samedi, janvier 01, 2005

المستقبل العربي وقضية الإصلاح

الجزيرة الفضائية برنامج حوار مفتوح
1 يناير 05
- حقيقة وضع العرب في المرحلة الحالية- أسباب صمت الجماهير العربية- العرب ما بين الإصلاح والتغيير- الإصلاح ما بين السلطة والمجتمع المدني- جدلية الانفتاح الداخلي والتدخل الخارجي
غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين سلام الله عليكم وكل عام وأنتم بألف خير وبألف أمل في مستقبل عربي ناهض تحصل فيه شعوبنا على ما تستأهله من رفاه وكرامة ويزول فيه الاحتلال أي احتلال ويفرج فيه عن الأسرى ونتلذذ فيه بسجون عربية خالية من المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي ومع أمل مضاعف بإعلام متألق وثقافة مبدعة هذا عن الأمل ماذا عن الحال؟ لنستحضر سوى مأثورا ورواية ونصا حديثا أما المأثور فقد كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز قائلا إن أهل خرسان قوما ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر قائلا أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خرسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يُصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يُصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام، أما عن الراوية فقد قيل اتخذ قوم شجرة صاروا يعبدونها فسمع بذلك ناسك بالله فحمل فأسا وذهب إلى الشجرة ليقطعها فلم يكد يقترب منها حتى ظهر إبليس حائلا بينه وبين الشجرة وهو يصيح به مكانك أيها الرجل لماذا تريد قطعها؟ لأنها تضلل الناس، وما شأنك بهم دعهم في ضلالهم، كيف أدعهم ومن واجبي أن أهديهم، من واجبك أن تترك الناس أحرارا يفعلون ما يحبون، أما النص الحديث فهو ما ذكره ووتربري عام 1995 قائلا إن أساليب القمع وإرهاب الدولة هي بالنسبة لأنظمة الاستبداد كالاحتياطي للبنوك تكون فعالة فقط إذا لم يتدفق المودعون عليها لسحب أموالهم فما أن يتحدى جُل المواطنين النظام حتى يعجز عن إيجاد ما يكفي من الإرهاب والسجون ومن محض القسوة والوحشية لتلاقي متطلبات السيطرة انتهى النص، ما الحكمة إذاً من استحضار ما سلف هو التالي؛ الخليفة عمر بن عبد العزيز أي الحاكم يأمر بالعدل والحق بدل السيف والسوط أو في لغتنا المتداولة في موقعنا المعاصر يأمر بالعدل الاجتماعي وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان بدل خيار القهر وكتم الأفواه والفساد السياسي والإداري والمالي أما رواية الناسك وإبليس فكأنها جزء من السجال الملحوظ بين بعض نخبنا وحتى بين صُناع وأصحاب القرار حول جدلية الحرية والأمن القومي والتدخل الأجنبي وهذا يدفعنا إلى ملامسة بعض الإشارات السلبية التي بانت بوضوح خلال الأشهر الأخيرة ونعني بها ما يهدد الوحدة الوطنية من مخاطر الفتن الطائفية أو المذهبية أو العرقية أما عما ذكره ووتربري فروحه أن الجماهير قادرة على التغيير إذا أرادت بالفعل حوارنا المفتوح ينطلق من هذه النقطة الأخيرة سائلا إن كان وضعنا العربي العام سيئا إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ بالفعل أم في هذا مبالغة وتغييب لواقع الممانعة والمقاومة؟ يراجع نقاشنا محورين جدلية الانفتاح بين الحكام والشعوب ومسألة الوحدة الوطنية وذلك هنا في بيروت مع البروفيسور برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس ومع الدكتور مصطفي الفقي المفكر القومي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان المصري ومعنا كالعادة هنا نخبة من الأصدقاء من أصحاب الرأي والتعليق سيفيدوننا بالمشاركة مشاهدي الكرام أولا مرحبا بك بروفيسور برهان مرحبا بك دكتور مصطفي الفقي مشاهدي الكرام أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

