jeudi, octobre 04, 2007

في أصل المصاب العربي

الاتحاد 4 اكتوبر 07
لم أشارك في السنوات الأخيرة في ندوة أو محاضرة لم تطرح فيها الأسئلة الصعبة والمحيرة معا حول المصير العربي: كيف صار العالم العربي على ما هو عليه اليوم من تخلف وضعف وانتشار للعنف وسيطرة عقلية التكفير والرأي الواحد ورفض الآخرين، وكيف يمكن الخروج بالمجتمعات العربية من حالة الاستبداد والسيطرة الخارجية وعقليات القرون الوسطى إلى رحاب الحرية والسيادة والحداثة المادية والسياسية والثقافية؟
جوابي في مواجهة هذا الاحباط العربي العميق هو أنه لا يوجد في ذلك أي سر. فنحن ببساطة مجتمعات تأخرت في استيعاب التجديدات والابداعات والتنظيمات التي كونت المجتمعات الأوروبية والصناعية الحديثة عموما. ولذلك نحن بحاجة إلى بذل مجهود أكبر وأسرع من الدول المتقدمة حتى نستطيع أن نساير العصر ونسير بموازاة الآخرين الذين سبقونا. فوضعنا كوضع التلميذ الذي يلتحق متأخرا بالصف الدراسي. لا يستطيع أن يكون على المستوى نفسه مع زملائه من دون بذل جهد استثنائي. بنبغي أن يعمل أكثر ويواظب أكثر ويجد أكثر ويتعب اكثر.
مشكلتنا اننا فعلنا العكس ولا نزال. قمنا بثورة لم نوفق بها، ففشلنا ثم أصابنا شعور بأننا مهما فعلنا لن نستطيع أن نتدارك التأخر الذي حصل لنا، فاخترنا طريق التغطية على تأخرنا، سواء بالتدجيل والدعاية وادعاء الانجاز الشكلي من دون تحقيق أي إنجاز في الواقع، أوبالهرب من الحاضر لإخفاء خجلنا من ضعفنا وعجزنا وراء إنجازات الماضي وتمجيدها، أو أخيرا بتحويل تأخرنا إلى قيمة خاصة بنا وعنصر من عناصر هويتنا، بل بتحويل تقدم الآخرين إلى عيوب ومثالب. فبدل أن نسعى للتقدم بشكل أسرع حتى نتمكن من الالتحاق بالركب، انكفأنا على ذاتنا، وشغلنا أنفسنا بهواجسنا وأسرفنا في تغذية أوهامنا ورعايتها، تحت شعار الحفاظ على هويتنا أو العمل على استعادتها، وهي التي لم نضيعها لحظة، وليس هناك أي سبب كي نضيعها. ولأن مواردنا ما فتئت تقل مع قعودنا عن العمل وهمود همتنا، حكمنا على أنفسنا بالاقتتال والنزاع في ما بيننا على تقاسم ثروة مادية ومعنوية متناقصة ومتراجعة باستمرار، في مواجهة حاجات متنامية، تحت تأثير تمثلنا أنماط الاستهلاك الخارجية وتزايد عدد السكان بمعدلات تتجاوز كل معدلات زيادة السكان العالمية، حتى لو أنها، كما تدل إحصاءات آخر كتاب صدر بالفرنسية، بدأت تتراجع بصورة جدية (موعد الحضارات أو لقاؤها، للكاتبين يوسف كرباج وإمانويل تود). هذا هو جوهر المشكلة الحقيقي التي نعاني منها، وما تبقى تبريرات واختراعات وهمية وخيالية للدفاع عن النفس تجاه الشعور بالنقص والخجل والإخفاق والتأخر غير المستدرك واليأس.
ولذلك، بعكس ما أوحت به، في العقود الثلاث الماضية، ثقافة الهرب والانكفاء على الذات والتغطية على الفشل، باسم الدفاع عن الهوية والتراث، لم تشهد مجتمعاتنا أي صحوة دينية أو مدنية او مادية، ولكنها دخلت في أزمة عميقة وشاملة معنوية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية، أي في أزمة هوية أشد من السابق أيضا. فتحن نشكك اليوم بعروبتنا أكثر مما كان عليه الأمر في أي فترة أخرى، ونعتقد بعجزنا أكثر من أي وقت سابق أيضا، ونعاني من الضعف والتخاذل والانحناء أمام القوى الأجنبية كما لم نعرفه حتى في حقبة السيطرة العثمانية. فالاستسلام شامل، اما المقاومة فبؤر صغيرة مشتتة، ومعظمها متمفصل على منافسات ومنازعات مذهبية أو عشائرية أو دينية أو سلطوية أيضا. وقد زاد النزاع في ما بيننا، ونمت إرادة السيطرة بين أبناء جلدتنا بعضهم على البعض الآخر، وانهارت مفاهيم التعددية والقبول بالآخر في مجتمعاتنا، سواء أكان هذا الآخر سياسيا أو دينيا أو أقواميا أو حتى من جنس آخر. فكل واحد منا يعتقد أنه الأوحد والأصلح والأفضل والأحق من كل ما عداه بتبؤ مكانة متميزة واستثنائية. وأن له الحق في خدمة نفسه قبل الآخرين ومن دون النظر إليهم أو أخذ مصالحهم بالاعتبار. هذه هي حالة الفوضى والاضطراب الناجمة عن انهيار المعايير والقواعد والتخلي عن الالتزامات الجماعية والاستسلام لسيطرة المصالح الخاصة والشخصية، التي تميز سلوك أعضاء مجتمعاتنا، من قمة هرم السلطة حتى أبسط عامل.
وأصل الاستبداد هو هذا : أي غياب التضامن الجمعي، بما يعنيه من رؤية مشتركة، ومن التزام طوعي بضوابط وقواعد ومعايير وقيم إنسانية جامعة. فعندما لا يفكر كل واحد من أبناء المجتمع إلا في خدمة نفسه لماذا نريد أن يفكر أولئك المستفردين بسلطة القرار والمسيطرين على الدولة ومواردها بخدمة غيرهم من أبناء الشعب؟ إنهم لا يتصرفون إلا كما يتصرف كل واحد منا.
لن نخرج من هذه الأزمة الشاملة، التي أسميها أزمة الاجتماع العربي بأكمله، إلا بمواجهتها والتعرف عليها من حيث هي كذلك، لا صحوة ولا عودة للأصالة ولا تاكيد على هوية أو ثقافة أو حضارة مختلفة. عندئذ فقط يمكن التحقق من المشاكل وفهمها والتعرف عليها لا طمسها وتزيينها وتخريجها كمزايا او انتصارات أو عناصر هوية. وعندئذ يمكن أيضا البحث فيها وايجاد الحلول لها. وهذه الحلول تتلخص كلها في جملة واحدة: أن يتحمل الجميع وكل فرد مسؤوليته في ما حدث من تراجع في بنية علاقاتنا الاجتماعية، ومن تقهقر في أوضاعنا الأخلاقية والسياسية. وهذا ما يرتب على كل واحد منا أن يتحلى بالشجاعة الكافية لمراجعة أهدافه وتوجيه النقد لنفسه والتعرف على العطب الكامن في سلوكه. ثم، وهذه الخطوة الثانية الضرورية، تحمل الجميع وكل فرد مسؤوليته الخاصة، ومعرفة ما يترتب عليه لإرساء أسس نظام اجتماعي جديد، أي ببساطة، علاقة اجتماعية، أو علاقة مع الآخر، يحترم فيها الانسان وكل فرد الإنسان والفرد الآخر، بصرف النظر عن دينه ومذهبه وأصله الاجتماعي وجنسه، ويجعل من الارتقاء بشروط حياة الانسان المادية والمعنوية، وتنمية مواهبه، وتعميق وسائل التواصل والتضامن والتكافل بين أفراد مجتمعاته، أي باختصار سعاده المجتمع، غاية الدولة أو التنظيم السياسي والمدني.
من دون ذلك سوف نستمر نتخبط في الأزمة الشاملة التي نعيش فيها، مع خطر أن نفقد بشكل أكبر شعورنا بأننا نعيش في أزمة، ونقبل بتخلفنا وفوضانا واستبدادنا وغياب نظام القانون والسياسة والأخلاق عن مؤسساتنا، بما فيها الدولة، باعتبار كل ذلك من سماتنا الوطنية وعوامل أساسية في بناء هويتنا الثقافية. وفي هذه الحالة سوف ندخل في حقبة من الهمجية والبربرية المستدامة التي لن نخرج منها قبل عقود طويلة.
البداية تكمن في أن ندرك أننا نحن المسؤولين عن أنفسنا، وعن مصيرنا، ولا أحد غيرنا، أي أن يدرك كل واحد منا أنه مسؤول عما يحصل لنا جميعا، وإن لم تكن مسؤولية كل منا مساوية للأخرى.

mercredi, octobre 03, 2007

الفتنة ا لفكرية ومصير المجتمعات العربية

الاتحاد 25 سبتمبر 07
ما يميز مجتمعاتنا العربية اليوم هو تصدعها وانقسامها بين أكثرية فقدت الثقة بالصيغ والحلول الحديثة، وتعتقد ان المسؤول عن الأزمة اوالتخبط الراهنين هو هذه الصيغ نفسها، وأقلية تعتقد أن السبب يكمن في التقاليد الدينية الموروثة التي تتعايش معها النخب الحاكمة بدل استئصالها. وكما تطالب الفئة الأولى بتطهير المجتمع والبلاد من آثار التغريب والحداثة، تنادي الفئة الثانية بمواقف جذرية مما تسميه قوى الظلامية والرجعية.
ويولد هذا الانقسام، بل الفصام، المستند إلى هيجانات واحتقانات نفسية وسياسية لا إلى مقاربات عقلية وموضوعية، حربا أهلية معلنة او كامنة لا أمل لأحد في حسمها. ليس لأن الأقلية التي تسمي نفسها علمانية، وهي ليست كذلك، تحتكر، في مواجهة الأكثرية الاسلاموية، في أغلب البلدان، السلطة وموارد القوة واستخدام العنف فحسب، ولكن أكثر من ذلك لأن كلاهما: مشروع الدولة الإسلاموية، أي مدعية التطابق مع تعاليم الاسلام، ومشروع الدولة العلمانوية، التي تريد أو تدعي أنها تريد أن تكرس خيار الحداثة وتدافع عنه، بالوسائل القهرية، طريق مسدود. المشروع الأول لأن الإسلاموية ليست مشروعا أصلا، وإنما هي لافتة تنضوي تحتها مشاريع أو أشباه مشاريع ومطالب وتطلعات مختلفة ومتباينة ومتناقضة، لا يمكن أن تقود، عندما تواتيها فرصة الوصول إلى السلطة، وأحيانا قبل الوصول إلى السلطة، إلا إلى الانقسام المتزايد والاقتتال بين الإسلامويين أنفسهم. وهو ما جرى في جميع النظم التي انبثقت عنها في العشرين سنة الأخيرة. والمشروع الثاني لأن الإستبداد لا يمكن أن يقود، تحت أي يافطة جاء، إلى شيء آخر سوى خيانة الحداثة وقيمها، وتحويل الدولة إلى مزرعة للأسر المالكة أو الحاكمة لا فرق، بقدر ما يعني قتل الرأي العام، وتفريغ المجتمع من الحياة السياسية، وإكراه الأفراد على الخضوع والطاعة العمياء. فإلغاء الحريات هو الأساس لإجهاض الحداثة وقطع الطريق على أي تقدم آخر، في الاقتصاد والسياسة والعلم والتقنية والإدارة والأمن الوطني والأهلي على حد سواء. فالحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية هي منطلق الحداثة وشرط وجودها، لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء الفرد كمواطن مستقل ومسؤول، ومبدأ تربيته كمصدر وعي وصاحب إرادة ومبادرة، وبالتالي كمشارك أو شريك في جماعة سياسية تتجاوز الرابطة الدموية أو الدينية والمذهبية. ومن دون ذلك ليس هناك أمل لا في قيام أمة ولا دولة حديثة ولا مجتمع مدني.
كان من الممكن أن يقود هذا الانسداد المزدوج إلى انتشار إدراك أعمق بالأزمة التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، ويمهد للخروج منها بصورة أسرع، لو لم ينفتح الانقسام الداخلي ويرتبط التصدع الوطني بصراع أوسع، دولي وإقليمي، يشكل الشرق الأوسط، والمشرق العربي خاصة، مسرحه الرئيسي. بيد أن اندراج الطرفين المتنازعين، بوعي أو من دون وعي، في الاستراتيجيات الدولية واصطفافهما وراءها قد عملا على تعزيز هذه القطيعة، ودفعا نحو حرب داخلية مرتبطة بالحرب الدولية والإقليمية ورهينة لها. فقد أعطى هذا الاصطفاف للفريق العلمانوي المحلي، في كل البلدان العربية وعلى مستوى المنطقة ككل، الانطباع أن بإمكانه الفوز بالمعركة وحسم الموقف لصالحه طالما أنه يحظى بدعم دولي واسع، كما أعطى الانطباع للفريق الإسلاموي بأن التنازل أمام الأقلية "العلمانية" المسيطرة لا يعني خيانة الأغلبية المؤيدة له فحسب وإنما أكثر من ذلك الاستسلام أمام قوى الهيمنة الدولية والاستعمارية.
هكذا تحولت الإسلاموية، التي بدأت كحركة احتجاج داخلي على الظلم الاجتماعي والتسيب القانوني والاستهتار بمصالح الناس ومستقبلهم، إلى ما يشبه الحرب العالمية ضد "الإمبريالية" والسيطرة الخارجية، السياسية والثقافية، وقواعدها المحلية. وهو ما عززته السياسات الغربية التي وجدت هي نفسها في الإسلاموية عدوا استراتيجيا وتاريخيا بديلا يعوضها عن انهيار العدو السوفييتي، ويبرر للمركب الصناعي العسكري، وللمصالح الاستعمارية أو شبه الاستعمارية عموما، الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها في البلدان الصناعية. وبالمقابل، تحول الدفاع عن مشروع الحداثة العلمانوي إلى حرب "وطنية" ضد الإسلام والإسلاميين، ومن وراء ذلك إلى ذريعة لتبرير الاستبداد والتحالف مع القوى الاستعمارية. كما تحولت شعارات الديمقراطية والعلمانية إلى حصان طروادة لتلك القوى الدولية الرامية إلى الاحتفاظ بنفوذها في مواجهة الموجة الإسلاموية، أو إلى منطلق لترميم النظام شبه الاستعماري الذي يستند إليه هذا النفوذ. لقد ضاعف ربط الصراعات الداخلية بالصراعات الخارجية من تعقيد المشكلة ومن تفاقم الأزمة، حتى لم يعد من الممكن مواجهة أي نزاع داخلي بمعزل عن الأقطاب الدولية.
وبدل أن نتجه نحو تسويات وطنية، كما حصل في جميع المجتمعات التي عرفت العديد من الأزمات، أصبحنا نتجه، مدعمين كل منا بحليف خارجي، بشكل اكبر، نحو القطيعة والتخوين المتبادل والمواجهات المفتوحة من دون نهاية. وبدل أن تقودنا مقاومة الأجنبي "وعملائه" إلى تعزيز استقلالنا الوطني عن الدول الكبرى، أو تدفع بنا "العلمانية" المزعومة إلى تعزيز التحولات الديمقراطية، عشنا في العقود الماضية التجربة المريرة للسقوط بشكل أكبر في التبعية والالتحاق بالقوى الأجنبية و تعزيز نظم العسف والاستبداد معا.
ليس المسؤول عن ذلك الإسلام أو العلمانية، وإنما تبني استراتيجيات خاطئة وغير ناجعة في مقاومة الظلم والاستلاب، وفي المحافظة على الدولة والنظام "العلماني" معا. فلم نر في المقاومة احتجاجا على الظلم والعسف والطغيان، ولكن نبذ القوى والأفكار والمواقع الأجنبية، التي طابقنا بينها والأفكار والقيم والقوى الحديثة. وهو ما زاد من تعميق الشرخ داخل المجتمعات. وبالمثل، لم نر في الحفاظ على النظم الحديثة العلمانوية سوى سياسات الأمن والقمع وقتل الحريات، التي ليس لها نتيجة أخرى سوى تعزيز قبضة الممسكين بالسلطة على ثروة البلاد والمجتمعات ومواردهما، وتحويل الفساد إلى سياسية وطنية.
وفي النتيجة لم نعمل بخياراتنا الخاطئة هذه سوى على تعميم الاقتتال وتخليده من خلال ربطه بأجندات خارجية. وقد عملت المطابقة الكلية بين مقاومة النفوذ الأجنبي والوطنية، وبين الحفاظ على النظم الحديثة والعلمانوية، على خلط في الاوراق قضي على ملكة التمييز عند الرأي العام، وجعل من شعار العلمانية أفضل وسيلة لحل عرى الوطنية ودولتها الحديثة، كما جعل من شعار المقاومة الإسلاموية أفضل وسيلة لتحويل حركة الاحتجاج الاجتماعي عن أهدافها الديمقراطية وجعلها غطاءا لنظم البطش والفساد والطغيان. وها هي مجتمعاتنا تتمزق بين أقليات اجتماعية تعتقد أنها لا تستطيع منذ الآن الاحتفاظ بوجودها والدفاع عن مصالحها وحقوقها الإنسانية وحرياتها إلا بالتعامل والتفاهم مع القوى الاجنبية ضد شعوبها، وجماهير مجروحة ومقهورة لا تجد في مواجهتها للنخب الحاكمة وحلفائها من وسيلة سوى بعث العصبية الدينية أو الإتنية أو الطائفية أو القبلية في غمار مقاومة لا يمكن أن ينجم عنها شيئا سوى تقويض أسس أي حياة وطنية.

