدارته وتنظيمه. الكل يبحث عن مصلحته الشخصية والكل يجتهد في الكشف عن الطرق غير الشرعية وغير القانونية التي تمكنه من انتزاع مكاسب أكثر من غيره أو أكثر مما يمكن أن يتاح لغيره منها. وكلما كانت المكاسب الناجمة عن تجاوز القانون أعظم، أي كلما كانت الرشوة والغش والاحتيال أهم، كانت سعادة الفرد أكثر.
كل شيء مكسب، والمكسب هو ما نأخذه من دون أن ندفع لقاءه أي ثمن أو جهد. نحن نبحث عن المكاسب المجانية ومجتمعنا هو مجتمع المكاسب والكسب غير المشروع، حتى لو أن الجهد الذي يبذله الأفراد لتامين ما يقوم بأودهم ويحفظ بقاءهم بطريق الغش هو أكثر بكثير مما يبذله أي فرد لتحقيق الهدف ذاته في أي مجتمع قانوني آخر.
كل واحد يعتقد ان غياب القانون، بل غياب الدولة بما تفرضه من وجود قانون واحد ناظم للعلاقات الاجتماعية ومحدد لحقوق ثابتة وواجبات ضرورية مقابلة، وهو أساس نشوء رابطة سياسية وإرادة جمعية، يضمن له مكاسب لا يضمنها تطبيقه وأن تحلل الدولة لصالح العلاقات الشخصية والمحسوبية يحقق له من المنافع ما لا يمكن أن تضمنه أي مؤسسة رسمية تسيرها علاقات موضوعية وعقلانية لا شخصية. لذلك ليس من المبالغة القول أن هناك مؤامرة جماعية ضد الدولة القانونية والمؤسساتية يشارك فيها جميع الأفراد بدءا من الطالب الذي يغش في امتحاناته الدراسية أو يقفز، كما هو الحال في بعض البلدان، بالمظلة ليضاعف حظه في اختيار الفروع العلمية وانتهاءا برئيس الدولة الذي يجعل من زيادة الرواتب الطبيعية مكرمة شخصية، مرورا بصاحب المعاملة الذي يبحث عن موظف يعرفه في أي دائرة حتى يضمن لنفسه معاملة تفضيلية وبالمستهلك الذي يتحايل على الدور ليوفر على نفسه الجهد والانتظار على حساب المستهلكين الآخرين المضطرين إلى الانتظار اكثر وهم الأعجز والأضعف.
وكل ذلك يشكل الأساس في نشوء وتطور مجتمع الهمجية والبربرية الذي لا يقوم على قانون ولا عرف ولا مباديء ولا أخلاق إنسانية وإنما يستمد روحه من القوة المجردة، المادية والمعنوية، أي من الهمجية في التعامل وانعدام الإحساس والاستهتار بجميع المصالح الغيرية الفردية والجمعية.
هذا يفسر أيضا العطالة التي تتميز بها الحياة السياسية والصعوبة التي يجدها الناشطون السياسيون في الوصول إلى قطاعات الجمهور المختلفة وايقاظها واستنهاضها وتحريكها لخلق حالة جديدة تسمح بالتفكير بدفن الجثة وإتمام مراسم الدفن والتعزية وبالتالي قطع الصلة بها وبدء حياة جديدة للأحياء. هكذا لاتزال المجتمعات العربية معلقة بأذيال الجثة الممددة للنظم الشمولية وغير قادرة على التحرر من رهاب الموت وعصابه. كأنها سكنت بالموت وأصبحت جزءا منه. وعندما تحاول الطغم الحاكمة أعادة الحياة إلى الجسد الكسيح فكأنما تعيد الحياة لعالم اشباح بالمعنى الحقيقي للكلمة لا علاقة له بعالم الواقع ولا بالحياة. ولا يتجسم الموت في المؤسسات المحنطة والمفتقرة لأي قوام ولكن أيضا في الشخصيات "التاريخية" ذاتها التي تريد أن تعيد إنتاجها من جديد على منوال الماضي فتبدو وكأنها منتزعة من القبر ومنبعثة من حياة قديمة لم يعد لها وجود.

إن مقومات نظام الموت السياسي الراهن أربع: القبول بالعيش على مستوى الحفاظ على البقاء من دون مطالب أخلاقية، الأنانية المرفوعة إلى مرتبة مباديء كونية، والبحث على المنافع المجانية على حساب قيمة العمل والجهد الجدي وأخيرا ربط السعادة بالحصول على ميزة على الآخرين، أي ميزة، حتى لو كانت رمزية فالمهم هو الهرب من قانون المساواة وقاعدة الندية. وهكذا يكون البحث عن السلامة جوهر الأخلاق والحصول على المكاسب بالطرق الملتوية بديلا للتأهيل الفردي والجمعي والخروج على قاعدة المساواة مصدر السعادة والراحة والترفع على احترام القانون أساس الرجولة والأهلية.
لا يستمر الوضع القائم ويمدد حياته وهو جثة هامدة إلا بقدر ما ينجح النظام في قتل كل ما هو وعي بالشأن العمومي وتضامن مجتمعي وإنساني، أي بقدر ما يشارك كل فرد، بإرادته الخاصة أو رغما عنه، في تهديم الحياة الأخلاقية وتأكيد الأنانية وتعميم الرشوة المادية والمعنوية والاستئثار بشارات التميز والترفع على مباديء المساواة القانونية والأخلاقية والمعاملة بالمثل.
ومن هنا ليس المسؤول عن بقاء النظام الفئات الحاكمة وحدها ولا ضعف المعارضة أو عجزها ولا تدخل الدول الأجنبية. ولا يمكن للفئة الحاكمة ولا للمعارضة ولا للدول الكبرى أن تغير من سلوكها وتراجع نفسها ما دام أفراد المجتمع، كبيرهم وصغيرهم، لم يقرروا بعد الارتفاع إلى مستوى الحياة الأخلاقية والانخراط، كل على حسب طاقته وإمكانياته، داخل الدوائر الرسمية وخارجها، في معركة التحرر من عقيدة الموت وطقوسه وتقاليده، أعني من إرث نظام موت المجتمع والسياسة والقانون والأخلاق معا.

dimanche, septembre 11, 2005

الديمقراطية وأزمة النظم الشمولية في البلاد العربية

مداخلة في ندوة الحريات الديمقراطية في البلاد العربية
عيد الأومانيتيه الفرنسية 11 سبتمبر 2005، حزب اليسار الديمقراطي وحزب الشعب الديمقراطي

تعيش المنطقة العربية ازمة تاريخية شاملة نتيجة إخفاقها عموما في مشاريع تحديثها المختلفة الاشتراكية منها والليبرالية التي طبقت في العقود الخمسة الماضية. وتتجلى هذه الأزمة في توقف عملية التنمية أو تراجع معدلاتها بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين وإفلاس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتقنية جميعا والتهميش المتزايد للعالم العربي في الساحة العالمية. لكن الوجه الأبرز لهذه الأزمة يمس النظام السياسي الأتوقراطي(الفردي) الذي رعى هذا التحديث في شقيه الأبوي العشائري والبيرقراطي الحزبي معا. وهذا ما يؤكده تدهور شرعية النظام وانهيار الثقة العامة بقدرته على مواجهة التحديات والمشاكل المطروحة على المجتمع وتفاقم الشعور عند السكان بالفراغ السياسي وبالافتقار للقيادة السياسية الحكيمة والقلق على المستقبل وتصاعد التوترات وتفجر النزاعات والحروب الداخلية والإقليمية ونمو تيارات العنف المنفلت في داخل البلاد العربية وخارجها معا. وفي موازاة ذلك تثير مضاعفات هذه الأزمة المتفجرة وإسقاطاتها المحتملة على المصالح الدولية مخاوف الدول الصناعية وتدفعها إلى مضاعفة الضغوط على النظم والتدخل المتزايد في شؤون المنطقة بهدف دفعها نحو التغيير الذي يتفق مع مصالحها أو يحفظها وإحداث تبديل جذري في سلوك الأنظمة المحلية وخياراتها الاستراتيجية.
هكذا يشكل تفاقم أزمة الأنظمة الأتوقراطية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى وتنامي العوامل التي تعمل على تقويضها السمة الرئيسية لأزمة المنطقة العربية في المرحلة الراهنة. ويستقطب الدفاع عنها من قبل أصحاب المصالح والكفاح من أجل تغييرها أو تعديلها جهود الفاعلين الاجتماعيين الرئيسية. وبالرغم من أنها لا تزال قائمة ولا يزال بإمكانها كما تدل على ذلك الأحداث وفي مقدمها ما جرى منذ شباط الماضي في لبنان، أن تضرب بعنف لا مثيل له، فقدت النظم الاستبدادية العربية الكثير من مقومات استقرارها واستمرارها وهي تواجه عاصفة مزدوجة تكاد تطيح بها تجمع بين احتجاجات القوى الداخلية الصاعدة والمتنامية للمجتمعات المدنية واعتراضات القوى الدولية التي تعتقد أن هذا النمط من الأنظمة الشمولية التي راهنت عليه في مرحلة سابقة للحفاظ على نوع من الاستقرار، بل تثبيت الجبهات في حقبة الحرب الباردة، لم يعد ينفع في حقبة العولمة. وهكذا لم تتردد هذه القوى الدولية في الإعلان عن وقف الدعم لهذه الأنظمة وعن رغبتها في دفعها نحو الانفتاح الاقتصادي والسياسي الذي يشكل الشرط الضروري لإدراجها في السوق العالمية الجديدة ومن وراء ذلك ضمان حد أدنى من التواصل مع شعوبها وضبط حركتها واتقاء شر التدهور المتزايد وما ينجم عنه من انفجارات عنيفة في أكثر بلدانها.

يعني هذا أن السؤال المطروح اليوم لايتعلق بمصير النظم التسلطية العربية القائمة. فهو قد حسم نهائيا في نظري مع تبدل الشروط الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والأيديولوجية التي كانت في أساس نشوئه واستمراره. إن ما هو مطروح يتعلق في معرفة المخرج المحتمل لأزمة هذا النظام التسلطي العربي. هل سيأتي انهيار النظام القائم لصالح نظم تعددية تعكس الالتزام بمباديء الديمقراطية الأساسية وتستمد شرعيتها من المشاركة الشعبية الحقيقية أم سيكون هذا الانهيار فاتحة لحقبة جديدة من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار والحروب الداخلية المتعددة؟
من الواضح من هذا السؤال أن المخرج الديمقراطي ليس هو المخرج الوحيد المنتظر بالضرورة لانهيار نظم التسلطية أو تفككها. وما حصل في العراق وما يحصل في العديد من البلدان العربية الأخرى يدل على أن الديمقراطية ليست بالضرورة المخرج الأكثر احتمالا. وأنه إلى جانب مخرج الفوضى والحروب الأهلية هناك أيضا مخرجا ثالثا هو التعفن والتفسخ المتزايد لنظام لا يعرف كيف ينتهي ولا كيف يصلح، كما هو الحال في الكثير من البلاد العربية اليوم، بالرغم من أن تعفن النظام مع بقائه لا يمكن أن يشكل مخرجا مستقلا بقدر ما هو تعبير عن استمرار الأزمة بسبب تضارب العوامل والمصالح الداخلية والخارجية.

يقوم الرهان على المخرج الديمقراطي للأزمة على ثلاثة عوامل أساسية.
1
) تحول البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية في سياق إعادة بناء عالم ما بعد الحرب الباردة، مع تنامي الشعور لدى الدول والجماعات بتزايد التأثيرات المتبادلة والتفاعل داخل ما أصبح يظهر أكثر فأكثر كنظام عالمي يعمل بمثابة قرية كونية واحدة. فكما أن المكتسبات المادية والتقنية والفكرية تنتقل من بلد إلى آخر بسرعة وأحيانا على الفور كذلك الأمر بالنسبة للمخاطر. باختصار في عالم مفتوح بعضه على البعض الآخر لا يمكن السماح بنظم مغلقة ولا بتطبيق معايير سياسية متناقضة، حتى لو حصل ذلك على يد دول كبرى. وهذا ما يدفع بشكل متزايد في اتجاه مجانسة أعمق للنظم والقيم والمعايير الحضارية معا.

2) ) حركة النقد الفكري الواسعة التي نشأت في سياق تحلل الايديولوجيات الشمولية العالمية وطبعاتها المحلية المجسدة في الايديولوجيات القوموية والاشتراكوية التي انتشرت بسرعة في المجتمعات النامية بعد الاستقلال وأصبحت الموجه النظري للنخب السياسية السائدة فيها، تلك الممسكة بزمام الحكم والنخب المعارضة لها أيضا. وفي هذا السياق لا نبالغ إذا قلنا إن ما نشهده في العالم العربي اليوم هو اكتساح حقيقي من قبل الفكرة الديمقراطية للفضاء الايديولوجي السياسي العربي بأكمله وعودة الاهتمام إلى مصطلحات المواطنية والحرية والمشاركة السياسية والعلمانية والفردية وكل ما ارتبط بفلسفة الليبرالية والديمقراطية عموما من مفاهيم ونظريات.

3) يقظة المجتمعات المدنية في البلدان التي بقيت مهمشة أو بعيدة عن دورة التحولات السياسية الديمقراطية التي شهدتها الدول الصناعية في العقود الماضية. وهي يقظة مستمرة ومتصاعدة تحت التأثير المزدوج لتفكك النظم الاستبدادية من جهة وتزايد الاندماج العالمي على مستوى الإعلام وتبادل المعلومات والتعامل مع الانترنت.

لكن في مواجهة هذا الاحتمال هناك عوامل أخرى تحد من تأثير هذه العناصر الجديدة أو المجددة في الحركة السياسية للمجتمعات العربية وتشجع على أن يكون التعفن أو الانهيار والفوضى مخرجا محتملا لأزمة النظام.

1) في مقدمة هذه العوامل خصوصية الوضع الجيوسياسي للمنطقة الذي يجعل الدول الصناعية الديمقراطية تتردد كثيرا في الرهان على قوى التغيير الايجابي أو الديمقراطي في العالم العربي. فهناك من جهة أولى المصالح الكبرى النفطية والأمنية التي تمنع هذه الدول من أن تسلم بسيادة الشعوب على مصيرها في منطقة تتحكم من خلال موقعها الاستراتيجي وحجم احتياطات الطاقة التي تعتمد عليها الصناعة العالمية بمصير الاقتصاد العالمي. وهناك من جهة ثانية المخاوف التي نمت خلال عقود طويلة من التجربة السلبية والصراعات التاريخية من أن لا تكون نتيجة التحولات الديمقراطية في البلاد العربية سوى تزايد سيطرة المعادين للغرب من منطلقات قومية أو دينية. ومما يعزز من هذه المخاوف بروز حركات العنف الاسلامي بشكل واسع في العقود الماضية وتعرضها بصورة مباشرة ومتكررة للمصالح الغربية. وهذا ما يدفع المنظومة الديمقراطية الدولية إلى التريث كثيرا في دعم المخرج الديمقراطي لأزمة النظم التسلطية والمراهنة بشكل أكبر على إصلاح الأنظمة التسلطية أو تعديل أسلوب عملها حتى تضمن استمرار السيطرة على الأوضاع من جهة وعدم السماح للحركات المعادية للغرب من تعزيز أقدامها في الفضاءات السياسية الديمقراطية الجديدة من جهة ثانية.

2) الخراب الشامل للمجتمعات وتكسير هياكلها ومؤسساتها وتذريرها نتيجة تعميم الفساد وتحويله إلى حالة طبيعية واحتواء حركات المجتمع وتنظيماته السياسية والنقابية والأهلية والتلاعب بها من قبل أجهزة السلطة الأوحدية وميليشياتها الحزبية والطائفية. وتشويه بنية الوعي نفسه على مستوى الفرد والجماعة معا خلال عقود طويلة من سيطرة الفكر الايديولوجي القومي والديني القائم على شحن العصبية الجمعية لا على بناء الوعي السياسي وكذلك إغلاق الفضاء الثقافي أمام حركة التفاعل الفكرية وكبت الحريات الخاصة وتولي السلطة السياسية عملية التفكير والتعليم والتلقين والتربية والتوجيه في كل ميادين الحياة.