[فاصل إعلاني]
حقيقة وضع العرب في المرحلة الحالية
غسان بن جدو: مشاهدينا الكرام أهلا بكم ومعذرة للأسبوع الثالث على التوالي من هذا الفيروس في الحنجرة وهذه البحة في الصوت دكتور برهان غيلون هل بالفعل ونحن الآن في اليوم الأول من عام 2005 نستطيع أن نقول أن العرب في أسوأ حالات عبر التاريخ أم في ذلك بالفعل مبالغة شديدة؟
"المقاومة العراقية كبدت قوات الاحتلال الأميركي خسائر كبيرة ودفعته إلى إعادة النظر ببعض برامجه ومشاريعه للمنطقة العربية" برهان غليونبرهان غليون: أنا بأعتقد إنه نحن في حال سيئ على كل حال أسوأ أم غير أسوأ لكن نحن في حال سيئ لأنه على المستوى العالمي أصبحنا نحن يشار إلينا بأننا الرجل المريض أو المنطقة المريضة والموضوعة على مشرحة الأمم حتى تنظر في أمرها وتقدم لها الوصفات الطبية من مشاريع الإصلاح وغيرها يعني أصبحنا بالنسبة للرأي العام الدولي غير قادرين على أن نقوم نحن أنفسنا بما يصلحنا على المستوى الإقليمي من الأحسن نقول إنه نحن في وضع لا نحسد عليه أمام احتلال الإسرائيلي وأمام أيضا الاحتلال الأميركي في العراق وأمام مشاريع الهيمنة المعلنة والسيطرة المعلنة في المنطقة العربية وأمام تفكك الوضع العربي كما شهدناه يعني في السنوات الأخيرة نحن أيضا في وضع لا يُحسد عليه فيما يتعلق بوضعنا الاقتصادي بالرغم من كل الجهود اللي قام فيها الحكام العرب والشعوب العربية في السنوات الأخيرة لم ننجح بعد في أن نطلق أي ديناميكية تنمية في البلدان العربية ولا يزال النمو لم يتجاوز في مجموع الدول العربية 2% يعني أقل من تزايد السكان ولا يزال أعداد الباطلين عن العمل في تزايد ومطلوب منا من هون لعشر سنين توفير ثمانين مليون فرصة عمل لشبابنا حتى لا تتفجر الأوضاع على المستوى أيضا السياسي لا زلنا متهمين بأننا نخطو خطوة السلحفاة فيما يتعلق بالتحويل الديمقراطي واستبطان القيم الديمقراطية وقيم الحرية والمساواة والعدل والعدالة ودولة القانون واستقلال القضاء كل هذه أمور والفساد محاربة الفساد كلها أمور لا تزال مطروحة وتحديات لم تجد حتى الآن أي جواب في البلدان العربية على المستوى الثقافي نحن نتعرض اليوم أكثر من أي مرحلة أخرى إلى عداء حقيقي وإلى عنصرية حقيقية يُنظر إلى الثقافة العربية على أنها ثقافة متخلفة مرتبطة بدين متعصب إلى آخره ولم ننجح حتى في الصد هذه الهجمة اللي تدخل ضمن إطار صراع الحضارات ولا صراع الثقافات ولا تزال ما يسميه يعني (Arab phobia) و(Islam phobia) الخوف من الإسلام والخوف من العرب هو شيء ينمو بشكل متزايد في أوروبا وفي العالم الغربي وفي العالم ككل باستمرار فأنا بأعتقد إنه نحن فعلا في حالة سيئة على جميع المستويات الآن لا ينبغي أن يدفعنا هذا للتشاؤم عشان هيك سأقول لسنا في أسوأ حال أنا أعتقد أننا بالرغم من كل هذا في مرحلة تحول ونحن ربما بدأنا هذه المرحلة بمظاهر محدودة لكن مظاهرة مهمة وبأعتقد إنه السبب طبعا ليس نحن بمبادرات خاصة وإنما تغير أيضا الإطار الإقليمي يعني نستطيع أن نشير إلى عوامل إيجابية استمرار المقاومة في فلسطين وأزمة حكومة شارون أيضا في الخلاص من الانتفاضة نستطيع أن نشير إلى المقاومة في العراق وهي مقاومة على الأقل كبدت الاحتلال الأميركي خسائر كبيرة ودفعته إلى إعادة النظر ربما ببعض برامجه ومشاريعه للمنطقة ككل نستطيع أن نتحدث بشكل مهم جدا اليوم عن يقظة عربية فيما يتعلق بالأفكار والقيم الديمقراطية ودولة القانون والمساواة والحرية..
غسان بن جدو [مقاطعاً]: أين تتجسد هذه؟
برهان غليون [متابعاً]: أنا بأعتقد إنه الثقافة العربية اليوم تموج بالأفكار المتعلقة بضرورة الإصلاح، الإصلاح أصبح حتى نستطيع أن نقول أصبح هدفا مشتركا بين الأنظمة والحكام والجماهير بالرغم من أن تنفيذه والدخول فيه ما زال أمراً معقداً ومازال متعسرا لأسباب تتعلق بمصلحة الفئات الحاكمة إلى حدا كبير وأيضا تتعلق..
غسان بن جدو: يعني بمعنى آخر هل هذه الأنظمة جادة بالفعل في الإصلاح والتغيير؟
برهان غليون: لا أنا لا أعتقد أنها جادة لكنها مضطرة للقيام ببعض الأمور تحت الضغوط لا أحد يتحرك من تلقاء نفسه في الصراعات الاجتماعية، الصراعات الاجتماعية كل طرف مضطر أن يقوم بعمل من أجل أن يدافع عن مصالحه لكن من أجل أن يستجيب أيضا أو أن يرد على ضغوطات قوية جدا فعلى الأنظمة اليوم ضغوطات لا أحد يستطيع ينكرها خارجيا وداخليا وهي مضطرة إلى أن تعيد النظر في سياسات كثيرة لكن التحدي هو هل سننجح في بلورة برنامج وسياسة وخطط قابلة للإصلاح؟ يعني باختصار أنا بدي أقول إنه في المجتمع المدني بدأ يتبلور في جمعيات فيه مظاهرات في اعتصامات اليوم تحصل في البلدان العربية احتجاجا على سياسات الحكومات على.. مطالبة بالإفراج عن المعتقلين بمنع التعذيب في السجون بمنع الاعتقال السياسي بإزالة حالة الطوارئ وإلغائها بإعادة الحريات إلى الشعوب هذه كلها عناصر جديدة مهمة جدا لا ينبغي أن نتجاهلها عندما نفكر بالوضع القائم الوضع القائم هو وضع سلبي إلى حدا كبير لكن فيه بذور جديدة للإحياء وللتقدم وللنهضة نستطيع أن نبني عليها وخاصة وعي فئات جديدة من المثقفين ومن الطبقات الوسطى لأهمية العودة إلى الحياة الديمقراطية.
غسان بن جدو: نعم، عندما عددت مظاهر هذا السوء في الوضع العربي ونتمنى أن تعود الصورة معنا من القاهرة أنا لاحظت بأن تقريبا 80% من كل هذه المظاهر كأنك نظرت إلى المعيار الخارجي فيها أننا لم نستطع أن نُحسن صورتنا بأن هناك تدخل خارجي هناك خوف من الإسلام إلى آخره أنا أود أن أسألك من المتسبب في هذا السوء؟ هل تعتقد بأن المتسبب في هذا السوء هي سياسات الحكومات على مدى النصف قرن الأخير وأنت أعتقد صاحب كتاب الذي تُجزم فيه قبل سنوات بأن هذه الأنظمة التي جاءت بعد الاستعمار ورفعت شعار الحداثة ولكنها لم تستطع أن تُحْسن استخدام معايير الحداثة بل بالعكس يعني كل معايير الحداثة تحولت إلى سلطة مطلقة واستبدادية أليس كذلك دكتور؟
برهان غليون: نعم.
غسان بن جدو: فهل المشكلة الأساسي هي في هذا التحالف الكريه بين أنظمة استبدادية وبين خارج مصلحي لا أكثر ولا أقل أم هو في ضعف نخبنا في ضعف أحزابنا في إحباط جماهيرنا أين هذا السبب الخلل الأساسي أين هو؟
برهان غليون: أصل الخلل أنا في اعتقادي يبدأ من الثمانينات من هذا من القرن الماضي من القرن العشرين الثمانينات تَوَضَّح لكل البلدان العربية أن السياسات القائمة المتبلورة حول الدولة سواء كان في البلدان التي أطلقت على نفسها اسم بلدان اشتراكية أو غير اشتراكية كل السياسات القائمة على رأسمالية الدولة وتثمير الدولة و..و قيادة الدولة للمجتمع يعني قيادته كقطيع إلى حد كبير بينت أنها وصلت إلى طريق مسدود وبدأت في مجموع البلدان العربية إذا بتتذكر حركات معارضة جدية وجماهيرية قوية ثورات الخبز في المغرب وتونس والجزائر ومصر ثورات المنظمات النقابية الحقوقيين والأطباء والمهندسين في بلدان مثل سوريا والأردن وغيرها يعني بدأت مطالبة بإلغاء بوقف تجميد الحياة السياسية يعني بإطلاق الحريات السياسية بتغيير السياسات اللي حصل هو ماذا؟ اللي حصل هو أنه الأنظمة والحكومات القائمة لأنها كانت مدعومة من الخارج ست عوامل بالحقيقة الدعم الخارجي للأنظمة خوفا من الإسلاميين وخوفا من أي تحول لا تكون الدول الغربية مسيطرة عليه ووجود ريع نفطي وموارد نفطية كبيرة جدا تسمح بتكوين أجهزة أمن ضاربة وقوية وتدافع بدون موافقة الشعوب تدافع عن الأنظمة القائمة ونجاح الأنظمة القائمة في كسر الإرادة الشعبية منذ تلك الفترة بدأت الأزمة تتفاقم يعني عندما فشلنا في القيام بإصلاح هذا معناه كان لابد من القيام بإصلاح أنا بأعتقد إنه الإصلاح الداخلي فشل في الثمانينات الإصلاح العربي فشل في الثمانينات وبسبب الظروف اللي ذكرتها نجح الحكام في الإبقاء على النظم القائمة وما كان لهذه النظم إلا أن تتطور في اتجاه فساد أكبر وتفكك أكبر وتعفن أكبر وحتى تفريغ من روح الوطنية في هذه الأنظمة إذا بس بدي أنهيها هون عندما انتهى الإصلاح بدأنا بحركة تفجر من الداخل الحركات الإسلامية العنيفة كانت تعبير عن هذا التفجر من الداخل بسبب غياب الإصلاح ومحاولة تجاوز الوضع الآن نحن البلدان العربية والمجتمعات العربية تدفع ثمن إخفاق الإصلاح الداخلي بما فيه تدخل الدول الكبرى هو ثمن ندفعه وخسارتنا للمعارك كثيرة ديمقراطية واجتماعية واقتصادية واندماجنا في الاقتصاد الدولي إلى آخره ندفع ثمن نجاح الأنظمة منذ الثمانينات في قمع الشعوب وقمع حركة التغيير الديمقراطي ونجاحها في تعقيم المجتمعات بما أسميه أنا السرطان الأمني يعني نجحت الدول عن طريق الأمن وتوسيع دائرة الأمن وجعل أجهزة الأمن هي الأجهزة المتنفذة والحاكمة والمديرة والمسيرة للمجتمع بما فيه تعيين آذن في المدرسة وتعيين حاحب وتعيين مدير وتعيين أستاذ بالجامعة إلى آخره كله أصبح الأمن هو الذي يتحكم بمنطق المجتمعات لا الاقتصاد ولا السياسية ولا الثقافة ولا الفكر ولا الإبداع إطلاقا ونحن داخليا..
غسان بن جدو: وما العلة؟
برهان غليون: العلة هي هذا السرطاني الأمني الذي عقَّم الشعوب الآن شعوب معقمة وهذه نقطة ضعفنا أمام التدخل الخارجي ليس فقط الأنظمة ليس لديها سياسات ولا قدرة على بلورة برامج ولكن المجتمعات أيضا بسبب هذا التعقيم اللي دام أكثر من ربع قرن بعنف لا مثيل له في التاريخ يعني بمذابح جماعية بقمع إلى آخره أصبحنا أيضا نملك مجتمعات ضعيفة هشة البنية وغير قادرة على تحمل مسؤولياتها السياسة هي مسؤولية نحن فرّغنا المجتمعات من السياسة فرّغنا كل فرد من شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه.
غسان بن جدو: دكتور مصطفى هل توافق رأي الدكتور برهان غليون عندما يجزم بأن العلة الرئيسية بعد كل هذه التجارب هي في وجود عقل أمني اختصر الدولة العربية الحديثة وأصبح يسطو على كل شيء وهو المشكلة بمعنى أن الأنظمة العربية الحديثة أصبحت عبارة عن أجهزة أمنية متحركة وتجدها في كل مكان وهذا سبب فشل الإصلاح لأنه لا يوجد أصلا إصلاح؟
مصطفى الفقي: لا أستطيع أن أقول أن مفهوم الدولة البوليسية هو المشكلة الوحيدة في العالم العربي مشكلة العالم العربي وأنا يعني لا أختلف كثيرا عما قاله الدكتور برهان أن هناك أولا مجموعة من العوامل الدولية ومجموعة من العوامل الإقليمية أثرت في شكل المنطقة في العقود الأخيرة لدينا مجموعة اشتباكات متداخلة اشتباك بين الدين والسياسة اشتباك بين السلطة والثروة اشتباك بين الفرد والمؤسسة القضية معقدة اشتباك بين الماضي والمستقبل اشتباك بين الأغلبية والأقلية ولا يتم معالجة هذه الاشتباكات بمفهوم سياسي، إحنا عندنا أُصبنا بحالة في العالم العربي ككل وهي غيبة الرؤية السياسية وتوظيف جهاز الدولة لتسيير الأمور اليومية بطريقة مرحلية ولا توجد رؤية بعيدة المدى تسمح لنا بأن نتحدث عن إمكانية تسييس الأمور الاقتصاد سياسية الثقافة سياسة الاجتماع سياسة تسييس هناك سياسة ثقافية وسياسة اجتماعية وسياسة اقتصادية هذا الأمر غائب إلى حد كبير في العالم العربي ومنذ ثورة 23 يوليو 1952 في مصر تموز ظهر مفهوم قبضة الدولة الحاكمة وربما ظهر قبل ذلك في الانقلابات السورية من حسني الزعيم وأديب الشيشكلي وغيرهم وظهر مفهوم تدخل الجهات النظامية والأمنية في مجريات الأمور كان لدينا في مصر على سبيل المثال قبل ثورة يوليو وزراء مفكرون طه حسين، أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل الأمر تغير الآن وأصبحت هناك مساحة للوظيفة فقط واختفت إلى حد كبير الرؤية الشخصية والقدرة على إبداء سياسات جديدة وطرح مبادرات مختلفة هذا العجز العام في العالم العربي هو الذي يدعونا الآن إلى الإلحاح بضرورة المضي نحو الإصلاح الحقيقي الإصلاح هو إصلاح في العقل العربي إبدال المفاهيم الجزئية والمنفصلة برؤية طويلة القدرة على تسييس المواقع الفارق بين إنسان يدرك قيمة الحياة العامة والحياة السياسية ليس هذا أمر مرتبط بالتخلف أو الديماجوجية الدول المتقدمة نفسها فيها أحزاب تفرز كوادر وتقدم سياسات أنا أقول دائما إنني رأيتهم في حزب المحافظين البريطاني وأنا دبلوماسي في بريطانيا يتقدمون بالسيدة مارغريت تاتشر من الصفوف الخلفية إلى الأمام هذه العملية في التصعيد السياسي وتقديم الشخصيات المناسبة لقيادة العمل تكاد تكون غير موجودة في العالم العربي هذه الغيبة أدت بنا إلى ما نحن عليه الآن.
غسان بن جدو: نعم.. هناك نقطة.. دكتور مصطفى نعم.. ذكرت نقطتين مهمتين فيما يتعلق بالاشتباك بين الدين والسياسة وبين السلطة والثروة أو المال هذان عنوانان أساسيان ربما نناقشهم بعد الموجز ولكن ذكرت أيضا مسألة غيبة الرؤية السياسية الآن سؤالي هو التالي يعني أشرت إلى مارغريت تاتشر وغيرها ولكن هناك انتقاد يوجه إلى من هم محيطون بأصحاب القرار من يُوصفون بأنهم صناع قرار هذا الانتقاد يطاولهم كالتالي إنهم أصبحوا مستزلمين ذكرت إنهم موظفون لا ولكنهم أكثر هم مستزلمون متملقون لا يشيرون على هذا الحاكم ربما يقولون له ما يريد أن يسمعه وما يتوقع أن يسمعه لا أكثر ولا أقل وبالتالي هذه النخبة المشكلة ليست فقط في النخبة الوسيطة بين الحاكم وبين الجماهير إنها أيضا علة مضاعفة في النخبة المحيطة بصاحب القرار لأنهم تحولوا إلى مجرد متملقين هل توافق هذا الرأي وأنت على الأقل جزء من صناع القرار؟
مصطفى الفقي: هذا صحيح أنا لست جزءاً من صناع القرار أنا برلماني في هذه المرحلة ولكني أستطيع أن أقول لك أن جزءاً كبيراً من المثقفين والمفكرين في العالم العربي قبلوا أن تكون علاقة المثقف بالسلطان علاقة تبعية وليس فيها إبداء النصيحة حتى في المواقع المختلفة بدأ هذا نتيجة الخوف الإحساس بعدم القدرة على الحوار كان لدينا وزير خارجية في مصر قدير للغاية ودبلوماسي رفيع الشأن هو الدكتور محمود فوزي ونعتبره أب الدبلوماسية المصرية ولكنه لم يكن يستطيع أن يُوجه للرئيس عبد الناصر ملاحظات أو انتقادات في سياسات معينة وكان الضباط الشبان بحاجة إلى عقل دبلوماسي يقف إلى جانبهم لأن وزير خارجية ثورة يجب أن يكون على قدر كبير من الحرية في إبداء الرأي وتقديم النصيحة الأمر انطبق على معظم الأنظمة في العالم العربي أصبح المثقف أداة للتبرير ولم يعد متمكنا من الحوار مع الحاكم وأصبحت هناك هوى حقيقية جعلت أصحاب الثقافة والمعرفة يبتعدون عن مراكز صنع القرار والذين يقتربون هم أصحاب السطوة والقادرين على صنع مراكز القوى هذه الحقيقة حقيقة مؤلمة ليس في العالم العربي وحده ولكن في العالم المتخلف عموما هناك مخاصمة بين الثقافة والسياسة هناك قطيعة بين الفكر والقرار هناك مشكلة حقيقية تكمن في أن المثقف بتطلعاته ورغباته وأحلامه لا يجد طريقا أكثر من التملق والاقتراب والتبرير والقبول بما هو قائم ولا يستطيع أن يكون أبدا صوتا مختلفا يتحدث بالحق ويقدم النصيحة.
غسان بن جدو: نعم دكتور نعم دكتور برهان غليون لديه تعليق حول هذه المسألة ولكن أستأذنك بعد الموجز من بيروت إلى غرفة الأخبار في الدوحة.
[موجز الأخبار]
غسان بن جدو: مشاهدينا المحترمين أهلا بكم من جديد دكتور برهان غليون تفضل تعليق على ما ذكره الدكتور مصطفى.
برهان غليون: لي ملاحظات سريعة الملاحظة الأولى أن هناك بالتأكيد تداخلات تخل بالنظام العام اليوم في العالم العربي التداخلات بين الدين والسياسة بين الثروة والسلطة وهذا شيء خطير كثير وتداخلات أخرى لكن لم يأتِ هذا من فراغ يعني هذا أتى بسبب إلغاء الحياة السياسية وبالتالي دفع الناس إلى ألا يعنيهم إلى الصمت والشعور بأن ليس في الرأي الشأن العام لا يعنيهم وإنما يعني الفئة الحاكمة فقط وهي الوحيدة التي تعطي لنفسها الحق في أن تعمل أي شيء وبالتالي دمجت كل السلطات هذه النخبة الحاكمة دمجت في يد واحدة جميع السلطات وهذا الذي مكنها من أن تستخدم السلطة الثروة وأن تدمج بين..