lundi, octobre 01, 2007

من العلمانية إلى العلمنة

مجلة الآداب اللبنانية اكتوبر 07

1- العلمانية كظاهرة تاريخية
لا تكاد العلمانية تحقق أي تقدم في الحياة الاجتماعية العربية، لا على مستوى النظرية ولا على مستوى الممارسة، في الوقت الذي لا تكف فيه الفكرة الدينية، بأشكالها الأشد أصولية واحيانا تطرفا وعنفا، عن توسيع دائرة نفوذها واكتساح حقول جديدة من الممارسة المجتمعية، الفكرية والسياسية والاقتصادية. وربما ترجع هذه المراوحة في المكان، إن لم نقل الانحسار للفكرة العلمانية، في جزء كبير منها، إلى أسلوب تناولها من قبل أنصارها، على المستوى الفكري والسياسي على حد سواء. فهي لا تزال تطرح في الأدبيات السياسية والفلسفية الحديثة من زاوية ما تعبر عنه من قيم ومباديء سياسية ايجابية تتعارض مع متطلبات العديد من النصوص والممارسات الدينية السائدة، ونادرا ما يتجاوز الأمر ذلك إلى دراسة مساراتها العملية في سبيل الكشف عن معيقاتها، - التي لا تقتصر بالضرورة، ولا حتى بالدرجة الرئيسية، على العوامل الدينية، - وتعيين العوامل المساعدة على انتشارها، ووسائل العمل من أجل تحريرها من تناقضاتها وتعزيز قدراتها وفرص تطويرها.
أما على المستوى السياسي، فلا يتمتع المنادون بالعلمانية بأي رؤية مستقلة أو برنامج عمل خاص، يتيح لهم التأثير في مسار الصراع السياسي، والخروج من دائرة التجاذبات التي تتعرض لها قضية العلمانية، سواء أجاء ذلك على يد القوى الرسمية الحاكمة التي تستخدم التمسح بها كذريعة لمنع الانفتاح السياسي، أو على يد المعارضات المختلفة المتنازعة على تحديد موقعها ومكانتها في دائرة التحالفات المعقدة التي تسعى لبنائها في وجه السيطرة الطاغية للسلطة الأمنية. وأقصى ما يطمح إليه العلمانيون المخلصون لقضيتهم اليوم الاتحاد في جمعية مدنية تمكنهم من تطوير تفكير جدي ومعمق بمسائل نشر العلمانية وتجذيرها في تربة تتعرض أكثر فأكثر للتفتت والانجراف في اتجاه المواقف الأصولية الدينية.
ويبدو لي أن من الصعب إخراج القضية العلمانية من الطريق المسدود الذي وصلت إليه من دون تغيير في منهج تناولها، والانتقال من المقاربة الايديولوجية السائدة إلى المقاربة التاريخية والنقدية معا. وتقتضي هذه المقاربة في نظري التمييز منذ البداية بين العلمانية كمفهوم سياسي يشير إلى رؤية ايديولوجية لطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تنشأ بين المؤسسة الدينية والدولة في العصر الحديث، بمفهومها المواطني الجديد، والعلمنة كمفهوم علمي يعنى بوصف مسار أو مسارات تاريخية متباينة ومتعدد للوصول إلى ما تشير إليه العلمانية أو تهدف إلى تحقيقه، في سياق تكوين الدولة الحديثة وتعميم نموذجها، والذي لا يشكل موضوع استقلال السلطة الزمنية عن السلطة الدينية إلا أحد أبسط مشكلاته. بل ليس هذا الاستقلال نفسه إلا أحد منتجات إشكالية تتجاوز مسألة الفصل بين السلطات وتعنى بإعادة بناء النظام الاجتماعي العام برمته، ومن ضمنه العلاقة بين السياسة والعقيدة، بما يتطلبه ذلك من ضرورة مراجعة مفهوم السياسة وتأسيس موقف نسبوي في المعرفة أيضا[i].
ولا أبالغ إذا قلت إن أكثر ما أساء إلى مسألة العلمانية في الدائرة العربية هو تحويلها إلى مسالة شكلية تتعلق بالمقابلة بين صيغتين جاهزتين وكاملتين لعلاقة الدين بالدولة، وجعل الاختيار بينهما معيارا للأخذ بالحداثة والمدنية أو السقوط في البريرية. والحال ليست العلمانية مسألة رياضية تقف فيها نظرية السلطة الزمنية المثالية في مواجهة نظرية السلطة الدينية أو اللاهوتية الرديئة. إنها مسألة عملية، أي تتعلق بتحول تاريخي يمس وعي المجتمعات وبنياتها وأساليب تنظيمها، ويخضع بالضرورة لشروط وعوامل متبدلة ومتغيرة بتبدل البيئة الاجتماعية وتغير الظروف التاريخية لنشوء الدولة الحديثة وطبيعة هذه الدولة. وبالرغم من أن هذا التحول ينطوي على عناصر أساسية مشتركة هي التي تجعل منه ميدانا للدراسة المقارنة وموضوعا لمقاربة علمية، إلا أنه لا يختصر فيها. فنزوع المجتمعات المختلفة إلى تبني معايير وقيم وقواعد عمل متشابهة في التنظيم المدني والسياسي، ما يشكل أساس الاندراج في الحضارة وتجنب التهميش والخروج من التاريخ، يجد حدوده وأشكاله المتعينة والمشخصة في الشروط الخاصة لهذا الاندراج، والموارد المادية والمعنوية التي يتمتع بها كل واحد من هذه المجتمعات. ولذلك لا يمكن أن يخضع هذا التحول في اتجاه العلمنة لنموذج واحد ولا أن يكون متماثلا حتى لو كان له المضمون، أو بالأحرى المغزى، الواحد ذاته.
يدعونا هذا بالضرورة إلى التمييز داخل السيرورة العلمنية بين ما يشكل جوهر التحول التاريخي الذي تشير إليه، وينطبق على المجتمعات المندرجة في السيرورة الحضارية الواحدة، وما يشكل خصائص ذاتية نابعة من الظروف الخاصة لهذا الاندراج. فمن حيث هي اتجاه قاهر، وبالتالي موضوعي، لتسويد القيم الدنيوية المتعلقة بتحسين شروط الحياة الانسانية على الأرض، وبالتالي لتقديم الرأي على النقل، في المعرفة الدينية والزمنية معا، تشكل العلمنة اتجاها عاما موضوعيا لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يخلو منه من دون أن يدين نفسه بالهامشية التاريخية أو يعرض حداثته نفسها للاضطراب والتشويه. ومن حيث هي تجارب محددة لتجسيد هذا النزوع التاريخي والموضوعي في الواقع العيني، تشكل العلمنة ميدان تجلي مسارات متميزة، تعكس خصائص المجتمعات وشروط اندراجها التاريخية في الحداثة، أي في حضارة عصرنا، ودرجة تمثلها لمعاييرها، والسياقات التي حكمت مسيرتها، والصراعات الداخلية التي ثارت بموازاتها. هذا هو جانبها الخصوصي الذي يرتبط بكل مجتمع ويشكل جوهر تجربته التاريخية الحية أيضا.
ولهذا لا يقود المنهج السائد في الأدبيات العربية والغربية معا والقائم على تطبيق مفهوم العلمانية كما ظهر وتبلور في المجتمعات الغربية، لمعرفة ما إذا كانت هذه المجتمعات تتطابق مع النموذج النظري السائد أم لا، إلى أي معرفة ناجعة او جديدة، ولكنه يعيد اكتشاف ما هو معروف أصلا من أن المجتمعات غير الغربية لم تنتج النموذج الغربي للعلمانية والحداثة، ويغطي على المطلوب الأول وهو فهم خصوصية التجارب غير الغربية في طرق باب الحداثة وتمثل قيم العلمنة التاريخية. وبالعكس يتطلب توسيع دائرة معرفتنا بالحداثة، والعلمانية التي تشكل إحدى سيروراتها الرئيسية، دراسة التجارب التاريخية المختلفة والخاصة، وإظهار كيف حاولت المجتمعات المنتمية لدوائر حضارية متميزة، أن تجيب على تحدي الحداثة، وما هي الحلول التي قدمتها لمسألة العلمنة أو التي أخفقت في تقديمها. فبذلك نستطيع أن نساهم في بناء معرفة أكثر تعبيرا عن الواقع المتعدد والمتنوع، وأن نعيد في الوقت نفسه بناء مفهوم للعلمانية أكثر كونية وعمومية، يأخذ بالاعتبار الابداعات الخاصة بالتجارب التاريخية المختلفة.
بدل التثبت على التجربة التاريخية للمجتمعات الغربية،- التي لا يميزها تراث المسيحية وفصلها الضمني المفترض بين السلطة الزمنية والروحية فحسب، كما نميل إلى الاعتقاد عادة عندما تثار مسائل التمايزات الثقافية، وإنما أكثر من ذلك وأهم من ذلك، تراث الفلسفة العقلية، وما يرتبط به من أنماط خاصة بالمعرفة، التأملية والتجريبية معا، من دون الحديث عن ظروفها التاريخية - ينبغي توسيع دائرة النظر والمقارنة لتشمل مجتمعات الصين الكونفوشيوسية والهند البوذية ومعهما اليابان، وكذلك إلى حد كبير المجتمعات الروسية ومجتمعات أمريكا الشمالية والجنوبية. فلكل من هذه المجتمعات، حسب تجربتها التاريخية وتراثها الفكري الروحي والزمني، مسارها الخاص في التقدم نحو الحداثة، وبالتالي في حل الإشكالات التي تطرحها العلمنة، والتي تشكل العلمانية التعبير النظري والايديولوجي عنها، كما تبلورت في التجربة الأوروبية والمجتمعات الغربية. وسنكتشف عندئذ مسارات متعددة ومتميزة لإعادة تشكيل القيم الاجتماعية من منطلق التحول نحو العلمانية، على درجة أو أخرى من الاكتمال أو النقص أو الإعاقة والتخبط والانسداد. ولن نجد أبدا نظما اكتملت فيها عملية التحول التاريخية وأصبحت صيغها مثالا للعلمانية وأخرى مفتقرة كليا للتحول ومنتجة أبدية لصيغ النظم الدينية واللاهوتية. ما سنقع عليه هو أنماط وأشكال لا تنتهي من التوليفات المتباينة المتسقة والأقل اتساقا بين قيم وممارسات وأشكال تنظيم تتبع لمرجعيات مختلفة ومتعددة يستدعي تطويرها تحليل كل منها بدقة وعمق لكشف ما يعيق تقدمها.
وترتبط بهذه المقاربة المنهجية بالضرورة مراجعة المفهوم المبسط الذي سيطر ولا يزال يسيطر على الفكر السياسي العربي واضعا العلمانية في مواجهة الدين أو في تناقض معه. والحال أن العلمانية لا تتقدم على حساب تجريد الدين من صدقيته وحرمانه من هامش مبادرته واستقلاله، كما يعبر عنهما وجود سلطة دينية ذات صدقية ودور ومكانة في النظام العام، وإنما من خلال تعميق الانسجام والتفاهم داخل النظام المجتمعي العام نفسه بين سلطات تعترف كل منها بالأخرى وتحترم صلاحياتها وسلطتها. ومن دون ذلك لن يكون المجال العام إلا نهبا للفوضى والاقتتال والنزاع بين أفراد وجماعات لا تحظى بثقتهم وولائهم الفعلي أي سلطة تدعي السيطرة الكلية، سياسية كانت أم علمية أم دينية. فهي تشير إلى علاقة بين سلطات لا بين أفكار وقيم. وهذا هو المقصود من عبارة فصل الدين عن الدولة السيئة الحظ. فكي ما تكون هناك سلطات متعددة وقادرة على التفاعل والتوصل إلى قواعد ثابتة للتعامل في ما بينها، ينبغي أن تتحدد مجالات عمل خاصة بكل منها، وأن يسمح لها بأن تحدد هي نفسها، من داخل منطق عملها، القواعد التي تحكم ممارساتها والنظم التي تحدد سبل التقدم والارتقاء إلى مناصب المسؤولية، والقرار الذي يخصها. من دون ذلك لا يكون هناك نظام اجتماعي ولكن فوضى عارمة ومستمرة[ii].
2 - مفهوم العلمنة
ما العلمنة؟ إنها ببساطة تحول مركز التطلعات البشرية، بموازاة صعود النزعة الانسانية، من القيم اللاهوتية المتركزة على ضمان الحياة الآخرة، إلى القيم الدنيوية المتمحورة حول تحسين شروط الحياة الانسانية على الأرض وفي الدنيا. وهذا ما يجعل الإنجازات الدنيوية مصدرا للسعادة والنجاح لدى الأفراد، سواء أكانت مادية تتعلق بتأمين رفاه الفرد، أو معنوية تشير إلى تطور منظومة الحقوق والحريات التي تؤمن احترام الفرد كذات مستقلة، وتقدم له ضمانات قانونية لممارسة هذا الاستقلال، من أمن وسلامة بدنية واعتراف بالأهلية السياسية والمسؤولية والحصانة الأخلاقية. وينجم عن ذلك تبدل في نمط إنتاج البشر، وأسلوب تنظيمهم الجماعي، وإعادة توزيع للجهد والعمل، النظري والعملي، وتنظيم ميادينه أيضا بطريقة مختلفة عن تلك التي سادت في القرون الوسطى السابقة التي سيطرت عليها، في العالم أجمع، وفي منطقة الأديان السماوية بشكل أوضح، القيم وموضوعات الانتاج اللاهوتية المنتجة للتطلعات الأخروية. فالعلمنة هي جزء من الحداثة وشرط مرافق لنشوء ما يسميه المتدينون أنفسهم الحضارة المادية. لكن الحضارة المادية لا تعني كما يعتقدون سيطرة القيم المادية المتعلقة بإرضاء الحاجات الجسدية. هذا هو الشكل المنحط للانتقال نحو الحضارة الحديثة كما يمكن ببساطة أن نعاينه في مجتمعاتنا. إنه يفترض قبل ذلك نشوء قيم إنسانية يقع في مركزها احترام الانسان الفرد لذاته، مهما كان أصله وموقعه ومركزه، وبصرف النظر عن إسمه ولقبه وعلمه ودينه وعشيرته، والنظر إليه بوصفه موطن وعي أصيل، أي قادر على التأمل والتفكير الحر، وبالتالي المستقل، المتجدد والمجدد والمبدع معا. فهو بلغتنا الكلاسيكية مخير لا مسير. والنظر إليه بوصفه موطن إرادة وقرار، وبالتالي مسؤول عما يحصل له وشريك في أي قرارات تمس مصير الحياة الجماعية.
وينجم عن وضع الانسان ومكانه في مركز اهتمام النظام العام وكغاية رئيسية له، أي في مركز اهتمام الدولة، وبالتالي الثقافة والتربية والقانون والسياسة والانتاج، تقديم الرأي الذي هو التعبير عن فكر الفرد وأهليته وقدرته على المشاركة في الحياة العمومية، على النقل باعتباره وسيلة لإعادة إنتاج النظم والأنماط القديمة وضمان استمرارها. لذلك ارتبطت حضارة الرأي بالتجديد والابداع، كما ارتبطت حضارة النقل بسيطرة التقليد وتعظيم الاتباع. ولا يقتصر تقديم الرأي على النقل على ميادين الانتاج والنشاط الجديدة الناشئة في حضن الحضارة الحديثة ولكنه يشمل أيضا ميدان الدين[iii]. وهو ما يفسر حركات الاصلاح التاريخية التي نشأت في صلب الأديان الكبرى. وتوحي سيطرة الرأي والاستخدام المعمم للعقل وانتشار الفلسفات العقلانية والوضعية التي تشكل جزءا لايتجزأ من هذه الصيرورة كما لو أن الأمر يتعلق بانتقال العديد من النشاطات المجتمعية التي كانت تعتمد في تحصيل مبادئها أو ممارستها على المنظورات والمفاهيم والمعارف الدينية، من ميدان إشراف الدين وسلطته الاتباعية المرتبطة بالوحي، إلى ميدان إشراف العقل وسلطته النظرية المرتبطة بنظم تحصيل المعرفة الإجرائية والنقدية. ويبدو كما لو ان الدين يفقد سيطرته على ميادين كان يسيطر عليها لصالح العقل، والواقع أن الأمر يتعلق أكثر من ذلك بانقلاب عميق في نظم المعرفة والسلطة والانتاج معا، أي بنشوء نمط جديد للانتاج المادي والمعرفي وبالتالي للحياة، ويفرض على جميع الأنماط الأخرى القديمة الدينية وغير الدينية التوافق مع الأمر الواقع الجديد. ولا يتبع هذا التوافق الإرادة الذاتية وإنما هو ثمرة طبيعية وتلقائية لنشوء نظام مجتمعي جديد، بما في ذلك الدولة والمجتمع المدني، يختلف عن السابق في طبيعة مؤسساته وقواعد عمله وقيمه السائدة معا، هو النظام الحديث، أو هو بالنسبة للمجتمعات المتأخرة ثمرة الاندراج الواعي وغير الواعي في تاريخ الحداثة والدخول فيها.