3) ضعف القوى الديمقراطية العربية على الصعيدين النظري والعملي. فهي قوى طارئة على ساحة ما تزال لم تتحدد معالمها بعد. وتجد صعوبة كبيرة في التعرف على نفسها وبناء رؤية متسقة ومتماسكة تؤطر ممارستها وتوجهها، وكذلك في بلورة استراتيجية ناجعة مستقلة تتيح لها التقدم من خلال تعبئة الرأي العام وتنظيمه وتجنبها الوقوع في الأفخاخ التي تنصبها لها أجهزة النظم المتهاوية وتدخلات القوى الخارجية في الوقت نفسه.

لا أعتقد أن أحدا من الأطراف المتنازعة الداخلية والخارجية له مصلحة بمخرج الفوضى. وهو ليس مخرجا بالأصل وإنما هو تعبير عن إخفاق عملية التحول أو الانتقال الديمقراطي نفسها. باختصار إن الفوضى ليست خيارا ولا يمكن أن تكونه إلا لبعض القوى الهامشية التي لا مستقبل لها في أي احتمال. كما أن استمرار الأزمة مع ما يعنيه ذلك من التفسخ المتزايد للنظم وتصاعد روائح فسادها وعواقب تخبط سياساتها المدمرة للمجتمعات، ليس خيارا نهائيا لأي طرف من هذه الأطراف. إن استمرار الأزمة هو تعبير عن الفشل في عملية الإقلاع الديمقراطي تماما كما أن الفوضى هي تعبير عن الفشل في عملية الهبوط والانتقال. لذلك أعتقد أن ما ينبغي التركيز عليه هو الشروط الضرورية لكسب معركة الديمقراطية. فليس هناك خيار آخر للمجتمعات العربية للخروج من الأزمة الشاملة التي تتخبط فيها اليوم سوى بالنجاح في الانتقال نحو نظم ديمقراطية تضمن مشاركة المجتمع في إدارة وقيادة نفسه وتعيد لجميع أفراده، من خلال احترام مباديء الحق والقانون والحرية والعدالة التي تضمنها، ثقتهم بأنفسهم وبالنخب التي تمثلهم وتبث فيهم الأمل وتغذي روح العمل والتعاون في سبيل تحسين شروط حياتهم ومستقلهم.

والسؤال : كيف يمكن تعزيز عوامل الخروج من الأزمة من باب التحول في اتجاه الديمقراطية والتقليل من مخاطر انفتاح التغيير على الفوضى والنزاعات الأهلية؟
أعتقد أن النجاح في معركة التحويل الديمقراطي للنظم القائمة المتهاوية يستدعي العمل على تلبية بعض الشروط الأساسية السياسية والجيوسياسية والايديولوجية منها:
1) توحيد صفوف القوى الديمقراطية المتباينة : من حركات سياسية وأحزاب وهيئات مجتمع مدني ومجموعات المثقفين الناشطين والمنخرطين في العمل العام.
2) تأمين حركة تضامن عالمية واسعة مع الحركة الديمقراطية العربية وتحطيم حواجز الخوف التي تحيط بالمجتمعات وتدفع الرأي العام الدولي أو قطاعات كبيرة منه إلى الشك في قدرتها على الانخراط في عملية تحويل ديمقراطي حقيقية وناجعة.
3) إحباط الألغام الايديولوجية الكثيرة التي تتركها الحزازات القديمة وسوء الفهم والتنافس الطبيعي بين الجماعات والأشخاص وتباين الخيارات الفلسفية والمذاهب الدينية في سبيل الوصول إلى تفاهم وطني راسخ وتعزيزالتفاعل بين تيارات الرأي وقوى الحركة الديمقراطية المتعددة، وتحرير الوعي العام والفردي معا من خطر منطق الثنائيات المحبطة والمواجهات المستنفدة للطاقة والتي لا مخرج منها بين الاسلام والعلمانية والليبرالية والديمقراطية والوطنية والعالمية والداخل والخارج والمحلي والأجنبي. فلا ينبغي أن نسمح للإشكاليات القديمة أو الآتية من تاريخ الصراعات القديمة أن تقتل الإشكاليات الجديدة أو تقطع الطريق على ولادة إشكالية ديمقراطية تشمل الجميع وتفتح الباب أمام تفاعل جميع تيارات الفكر وأصحاب المصالح والقوى الحية في المجتمعات العربية..

jeudi, septembre 08, 2005

حول الأزمة السياسية العربية : مقابلة صحيفة الخبر الجزائرية

الخميس 8 سبتمبر 2005
لقاء أجراه محمد إسماعيل
رئيس القسم الدولي
جريدة الخبر الجزائرية

- منذ أيام تقدم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بمبادرة من أجل حل شامل للعنف في الجزائر، برأيك إلى أي مدى ستساهم أفكار الرئيس في حل الأزمة؟.

غليون:
مفهوم المصالحة الوطنية يعني في السياق الراهن طي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة. ولذلك فهو يختلط بمفهوم التسامح المتبادل والعفو عما مضى بما في ذلك عن الجرائم التي أقدمت عليها جميع الأطراف المتنازعة. والعادة أن الأطراف الضعيفة في المعادلة هي التي تطرح شعار المصالحة التي تضمن لها العودة إلى حالة القانون الذي انتهكته القوة بالرغم مما يعنيه ذلك من تنازلات عن مبدء تطبيق القانون. والطرف الضعيف هنا هو الدولة أو السلطة العمومية التي كانت ضحية أطراف النزاع. وهو يشكل اعترافا منها بافتقارها للقوة والوسائل التي تسمح لها بتطبيق القانون على الطرفين المتنازعين. وأنا لا أرى في المبادرة حلا للأزمة العميقة الايديولوجية والثقافية التي تعصف بالمجتمع الجزائري مثله مثل جميع المجتمعات العربية بقدر ما أرى فيها محاولة من قبل الدولة التي أضعفتها الحرب الداخلية لاستعادة موقعها وتعزيز موقفها تجاه الأطراف الاجتماعية. فالدولة تتخلى هنا عن حقها في تطبيق القانون على منتهكيه لقاء قبول هؤلاء بالخضوع من جديد للدولة والتسليم لها وبالتالي للقانون ولفظ اللجوء ثانية للعنف وبالتالي الخروج من منطق الحرب والنزاع الذي همش الدولة وكاد يطيح بمفهومها. وشرعية هذه المبادرة مرتبطة بمدى اعتقاد المرء بأن الجزائر لم تخرج تماما بعد من حال الانقسام الفكري والثقافي بالفعل وأنها لا تزال غير قادرة على مواجهة الحقيقة المرة للعنف ومقاضاة من لجأ إليه. وأن مثل هذه المقاضاة يمكن أن تهدد من جديد الاستقرار النسبي للبلاد. وأنا أميل إلى الاعتقاد، حسب ما لدي من معطيات وهي قليلة على كل حال بأنه لم ينضج الوضع بما فيه الكفاية حتى يمكن للرأي العام الجزائري أن ينظر إلى ما حدث بموضوعية وتجرد ويقبل بتطبيق معايير واحدة للمحاسبة ويتجاوز التحيز لهذا الفريق أو ذاك حسب التيار الذي ينتمي إليه. فبالرغم من التراجع الكبير في حدة النزاع السياسي والايديولوجي الذي أدخل البلاد في أزمة إلا أن أسبابه العميقة الكامنة في اختلال المرجعية والانقسام على الذات لم تختف تماما، ولا تزال الانسدادات والاختناقات التي دفعت إلى الانقسام والنزاع الأهليين موجودة على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. ولا تستطيع المبادرات القانونية تصفية القلوب ما لم تنجح السياسات العملية مسبقا في معالجة التناقضات والمشكلات التي كمنت وراء العنف.

- برأيكم هل يمكن حل الأزمة بعفو شامل و دون محاكمة الأطراف التي كانت سببا للأزمة، إن كان من السلطة، أو من الطرف الآخر؟

غليون:
غليون: المعنى السياسي العميق لهذه المبادرة هو قطع الطريق على أي ملاحقات قضائية يمكن أن تطال في المستقبل أولئك الذين ارتكبوا جرائم بحق الآخرين وتجاه الحق العام معا من جميع الأطراف التي شاركت في الحرب الداخلية، سواء تعلق الأمر بمسؤولين سابقين في الطرف الرسمي أو في الطرف الأهلي. وتأمل السلطة من مثل هذه المبادرة تحقيق عودة سريعة إلى الوضع الطبيعي وإزالة المخاوف المتبادلة وتعزيز الشعور بالاستقرار. ومن حيث المبدأ ليس هناك ما يمنع أي قيادة سياسية من اقتراح ما تعتقد أنه يمكن أن يشكل تصفية لذيول حرب داخلية تركت جراحا عميقة لدى الجميع. ولا يقلل من قيمة هذا الاقتراح مخالفته لمبدأ تطبيق القانون، ذلك أن الأمر يتعلق بما هو أبعد من القانون وبما يتحكم بوجود القانون نفسه، أي برهان السياسة التي تهدف، في ما وراء القانون وبفضله، إلى بناء الجماعة الوطنية أو إعادة توحيد إرادتها المشتتة. والقيادة السياسية الذكية هي التي تستطيع أن تدرك الحاجات العميقة للمجتمعات وتتفاعل معها وتطرح المبادرات المناسبة أو المطلوبة في الظرف المناسب لتخلص المجتمعات من الديون التاريخية القديمة وتعيد إطلاق دينامية التضامن والتعاون والتواصل بين أفراد المجتمع الواحد. المهم أن تلقى هذه المبادرات قبولا شعبيا وأن تهدف بالفعل إلى قلب صفحة الماضي واستئناف حقبة جديدة من التعاون بين أبناء الوطن الواحد. إذا كانت أغلبية الجزائرين مستعدة نفسيا وسياسيا اليوم لتبادل الصفح والعفو عما مضى والتنازل عن حقوقها القانونية في سبيل ضمان مستقبل الجزائر السياسي وإعادة بناء الحياة الوطنية على أسس التعاون والأخوة المتجددة فلا ضير في ذلك في نظري. فلا يمكن الخروج من الحروب والانشقاقات الخطيرة بالوسائل التقنية والقانونية فحسب وإنما لا بد من مبادرات جريئة تساعد على بعث الروح الوطنية وإحيائها.

- بعد إطلاق سراح سجين سياسي أنهى حكمه، هل يمكن فرض شروط عليه بعدم ممارسة أي عمل سياسي بعد ،ما رأيكم بذلك؟

غليون:
لا أدري عمن تتحدث ولكن أميل إلى الاعتقاد بما تقول به. ينبغي أن يسترجع الفرد الذي يمضي سنوات عقوبته جميع حقوقه، إلا أذا كان الحرمان من الحقوق المدنية لفترة معينة جزءا من هذه العقوبة على شرط أن لا تتعلق هذه العقوبة بجريمة سياسية بالطبع.

- برأيكم ما مستقبل الحركة الإسلامية في الجزائر؟

غليون:
مستقبل الحركة الاسلامية مطروح اليوم في البلاد العربية جميعا وفي العالم. فالانتشار الواسع للعنف ومشاركة بعض الحركات الاسلاموية في مواجهات دموية مع الأنظمة قد وضعت الأحزاب الاسلامية وأفكارها جميعا أمام تحد كبير. وهي مضطرة في اعتقادي إلى أن تقوم بمبادرة قوية لتغيير صورتها واستعادة صدقيتها لا بل شرعيتها إذا أرادت أن تحتفظ بدور لها في صنع المستقبل الوطني في أكثر من بلد. وتستدعي هذه المبادرة حسم بعض المسائل الأساسية الفكرية والسياسية. ومن هذه المسائل الفصل النهائي بين البعد الديني والبعد الزمني في عقائد الأحزاب هذه وبرامجها، بل الانتقال من أحزاب عقائدية شبه دينية إلى أحزاب سياسية تعتمد في جذب الولاء لها على طبيعة برامجها الاجتماعية والسياسية والثقافية ولا تجد أي غضاضة في أن تتعرض برامجها للنقد، ولا تخلط بين حكم الله وحكم الأفراد. أي عليها أن تفصل على مستوى العقيدة بين حكمها هي وحكم الله وأن تقبل وتعلن بأن حكمها لا يترجم حكم الله أو أنه لا يستمد شرعيته من الاستجابة للآية الكريمة التي يستشهد بها كثيرا بعض الاسلاميين وهي "ومن لا يحكم بما أنزل الله"، وإنما من تأييد الناس لما يقومون به من أعمال وما يطبقونه من برامج تساعد على إصلاح شروط حياة مجتمعات المسلمين. وعلى الرأي العام أن يقرر، وهذا حقه الطبيعي، في ما إذا كانت هذه البرامج تستجيب لحاجات المجتمع أم لا وتتماشى مع أحكام الاسلام وقيمه أم لا. وهذا يفترض ثانيا أن تختار الحركات الاسلامية بين طريقين : طريق العمل السياسي الذي يهدف إلى رعاية شؤون المجتمع على الأرض وتحسين أوضاعه المادية والثقافية بالوسائل التي تتيحها السياسة والسلطة السياسية، وتقبل بالتالي بأن تحكم باسم المجتمع ككل وكممثلة عنه ولخدمته جميعا بما فيه من مؤمنين صالحين وغير صالحين طالما أنها تقبل بأن تستمد شرعية حكمها منه وحده، وطريق العمل الديني الذي يهدف إلى نشر العقيدة بوسائل العمل الديني المعروفة وفي سبيل دفع الأفراد إلى الفضيلة والعمل الصالح الذي يعدهم لملاقاة خالقهم بوجه سعيد. فالخيار الأول يفرض عليها أن تتمثل قواعد عمل الدولة وممارسة السلطة في نظم تشكل حرية الرأي والتعبير فيها والمساواة بين الأفراد بصرف النظر عن عقائدهم شرطا لبقائها وعملها وتحليها بالطابع الوطني العمومي، بينما يستدعي حمل مهمة الهداية الدينية التحلي بخصائص أخرى مختلفة تماما وفي مقدمها الفهم الصحيح للدين والقدرة على الحوار والجدل والتفاهم مع أصحاب التأويلات الدينية الآخرين وفي مقدمهم السلطات الدينية المرجعية أو المعترف بها عموما.
ومن دون ذلك ستظل الحركة الاسلامية في الجزائر وفي بقية البلاد العربية في حالة صراع وتنازع مع تيارات الفكر والسياسة الأخرى وتصبح أكثر مما هي عليه اليوم مثار الاختلاف والنزاع عند الرأي العام العربي والاسلامي.

-خلال زيارتكم إلى الجزائر، قلتم عن وجود مافيا تحكم سوريا، هل هذه الفكرة لا زالت موجودة؟

غليون:
هذا هو أبسط جانب من الأزمة. فالوضع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. هناك المافيات من دون شك كما هو الحال في العديد من البلاد العربية وغير العربية الأخرى. لكن هناك أكثر من ذلك الجمود العميق في النظام وتفاقم اعتماده في سبيل البقاء والاستمرار على هيمنة القوى الأمنية الشاملة وإلغاء أي حياة سياسية، بل عمومية. وهناك أيضا الانقطاع المريع لسبل التواصل والحوار بين المجتمع والسلطة وليس بين السلطة والمعارضة فحسب إضافة إلى تخبط السياسات الخارجية. لكن ما هو أهم من ذلك كله هو الضغوط الأمريكية والأوروبية الاستثنائية التي تواجهها البلاد وهي في هذه الحالة الخطيرة من التأزم السياسي والاجتماعي والثقافي، والتهديدات الكبرى التي توجه إليها في إطار إعلان عزم الدول الأطلسية الصريح على تغيير النظام من ضمن أهداف إعادة هيكلة الشرق الاوسط بأكمله. كل ذلك يقود البلاد نحو أوضاع معقدة تتداخل فيها الازمة الداخلية مع الأزمة الخارجية ولا يبدو أن في الأفق ما يشير إلى إمكانية الخروج منها بسلام. فلا النظام يملك القدرة على مواجهتها ولا المعارضة على درجة من النضج لأخذ المبادرة ولا الدول الكبرى التي تعاني من تحديات كبيرة في الشرق الأوسط، وفي مقدمها الولايات المتحدة التي تتهددها الهزيمة العسكرية في العراق، مهتمة فعلا بمستقبل سورية أو مستعدة لأخذ مصالح الشعب السوري، ولو في الحدود الدنيا، في الحساب. إن الكل يتصرف في نظري في حالة من الانعدام المؤلم والمجرم معا للمسؤولية السياسية والأخلاقية.