أسباب صمت الجماهير العربية
غسان بن جدو [مقاطعاً]: لكن مع ذلك دكتور برهان مع ذلك كما قال ووتربري لعلك لاحظت هذا المثال إنه في نهاية الأمر عندما تريد الجماهير تستطيع أن تفعل شيء يعني في إيران على مدى السنوات الأخيرة هناك شكوى من أن هذا النظام كان يُطبق على أنفاس الناس ولكن حصل تغيير من الداخل لا أتحدث عن وضع الشاه أتحدث الآن تغيير وانتخابات الأخيرة في تركيا انقلابات وراء انقلابات ولكن رأيت الآن كيف أن يعني زعيما كان يقبع وراء أقبية السجون وإذ به يصبح الآن يعني فاتح أوروبا كما يوصف لماذا نحن في العالم العربي هذه الجماهير لا تتحرك بهذه الطريقة فقط لأن ثمة سطوة أمنية أم ماذا؟
برهان غليون: لأن هناك سطوة أمنية دامت نصف قرن التعقيم كما يحدث مع تعقيم الحليب لازم تغليه لدرجة محددة خلال فترة محددة وهذا ما حصل بسبب توافق المصالح..
غسان بن جدو: يعني في مصر هناك سطوة أمنية منذ نصف قرن؟
برهان غليون: هناك سطوة أمنية في كل البلدان العربية الذي يحكمها هي أجهزة الأمن يعني أنا من ملاحظاتي ومراقباتي وتحليلاتي كل البلدان العربية تحكمها أجهزة الأمن إنما بأساليب مختلفة ليس نفس الأسلوب الفج كما يحصل هنا، هناك أساليب متميزة لكن أنا اللي بدي أقوله أنه مادمت ألغيت الحياة السياسية في أي بلد ووضعت السياسة في يد الأمن يعني ألغيت السياسة وجعلت الحياة العامة مرتبطة فقط في الأمن معناها أنت طلبت من كل الناس أن يستقيلوا من التفكير في الشؤون العامة هذا ليس شأنهم وبالتالي أن يستقيلوا من التفكير بأي مسؤولية صاحب الحزب الحاكم ولا صاحب السلطة هو الذي يقرر من هو الصح وما هو الخطأ وما هو الشخص الذي أن يعين هنا أو هناك بالتالي أنت منعت الناس من أن يفكروا بمصيرهم وهاهي المأساة السياسة تعني..
غسان بن جدو: لكن في مصر على سبيل المثال هناك حياة سياسية هناك انتخابات برلمانية هناك أحزاب هناك إعلام حر أنا قرأت صحف هناك صحيفة العمل صحيفة الشعب على الإنترنت الآن كل أسبوع وهي تطالب بعريضة لإسقاط الرئيس محمد حسني مبارك ولا أحد يتدخل يعني هناك بداية حياة سياسية في المغرب هناك حياة سياسية أنت تعرف المغرب جيدا..
برهان غليون: نعرف المغرب جيدا.
غسان بن جدو: هناك حياة سياسية هناك مثقفون هناك مبدعون في الجزائر الشيء ذاته في اليمن الشيء ذاته لكن لماذا هذا أمر لا ينسحب على بقية البلدان؟
برهان غليون: هذه النقطة الثانية اللي بدي أقولها لأنه المثقفين في العالم في معظم الدول العربية مثل حالة المغرب يجب أن تناقش المغرب الأقصى متميزة نسبيا فيما يتعلق بالتعددية لكن في معظم البلدان العربية عُزل المثقفون وعُزلت المعارضة بشكل بأساليب مختلفة في تلاعب حتى لو كان هناك تعددية لكن يمكن مسك التعددية من الداخل في لبنان أيضا كان هناك تعددية هذا لم يمنع أجهزة الأمن من أن تحدد من ينجح ومن لا ينجح وما هي السلطة الحقيقية إلى آخره فأنا بأعتقد أنه في مشكلة أساسية أيضا هاي الملاحظة الثانية هي أنه عندما أصبحت السلطة بيد الأمن وأصبح هدف الحفاظ على النظام وليس تنمية البلد وليس ضمان حقوق السكان إلى آخره أصبح هناك نظام ما يسمى بنظام الولاء في مقابل نظام الكفاءة نحن نجازي من يوالينا كما قلت وأصبحت العملة الفاسدة تطرد العملة الصحيحة يعني من يتملق أكثر له سلطة أكثر وهذا أفسد كل نظام الشأن العام أنا عندما دخلت إلى سوريا بعد ستة وعشرين سنة من الغياب استقبلني مسؤول الأمن الأكبر وقال لي نحن حرفيا نحن لا تهمنا الكفاءة يهمنا الولاء ولم أنسَ هذه الكلمة لأنه بما معناه يعني نحن نريد ناس موالين مهما..
غسان بن جدو: هو ربما لا يقصد في جهازه الأمني ولا يقصد في الدولة.
برهان غليون: لا يقصد في الدولة لأن أنا لم أكن في جهاز الأمن كنت في الدولة فبأعتقد إنه هذا شاغلة مهمة جدا هذا السبب هذا مصدر كل الفساد الذي حصل في النظام الملاحظة الأخيرة بس حرام مشان المثقفين، المثقفين ما حصلوا يلعبوا دور كبير في البلدان العربية صحيح لأنهم عُزلوا وقسم كثير منهم اضُطهد وقسم كبير منهم اغتيل وقسم كبير منهم حبس في السجون هناك مقاومة من قبل المثقفين في معظم البلدان العربية لكن بالحقيقة النظام الأمني المدعوم من الخارج وبموارد نفطية مهمة جدا نجح في أن يكسر شوكة المثقفين ويكسر شوكة الطبقات الصناعية كل الطبقات الوسطى أيضا وليس فقط المثقفين حتى أصحاب المال وأن يجعلهم طيعيين ويتعاملوا معهم وكسر كل فئات الاجتماعية الأخرى.
حسني حميدة: حسني حميدة رئيس جمعية الطلاب العرب في جامعة بيروت العربية، أولا أود أن أتطرق إلى عنوان رئيسي ألا وهو التغيير، التغيير هو حالة لابد من وجود فئات داخل المجتمع هي التي تحمل التغيير أما من نخب أما من جميع فئات وشرائح المجتمع نحن نريد أن نتحدث عن التغيير الذي حصل عندما قامت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على صياغة الخريطة السياسية للعالم إن معظم التغيير الذي حصل في البلدان العربية كان تغييراً جذريا أي الثورة لذلك كان هنالك تناقض بالدرجة الأولى كان هنالك تناقض أي أنه لم يتم تهيئ المجتمع من أجل تبني أفكار ومبادئ وأشياء كثيرة تؤدي به إلى التغيير الحقيقي إنما أخذت هذه الفئات التي كانت مدعومة من المظلة الخارجية التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية إلى حصر كل المبادئ والأيديولوجيات على مستوى رأس الهرم وعزل الشعب عن المشاركة مما أدى إلى شرخ كبير بين المجتمع والدولة.
غسان بن جدو: ماذا عن واقعنا الآن؟
حسني حميدة: هلا واقعنا اليوم نتحدث إذا أردنا التحدث عن التغيير طُرح الكثير من الكلام الذي يقول أن هنالك التغيير من الخارج أولا كلنا يعلم أن التغيير الذي حصل في أوروبا وفي أميركا وفي معظم الدول المتطورة كان هو عبارة عن تراكم ثقافي حضاري فكري اجتماعي كثير جدا يعني لذلك أنا أستغرب بأنهم بأن رواد التغيير عندما قام التغيير الجذري أو الثورة في بدايات القرن الماضي كانوا من الغرب وأيضا اليوم يطرحون علينا التغيير من الغرب فهذه أنا أعتقد أشبهها..
غسان بن جدو: يعني أين ومَن وكيف؟ حتى نكون أكثر وضوحا حتى نكون في هذا النقاش.
حسني حميدة: أنا أتحدث اليوم عن المجتمع العربي، المجتمع العربي وخريطة السياسة العربية منقسمة إلى قسمين القسم الذي كان تحت مظلة الاشتراكيين العالميين أو الشيوعية التي كانت تدعمها الاتحاد السوفيتي والقسم الآخر الذي أخذ الطابع الملكي والذي كان مدعوما كما قال تشرشل قالوا له كيف نريد إذا أردنا السيطرة على النفط في الخليج العربي قال لهم بسيطة نضع قرب كل بئر نفط دولة وقامت هذه الدول إن كان على المستوى الاشتراكي الذي فشلت إذا تذكرنا أن الموضوع الاستخباراتي الذي تطرق إليه الدكتور كان موجودا في (KGP) وفي الكثير من الحياة من المؤسسات السياسية والغير سياسية في أيضا الأنظمة الملكية وغيرها كانت مدعومة وكانت تُدعم من قبل الكثير من الأجهزة الاستخباراتية الغربية من أجل تقوية وتحصين هذا الأمر شاغلة بسيطة آخر شيء بدي أتحدث عنها بلبنان صاير في جدل كبير حول القرار 1559 أنا أود أن أتطرق إليه بشكل بسيط جدا بأنه كان هنالك خلاف هل هذا القرار هو قرار شرعي أم غير شرعي؟ لربما أنا أكون ضد هذا القرار ولكن أنا أقول هذا القرار شرعي من قبل الأمم المتحدة ولكن هذا القرار هو استكمال لقرارات سابقة مثل قرار 194 بحق اللاجئين أنا أعتقد بإنه الكثير من البنود التي دخلت بـ 1559 لو تم تطبيق القرارات الأمم المتحدة السابقة كان يمكن أن نتفادى مثل هذه الأمور وشكرا.
غسان بن جدو: شكرا تفضل.
"الدول العربية عليها أن تعتبر أن الديمقراطية ليست عقوبة أميركية أو غربية ويجب أن تعتبر أن هذه الديمقراطية هي استجابة طبيعية لمطالب مواطنيها" مشاركمشارك: مساء الخير حضرة الدكتور حكى عن نقطة أنه بلش بالثمانينات لكن أهمل العامل الخارجي وكأنه الدول إلى حد منا كأنها موجودة في فراغ أولا يجب أن نستخدم كلمة المنتظم السياسي وليس النظام السياسي لأن المنتظم بأي دولة هو عبارة أشمل من النظام بشكله يعني العالم العربي أو ما يسمى بالعالم العربي المنقسم بين دول رجعية يمينية ودول انتهجت اشتراكية هي في أزمة أزمة بين حاكم ومحكوم يعني لفتني بمقدمة الأستاذ غسان إنه يتمنى في العام الحالي العام الجديد أن يستعيد المواطن العربي كرامته ويخرج.. وأصبحت الكرامة هي كأنها من الأمنيات الصعبة التحقيق يعني في زمن نحن في القرن الواحد والعشرين، أما عن التغيير يجب على الدول العربية أو ما يسمى ببعض الدول العربية أن تعتبر أن الديمقراطية ليست عقوبة أميركية أو غربية يجب أن تعتبر أن هذه الديمقراطية هي استجابة طبيعية لمطالب جماهير طبعا بالشق الثاني هذه الجماهير تتحمل مسؤولية هي تشارك في صنع القرار هي تستلم السلطة في الانتخابات هلا لمن تصوت هذا شأن يرجع إليها كمان يجب ألا نغالي كثيرا في استبداد الحكام نعم لدينا ملوك وأمراء مستبدين لدينا رؤساء أصبحوا مثل الملوك حتى لبنان آخر الدول بطَّل فيه تداول سلطة صار فيه تمديد وراء التمديد وإلى آخره يجب على هذه الشعوب العربية إذا كان بعد هناك شعوب عربية يعني أن تأخذ هي مبادرة.
غسان بن جدو: أراك متشائما بشكل غير طبيعي يعني أنت ما يسمى بالعالم العربي ما تسمى بالأنظمة العربية ما تسمى بالبلاد العربية..
مشارك: هل هناك أمة عربية؟
غسان بن جدو: إذا كان هناك شعوب عربية يعني كأنك..
مشارك: هل هناك أمة عربية؟
غسان بن جدو: نعم؟
مشارك: هل الأمة العربية بالتعريف الكلاسيكي الفرنسي أو الألماني..
غسان بن جدو: طيب ناقشه في هذه القضية.
برهان غليون: بلى أمة في عرب يعني في مجتمعات عربية نسميها يعني في كيانات لها..
مشارك: وليست أمة.
مشارك ثان: بسم الله الرحمن الرحيم.
غسان بن جدو: تفضل.