وعندما نقول بأن العلمنة جزء لا يتجزأ من الصيرورة الحضارية الحديثة فهذا يعني أنه ليس من الممكن تصور دولة حديثة أو قيامها من دون مباديء فصل السلطات وضبط المسؤوليات ونشوء بنية مؤسسية تفصل بين السلطة مهما كان مستوى ممارستها والعلاقات الشخصية. وليس من الممكن كذلك وجود اقتصاد رأسمالي اعتمادا على المفاهيم الاقتصادية والمالية القديمة المستمدة من المعرفة الدينية أو الفقهية، مثل مفاهيم الربا والخراج والزكاة والصدقة إلخ. وليس من الممكن تطوير العلم من حيث هو بناء لمنظومة معرفة إجرائية، منظمة، باستلهام منوال الفقه، أي استنباط الأحكام من مصادرها الشرعية وأصولها الدينية، وتأويل الآيات والأحاديث والقصص الديني. فالمعرفة العلمية تفترض بالضرورة بناء المعرفة الاختبارية النابعة من الاحتكاك بالواقع العيني والقائمة على التحقق التجريبي من النتائج ونقدها وتمحيصها، على حساب المعرقة النقلية والإلهامية. وليس من الممكن كذلك بناء مجتمع حديث، سياسي، يتمتع فيه الفرد بالأهلية السياسية ويشارك بروح المسؤولية في تقرير شؤون الجماعة على أساس مفهوم الراعي والرعية والطاعة الأبوية أو الدينية.
ومن حيث هي عملية تاريخية موضوعية، ترتبط العلمنة إذن بمسار الحداثة وتواكبها. وليس هذا المسار واحدا ولا متساويا في النمو في جميع المجتمعات والمناطق والحالات. فهي تعكس في بنيتها ودرجة اكتمالها أو قصورها، مستوى تقدم عملية بناء المؤسسات الحديثة وأنماطها. لذلك لا يمكن أن يكون للعلمنة مسار واحد وإنما مسارات ونماذج متعددة. فقد تتحقق بآلية سريعة أو بطيئة، تدرجية أو كلية، عبر سياسات إصلاحية هادئة أو من خلال تحولات ثورية عنيفة. ويمكن أن تحصل في إطار من الاتساق والانسجام أو في مناخ تناقض وتصادم داخل مستويات النشاطات وفي ما بينها. ويمكن أن تحصل على مستوى نشاط واحد أو أكثر، أو أن تكون مشوهة أو منقوصة أو هشة ومترددة. كما يمكن أن يتعرض مسار العلمنة إلى انحرافات أو انزياحات أو تشكيلات مفارقة ومخادعة. وأخيرا يمكن أن تنتج العلمنة وعيا بذاتها ينعكس على الممارسة الاجتماعية ويساعد على اكتمالها وشفافية طرحها، وهو ما تشير إليه العلمانية كتعبير ذهني ونظري عن سيرورة العلمنة، ويمكن أن يبقى مسارا موضوعيا لا واعيا تفتقر فيه الممارسة العملية إلى تعبيرها النظري المنظم، من دون أن يلغي ذلك وجودها[iv]. كل هذا يشكل عناصر تشير إلى البعد الخصوصي للعلمنة، أي خصائص تحقيقها في المجتمعات ذات الظروف والموارد المختلفة. فالبعد الكوني للظاهرة يتعلق بتحديد اتجاه التاريخ، ومغزى الحداثة، أي مجموعة القيم التي تمثلها، وتتجسد فيها، أما بعد الخصوصية فيتعلق بتحديد الصورة التي تتحقق فيها هذه القيم في الواقع العيني، ومدى التقدم في انتشارها والتوسع في دائرة نفوذها وشمولها نشاطات الحياة الاجتماعية المختلفة، بما في ذلك الدين نفسه.
ينجم عن هذا التحليل أن العلمنة، بعكس ما يفهم منها عادة، لا تعني فصل الدولة عن الدين، كما كرست ذلك التجربة الفرنسية المتطرفة، وإنما تحقيق التوافق بينهما بعد أن أحدث نشوء دولة حديثة، قائمة على المباديء السياسية الجديدة التي تعطي للفرد مكانة أساسية في بناء النظام أو المنتظم الاجتماعي، قطيعة تاريخية مع المفاهيم والقيم الدينية المتعلقة بتنظيم شؤون الجماعة المدنية[v]. وليس الأسلوب الناجع لتحقيق التوافق من جديد بين الدين والدولة، أي بين اعتقادات السكان الأفراد ومؤسساتهم السياسية، تهميش الدين أو نفيه أو فصله وإخراجه من المجتمع، وإنما إعادة تقريب القيم القديمة التي ارتبطت بالدين، أو انبثقت عن فهمه في حقبة ماضية، من القيم التي بثتها الثورة السياسية او السياسة الحديثة القائمة على استقلاليه الفرد وتنمية حكمه العقلي ومبادرته وسيادته الشخصية. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون بناء نظام الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية الأساسية. ومن هذه الزواية يصبح التجديد أو الاصلاح الديني شرط مصالحة المجتمع مع تاريخه وتراثه، ومصالحة الفرد المؤمن أيضا مع حضارته. وبالتالي شرط بناء حياة عمومية صحيحة وسليمة ومرضية. وعكس ذلك، أي البقاء على مستوى عزل الدين أو إبعاده عن السياسة والدولة، بصرف النظر عن خياراته وخيارات السلطة الدينية، لا يعني سوى إشعال فتيل حرب تاريخية بين الدين والمتدينين من جهة وبين الدولة والسياسة والسياسيين من جهة ثانية. واستمرار مثل هذه الحرب يفترض أن فصام الدولة أو انفصالها عن المجتمع وقدرتها على العيش والبقاء بالرغم من إرادة أغلبيته المتدينة، أو يفترض قدرة السلطة السياسية على إجبار المجتمع على التخلي عن اعتقاداته الدينية أو إخفائها. قد يحدث هذا لبعض الوقت بفضل العلاقات الامبريالية التي تميز عالمنا وتسمح لفئات ضيئلة، لا تمثل الأمة، أن تفرض حكمها الجائر على المجتمع بفضل ما تحظى به من دعم خارجي. لكن كما أظهرت التجربة الشيوعية السوفييتية التي كانت أقوى مثال على العلمانية الايديولوجية، لا يمكن لهذا أن يستمر إلى ما لانهاية. ولا أمل لأي سلطة في الاستقرار التاريخي من دون أن توفق بينها وبين قيمها من جهة والمجتمع وقيمه من جهة ثانية[vi].
الواقع أن العلمنة لا تحتاج كي تفرض نفسها إلى معاداة الدين أو إزاحته من الوجود، ولا إلى قوة السلاح حتى توجد. إنها تخترق الدين نفسه، سلطة وقيما وفلسفة في الوقت نفسه، كما تخترق مجالات الممارسة الاجتماعية الأخرى. وهذا ما بينته تجارب المجتمعات الآسيوية والأفريقية والعربية الاسلامية. فلم يحتج انتشار القيم العقلية الحديثة في صلب العقائد والتقاليد الدينية لعلمانيين مسبقي الصنع يدخلونها من الخارج. لقد جاءت من داخل الدين نفسه، على يد دعاة الاصلاح من رجال الدين الذين أدركوا، بدافع الغيرة على الدين، أن ترك الأمور كما هي، وعدم التدخل لإعادة تأويل النصوص ونقد الأعراف الدينية العتيقة، يعني تعريض العقيدة الدينية للانهيار أو التهميش أمام طوفان التمدن الجارف. وهكذا قاموا هم أنفسهم بالجهد المطلوب الذي لم يكن له في الواقع سوى مضمون واحد أساسي هو علمنة الدين، أي إعادة تعريف دوره وصلاحياته في النظام الجديد وإدخال مبدأ الرأي - والاجتهاد بوصفه التعبير عن أسبقية إعمال الرأي في الدين- إلى ميدان العقيدة الدينية، مع ما يستدعيه ذلك من إدانة التقليد وشجب الاقتداء والتأكيد على أولوية العقل على النقل، حتى في تفسير النصوص الدينية، والاعتراف بتعدد الآراء والمواقف والاجتهادات، وبالتالي تقرير مبدأ التسامح والاحتكام للعقل ورفض التكفير.
هذا ما قام به رجال الاصلاح المسلمون بجرأة واقتدار، منذ أواخر القرن التاسع عشر. ونجحوا من خلاله في إحداث قطيعة حقيقية مع المفهوم التقليدي للدين ومع تراث الفقه القديم أيضا، وإعادة تأويل القيم والمفاهيم الدينية من وجهة نظر ليبرالية. وكان هذا أساس العودة إلى التوافق بين قيم الدين وقيم الدولة الحديثة، كما عرفناها خلال النصف الاول من القرن العشرين، في معظم بلاد العالم العربي، في نموذجها الليبرالي. وهو ما جنب المجتمعات الاسلامية معارك الصراع بين الدين والدولة من جهة، ووفر لها أرضية فكرية صالحة لنشوء نخب وطنية أصيلة وفاعلة، مستقلة الفكر وموحدة الإرادة، تجمع في عقيدتها وممارستها وعلاقاتها الاجتماعية بين الانتماء العميق، عبر التراث الديني المصلح بشكل خاص، للمجتمعات التي تنتمي إليها، والاعتقاد الذي لا يقل قوة بقيم الحداثة الليبرالية وفائدة الأخذ بها من قبل البلدان الاسلامية. وعلى هذا الأساس من الانسجام والتفاعل بين الخميرة الذاتية للمجتمعات والمكتسبات الفكرية والعلمية للحضارة، أمكن لهذه النخب أن تنشيء قوى وأحزابا وتيارات سياسية قوية ساهمت في تحقيق الاستقلال وبناء نواة الدول الحديثة وبناء أسس الاقتصاد الرأسمالي الجديد.
هكذا تشير العلمنة إلى تحول المجتمعات التاريخي نحو أنماط جديدة او حديثة للتنظيم الاجتماعي والسياسي، نتج عنها في الواقع دولة حديثة خاضعة لأعضائها ومعبرة عنهم، أي معنية بالدرجة الرئيسية بتحسين شروط حياتهم على الأرض، لا تأكيد ولاءهم أو انتمائهم ونسبهم لملك السماء وتسديد دينه عليهم. وهو ما يفسر الحاجة إلى تطوير آليات التنظيم المعتمد على العقل والرأي، بما يشير إليه من قيم ومفاهيم النجاعة والفعالية وحسن الأداء. وهذا هو الأصل في نشوء الفكرة الايجابية عن الدولة الحديثة بوصفها أداة لتقدم المجتمع والارتقاء به، وفي ربط السياسة، التي تحدد جدول أعمالها وتشكل محركها، بالممارسة العقلية المفتوحة على كل أنواع المراجعة والمساءلة والانتقاد. ولا ينبغي أن نفهم من التفكير العقلي أو التنظيم العقلي، أو الممارسة العقلية، أو استخدام الرأي، عوض النقل، على أنه رديف الصحيح والصالح دائما بالضرورة. فعكس ذلك هو الصحيح. إنه يعني الاعتراف بنسبية المعرفة وإمكانية الخطأ، ومن وراء ذلك قابلية هذه المعرفة النسبية، وبسبب نسبيتها ذاتها، للإصلاح والتحسين باستمرار، بقدر ما يخضع فيها عمل العقل لنقد العقل ويتبرأ مسبقا من أي تقديس.
ولم يحصل هذا التحول في اتجاه إعمال العقل وتأكيد أسبقيته في تنظيم كل ما له علاقة بالشأن العام، في جميع التشكيلات الاجتماعية التاريخية، من خلال نقد الدين، ولم يجر دائما إلى صدام مع رجال الدين، كما كان الحال في أوروبة، وربما في فرنسا بشكل رئيسي. لقد حصل ذلك فقط في الحالات التي وقفت فيها السلطة الدينية، وهنا الكنيسة، موقفا معاديا للتحول الاجتماعي بأكمله. ولم يكن ذلك بسبب ضيق المفاهيم والأفكار الدينية أو انغلاقها وتكورها على نفسها، وإنما نتيجة تحالف طبقة الاكليروس كشبكة مصالح اجتماعية مع الطبقة الارستقراطية المسيطرة، ودفاعها عن مواقعها في النظام المجتمعي، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وبالعكس ستلعب السلطات الدينية دورا بارزا في تمهيد سبل الحداثة، في معظم بقاع العالم، ومنها البلدان العربية والاسلامية، بانخراطها في معركة التحرر من الاستبداد، وخوضها الطوعي لمعركة الاصلاح الديني داخل المؤسسة الدينية القديمة، وتواصلها مع مجتمعاتها في مواجهة الطغيان الداخلي والخارجي[vii].
والواقع أن بروز تيارات الاصلاح في أوساط السلطة الدينية قد حصل بموازاة بروز تيارات الاصلاح في حضن السلطة السياسية وانقسام النخب الاجتماعية. ولم يكن هناك سبب يجعل هذه التيارات تخشى الاصلاح. بل لقد مالت في أغلبها إلى الموقف الإصلاحي ردا على التحديات الخارجية وفي سبيل تجنب السيطرة الأجنبية. وقد قدمت لها قضايا مواجهة الاستعمار الغربي فرصة كبيرة لإعادة تثمين نفسها ورأسمالها الديني نفسه وتجديد دورها وتعزيز مركزها الاجتماعي. وهكذا لم يعن التأويل الجديد للدين بالنسبة لها تهميش الدين أو تهميشها هي نفسها في النظام العام، وإنما إعادة توجيه الموارد الروحية أو الرأسمال الرمزي الاجتماعي، نحو المطالب الاجتماعية الجديدة، وتوظيفها في المجالات التي تجعل الدين، وبالمناسبة هي أيضا، يساهم بشكل أكبر في تحقيق المصالح العامة كما بدت لها في ذلك الوقت، سواء أتمثلت هذه المصالح في تحرير الشعوب من الاستبداد أو تعزيز الدفاع ضد مخاطر الهيمنة الأجنبية أو مقاومة الاستعمار. ولم يمكنها ذلك من المشاركة بقسط أكبر في تقرير مصير المجتمعات، وفي الحياة العمومية، وبالتالي السياسية بالمعنى الواسع للكلمة، أي من حيث هي بناء للنظام العام، ولكنه ساهم أيضا في إعادة تثمين وتقييم وربما تعظيم دور الدين الاجتماعي. وبعكس ما يعتقد الكثير من المحللين الإسلامويين، لم تعن الحداثة هنا تراجع الدين وإنما ارتبطت بنهضة دينية فكرية وروحية كبرى تتعارض تماما مع روح الجبرية والاقتداء والانحلال الأخلاقي والروحي التي سادت لقرون عديدة سابقة.
لقد أدرك علماء الدين ومفكروه، وفي مقدمهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، الذي وصف الاسلام بأنه علماني وأول دين قضى على السلطة الدينية من جذورها، أن الأمر لا يتعلق بتحييد الدين أو إزاحته عن الواجهة، ولا بتغيير عقائد الناس الدينية، وإنما بإعادة بناء النظام العمومي. وهذا ما يفترض حتما تجديدا في القيم والمعارف والأفكار، وإقامة مؤسسات ومرافق عامة وخاصة لم تكن من قبل، وتشريعا لممارسات حديثة، اقتصادية أو سياسية أو إجتماعية أو قانونية أو علمية، وبالتالي إعادة تكوين للنخب الاجتماعية وتوزيع الاختصاصات بصورة أكثر عقلانية عليها. فلا يشكل هذا التوزيع شرطا لتطوير الاختصاصات والتكيف مع تقسيم العمل الجديد فحسب، ولكن بناء التفاهم والتعاون بين النخب الاجتماعية، وتجنب النزاعات والصراعات الجانبية، وبالتالي ضمان تحقيق الانسجام والاتساق في حياة المجتمعات. والواقع أن فصل الدين عن الدولة ليس سوى خطوة أخيرة وتحصيل حاصل لنشوء نظام حديث تشكل الدولة مركز تنظيم الحياة الجمعية فيه وجملته العصبية. فقبل أن يحصل هذا الفصل، كانت الدولة قد تحولت إلى راع للعديد من النشاطات التي شكل تطورها أساس الحداثة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والمعرفة. ولم تظهر مطالب الفصل بين الدولة والكنيسة إلا لأن الكنيسة، من حيث هي قوة محافظة، تحولت في وقت من الأوقات إلى عائق أمام استكمال شروط الحداثة، الاقتصادية او السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية. باختصار لم تأخذ الدولة الحديثة شيئا من ممتلكات الكنيسة وسلطاتها ولكنها منعتها من وضع اليد على ممتلكات الدولة الحديثة والنشاطات والمؤسسات التي انبنت من حولها وكانت هي محورها، وفي مقدمها الأمة.
3 - من العلمانية إلى الأزمة الدينية
أصل العلمنة من حيث هي المبدأ الناظم لانتقال المجتمعات التاريخي من الصيغ المجتمعية السحرية، أو الدينية، إلى الصيغ القانونية العقلانية التي تحدث عنها ماكس فيبر، أو كما قال من العقلية السحرية إلى العقلية الوضعية، هو الحداثة وآلياتها، وليس كما تشير نظرية العلمانية او توحي به، رد الفعل الفكري والسياسي ضد سيطرة الكنيسة أو رجال الدين. رد الفعل هذا موجود بالتأكيد، لكن وجوده وظهور الاعتراض على الصيغ والممارسات الدينية نشآ، هما نفساهما، في سياق ولادة صيغ جديدة للتفكير والإدارة والتنظيم المدني والسياسي والاقتصادي والتقني، في حجر المجتمعات الخارجة من النظام القديم الوسيطي. وعندما تنجح الأديان، أو بالأحرى النخب الدينية القيمة على تراث الدين، في التكيف السريع والمتناغم مع منظومات القيم والممارسة الجديدة، الناشئة بموازاة تطور مسار الحداثة، لا يحتاج التقدم على الطريق الجديدة إلى ثورات فكرية علمانية، ولا حتى إلى صدامات سياسية كبرى بين الكنيسة والدولة. إن العلمنة تتحقق، حتى في مجال الدين والعقيدة، بصورة سلسة وإلى حد كبير توافقية.