- كيف ترى مستقبل العلاقات بين لبنان و سوريا، و هل تعتقد أن سوريا لها يد في تفجير الوضع اللبناني؟

غليون:
ليس لسورية كسورية يد في تفجير الوضع اللبناني إنما للأجهزة الأمنية السورية اللبنانية التي كانت بالفعل واحدة وتدربت في مدرسة واحدة وخضعت لقيادة واحدة يد في دفع الأوضاع اللبنانية والسورية معا إلى شفير الهاوية. وإذا تأكدت الشكوك التي يثيرها اعتقال قادة الأمن اللبنانيين القريبين المحسوبين على النظام السوري بطلب من رئيس لجنة التحقيق لدولية ميليس فليس هناك شك في أن المنظمة الدولية ستلقى على دمشق القسم الاكبر من المسؤولية في ما حصل في لبنان من اغتيالات وتفجيرات أدينت في حينه من عموم المجموعة الدولية.
باختصار لن يكون للعلاقات السورية مستقبل من دون تغيير طبيعة الأنظمة القائمة في البلدين والعودة نحو أنظمة حكم طبيعية تستمد شرعيتها من المجتمع وتعترف بسيادته وتذعن لإرادته التي يعبر عنها في انتخابات حرة ونزيهة. من دون ذلك لن يكون هناك أي استقرار ممكن لا داخل البلد الواحد نفسه ولا في العلاقات بين البلدان لأن الالتفاف على إرادة السكان سوف يدفع الأنظمة بشكل حتمي إلى تفجير النزاعات الداخلية والعابرة للدول للتغطية على انعدام الشرعية وإخضاع الشعب لإرادة النخب الحاكمة ومصالحها باسم الوحدة الوطنية في مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين. من دون التحول نحو أنظمة ديمقراطية ستبقى المنطقة والحدود السورية اللبنانية ساحة للعنف والتخريب المتبادل.

- برأيكم من يحكم الآن في العالم العربي، المافيات، أم زمر من العائلة و المنتفعين؟

غليون:
الذي يحكم في العالم العربي هو تحالف من المافيات وأجهزة الأمن التي تحوز على قسط كبير من الاستقلالية تجاه السلطة السياسية نفسها وتكاد تقرر هي نفسها في السياسات الداخلية وتعين المسؤولين السياسيين على مختلف درجاتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.هناك بالتأكيد فئات عديدة أخرى من المنتفعين. لكن هؤلاء لا يستطيعون كأفراد أو مجموعات صغيرة الإمساك بالحكم أو السيطرة على المجتمع. الأجهزة هي الطرف الأقوى في هذا التحالف لأن عليها يتوقف تحييد المجتمع بأكمله وإرهابه وإخضاعه لإرادة الغالبين. وفي بعض البلدان العربية من الصعب أن نتحدث عن أوضاع سياسية. إن ما هو قائم هو عملية اختطاف حقيقي من قبل مجموعات المصالح المسلحة والميليشيات المرتبطة بها لبلدان بأكملها وتسخير شعوب كاملة أيضا لخدمتها.

- لماذا نجح الإسلاميون، في المكان الذي فشل فيه القوميون؟

غليون:
لا أعتقد أن الاسلاميين قد نجحوا في تحقيق أي مهمة من المهام التي كان القوميون قد وضعوا على عاتقهم مسؤولية تحقيقها، لا في الوحدة ولا في الحرية ولا في العدالة الاجتماعية.
لعلك تعني بالنجاح الحصول على الشعبية والنفوذ. لكن القوميين أيضا كانوا أصحاب شعبية ونفوذ في وقتهم ولم يحققوا شيئا من الأهداف التي نذروا أنفسهم لها. ولو ترك الاسلاميون في الحكم لما كان نصيبهم من النجاح أفضل من القوميين. فهم متشابهون كثيرا في الطبيعة الشعبوية التي تعتمد التعبئة العاطفية والنظم الشمولية وتنأى عن التفكير الواقعي والعقلانية السياسية. وقد زادت شعبية الاسلاميين في العالم العربي بسبب معارضتهم القوية للنظم القائمة لا بسبب مقترحاتهم وبرامجهم الضبابية. ثم تحولوا إلى بعبع لأنهم أبعدوا عن الحكم بطرق غير شرعية فصار الجمهور ينظر إليهم كما لو كانوا الخصم الوحيد الحقيقي لنظم استبدادية جاهلة وأمية لا تستمر إلا بتدمير النسيج الوطني والتفاهم مع القوى الكبرى. وحين جربوا حظهم في بعض البلدان كأفغانستان والسودان كانت النتائج حروبا داخلية مستمرة وانشقاقات لا حدود لها. الاسلاميون ليسوا نقيض القوميين وإنما هم ذاتهم لكن بلبوس قديمة دينية وبروح انتقامية.

- هل تعتقد أن العراق سيكون دولة إسلامية شيعية؟

غليون:
لا أعتقد أن أي طائفة أو قومية قادرة على أن تخضع العراق لسسيطرتها الأحادية اللهم إلا إذا فرط العراق كدولة واحدة واستقلت كل من مكوناته الرئيسية الثلاث الكردية والسنية والشيعية العربية بدولها المستقلة. وهذا الاحتمال مستبعد أيضا حتى اليوم في نظري. إن الاحتمال الاكبر هو أن تستمر الحرب الراهنة المزدوجة الطبيعة: أي كحرب أهلية ووطنية معا إلى أن يمكن التوصل إلى توازن مستقر جديد بين الأطراف الثلاثة. سيكون للشيعة ربما الموقع الذي احتله السنة منذ تأسيس العراق الحديث، أي موقع المجموعة الأغلبية التي تفرض مناخها العام في البلاد. لكن لن يكون بمقدور أي نظام البقاء مع استبعاد مكون من وزن المجموعة السنية أو حتى من دون إرضائها. وليس هناك ما يجعل التفاهم بينهما مستحيلا إذا ما عرفنا أن الشيعة والسنة في العراق ينتمون في الغالب إلى عشائر عربية واحدة، أي أنهم يختلفون في المذهب لكنهم يلتقون أيضا في القرابات الثقافية. وربما أصبح البعض يتحدث بشكل أكبر عن الخطر الشيعي في العراق بعد نجاح نجاد أحمدي والتيار المحافظ الايراني في طهران. لكن الايرانيين أثبتوا أنهم دبلوماسيون ماهرون وليس من مصلحتهم الاحتفاظ بعراق غير مستقر إذا كان بإمكانهم ضمان نفوذ قوي فيه. وهو ما سيحصلون عليه من دون عناء. وربما كانوا هم الطرف الأقوى الذي يستطيع أن يدفع شيعة العراق نحو الاعتدال بقدر ما يشكلون سندا خارجيا مطمئنا لهم.

- ما مستقبل العراق؟

غليون:
بالرغم من الأوضاع الكارثية التي يعيشها العراق اليوم لست متشائما بخصوص مستقبله. هناك سنوات صعبة بالتأكيد سوف تمر قبل أن يتحقق التوازن الداخلي الذي تحدثت عنه ويستتب الأمن وكذلك قبل أن تتبلور العلاقة مع الولايات المتحدة التي ستبقى قوة مؤثرة في الخليج. وسوف يختلف الوضع كثيرا حسب ما إذا اضطرت الولايات المتحدة لسحب قواتها من العراق في ما يشبه الهزيمة أو ما إذا نجحت في الانسحاب في إطار تفاهم سياسي يجنبها الهزيمة التي تلوح في الأفق اليوم مع احتمال أن يضطر الرئيس بوش إلى الخروج من العراق، قبل التوصل إلى وضع واضح لواشنطن فيه، تحت ضغط الرأي العام الأمريكي. وبالمثل لا نعرف تماما إلى أي مدى ستستطيع قوات المقاومة الاحتفاظ بهذه الوتيرة من العنف في منطقة شرق أوسطية تحاصر بشكل متزايد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها أيضا باسم الحرب على الارهاب.

- كيف تقيم المأزق الأمريكي في العراق، و هل تعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب من العراق؟

اعتقد أن الولايات المتحدة قد اقتنعت بأنها خسرت الحرب في العراق. السؤال المطروح عليها هو كيف تخرج بنفسها من الورطة العراقية من دون هزيمة سياسية. وهذا يحدده الرأي العام الأمريكي وحده الذي يستطيع إذا زاد من ضغوطه في الأشهر القادمة لسحب القوات الأمريكية أن يخزل الرئيس بوش ويضعه في مأزق حقيقي. ولذلك من مصلحة الرئيس الأمريكي السعي إلى حسم الوضع بأسرع مما هو قائم الآن في اتجاه استقرار نسبي في العراق يمكنه من أن يسحب قواته من دون أن يتخذ هذا الانسحاب معنى الهزيمة والهرب من المواجهة، أو من دون أن يعقبه انتصار مدو لجماعات المقاومة العراقية الاسلامية والبعثية. وهذا الوضع الحرج هو الذي يفسر الضغوط القوية التي يمارسها البيت الأبيض على سورية للتعاون الواسع في لجم حركة المقاومة. وربما دفع بالرئيس بوش إلى اتخاذ إجراءات جديدة أكثر قسوة لزعزعة النظام السوري المتهم بدعم المقاومة بصورة غير علنية.

كيف تُقيم المقاومة في العراق؟

غليون:
هناك في داخل المقاومة العراقية في الواقع مقاومات. مقاومة السنة عموما في ما يشبه المقاطعة السياسية للوضع الجديد الذي نشأ بعد انهيار النظام السابق. وهي مقاطعة تتخذ أشكالا مختلفة من السلبية تجاه ما يفرزه أو يبادر إليه هذا الوضع، كان آخرها الدعوة إلى عدم التصويت على الدستور الجديد. وهناك مقاومة النخب القوموية السنية التي كانت مستفيد بصورة أو أخرى من النظام البعثي على حساب النخب المهمشة الأخرى. وهناك مقاومة من لجأ إلى المقاومة المسلحة من بقايا الأجهزة العسكرية والأمنية البعثية السابقة، وهناك أخيرا المقاومة التي تمثلها الحركات الجهادية التي جعلت من العراق ساحة للمعركة العالمية التي تخوضها ضد الغرب كما خاضتها من قبل في أفغانستان وغيره. ولكل منها أجندته الخاصة بالرغم من أنها تتقاطع أحيانا في بعض المواقع والمبادرات.
إن المعضلة الاستراتيجية للمقاومة المسلحة التي تجمع جماعات البعث السابق والجماعات الجهادية هي أنها أمام طريق مسدود في الواقع بسبب انحصارها في المثلث السني. إذ حتى لو انتصرت على القوات الأمريكية أو أجبرتها على الفرار فلن تضمن سيطرتها على العراق وإنما ستجد نفسها أمام احتمال حرب أهلية عنيفة في مواجهة الشيعة والأكراد معا. وهم قوة لا يستهان بها. وفي هذه الحالة سوف تنفصل الأجندات أو البرامج المختلفة العسكرية والسياسية التي تبدو اليوم متقاطعة للمقاومات التي تحدثت عنها. فبينما ستجد الأغلبية من السنة أن ليس لها مصلحة في الدخول في الحرب الأهلية التي لن تقدم لها شيئا، سوف تعتبر الحركات الجهادية انهيار المواقع الأمريكية في العراق فرصتها التاريخية من أجل الاستمرار في الضغط وانتزاع المبادرة لزعزعة جميع دول الخليج النفطية. وربما انفجر الصراع داخل المنقطة السنية نفسها.
وفي اعتقادي أن جزءا كبيرا من المسؤولية في استمرار الأزمة العراقية الراهن يعود إلى سلوك الطرفين الشيعي والكردي الذين تصرفا، بوحي أو دعم من الإدارة الأمريكية الجاهلة سياسيا، وكأنهما الرابحين، وتبنيا أسلوبا لبناء عراق ما بعد صدام يقوم على قواعد القسمة الطائفية والإتنية بدل أن يستند إلى مباديء الوطنية الواحدة ويتجاوز الحساسيات والانقسامات العصبوية. ولن يمكن الخروج من الأزمة من دون تغيير هذا المنحى التقاسمي في معالجة الوضع والعودة إلى نظام الوطنية والمواطنية الفردية الواحدة الذي يتعامل مع جميع العراقين على قدم المساواة وبوصفهم أفرادا أحرارا لا أرقام في هويات طائفية ثابتة ومتنافسة على المناصب والمواقع والامتيازات. على أساس منطق توزيع الامتيازات وتقاسم المنافع لا أعتقد أن من الممكن ايجاد أي حل لنزاعات العراق الراهنة.

- هل برأيكم ما جرى في غزة انسحاب أم تحرير؟

غليون:
لم يعد للكلمات معاني المصطلحات الدقيقة في الواقع لأن الأوضاع والوقائع نفسها أصبحت ملتبسة. فمن جهة يشكل انسحاب القوات الاسرائيلية من غزة اعترافا اسرائيليا بإخفاق مزدوج : إخفاق مشروع الاستيطان في تلك المنطقة وإخفاق عملية إخضاع الشعب الفلسطيني بالعنف والدمار. ومن هذه الناحية لا يمكن عدم اعتبار عودة غزة إلى الفلسطينيين تحريرا لجزء من فلسطين من براثن الاحتلال وتعزيزا لموقع السلطة الوطنية الفلسطينية التي عاشت سنوات طويلة عائمة في فراغ الاحتلال. لكن من جهة أخرى، ليس هناك شك في أن إسرائيل سوف تسعى إلى استغلال ما يبدو لدى الرأي العام الدولي وكأنه اعتدال وقبول بتنازلات جوهرية من طرفها لصالح الفلسطينيين وقضية السلام في المنطقة كي تحقق هدفين إضافيين: الخروج من العزلة الدولية التي واجهتها بسبب سياساتها الاستعمارية الفظة والحصول على ما يشبه السكوت العالمي عن توسيع دائرة الاستيطان في الضفة الغربية وحول القدس على أمل أن تجعل من غزة الفضاء الوحيد أو الرئيسي للدولة الفلسطينية القادمة وتلحق باسرائيل القسم الأكبر من أراض الضفة الغربية. المهم بالنسبة لنا اليوم أن لا تنجح إسرائيل في أن تجعل من الانسحاب الاسرائيلي من غزة الثمن لإنهاء المقاومة الفلسطينية في الضفة والقدس كما تخطط. أي إن ما هو مهم هو استمرار المقاومة في الضفة حتى يتحقق الإنسحاب الإسرائيلي المطلوب منها وتزال المستعمرات أو القسم الاكبر منها. وهذا يتطلب وحدة المقاومة الفلسطينية وتماسكها من جهة ودعم عربي حقيقي دبلوماسي وسياسي ومادي للشعب الفلسطيني من جهة أخرى كي لا يتحول إنسحاب غزة إلى آخر إنسحاب لاسرائيل من الأراضي المحتلة.

- إدوارد سعيد وصف السلطة الفلسطينية بالمافيا، برأيك هل ستستطيع السلطة الفلسطينية بناء وضع بعيد عن الفساد و المحسوبية؟
غليون:
هذا أمل الشعب الفلسطيني وأملنا جميعا. ولا أعتقد أن الفساد حتمية أو لازمة سياسية لأي نظام عربي. خاصة وأن السلطة الفلسطينية سلطة منتخبة وخاضعة للمحاسبة. وسوف تزيد هذه المحاسبة بعد انسحاب إسرائيل.