العرب ما بين الإصلاح والتغيير
مشارك ثاني: هذا خطاب طبعا العلمانيين المتطرفين في اعتقادي يعني هذا أولا، ثانيا بالنسبة للإصلاح دائما نتكلم عن الإصلاح ولا نتكلم عن التغيير البعض يسميها ثورة إن كانت بيضاء أو حمراء فلتكن لن نختلف على المسميات لكن لماذا نتكلم عن إصلاح ولا نتكلم عن تغيير؟ نريد تغيير لم يعد الإصلاح كافيا لأن هذه النظم وصلت مرحلة من الفساد لا يمكن إصلاحه يعني.
غسان بن جدو: طيب أنت ماذا تختلف عنه أنت تقول هذا خطاب المتطرفين العلمانيين طيب في ماذا تختلف معه؟
مشارك ثان: يعني عندما يتكلم عن ما يسمى عن أمة عربية يعني هذا نوع من الفزلكة يعني أعتقد يعني.
غسان بن جدو: تفضل.
مشارك: بس الأمة العربية الأمة هي نتاج عندها تاريخ مشترك وتراث مشترك ومصير ومستقبل مشترك..
مشارك ثان: وهذا كله متوفر.
مشارك: هل المستقبل المواطن الأردني الذي أبرم معاهدة سلام مع إسرائيل هو ذاته مستقبل المواطن اللبناني أو المواطن السوري فأين هو هذا المستقبل أو المصير المشترك؟ وليس هناك علمانيين متطرفين أنا أعرف أن هناك أصوليين متطرفين علمانيين ليسوا متطرفين عادة يعني..
مشارك ثان: لا هذا غير صحيح.
غسان بن جدو: هناك من يصف العلمانيين بأنهم متطرفون فهمي هويدي كتب كتابا كاملا المفترون الذين يصفون بأنهم علمانيون متطرفون أنا أود أن أشرك الدكتور مصطفى الفقي أرجوك يا دكتور مصطفى أن تكون في حوار مع هؤلاء الأخوة يعني هناك نقطتان نقطة ذكرها الدكتور برهان غليون حيث عاود الجزم بأن المشكلة هي في هذا السرطان الأمني بشكل أساسي وهناك الإخوان الذين يتحدثون عن هذه الأنظمة في الحقيقة تتحمل مسؤولية كبرى فيما يحصل أرجو أن تكون في حوار معهم.
مصطفى الفقي: أنا أرجو بس بعض العدالة والنظرة إلى القاهرة عندنا مثل يقول البعيد عن العين بعيد عن القلب أريد أن أُعْطَى مساحة للحديث.
غسان بن جدو: تفضل.
مصطفى الفقي: تعليقي على كلام الصديق العزيز الدكتور برهان (خلل فني) أنا ضد الأمور في نظرية فيه تطور بحث إلى حد كبير نظرية السبب الواحد قد تكون فكرة الدولة الأمنية هي الفكرة العامة لكن أنا أريد أن أعطيك أن مساحة الحرية في بعض الدول ومنها مصر تزايد بشكل ملحوظ وهناك اتجاه لتقوية المؤسسات السياسية والمجتمع المدني وبالتالي ليست القضية محصورة في سبب واحد هي مجموعة من الإشكاليات والاشتباكات المتداخلة ووضع أحد أبنائنا من الشباب الآن أثار نقطة هامة وهي لا يجب أن نعزل ما جرى عربية عن التطورات في العالم حركة التحرر الوطني خفت نجمها وضعف تأثيرها وأصبح العالم في استقطاب لقوة واحدة تحكمه وتقوده في عصر (Packs Americana) هذا له تأثيره دوليا، إقليميا الصراع العربي الإسرائيلي دخل مرحلة في العقد الأخير من أسوأ مراحله ظهرت فيها إسرائيل بنوايا واضحة أصبح العرب هم الذين يطالبون بالسلام ويلهثون وراء اللقاءات عكس ما كان يحدث في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات هذا الوضع أدى إلى تأثيرات داخلية وحالة إحباط عامة فضلا عن أن هناك مفهوم غريب في النظم الحاكمة في معظم الدول العربية يقوم على فكرة الإدارة بمعنى الشركة هناك فارق بين إدارة الدولة وإدارة الشركة هناك فارق بين إدارة وطن بأهداف وروح ورؤية وبين إدارة شركة بمكسب وخسائر في المدى القصير لذلك فإن الأخ الشاب اللبناني وهم شبان متألقين جدا تحدث عن مفهوم الإصلاح والإصلاح يختلف عن التغيير، التغيير هو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة إنما الإصلاح هو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أفضل فمفهوم الإصلاح يقوم على فكرة الرؤية وعلى وجود أبعاد مختلفة ترى المستقبل..
غسان بن جدو: دكتور مصطفى أنت قريب من العين ومن القلب ومن الشاشة أيضا ابق في حوار مفتوح مع هؤلاء تفضل.
مصطفى الفقي: إنني أريد أن أقول هم..
مشارك ثان: باعتقادي إنه الإصلاح..
غسان بن جدو: ابق في نقاش معه تفضل أخي تفضل.
مشارك ثان: باعتقادي أن الإصلاح هو يعني بحد ذاته اعتراف بأن هناك فساد في أنظمة الحكم أو كما سماها المنتظم السياسة لا نريد أن نسمي النظام سياسي لكن بالمقابل أيضا يعتبر الإصلاح عندما نطلق صفة الإصلاح بأنه هناك ما يمكن البناء عليه أعتقد أن الإصلاح هو تسوية رخيصة مفهوم الإصلاح تسوية رخيصة من قبل جزء من المعارضة مع الأنظمة العربية بمعنى طبعا هذا لصالح النظام العربي يعني هذه التسوية بالتأكيد لصالح الأنظمة العربية..
غسان بن جدو: يعني رفع شعار الإصلاح في هذه الآونة تعتبره تسوية رخيصة لصالح الأنظمة؟
مشارك ثان: نعم لصالح الأنظمة ويمكن..
غسان بن جدو: ما رأيك في هذا دكتور مصطفي؟
مصطفي الفقي: لا أنا اختلف مع ابني العزيز في هذا لأنه هناك فارق هو قلق من إجهاض مفهوم الإصلاح المشكلة الآن أن الكل يتكلم عن الإصلاح الأنظمة والجماهير والمعارضة والقوى الخارجية ولا أحد يختلف على ضرورة الإصلاح هذا شيء غريب حتى القوى الأجنبية تقول لا نريد أن نفرض عليكم الإصلاح نحن نتمشى معكم في أن الإصلاح أمر ينبع من الداخل شأن يصدر من الهوية ولكن المشكلة الحقيقية أن هناك محاولة لإجهاض معنى الإصلاح أنا أريد من ابني العزيز أن يلتقط هذه الفكرة هو أن تحدث هناك عملية تمييع للمصطلح ويصبح الحديث عنه بديل لوجوده الكل يتحدث عن الإصلاح ولكن لا توجد تطورات حقيقية نحو الإصلاح توجد عمليات تغيير داخل النظم تضع عينها على الخارج وعلى الداخل في وقت واحد وهذه العمليات في رأيي مرحلية ومرتبطة بظروف دولية وضغوط خارجية الإصلاح الحقيقي ينبع من قناعة الأغلبية وتيار عام داخل المجتمع يرى أن هناك رصيد لديه من مخزون الخبرة الحضارية يمكن أن يوظفه بشكل عصري لخلق رؤية للمستقبل هو ده مفهوم الإصلاح أنك أنت تنتقل بالعقل العربي من مرحلة الركود إلى مرحلة المبادرة وطرح الأفكار والمناقشة والحوار.
غسان بن جدو: أيضا الدكتور برهان غليون إذا سمحت دكتور مصطفي تفضل دكتور برهان نعم تفضل.
"طبيعة الأنظمة العربية غير قابلة للإصلاح وغير قادرة على الإصلاح ولابد من تغييرها"
برهان غليونبرهان غليون: يعني أنا بأعتقد أنه معه حق جدا كلمة الإصلاح تعني أمرين الأمر الأول هو إنه لازم يتم الأمور بإطار النظام القائم بمعنى أنه عندما نقول برنامج إصلاحي نحن نفترض أن النظام القائم قادر على تغيير سياساته باتجاه أفضل ويفترض أيضا أن هناك إمكانية للتغيير السلمي بعكس التغيير اللي ممكن يكون أيضا عنفي فبالحقيقة أظهرت السنوات الماضية وأنا باعتقادي أظهرت سنوات من الثمانينات إنه هاي النظم القائمة غير قادرة على الإصلاح لا يمكن للمُفسِد أن يصلح ما أفسده ولا يمكن للمُفسِد اللي ضل مُفسِد أربعين سنة أو خمسين سنة إنه يصير يتحول إلى مُصلِح لذلك أنا بأعتقد أنه المفروض بتصير الإلحاح على شعار التغيير بمعني لابد من تغيير هذا النمط من الأنظمة ولا المنتظمات في مثل مش معناتها إنه الثورة لكن هذا طبيعة الأنظمة القائمة غير قابلة للإصلاح وغير قادرة على الإصلاح ولابد من تغييرها إذاً ما هي الخطوات من أجل تغيير طبيعة النظم وقواعد العمل السياسي في هذه البلدان؟
غسان بن جدو: ما هي الخطوات برأيك؟
برهان غليون: الخطوات إقامة نظم ديمقراطية يجب تغيير النظام.
غسان بن جدو: طب كيف يعني لا إصلاح ولا ثورة لا تريدون عنف ولا تريدون كيف؟
برهان غليون: لا ثورة ما بالمعني بالضرورة إنه يحملوا يشهروا الناس سلاحهن أنا بأعتقد أنه تجارب ما يجري في الخارج يعني من العصيان المدني من الاعتصامات من التعبئة الشعبية من المظاهرات هذه كلها وسائل للتغيير اليوم مختلفة عما كنا نتحدث به عن حرب الغوار وحرب العصابات لكن لازم نحط بذهننا إنه المجتمع ماشي نحو حركات عصيان من أجل التغيير.
غسان بن جدو: هو الحقيقة ما قاله الأخ يعني تحدث عنه بتهذيب ولكنه جرئ في الحقيقة لأن هناك عدد كبير من الشباب الآن الذين يقولون بشكل صريح يعني هذه المحاولات للإصلاح كلها تجميلية تذويقية..
برهان غليون: وهذا صحيح.