هذا هو منحى التطور الذي ساد تجارب المجتمعات الآسيوية التي تنتشر فيها ديانات متعددة ومختلفة تسيطر عليها الكونفوشية والبوذية، وهي ديانات غير سماوية. وهو ما حصل أيضا إلى حد كبير في التجربة العربية والاسلامية منذ القرن التاسع عشر حتى نهايات القرن العشرين، باستثناء المثال التركي الوحيد الذي صوبت فيه النخبة السياسية ضربة قوية للسلطة الدينية في إطار حربها ضد الارستقراطية السلطانية التي احتمت بشارات الخلافةـ أو حاولت أن تقاوم القوى الحديثة من وراء متراس الدين[viii].
وما تشهده المجتمعات العربية اليوم من ردة دينية وانحسار متزايد للفكرة العلمانية لا يرجع إلى مقاومة السلطة الدينية للسياسات التحديثية، أي للعلمنة الاقتصادية والإدارية والسياسية والعلمية والتقنية، وإنما إلى إجهاض الحداثة نفسها وتآكل شرعية نماذجها التنظيمية، بسبب وصولها إلى طريق مسدود، وخراب القيم العقلانية والانسانية والقانونية التي ارتبطت بها، وابتعاد الناس عنها. وفي هذا المعنى ينبغي فهم النظرية القائلة بأن الاسلامية الأصولية السائدة اليوم، بأشكالها المختلفة المتطرفة سياسيا والبعيدة عن السياسة، تمثل ملجأ أو مهربا من مواجهة الحقيقة المرة. فالأصولية الحديثة، التي تختلف جذريا في برنامجها وجدول أعمالها عن التدين والورع الاسلامي التقليدي، لا تمثل شيئا، وما كان من الممكن لها أن تحظى بما تملكه اليوم من شعبية وسعة نفوذ، من دون الفراغ الذي أحدثه انهيار مشروع الحداثة وانحسار قيمها وتبخر الآمال والأحلام التي ارتبطت بمشروعها[ix].
والواقع أن الحداثة التي جاءت على أنقاض النظام المجتمعي القرسطوي السلطاني المتحلل في اسطنبول، لم تحافظ على نموذج التعايش التقليدي بين السلطة الدينية العلمائية وسلطة الدولة المركزية لصالح أسبقية السلطة السياسية وسيادتها. كما أنها لم تنحو نحو إقامة علاقة جديدة متوازنة بين الدولة والدين، على مثال العلمانية الأوروبية التي احتفظت للكنيسة باستقلالها الكامل في نطاق اختصاصها الديني وتعاملها مع المؤمنين، في ما وراء انتماءاتهم السياسية والوطنية. ولكنها نحت عموما إلى احتكار السيطرة، حتى عندما كانت السلطة تميل إلى الليبرالية، على الفضاء العام، بما في ذلك مسائل الدين والتربية الدينية والروحية.
أما في البلاد العربية فقد تم الانتقال نحو نظم ودول حديثة بسلاسة أكبر، ولم تحدث في ما وراء معركة الحجاب، التي خاض فيها رجال مختلفي الاتجاهات من خريجي الجامعة الدينية الأزهر، أي صدامات تذكر بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. فقد لعبت الحركة الاصلاحية الدينية هنا دورا متميزا في تجاوز الصدام بين قيم الحداثة الوافدة وقيم التراث الديني المتأصلة في التربة المحلية. ومما ساهم في تحقيق هذا التوافق، بالإضافة إلى تأثير الحركة الاصلاحية العميق على رجال الدين في مطلع القرن العشرين، وشائج القربى الطبقية والاجتماعية العميقة التي كانت تجمع بين النخب والعائلات الدينية والنخب والعائلات السياسية. فقد ساهمت هذه الوشائج في تعزيز روح التعاون والتفاهم وتقاسم السلطة والمصالح بين الطرفين خلال تلك الحقبة التي تستحق أن تسمى بالفعل بالحقبة الليبرالية العربية.
لكن الامر سيختلف تماما منذ خمسينيات القرن الماضي، مع نشوء النظم القومية أو ذات الفلسفة والتوجهات الثورية المعادية للاستعمار، التي ستضع النخبة الدينية والنخبة السياسية الليبرالية معا في صف الرجعية العميلة[x]. فلن يقتصر الأمر هنا على تأكيد سيطرة النخبة السياسية والدولة وإنما تحول إلى مصادرة الدولة للدين بصور نهائية، مباشرة وغير مباشرة، ولأهداف متعددة أيضا، كان في مقدمها التعبئة الوطنية ضد المخاطر الخارجية أو الداخلية، وبناء الهوية القومية، وتأمين مصادر سهلة وبسيطة للشرعية السياسية التي تحتاجها طبقة سياسية مفككة وقليلة الحيلة. وبعد قضائها على ما تبقى لهما من هامش استقلالية اقتصادية ومدنية، ألحقت الدولة والنخب السياسية الدين والسلطة الدينية بمشروعها "الوطني". وزاد احتواؤها لهما وإخضاعهما لأجندتها السياسية مع تفاقم أزمتها وتراجع شعبيتها منذ ثمانينيات القرن الماضي نتيجة فشلها المستمر في الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها.
هكذا لم تعد هناك اليوم آثار في مجتمعاتنا لأي سلطة دينية فعلية، أي على درجة كافية من الوحدة والاتساق والاستمرارية، تتعدى حاصل النفوذ الشخصي المحتمل لرجال الدين، من حيث هم أئمة أو كتاب أو قادة سياسيين أفراد. لقد اكتسحت السياسة، التي تشكل التعبير الأوضح عن عصر الحداثة في النظم الاجتماعية، المجتمعات العربية واستغرقتها، وحرفت أنظارها عن العناية بميادين النشاط والاهتمام الأخرى، بقدر ما جعلت من إعادة بناء النظام العام، وتأسيس الرابطة الجمعية، أي الوطنية، الأجندة التاريخية الرئيسية للشعوب والمجتمعات. وفي سبيل تحقيق ذلك الإلحاق، عمدت الدولة إلى تأميم المرافق والاوقاف الدينية وإخضاعها مباشرة للسلطة التنفيذية، وربطت مصير رجال الدين بها بتحويلهم جميعا، كبارا وصغارا، إلى موظفين، وتأهيلهم في المدارس والكليات الرسمية. فصاروا في خدمة الدولة وتحت إشرافها، أتباعا لها، ليس في ما يتعلق بمسائل الدولة والسياسة فحسب، ولكن أكثر من ذلك في مسائل الدين نفسه. فانمحت السلطة الدينية، من حيث هي قوة منظمة تجمع بين رجال الدين والقائمين عليه وتوحد رؤيتهم ونظرتهم لشؤونه، وتجعل لهم إرادة مشتركة في العمل لتحقيق أهداف واحدة. وهذا ما يميز الاسلام السني في عصرنا الراهن عن الاسلام الشيعي الذي نجح في أن يحتفظ لنفسه بسلطة دينية مستقلة عن الدولة خلال حقبة طويلة، حتى لو لم تكن سلطة بابوية تدعي الاشراف على جميع سلطات المجتمع الأخرى.
كان اكتساح السلطة الدينية من قبل السلطة السياسية وتذريرها في المجتمعات العربية السبب في نشوء أزمة دينية مزدوجة ومفتوحة، لا تزال آثارها البعيدة والمتفجرة تتفاعل حتى اليوم. فقد أدى هذا الإلحاق البسيط والمباشر إلى إفقاد النظام العام التوازن الطبيعي الذي ميزه خلال عقود طويلة سابقة وسمح للمجتمع الخاضع لطغيان السلطة السياسية من الاستناد إلى سلطة دينية تقوم بدور رئيسي في تنظيم الحياة الاجتماعية وحل النزاعات وبناء أطر التعاون والتضامن على مستوى الحياة اليومية بين الأفراد. وكان ذلك ايذانا بولادة تسلطية سياسية من نوع جديد، تتجاوز ما كانت المجتمعات العربية قد عرفته في عهد السلطنة التقليدية، لا توقف عسف السلطة السياسية وطغيانها فيها أي قوة موازنة أخرى تملك الحد الأدنى من الشرعية وتستند على قاعدة شعبية، كما كانت تحظى به الهيئة الدينية في النظم التقليدية.
وانهيار السلطة الدينية بالمعنى الذي ذكرت، لا الانشقاق أو الصدع[xi]، هو الذي يفسر الذيلية الملفتة للنظر التي تميز سلوك رجال الدين وأصحاب الولايات الدينية في المجتمعات العربية اليوم. فأمام ما تشهده هذه المجتمعات من تحديات خارجية ومعضلات تاريخية من السيطرة الخارجية إلى التخلف وانعدام التنمية وما يعنيه ذلك من انتشار الفقر والبطالة، ومن تفتت الهوية وتفكك المجتمعات وانتشار الفساد الأخلاقي والإداري والاجتماعي بشكل لا سابق له، وأمام ما تتعرض له فئات متزايدة من قهر واضطهاد وعسف وانتهاكات صارخة لحقوقها الانسانية والدينية، وما ترتكبه النظم الاستبدادية من مجازر جماعية، وما تعاني منه قطاعات واسعة من معاملة لا إنسانية، وما تقترفه فئات متعددة متطرفة، باسم الاسلام، من جرائم عنف لا توصف، لا تكاد الهيئة الدينية السنية تحرك ساكنا، أو تعلن موقفا أو تقترح طريقا جديدا. فهي غائبة تماما عن الساحة السياسية، مستسلمة لمصيرها ومسلمة بمصائر المجتمعات التي تنتمي إليها لأولياء أمرهم وأمرها، مهما كانت سياساتهم واختياراتهم الاستراتيجية. إذا صالحوا صالحت وإذا عادوا عادت، حتى لو تعلق الأمر بأبسط النزاعات أو الخلافات السياسية الداخلية. فهي لم تعد طرفا مسؤولا أو لديه شعور بالمسؤولية عن بناء حقل المصالح العمومية، وتحولت إلى مستهلك فحسب في نظام يتولى بناؤه والحفاظ عليه أقطاب السلطة العسكرية والأمنية[xii].
أما الأثر الثاني لهذا الانهيار الذي أصاب السلطة الدينية، فيتمثل في دخول الفكر الاسلامي في أزمة تاريخية طويلة تتجلى في تكاثر التأويلات والمدارس والمذاهب والاجتهادات وتضاربها، من دون ضابط ولا رقيب. فقد أدى القضاء على أي سلطة دينية مستقلة، وإخضاع رجالاتها لاجندة السيطرة السياسية المباشرة، إلى حرمان الاسلام والمسلمين من أي مرجعية شرعية ذات احترام وصدقية، وترك علماء الدين يواجهون تحديات الأزمة الدينية منفردين، كل حسب اجتهاده ونفوذه ومقدرته الشخصية. وهذا هو أصل ما نشهده اليوم من فوضى المواقف والمباديء والأفكار في الدين، وتكاثر أعداد المنخرطين في أعمال العنف والقتل والإجرام الوحشية بين المسلمين، بذريعة الزود عن الدين وحماية الأمة وتنقية العقائد ومواجهة الكفر داخل البلاد وخارجها، من دون أن تكون هناك سلطة معنوية قادرة على بلورة رؤية دينية موحدة واتخاذ موقف والتواصل مع الرأي العام وتشجيعه على الالتزام بقواعد أو مباديء إنسانية وأخلاقية. بل ما يحصل في الغالب هو عكس ذلك تماما. فكثير من علماء الدين الكبار لا يكف عن صب الزيت على النار بإلهابه مشاعر الشباب وحثهم على الالتحاق بالمجاهدين والاقتداء بهم والدفاع عن مشروعهم، من دون أن يشعر بالحاجة إلى التنبيه إلى تشوش عقائدهم وتأويلاتهم المغالية والمتطرفة للدين.
إن ما تعيشه المجتمعات الاسلامية نتيجة فراغ المرجعية الدينية والسياسية وتقويض أسس شرعيتهما معا، هو، بعباراتنا الكلاسيكية، فتنة عميقة ودامية، أي فوضى شاملة فكرية وسياسية واستراتيجية معا. ولا يعبر تزايد نفوذ الجماعات التكفيرية واستسهال اللجوء إلى العنف، وعبادة القوة، وانتشار التنازع والصراعات الداخلية وتخليدها، وتنامي الانقسامات والتوترات والصدامات داخل القوى الاسلامية والأصولية نفسها، سوى عن الانفلات الديني الكامل وتقويض السلطة الدينية. ولعل أكثر ما يعبر عن ذلك سقوط جزء كبير من النخبة الدينية الرسمية، أعني من علماء الدين وفقهائه، في فخ المذاهب الأصولية الجهادية، ودفاعه عن ممارسات تتناقض مع جوهر الدين وتتنافى مع رسالة الأديان جميعا في بناء الأخوة والتواصل والتوحيد بين البشر. ومن الطبيعي أن تشجع مثل هذه الفتنة المجتمعات الأخرى على تغذية المخاوف من الاسلام والملسمين، وتدفع إلى تعبئة الرأي العام العالمي ضدهم، وتبرر كل أشكال العدوان ومشاريع السيطرة الخارجية عليهم. وهو ما يغذي بدوره، في ما يشبه الحلقة المفرغة، ردود الأفعال المتطرفة لدى المسلمين والفرق المغالية فيهم، ويدخلنا في دوامة العنف والقتل والاقتتال التي لا أمل في ايقافها. هكذا يعيش عالم الاسلام اليوم حالة سقوط فكري وأخلاقي معا، بموازاة إخفاقه الاستراتيجي وانهيار مشاريعه الوطنية والاجتماعية، ينتقم من نفسه ولنفسه، ويهدد الأصدقاء والأعداء دون تمييز.
...
4 - الردة الأصولية وانحسار العلمانية
من هنا لا يعبر صعود الأصولية الاسلامية في بلداننا اليوم عن تأخر الاصلاح الديني أو غيابه. فأنا أعتقد أن المهمة الأساسية في عملية التأويل الحديث والعقلاني للاسلام قد أنجزت على يد حركة الاصلاح الإسلامية القوية التي ولدت منذ منتصف القرن التاسع عشر، واستمرت خلال أكثر من قرن. ولم يضف المفكرون الاسلاميون الذين جاءوا بعدهم مكاسب حاسمة من حيث إقرار مبادئ هذا الاصلاح الكبرى، بقدر ما توسعوا في المسائل الاصلاحية وعمقوا النظر فيها وفصلوا في مسائلها ومفاهيمها. إنه يعبر بالعكس عن تراجع الوعي الانساني الحديث، الديني والسياسي والمدني والعلمي معا. وفي هذا التراجع والانحطاط الذي يرافقه تنمو جميع الأحلام والأوهام القديمة والحديثة، تلك الطامحة إلى أعادة بعث الصيغ القديمة التاريخية المرتبطة بوعي متكلس للهوية، وتلك النازعة إلى مطابقة الاوضاع المحلية مع الصيغ العلمانية الناجزة في المجتمعات الحديثة الغربية. وبعكس ما توحي به المظاهر، ليس الصراع حول موقع الدين في الحياة العمومية هو مركز الصراع الاجتماعي القائم ولا الرئيسي فيه. إن الصراع من حول العلمانية والأصولية ليس هو نفسه إلا قناعا للصراع الدامي والعميق على القيم الدنيوية، أي عن الثقافة الحديثة التي يعاد بناؤها اليوم، في جوانبها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية معا. ولا يمكن الأمل في الوصول إلى وضع يتحقق فيه فصل الدين عن السياسة وفصل السياسة عن الدين من دون التقدم في حل هذا الصراع الرئيسي، حول الخيارات الثقافية الرئيسية، الذي يفتح وحده إمكانية التفاهم والتوافق بين الدين والدولة من خلال إعادة تثبيت قيم الدين والقيم السياسية معا وتوضيح خصوصيات ومهام كل منهما.
هكذا لا يتعلق حصول التوافق بين الدولة الحديثة والدين بمسألة نظرية أو تأويلية فحسب، ولكنه يرتبط أساسا بتحولات مجتمعية مترابطة ومعقدة، يقع في مقدمتها بناء الثقافة أو إعادة بنائها، بعد أن انهارت في نموذجها الحداثي الرث وحصل انقطاعها عن الثقافة التقليدية الأم. ويحتاج تجديد النظر في الدين نفسه إلى توفر شروط تاريخية يقع في مقدمها الإرهاص بهذه الثقافة الجديدة المنشودة، ومن ورائه ببروز آفاق لانطلاق مسار الحداثة المعاق من جديد وفرص تقدم مشروعها. وكما أن من الممكن للتجديد الديني أن يجد فرصا أكبر للتحول إلى سلوك وممارسات عامة في حال توفر فرص تكامل مشروع الحداثة، من الممكن أيضا أن يحصل انهيار في هذا التوافق الأولي.