- كيف ترى مستقبل الوضع الفلسطيني، وهل ما جرى هو آخر الانسحابات الإسرائيلية؟

غليون:
أراه وضعا متأرجحا، مثله مثل جميع الأوضاع العربية في المشرق. فهو متقلب وغير أكيد لأن العرب في فلسطين وغيرها قد فقدوا السيطرة على مصيرهم وأصبح مستقبلهم متعلق إلى حد كبير بعوامل ليست تحت سيطرتهم. لكن المهم الاستمرار في المقاومة وعدم الانخداع بالوعود والكلمات المعسولة. الانسحاب من الضفة الغربية لن يحصل إلا إذا استمرت المقاومة الفلسطينية ونجح الفلسطينيون، بدعم العرب والقوى الديمقراطية الدولية، في القضاء على السكوت العالمي على الاستيطان اليهودي في الأراضي المحتلة

mercredi, septembre 07, 2005

السلطة الرابعة على العربية فشل القيادة الأمريكية

اسم البرنامج: السلطة الرابعةمقدم الحلقة: جيزال حبيب أبو جودةتاريخ الحلقة: الاثنين 5/9/2005
ضيف الحلقة: برهان غليون (بروفيسور في علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون)
جيزال حبيب أبو جودة: أسعد الله مساءكم, أهلاً ومرحباً بكم مشاهدينا الكرام برفقة شاشة العربية ومع حلقة جديدة من برنامج السلطة الرابعة، أبرز العناوين لهذا اليوم:- في الواشنطن بوست: الغضب الشعبي الأميركي بدأ قبل إعصار كاترينا بكثير.- والانسحاب الإسرائيلي من غزة يوجد فرصاً سياسية جديدة للفلسطينيين. جيزال حبيب أبو جودة: نبدأ حلقتنا بجولة على أبرز العناوين التي تصدّرت الصحف الغربية اليوم، ونبدأها باستعراض الصحف الأميركية:- النيويورك تايمز: الـ نيو أورلينز تبدأ بالبحث عن قتلاها.- الواشنطن تايمز: بدأ الإحصاء البشع لعدد ضحايا كاترينا.- الواشنطن بوست: الـ نيو أولينز تكثف من عمليات الإجلاء.- انترناشيونال هيرالد تريبيون: بحث مروع عن آلاف القتلى.وبالنسبة إلى عناوين الصحف البريطانية فجاءت كالتالي:- ذا اندبندت: نيو اولينز مدينة أشباح.- ذا تايمز: بريطانيون شهدوا إعصار كاترينا يروون قصصهم المأسوية.- ذا جارديان: نيو اولينز خاوية محطمة ويائسة.قبل أن نبدأ مشاهدينا الكرام باستعراض مفصل لأبرز الموضوعات التي ركزت عليها الصحافة الغربية من منظار واسع وتحليلي، ننتقل إلى ضيفنا في باريس البروفيسور برهان غليون بروفيسور في علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون،بداية أهلا بك بروفيسور يعني نلاحظ هناك موضوعان طغيا على معظم الصحف الفرنسية, أولاً الإشاعات التي تحيط بمرض الرئيس شيراك، وثانياً سلسلة الحرائق في عمارات يسكنها أفارقة في باريس، كيف تعاملت الصحف الفرنسية مع هذين الحدثين؟برهان غليون: يعني حسب ما أشارت الصحافة الفرنسية جميعاً فيما يتعلق بالموضوع الأول مرض الرئيس يبدو أن الأمور يعني كانت تحاول أن تعطي ثقة للفرنسيين أنه ليس لهذا المرض قيمة كبيرة, إنه شيء خفيف وسيشفى منه الرئيس بسهولة, وإنما ركزت في هذا السياق يعني ركزت بهذه المناسبة على المعركة الانتخابية الرئاسية التي انطلقت بسب هذا المرض بين مرشحين محتملين كبيرين هما رئيس الوزراء دوفيلبان, ووزير الداخلية ساركوزي ركزت على هذه المعركة أكثر مماركزت بالحقيقة على مرض الرئيس نفسه باعتبار أن هذا المرض يمكن مهما كان ضعيفاً أو قليل الأهمية يمكن أن يدفع شيراك إلى عدم السعي إلى ولاية جديدة للرئاسة، وبالتالي يفتح معركة الرئاسة بين المرشحين القويين, هذا الموضوع الأساسي كان في الصحافة، فيما يتعلق بالموضوع الثاني الذي هو موضوع حرق بعض الأبراج أو بعض الأبنية التي يسكن فيها أناس فقراء والتي لا تلبي شروط السكن الصحيح لاشك أنها أثارت حزناً كبيراً وألماً كبيراً لدى الفرنسيين, خاصةً وأن الحكومة ومجموع الحكومات الفرنسية حاولت أن تظهر خلال السنوات الماضية أنها وجهت عناية خاصة لهذه الطبقة لهذه الفئة من المجتمع التي لا تملك شروط للحياة لإيجاد سكن جيد, وتبين أن هناك فعلاً مناطق لا تزال فيها أو فئات لا تزال تعيش في حالات سيئة جداً في شروط السكن.جيزال حبيب أبو جودة: يعني بروفيسور نلاحظ أيضاً أن هناك موضوعاً آخر طغى على الصحف الغربية اليوم وهو موضوع إعصار كاترينا، كيف تلقى الرأي العام الفرنسي والمشاهد الفرنسي بالخصوص تلك الصور عن البيوت المدمرة واللاجئين على الطرقات التي أتتنا من نيو اولينز؟برهان غليون: يعني أنا أعتقد أن صدى ما حصل ما رآه الرأي العام الفرنسي كما هو الحال بالنسبة للرأي العام الدولي أمام صور التلفزيون الآتية من لويزانا، هي الدهشة والاندهاش من أنه لا يزال في الولايات المتحدة الأميركية أمرين بالحقيقة, الأمر الأول: هذا التمييز العنصري الذي يتجسد تجسيداً كاملاً في أن 90 % إن لم أقل 100% من الذين أصيبوا بالكارثة كانوا من السود ومن السود الفقراء, وإذاً وكأننا لم نتقدم كثيراً بالرغم من مسيرة الحقوق المدنية منذ 40 عاماً, والأمر الثاني الذي أثار دهشة الفرنسيين هو فعلاً عجز أو هذا العجز الذي أظهرته الدولة الأميركية التي هي أكبر قوة في العالم وأغنى دولة في العالم في معالجة هذه المسألة، وفي تقديم النجدة السريعة لهؤلاء الذين يعانون من المشاكل بالآلاف أو بعشرات بالآلاف.جيزال حبيب أبو جودة: نعم, بروفيسور هذا الموضوع سنعود إليه بالتفصيل, ابق معنا لنا عودة إليك.

فشل القيادة في أمريكا
جيزال حبيب أبو جودة: تداعيات إعصار نيو اولينز استمرت في التفاعل على الساحة الأميركية مهددة إدارة الرئيس بوش بأيام لا تقل إزعاجاً عما عاناه سكان تلك المنطقة المنكوبة، بوب هوربرت في النيويورك تايمز حمّل الرئيس بوش وزر الفشل في التصدي لكارثة الإعصار وما تلاها من أعمال نهب وقتل وفوضى عمت المدينة، العنوان:- فشل القيادة.التعليق الصوتي:
لا وفاة رئيس المحكمة العليا ولا الجهود المحمومة التي يبذلها المستشارون السياسيون للبيت الأبيض قادرة على حجب خطأ الرئيس بوش الجسيم وفشله على مستوى القيادة، إن الإزعاج الكبير تحول إلى الألم الكبير
النيويورك تايمز
(لا وفاة رئيس المحكمة العليا ولا الجهود المحمومة التي يبذلها المستشارون السياسيون للبيت الأبيض قادرة على حجب خطأ الرئيس بوش الجسيم وفشله على مستوى القيادة، إن الإزعاج الكبير تحول إلى الألم الكبير، وكان فشل الرئيس بوش المدوي في التدخّل بقوة وسرعة لإنقاذ حياة الآلاف من الأميركيين حاضراً وتحت أعين العالم أجمع).جيزال حبيب أبو جودة: ولن يوفر الكاتب انتقاد بوش من خاصرته الرخوة متهماً إياه بالتقاعس عن نجدة الفقراء والسود.التعليق الصوتي: (لكن الرئيس بوش كان ليلاحظ الكارثة لو أن المصابين كانوا أغنياء وأصحاب بشرة بيضاء، إلا أنهم ليسوا كذلك بل هم فقراء ومن السود ومع ذلك لم تلاحظهم إدارة الرئيس بوش).

بوش وعوامل الانفراج في إدارته
جيزال حبيب أبو جودة: وفي الموضوع عينه تحدث دان بولز في الواشنطن بوست عن الوضع الحرج الذي تواجهه إدارة الرئيس بوش, مشيراً إلى أن الأزمات السياسية التي عصفت بالبيت الأبيض لم تبدأ مع كارثة الإعصار، بل تستمد جذورها من الاستياء الشعبي على خلفية ارتفاع أسعار النفط فضلاً عن الأخبار السيئة الآتية من حرب العراق، العنوان:- خطوات بوش الآتية تحدد عوامل الانفراج في إدارته.التعليق الصوتي: (سيسجل الأسبوع الأول من سبتمبر لعام 2005 كأكثر الأسابيع اضطراباً في رئاسة جورج بوش، في وقت توشك الكوارث الطبيعية المختلطة بالتعثر البيروقراطي على إغراق إدارته التي هي أصلاً في وضع دفاعي، ذلك أن إدارة بوش وقبل أن يضرب الإعصار كانت هدف الاستياء الشعبي على خلفية حرب العراق، ومحط غضب المستهلكين بسبب ارتفاع النفط).جيزال حبيب أبو جودة: ويربط الكاتب مسألة استعادة بوش توازنه السياسي والشعبي بالخطوات التي ستتخذها إدارته لتطويق ذيول الإخفاقات في التصدي إلى تلك المسائل الملّحة.التعليق الصوتي: (قد يكون نجاح الرئيس بوش في محو الانطباعات السلبية أساسياً في الحفاظ على رأسماله السياسي والضروري لتحقيق أهداف ولايته الثانية بدءً من تجنب انحدار مستوى التأييد لسياساته في العراق، ووصولاً إلى مبادراته المحلية المقبلة).جيزال حبيب أبو جودة: الغضب من الرئيس الأميركي جورج بوش تعدى الأوساط السياسية وأعرب عنه نجوم هوليود أيضاً, فالممثلة الشهيرة جاين فوندا ستجول الولايات المتحدة برفقة عضو البرلمان البريطاني جورج غالاوي لاتهام الإدارة الأميركية بإنفاق المبالغ المالية الطائلة على حرب العراق في حين يجب تخصيص هذه الأموال لمساعدة الفقراء والضحايا في الـ نيو اولينز، والتفاصيل في الواشنطن تايمز تحت عنوان:

فوندا وغالاوي في جولة لمهاجمة بوش
التعليق الصوتي: (جورج غالاوي من المدافعين عن المواقف العربية المناهضة للغرب، وقد أُطلق عليه في البرلمان البريطاني لقب "عضو بغداد" بسبب زياراته المتكررة إلى العراق قبيل الغزو، أما جاين فوندا فترى أنه يتم هدر الأموال خارج الولايات المتحدة في حين أن الشعب الأميركي بأمسّ الحاجة إليها).جيزال حبيب أبو جودة: أما الآن مشاهدينا الكرام نعود من جديد إلى باريس مع البروفيسور برهان غليون، يعني بروفيسور بالانتقال إلى صحيفة الواشنطن بوست ومقال دان بولز الذي يعتقد بأن الأزمات السياسية التي عصفت بالبيت الأبيض لم تبدأ مع كارثة الإعصار بل تستمد جذورها من الاستياء الشعبي على خلفية ارتفاع أسعار النفط, وبالإضافة إلى الأخبار السيئة الآتية من العراق، إلى أي مدى تتفق مع هذا التحليل؟برهان غليون: أن أتفق 100% أنا أعتقد أنه وهذا ما أشارت إليه الصحافة واستقصاءات الرأي العام أن بوش فقد كثيراً من شعبيته أولاً بسبب ما ينبغي أن نسميه اليوم هزيمته في العراق, الفشل الذريع للحملة العسكرية في العراق وهذا أثار استياء الناس, وأيضا ارتفاع أسعار النفط التي جاءت أيضاً كجزء من آثار الأزمة أزمة الشرق الأوسط والهزيمة في العراق، أنا أعتقد أن هذا صحيح ما فيه شك، وستأتي الكارثة الجديدة لتزيد من الحنق والحقد والأعباء على الرئيس.جيزال حبيب أبو جودة: يعني نبقى في نفس السياق صحيفة الواشنطن تايمز تحدثت عن الجولة التي ستقوم بها الممثلة الأميركية الشهيرة جاين فوندا والنائب البرلماني البريطاني جورج غالاوي عبر الولايات المتحدة طبعاً لحشد الدعم ضد الحرب في العراق، بحسب رأيك هل بإمكان هذه الحملة التأثير على السياسة الخارجية للإدارة الأميركية؟برهان غليون: يعني أنا أعتقد أن الأزمة التي تقع فيها اليوم يقع فيها الرئيس الأميركي تسمح للقوى والتيارات المخالفة في الرأي بأن تتقدم وتتحرك بشكل أكبر في الولايات المتحدة وتجاه الرأي العام الأميركي, وعلى مسألتين يعني على محورين رئيسيين شكلا جوهر سياسة الرئيس بوش وإدارة المحافظين الجدد, المحور الأول هو التأكيد على أن أسباب مشاكل أميركا هي الاتجاه والتركيز على المشاكل الخارجية مقابل المشاكل الداخلية، ونحن نعرف أن كلينتون كان يركز على المشاكل الاجتماعية ومشاكل الفقر الخ.. بينما تبنت الإدارة الجديدة إدارة بوش سياسة مركزة بشكل هائل بما يعني ذلك تركيز أيضاً الموارد والمصادر المالية نحو الخارج وهذا المحور الأول، والمحور الثاني وهو أيضاً مهم جداً وهو أن سياسة بوش اتخذت طابع السياسة ليبرالية مفرطة العودة إلى ليبرالية مفرطة تعتمد في.. لا تجد تضع للدولة دوراً كبيراً في مساعدة الفقراء، تعديل المساهمة في تحسين توزيع الدخل الخ.. وبالتالي أدت إلى تجاهل مطلق للفئات الفقيرة، اليوم سياسة بوش في هذا الأزمة تتعرض بمناسبة هذا الأزمة تتعرض لضربة حقيقية في الاتجاهين, وأنا أعتقد أن التيار المخالف سوف يلقى صدى أكثر فأكثر لدى الرأي العام الأميركي من أجل تغيير الخيارات السياسية الأميركية.جيزال حبيب أبو جودة: شكراً لك بروفيسور، طبعاً هنالك المزيد نعود لك بعد قليل، مشاهدينا ترقبوا بعد الفاصل بريطانيا تكرس تعدديتها عبر اختيار ملكة جمال مسلمة ابقوا معنا.
]فاصل إعلاني[
جيزال حبيب أبو جودة: تحية لكم من جديد، في الموضوع الفلسطيني رأي سكوت ولسون في الواشنطن بوست أن من شأن الانسحاب الإسرائيلي من غزة أن يخلق وقائع سياسية جديدة إلى جانب الحقائق الجغرافية بطبيعة الحال، متوقعاً أن يؤدي الانسحاب إلى احتدام المنافسة بين تنظيمي حماس وفتح، التفاصيل جاءت تحت عنوان :

الانسحاب الإسرائيلي يوجد فرصاً سياسية
التعليق الصوتي: (دير البلح مدينة الـ 60 ألف نسمة كانت دائما فريسة فكي كماشة لمستوطنتين يهوديتين لن يبقى شيء منهما قريباً سوى بعض خرائط قديمة،كما غيّر الانسحاب الإسرائيلي من غزة الخطاب السياسي أيضاً بتمهيده الطريق إلى انتخابات تشريعية مقررة في الخامس والعشرين من يناير، فضلاً عن إشعاله منافسة بين "حماس"و"فتح" المنظمة العلمانية القومية).جيزال حبيب أبو جودة: ويتابع الكاتب متوقعاً أن يقود سيق الانسحاب وما يوفره من مكاسب إلى نوع من التنافس حول الفريق الأكثر جدارة وكفاءة في أن يقود الشعب الفلسطيني إلى دولته المستقبلية التي بدأت معالمها في الظهور عشية هذا الانسحاب.خصصت مجلة النيوزويك الأسبوعية في عددها الأخير مساحة مهمة للحديث عن الانتخابات المصرية, وفي هذا الإطار كتب جو شاوا هامر عن نزول الرئيس المصري حسني مبارك إلى شوارع مدينة أسيوط المصرية في سياق حملته الانتخابية, ونقل الحماسة الشعبية التي يعيشها المصريون عشية الانتخابات الرئاسية لم يشهد لها مثيلاً والعنوان :