غسان بن جدو: لا تُقدم والأساس هو أن نمضي قدما نحو تغيير الأنظمة بأي شكل من الأشكال تفضل وستناقشون تفضل.
مشارك ثالث: بسم الله الرحمن الرحيم أنا بأعتقد إنه الإصلاح يعني الحرية نحن لما نعطي الحرية للعالم هذا بيكون جزء من عملية الإصلاح بس الواقع بيقول خلينا نكون منطقيين أنه لا الخارج بده الإصلاح ولا الداخل بده الإصلاح ليش؟ لأنه الإصلاح هيؤدي لوصول الإسلاميين للحكم إن كان بمصر وأن كان بكل الدول العربية عشان هيك بيرفضوا شيء أسمه الحرية يقمعوا الحرية بدي أرد أنا بس على شاغلة كمان على الأخ أنه ما في علمانية متطرفة التطرف أنا باعتقادي التطرف والتعصب هو إقفال العقل أمام آراء الآخرين هذا الشيء هو اللي بيناقض الفكرة اللي عم بيقول الأخ يعني إحنا بنشوف إنه..
غسان بن جدو: أنا أخشى أن ندخل في موضوع آخر أنت قلت نقطة تقول إن هناك عدم رغبة في الإصلاح لأنها ربما ستؤدي إلى وصول الإسلاميين وإذا وصل الإسلاميون فهذه ستكون كارثة على الجميع سواء على الأنظمة أو على الخارج طب من يناقشه في هذه القضية بالتحديد؟ أولا دكتور برهان يعني هل هذه النقطة صحيحة ودقيقة؟
برهان غليون: أنا اعتقد أنه الخوف من الإسلاميين..
غسان بن جدو: هو هاجس وخوف حقيقي.
برهان غليون: هو هاجس حقيقي..
غسان بن جدو: وهذا يمنع الإصلاح في الداخل؟
برهان غليون: يجمع بين القوى الخارجية ذات المصالح بالمنطقة والقوى الداخلية ويعزز مواقع الأنظمة الاستبدادية حتى اليوم وعززها خلال العشرين سنة الماضية هذا جزء من تبرير دعم..
غسان بن جدو: طب ماذا نفعل يعني هل نضع كل هؤلاء في سلة واحدة وندخلهم السجون أو نقبرهم أو نقتلهم أم ماذا نفعل؟
برهان غليون: لا ليس هذا ما أقوله.
غسان بن جدو: لا أنا أود أن أسأل يعني كما كنا في السابق نخشى اليساريين والشيوعيين ووضعناهم في السجون وفي آخر الأمر لم تنتهِ الشيوعية ولم تنتهِ الماركسية ولم ينتهِ اليسار وعاد والآن ماذا نفعل مع الإسلاميين؟
برهان غليون: أنا اعتقد هذه فزاعة تستخدمها الأنظمة ويستخدمها النظام الدولي إذا قلنا النظام الغربي من أجل تبرير الإبقاء على الأنظمة وعدم التغيير لكن نحن لا نؤمن بذلك أنا أعتقد أن الإسلاميين في نظام ديمقراطي حقيقي يعني يحترم فعلا رأي المواطن والمساواة بين المواطنين يطلع لهم حزب مثلهم مثل أي فئة أخرى بين عشرين لخمسة وعشرين بالمائة في كل البلدان العربية..
غسان بن جدو: لا شك أن الدكتور مصطفي الفقي له رأي ولكن أعود إليكم إذا سمحتم لا أرجوك خلي الإخوان الذين لم يتدخلوا وبعدين سأعود إليكم في موضوع الوحدة الوطنية تفضل.
هشام شيا: هشام شيا منظمة الشباب التقدمي سأعود بالموضوع إلى جوهريته قليلا مع موافقتي على ما صرح فيه الدكتور برهان من التعقيم الأمني اللي يتم في العالم العربي قد يكون منذ ما قبل ثمانينات القرن الماضي الموضوع الأساسي هو هذه الهوة السحيقة القائمة بين النخب الإصلاحية القليلة في العالم العربي وبين باقي شرائح المجتمع هذه الهوة متأتية من أمرين أساسيين الأمر الأول هذا المستوى العالي جدا مع الأسف من الجهل الموجود في عالمنا العربي ونستطيع هنا الإطلاع على العديد من التقارير التنموية اللي بتقول بأنه أحد أعلى نسب الأمية الموجودة في العالم هي في العالم العربي التنمية لم تُحقِّق أي خطوة حقيقية إلى الأمام لا نزال نعاني من هذا التوزيع العشوائي للثروة في عالمنا العربي هذا جانب أما الجانب الآخر فهو مسألة الحرية ولابد من التطرق لهذا الموضوع في كثير من الوعي وفي كثير من الموضوعية تغييب الحريات في عالمنا العربي أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن.
غسان بن جدو: طب أود أن أسألك حتى أتقدم معك خطوة حتى لا نعود إلى الوراء كثيرا الآن هناك جدلية واضحة هناك من يدعو إلى الانفتاح الداخلي وتحقيق الحريات العامة أيا كانت التكاليف والإثمان وهناك حتى لو كان هذا الأمر مع التحالف مع قوى خارجية ولا أقول بالضرورة يعني السماح لها بغزونا والتدخل ولكن التحالف والتعاون مع القوى الخارجية كما يحصل لديكم هنا وهناك من يقول لا هناك الشعار الوطني الأمن القومي هو لديه الأولوية حتى إذا كان هذا الأمر على حساب تأجيل الانفتاح الداخلي أين أنت من هذه المسألة؟
هشام شيا: لم تشكل الحرية يوما عائق أمام الوحدة الداخلية وأمام وحدة الأنظمة وأمام الأمن في أي مجتمع الحرية هي صمام الأمان لمجتمعات إنسانية تحترم الإنسان وتجعل منه قيمة.
غسان بن جدو: أن أقدر فيك ثقافتك العالية وانتمائك السياسي ولكن أرجو أن تحدثني عن الواقع الآن يعني أن تذكر لنا أمثال يعني أمثلة أكثر منها أمور يعني الآن عندما سألتك عن هذا السؤال أجبني بشكل دقيق وأنت في لبنان أو مجاور لمصر أو مجاور للعراق أو مجاور لسوريا أو هناك الإخوان في المغرب العربي الذين كنا نتمنى أن يكونوا حاضرين والأخ لطفي سيتحدث منهم إلى آخره حدثنا عن الواقع الآن.
هشام شيا: أعطيك أمثلة واضحة نحن كتيار سياسي كحزب تقدمي اشتراكي في لبنان اعتمدنا منذ تأسيس الحزب على مبدأ احترام حقوق الإنسان وعلى تقديس الحرية ولم نكن يوما إلا مواجهين لأي تدخل غربي يهدف إلى زعزعة النظام الداخلي دائما ننادي بأمرين نحن مع الحرية والديمقراطية ونحن مع سيادة الدولة نحن ضد التدخل الأجنبي.
غسان بن جدو: نعم شكرا جزيلا تفضل.
لطفي إبراهيم: بسم الله الرحمن الرحيم لطفي إبراهيم من تونس سأبدأ بأبيات شعر لعلها تغير نوعا من نمطية يقول أحد الشعراء:
لا يصلح قوم لا صراط لهم ولا صراط إذا جُهالهم سادوا
البيت الثاني يقول:
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها وغدوا مصالحها وهم خدامها
غسان بن جدو: طيب من الجهال ومن الخدام هنا؟
لطفي إبراهيم: الجهال هم قلنا لا يصلح قوم لا صراط لهم ولا صراط إذا جُهالهم سادوا.
غسان بن جدو: أيوة من الجهال الذين سادوا؟
لطفي إبراهيم: الجهال هم هؤلاء المنظمات المافياوية التي تتحكم في مصير هذه الأمة، الأمر الثاني الذين ظلموا الرعية هم أصلا يجب علينا أن نعترف ويجب على هذه الشعوب أن تعي أنهم هم خدام لها وليسوا أسيادها هذا.. الأمر الآخر هو أن هذه السلطة في الوطن العربي مرت بمرحلتين مرحلة ما تسمى سرقة جهاد الشعوب من الخمسينات إلى الثمانينيات ثم من الثمانينيات إلى الآن ما يسمى بعملية تشظي الشعوب عملية قطع الوصائل بين الشعوب لا منظمات إنسانية ولا إلى غير ذلك إذاً هاتين المرحلتين هما اللذان سيدخلانا في هذه المرحلة الثانية إذا يقول أن الإصلاح واجب إلى غير ذلك هذا الإصلاح في واقع الأمر هو خدعة..
غسان بن جدو: من يقول؟
لطفي إبراهيم: كل وبالتحديد الذين يتنادون بالإصلاح هم الساسة أمام الشعوب في واقع الأمر فهي قد نفضت يدها.
غسان بن جدو: يعني أنت تعتبر الإصلاح خدعة؟
لطفي إبراهيم: نعم هو خدعة.
غسان بن جدو: لماذا هي خدعة؟
لطفي إبراهيم: هو خدعة من الغرب ومن الساسة في نفس الوقت.
غسان بن جدو: لماذا؟
لطفي إبراهيم: أنا أقول الغرب الآن في مأزق المأزق هو إما أن يتعاون مع هذه الأنظمة ضد التيار الجهادي الإسلامي وهو الذي الآن يدك صروحهم في العراق وفي الأماكن المتفجرة كلها وإما أن يتصالحوا مع هذه الأنظمة إذا عندنا إشكالية الإشكالية فجاء مؤخرا في الدار البيضاء المؤتمر الأخير كانوا أول مرة ينادون بالإصلاح فإذا بهم بعد ذلك يقولون أن الإصلاح يجب علينا أن يتم من الداخل.
غسان بن جدو: طيب أنا أسألك يعني إذا لا تريدون الإصلاح ما الذي تريدونه؟
لطفي إبراهيم: هو في الواقع..
غسان بن جدو: يعني حتى لو أنك تدافع عن التيار الإسلامي الذي تصفه بالجهادي طب أليس الإصلاح مدخل لكم أليس مفيدا لكم ما الذي تبغونه في أخر الأمر؟
لطفي إبراهيم: هناك مثلا في المشرق يقول من جَرَّب المُجرَّب كان عقله مُخرب فهؤلاء الأنظمة منذ أن جاؤوا إلى الآن هم في واقع الأمر فاسدون لا أصلا هنا لا توجد عندهم فكرة تغيير.
غسان بن جدو: طيب تبقى في حوار مع الدكتور مصطفى الفقي تفضل دكتور مصطفى.