تقدم التجربة العربية المعاصرة مثالا ساطعا على هذا الارتداد على الايديولوجية العلمانية، حتى بعد تقدمها أشواطا طويلة. إذ لا يمكن للتأويل الحديث للدين أن يعيش في الفراغ. إنه جزء لا يتجزأ من مشروع الحداثة المجتمعية نفسها ونظامها، وبعدا من أبعادها المتعددة. ولا قيمة للإصلاح الديني، أي لعلمنة الدين، الذي يشكل استجابة تاريخية لا مهرب منها لحاجات الأفراد للانخراط في هذه الحداثة والتفاعل معها، إذا كان النظام المجتمعي الناجم عنها، أو عن بعض نماذجها المشوهة والمعاقة، يحرم الأفراد من استقلالهم الذاتي ويمنعهم من التعبير عن رأيهم أو من أن يكون لهم رأي خاص بهم، ويدمر حسهم النقدي ولا يسمح لهم بالمبادرة الشخصية لتحقيق مصالحهم وبناء أنفسهم ومستقبلهم. وفي هذه الحالة ستبقى سيرورة العولمة هشة، وسيكون من المستحيل لمشروع العلمنة الدينية، أي تأويل قيم الدين بما يتفق مع قيم النظام الحديث وتعميمها، أن يكتمل وينتج وضعية مستقرة وثابتة تستند إلى إدراك واضح من قبل أطراف النخب الدينية والسياسية والاجتماعية عموما لحدود مجالات عملها وصلاحياتها الخاصة. ومن الممكن للتحرر الديني أن يصبح عقبة أمام دفاع الأفراد عن الحد الأدنى من مصالحهم، أي عن أمنهم وعلاقات القربى والتضامن التي تجمعهم بأقربائهم المعنويين أو العائليين، في ظل دولة أو نظام يرهن امن الأفراد وقدرتهم على إنتاج شروط حياتهم ومعيشتهم البيولوجية على خضوعهم وتبعيتهم وارتهانهم الواعي وغير الواعي لإرادة عليا تتجاوزهم، سواء تمثلت في صورة إرادة سيد رئيس أب أو أخ أو قائد خالد مفدى، أو في صورة إمام وأمير للجماعة وملهم حياتها وأمنها.
هذا يعني أن مستقبل العلمانية، أي التعبير الصادق والصحيح، في الفكر والمارسة، عن العلمنة الموضوعية، وايجاد النظم الكفيلة بتحقيق التوافق بين السلطات الاجتماعية المختلفة وتحديد مجالات عملها واختصاصها بصورة ناجعة، لا يتوقف على قوة الدعوة العلمانية، وإنما يرتبط بمصائر الدول والمجتمعات والفرص المتاحة لها للدخول في حركة الحداثة الكونية وديناميكيتها. والحال لا تتساوى جميع الدول والمجتمعات في حظها من ذلك. بل لا تملك كلها، رغم المظاهر، دولا حديثة، وليست حداثتها السياسية إذا وجدت، على المستوى نفسه من النضوج حتى تنمي الطلب الاجتماعي على تجديد الاعتقادات الاجتماعية، الزمنية من أعراف وتقاليد، وأقل من ذلك الاعتقادات الدينية التي تمثل نظما رمزية وتخيلية، تعد الأكثر مقاومة للتغيير، لأنها الأعمق غورا في ترسيخ بنية المجتمعات واستقرارها. ثم إن كل ما هو حديث منها لا يملك الشروط الضرورية من السيادة والاستقلال والموارد المادية والاستراتيجية والثقافية التي تمكنه من فتح ورشة تاريخية معنية بتحرر الأفراد واستقلالهم، وقادرة بالتالي على بعث روح جديدة في الفكر والاعتقاد الدينيين تتفق وحاجات الحداثة السياسية.
وبالعكس، يزداد الطلب في الدول التقليدية، أو التي تنكفيء على نظم السلطنة القديمة، والتي تقوم جميعا على مباديء السيطرة الأبوية، وحرمان المجتمع من المشاركة، وإنكار حق الأفراد في الحرية والمساواة القانونية والأخلاقية، على قيم العصبية والذوبان في الأسرة والعشيرة والعائلة والطائفة والمذهب. وذلك بقدر ما يشكل هذا الذوبان الوسيلة الوحيدة لتأمين الحد الادنى من الحماية الذاتية. العلمانية (التنظيم المفكر فيه والواعي للمعرفة وللمجتمع وللعالم) هي بهذا المعنى صنو الحرية، ولا يمكن أن تتعايش مع الاستبداد والطغيان وحرمان الأفراد من مبادرتهم الشخصية.
وبعكس ما تشيعه النظرية السائدة في العلمانية، لا تنبع الأزمة التي نعيشها في مجتمعاتنا العربية اليوم من اتحاد الدين والدولة أو اندماجهما، وإنما من القطيعة المتنامية بين الوعي الحديث، بما يعنيه من تجديد تطلعات الأفراد وآمالهم، وتحديثها، والممارسة اليومية، السياسية والمجتمعية التي تزداد انحطاطا وصدما لهذه التطلعات والآمال، وما ينجم عنها من نزاعات وردود أفعال ومعارك طاحنة للسيطرة على الفضاء العمومي باكمله من قبل جميع النخب المتنافسة، وإزاحة النخب الاخرى عنها[xiii]. وليس سبب الانفصال والقطيعة هنا تأخر علمنة الدين، وإنما تراجع النظام الحديث، عن أهم شرط مؤسس للحداثة، أعني الحرية، المتمثلة في مجموعة من الحقوق الأساسية، من حق التعبير والتنظيم والمسؤولية الفردية والمواطنة من حيث هي مشاركة في تقرير المصير الجماعي، أي السياسة المدنية، والتي لا وجود من دونها للفردية ولا للاستقلال في الرأي ولا للسيادة الروحية، ولا للمواطنية، بما تعنيه من مساواة وقبول بالتعدد والاختلاف. وامام ارتداد الدولة عن الحداثة، أي عن العلمنة السياسية، وانحدارها في ممارساتها إلى مستوى المقبرة الجماعية للحريات الفردية والحقوق الانسانية، حصل ما نشاهده في مجتمعاتنا من ارتداد عن العلمنة الدينية، وتحطيم منظورات ومفاهيم الاصلاح الديني، في سبيل العودة نحو صيغ سلفية متطرفة في عدائها لقيم الحداثة ومعالمها، وفي مقدمها استقلال الرأي، تجمع بين الاستسلام والتسليم لسيطرة أمراء الدين، وأحيانا أمراء الدين والحرب معا، والتخلي الإرادي والحماسي من قبل الفرد عن حريته ومسؤولياته العمومية، وتسليمه الكامل بالتبعية والانقياد.
والخلاصة
أجهز الانتقال الذي شهدته المجتمعات العربية من النظام القديم إلى النظام الحديث، على التوازنات التاريخية العميقة التي أنجبت خلال القرون الماضية صيغة التعايش التقليدية بين الدولة والدين. كانت المجتمعات العربية الاسلامية قد بلورت، في سياق الصراع على السيادة بين الملوك وعلماء الدين، تقاليد ثابتة في بناء حقل الفضاء العام، وتحديد الصلاحيات الخاصة بعلماء الدين ورجال الحكم ومجال عمل كل منهم ونفوذه، فاختصت الصنف الأول بالمسائل الدينية والفقهية منها بشكل خاص، واختصت الفئة الثانية من الملوك والسلاطين ورجال الحكم باحتكار مجالات السلطة السياسية والقوانين أو المسارات الاجرائية المرتبطة بها، وقرارات الحرب والسلام وسياسات المال والاقتصاد، أي كل ما يتعلق بقرارات السيادة. هذا ما تشير إليه حالة القضاء الذي كان مسؤولية سياسية يختص بها رجال الحكم، حتى لو كان القضاة من الفقهاء وعلماء الدين.
بيد أن هذه الصيغة القديمة ما لبثت أن انهارت تحت تأثير انخراط المجتمعات الاسلامية التاريخي والحتمي في نظام الحداثة وتأثر نخبها به. وأدى هذا الانهيار إلى بروز الصراع من جديد بين النخب السياسية المتحكمة بالدولة والنخب الدينية المتحكمة بالمجتمع إلى حد كبير. وبينما لم يمكن حسم هذا النزاع في قلب السلطنة العثمانية إلا بثورة سياسية علمانية على الطريقة الفرنسية، قامت بعملية تحييد قسري للدين وتقييد لحرية العبادة ورجال الدين معا، نجحت المجتمعات العربية المحيطية، عبر حركة إصلاح دينية قوية، في أن تعيد إنتاج صيغة جديدة للتعايش بين الدين والدولة ونخبهما، كانت في أساس تشكل حقبة ليبرالية استمرت لعقود طويلة وجعلت المجتمعات العربية المشرقية تبدو وكأنها حلت تماما مشكلة الانتقال نحو الحداثة وتجاوزت النزاعات المحتملة أو التي كانت متوقعة بين الدين والدولة[xiv].
لكن صيغة التوافق التي رعتها الحقبة الليبرالية لم تعمر طويلا بعد ان دخلت النظم التي اعتمدتها في طريق مسدود، ولم تعد تستطيع الاستجابة، بالقدر الكافي، لتنامي مطالب طبقات متزايدة من المجتمع وأمالها في الدخول في نظام استهلاك قيم الثورة السياسية الحديثة، مثل الاعتراف الذاتي والمساواة ورفض موقف الهامشية والسعي إلى المشاركة في السياسة واكتساب صفات المواطنية من حقوق وواجبات ومسؤوليات وممارستها. وكان هذا هو المناخ الذي شجع على تفجر ثورات انقلابية الطابع، لكنها معبرة بعمق عن نزوع الجمهور إلى الخروج من النظم القديمة والدخول في عصر الحداثة وقيمها. وقد راهنت الشعوب بقوة على الحركات الثورية القومية واليسارية، كما أظهر ذلك مثال الناصرية التي لا يزال لها أتباع كثيرون في العالم العربي، بعد عقود طويلة على وفاة زعيمها ومؤسسها في مصر. وفي سياق هذه الثورة السياسية تغيرت المعادلة بين رجال الدولة والدين. وسادت فكرة التحويل الإرادي السريع للمجتمعات والتحكم بالسلطة من قبل رجال سياسة هم أنفسهم من العسكريين الذين يراهنون بشكل كبير على نجاعة الحلول الإكراهية القائمة على استخدام القوة.
ومما ساهم في نشوء عبادة الدولة القوية، واكاد أقول العسكرية، ثم تصنيمها، الانهيار السريع للسلطة الدينية وخروجها من المنافسة كليا، وتحويلها إلى أداة في يد السلطة الحاكمة، في مصر الناصرية أولا ثم في بقية الدول العربية التي تعززت فيها مواقع الدولة بقوة، سواء تحت تأثير الفورة القومية او بسبب تنامي عوائد اقتصاد النفط الريعي. ويعكس هذا الانهيار نفسه للسلطة الدينية في الواقع العلمنة التارخية نفسها، أي تراجع فعالية الدين أو الفكر الديني كمصدر لمباديء التنظيم المجتمعي، المدني والسياسي الناجع في ذهن المجتمع. فالدين لم يعد منتجا لقيمة مضافة، وبالتالي للحمة جمعية قوية، أي لجماعة حية متكافلة ومتضامنة. أصبح هو نفسه بحاجة للحداثة، ثقافة أو دولة أو كلاهما، كي تأخذ بيده وتبقيه على قيد الحياة. وهذا ما يعبر عنه شعار الدولة الاسلامية بوضوح. لقد أصبح طقوسا وتقاليد تماثل بين الأفراد، وتخنق طموحاتهم، وتلغي حرياتهم، أي تحد من مبادراتهم الذاتية. أصبح تقليدا جامدا وصرحا ساكنا. لم يعد فيه ما يكفي من الايمان لإحيائه وتنويره. لقد أصبح امتثالا صرفا. هذا ما دفع المجتمعات إلى تحويل النظر عنه نحو السياسة التي بدت منذ القرن التاسع عشر بوصفها المزود الرئيسي بالقيم والأفكار والمباديء اللازمة لبناء صرح الاجتماع الجديد. فالفوات التاريخي للفكر الديني، مع تراجع جهد الاصلاح والتأويل، بل تجاهل الدين نفسه من قبل النخب الاجتماعية في الحقبة القومية، هو المسؤول عن نشوء عبادة الدولة ومحورة الحياة الاجتماعية بأكملها من حولها.
ونلاحظ هنا أن تجربة الحداثة، التي حصلت في سياق هيمنة الثقافة الغربية وصد موجات الغزو الاستعماري، قد عملت، بعكس ما تتجه إليه التحليلات السائدة، على إضاعة ما يمكن أن نسميه تراث العلمانية العربي الاسلامي القديم، من دون أن تنجح، بسبب ما وصلت إليه من طريق مسدودة، أو بسبب تضاؤل قدرة نظمها الاقتصادية والسياسية على الرد على مطالب الانخراط المتنامية في الحداثة ونمط استهلاكها المادي والمعنوي، في إحلال صيغة أخرى قابلة للحياة والتقدم والاستقرار. وتتفاقم اليوم أزمة هذه الحداثة، في موازاة عجز المجتمعات عن إزالة العقبة التي أصبحت تمثلها السلطة الاحتكارية الشاملة للدولة، وما تسببه من شلل للأفراد والجماعات وتبديد لطاقاتها ومواردها. وهي العقبة الناشئة عن المكانة العالية التي احتلها الدولة في عملية إعادة بناء المجتمعات بعد خروجها من الحقبة الاستعمارية، ودخولها في الحقبة القومية، والقدرات الاستثنائية التي تمتعت بها مقارنة بجميع الهيئات الاجتماعية الأخرى، بما فيها الدينية. وهو ما مكنها من قلب جميع التوازنات لحسابها ووضع جميع السلطات الأخرى في أزمة تاريخية دائمة، ومن ورائها المجتمع المدني نفسه الذي سيزداد كساحه وتجريده من القوة والانتظام مع تقدم مسار التحديث وتوسعه.
ولأن الدولة المشرقية وضعت منذ ولادتها في شروط تحول دونها والوفاء بوعودها، أصبحت معبودا محبطا، لا يستجيب لدعوات عبيده، ولا يأخذ بيدهم، ولا يقدر على تلبية مطالبهم. إنه الطاغية الذي يثير غضبهم ونقمتهم، ويحفزهم على التمرد عليه والتصادم معه بقدر ما يخيفهم ويرعبهم. ومهما جددنا في الدين، ستبقى العلمانية حلما نائيا ما لم ننجح في التحرر من الاستلاب للدولة، أو من سلب الدولة لإرادتنا، وهو ما لا يمكن تحقيقه خارج الدولة ولا ضدها، وإنما من خلال إعادة تأهيلها وإصلاحها. وكل ذلك مرتبط بقدرتنا على أن نؤسس السياسة ونؤنسنها، أي نعيد بناءها على مباديء إنسانية. والعلمانية هي، أولا وأخيرا، جزء من الثورة السياسية الحديثة التي جعلت من الانسان محور البناء المجتمعي، بقدر ما جعلت من إعداده وتربيته والارتقاء بشروط حياته غايتها الرئيسية. هكذا ندرك أن العلمانية ليست مسألة دينية، ولا ينفصل مصيرها عن مصير الحداثة الفكرية والسياسية
--------------------------------.
[i]
لياسين الحاج صالج الفضل في التشديد على محورية التأسيس المعرفي هذا والعمل على ضبط المفاهيم في ميدان تسيطر عليه الايديولوجية إلى حد كبير. انظر " في نقد العلمانية والديمقراطية أو مشكلتا الدين والدولة، الحوار المتمدن"، 15/6/07 ، "تأملات في السلطة الدينية والسلطة السياسية ومعنى العلمنة في عالم الاسلام السني"، 26/5/07
[ii]
على سبيل المثال، لرئيس الأمريكي الثالث وكاتب وثيقة الإستقلال الأمريكية توماس جفيرسون الذي خط عبارة "الفصل بين الكنيسة والدولة" الشهيرة في خطابه الشهير عام 1802 للمعمدانيين بولاية كونيكتيكت، كان يواظب على صلواته في الكنيسة بانتظام. وهو نفسه الذي أصر على أن يكون الكتاب المقدس جزءاً لا يتجزأ من منهج جامعة فيرجينيا، وكان هو من اعتمد ميزانية اتحادية للتعليم الديني.
[iii] استخدمت هنا قصدا مفهوم الرأي وليس العقل لسببين. الاول كي لا يختلط الأمر مع العقل بوصفه تجسيدا لفلسفة عقلانية، ولا يظهر استخدامه كما لو كان بديلا للدين. والثاني لارتباط الرأي بالجهد الشخصي الخاص بكل فرد من حيث هو إنسان عاقل، أي قادر على الاجتهاد والتفكير والتأمل، ومن حيث هو مركز قيم إنسانية او دينية لا ينفصل رأيه عنها. فالرأي ليس نقيضا للدين وإنما هو مطلوب في الدين والدنيا معا. وفي تاريخ الفكر والفقة الاسلامي استخدم مصطلح أصحاب الرأي لتمييز أولئك المدافعين عن إعمال العقل والاجتهاد الديني عبر التأويل، وبالتالي أصحاب الاستقلال الفكري، عن أصحاب النقل أو التقليد الذين كانوا يدافعون عن ضرورة الاقتداء بالأوائل ويعتبرون أي خروج عن سلوكهم وسنتهم خطرا على الدين.
[iv] كتابنا الاسلام والسياسة، الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، بيروت. وكذلك
"”Islam, modernité et laIcité dans les sociétés arabes contemporaine » , Confluences Méditerranée, printemps 2000.
[v] كان التوافق بين الدين والدولة الديمقراطية الحديثة هو أول ما لفت نظر توكفيل في كتابه عن الديمقراطية في أمريكا. ورأى سبب هذا التوافق، بعكس ما هو الحال في بلده فرنسا حيث الصراع على أشده بين الدولة والكنيسة، في الطبيعة الخاصة بالدين أو بالتدين الأمريكي وتحوله إلى مسألة شخصية وخاصة. لكن كون الدين مسألة خاصة وشخصية لا يعني زوال التدين ولا تراجعه، على الأقل في تلك الحقبة، بالضرورة.
[vi] من الواضح أننا ننسى عندما نتحدث عن فصل الدين عن الدولة اننا لا نتحدث عن دين يشكل مركز تقدير وتقديس كبيرين في المجتمع. وهكذا يطرح الأمر كما لو كان تخييرا له بين التمسك باعتقاداته والموت هرما وبؤسا وهامشية أو الدخول في الحداثة والتخلي عن دينه واعتقاداته المقدسة. وكان هذا في الواقع ولا يزال منطق العديد من المستشرقين الأوروبيين المتمثلين للنموذج الأوروبي العلماني، والذين يعتقدون جميعا أن الإسلام لا يمكن أن يتماشى مع الحداثة، وأن تحديثه يعني القضاء عليه. بهذه الطريقة نضع المجتمعات الاسلامية في مازق لا مخرج منه وندينها باليأس والاحباط الأبدي. يستطيع المثقفون أو بعضهم، بما يتمتعون به من وعي نقدي شمولي وما يتمثلونه من مهام الريادة الفكرية بما تعنيه من جرأة على الانفصال عن التقاليد وتأسيس تقاليد جديدة وما يملكونه من حرية الرأي أو من تحرر من ضغط الرأي العام الجمعي، الانشقاق كليا عن الدين أو تصور العلمانية كتحرر كامل من الفكرة الدينية. لكن ذلك لا يسري على أغلبية أعضاء المجتمع الذين يشغلهم تأمين حياتهم اليومية عن التفكير المعمق بمشاكل المجتمعات والنظريات الفلسفية. ما يمكنهم من التصالح مع نظام الحداثة وقيمها هو التأويل الجديد للدين بما يتفق مع متطلبات الحياة العصرية.
[vii] أنظر عن دور الأزهر M. Zeghal, « Gardiens de l'islam - Les oulémas d'al Azhar dans l'Égypte contemporaine », Paris, Presses de Sciences Politiques, 1996
وهناك مراجع لا تحصى اليوم عن حركات الاصلاح الديني التي شهدها الاسلام في العصر الحديث والتي يعتبر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده أشهر روادها. وكلها اهتمت بتقريب الفكر الديني ومسائله من القيم والأفكار ومتطلبات الحياة الحديثة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية.
[viii] للمقارنة مع اليابان، مساهمتنا "Partage d’expériences : la modernisation au Japon et dans le Monde arabe" في كتاب
[ix] ونقول ردة عن التحرر الديني في الوعي، لا عن العلمنة الموضوعية التي حصلت بالرغم من تراجع الوعي. لأنه لا يمكن تصور نشوء الحركات الاسلامية أو ما نسميه كذلك اليوم من دون ما حققته العلمنة من تقويض لأسس التفكير اللاهوتي الوسيط. فلا تعمل هذه الحركات، عندما تتحدث عن دولة إسلامية وتوجه الدين نحو وظائف وغايات سياسية، إلا من منطق العلمنة التي تعني كما أشرت تركيز النشاط العمومي على تحسين شروط حياة الانسان على الأرض ووضع الحياة الدنيا في محور النشاط، بدل التركيز على الحياة الأخرى. فهذه الحركات نوع من العلمنة المقلوبة أو المضادة التي تشربت قيم الحضارة الحديثة ولا تعمل إلا بوحيها ولكنها تقوم بذلك من منطلقات وبمفاهيم قديمة لاهوتية. إنها تهدف مثلا إلى العدالة والمساواة والحرية تماما كالحركات السياسية الأخرى المعارضة، لكنها لا ترى عدالة أو مساواة أو حرية إلا في تطبيق الشرائع واحترام القيم والتقاليد الاسلامية. وفي سعيها هذا إلى تحقيق غايات إنسانية حديثة بوسائل دينية قديمة يكمن جوهر تناقضها الذي يفسر إخفاقاتها المتكررة ووصولها إلى طرق مسدودة.
[x] لا تزال آثار هذه الحقبة باقية حتى اليوم في نظمنا السياسية كما تظهر ذلك النزاعات المستمرة بين السلطات الحاكمة، المستندة إلى الشرعية القومية او الوطنية وحركات الأخوان المسلمين الذين مثلوا لفترة طويلة ما نسميه اليوم بالاسلام السياسي المعتدل والقابل بالعمل في إطار دولة حديثة أو شبه حديثة. أما في ما يتعلق بالاسلام الجهادي والجماعات الأصولية، فهناك إجماع كامل من قبل المجتمع ا لسياسي الحديث، بجميع تلويناته، على استعادها تماما من أي ممارسة سياسية وإن أمكن فكرية. وهذه الجماعات تعبر في الواقع عن الأزمة العميقة التي تضرب البنية الدينية، من فكر وسلطة ومؤسسة، أكثر مما تعبر عن الأزمة السياسية التي يشير إليها استبعاد الحركات الاسلامية السياسية مثال جماعة الأخوان المسلمين.
[xi] لا أعتقد أن من الممكن وصف ما يعيشه الاسلام السني على يد المتطرفين الأصوليين انشقاقا داخل الدين كما يشير رضوان السيد. فالانشقاق أو الصدع الديني يعني بروز سلطة دينية منافسة ونازعة لتأكيد نفسها وشرعيتها في مواجهة سلطة دينية تقليدية قائمة في قلب الدين، تنحو نحو بناء كنيسة أو مذهب جديد، كما حصل بين السنة والشيعة والخوارج. وهذا يستدعي وجود نخب دينية منظمة بالفعل وملتفة حول تأويلات مذهبية واضحة تمس جوهر العقائد الدينية. والحال نحن نعيش تحلل السلطات الدينية جميعا وغياب أي مناظرة محورها قضايا الدين، حتى أن الجهادين الاكثر تطرفا لا ينازعوة رجال الدين العلماء او الفقهاء الممثلين تاريخيا للسلطة الدينية ولا يشعرون بوجودهم. فمحور اهتمامهم الحكومات المحلية والدولية. وبالمثل لا توجد هناك أي حملة دينية ذات مغزى للعلماء على فرق التطرف المتنامية. لا بل إن هناك تعاطفا إلى حد كبير من قبل هؤلاء مع مشروع الدولة الاسلامية الذي تدور من حوله كل الحركات الأصولية المعاصرة. أنظر مقال رضون السيد "الانشقاق الديني والصدع الايديولوجي"، جريدة الاتحاد الظبيانية، 8 يوليو 07.
[xii] أما التيارات الاسلامية النضالية فهي تففتر للحد الادنى من الوعي بخطورة هذه التحديات والمعضلات، وتعيش في ما يشبه العرس لدائم نتيجة إدراكها سعة انتشار أفكارها أو عودة المجتمعات إلى الدين. كل ما تعتقد أنها تحتاج إليه لإخراج المجتمعات من محنتها هو الوصول إلى السلطة. وأفضل ما يعبر عن ذلك شعارها الدائم: الاسلام هو الحل. فالمشكلة بأكملها تكمن في نظرها في وجود نخب علمانية في الحكم، خاضعة للأجنبي وغير مخلصة لشعوبها.
[xiii] كنا قد ناقشنا هذا الموضوع في مقالة "الاسلام وأزمة علاقات السلطة الاجتماعية"، المنشور في كتاب الاسلاميون والمسألة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004
[xiv] شعار الدين لله والوطن للجميع الذي أطلقه سعد زغلول هو المثال الأوضح لهذه الصيغة من التعايش بين الدولة والدين كما برزت في الثقافة السياسية العربية الحديثة. وهو شعار لا يزال صالحا إلى اليوم.