مؤيدو مبارك يقولون : "أنت نور عيوننا"
التعليق الصوتي: (لم تعرف مصر الحديثة الديمقراطية من قبل، ولكن يبدو أننا نشهد اليوم تغيراً في هذه المعادلة.. وبينما ترى بعض الأصوات المصرية أن التغييرات في قوانين الانتخاب المصرية إنما تصب في خدمة مشروع الرئيس الأميركي لتغيير أنظمة الشرق الأوسط، يبقى معظم المصريين متحمسين لهذه الانتخابات، التي يبدو ومن دون شك أنها ستنتهي بفوز الرئيس الحالي حسني مبارك).جيزال حبيب أبو جودة: وتضمن تقرير هامر وصفاً مطولاً للتأييد الشعبي الذي يتمتع به مبارك في الشارع المصري، حيث نُقل عن أحد المواطنين قوله أنه سيصوت قطعاً لمبارك وأن الريس أقوى من جميع المرشحين الآخرين. أما الآن مشاهدينا الكرام من جديد نعود ونتابع الحديث مع ضيفنا في باريس البروفيسور برهان غليون، بروفيسور هل تتفق مع سكوت ويلسون في الواشنطن بوست عندما يقول أن الانسحاب الإسرائيلي من غزة قد يولد ديناميكية ديمقراطية جديدة داخل المجتمع الفلسطيني؟برهان غليون: يعني أنا أعتقد أن الانسحاب الانفرادي أو الأحادي الجانب من غزة خلق وضعاً جديداً دقيقاً حاملاً للمخاطر, لأن التحدي الحقيقي أمام فلسطين هو مش بناء الديمقراطية كما يقول لأ, التحدي الحقيقي هو هل ستكون الانسحاب من غزة هو يعني آخر الانسحابات بشكل أو بآخر؟ وبالتالي أن تفرض على الفلسطينيين أن يعتبروا أن غزة هي الجوهر، هي القسم الرئيسي هي فلسطين وهي الدولة الفلسطينية وما سيضاف إليها هو مجرد أجزاء من الضفة الغربية فيما بعد تتخلى عنها إسرائيل، أم أن غزة ستكون الانسحاب من غزة سيكون مقدمة للانسحاب من أراضي الضفة الغربية, وأنا أعتقد أن الإسرائيليين ميالين لأن يعتبروا غزة هي ثمن الضفة الغربية, وعلى الفلسطينيين أن يعوا فعلاً أنه لن يكون بالإمكان استعادة بالضفة الغربية إلا بالمحافظة على المقاومة من جهة, ولكن بنفس الوقت تجنب أي مخاطر صدام داخل القوى الفلسطينية، أنا أعتقد أن الوضع فعلاً دقيق وليست المسألة متعلقة بالديمقراطية الفلسطينيون ليست لديهم مشكلة في ذلك وإنما في مستقبل الدولة الفلسطينية وطبيعة هذه الدولة.جيزال حبيب أبو جودة: نعم بروفيسور طبعاً هناك المزيد من الموضوعات بانتظارنا نعود إليك بعد قليل. جيزال حبيب أبو جودة: كريستوفر البريتون وفي العدد الصادر اليوم عن مجلة التايم الأسبوعية تناول موضوع الدستور العراقي منطلقاً من كارثة جسر الأئمة التي أودت بحياة ألف حاج شيعي، العنوان:

عامل الصدر
التعليق الصوتي: (الاستياء الشعبي من سوء تعامل الحكومة العراقية مع هذه الكارثة سيسهم في ميل الناخبين إلى رفض الدستور في أكتوبر المقبل وذلك تعبيراً عن غضبهم، كما أن المأساة الأخيرة ستدفع بالسنّة الذين يعارضون الدستور المقترح إلى تحسين علاقاتهم بمقتدى الصدر، وإذا دعا الصدر أتباعه إلى الانضمام إلى المعارضة السنية للدستور فهناك احتمال كبير ببلوغهم تلك الغاية، إذا أردنا إسقاط الدستور فنحن بحاجة إلى دعم مقتدى الصدر ونحن نعمل معه على ذلك هذا ما قاله عبد السلام القبيسي الناطق باسم جمعية العلماء المسلمين وهي جمعية سنّية متشددة،).جيزال حبيب أبو جودة: ويتابع الكاتب مشيراً إلى أن مغازلة مقتدى الصدر للسنّة قد يكون الهدف من ورائها الحصول على تنازلات من القادة الشيعة الآخرين. وأخيراً نشرت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية اليوم تقريراً تحدثت فيه عن تتويج حماسة كوهيستاني ابنة الثامنة عشراً ربيعاً ملكة على عرش الجمال البريطاني، لتكون بذلك أول فتاة مسلمة تحمل هذا اللقب في تاريخ مسابقة الجمال في المملكة المتحدة, العنوان :

أول مسلمة تتوج ملكة جمال بريطانيا
التعليق الصوتي:
تُوّجت الأوزبكية حماسة كوهيستاني التي تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً توجت بلقب ملكة جمال بريطانيا يوم السبت الماضي، بعد أن هزمت 39 متبارية أخرى خلال حفل استمر يومين
الديلي تلغراف البريطانية
(تُوّجت الأوزبكية حماسة كوهيستاني التي تبلغ من العمر ثمانية عشر عاماً توجت بلقب ملكة جمال بريطانيا يوم السبت الماضي، بعد أن هزمت 39 متبارية أخرى خلال حفل استمر يومين، بعد أن توالت مشاهده على مسرح ليفربول الاولمبي، وسبّب اشتراك حماسة وثلاث متباريات مسلمات أخريات شرخاً في صفوف المجتمع البريطاني المسلم، وذهب رجال الدين إلى حد دعوة المتسابقات المسلمات الأربعة إلى الانسحاب من المسابقة، بعد أن أشاروا إلى أن ظهور أجزاء من أجسادهن ينافي تعاليم الإسلام، ولكن الملكة الجديدة التي تتقن ستة لغات بينها الروسية والفارسية والفرنسية أكدت على احترامها الكامل للدين الإسلامي، كما أشادت بالدعم الذي قدمته لها عائلتها،كذلك بدأت ملكة بريطانيا الجديدة تتلقى عروضاً للتمثيل في أفلام هوليودية، معربة عن أملها في الفوز بلقب ملكة جمال العالم في المسابقة التي ستقام في الصين في شهر ديسمبر المقبل).جيزال حبيب أبو جودة: أما الآن لنا عودة أخيرة إلى ضيفنا في باريس البروفيسور برهان غليون، بروفيسور يعني كريستوفر البرتون في مجلة التايم يرى أن مقتدى الصدر بإمكانه التأثير على مجريات السياسة العراقية من خلال استغلاله غضب الشارع, يعني إلى أي مدى يقترب هذا التحليل من الواقع؟ وهل تتوقع أن تسهم يعني هذه الحادثة إلى رفض الناخبين التصويت على الدستور في أكتوبر المقبل؟برهان غليون: لأ أنا اعتقد أنه إذا انضم مقتدى الصدر بالفعل وصار عنده حظوظ أكبر أن يتلقى دعماً شعبياً بعد أحداث الجسر، إذا انضم إلى الموقف السنيّ فسيؤثر ذلك بشكل حقيقي على التصويت على الدستور، وربما أعاق هذا التصويت أو نجاح التصويت على الدستور, وفي هذه الحالة سيفرض على الأميركيين أيضاً أن يغيروا من الأجندة التي يطرحونها الآن للانسحاب من العراق لأنه سيجبرهم على البقاء في العراق بشكل أكبر, وبالتالي على استمرار الأزمة أيضاً والورطة الأميركية في العراق، بس أنا أعتقد ربما أن مقتدى الصدر سوف يفعل كما فعل في السابق هذه ليست أول مرة يظهر فيها موقفه المختلف والذي يُعبر عن قطاع من الرأي العام الشيعي، ربما يصل بالفعل إلى تسوية مع بقية التيار الشيعي الأغلبي، وبهذه الحالة يمكن أن ينقذ الدستور أذا انقسم الرأي العام السني أيضاً.جيزال حبيب أبو جودة: يعني أخيراً بروفيسور نشرت معظم الصحف البريطانية صورة ملكة جمال بريطانيا الجديدة، ولكن يعني الشيء الملفت والمميز فيها بغض النظر عن جمالها هو أنها مسلمة، ويبدو أن الأمر قد أثار جدلاً سياسياً ودينياً في بريطانيا، يعني هل يمكن القول أن الجمال أصبح مسيساً كذلك؟برهان غليون: طبعاً، ليس هناك اليوم شيئاً غير مسيس في العالم كله, لأن السياسة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للبشر، انتخاب هذه الملكة والتركيز على انتخاب ملكة جمال بريطانيا من المسلمين هو للتأكيد أيضاً على أنه إذا تعرض له المسلمون من عداء حقيقي وقانوني وسياسي داخل بلدانهم ليس كاملاً, وهو نوع من التغطية على العنصرية المتزايدة لدى الرأي العام الغربي في الحياة ضد المسلمين, ولكن لا يقبلون إلا الناس اللي مثل ملكة الجمال.جيزال حبيب أبو جودة: شكراً لك بروفيسور لهذه المداخلة ولهذه المشاركة معنا اليوم في برنامج السلطة الرابعة رافقنا مشاهدينا من باريس، وبموضوع الجمال نأتي إلى ختام حلقة اليوم من السلطة الرابعة ترقبوا موضوعات أخرى غداً إلى اللقاء.

برنامج السلطة الرابعة على العربية فشل القيادة في أمريكا

http://www.alarabiya.net/Article.aspx?v=16567

الطائفية ليست عقبة أمام الديمقراطية

الرأي 8 سبتمبر 2005

من يتابع ما يكتب من تحليلات حول الأزمة السياسية العامة التي تحيق بالمجتمعات العربية يكاد لا يجد مصطلحا أكثر استخداما من مصطلح الطائفية. وبينما ينظر البعض للطائفية والعشائرية بوصفهما عاملان أساسيان في تكوين الهوية السياسية للمجتمعات العربية ويعزو لهما مفاعيل استثنائية في تطور النظم السياسية والقيم الاجتماعية يرى فيهما البعض الآخر ثمرة تلاعب القوى الأجنبية وتجسيدا لإرادتها السرية والعلنية في تقسيم البلدان العربية وتفكيك الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة. وقد جعلت أغلب الحركات الوطنية التي نشأت في بداية القرن العشرين من الكفاح ضد الطائفية والعشائرية شعارا رئيسيا من شعاراتها ونظرت بعداء شديد لأي شكل من أشكال التعبيرات الطائفية.
وفي وقتنا الراهن كثيرا ما يركز المحللون على الانقسام الطائفي لتفسير الأزمة الطاحنة التي تواجهها معظم الدول والمجتمعات العربية في مساعيها لإقامة نظم ديمقراطية أو حتى لتجنب مخاطر الحرب الأهلية. ولا يزال الكفاح ضد الطائفية يشكل محور الأفكار التحررية التي تنادي بها الحركات القومية واليسارية التي ترى في استمرار وجودها عائقا رئيسيا امام تطور الولاءات الوطنية. ويقدم الوضع القائم في لبنان والعراق واليمن والنزاعات العنيفة التي شهدتها هذه المجتمعات ومجتمعات عربية عديدة أخرى في نظرهم نماذج حية للدور السلبي الذي تلعبه الطائفية في قطع الطريق على نشوء الدولة القومية وفي التمكين للاحتلال وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الوطنية وفشل التحولات الديمقراطية.
لقد تحولت الطائفية في اللغة السياسية التقدمية العربية من ظاهرة تاريخية اجتماعية متحولة إلى لعنة أبدية وعاهة مجتمعية لا يعرف أحد كيف يمكن احتواء تأثيراتها السلبية ولا التخلص منها. وأصبح الخوف من تفجراتها المحتملة عقبة أمام تطور المناقشة السياسية نفسها. فهي فتنة نائمة لا سيطرة لنا عليها والحديث فيها بأي شكل جاء لا يمكن أن يكون إلا ايقاظا ملعونا لها وإطلاقا لبراكينها الكامنة. ولا يعادل الكره الذي تراكمه الثقافة السياسية العربية ضدها، بكل تياراتها اليسارية واليمينية، الاستبدادية والديمقراطية، سوى الخوف من التأمل الموضوعي فيها وفي أسباب بقائها وانتشارها. ولذلك قر السلوك العربي على نوع من السكيزوفرينيا أو الانفصام في السلوك السياسي إزاءها. وهكذا نجد الفرد الذي لا يكف عن إدانة الطائفية والتبرؤ من شرورها لا يتردد في أغلب الأحيان من الانصياع لقانونها والاندفاع في أحيان أخرى، بإرادته وأحيانا من دون إرادة، وراء رهانات وتلاعبات وحسابات طائفية لا حدود لها.
يخلق الحديث المتكرر عن الطائفية وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية. وبقدر ما يفقد هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة التي تتبارى في اتهام بعضها البعض بإخفاء النوايا والرهانات الطائفية يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله بإمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بإمكانية بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد ويفرض عليهم مصيرا مشتركا.
والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكا لمخاطر حقيقية وحتمية بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي والوطني المحلي الذي اتجه في سعيه لإقامة دولة وطنية حديثة وإضفاء المشروعية السياسية عليها إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج بدل بناء مفهوم المواطنية والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط الممارسة القانونية لها وبالتالي تأمين حرية أبنائها ومساواتهم. فقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية في مشروعها، أي عن غياب مشروع الدولة الوطنية الحديثة بالفعل عنها، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية والتاريخية الأحادية. وكانت النتيجة توليد نزعة وطنية انصهارية صماء تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية وشخصية سياسية حقيقية. وهكذا أصبح التعدد الطائفي الذي ينبغي أن ينظر إليه على أنه ثروة وطنية بدل أن يعاش كعاهة مجتمعية يبدو وكأنه نقمة إلهية أو طبيعية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته المجتمعات منذ قرون وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية بما تعبر عنه من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والاسلامية، وضعا نشازا أو تعبيرا عن ما ينبغي تسميته الخطيئة الأصلية، يميز المجتمعات العربية ويفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية ويحط من قدرها وقيمتها الجوهرية.
والواقع، ليس تعدد الطوائف ولا استمرار البنيات العشائرية هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني وتقدم مشاريع التحويل الديمقراطية. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة ويمكن تخفيضها جميعا إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية وغيرها. والمجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية اليوم طائفيا وعرقيا من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموما يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية التي تبدو في هذا المنظور مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية. وهذا التعدد الواسع في المجتمعات الأسيوية يعبر، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار الحضاري وما يرتبط به من نمو قيم التسامح والتعايش وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات وما يفرزه من حريات فردية وجمعية هو الذي يدفع إلى نشوء التعددية بقدر ما يسمح بنشوء الهويات المتمايزة المرتبطة أي بالتغاير داخل المجتمع الواحد بين مجموعات الرأي والثقافة وكذلك بقدر ما يؤلف قوة جذب جبارة للجماعات البعيدة وبشكل خاص للجماعات المضطهدة والمقهورة في المناطق "المتوحشة". ولا حاجة للذهاب بعيدا لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة أو المغايرة سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة حيث يسود التسامح والحريات الدينية والفكرية ويعززون من طابعها التعددي في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية مثلها مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى إلى التجانس وكبت التنوع والخوف من التعدد حتى داخل الطائفة أو الجماعة العرقية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم الحضاري ولا التشكل الوطني ولا التسامي الديني بأي حال. إن استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة يعكس ثقة المجتمعات بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج والاستمرار بينما يعبر طرد الأقليات بصورة واعية أو غير واعية عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس عند المجتمعات. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية أو دينية متجانسة دور كبير في خلق شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ لدى تشكل الأقليات المنفتحة باستمرار على الخارج والعابرة عادة للبلدان ناقلا استثنائيا للمكتسبات التقنية والعلمية والفكرية وبالتالي حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.
باختصار، إن التعددية بكل وجوهها وأشكالها ليست خطأ تاريخيا ولا بنية نشازا ولكنها الأمر الطبيعي والشائع أيضا في أي مجتمع متمدن لا يمكن أن يخفض منطق انتظامه إلى مستوى منطق الأسرة أو العشيرة أو الطائفة الواحدة. وقد كانت الطائفية موجودة دائما في المجتمعات العربية وستظل موجودة في المستقبل. وهي موجودة ايضا في بلدان عديدة تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وهي لا تشكل، كما تبين ذلك تجربة الهند التي تعج باللغات والأقليات الدينية والعرقية على حد سواء، عائقا امام قيام نظام ديمقراطي. فهي تستطيع أن تتعايش معه وتجد التسويات الضرورية للحفاظ على ما تمثله من عصبيات محلية وما تمثله الدولة الديمقراطية من علاقات سياسية وطنية.
لا تتحول التعددية الطائفية الى مشكلة تهدد الديمقراطية كما تهدد الحياة الوطنية حتى في الدول الاستبدادية إلا عندما يتغلب الانتماء للطائفة او العشيرة على الانتماء للجماعة الوطنية أو يمحوه أو يتنازع معه أو عندما تصبح الاطار الوحيد للتضامن بين الافراد. وهي لا تنتج طائفية سياسية بالضرورة وليست هي التي تفسر ظهورها. إن المشكلة تبدأ عندما يوضع الانتماء الخاص الطائفي وغير الطائفي محل الانتماء الوطني العام أو يتقدم عليه. والمطلوب عندئذ معرفة كيف ولماذا يتقدم مثل هذا الولاء الخاص في هذه الفترة أو تلك وفي هذا المجتمع أو ذاك على الولاء الوطني العام. وهو ما يطرح سؤال أصل الطائفية السياسية.
الجواب أن هذا لا يحصل الا عندما ينهار اطار التضامن الوطني الذي يجمع الافراد على صعيد أعلى واشمل هو صعيد الدولة أي عندما تزول فعالية الرابطة الوطنية. لكن السبب في هذه الحالة لا يكمن في وجود العصبية الطائفية ذاتها وإنما في تحويل الإطار الوطني العمومي إلى حامل لعصبية خاصة من الطبيعة ذاتها تلغي المساواة أمام الدولة والقانون، أي إلا عند مصادرة عصبية طائفية أو مذهبية أو عشائرية للدولة وللسلطة العمومية لأهدافها الخاصة. وهكذا تكف الدولة عن ان تلعب دور الحاضنة العامة لجميع الافراد بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية او الطائفية لتتحول إلى مسخ مفترس يهدد جميع الأفراد والطوائف الأخرى بسبب تصالب روح العصبية الخاصة مع الدولة وما تؤمنه لها من وسائل عنف مادي ومعنوي استثنائية. وفي هذه الحالة يكفي ان نعيد الى الدولة طابعها الوطني اي العمومي حتى يتراجع الانتماء الطائفي الى الدرجة الثانية ولا يصبح هناك تناقض عدائي بين الرابطة الوطنية والرابطة الطائفية او الاثنية.
والمقصود أن التركيز الدائم والمستمر في تحليل الأزمة الوطنية على التعددية الطائفية والقومية وتحميلها مسؤولية فشل النخب العربية الحديثة الثقافية والسياسية في بناء أطر وطنية حقيقية يهدفان إلى التغطية على حقيقة الدولة ومؤسساتها القائمة وافتقارها للسياسة الوطنية. وهذا ما يهدف إليه أيضا التذرع بالخوف من انهيار الوحدة الوطنية وانفجار الحرب الطائفية للحؤول دون القيام بالتحويلات الديمقراطية. فلا يهدف كل ذلك إلا إلى تأبيد الوضع القائم وتبرير الهرب من مواجهة المسؤوليات التاريخية وما ينطوي عليه من رفض النخبة السياسية المراجعة النظرية والعملية للأفكار والسياسات والاستراتيجيات التي أودت بمشروعات بناء الدول الوطنية والقومية العربية.
بالعكس من ذلك، يتطلب بعث الروح الوطنية ومساعدة الأفراد الملتجئين خوفا أو بسبب غياب البديل إلى التماهيات الطائفية تركيز المثقفين والسياسيين على معالجة الدمار المادي والمعنوي الذي تعاني منه الدولة حتى يمكن إصلاحها وإطلاق حركة وطنية حقيقية بإزاء انبعاث الدولة وبمواكبته. ولا يعني هذا الاصلاح سوى شيئا واحدا : تحويلها من اداة لخدمة المصالح الخصوصية إلى إطار قانوني وتنظيمي وأخلاقي لتحقيق فكرة المساواة والتضامن بين أبناء البلد الواحد بصرف النظر عن انتماءاتهم، أي لبناء جماعة وطنية. إن استرجاع فكرة الدولة وموقعها في الحياة الوطنية هو السبيل الوحيد للخروج من الطائفية وضمان الوحدة الوطنية. أما إلغاء الحياة السياسية الوطنية بحجة كبت النزوعات الطائفية فهو الطريق الملوكي لشحن المجتمع طائفيا والعمل على تفجيره.