الإصلاح ما بين السلطة والمجتمع المدني
مصطفى الفقي: أنا أريد أن أعطي بعض الملاحظات بعد استماعي لحديث أبنائنا وحديث البروفيسور برهان أول شيء إنني أعتقد أننا عندما ننتقل من نهج الثورة إلى فكر الإصلاح فإننا نتمشى مع روح العصر الثورة كانت مرتبطة بحركات التحرر الوطني إنما الإصلاح وهو ضرورة أنا مختلف مع أبنائنا اللي بيقولوا ما معنى الإصلاح وما لزوميته الإصلاح هو البوابة الحقيقية للحريات وللمشاركة السياسية ولحقوق الإنسان ولرعاية الأقليات انتقال كامل للعقل العربي من مرحلة إلى مرحلة والإصلاح لا يقوم به إلا إصلاحيون دي النقطة الخطيرة اللي إحنا مش حاسين بها في العالم العربي لا توجد كوادر إصلاحية حقيقية المنوط به الإصلاح الآن الأجهزة الإدارية وبعض دوائر السلطة القائمة في العالم العربي إنما الإصلاح عملية تبدأ من المجتمع المدني ومن قاع الحياة السياسية إلى قمتها.
غسان بن جدو: هل توافق؟
مصطفى الفقي: الدكتور برهان كان تفضل وقال والأخوة كمان إنه في تخوف من الحرية والديمقراطية على وصول الإسلاميين للحكم أنا رأيي إن دي قضية مطلقة إنه ليس بالضرورة الانتخابات الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي سوف تعطي أغلبية للتيارات الإسلامية المتطرفة هذا غير صحيح وأضيف إلى هذا كان برضه الدكتور برهان تفضل وقال إنه في مجموعتين من العوامل في الداخل وفي الخارج تقف بمخاوف تجاه التيار الإسلامي أنا رأيي إن المخاوف الخارجية قليلة أنا أذكركم بتصريح لرمسفيلد اللي هو يعني من صقور الإدارة الأميركية الحالية في موضوع العراق قال لا يضيرنا أبدا أن يقوم في العراق نظام إسلامي بشرط ألا يكون على النمط الإيراني يعني هم لديهم رغبة في إنه إذا وجدت أنظمة إسلامية تصل إلى مواقع السلطة وتحمي المصالح الغربية وتتحالف معها كما كان التحالف تاريخيا ضد الوجود الروسي والشيوعي عموما فلا مانع من ذلك فأنا أنبه إلى هذه النقطة هناك اتصالات وعلاقات ليست سيئة كما نتصور بين الغرب وبين التيارات الإسلامية المعتدلة تحديدا نحن نقبل بالتيارات الإسلامية وهم يقبلون بشرط ألا تكون مُحرِّضة على التطرف غير راغبة في العنف مؤمنة بأن لأمة مصدر السلطات تقبل تداول السلطة ولا تعلن شعاراً واحداً بأن الدين هو الحل إن هناك حلولا كثيرة في الحياة تقبل الحوار أما إذا بدأت بمواجهتي بالنص وطرح أفكار إيمانية فإن الجدل لن يقوم والحوار لن يستقيم الحل هو في الدولة الحديثة الدولة العصرية التي تقوم على مجتمع مدني راسخ الأصول وحياة سياسية.
غسان بن جدو: تفضل ناقشه في هذه النقطة دكتور مصطفى من تحرص على تسميته بابنك يريد أن يناقشك في هذه النقطة.
مصطفى الفقي: تفضل.
لطفي إبراهيم: أولا يا دكتور الفساد في الوطن العربي بلغ ثلاثمائة بليون دولار في كل سنة تُهدر من دماء وعرق هذه الأمة، الأمر الثاني الفساد الذي تقول إنه أو الإصلاح كيف يمكن أن نتصالح مع من أدخل الأسمدة الفاسدة إلى مصر ثم بعد ذلك يحكم عليه بعشرة سنوات سجن بينما في واقع الأمر يجب عليه أن يعدم؟ أجبني على هذا السؤال؟
غسان بن جدو: دكتور برهان قبل أن تجيبه.
مصطفى الفقي: أنا أجيبك.
غسان بن جدو: تفضل.
برهان غليون: يعني أنا فيه عندي ملاحظتين إذا سمحتوا الملاحظة الأولى بتتعلق بالإصلاح فعلا موضوع مهم بيقول الدكتور الفقي إنه لا إصلاح بدون كوادر إصلاحية والمشكلة ليس هناك كوادر إصلاحية وهاي يعني الشيء اللي عم نعاينه بالواقع إنه اللي عم يعاينوه الشباب إنه مفيش أي تقدم في مسألة الإصلاح طبعا الإصلاح كفكرة موجود في كل الأنظمة كل الأنظمة بتصلح كل يوم في إصلاح وبرامج إصلاحية في التعليم وفي الإدارة وفي الاقتصاد لكن نحن عم نتحدث هون عن موضوع إصلاح يعني إعادة النظر في مجموعة من السياسات في العالم العربي أظهرت فشلها الآن أظهروا النخب الحاكمة بالحقيقة إنه غير قادرين على أن يطبقوا أي برنامج إصلاح وفي السنة الماضية حصل عدة مؤتمرات وبعدين نسيت خلال الشهر الثاني لصدورها إذا بالفعل..
غسان بن جدو: بالمناسبة العام الماضي فقط العالم العربي أنفق ستمائة مليون دولار على الندوات والمؤتمرات.
برهان غليون: تماما ولم يحصل أي تقدم في قضية الإصلاح فبأعتقد إنه صحيح إنه لابد..
غسان بن جدو: النقطة الثانية.
برهان غليون: النقطة الثانية تتعلق بالحقيقة بقصة العلاقة بين الغرب وبين الإسلاميين صحيح إنه الإسلام.. الغرب مستعد للتعاون مع أي فئة إسلامية علمانية قومية عربية إلى أخره على شرط أن تقبل هذه الفئة بالبرنامج وبالأجندة وبجدول الأعمال الأميركي أو الغربي أو الأوروبي إذا قبلوا الإسلاميين بها الشيء فحيدعمون ويعطون الحكم هم أنفسهم ليس هناك موقف أيديولوجي لدى الغرب من أي فئة أخرى لكن حتى الآن يبدو أن ليس هناك اتفاق لأن معظم الحركات الإسلامية أقول معظم الحركات الإسلامية بما فيها الحركات المعتدلة لا زالت تتمسك بأجندة وطنية إلى جانب أجندة الإصلاح إلى آخره النقطة الثالثة اللي هي الجواب على السؤال الرئيسي بالحقيقة اللي هي العلاقة بين الوطنية والديمقراطية بالعالم العربي..
غسان بن جدو: طيب ما رأيك لنؤجل هذه المسألة إلى مداخلة دكتور مصطفى الفقي ولكن إلى فاصل نعود بعده لاستكمال هذه المناقشة.
[فاصل إعلاني]
غسان بن جدو: مشاهدي الكرام أهلا بكم دكتور مصطفى من حقك في تعليق قصير من فضلك قبل أن أعود إلى الإخوان هنا.
مصطفى الفقي: أنا أريد أن أقول أننا متفقون جميعا في هذا اللقاء على أهمية الإصلاح بالعكس أنا أحيانا أقول رُبَّ ضارة نافعة أن كثير من المآسي التي جدت على المنطقة في السنوات الأخيرة طرحت الإشعار الإصلاح شعاراً يصل إلى نخاع المجتمعات نحن بحاجة إلى إصلاح السؤال الحقيقي نحن بحاجة إلى إصلاح أم لا؟ نعم وبكل المعاني الأخ الذي يتحدث عن الفساد السياسي أو الإداري أو المالي في بعض الدول العربية الذي يتحدث عن بعض الأخطاء توسيع مساحة الحريات ثانية واحدة ليست القضية قضية الأنظمة وحدها أنا سأعطيك مثالا خُذ المثال المصري الإصلاح لا ينصرف إلى السلطة وحدها الإصلاح ينصرف إلى مؤسسات المجتمع المدني المختلفة المفتاح في مصر يبدأ بالمؤسسة الدينية لأنها مؤسسة عريقة وقوية وعظيمة يجب أن تمارس دورها الحيوي في تحريك المجتمع من ركوده تليها المؤسسة البرلمانية التشريعية تليها مؤسسات الجامعات التعليمية والنقابات يعني ليست الروشتة أو (Prescription) الموجهة لكل الدول موجهة للنظم فقط المجتمعات أيضا تحتاج إلى هزة حقيقية تبدأ بالتعليم وبالثقافة وبالتكنولوجيا لابد أن يطاول مفهوم الإصلاح قاعدة المجتمع بالكامل حتى يستطيع أن يصعد إلى أعلى الإصلاح لا يمكن أن يكون قراراً فوقيا أبدا الإصلاح لا يأتي بقرار فوقي يعني هذه عملية مرحلية تسكينية هي أقرب إلى المواربة منها إلى الحقيقة إنما الحقيقة هي ضرورة تغيير التعليم في العالم العربي الثقافة في العالم العربي.
غسان بن جدو: لكن ثمة من يقول دكتور مصطفى بقطع النظر إن كان من فضلك بقطع النظر إن كان فوقيا أو غير فوقي لكن ثمة من يقول إن هذه الأنظمة المطالبة بقرارات من أجل الإصلاح يعني هذه الأنظمة تريد أن تقودنا في كل شيء بإطار فوقي في الأمن في الجيش في الحروب في الاقتصاد في الثقافة في الإعلام في السياسة عندما نصل إلى الإصلاح يقولون لنا أو عندما نصل إلى الحريات والديمقراطية يقولون لنا لستم مؤهلين إنكم تحتاجون يعني فترات من التأهيل والتدريج وبقينا عقوداً وعقود وبالتالي الإصلاح مطالب به هذه الأنظمة بقرار لنقل فوقيا في هذه المرحلة ولنعطيه وقتاً عدة سنوات.
مصطفى الفقي: أنا معك أنا دور الفرد أكبر من دور المؤسسة في العالم العربي وبالتالي دور الحكم والسلطة دور مؤثر ولا يمكن أن يتم الإصلاح لا من أسفل ولا من أعلى إذا كانت السلطة الحاكمة لا تتحمس لذلك أو لا ترحب به أو تدور حوله أنا معك في هذا هذه هي إشكالية ضخمة في العالم العربي حجم الفرد وحجم السلطة في اتخاذ القرارات ولكن يقابله عملية تغيير في ظاهرة رؤية المجتمع لمستقبله أو قضية التعليم في العالم العربي قضية حاكمة بوابة حقيقية للتغيير.
غسان بن جدو: نعم هذه ربما تستأهل حلقة بكاملها أعود إليك دكتور مصطفى إلى الأخوة من جديد وأرجو بأن تأخذوا في الاعتبار هذه الملف الذي كنا نتناوله بشكل أساسي وملف الوحدة الوطنية تفضلوا يا إخوان تفضل يا أخي.
رائد الصايغ: رائد الصايغ منظمة الشباب التقدمي أنا حابب تكون مداخلتي حول العنوان الرئيسي للحلقة اللي هي القومية العربية إلى أين؟
غسان بن جدو: كلنا في العنوان الرئيسي هذا النقاش نعم.
رائد الصايغ: القومية العربية إلى أين أنا اللي بدي أقوله أنه ليس العيب في كون..
غسان بن جدو: هي ليست القومية العربية إلى أين، المستقبل العربي نعم.
"الطائفية هي من أحد الأسباب المباشرة لانهيار القومية العربية، والإصلاح في الفكر العربي ضروري من أجل الإبداع والتقدم" رائد الصايغرائد الصايغ: مستقبل القومية العربية ليس العيب في كوننا عرب بل العيب في بعض أنظمتنا العربية الديكتاتورية وبعض حكامنا العرب الذين باعوا وتاجروا بقضايانا من أجل مصالحهم الشخصية وأعتبر أن مستقبل القومية العربية لا يكون لها مستقبل إلا من خلال تحقيق مضمون سياسي للعروبة وذلك من خلال دول عربية ديمقراطية يستطيع الفرد أن يعبر فيها عن رأيه وعن ذاته وعن شخصه كذلك أعتبر أن الطائفية هي من إحدى الأسباب المباشرة لانهيار القومية العربية وأضيف بما أن كذلك أعتبر أن إصلاح في الفكر العربي هو ضروري من أجل الإبداع والتقدم وهذا ما ترفضه بعض الأنظمة العربية وفقط تريد الولاء وليس الإصلاح والتقدم من أجل الإبداع.
غسان بن جدو: نعم نعود إلى الإخوان هناك من هناك من فضلكم وأرجو أن نتحاور فيما بيننا يعني ننطلق في مداخلات مما اسمعنا إليه وليس فقط مما جئنا من أجله تفضل.
عدنان نعمة الله: بسم الله الرحمن الرحيم عدنان نعمة الله المسلمين لبنان أنا بدي أقسم الإصلاح لثلاثة أقسام أولا الإصلاح اللي يأتي من الحكام ثم الإصلاح اللي يأتي من الخارج والإصلاح النابع من الشعوب أما الأنظمة العربية لا تتغير فالحكومات تتغير تغير وجوه ولكن..