lundi, septembre 24, 2007

من أجل علمانية إنسانية

موقع ألوان 23 سبتمبر 07

في مقال نشره في "موقع الأوان" بعنوان "العلمانية والعلمانية السورية" اشتكى وائل سواح مما يتعرض له مفهوم العلمانية في نظره من هجوم متزايد من قبل "معظم المثقفين" العرب. وميز فيهم بين فئتين رئيسيتين: فئة المفكرين الدينيين أو الاسلاميين الذين يرفضون العلمانية أصلا باعتبارها مخالفة لعقائدهم، وهم ممن يسهل الرد عليهم، ثم فريق من المثقفين، لم يحدد هويته، ينتقد في نظره العلمانية ويناصبها العداء سرا، "خجلا أو تقية أو مداورة". ويحتاج إلى جهد أكبر للرد عليه، ومن بين من ضرب بهم المثال برهان غليون وأدونيس وماهر الشريف وياسين الحاج صالح.
وليس هناك شك في أن تناولنا لمسألة العلمانية، مثل أغلب الجمهور المثقف والسياسي العربي، كما يذكر وائل سواح في مقالته، يختلف كثيرا عن تناول وائل سواح وجماعته المرجعية في نقاط كثيرة وجوهرية. وهو ما سوف أتعرض له وأبين مضمونه وربما أسبابه أيضا في الجزء الثاني من هذا الرد. لكن أود قبل ذلك أن أتناول ما عرضه وائل سواح على انه ملخص موقفي من مسألة العلمانية، والطريقة التي استخدمها لتحقيق غرضه، والاقتباسات التي استند إليها، والتي إذا صدقت صار من غير المنطقي تصنيفي ضمن ناصبي العداء للعلمانية مداورة وتقية وإنما صراحة وعلنا.
1- في الأمانة الفكرية
أراد وائل سواح من مقاله أن يكون مساهمة في الدفاع عن العلم والعقلانية والحرية الفكرية. لكن أقل ما يقال في الطريقة التي اتبعها في هذا النقاش هو افتقارها لأدنى قواعد الأمانة الفكرية. وأول ما يلفت النظر في هذه الطريقة هو تعامله مع المصادر التي بنى عليها تعريفه بموقفي. فقد اختار كتاب : المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، الذي صدر عن دار الطليعة عام 1978، والذي لم يعن بالعلمانية إلا بصورة جانبية، من خلال تحليل مسألة الطائفية والأقليات، وتجاهل كل النصوص التي كتبتها في الثلاثين سنة الماضية، من كتب ومقالات تتناول موضوع العلمانية مباشرة، وفي مقدمها كتاب نقد السياسة :الدولة والدين (المركز الثقافي العربي)، وكتاب النظام السياسي في الاسلام (دار الفكر) بالإضافة إلى نصوص كثيرة أخرى صدرت بالعربية والفرنسية، من المفروض أن كاتب النص اقد اضطلع عليها. وما يلفت النظر كذلك الطريقة التي أحال فيها إلى النص، أعني القصقصة واللصق لإنتاج لوحة جديدة ليس لها علاقة بالأصل. فلا تجد أي جملة كاملة ومفيدة من بين ما أحيل إليه، وإنما كلمات ليست منزوعة من سياقها التحليلي فحسب وإنما من جملها المفيدة أيضا. وما يلفت النظر كذلك أنه لا توجد هناك إحالة واضحة إلى أي جملة أو فقرة، وإنما إحالة جماعية إلى صفحات عديدة ومتباعدة دفعة واحدة، وعلى القاريء نفسه أن يجمع بين شتاتها. وما يلفت النظر أخيرا هو أن الكاتب لم يقرأ، كما هو واضح من الإحالات، كتابي وإنما وضع ثقته كاملة في ما قام به قبله جورج طرابيشي في كتبه، كما تشير الإحالة، وهو المعلم الحقيقي في هذا الفن. وبهذه الوسائل أمكن لوائل سواح أن يعيد إنتاج موقفي من مسألة العلمانية كما يريد هو، وبالشكل الذي يستجيب لحاجته في إدانة المثقفين العرب او معظمهم، بوصفهم عملاء للظلامية الدينية والجهالة، وفي تنصيب نفسه وأصحابه ملوكا متوجين على عروش العلم والعقل والتنوير.
وما ذكرته بخصوص عرض موقفي لا يختلف كثيرا عما رافق عرض مواقف الكتاب الآخرين المشار إليهم. فلم يجد الناقد من كل ما كتبه أدونيس مثلا حول مواقفه من الدين والعلمانية، والتي يعرفها القاصي والداني، المثقف وغير المثقف، ولا تحتاج إلى بحث وتدقيق، نصا أفضل لتمثيل فكر هذا الشاعر والمثقف الكبير سوى نص ظرفي واستثنائي يعود لسنة 1979، كتبه في لحظة حماسية بعد انتصار الثورة الايرانية الإسلامية، التي كانت بكل المعاني ثورة تحررية، وأثارت في حينها، بالرغم من الطابع الملتبس لإيديولوجيتها الدينية، حماسا لا شك فيه عند مفكرين كبار، في مقدمهم ميشيل فوكو الذي وصفها بثورة الروح. وهي لا تزال تستحق وقفة تأملية حتى اليوم بسبب ما تنطوي عليه من مفارقة تاريخية جعلت أن ثورة ديمقراطية شعبية تحديثية تتخذ طابع الثورة الدينية وتستند إلى قيادتها السياسية. مما يعبر في الوقت نفسه عن أصالتها وتناقضاتها غير العادية أيضا، ككل حدث تاريخي كبير.
ولا يختلف الأمر عن ذلك في تناوله مواقف ياسين الحاج صالح وماهر الشريف. فهو ينطلق أيضا من تأويل لواحد من نصوصهما العديدة، يطرحان فيه تساؤلات ليست مشروعة فحسب، وإنما هي شرط لضمان اتساق الخطاب والتدقيق في صوغ الإشكالية، ليصوغ لكل منهما موقفا معاديا من العلمانية.
والواقع أن وائل سواح لا يقتصر على عرض ما يعتبر أنه موقفنا من العلمانية، ولكنه يتجاوز ذلك ليعيد بناء منظومتنا الفكرية وخياراتنا السياسية جميعا. فهو يكشف عن أفكارنا المسبقة التي تملي علينا طريقة تفكيرنا، ويعرف نوايانا الحقيقية أكثر مما نعرفها نحن، ويسعى إلى إرشادنا وإسداء النصيحة لنا، من دون الاستناد إلى أي نص أو إحالة هذه المرة، ربما من باب المونة الأخوية. يقول مثلا إن " النتيجة التي يصل إليها – غليون ( ...) مبنية على فكرة مسبقة ثابتة، مؤداها أن السلطة ذات الطابع الطائفي في سورية، والتي تمثل أقلية طائفية بعينها، تستخدم العلمانية كسلاح ضد الأكثرية العددية التي تنتمي لطائفة أخرى. وهي تستخدم العلمانية كـ"أداة قمع اجتماعي وسياسي" بيد هذه الفئة النخبوية ضد الغالبية الشعبية و"إيديولوجيا تبرير" لضرب حرية الاعتقاد الأساسية، "حرية الرأي والصحافة والتنظيم الحزبي"، و"وسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة" وعلى "الاحتكار المطلق لحرية الرأي والتعبير والتنظيم" من قبل "دولة النخبة العصرية". ويتابع وائل سواح " برأينا أن في هذه الرؤية نقيصتين اثنتين: أولاهما الاستقواء بالأكثرية العددية في مواجهة الأقليات عموما، وثانيهما النفس الاستعلائي الذي تمارسه في مواجهة من تسميهم بالأقلية الحداثوية".
ولا أدري على أي مصدر اعتمد سواح ليصل إلى هذه النتيجة التي تعبر عن فكر بدائي لا علاقة له من قريب او بعيد بالتحليل الاجتماعي الذي اتبعته في الكتاب، بل هو نقيضه بالضبط. ولعلها تعكس قناعاته الذاتية. فأطروحة الكتاب الرئيسية هي أن مشكلة التوترات الطائفية والنزاع مع الأقليات ليست مرتبطة بالدين ولا بالاختلاف المذهبي ولا بالأحرى بوجود أقليات، وإنما بضعف البنية الوطنية وعجز الدولة عن تقديم إطار وطني وديمقراطي صحيح يضمن المساواة بين الأفراد ويقدم لهم فرصا أكبر لتحقيق مطامحهم وتطلعاتهم. فالأقليات تبنى ولا توجد مسبقا كأقليات، بل جماعات اعتقاد ورأي مختلفة. ويشكل الكتاب استكمالا لكتاب بيان من أجل الديمقراطية الذي صدر عام 1977، وهو يدخل في محاور التفكير التي سأعمل على تطويرها في أبحاث لاحقة حول الطائفية والدولة والأمة والعلمانية.
وبالمثل، لا أدري كذلك كيف استنتج وائل سواح، أو من استند إليه في بلورة أطروحاته الغريبة، أن أدونيس "يبرر عدم فصل الحقل السياسي ليس عن الدين عموما، وإنما عن دين بعينه هو الإسلام". لأنه يقول "إن السياسة في الإسلام "هي شريان يسري بشكل شامل كامل في بنية شاملة وكاملة." وكل من يتابع ما يكتبه أدونيس حتى من غير المختصين بتاريخ الفكر، يعرف أن أدونيس لا يؤكد على عدم إمكانية الفصل بين الاسلام والسياسة إلا ليدافع عن موقف جذري من تجديد الثقافة العربية ونسف نظام الفكر القديم، والديني منه بشكل خاص، من الجذور. وعلى جميع الأحوال من الصعب لناقد فكر حقيقي أن يصنف مثقف كأدونيس بين أولئك الذين يرفضون الفصل بين الدولة والدين، وبالتالي من الذين يناصبون العلمانية العداء.
ما جاء به سواح لا علاقة له إذن لا بما كتبته أنا وما أفكر فيه، ولا بما كتبه ياسين الحاج صالح أو ماهر الشريف أو أدونيس، وإنما هو من إسقاطات الكاتب نفسه. ومع ذلك فإن ما ذكره مهم ويستحق الرد والتحليل لأنه لا ينبع بالضرورة من سوء نية، أو يعكس هلوسات فريق اجتماعي وشكوكه ومخاوفه الذاتية، ولكنه يعبر عن تيار قائم بالفعل في وسط المثقفين، لا يعلن ولاءه للعلمانية وتمسكه بشعاراتها إلا ليفرغها من مضمونها ويحولها إلى درع يحتمي وراءه ويغطي به، هذه المرة مداورة وتقية بالفعل، على أفكار يعتقد انها غير مقبولة اجتماعيا بعد، أو أن الإعلان عنها لا يزال مكلفا كثيرا.
ولن أفصل هنا في ما نشرته في الثلاثين سنة الماضية عن العلمانية، فيمكن للقاريء العودة بنفسه إليه عبر كتابات لها بالتأكيد طابع نقدي، لكن بالمعنى العلمي للكلمة، أي لا تنبع من التشهير بالمفهوم أو الفكرة ورفضهما، وإنما من السعي، من خلال مقارنة التجارب التاريخية، الأوروبية والعربية، إلى إعادة بناء المفهوم وتوسيع دائرة عمله وإغنائه بمعاني ودلالات جديدة نابعة من توسيع دائرة انتشاره وتحوله إلى مفهوم ذي طابع كوني، لا يرتبط بخصوصية قومية. ومن جملة هذه الكتابات وفي مقدمها كتاب المسألة الطائفية المشار إليه، الذي أحث القاريء على قراءته، لا ليكشف بنفسه عن أساليب تحريف النصوص وتقويلها عكس ما تريد فحسب، وإنما ليطلع على المقدمات الأساسية التي اعتمدت عليها لتحليل ظاهرة انبعاث العصبيات الطائفية والإتنية، والتي قادتني إلى نقد العلمانية العربية السائدة، كما تجلت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تشكل عنصرا من عناصر تفسير نشوء ما أطلقت عليه "المجتمع العصبوي"، وظاهرة الارتداد من الدولة إلى القبيلة.
وأكتفي هنا بالاشارة إلى بعض الاقتباسات التي وردت في نص الكاتب وأحالها الكاتب جماعة للصفحات 11،12، 52، 53، 66، 82، و88 لأبين الروحية التي كتب بها الكتاب، والسياق الذي ورد فيه نقد العلمانية العربية الرثة. يبدأ الفصل الأول المعنون ب : الأقلية والأغلبية، البحث عن إجماع قومي جديد، بهذه الملاحظة "إن الحديث عن الأقليات ليس شيئا آخر سوى الحديث عن الأمة التي لا تنتج الأقليات الدينية أو الأجناسية إلا لأنها تعجز عن إنتاج أغلبية سياسية جديدة". وكذلك "سيخيب ظن كل من ينتظر من دراسة اجتماعية تقديم وصفة جاهزة لحل مشكلة الأقليات كاقليات. فهذا الحل لا يمكن أن يوجد داخل إطار النظم السياسية والاجتماعية التي خلقت مشكلة الأقليات وخلقت المجتمع العصبوي. وهدفنا هو إذن إظهار هذا الإطار العام الذي يمكن من خلاله ايجاد تغييرات اجتماعية ضرورية لطرح مسألة الأقليات الدينية او الأجناسية وجميع الأقليات الاجتماعية الراهنة أو التي يمكن أن توجد في ما بعد". ص 6-7. والنص الثاني من الصفحتين 11 و12، موضع الإحالة عند سواح، "وهكذا تبدو العلمانية هنا، التي تعاني من تثبت مرضي على مسألة الصراع بين الدين والدولة، الموروثة عن القرون الوسطى الأوروبية، ايديولوجية تبرير ضرب حرية الاعتقاد الأساسية، ووسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة. وبقدر ما كانت الاعتقادية العلمانية الأوروبية وسيلة لتحرير العقل وفرض حرية التعبير، جاءت العلمانية العربية لتنقذ الاستبداد العصري، أي جاءت كي تقدم لمصادرة حرية الرأي والتعبير الاجتماعي والطبقي غطاءا شرعيا من المساواة الشكلية بين الطوائف. ومن أجل ذلك بقيت عقيدة مستلبة تجاه الدولة، مأخوذة بتقديس السلطة والقوة. إن الخوف من اكتساح الاسلام للدولة هو المحرك الأساسي لسياستها". "إن ما تقترح العلمانية على نفسها كهدف قابل للتحقيق هو نقل المجتمع من الجهل إلى النور، لا المساواة ولا العدالة ولا الحرية. ذلك أن هذا الانتقال من الجهل إلى النور هو شرط الديمقراطية، كما هو شرط الاشتراكية (في نظرها طبعا). لا تدخل العلمانية هنا إذن كمذهب سياسي يدعم نظاما حرا ولكنها تظهر كبديل ثقافي للذاتية الدينية، أي مجرد نفي للذاتية القومية. وهذا ما يمكن الاسلام المستعاد من أن يدخل الحلبة السياسية العصرية كمقاتل من اجل الديمقراطية والمساواة الغائبتين عن الدولة العلمانية، واللتين تصطدمان مباشرة مع الأسف بالنزعة الاستبعادية والحصرية التي بنطوي عليها كل دين".
أما الصفحة 25 و53 المحال إليها أيضا، فهي تطور نفس الإشكالية وهذا ما ورد فيها "وبشكل عام كانت الثقافة الحديثة إطار تنمية المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص. ومن هنا أصبحت عقلانية وأصبح التأكيد عليها والدفاع عنها دفاعا عن العقل ضد ظلامية القرون الوسطى التي جسدت ثقافة العزلة والعزل والتهميش والاستبعاد للأغلبية عن السلطة. لا يكفي أن تدعو المنظومة الثقافية الجديدة إلى المساواة حتى تكون منظومة مساواة إنما يجب ان تظهر واقعية هذه المساواة".
"لكن انتقال النزعة الفلسفية العلمانية التي لا تشكل النظرية القومية إلا جانبها السياسي، لعب دورا مختلفا كل الاختلاف في البلاد الأخرى التي تمت السيطرة على الدولة فيها بشكل أو بآخر. فالعلمانية لم تنبت هنا من الصراع الاجتماعي الداخلي ولم تنشأ إذن نتيجة لتفكك وتحلل القيم التقليدية الموروثة وزوال فعاليتها في الممارسة اليومية والجماعية، ولكنها نشأت عن طريق التبني من قبل نخبة محدودة العدد، وغالبا معزولة عن الشعب. فهي التي كانت بسبب انتمائها إلى الطبقات العليا المسيطرة أكثر أو الأكثر قدرة على اكتشاف الغرب والالتحاق بثقافته. وبينما كانت العلمانية الغربية فلسفة للثورة ضد الطبقة السائدة المتحالفة بشكل أو بآخر مع الكنيسة، ووعاء لأفكار التحرر والمساواة والأخوة والعدالة والمواطنية والقومية، جاءت العلمانية العربية هنا كوسيلة لتقوية النظام السياسي القائم وتدعيم الطبقة المسيطرة التي أرادت أن تستفيد من علوم الغرب الحديثة لتنعش نظامها اقتصاديا وسياسيا. وكانت كتقاليد وممارسات ولغة تفاهم ووعي من نمط جديد وسيلة لعزل الغالبية الشعبية عن السلطة والسياسة".
وفي الصفحة 66 : "جاء فصل الدين عن الدولة في البلاد الاسلامية إذن على يدي الدولة ذاتها قبل أن تتبناه النخب المحلية الحديثة، وتدفع بجوانبه الفلسفية. وظهر لهذا السبب أيضا كاستمرار وتطوير لسياسة فصل الجمهور المتزايد عن السلطة وتحرير يد الدولة من سلطة الدين، آخر مرجع شعبي ووسيلة الضغط الوحيد بين المعدمين من السلطة والعلم"."وإذا كانت العلمانية لم تأت بالديمقراطية في كل الدول الاوروبية، ولا في الدول العربية أيضا، إلا أنها حملت معها بشكل عام شرعيتها عندما جعلت من الحرية الفكرية والدينية والسياسية وسيلة لتوحيد الأمة وخلق المواطنية".
وفي الصفحة 82، في الهامش "ومن هنا تبدو إشكالية فصل الدين عن الدولة عندنا كإشكالية مصطنعة منقولة عن الغرب. إن مشكلة الدولة في العالم التابع هي بالضبط أنها بلا دين ولا عقيدة. ... وليس هناك مؤسسة دينية مسؤولة في المجتمع العربي الراهن عن انعدام هذه الحرية. فالرقابة هي رقابة الدولة، والذي يمنع الناس من التعبير والتفكير والاعتقاد هي السلطة المدنية ذاتها. إلا إذا اعتبرنا أن على الدولة أن تصفي الأديان وتلغيها. عندئذ نقف مع الاستبداد الديني الحديث ونصفق للديكتاتورية والرقابة ونفرض اعتقاداتنا على الآخرين، ونفتح الطريق بالضرورة امام تسلط الدين على الدولة. وهذا هو ما تفكر به عناصر كثيرة من النخبة الحديثة بحجة تخلف هذا الدين أو ذاك. لكن في كل مره تلتقي فيها هيئة المثقفين بالسلطة وتتفق معها يحصل الاستبداد، إن كان ذلك في النظام الديني القديم لدى خضوع طبقة العلماء للدولة، او في النظام الحديث عندما تضع فئة المثقفين نفسها في خدمة السلطان. وفي الواقع ما لم تتمكن الطبقة السياسية والمثقفة من الوصول إلى إجماع على حرية التفكير والتعبير واحترام الحياة المدنية للناس فمن المستحيل قيام أي نوع من الديمقراطية مهما كانت نسبية".
وفي الصفحة 88، "لايمكن البحث إذن عن حل للنزاعات الطائفية في الدعوة العلمانية التي تدعو للمساواة او في الدعوة الدينية التي تؤكد على التسامح. ولا في القوانين التي تحدد الحقوق والواجبات لجميع المواطنين. فكل هذه الوصفات قد استعملت في الماضي ولا تزال مستعملة في الحاضر. والقضية ليست قضية دعوة ولا قضية ايديولوجية شكلية، إنما هي أساسا قضية السلطة، أي علاقة أفراد المجتمع ككل بالدولة، التي تبلور علاقة كل واحد منهم بالآخر. وبقدر تحول الدولة إلى دولة-عصبة دينية او علمانية حديثة أو قديمة، تتكون عصبويات مقابلة وتتحول إلى أشباه دول موازية تبدأ كمركز للدعوة الايديولوجية لتصبح تنظيما، لتصبح فيما بعد جيشا ومؤسسة كاملة شبه قومية".
تدخل هذه الفقرات جميعا في باب نقد العلمانية العربية لتقصيرها في الرد على حاجات التحرر السياسي والفكري والاجتماعي، ودفاعا عن قيمها، وليس العكس. فمن الواضح لكل ذي عقل أن الهدف من هذا النقد ليس تحطيم الفكرة أو مقاومتها أو القضاء على آثارها، وإنما الدعوة إلى الانسجام مع قيمها التي شكلت مصدرا للتقدم والتحرر والانعتاق في المجتمعات الاوروبية. وهذا يستدعي من دون شك القدرة على التمييز بين العلمانية وبين النسخة الرثة منها التي سادت في البلاد العربية، والتي تستخدم شعار العلمانية للدعوة إلى المراقبة على الفكر والضمير لا لتحريرهما من الوصاية السياسية والعقائدية. وهو النقد الذي يبدو صعبا جدا على بعض التيارات العلمانوية ذات البنية الطائفية، أي المتحولة إلى طائفة خاصة، تماما كما يبدو من الصعب على التيارات الإسلامية المتطرفة فهم ما تطالب به الأغلبية المسلمة نفسها من تمييز بين الإسلام والإسلاموية. والسبب أن كلاهما يفتقد للفكر النقدي الذي يحتاجه المرء حتى يستطيع اتخاذ مسافة من اعتقاداته ومعارفه نفسها، ويمكنه من تعريضها للنقد وامتحانها وفحصها على أسس عقلية او موضوعية أكثر، أي مختلفة عما تملي عليه عقائده وذاتيته.