mercredi, août 31, 2005

عندما يصبح الاحتلال تحريرا

اتحاد 31 أغسطس 05
كتب إليَّ من ألمانيا طالب عراقي رسالة إليكترونية يقول فيها بالحرف "أنا كإنسان أؤمن تماماً بفصل الدين عن الدولة, والديمقراطية ولكنني في ذات الوقت أشعر بالظلم الطائفي الذي وقع على أبناء طائفتي الشيعية في العراق منذ زمن طويل جدا يقارب عمر الإسلام. وعلى هذا أرى فيما فعلت أميركا تحريراً للعراق رغم كل المآسي التي صاحبت الحرب. هل مازلت تظن أن أميركا باحتلالاها للعراق قد عادت بشكل جديد من الاستعمار أم أن العصر اختلف وأن من مصلحة الشعوب العربية التحالف مع أميركا ضد الحكومات الفاسدة وفي ذات الوقت مساهمة المثقفين العرب أمثالك في إعطاء الروح لنهضة عربية جديدة؟ أشكرك على إجابتك ولكن إذا لم تجبني فسأشعر بإحباط كبير لأنني لو قمت بسؤال أحد أساتذتي هنا في الجامعة لقام بإجابتي بالتأكيد. وهذا ما أتوقعه منك أيضا".ويلخص هذا السؤال لوحده مأساة العراق التي تمد جذورها في قاع التحولات السياسية للمجتمع العراقي ذاته في ما وراء تدخل الولايات المتحدة الأميركية وبصرف النظر عنها. فهو يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الوطنية العراقية والتي تدفع إلى أن تكون للحدث نفسه، وهو هنا احتلال القوات الأميركية للعراق، قراءات متباينة بل متعارضة تماما بحيث إن ما يبدو عملية تحرير لفريق من المجتمع يظهر كعودة للاستعمار الصريح في أعين الفريق الآخر. وهو ما يدل على زوال المرجعية الواحدة التي لا غنى عنها في أي سيرورة بناء وطني والتي تشكل وحدها الأساس العميق للتضامن والتكافل والمصير المشترك. وهو ما يفتقد إليه الشعب العراقي اليوم كما يبدو من تعدد القراءات وجداول الأعمال للأطراف العراقية المتعددة. وبعكس ما تشيعه الأوساط القومية في سعيها المشروع لإدانة الاحتلال وتحميله تبعات ما يحصل اليوم في العراق، لم يكن الغزو الأميركي منشيء هذا التفكك وإنما الكاشف له بقدر ما مثل الحدث الذي وضع الوطنية العراقية على المحك. وهذا التفكك هو الذي يفسر الانسداد الحاصل في الوضع العراقي والذي يتجلى من جهة في استمرار الاحتلال في العراق، بالرغم من الإخفاق المريع للحملة الأميركية وتفاقم توجه واشنطن نحو ما يشبه الورطة الفيتنامية، كما يتجلى من جهة ثانية في عجز المقاومة العراقية التي أثبتت قدرة غير متوقعة على المواجهة والاستمرار عن الانتصار. فتحقيق مثل هذا الهدف، بما يعنيه من استعادة استقلال البلاد وتأكيد سيادتها ووحدتها، يستدعي تجاوز انفراط عقد المجتمع السياسي العراقي الذي أتى بالاحتلال وتراجع المخاوف من أن يتحول الانتصار، مع استمرار التنابذ الراهن بين الطوائف والقوميات المختلفة، من تحرير للعراق إلى مواجهة عراقية- عراقية. ومن هنا لا ينفصل مصير الاحتلال ومساره عن ديناميكيات الصراع الخاصة بالمجتمع المحتل نفسه. وهذا يذكرنا بأمثلة تاريخية كثيرة سابقة استقبلت فيها شعوب أو فئات كبيرة منها الغزاة استقبال الفاتحين أملا في التحرر من قهر النخب الفاسدة المستبدة والجائرة. وهذا ما حصل للشعب العراقي أو لجزء كبير من قواه السياسية التي سعت جميعاً، وليس فقط أحمد الجلبي وإياد علاوي، إلى التحالف مع الولايات المتحدة للقضاء على نظام أصبح عقبة أمام تقدم المجتمع وازدهاره. لكن الاعتراف بمسؤولية النظام الشمولي البعثي عن الانقسام الطائفي والقومي الخطير الذي دفع العراق إلى الانزلاق في هذه الوضع المأساوي لا يغير من طبيعة العمل الذي قامت به الولايات المتحدة ولا من مسؤولياتها في ما وصل إليه العراق أيضاً من خراب وتخريب. فالتدهور الذي شهده الوضع الأمني بعد العراق هو النتيجة الطبيعية للأسلوب الانفرادي والعنجهي الذي اعتمدته واشنطن في مواجهة النظام الشمولي ولسوء معالجتها الكبير للأزمة العراقية. ولا يمكن فصل هذا الأسلوب ولا تلك المعالجة عن غاية الاحتلال نفسه، أي عن حقيقة أن الولايات المتحدة لم ترسل قواتها إلى العراق لتحرير الشعب العراقي وإنما لتحقيق أهداف استراتيجية تخدم مصالحها القومية العالمية وفي مقدمها استكمال سيطرتها على منابع الطاقة الرئيسية للدول الصناعية بالإضافة إلى استغلال موقف الضعف العربي الشامل من أجل إنهاء النزاع العربي الاسرائيلي لصالح إسرائيل ولتكريس مكتسباتها الاستراتيجية. فلا ينبغي للقراءات الذاتية التي تعكس المصالح والرؤى المتناقضة للأطراف المحلية أن تطمس القراءة الموضوعية التي ترى في الحدث تعبيراً عن نزوع القوة العالمية الأعظم إلى إعادة هيكلة المنطقة الشرق أوسطية بما يتفق مع استراتيجية سيطرتها العالمية. وهو ما تؤكده الدبلوماسية الأميركية ذاتها. إن ما يفسر بقاء الاحتلال في العراق بالرغم من الفشل الذريع لخطط البنتاغون العسكرية هو انقسام العراقيين أنفسهم وغياب أي أجندة وطنية عراقية. وفي مقابل ذلك تتنازع العراق وتتقاسمه ثلاث أجندات طائفية وقومية رئيسية أولاها وأقواها نفوذا الأجندة الكردية التي تسعى إلى التعامل مع الاحتلال حسب ما يفيد في تحقيق حلم الاستقلال وتستفيد من الوقت لرسم حدود الدولة الكردية الجنينية أو المستقبلية. وهي تعكس الشعور السائد لدى الأكراد بأن تحقيق هذا الأمل لم يكن في متناول اليد كما هو الآن إثر تفكك الوطنية العراقية. وفي المقابل تسعى النخبة الشيعية التي عوملت لفترة طويلة كنخبة ثانوية وتابعة إلى تطبيق أجندة خاصة تضمن لها تأكيد حضورها ومركزها الأرجحي بوصفها المعبرة عن الأكثرية العددية العراقية. بينما تميل النخب السنية التي تماهت في العقود الطويلة الماضية منذ تأسيس العراق الحديث مع الدولة المركزية العراقية، وليس بالضرورة مع السلطة البعثية، ولم تعانِ من مشكلة تمييز طائفي، إلى تحقيق أجندة مقاومة سياسية عامة لا تتطابق بالضرورة مع أجندة القوى الجهادية الإسلامية وإن تقاطعت معها. فهي لا ترى في الاحتلال إلا عملية تدمير للدولة العراقية ونشر للخراب والفوضى وتآمر على القوة العسكرية العراقية لصالح الدولة الصهيونية.ومما لا شك فيه أن نظام الاستعمار الداخلي وما رافقه من القهر والتمييز الطائفي والأقوامي والسياسي، وما ارتبط به من سياسات التلاعب بهوية السكان ومصالحهم وحقوقهم، هو المسؤول الأول عن دمار الوطنية العراقية في نموذجها الأول الذي ولد في معركة الصراع ضد الاحتلال الاستعماري وبفضلها. ولن يكون من الممكن الانتصار فعلا على مشروع الاحتلال والوصاية الأجنبية ما لم تنجح النخب العراقية في إعادة بناء الوطنية العراقية وقبل ذلك في التوصل إلى أجندة مشتركة تعمل إلى دفع العراق في هذا الاتجاه. ولا يتعلق الأمر بكلمة تقال، ولكن بتحد نظري وعملي كبير يحتاج رده إلى تجديد حقيقي في معنى الوطنية التي بقيت حتى الآن رديفاً للتفاهم ضد الاحتلال الأجنبي لا غير، كما يحتاج إلى تسويات عملية خلاقة تؤسس لنظام المواطنية المتساوية من دون أن تثير حفيظة الولاءات والانتماءات والهويات الثقافية والدينية الخصوصية أو تشكل تهديداً لشبكات التضامن التي تمثلها. وهو برنامج تاريخي لا ينفصل عن برنامج البناء الوطني/ المواطني بالمعنى العميق للكلمة.