جدلية الانفتاح الداخلي والتدخل الخارجي
غسان بن جدو: من فضلك حتى أنا أحترم مداخلتك حتى لا نكرر ما قيل بطبيعة الحال يعني نتقدم خطوة إلى الأمام ما استمعت إليه الآن هل ترى بأن هذه الجدلية بين الانفتاح الداخلي وبين التدخل الخارجي برأيك من الذي له الأولوية هل ننفتح أيا كان الثمن أو نسبق يعني نواجه الخارج حتى لو كان على حساب هذا الانفتاح؟
عدنان نعمة الله: ما أنا هأوصل للهدف بس بالتسلسل اللي أنا يعني أنا برأيي مناسب بنظري يعني مثل ما حكينا الحكام الإصلاح اللي بده ينبع من الحكام هيكون إصلاح مزور زائف لأنه الحكام يعني تقمع الطرف الآخر يعني لا ترضى بالطرف الآخر فأكيد الشعوب لن ترضى بإصلاح الحكام أما الإصلاح القادم من الخارج يعني الإصلاح الذي الديمقراطية الذي يزعمون الأميركان أنها سيقيمونها في العراق بتغيير المناهج يعني لا أرى أن هذا إصلاح.
غسان بن جدو: طيب أنا أسألك سيدي أنا أسألك يا سيدي استمعت إلى كلام يقول هذا الإسلام السياسي أصبح فزاعة للغرب الدكتور مصطفى الفقي يقوم هناك حوار بين الجهات الخارجية وبين بعض الحركات الإسلامية المعتدلة ولكن نحن نسمح لها بشرط ألا يعني تؤمن ألا تؤمن بالعنف وأن لا تقول الإسلام هو الحل إلى آخره ولعله يقصد بوضوح حركة الإخوان المسلمين التي ترفع شعار الإسلام هو الحل ما رأيك في هذه النقطة أرجو أن نناقش هذه المسألة؟
عدنان نعمة الله: يعني أنا بتطرق لقضية السودان يعني قضية السودان لما صار الحكم إسلامي بالسودان الأنظمة الخارجية وحتى الأنظمة بعد الأنظمة العربية الذي ما ارتاحت لقيام الحكم الإسلامي في السودان أثارت مشاكل في الجنوب في جنوب السودان لما بلشت المشاكل تُحل في جنوب السودان إقليم دارفور وهكذا يعني هم لا يريدون الحكم الإسلامي حتى الإسلاميين المعتدلين هم بصراحة الغرب ضد الإسلام وبنظري أن الإسلام هو مشروع إصلاح والإصلاح الذي يتقدم من الإسلام للأمة كافة ليس فقط للعرب يعني الإسلام مشروع حياة وهذا لا يناسب الغرب ولا أي سياسات الغرب.. الغرب الأميركان لهم سياسات..
غسان بن جدو: طيب لنترك الغرب الآن ماذا عن الأنظمة يراد على الأنظمة هل هناك من إمكانية برأيك أنت لمصالحة بين هذه الحركات الإسلامية وبين الحكومات بين الأنظمة؟
عدنان نعمة الله: إذا لم تغير الأنظمة المواقف من باقي الأطراف لم تكن هناك أي إصلاح.
غسان بن جدو: رأيك؟
حسني حميدة: أنا بس بدي أقول شغله دكتور بخصوص الإصلاح، الإصلاح الداخلي اللي بدها تكون في السلطة والإصلاح المدعوم من الفئات المعارضة هون بالحقيقة فيه تخبط حقيقي نحن عم بنعيشه أولا المعارضة التي تريد الإصلاح لا تعرف ماذا تريد بالدرجة الأولى ثانيا السلطة التي سوف تصلح سوف تحافظ على امتيازاتها.
غسان بن جدو: لماذا المعارضة ما تعرف ماذا تريد لماذا؟
حسني حميدة: لسبب لأن المعارضة أولا جزء منها يلغي الحوار مع الداخل وهو يتوجه بشكل رئيسي إلى الخارج وجزء آخر يتحدث عن الانصهار مع الداخل أو مع السلطة مش انصهار بمعنى التحاور مع السلطة هنا أريد أن أتوجه إلى الدكتور بس أتوجه بسؤال صغير للدكتور..
غسان بن جدو: لا قبل ذلك ما رأيك لا قبل ذلك ستعود إليه أنا أريدك أن تناقش مع الأخ أنت و.. تناقشا.
مشارك أول: أعتقد أن الأخ يقصد المعارضة اللبنانية.
غسان بن جدو: نعم هل تقصدها؟
حسني حميدة: لا كلا أنا أقصد المعارضة حتى ليس فقط في لبنان أصلا إذا نلاحظ أن كل الحركات المعارضة التي انطلقت في معظم الدول العربية كانت مدعومة من الخارج المعارضة العراقية المعارضة السورية المعارضة اللبنانية المعارضة السعودية كلها كانت موجهة من الخارج مع العلم أن الخارج يدعم أصحاب الأنظمة الموجودة في هذه البلدان.
غسان بن جدو: أليس في هذا حيف لهذه المعارضات يعني هناك معارضات مناضلة معارضات موجودة في هذه البلاد لكن أليس كذلك؟
حسني حميدة: نعم أنا أؤمن بأن هنالك معارضات نبيلة ولكن أنا أقصد المعارضات التي تفعل اليوم على الساحة السياسية.
غسان بن جدو: تفضل.
مشارك أول: هذا أكيد ليس صحيحا كما تفضل الدكتور بس بدي كلمتين على الإصلاح نرجع لنصوب الأمور الإصلاح الذي يأتي من الحكام يعني هناك فساد واللي يتسبب به هؤلاء الحكام أي هؤلاء الحكام يدعون الشعب إلى محاسبتهم وهذا أمر طوباوي يعني إلى حد ما أما إذا أعطينا الإصلاح هو يعني حرية يعني التيارات الإسلامية ويخاف الغرب من الإسلام أنا أجزم أن هناك حوار حقيقي وتعاون حتى بالثمانينات ما بين الإخوان المسلمين في سوريا وبريطانيا والإخوان المسلمين في مصر وبريطانيا وغيرها هناك دائما كان في تعاون في أفغانستان مثلا كان بن لادن هو المبشر الذي دعمته الـ(CIA) والمخابرات البريطانية ضد نظام تقدمي في أفغانستان فلندع ذلك أما المعارضة والإصلاح لنكن لنصوب الحديث لا يمكن لأحد أن يهب الإصلاح لمن لا يريد هذا الإصلاح إما أن تكون هناك إرادة شعوب فعلا تقوم على قناعة بأن هناك ما يجب إصلاحه من قناعة أنه ليس الإسلام هو المسيطر في الدول العربية يا أخي لدينا مسيحيين في لبنان لدينا أقباط في مصر مش صحيح إنه الإسلام هو الحال أوروبا تقدمت فقط عندما كان هناك نهضة تخلت فيها الكنيسة عن الحكم وأصبح هناك تقدم وهذا ما نحصده اليوم.
غسان بن جدو: نعم طيب سؤال يا أخي سؤال شكرا.
حسني حميدة: المداخلة أنت كنت عم بتعترض معي دكتور غليون بموضوع المعارضة أنا أقول لك بالنسبة للبنان المعارضة اللبنانية اليوم سعت من أجل التصحيح في الخارج المعارضة العراقية كانت بالجلبي وغيرها وكل هذه الحكومة التي كانت بالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا هي التي حضنتها المعارضة السورية أيضا كانت محضونة من الخارج لذلك لا تقنعني بأنه لا يوجد هنالك حضانة خارجية للمعارضات في العالم العربي.
غسان بن جدو: نعم.
حسني حميدة: ثانيا الدكتور غليون بدي أسألك سؤال بسيط نحن تحدثنا كثيرا عن الإصلاح ولكن نريد الماهية الميكانيكية للإصلاح أين يكمن التغيير؟
غسان بن جدو: جيد جميل.
حسني حميدة: أين؟ نعم.
غسان بن جدو: جميل سيجيبك في هذه النقطة في المداخلة الأخيرة تفضل أخي باختصار.
ربيع دندشلي: بسم الله الرحمن الرحيم ربيع دندشلي أريد أن أقول ثلاث نقاط بطريقة مختصرة.
غسان بن جدو: ليست ثلاث نقاط نقطة وحيدة في نقاشك حول هذا الموضوع.
ربيع دندشلي: صحيح.
غسان بن جدو: تفضل إذا سمحت.
ربيع دندشلي: ذكر الأخ مثال سأحاول أن أختصر قدر المستطاع ذكر الأخ مثالا وهو الثورة الغربية وعندما تخلت الكنيسة عن السلطة أو عن الحكم أريد أن أقول أن ذلك مرده إلى فساد الكنيسة إلى فساد الدين الذي كان الفئة التي كانت مسيطرة على الكنيسة الحاكمة وبالتالي كما هو الحال الآن الفساد الذي يسيطر على الفئة الحاكمة هو بالتالي يوجب إصلاحه يوجب حلا جذريا كما تخلت الكنيسة أو كما تخلت السلطة التي كانت مسيطرة وهنا كان يجب أن تتخلى هنا وبالتالي الشعارات الديمقراطية التي يرفعونها كما والدكتور الفقي مثلما قال أريد أن أقول نقطة هي تتيح لي حرية أن أرفع أي شعار كما هو يحق لها أن يقول أنا العلمانية هي الحل أو الاشتراكية هي الحل أنا يحق لي أن أعرض وجهة نظري الفكرة التي يؤمن بها التي أراها حلا لي أنا كمواطن عربي كمواطن أمثل فئة كالأقباط مثلا في مصر يمثلون فئة والمسيحيون في لبنان يمثلون فئة لا يمكننا أن نمنعهم أن يقولوا أن المسيحية هي الحل ذلك سيكون استبدادا وديكتاتورية فأنا يحق لي أن أقول أن الإسلام هو الحل وشكرا.
غسان بن جدو: شكرا تفضل أخي مداخلة أخيرة من فضلك باختصار من فضلك.
هشام شيا: أنا صحيح سأرد على الأخ في تناوله مسألة المعارضة وتحديدا للمعارضة اللبنانية أود القول إنه في عندنا تهمة دائما في العالم العربي كل معارض للسلطة إذا هو مخون وإذا هو تابع للغرب والغرب عَمّال يوعز إليه بهذه المعارضة نود أن نؤكد نحن معارضة في لبنان نؤمن بتعددية هذا الوطن نؤمن في تميزه في محيطة العربي لجهة الحرية والديمقراطية القائمة فيه ونحن كحزب تقدمي اشتراكي شركاء أساسيين في المعارضة في لبنان نحن من أسقط 17 أيار ونحن من وقف دائما في وجه التدخلات الغربية.
غسان بن جدو: ما في مشكلة نعمل لكم حلقة خاصة عن المعارضة اللبنانية.
هشام شيا: ونعود فقط عفوا دكتور ونعود لنؤكد أن لا تعارض بين الحرية والسيادة والحرية تستأهل النظام.
غسان بن جدو: حلقة خاصة في لبنان نعم شكرا، حلقة خاصة دكتور مصطفى الفقي لا من فضلك دكتور مصطفى يعني أخر نقطة ولكن إذا سمحت باختصار شديد نتحدث فيها عن الوحدة الوطنية الآن في أخيرا حصلت إشكالية في مصر وهناك حدثنا وأنت متخصص في الشأن القبطي إذا صح التعبير حول هذه العلاقة الواقع القبطي هناك.
مصطفى الفقي: أنا أريد أن أقول لك إنه ما جرى في الأسابيع الماضية في مصر هي ظاهرة عابرة لا تمثل تيار أصيل في المجتمع بالعكس ينظر أغلبية المسلمين والأقباط، أغلبية المسلمين والأقباط في مصر إلى ما جرى نظرة دهشة وعدم تجاوب لأن هناك إحساس بأن الأسباب صغيرة صحيح معظم النار من مستصغر الشرر ولكن الملف القبطي فتح في مصر في العقدين الأخيرين كما لم يحدث في تاريخ مصر كلها انتهت مشكلة الأوقاف القبطية أصبح بناء الكنائس تقريبا، تقريبا ولا أقول تماما مشابها لبناء المساجد ونحن نبحث في قانون جديد لتوحيد نظام بناء دور العبادة الصلوات القبطية تذاع في التلفزيون المصري في الأعياد 7 يناير الكريسماس الأرثوذكسي للكنيسة القبطية أصبح عطلة رسمية في البلاد الأجواء تغيرت ولدينا في مناصب قضائية كبيرة ومناصب مختلفة ولكن الصورة ليست وردية بالطبع هناك بعض المطالب القبطية المشروعة التي يتبناها المسلمون والأقباط معا ولكنها ليست تلك الأسباب الصغيرة التي يتعلق بها بعض المتطرفين من الجانبين لإحداث هذا الشرر وإضرام النار التي حدثت إنما نشعر أن هذه الأسباب عارضة ومفتعلة.
غسان بن جدو: شكرا لك دكتور، آخر نقطة إذا سمحت لي في ثلاثين ثانية.
برهان غليون: ثلاثين ثانية؟
غسان بن جدو: إذا سمحت تفضل، تفضل دكتور.
برهان غليون: لا أنا بدي أقول لحظات سريعة مفيش إصلاح داخلي اليوم كل ما يجري من إصلاح هو تحت ضغوط خارجية انتهى الإصلاح الداخلي قلت من عشرين سنة المعارضة السورية قال أحد مسؤولي النظام للأميركان إنه أنتم تريدون إنه تقفوا ضدنا ومع المعارضة السورية وهي واقفة ضدكم أكثر منا فلماذا تريدون أن تسيروا معها الوطنية والديمقراطية والنسيج الوطني ليس هناك شك إنه أربعين سنة من انعدام القانون دولة القانون أو من وجود دولة ضد القانون ودولة التمييز بين المواطنين على أساس الجنس ولا الطائفة ولا إلى آخره أدت إلى ذوبان الشعور الوطني عند الناس وإلى الانكفاء الناس على.. إنما أنا أقول بالضبط أن الوطنية اليوم لا تسير إلا بالديمقراطية ونحن وربحنا المعركة ضد الاستعمار في الماضي لأننا جمعنا بين أمرين التضامن العربي وإدخال الشعب في السياسة وتعبئة الشعب سواء مثل أحزاب الوافد بإطار ديمقراطي أو في إطار الحركات الشعبية الناصرية إلى آخره اليوم نحن نخسر استقلالنا وواضح أنه نعيش مرحلة خسارة استقلالنا لأنه ضوعنا ورقة التضامن العربي وضوعنا ورقة إدخال الشعب وتعبئة الشعب وإشراكه في الحياة السياسية.
غسان بن جدو: نعم مع الشكر لك دكتور برهان غليون وللأصدقاء الأعزاء وأنتم في لبنان تعيشون حياة سياسية راقية وتستأهلون أكثر من حلقة مع الشكر للدكتور مصطفى الفقي ولكل من ساهم في إنجاز هذه الحلقة بالدوحة رمزان النعيمي، محمود طه، إسلام حجازي والجميع هنا في بيروت كل الأصدقاء بدون استثناء مع طوني عون مع تقديري لكم في أمان الله وكل عام وأنتم بألف خير.