2- من العلمانية إلى اللادينية
لا أعتقد أن هذا النقد فقد صلاحيته الآن، بل ربما كان أكثر راهنية اليوم من البارحة. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن العلمانية استخدمت في البلاد العربية ولا تزال، سواء أفهمت كموقف عقلاني وتنويري في مواجهة مجتمع متأخر ومتدين ومتعصب، أو كموقف من الطائفية الدينية ودعوة إلى تجاوزها، لتبرير الحد من الحريات وتقييدها بل إلغاءها. في الحالة الأولى اتقاءا لشر صعود التيارات الاسلامية إلى الحكم، وفي الحالة الثانية نتيجة قصر مضمونها على تجاوز التمييز الطائفي والمساواة بين الجماعات الدينية، وغض النظر عن المساواة السياسية المرتبطة بإقرار الحريات المدنية والسياسية والمساواة القانونية والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا لا يزال السؤال الذي طرحه كتاب المسألة الطائفية بصورة جانبية، مطروحا اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى : ما الذي وضع العلمانية العربية، والسورية منها بشكل خاص، في هذا المأزق الذي جعل منها رديف الديكتاتورية ونقيض قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة برمتها، وفي المكان الأول حرية الاعتقاد التي تعني تحريم فرض اعتقادات بالقوة على أي إنسان، أو منعه من التعبير عنها ؟
الجواب من شقين. أولا تحول العلمانية إلى ايديولوجية، أي إلى عقيدة فئة من الفئات الاجتماعية، جعلت منها إطار تماهيها وولائها الخاص، ورمز تفاهمها الذي يوحد عناصرها ويربط في ما بينهم ليحولهم إلى قوة فاعلة وشريك في الصراع الاجتماعي الدائم على الثروة والسلطة والنفوذ والجاه. وهو ما فرض عليها الخضوع لأجندة هذه الجماعة الخاصة ومتطلبات استراتيجيتها الاجتماعية والسياسية. وثانيا تعارض مصالح تأمين نفوذ هذه الجماعة/الطائفة واستقرارها مع مصالح التحرر والانعتاق العام للمجتمع، واضطرارها، في سبيل الاحتفاظ بمكاسبها، المادية والمعنوية، إلى خيانة القيم والمباديء العلمانية نفسها، ومن ورائها مباديء الديمقراطية. وهذا هو الذي يفسر أن أحدا من رموز هذه العلمانوية، الذين استشهد بهم وائل سواح، لم ينخرط في أي معركة من معارك الحرية، لا الفكرية ولا السياسية، بل إن معظمهم قد وجد في نقد حركة ربيع دمشق فرصة للتعبير عن رفضه لهذه الحرية ومقته لها. وبعض من جذبته الحركة قليلا قصر جهده على الدعوة إلى ليبرالية فجة تستنجد بالقوى الأجنبية وتدعو إلى تعليق الآمال جميعا عليها.
ما كانت لمصادرة فكرة العلمانية من قبل فريق اجتماعي ليحولها إلى رأسمال خاص به إلا أن تقود إلى أمرين. إفساد المفهوم من جهة وتقويض فرص تعميمه وانتشاره في الوعي وفي المجتمع والدولة معا، وبالتالي قطع الطريق على تقدم فكرة الحداثة وترسخها في الوعي الشعبي.
فبقدر ما أصبحت العلمانية ايديولوجية تغير شكلها ومضمونها ودورها الاجتماعي أيضا. فتحولت من مبدأ مؤسسي ناظم لسلوك الأفراد والجماعات، بصرف النظر عن اعتقاداتهم، إلى عقيدة قائمة بذاتها بديلة للدين، أي إلى دين جديد، يتخذ منها منطلقا لبناء رؤية للمجتمع والعالم معادية للرؤية المرتبطة بالدين القديم، ولرجاله وسلطته وقيمه. وككل عقيدة، صارت العلمانية "دوغما"، أي مذهبية مغلقة، وحقيقة ناجزة وثابتة لا تتغير ولا تتبدل، لا تحتمل النقاش ولا الجدال، قائمة في مواجهة جوهر آخر مطلق هو الحقيقة، أو بالأحرى "الخطيئة" الدينية. ولذلك ليس من قبيل الصدفة أن يربط هؤلاء أو أكثرهم العلمانية بالعلم، وأن يشتقوا مفهومها نفسه منه. هكذا أصبحت العلمانية مساوية للادينية، وراية يجتمع تحتها كل كاره للدين أو داعية للتجرد من تراثه والتحرر منه، في مقابل الاسلامية التي تقف في وجهها وتدعو إلى التمسك بالقيم والمفاهيم الدينية في تقرير كل ما يتعلق بالفرد والمجتمع والتاريخ والحضارة معا. ومن الواضح من مقال وائل سواح وزملائه إلى أي حد تعكس اشكالية العلمانية والاسلامية لديهم الصراع بين العلم، المنظور إليه كرديف للعقل، والدين، رديف الجهل والرؤية الخرافية. ولذلك فإن الاسم الصحيح الذي ينبغي إطلاقه على هذه العقيدة ليس العلمانية وإنما اللادينية أو العداء للدين، التي تختلط مع علموية سوقية، من مخلفات القرن التاسع عشر، تعكس الايمان الساذج والبسيط بالعلم وبقدرته الخارقة. وهي العقيدة التي تسمح بتذويب جميع إشكاليات المجتمع والسياسة والاقتصاد والتاريخ وإلغائها في عقل مطابق للعلم، يعمل كإله محرك ومبدع، قائم خارج أي زمان ومكان. ومن هنا يأتي تماهي الكثير من المثقفين مع هذه الدعوة التي تسمح لهم بالشعور بالتفوق الطبيعي على الغالبية التي ينظرون إليها ككتلة عددية، جاهلة، تفتقر للعلم وللعقل معا، لا كشعب ولا كأمة تمتلك وعيا وإرادة وقادرة على الفعل أو الانجاز من أي نوع كان.
ومن الطبيعي أن تكف العلمانية في هذه الحالة عن أن تكون مفهوما إجرائيا يهدف إلى فهم الواقع وتحليله، يمكن نقده ككل المفاهيم العلمية والاجتماعية، وتعديل مضمونه ودلالاته على ضوء التجربة التاريخية، ومع تغير هذا الواقع او تقدم المعرفة بدقائقه. فككل عقيدة تتحول إلى مذهب ديني، أصبحت العلمانية في نظر عابديها المخلصين ماهية ثابتة وجامدة، لا يدخل عليها تغيير، وصالحة بالتالي، مثل الدين، لكل زمان ومكان، لأنها قائمة فوقهما وخارجهما، تعيش حياتها بمعزل عن الواقع وعن المجتمعات وعن التواريخ، مهما اختلفت تجاربها أو تناقضت سيرها ومساراتها. ويصبح أي مساس بأسطورتها، أي بقدسية فكرتها، أو تغيير في أسلوب ممارسة طقوسها، أو تشكيك في بعض سيرها واستخداماتها، هرطقة وخروجا عنها. لأنه يشكل مساسا بالهوية، وتهديدا لاستقرار الجماعة الايمانية التي تتحول أكثر فأكثر، في مواجهة مجتمع يستعصي على سيطرتها، إلى عصبة منغلقة عدوانية، تتبنى جميع المواقف التي تتبناها الجماعات الدينية المواجهة لها، وتعلن مثلها جهادها، بجميع الوسائل، النظرية والمادية، الشرعية وغير الشرعية، السلمية والعنفية، ضد الكفرة ولجاحدين، لنشر العقيدة التي يكمن فيها خلاص البشرية. ومثلها أيضا، تبني العلموية كنيستها التي توزع بطاقات الخلاص على المخلصين لها وتحرم من تشاء من اعترافها وبركتها.
هذا ما يفسر أيضا الطابع التبشيري الممل للخطاب العلموي، وما يتميز به من الجمود والثبات وتكرار الصيغ والعبارات والشعارات نفسها، دون أدنى مراجعة أو محاولة لتجديد الفكرة أو تعميقها، منذ نصف قرن. فككل المتدينين، يعتقد العلمويون أن أي تغيير او تعديل في سرديتهم الخاصة بهم، لا بد أن يثير الشك في متانة العقيدة، ويقوض ربما أسس بقائها. وأن كل ما أنتجه هذا الخطاب كان مقالات تمجيدية ودفاعية، تهدف إلا صون الفكرة من التغيير والتعديل، والحفاظ على تماميتها وأصولها، في وجه ناقديها، وتستند على الاسترجاع الأبدي للأفكار نفسها، وإعادة إنتاجها عبر نقد خطابات الخصوم أو من يحولون إلى خصوم، والتشهير بهم وإظهار مروقهم او خيانتهم. فعندما تتحول الفكرة إلى عقيدة وتصبح منتجة لهوية وانتماء خاص وولاء جمعي، تكتسب قيمة رمزية أساسية، وتصبح بالتالي موضع قداسة، يصعب النقاش فيها أو الحديث عنها خارج دائرة االاحترام والإجلال والتمجيد والتبرير.
هكذا تغير دور العلمانية أيضا في حياتنا السياسية والاجتماعية. فبعد أن كانت مبدأ جامعا، يقرب بين مختلفين، بدعوة الجميع إلا الارتفاع على خلافاتهم العقائدية للاتفاق على شروط ممارسة هذه العقائد جميعا بحرية، وبالتالي ضمان حيادية السلطة التي ترعى هذه الممارسة الحرة وتحافظ عليها، أصبحت بالعكس أداة للتمييز والفصل بين جماعتين، جماعة المتدينين وجماعة المتحررين من الدين. ولم يعد أنصار الفكرة العلمانية ينشدون، كما كان الأمر في الأصل، إقناع الآخرين بالدخول في منطق السلطة الديمقراطية، والانتماء إلى أمة سياسية مختلفة عن الأمة الدينية، توحد جميع الاطراف من أصحاب العقائد المتنازعة، تحت سقف دولة محايدة، تحترم الجميع بالتساوي وتدافع عن حرياتهم الاعتقادية والسياسية والمساواة والعدالة في ما بينهم، وإنما أصبحوا يدافعون عن مكانهم وموقعهم في التركيبة الاجتماعية، بوصفهم أصحاب كنيسة مستقلة ومتميزة، ذات أسرار وطقوس يصعب استيعابها من قبل العامة الجاهلة والأمية. ولذلك لم يعد تحقيق العلمانية بما تعنيه من ضمان الحرية والمساواة والعدالة، هو الذي يعنيهم حقيقة، ولا حتى التبشير بها والسعي إلى نشرها وإقناع الآخرين بفائدتها، وإنما حمايتها من التحريف، كشرط للمحافظة على الملة، التي صارت إليها العلمانية. وهذا ما يفسر النزعة السائدة عند هؤلاء لتصنيم مفهومها وتحويله إلى حقيقة ثابتة ونموذج جاهز وناجز، لا يقترن تحقيقه بأي حيثية، وجعله أقنوما واحدا مستقلا يتقدم على كل ما عداه من الأقانيم. فهي هدف في ذاتها، لا يهم إذا ما ارتبط تحقيقها بضمان حرية الأفراد أو عبوديتهم، ولا إذا كان على حساب المساواة أو التمييز في ما بينهم. فصل الدين عن الدولة أو إخراجه منها، هو الغاية الأولى والوحيدة، والتي يبرر تحقيقها أو الوصول إليها جميع الوسائل الأخرى، بما في ذلك أقسى الديكتاتوريات العسكرية.
3 – معنى العلمانية
بالمقابل نحن ننظر للعلمانية بوصفها مبدأ من مباديء الثورة السياسية الحديثة التي تقود، في العالم كله، نحو بناء أمم سياسية، ودول/أمم ديمقراطية تعمل على بلورة إرادة هذه الأمم وتؤمن إعادة إنتاجها في الوقت نفسه كجماعة سياسية. ففي موازاة تفكك الايديولوجيات التقليدية وانحسار المناخات اللاهوتية القرسطوية، سوف يتحلل مجتمع الجماعة الدينية المتراصة، وتبرز الاختلافات والتنوعات داخل الدين الواحد، وليس بين الأديان المختلفة فحسب. بل إن الصراع بين المتدينين وغير المتدينين داخل الدين الواحد سوف يحتل، في مرحلة ثانية، أي ما بعد الطائفية، المرتبة الأولى في الصراع، ويدفع إلى تفاقم الجدل بين تيارات الفكر والاعتقاد وتنازعها. وفي هذا السياق ستظهر العلمانية لتؤسس لنهضة فكرية كبرى أساسها توفير مبدأ او قاعدة أخلاقية سياسية تسمح للمجتمعات المتحللة والمتفجرة، ببناء الوحدة السياسية مع الحفاظ على التعددية، والاستمرار في الجدال والمناظرة من دون الانجرار وراء الحرب الاهلية. وليس هذا المبدأ الخطير الذي يكاد في نظري يساوي العلمانية أو يستغرق مفهومها، سوى احترام حرية الضمير، بما تعنيه من حق اختيار العقيدة والتعبير عن الرأي والدفاع عن الفكر المختلف. ومن هذا المبدأ وما يتضمنه من اعتراف بأصالة الضمير وتحريم انتهاكه، لأي فرد، سوف يشتق مبدأ المساواة بين الافراد، بقدر ما تحولوا جميعا لأفراد أحرار وعاقلين، أي يملكون جميعهم ملكة الضمير والوعي والتفكير. ولأنهم متساوين، فعليهم أن يقروا لأنفسهم ولكل واحد منهم بحقوق واحدة أمام القانون، بصرف النظر عن اعتقاداتهم ومذاهبهم وظروف معيشتهم، وأن يكونوا مشاركين في تقرير مصيرهم الجماعي، أي في قيادة الدولة والجماعة، ومتكافلين. ومن هنا أصبحت مباديء الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي تعني التضامن والتكافل، مؤسسة لجماعة جديدة، هي الأمة أو الجماعة السياسية، في مقابل الجماعة أو الأمة الدينية القديمة. فإذا أخفقت الجماعة السياسية الجديدة، أي الأمة الممثلة في الدولة، في ضمان حرية الأفراد في اختيار اعتقاداتهم والتعبير عن أفكارهم، أو مارست التمييز بينهم بسبب انتماءاتهم، أو لم تنصف في معاملة بعضهم لحساب البعض الآخر، انتفت إمكانية بناء المواطنة كرابطة سياسية جديدة، مضافة إلى رابطة الدين أو موازية لها، وأصبح من المستحيل على الدولة أن تبني أمة أو جماعة سياسية. وتعثرت ولادة الحداثة السياسية، بما في ذلك قيام دولة قانونية.
والقصد أن العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة تنزع إلى الحلول محل العقائد الأخرى أو التعويض عنها، وإنما هي قاعدة لإدارة التنافس بينها، وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها، بما فيها العقائد اللادينية. وهي تقوم على افتراض إمكانية تحييد الاعتقاد الشخصي والفلسفي في الأمور الجماعية التي تتعلق بإدارة الدولة، حتى يمكن للدولة أن تكون دولة الجميع، وليست دولة جماعة اعتقادية واحدة. لكن تحييد الاعتقاد الديني والفكري في دائرة تعامل الدولة مع مواطنيها لا يعني إدانة أي اعتقاد، او التقليل من نفوذه، أو تحييده في المجال الاجتماعي، أو تحويله كما يعتقد البعض إلى اعتقاد شخصي، ومنع معتنقي الدين من تكوين روابطهم الجمعية. فالخاص لا يعني الشخصي والفردي. بل بالعكس، إن العلمانية لا تضمن شرعية وجودها إلا مما تقدمه لجميع الأفراد والجماعات العقائدية من حرية أصيلة وجوهرية، لا يخضع مبدؤها للنقاش، في التعبير عن نفسها وتنظيم كيانها والدفاع عن مصالحها أيضا، ضمن شروط احترام مباديء حرية اعتقاد الآخر والمساواة والعدالة. وتفقد العلمانية مبرر وجودها إذا تحولت إلى عقيدة بديلة تحتكر السلطة السياسية، وتمارس الاضطهاد ضد العقائد الأخرى أو تشجع عليه أو تقبل به، أو تدعو للحد من حريات منافسيها وخصومها الفكرية والمذهبية، وتبرر عدم المساواة القانونية أو الأخلاقية تجاههم، أو لا تكترث للظلم الواقع عليهم.
فالفكرة العلمانية أبسط بكثير مما نعتقد، وهذا مكمن قوتها وانتشارها وشعبيتها أيضا في موطنها الأصلي. فهي تعني باختصار أن الدولة لا تشتغل بأمور العقيدة، أي كل ما يتعلق بموضوعات الايمان وما يشكل مسلمات ايمانية عند الناس، سواء أكانت مسلمات دينية أو عقلية لا دينية. ليس هذا دورها، وليست لديها الإمكانيات والشروط التي تسمح لها بذلك. وإنما تقتصر مهمتها على تحسين شروط حياة أعضائها، المادية والمعنوية، من جميع المذاهب والاعتقادات، والارتقاء بثقافتهم وتكوينهم العلمي والمهني. أما موضوع العقائد فهي متروكة للجماعات المدنية نفسها، تتنازع فيها على قاعدة الحرية الفكرية والاعتقادية والمساواة الكاملة والتنافس السلمي. فشرط القبول بحيادية الدولة الاعتقادية وتجريدها من الدين هو إقرار الحرية الكاملة خارجها لجميع الأديان والمذاهب والعقائد. ومن دون ذلك تصبح العلمانية بالعكس غطاءا لدولة مذهبية مقلوبة، أي تفرض مذهب العقل والعلم على المجتمع بأكمله، أو تكافح ضد العقائد والأديان السائدة في المجتمع وتعمل على إضعافها ومحوها. وهو ما عرفته الدولة الشيوعية في القرن الماضي، وكان مثالا للعلمانية الدينية التي انتهت بكارثة على جميع تلك المجتمعات، لا تزال آثارها الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية مستمرة بعد أكثر من عشرين عاما على زوالها. وأي علمانية لا تضمن الحرية الفكرية والسياسية وتحافظ عليها، تفقد شرعيتها وتتحول لا محالة إلى أداة لتسويد عقيدة سائدة. هكذا لا تشكل العلمانية إذن عقيدة بحد ذاتها ولكنها تقدم نفسها على أنها المبدأ التي يكفل ممارسة العقائد جميعا بقدر ما هو مؤسس لمفهوم الحرية الفكرية.
لكن العلمانية، بقدر نجاحها في ضمان الحريات الفكرية والسياسية، تفتح فضاءا جديدا وتخلق ظروفا لا يمكن إلا أن تقود إلى تغير في أفكار الناس واعتقاداتهم ومنظومات قيمهم وتطلعاتهم. إنها تشكل إطارا لولادة ثقافة جديدة بالمعنى الحرفي للكلمة، هي الثقافة الحديثة، بكل ما تتصف به من استثمار في الفرد والشخصية الإنسانية، ومن قيم الحرية واستقلال الرأي والمساواة والندية، ومن اهتمام بشروط الحياة الدنيوية واعتقاد بإمكانية تحقيق السعادة على الأرض والتمتع بالحياة الدنيا. لكن هذه الثقافة ليست مشتقة من العلمانية، إنما هي ثمرة الجدل الفكري والاجتماعي الذي يخلقه ضمان الحريات والمساواة وحكم القانون، وما يقود إليه ذلك من إثراء للمعرفة ونضوج للنظم المجتمعية وتطوير للعلوم والإبداعات التقنية.
وملخص القول هنا، أن العلمانية مفهوم تاريخي. وكأي مفهوم تاريخي، تظل مرتبطة بشروط التجربة التي ولدت فيها، بينما يظل الواقع أغنى من المفهوم. والنماذج التي ارتبطت بنشوء الوعي العقلاني وتلك التي جسدت مبدأ الفصل بين السلطات الدينية والزمنية وتكريس استقلال واحدهما عن الآخر، لا يمكن أن تكون هي نفسها، أو تطبق كما هي على المجتمعات كافة، بصرف النظر عن تراث كل منها وتركيبتها الدينية والاجتماعية، وعلاقة الدين بالدولة فيها، وظروف تقدم تجربتها السياسية. وهي جزء من عملية تاريخية شاملة تتعلق بانتقال المجتمعات التقليدية نحو الحداثة، ولا بد أن يتأثر حضورها، من حيث الشدة والامتداد، أو من حيث القوة والضعف أو من حيث الوضوح والاختلاط، بشروط هذا الانتقال، وفرص تحقيق الحداثة في مستوياتها المختلفة.
ولهذا السبب ليس من الممكن تطبيق أي مفهوم تاريخي على مجتمع من المجتمعات من دون نقده مسبقا. ولا يعني النقد التهشيم، وإنما الكشف عن قدرة هذا المفهوم على إنارة تجربة جديدة مختلفة عن التجربة التي ولد فيها، أي عن مدى قدرته على أن يكون مفهوما كونيا ينطبق على جميع التجارب. وفي هذه الحالة يمكنه أن يلعب دورا ايجابيا ومنورا في إعادة بنائها او المساعدة على دفع تجربتها الخاصة إلى الأمام. وإلا فهو بحاجة إلى إعادة صياغة وتعديل وتقويم حتى يتمكن من تفسير التجربة الجديدة والرد على التساؤلات التي تطرحها.