jeudi, août 18, 2005

انقسام المثقفين بين العلمانية والاسلامية

الرأي 18 أغسطس 2005

تندرج أزمة المثقفين العرب، بجناحهم العلماني وجناحهم الاسلاموي معا، في إطار الأزمة التاريخية الشاملة التي تضرب الاجتماع العربي بأكمله. وهي الأزمة التي يعبر عنها الإخفاق المزدوج لمشروع الحداثة والبناء الوطني الذي كان موضوع استثمار تاريخي طويل عند المثقفين المحدثين من جهة ولمشروع إعادة تأسيس الهوية وتثبيتها على أسس إسلامية في مواجهة الهيمنة الغربية الذي انشغل به المثقفون الاسلامويون من جهة ثانية. وليس لهذه الأزمة علاقة ضرورية بالقيم التي يدافع عنها هذان الفريقان ولا بطبيعة المهام التي نذرا نفسيهما لها. إن جذورها تضرب عميقا في البنى والعلاقات الجوسياسية والجيواستراتيجية التي حكمت ولا تزال تحكم مشروع الحداثة العربية وتحدد آفاق تطوره أي البنى المعنوية والمادية معا. بل ليس الشرخ الذي يؤسس للفكر العربي الراهن ويفصل بين ضفتيه ومحوريه، بين إسلامييه وعلمانييه، سوى الصدى المباشر لغياب آفاق التحول التاريخي الفعلية في المنطقة. ولن تكون هناك إمكانية للخروج من الأزمة الفكرية التي تكرس انقسام النخبة المثقفة، وبالتالي تهميشها وانعدام فعاليتها المجتمعية، من دون أن تتحقق تغييرات أساسية في الظروف العامة تخلق فرصا جديدة للتقدم وتسمح بإعادة إطلاق المبادرة التاريخية في المجتمعات العربية وتوفر الأدوات والعناصر المادية والمعنوية اللازمة لتسريع وتيرة التنمية الحضارية.
لا يبشر الضغط العالمي القوي الراهن على المنطقة الشرق أوسطية اليوم في نظري بمثل هذا الانفتاح القريب كما لا يبشر به أيضا تدهور الأوضاع الإقليمية والوطنية التي تشير إلى استمرار النزاعات الداخلية وتجددها وتفكك النظم الحاكمة وفسادها وتهافتها معا. وهو ما يعزز احتمال سيادة طروحات الانكفاء على الذات والتمسك بالثوابت وتعميق النزعة الإجماعية والتوافقية في كل بلد ضد ما يتجلى من تهديدات جدية للهوية والاستقلال الجماعي. ولا يزال من الصعب تصور طفرة تقود إلى التخلي عن الرؤى المسيانية أو الخلاصية التي تحرك العديد من قطاعات الرأي العام الاسلامي وتزيد من احتمال تحول الحركات الاسلاموية بشكل فعلي في اتجاه الديمقراطية على منوال التحول الذي سمح لحزب العدالة التركي بتجاوز الحواجز العقلية والدينية التقليدية والقبول بالسلطة كوسيلة لإدارة الشؤون العامة في شروط الاكراهات التاريخية وبالتعامل مع الواقع والتكيف معه.
وبالرغم من العودة الرائعة للفكر النقدي في عموم البلاد العربية، لا يزال من المبكر أيضا الحديث عن طفرة في الوعي العربي العام تقوده إلى استعادة زمام المبادرة العقلية والحضارية من جديد قبل أن ينجح المثقفون في هضم صدمة الإخفاق التاريخي الذي ساهموا فيه ومن دون نقد التجربة الماضية والخروج منها بدروس ايجابية ومعرفة طبيعة الاختيارات الأساسية التي تحتاج إليها إعادة بناء الرؤية التاريخية وإنارة مسار النشاط الجمعي القادم. وهو ما يستدعي من قبل التيارات الإسلاموية تعميق المعرفة بمعنى التجدد الاسلامي أو تجدد الهوية وكيفيته وشروطه وفرصه، كما يستدعي من قبل التيارات التحديثية النجاح في بلورة مشروع تاريخي ل"لتقدم" العربي المنشود، إذا كان التقدم لا يزال هدفا ممكنا وقائما.
وسيتحتم على التيارات التحديثية في هذه الحالة العمل على إعادة تعريف معنى التقدم: هل هو تجاوز للتأخر بالمقارنة مع البلدان الصناعية أو التكنوعلمية وبالتالي استدراك ما لم يتم إنجازه من مهام بوسائل مختلفة ليبرالية أو دولوية أم هو اندراج في الدورة الأخلاقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية للحضارة الانسانية الراهنة. وعندئذ يطرح سؤال: كيف يكون الاندراج وما مضمونه وما هي استراتيجياته ووسائله. أليس من الممكن الافتراض بأن سبب فشل التجربة الماضية للقرنين السابقين، أي التقدم عن طريق إصلاح الدين أو إصلاح الدولة (الملكية الدستورية) أو إصلاح العلاقات الجيوسياسية (الوحدة العربية)أو إصلاح المجتمع (الاشتراكية والمجتمع المدني) كامن بالضبط في تصور التقدم استدراكا للتأخر وتجاوزا له أم شقا لطريق جديدة تسمح، انطلاقا من المعطيات المحلية، لكن حسب مباديء كونية وعامة، بإعادة البناء المجتمعي الشامل في مستوياته المختلفة الاخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ هل يمكن تجاوز "التخلف" من دون إعادة تأسيس فلسفة "التقدم"؟ بل هل لا يزال هذا الزوج من المفاهيم مناسبا لطرح موضوع التحول المجتمعي في العالم العربي وفي غيره من البلاد؟ باختصار، هل المسألة مسألة تجاوز واستدراك أم هي مسألة إعادة بناء مجتمع كامل خرب ومتآكل، بصرف النظر عن أي مقارنة مع أي جماعة أخرى. وفي هذه الحالة سنجد أنفسنا أمام أسئلة جديدة سمحت لنا إشكالية استدراك التأخر، بالمنظور الاصلاحي الديني أو الليبرالي وبالمنظور الرديكالي الثوري الماركسي أو القومي، بالتهرب منها وتأجيلها وهاهي تعيد طرح نفسها علينا أكثر قوة من قبل: أي ثقافة وأي أخلاقية وأي دين وأي دولة وأي سياسة وأي قومية وأي علاقة بالمجموعة الانسانية، أي حضارة وأي طريق ومنهج لاستيعابها؟ باختصار، أي حداثة للعالم العربي أو أي حداثة عربية؟

وما يقال عن مفهوم التقدم وضرورة مراجعته يقال بالمثل عن مفهوم التجدد الذي يؤلف محور تأمل المثقفين الاسلامويين وتفكيرهم. فما المقصود بالتجدد؟ هل هو إحياء القيم العربية والاسلامية الأصيلة التي عرفتها المجتمعات العربية في الحقبة الاسلامية الأولى والتي كرست استقلالها السياسي والثقافي وقدرتها الابداعية وحولتها إلى بؤرة رئيسية إن لم تكن البؤرة الأولى للحضارة في عصرها؟ وهل يقوم هذا الإحياء على العودة إلى الصيغ المجتمعية والفكرية التقليدية أم يتطلب بالعكس تبديل هذه الصيغ الجامدة والمفوتة التي تمنع الأنا العربية أو الإسلامية من التفاعل مع العصر ومن مسايرة المطالب التاريخية الخاصة بالانخراط الايجابي في الحضارة الفكرية والمادية الراهنة؟ وما هي الطريق أو الوسيلة لتحقيق هذا التجدد في الماهية أو الهوية العربية الذي يشكل من زاوية نظر الاسلاميين أساس التجدد الثقافي والسياسي والحضاري معا؟
وبقدر ما يلح أصحاب هذا المذهب على محورية العمل على الذات وتحريرها من الاستلاب والتبعية والنسيان في مقابل التحديثيين الذين يركزون بالعكس على الشروط الخارجية لبناء هذه الأنا التاريخية والحضارية، يبدو لي أن السؤال الأكبر والأكثر راهنية - الذي ربما تشكل الاجابة عنه المدخل إلى جميع الإجابات المطلوبة على الأسئلة الأخرى العديدة بقدر ما تشكل شرط تجاوز القطيعة بين تيار الهوية وتيار الحداثة - هو التالي: هل يمكن تحقيق التقدم، أي تغيير شروط وجود المجتمعات العربية بما يجعلها أكثر توافقا مع متطلبات الحياة الحديثة ومعاييرها من دون تجدد الهوية، أي من دون تغيير مسبق في طبيعة الأنا الجمعية الفاعلة، وهل يمكن تحقيق تجدد الذات أو إعادة بناء هذه الأنا الجمعية القائمة وراء أي تغيير تاريخي، تقدما كان أم تجددا، بمعزل عن الشروط التاريخية أو من خارجها؟ وأي علاقة ممكنة ينبغي بناؤها بين مساري التغيير المطلوب على مستوى الواقع ومستوى الذات معا؟

هذه هي المسائل النظرية المطروحة على المجتمعات العربية للرد على تحديات التغيير المنشود والتي يتوقف على المثقفين العرب في العقود القادمة توفير الاجابات المتسقة والعقلانية عنها للحصول على موقع في خريطة السلطة الاجتماعية واستعادة المبادرة التي كانت للمثقف منذ بداية النهضة العربية.
لكن نستطيع منذ الآن أن نقول لتأكيد تفاؤل فعلي لا مصطنع: إن انخراط المثقفين الراهن أو بعضهم في السنوات الماضية، وبشكل أكبر فأكبر اليوم، إلى جانب الشعوب في معركة انتزاع الحقوق المدنية والسياسية، أي في مسيرة التحولات الديمقراطية العميقة، في إطار الهيئات المدنية والسياسية معا، وإن كان لا يقدم مثل هذه الإجابات المنتظرة بعد، إلا أنه يشكل المدخل الضروري الذي يعيد المثقف إلى مجتمعه ويمكنه من استعادة دوره في توجيه المسيرة العامة بقدر ما يسمح للمثقفين بالانخراط في الممارسة العملية ويقدم لهم فرصة الالتقاء في المعركة الواحدة من أجل الحرية والاستقلال عن الوصاية السياسية والأبوية معا. ومن هنا تمثل المشاركة في معركة الديمقراطية المفتوحة في البلاد العربية خشبة الخلاص الرئيسية اليوم إن لم نقل الوحيدة لخروج المثقفين كفاعل اجتماعي من نفق الانهزامية واحتقار الذات والهامشية للالتحاق بقاطرة التحول التاريخية العتيدة. وبقدر ما تساهم هذه المعركة في تحقيق التغيير واستعادة الأنا التاريخية المبادرة في استيعاب الحداثة وتوطينها تمهد الأرض لتجاوز القطيعة بين تيارات إسلاموية وتيارات علمانوية متنافية وتهيؤ للخروج من فقر المقاربة التاريخانية وسحرية المقاربة الثقافوية ورؤيتها الحضاروية التبسيطية معا.

mercredi, août 17, 2005

التاريخانية وترف التفكير في الديمقراطية

اتحاد 17 آب أغسطس 2005
في رده على مقال كنت قد كتبته في موضوع التمييز بين مفهومي الليبرالية والديمقراطية كتب الزميل عبد الرزاق عيد مقالا عنيفا بعنوان "النخب السورية وترف الاختيار بين الديموقراطية والليبرالية!" ( كلنا شركاء 8/8/2005 ) اعتبر فيه أن هذا التمييز هو من نوع الترف العقلي في بلد يعيش منذ أكثر من أربعين عاما تحت نير الشمولية والنظم الاستبدادية. والحجة الوحيدة التي يقدمها لتبرير موقفه من هذا التمييز الذي يندرج في مناقشة المسائل النظرية والاستراتيجية المتعلقة بعملية التحول الديمقراطي في سورية والبلاد العربية، هي أن "المجتمع السوري بحاجة، من منظور تاريخانية ماركس ذاته، إلى مرحلة انتقالية ليبرالية (عارية بلا لبوس) وبدون شروط بمعناها القاع ، الخام (الحرية كذات دون صفات ) ، بمعناها الطازج بدون أية منكهات ، تماما مثلما استلهمها الفكر الليبرالي العربي التنويري منذ بداية القرن العشرين من الكتاب الشهير لجان ستيوارت ميل "في الحرية" الذي لا يزال يمارس مرجعيته النظرية حتى اليوم ، حتى في المجتمع الأمريكي ذاته الأكثر تفننا وتفكها بأنواع الليبراليات القديم منها والجديد". فلا يملك المجتمع السوري المبتلي بالاستبداد ترف النقاش في موضوع الحرية ولا التفريق والتمييز ومن باب أولى كما يذكر في عنوان مقاله الاختيار بين الليبرالية والديمقراطية.
والواقع أن هناك في هذا الرد سوء فهم وابتعاد كبير عن مضمون المقال الذي كتبته وهدفه معا مردهما الاختلاف بين المنهج التاريخاني الخطي الذي يأخذ به عبد الرزاق عيد، وهو ما أوحى له الرجوع إلى كتابات عبد الله العروي وياسين الحافظ،، ومنهج النقد التاريخي الذي أتبعه والذي لا يعتمد نظرية المراحل التاريخية المتعاقبة وإنما السياقات التاريخية الخاصة والمركبة.
وسوء الفهم واضح في عنوان الرد نفسه. فليس في ما كتبته ما يشير من قريب أو بعيد إلى ضرورة الاختيار بين الليبرالية والديمقراطية على الإطلاق وإنما التمييز بينهما حتى لا يبتلع مفهوم الليبرالية إشكالية الديمقراطية نفسها ويحرم أولئك الذين لا يؤمنون بالليبرالية كفلسفة للحياة أو كاستراتيجية تنمية إقتصادية من حقهم في الانتماء إلى الديمقراطية والتمسك بنظامها من قوميين ويساريين وإسلامييين. فمستقبل الديمقراطية عندنا كما ذكرت يكمن في تعميم مفهومها وإرادة الأخذ بنظامها عند جميع التيارات الفكرية والسياسية لا حصرها بفريق ايديولوجي واحد وإدانة الآخرين بالبقاء، مهما حصل لهم من تجارب، في إطار الشمولية أو إغلاق الطريق أمام احتمال تقدمهم نحو مواقف ديمقراطية. ويفهم من هذا التمييز كما هو واضح أن من الضروري أن تفتح الديمقراطية صدرها لغير الليبراليين ولا يمكن بأي حال أن يفهم منه أن المطلوب هو الاختيار بين الديمقراطية والليبرالية أو أن الليبراليين لا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين. ولا من باب أولى أن الديمقراطية تتطلب رفض الليبرالية أو العكس.
ومن بين الحجج التي استخدمتها لتبرير موقفي النظري في أهمية التمييز بين المفهومين أو عدم المطابقة بينهما هي أن الليبرالية نفسها من حيث هي مفهوم ونظام اقتصادي اجتماعي هي ظاهرة تاريخية متطورة ومتغيرة. ولذلك لا يمكن الاستمرار في استخدام مفهومها كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر من دون النظر إلى الدلالات الجديدة أو الإضافية التي اكتسبتها عبر التجربة التاريخية. فهي لا تستخدم اليوم في الفكر السياسي المعاصر للتعبير عن فلسفة الحرية الفردية، كما يستخدمها خطاب النخبة العربية الراهنة في سعيها إلى التمايز عن النظم الشمولية، بقدر ما تشير إلى نموذج من النظم الاجتماعية التي لا تهتم بالحريات الفردية والمعايير الإنسانية في إدارة المجتمعات وتنظيمها بقدر ما تعطي الأولوية لمنطق النمو الاقتصادي الذي تعتقد أنه القاطرة لكل أشكال النمو السياسي والثقافي الأخرى. ولذلك ترتبط كلمة الليبرالية المتجددة منذ السبعينات من القرن الماضي بسياسات الخصخصة وتصفية دولة الرعاية الاجتماعية وترجيح كفة رجال الأعمال على حساب طبقات المنتجين وما كانوا يتمتعون به من ضمانات اجتماعية وتأمينات. وفي العموم يرتبط مفهوم الليبرالية اليوم بالتركيز على سياسات السوق العالمية وحرية التجارة وخلق شروط جذب الاستثمارات والرساميل لتحسين فرص التقدم الاقتصادي والتكيف مع حاجات توسع الرأسمالية العالمية. وعندما نصف اليوم في النقاش العالمي حكومة ما بالليبرالية فليس ذلك من أجل الإشارة إلى أنها تعتمد نظام التعددية السياسية أو الاعتراف بالحريات الفردية، وهو تحصيل حاصل بعد انهيار الفكرة الشمولية، وإنما بالعكس من ذلك للإشارة إلى أنها تتبع سياسات تخضع فيها حريات الأفراد وجميع الحقوق الإنسانية، التي استندت في نموها التاريخي إلى فلسفة الليبرالية الكلاسيكية، لمنطق التوسع الاقتصادي وتوحيد الأسواق العالمية وتشجيع الاستثمار، أي باختصار لتقديم مصالح رأس المال وفرص نموه على مصالح الفرد في العدالة والحرية والمساواة. وفي المقابل أصبح الدفاع عن هذه القيم وفي مقدمها توسيع اختيارات الفرد وضمان حرياته الأساسية محور برامج اليسار الذي تراجع نحو مواقع إنسانوية بعد أن انهارت برامجه التقليدية الوضعانية.
لكن حتى قبل هذا التاريخ، لم يكن التطابق بين الرأسمالية والحريات السياسية والمدنية هو السمة الغالبة على الليبرالية. فقد شهد القرن الماضي، خارج الدائرة الغربية والأطلسية عموما، تجارب اجتماعية عديدة لم ترتبط فيها الليبرالية الاقتصادية بالديمقراطية السياسية. وهو ما ميز تجربة اليابان قبل هزيمتها في الحرب العالمية الثانية كما ميز في العقود القليلة الماضية تجربة النمور الآسيوية وما يميز اليوم تجربة أكبر جماعة سياسية قائمة، أعني الصين. ويشير ذلك كله إلى أنه لا يوجد تطابق حتمي أو كلي أو بالمطلق بين الاختيارات الاقتصادية الليبرالية والاختيارات السياسية الديمقراطية. ومن هنا قلت إن من المفيد لأصحاب التيار العربي الليبرالي الوليد أن يدخلوا هم أيضا هذا التمييز في حسابهم حتى لا ينخدعوا باحتمال صدور الديمقراطية تلقائيا عن تطبيق سياسات الخصخصة والاندراج في السوق العالمية وأن يدركوا أن تحقيق هذه الديمقراطية ليس تحصيل حاصل وإنما يحتاج إلى عمل سياسي كبير وواسع على المستويات النظرية أولا، أي في مجال تعميق الوعي بها وبمتطلبات تحقيقها، وعلى المستويات العملية ثانيا التي تعني النجاح في بناء الفاعل الاجتماعي المؤهل لبنائها أو القادر عليه. لا يعني هذا أبدا أن الليبرالية مناقضة للديمقراطية أو أنه لا معنى لقيام حزب ليبرالي في العالم العربي. إنما يعني أن تبني الليبرالية لا يؤسس اليوم لوحده لإدراج البلاد والمجتمعات في مسار الديمقراطية ولا يعفي من العمل الموازي لتأمين الشروط الإضافية، النظرية والعملية أيضا، لتعزيز فرص اختيار نظام الحريات الفردية. ولعل إدراك الليبراليين العرب الجدد لهذه الحقيقية هو الذي دفعهم لإطلاق اسم الليبراليين الديمقراطيين على حركتهم وليس الليبراليين فحسب.
وهذا يعني أننا لن نستطيع بلوغ الوضعية المجتمعية السياسية التي تسمح بالانتقال من نظم السلطة المطلقة إلى نظم تعددية ثم ديمقراطية من دون أن ننجح أولا في حل التناقضات القائمة داخل الوعي المجتمعي نفسه، أي في بلورة رؤية متسقة للعملية التحويلية، وثانيا في بناء قطب ديمقراطي واسع يضم جميع أو أغلب تيارات الرأي العام العربي. فلا يكفي للوصول إلى الديمقراطية أن يتبناها الليبراليون من دون الآخرين وأن ينكروا على خصومهم الفكريين من القوميين واليساريين والاسلاميين حقهم في اعتماد الديمقراطية أو الانتماء لنظامها وفكرتها. إن تقدم قضية الديمقراطية يحتاج إلى تبنيها من قبل الجميع، قوميين ويساريين وإسلاميين، حتى لو لم يكن هذا التبني على مستوى واحد وبشكل كامل. ومن مصلحة الديمقراطيين أو من يكافحون بالفعل من أجل مجتمعات عربية ديمقراطية عدم قصر أبوة هذا النظام على تيار من دون غيره وبالعكس إظهار اتساقه مع جميع التيارات الأخرى أو إذا أمكن بناء هذا التوافق والاتساق.
واضح إذن أننا هنا في مجال التدقيق المفهومي الذي لا بد منه لصوغ أي رؤية نظرية متسقة لا غنى عنها لتطوير الممارسة السياسية، وهنا بيت القصيد. بالمقابل عندما يكتب عبد الرزاق عيد بأننا لا نملك ترف التدقيق في مفهوم الليبرالية والديمقراطية في ظروفنا الصعبة الراهنة وعلينا أن نقبل بالليبرالية بعجرها وبجرها كما تفرض علينا، فهذا يفترض أن الليبرالية والديمقراطية آتيين إلينا على حصان التاريخ الأبيض من تلقاء نفسهما ومن المحتمل أن تؤدي اشتراطاتنا عليهما إلى تجفيلهما ومنعهما من الوصول. فعلينا أن نقبل بهما كما هما ولا نصعب الأمور علينا وعليهما. بل يفهم من كلامه أن مثل هذا التفكير بشروط تحقيقهما هو من قبيل التدلل أو حتى البطر الذي يؤدي بصاحبه إلى الخسارة لا محالة. وهذا يعني أن عبد الرزاق قد فهم أن معركتنا كانت ضد الليبرالية وما تعنيه من اعتراف بالحريات الأساسية وأن تمييزنا المفهومي لم يكن سوى ذريعة للجم هذه الحريات الفردية التي تعد بها الليبرالية باسم قيم لا حاجة إلى التذكير بها مثل المساواة والعدالة الاجتماعية.
والحال أن مشكلتنا ليست كما يعتقد عيد في تقليم أظافر الليبرالية السياسية التي تتجه إلينا ولا في رفضنا لها وإنما بالعكس في عدم قدومها أو صعوباته الجمة، مما يحتاج إلى عمل ضروري لتذليل العقبات التي تحول دون قدومها وتوسيع دائرة الاستقطاب الديمقراطي الذي يحتاج إليه بناؤها أكثر مما يحتاج إلى مديح ظلها أو الاختيار بين أشكالها. ولو كنا ضامنين لحركة التاريخ التلقائية التي تدفعنا نحو الليبرالية الديمقراطية ومؤمنين بها لأصبح التفكير النظري في إشكالية الديمقراطية ترفا عقليا بالفعل. بيد أن المشكلة هي أن الليبرالية والديمقراطية ليستا تحصيل حاصل ولا يمكن الوصول إليهما من دون السعي إليهما. فهما نتيجة عمل المجتمع وكفاحه النظري والعملي وليس ثمرة حتمية تاريخية. ومن الممكن في غياب مثل هذا العمل أو بسبب عدم اتساقه أن لا نعرف أيا منهما، أقصد لا الليبرالية الاقتصادية المحركة لاقتصاد السوق الرأسمالي المنتج ولا الديمقراطية المكونة لمواطنية حقيقية حرة ومتساوية. فلا شيء يمنع من أن يأتي الانفتاح الاقتصادي كما حصل حتى الآن في صورة إعادة بناء للسوق الاحتكارية العائلية أو المافيوية. كما لا شيء يمنع من أن يترافق اقتصاد السوق الاحتكارية المافيوية بديكتاتورية عسكرية أو مدنية. فكلاهما ثمرة بناء اجتماعي. وطبيعتهما مرتبطة بنوعية هذا البناء واتساقه النظري والعملي. ومن دون هذا العمل البناء لن يقدم التاريخ بذاته شيئا، لا رأسمالية ولا ليبرالية ولا ديمقراطية، وإنما الفوضى والخراب فحسب.
ومن الواضح أنه من الصعب فهم ذلك إذا بقينا مشدودين إلى فكر ما قبل نهاية الحرب الباردة ولم نستوعب دروس الثورة المعرفية الجديدة التي قادت إليها أزمة الحداثة. وهذا ما يقودنا إلى جوهر موضوع الخلاف أعني الاختلاف المنهجي. فبعكس ما تشير إليه المدرسة التحديثية التاريخانية والوضعانية العربية التقليدية التي وجهت لها النقد في كتاب "المحنة العربية"، وهي المدرسة التي يجسدها على أفضل وجه عبد الله العروي ويسين الحافظ وكثير من التنويريين والتقدمويين الحاليين الذين يستشهد بهم الزميل عبد الرزاق عيد، أنا لا أعتقد أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ مراحل متعاقبة حتمية. ولا ينبع ضعف التجربة العربية من أننا لم نمر بالمرحلة الليبرالية التي لا بد منها حتى نستطيع الوصول إلى المرحلة الاشتراكية. كما أنني لا أعتقد أن الأصل في مشكلة الاشتراكية كما كانت مطروحة في الستينات والسبعينات في بلادنا نقص التقاليد الليبرالية ولكن بالعكس تماما، انعدام شروط إعادة إنتاج الليبرالية "الأصلية" أو "الحقيقية" ذاتها. ولم تكن الاشتراكية التي طرحت نفسها بديلا عنها سوى التعبير المباشر عن هذه المشكلة والهرب من مواجهتها معا.
وهذا يعني أن الخطأ لا يكمن في تقدير أولوية المراحل وإنما في تاريخانية المراحل ذاتها. وما يستحق النظر في "بيان من أجل الديمقراطية" الذي صدر في السبعينات، ليس تقديمه مرحلة الديمقراطية على الاشتراكية وإنما نقد مفهوم الاشتراكية نفسه ومن ورائه مفهوم المراحلية التاريخية وبالتالي سعيه إلى إعادة طرح قضية التحول التاريخي من منظور رفض النماذج والمراحل الجاهزة لا رفض نظرية حرق المراحل وحدها. وفي هذه الحالة لن يمكن حل المهام التاريخية، أو المشاكل التي تطرحها الحداثة على المجتمعات الفقيرة والصغيرة والمتأخرة، من دون إعادة نظر جذرية في نظريات الفكر السياسي ومفاهيمه نفسها وفي الاستراتيجية الاجتماعية أيضا وبالتالي من دون قدرة على العمل من خارج الصيغ التي عرفتها الدول الليبرالية الأولى. فالتاريخ ليس تعاقبا للحقب المماثلة وليس تكرارا لنماذج واحدة وإنما هو إبداع مستمر لصيغ ونماذج وبالتالي لمفاهيم ورؤى واستراتيجيات جديدة مركبة تخترق المراحل والنماذج نفسها وتعيد تركيبها على أسس وحسب معايير مختلفة. وهذا ما يرهن طبيعة التغيير الحاصل في بلد ما بالكفاح النظري والعملي الذي يخوضه المجتمع وينفي عن كلاهما صفة الترف أو عدم اللزوم.
باختصار إن المشكلة لا تكمن في تهذيب الليبرالية السياسية وتشذيبها وإنما بالعكس في بناء الرؤية النظرية والعملية الضرورية لايجادها وتمهيد الطريق لقدومها. فهي لا يمكن أن تأتي من دون هذا الوعي الصحيح بشروط "قدومها" ذلك أنها لن تأتي من تلقاء نفسها ولكنها تحتاج كي تتحقق إلى عمل اجتماعي كبير أي انخراط المجتمع كله في عملية تحول نظرية وسياسية معا. فهي ليست مرحلة قادمة لا محالة بقوة التاريخ والطبيعة وإنما هي بناء اجتماعي قد يحصل وقد لا يحصل وقد ينجح وقد يخفق أيضا. لكن على جميع الأحوال لن تأتي من دون بناء فكرتها بشكل متسق وهو ما يتطلب الدقة في التفكير والتدقيق في المفاهيم وفي استراتيجية العمل والصراع لتذليل الطريق الموصل إليها.
وكما أنني لا أعتقد بوجود مراحل ثابتة مطبوعة في ترسيمة تاريخية كونية سابقة على قيامها فأنا لا أعتقد أيضا بوجود مقدرات مجتمعية ثابتة أو نموذجية. فالمجتمعات هي ثمرة عمل أبنائها في شروط بيئتهم المحلية والإقليمية والعالمية. ونظرية المراحل التاريخية الماركسية الخماسية المعروفة تجريد عمومي محض. ولذلك قلنا عنها أنها ترسيمة فحسب ولا علاقة لها بالتاريخ الفعلي لأي مجتمع من المجتمعات. ففي الواقع لم يتطور أي مجتمع حسب المراحل الخمسة على الإطلاق. فالمجتعات التي تشهد تطورا نموذجيا لصيغة تنظيمية، أو لمرحلة من المراحل الماركسية، وتكون موطنها الأول تنطبع بها وتخفق عادة في التكيف مع مرحلة لاحقة ومن باب أولى في توليدها. ومتى ما مر وقت المرحلة على مجتمع انعدمت شروط إعادة إنتاجها كما هي ودخل هذا المجتمع في سياق مختلف يفرض عليه إعادة نظر جذرية بشروط تحقيقها حتى يستطيع استدراك المهام التاريخية المرتبطة بها. فالتصنيع الذي شهدته وتشهده بلدان العالم الثالث يختلف اختلافا جذريا في مضمونه وآليات تحقيقه وشروطه عما حصل في المجتمعات التي حدثت فيها الثورة الصناعية الأولى ولا يعطي الثمار ذاتها ولا الهياكل نفسها. وقد ارتبط تعميم الليبرالية الاقتصادية والنجاح في الثورة الصناعية في القارات الثلاث الفقيرة بنشوء نظم ديكتاتورية قوية لم تكن قادرة على البقاء والانجاز أيضا إلا بقدر ما كانت حليفة للولايات المتحدة والحلف الأطلسي عموما في الحرب الباردة. ولا شك في أن دخول بلدان جديدة صغيرة وفقيرة كالبلدان العربية في نظام الليبرالية الاقتصادية في عصر السوق العالمية والعولمة وفي عصر الثورة التقنية والعلمية لن يتم بالشروط اليابانية والصينية ذاتها ولن يقدم النتائج السياسية والثقافية نفسها التي قدمها للدول التي دخلت فيه في عصر الثورة الصناعية الأولى والسوق الوطنية. وكما أنه لا توجد في نظري مراحل مماثلة وثابتة تمر بها الشعوب أو تفرض نفسها على الشعوب من دون إرادتها ومن دون عملها، لا مشاعية ولا عبودية ولا إقطاعية ولا رأسمالية ولا اشتراكية، كذلك لا توجد في نظري في التاريخ الاجتماعي حتميات صارمة. ومن الممكن لبعض المجتمعات أن تموت وتزول من الوجود أو أن تنحل كمجتمعات وتذوب في غيرها قبل أن تعرف الليبرالية أو الديمقراطية.
ومن هنا لم يذهب "بيان من أجل الديمقراطية" مذهب القائلين بضرورة المرور بالمرحلة الليبرالية كما ذهب العروي ولكنه انتقد مفهوم الاشتراكية نفسه. وكذلك الأمر بالنسبة لكتاب الخيار الديمقراطي في سورية الذي سعى إلى تمييز فكرة السوق داخل الرأسمالية كي يعيد تفكيك مفهوم الليبرالية نفسه. فهما لا يتحدثان عن مرحلة تاريخية حتمية أو ضرورية ينبغي التسليم لها أو بها وإنما عن كفاح المجتمعات بفئاتها المختلفة من أجل بناء نظام إجتماعي يحترم الإنسان، أي بناء النظام المدني الأساسي الذي يمكن المجتمعات من إنجاز جميع "مهام" المراحل التاريخية التي أخفقت من قبل في تحقيقها، لكن في إطار إبداعي أي تركيبي يدمج بين هذه المهام المختلفة وحسب جدول أعمال خاص بها وبتاريخها الذاتي، واللحاق بالمسيرة التاريخية العامة والمتواصلة. فلا توجد مراحل متعاقبة هنا ولكن صيغ تركيبية تخترق المراحل وتتجاوزها وتعيد صياغة المهام وتجدد فيها وتختصر منها. ولا توجد حتميات تاريخية وإنما رهان على وعي البشر أنفسهم وكفاحهم. وهذا هو الذي يميز مفهومنا للديمقراطية، التي تقوم على اجتهاد المجتمعات وجهدها وترتبط بهما، عن مفهوم الليبرالية التي تفرض نفسها كمرحلة تاريخية تسبق الاشتراكية وتؤسس لها كما توحي به بعض تأويلات الماركسية المتأخرة ، وهو كذلك الذي يميز منهج النقد والابداع التاريخي عن منهج التاريخانية التبسيطية والتجريدية. فالمراحل التاريخية من وحي التاريخ النظري أما النظم الاجتماعية الحية فهي من صنع المجتمعات وثمرة كفاحها. ولذلك فإن صلاحها يرتبط بصواب تفكيرها وحسن سياساتها. ويخشى على المجتمعات التي لا ترى في الجهد النظري النقدي سوى إضاعة للوقت ومعارضة للتاريخ أن لا تعرف من حركة التحول الاجتماعي سوى الاستقرار على تلك النماذج الدنيا من التنظيم الاجتماعي التي لا تعتمد معيارا للتراتبية وتقدير المسؤولية سوى معيار العنف وإرادة القوة. وهو ما يسود اليوم مجتمعاتنا على مستوى الدولة ومستوى النخب الاجتماعية وما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة تحكم علينا بأن نأكل بعضنا البعض وتحرمنا من إطلاق أي ديناميكية تاريخية إبداعية.