4- العلمانية ومعركة الحرية
من هنا أعتقد أن نقد العلمانوية، أي العلمانية العقائدية، المحولة إلى خطاب هوية، مرفوع في وجه الأكثرية الاجتماعية، ومبرر لحرمانها من الحرية، أصبح شرطا لتحرير العلمانية من قيودها، وإخراجها من المعزل الذي وضعت فيه، وإطلاق قدراتها على تثوير الثقافة والسياسة العربيتين بالمباديء الإنسانية. وشرط هذا التحرير فصلها عن فكرة اللادينية أو العداء للدين التي عزلتها وحولتها إلى عقيدة فئوية، وفتحها على جميع أولئك المؤمنين بحرية الرأي والضمير، مهما كانت عقائدهم وفلسفاتهم الشخصية. والذين يرفعون سقف العلمانية ليطابقوا بينها والايمان بالعلم عوض الدين، أو التخلي عن الاعتقاد الديني، لا يهمهم انتشارها ولا قبول الناس بها، وإنما يريدون أن يحتفظوا بها متاعا خاصا لهم، يميزهم عن غيرهم من الفئات الاجتماعية. ولكنهم بقدر ما يستخدمونها وسيلة للإقصاء يحكمون على أنفسهم أيضا وعقيدتهم بالإقصاء من المجتمع والعيش في معازل هامشية.
لا يمكن أن تكون العلمانية هي نفسها عقيدة فئة لوحدها، وتسمح في الوقت نفسه للناس بتجاوز مواقفهم العقائدية. ولا أن تكون هوية جماعة خاصة، وفي الوقت نفسه قاعدة لجمع الأمة بأكملها تحت ظل سلطة قانونية. فعندما تصبح هوية وعقيدة لا يمكن أن تؤسس لمعرفة موضوعية مستقلة عن أحكام القيمة الايديولوجية، ولا مبدأ ناظما لدولة سياسية تؤلف بين جميع أصحاب العقائد وتوحد بينهم، الدينية منها والعقلية. والواقع أن العلمانية لا تملك أي مضمون عقائدي، بحد ذاتها. ومن كانت هويته العلمانية فلا هوية له. إنها موقف من العقيدة والهوية. والذين يحولونها إلى عقيدة يخلطون بينها والفلسفة اللادينية. فمن المفروض أن يستطيع المتدين ان يقول عن نفسه ويكون بالفعل علمانيا، وإلا فليس للعلمانية قيمة ولا مبرر على الإطلاق. فهي ممكنة فقط بانضمام المؤمنين لمبدئها، وليست ممكنة أطلاقا بعزلهم أو استبعادهم. ففي هذه الحالة لن تكون مبدأ للحرية وإنما للاضطهاد والقهر الروحي والديني. وسوف تكون نتائج تطبيقها معاكسة تماما لما نشأت من أجله. وهو ما نلاحظه بالفعل في بلادنا حيث يترافق انهيار الضمير والانحلال الفكري مع تفاقم مسألة الحرية وتعميم الاضطهاد وما يعنيه من قتل الذاتية.
هذا ما تشير إليه التجارب التاريخية نفسها. فقد انضم تيار كبير من رجال الدين الشباب إلى الفكرة وأيدوا الفكرة العلمانية، ليس من باب التخلي عن وظيفتهم أو ايمانهم الكاثوليكي، وإنما اعتقادا بأن العلمانية لا تنفي الايمان والاعتقاد، ولا تشكل هي بحد ذاتها ايمانا جديدا، وإنما تنظم العلاقة بين أصحاب الاعتقادات المختلفة على أساس الحرية، أي تأسيس دولة تضمن الحرية للجميع، وتستطيع تحقيقها، بالرغم من اختلاف الآراء. وهذا هو المكسب التاريخي الحقيقي الذي مكن من نشوء الدولة الوطنية، القائمة على الخيار الحر والإرادة الحرة لأعضائها جميعا، مختلفة عن الجماعات أو الأمم الدينية التقليدية التي كانت تتأسس على غلبة جماعة على جماعات أخرى، ولا تستمر إلا مع استمرار هذه الغلبة، وما تنطوي عليه من قبول الجماعات المغلوبة الخضوع والانصياع لإرادة الغالب والتكيف مع عقائده ومطالب سيطرته.
لا يعني نقد العلمانية اليوم، سوى الفصل الكامل والنهائي بينها وبين اللادينية التي تشكل العقيدة الحقيقية لجزء من النخبة الثقافية العربية والعالمية معا. ولا يتضمن هذا الفصل ولا ينبغي أن يتضمن أي مساس بشرعية اللادينية كفلسفة وكهوية جمعية، ولا بحق أصحابها في العمل بحرية داخل الفضاء الاجتماعي، فكرا وتنظيما وصراعا لتحقيق أهدافها وغاياتها. بل إن العكس هو الصحيح. إن هذا الفصل هو شرط انعتاق الفكرة اللادينية والممارسة العلمانية معا. فالتستر وراء مبدأ العلمانية لم يضعف شروط تحقق الفكرة اللادينية فحسب، ولكنه حرمها أيضا من الطموح إلى انتزاع مشروعيتها في حقل الثقافة العربية، وقلل فرص تطويرها في إطار مناظرة عقلية شفافة وضرورية. وليس هناك سوى التقدم على طريق العلمانية الحقيقية، وما يعنيه من تخلي العلمانوية أو اللادينية عن فكرة الدولة العقائدية التي تبشر بعقيدة العقل ضد الظلامية الدينية، تماما كتخلي أصحاب الفكرة الدينية عن السيطرة على الدولة وتحويلها إلى أداة لفرض عقيدتها على الجميع، سبيلا للخروج من الحرب العقائدية وفتح باب المعرفة العلمية. فاحترام حق المؤمنين بالتمسك بايمانهم والاعتراف بأصالة هذا الايمان وشرعيته ولا جداليته هو شرط فرض حق اللامتدينين بالتمسك باعتقادهم والاعتراف بأصالته وشرعية وجوده الذي لا يجادل فيه أيضا.
وبالمثل، إن تحرير العلمانية من اللادينية، وإخراجها من الشرنقة العقيدية، هو شرط تعميمها كمبدأ تنظيم سياسي يتجاوز الاعتقادات الدينية وغير الدينية، ويصب في بناء جماعة سياسية سميت في العصر الحديث، امة دولة، لا يمنع اختلاف الناس في اعتقاداتهم في ظلها من اتحاد إرادتهم وتفاهمهم واتفاقهم على بناء إطار للحياة الجماعية، ساهم أكثر من أي إطار سابق في تفجير طاقات المجتمعات الأخلاقية والفكرية والسياسة والاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك تجديد النظم الاعتقادية التقليدية وإحيائها.
وهذا هو أيضا شرط تحقيق الفصل بين العقيدة والمعرفة، أي بناء أسس مناظرة معرفية موضوعية جدية، من جهة، وتحرير الرأي العام من نير التحالف الموضوعي بين الطغيان السياسي الممثل بالسلطة الاستبدادية، والطغيان الفكري الممثل بسيطرة الخطابات الدينية. وطالما بقي الاختلاط بين المعرفة والعقيدة، واستمر الدعم المتبادل بين الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، أي التفاهم بين النخب الدينية والنخب السياسية ضد الحرية، فلن يكون هناك امل في الخروج من الحالة القائمة التي تفرض على الجميع البقاء ضمن حدود أقليات هامشية، اللادينيين، والدينيين، الاسلاميين والعلمانيين، الأكثريات والأقليات، لصالح فئات سيطرة غاشمة ومحدودة، لا تحتاج لضمان سيطرتها إلى إقناع الرأي العام ولا موافقته، وإنما تستطيع أن تؤمن ذلك من خلال تذرر المجتمعات وتحلل عراها، واستخدام القوة المجردة والارهاب للقضاء على تيارات المقاومة والمعارضة والاحتجاج الضعيفة فيها.
تقف العلمانية في مقدمة المعركة من اجل الحرية ومنها تستمد مشروعية وجودها. ولن يكون لها مستقبل في العالم العربي إلا بقدر ما تساهم في هذه المعركة وتعمل على الانتصار فيها. ويتطلب هذا من العلمانيين رفض أي مشاركة في المؤامرة ضد الحرية ، لا من خلال دعمهم للنظم الاستبدادية والتغطية على استبدادها وتزيينه، أو رش السكر عليه بتحويله إلى حاجز ضد الظلامية، ولا عن طريق اغتيال المعرفة الموضوعية وإخضاعها للعقيدة واحكامها الذاتية والمصلحية، وللمصالح السياسية.
هل يعني هذا أن صعود الحركات الاسلامية لا يهدد العلمانية او أن العلمانية تستطيع أن تستوعب نمو الحركات الإسلامية. بالتأكيد تشكل الحركات الاسلامية تحديا تاريخيا لفكرة العلمانية وممارستها معا. بيد أن الجواب على هذا التحدي لا يكون بالتخلي عن روح العلمانية والقيم التي تبرر وجودها وتؤسس شرعيتها، وإنما بالعكس في إظهار العلمانية بمظهرها الحقيقي الحيادي الذي يشجع الناس على تجاوز نزاعاتهم العقائدية المنتمية للماضي، ويقدم لهم فكرة تساعدهم على الاتحاد او التفاهم لانقاذ الحاضر، أي لبناء حياة قائمة على الاعتراف بحرية الجميع والمساواة بينهم وتضامنهم.
لهذا تستحق العلمانية أن نعود إليها اليوم ونراجعها ونعيد بنائها، أي أن ننقدها. لأنها المفهوم الوحيد الذي يمكننا من التمييز بين الموقف الاعتقادي والموقف المعرفي، ويسمح لنا بانتزاع ساحة جديدة مستقلة عن الايديولوجية نقيم عليها أساس تفاهمنا الجديد، من وراء العقائد العقلانية والأديان السماوية. وليس هناك أي مفهوم آخر يستطيع أن يقوم بذلك. فهي وحدها التي تقدم مفهوما دون مضمون عقائدي، بينما لا يمكن تصور العقلانية إلا كفلسفة أو رؤية مرتبطة بقيم واحكام وتوجهات تشكل اختيارا خاصا لفئة من المجتمع. العلمانية هي الوحيدة التي لا تؤسس لاختيار قيمي آخر سوى حرية الاختيار، وضمان هذه الحرية بإجراءات قانونية وسياسية واحدة، ومنطبقة على جميع أصحاب العقائد بالتساوي.
في هذه الحرب الايديولوجية التي تدمر اليوم أسس وجود الدول والتنظيمات المدنية العربية جميعا، أو تهدد بتدميرها، ليس هناك سوى صيغة الحرية المكفولة للجميع، وسيلة لتطمين الأفراد على عقائدهم ووجودهم، وتحويلهم عن الاقتتال إلى التفاهم والتعاون. وكما أن أصالة العلمانية تنبع مما تقدمه من فرص لتوحيد المختلفين في العقيدة، وبالتالي توسيع دائرة التحالف الضروري لتحطيم نظام الوصايات المتعددة، الذي هو في الوقت نفسه نظام الاقتتال، فإن تحويلها إلى عقيدة وفرضها بالقوة أو تحويلها إلى عقيدة معادية للدين والفكر الديني، يزيل عنها كل السمات التي جعلت منها أداة لتوحيد المختلفين وتجاوز تعددية المذاهب والاعتقادات، ويقوض لا محالة أسس شرعيتها ومبرر وجودها.
باختصار، العلمانية من دون حراسة قيم الحرية والمساواة والعدالة، يمكن أن تتحول اليوم في البلاد العربية إلى أكبر عقيدة قهرية، أو مشرعة للقهر الجماعي، باسم حداثة ليست في جوهرها ومظاهرها نفسها أحيانا سوى قرسطوية مقنعة ببهارج عصرية لا تخدع احدا. فهي حداثة سالبة للانسان ومعطله لضميره وعقله وجسده، ومستلبة لحرياته وإرادته، معادية لفكرة الحق والقانون والمسؤولية الفردية والجماعية معا.
ولذلك كما ينبغي أن نرفض الاختباء وراء شعارات العلمانية لتبرير الحرب ضد الحرية أو للمحافظة على نظم القهر والاستبداد، ينبغي أن ننكر أيضا القطيعة التي عمل الاسلاميون والعلمانيون الكاذبون على فرضها على المجتمعات. وأن نطرح بالمقابل مفهوم الدولة المدنية المحايدة عقائديا، والتي تحترم حريات الجميع وعقائدهم. وبالمثل، كما ينبغي علينا أن لا نتخلى عن واجبنا في الدفاع عن حرية القوى والحركات السياسية والمدنية جميعا ضد سياسات القمع والاضطهاد، علينا أن لا نتردد في توجيه النقد لهذه القوى والحركات، حينما تظهر عداءا لحرية الرأي والاعتقاد، أو تسعى إلى فرض هيمنتها على الآخرين والإساءة إليهم او تشويه صورتهم لدى الرأي العام. وهذا يعني أننا لا ينبغي أن ننتظر تطبيق الدولة لمبدأ العلمانية حتى نلتزم به، وإنما أن نطبقه نحن منذ الآن على انفسنا وفي ساحة العمل العام، فنكف عن اتهام بعضنا البعض الآخر، أو التشهير به، أو تخوينه او تكفيره، ونعترف بشرعية تعددية وجهات النظر وأصالتها، ونقبل بنسبية المعرفة، بما في ذلك مفاهيم العلمانية والحرية والمساواة والعدالة والقومية والوطنية وجميع المفاهيم الأخرى، وتحولاتها وتبدل دلالاتها أيضا. وهو شرط قبول الآخر والتسامح بين الأطراف المتباينة في النظر. فليس هناك علمانية ولا حرية يمكن أن تعيش بغياب مفهوم الحد الادنى من النسبية. وهذا هو أيضا أساس بناء حقل المعرفة العلمية القائمة على افتراض حد كبير من إمكان التفاهم والتواصل بين بني الانسان، من وراء أفعال الايمان والاختلافات العقائدية.
باختصار، كما يشكل فصل العلمانية عن اللادينية شرطا لإعادة مفهوم العلمانية إلى ذاته كمبدأ حرية، يشكل تحرير العلمانية من توظيفاتها الايديولوجية شرطا لتعميمها واستبطانها من قبل الجمهور وتحويلها إلى قاعدة لحياة سياسية وثقافية وأخلاقية ثرية ومستقيمة، في الدولة والمجتمع على حد سواء.