mercredi, décembre 22, 2004

المعرفة العربية أمام تحدي الاستقلال والحرية

الاتحاد 22 ديسمبر 2004

لا يقتصر ما يشكو منه التعليم العالي والبحث العلمي على نقص الحرية عند الباحثين والأكاديميين عموما. فهو يعاني من مشاكل عديدة أخرى تشمل المناهج وطرق التعليم ونقص الوسائل ومناهج البحث وتأهيل الملاكات الإدارية والعلمية معا. لكن يظل الافتقار إلى الحريات الأكاديمية وإخضاع التعليم العالي والبحث العلمي لأجندة إعادة إنتاج النظم السياسية الأقلوية والدفاع عنها هو مفتاح فهم هذه المشكلات جميعا وفي مقدمها استمرار تفاقم الفجوة العلمية والتقنية القائمة بين العالم المتقدم والبلاد العربية. هذا ما كان موضوع مؤتمر الحريات الأكاديمية واستقلال الجامعات في البلاد العربية الذي اختتم أعماله في السادس عشر من هذا الشهر في عمان عاصمة المملكة الأردنية. وقد صدر عن هذا المؤتمر إعلان بلفت أنظار المسؤولين والرأي العام معا إلى مخاطر تجاهل حاجات التنمية العلمية والاستمرار في ربط الاصلاحات المنتظرة في هذا المجال بأجندة الدفاع عن نظم سياسية تفقد أكثر فأكثر سيطرتها على الأوضاع والتطورات الداخلية والخارجية.
وقد أكد الإعلان أن تعطيل مبدأ المنافسة في الكفاءة والمهارة والابتكار في مجالات البحث والتحصيل العلميين لصالح تنمية منطق تكوين الولاءات السياسية وتطويع التعليم العالي لأهداف الصراع على السلطة بما يعنيه ذلك من تحويل المنطومة العلمية إلى ساحة إضافية أو موازية لبناء موازين القوة السياسية هو الذي يفسر ما شهده التعليم في البلاد العربية من تدهور في المستوى العلمي ومن انفصال عن الحاجات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية والتقنية. وهو الذي يشرح أيضا المفارقة التي تعيشها اليوم المجتمعات العربية، أعني عدم التناسب الواضح بين الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها في ميدان التعليم في العقود الخمسة الماضية والنتائج الهزيلة التي حصلت عليها في جميع الميادين، بما في ذلك في الميادين الاقتصادية والإدارية. فلم تنجح في تأهيل الملاكات المهنية الكفؤة ولا في تطوير التقنيات والخبرات العلمية الضرورية لرفع مردود العمل وتحسين الانتاجية ولا تزال تعتمد اعتمادا كبيرا في تلبية حاجاتها على الخبرة الأجنبية.

وكما نصت على ذلك العديد من الإعلانات الدولية في العقدين الماضيين تعني الحريات الأكاديمية أولا احترام استقلالية المؤسسات التعليمية والعلمية وعدم إخضاع برنامج عملها أو إدارتها أو تنظيم شؤونها لحاجات الصراع السياسي أو بناء السيطرة السياسية. وهو شرط بناء نسق علمي مستقبل قادر على بلورة مشروع علمي يستجيب لحاجات المجتمعات المتجددة والمتنوعة. وتتضمن هذه الاستقلالية مساواة جميع أفراد المجتمع الحاملين للكفاءات أمام فرص الدخول في سلك المجتمع الأكاديمي كمدرسين أو طلبة أو مديرين والاعتراف بحق جميع أعضاء الهيئة الجامعية من أساتذة وطلبة وإداريين في ممارسة نشاطاتهم من دون أي تمييز أو تدخل خارجي أو تقييد من قبل سلطة الدولة أو أي طرف آخر. كما تتضمن تأكيد حق الهيئة الجامعية في ممارسة الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنص عليها مواثيق حقوق الانسان مثل حرية التفكير والضمير والدين والتعبير والاجتماع والانتماء لجمعيات وكذلك الحق في الامن والتنقل بحرية.
وتعني ثانيا أن تعيين أعضاء الهيئة العلمية وترقيتهم ومعاقبتهم ينبغي أن تخضع لقواعد مهنية وأن تتم من جانب هيئات جامعية منتخبة وأنه لا يحق فصل أي أكاديمي من دون أن يسمح له بالدفاع عن نفسه أمام هذه الهيئات، لا أمام محاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية كما يحصل غالبا في البلاد العربية.
وتعني ثالثا أن لجميع أعضاء هيئة التعليم الحق في إقامة علاقات تواصل مع زملائهم في الجامعات الأخرى وتطوير تحصيلهم ومهاراتهم العلمية. كما أن لجميع طلبة الجامعات الحق في الحصول على تعليم يتفق وحاجات اندماجهم في الحياة الاجتماعية والعلمية وفي اختيار ميدان دراستهم بحرية والاعتراف الرسمي بمعارفهم وبالخبرات التي اكتسبوها. وعلى جميع الدول والمؤسسات التعليمية أن تحترم حقوق الطلبة الفردية والجمعية وأن تسمح لهم بالتعبير عن آرائهم بحرية في كل المسائل الوطنية والدولية.
وتعني أخيرا أن لجميع أعضاء الهيئة التعليمية الحق في الانتساب إلى جمعيات بما في ذلك الحق في تكوين نقابات أو الانتساب لنقابات قائمة للدفاع عن مصالحهم. وللنقابات الجامعية والتعليمية الحق في المشاركة في صوغ المعايير المهنية أيضا. كما أن على المؤسسات التعليمية العالية أن تضمن مشاركة الطلبة في هيئاتها الإدارية.
بالتأكيد تترتب على الهيئة الأكاديمية مقابل هذه الحقوق التي تتمتع بها التزامات أخلاقية أيضا من أهمها السعي إلى منع أي تلاعب أو استخدام سلبي للعلم أو التقنية لتحقيق أهداف تضر بالحقوق الانسانية، ومنها أيضا العمل على تخفيف الهوة التقنية بين المجتمعات البشرية وإتاحة الفرصة لجميع الهيئات التعليمية في العالم للمشاركة على مستوى واحد في تحصيل المعارف والاستفادة من ثمراتها. وفي سبيل ذلك يتوجب على الهيئات الجامعية أن تسعى إلى تطوير التعاون العلمي الذي ينبغي أن لا يخضع لقيود الحدود الإقليمية والسياسية أو أي عقبة اخرى.
ومن هذه الالتزامات السهر على أن تستجيب النشاطات العلمية والبحثية للحاجات الاجتماعية ولحاجات المجتمع بأكمله لا لطائفة واحدة فيه. وأن تقوم على أساس احترام المعايير المهنية. ولا تعني الاستجابة للحاجات الاجتماعية الرد على طلبات النظام الاقتصادي فحسب وإنما قيام المؤسسات التعليمية العليا بدورها أيضا في المجالات السياسية والمدنية بما يستدعيه ذلك من تعليم احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للشعوب وشجب أعمال القمع السياسي وانتهاكات حقوق الانسان التي تحصل في بلدانها.

وتكفي مقارنة سريعة بين ما يشير إليه مفهوم الاستقلالية الجامعية والحريات الأكاديمية مع ما تعيشه الجامعات العربية حتى ندرك إلى أي حد أصبحت جامعاتنا أدوات لأسر العقل وتلبيد الشعور وفي النهاية للتعليب الجمعي فلم تعد صالحة للتأهيل ولا للابتكار العلميين. ففي معظم البلاد العربية تفرض الأجهزة السياسية الحاكمة وغالبا الأجهزة الأمنية وصايتها العلنية على الحياة الجامعية, وتتعامل مع أعضاء الهيئة العلمية والإدارية في جميع المستويات حسب منطق الولاء والمحسوبية وتخضع البرامج للحسابات السياسية الضيقة. وهي لا تضع القيود على تداول المعارف فحسب ولكنها تقيد حركة الباحثين في داخل البلاد وخارجها وتصادر الرأي وتستخدم الجامعات والمدارس للدعاية الحزبية أو الايديولوجية. وهو ما يفسر إلى حد كبير الفشل الذريع الذي منيت به السياسات التعليمية العالية العربية والذي يبقي العالم العربي في حالة تبعية مستمرة وواسعة للخبرة العلمية والفنية الأجنبية إلى اليوم بالرغم من شمول جامعات البلاد العربية ملايين الطلبة والأساتذة والباحثين.

لكن ما يبدو وكأنه مسألة بديهية وشرط لبناء منظومة علمية منتجة، أعني احترام استقلالية الجامعات وحرياتها الأكاديمية، يؤلف في الواقع تحديا كبيرا يواجه المجتمعات العربية. فمن جهة أولى ليس من المتوقع أن تتخلى النخب الحاكمة عن سيطرتها القوية على مؤسسات التعليم العالي التي تشكل الخزان الأكبر لقوى الحركة الاجتماعية والفكرية في مجتمعاتنا ومصدر الديناميكية السياسية. ومما يساعدها على ذلك أن السلطات العمومية كانت ولا تزال وستبقى الممول الأول لمنظومة التعليم في جميع البلدان. وهي تستطيع من خلال هذا التمويل أن تتحكم بصورة مباشرة بكل ما يتعلق بتنظيم الهيئة الأكاديمية. ومن جهة ثانية تضغط شروط المعيشة الصعبة التي تعاني منها الطبقات الشعبية والوسطى في البلاد الفقيرة على جميع العاملين وتدفع بقسم كبير من أعضاء الهيئة التعليمية إلى المساومة بسهولة على الحقوق التي لم يتمتعوا بها أبدا من قبل ولا يعرفون قيمتها، خاصة عندما تساهم هذه المساومة في إعفائهم من الواجبات المترتبة عليهم. ومن هنا ليس احترام الحريات الأكاديمية مسألة مجردة ولا هدفا سهل المنال في مجتمعات تعاني مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية من نقائص وتشوهات كبيرة. إن تحرير الجامعات ومؤسسات التعليم العالي من وصاية الأجندة السياسية وضمان احترام الحريات الأكاديمية هما موضوع صراع دائم. ولن يمكن حسم هذا الصراع لصالح توسيع دائرة الحريات الأكاديمية واستقلال منظومة التعليم العالي والبحث العلمي ما لم يحصل تقدم حثيث على جبهتين رئيسيتين. جبهة التحويل الديمقراطي للدولة وللحياة السياسية وجبهة التجديد الثقافي والأخلاقي للمجتمعات، وبشكل خاص للنخب الثقافية والأكاديمية وتحريريها من منطق الخوف والاستسلام والاستزلام.

فليس هناك في اعتقادي أي ضمانة كي لا يتحول التمويل الرسمي للتعليم إلى وسيلة لإخضاعه إلى حاجات السياسة السلطوية إلا خضوع السلطة العمومية نفسها إلى قاعدة التداول الديمقراطي بما يعنيه ذلك ويفترضه من إلغاء إمكانية الاحتكار الدائم للحكم ومن توفير وسائل المراقبة والمحاسبة والتحديد الواضح للمسؤوليات والتغيير السلمي والقانوني للأطر والملاكات الرسمية والخاصة. وبالمثل ليس هناك ضمانة كي لا يساء استخدام الحريات الأكاديمية لتحقيق أهداف غير علمية وغير تربوية بل للحفاظ على هامش الاستقلال الجامعي نفسه إلا بالارتقاء بالوعي الأخلاقي والسياسي لأعضاء الهيئات الأكاديمية من مدرسين وإداريين وقدرتهم على تثمير هذه الحريات وعلى احترام الالتزامات الضمنية التي تنطوي عليها.

jeudi, décembre 16, 2004

الاصلاح السوري لقاء مع الراية القطرية

الراية القطرية
الخميس16/12/2004
دمشق - حيان نيوف
وجهت الراية مجموعة من الأسئلة حول مستقبل الإصلاح إلي البروفسور السوري المعروف برهان غليون ، مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون الجديدة - باريس 3-، وأستاذ علم اجتماع متخصص بالمجتمعات العربية المعاصرة بنفس الجامعة، وجري الحوار كالتالي:
كباحث وأكاديمي سوري - ولست معارضا - كيف تري مستقبل عملية الإصلاح السياسي في سوريا بلغة بحثية أكاديمية بعيدا عن القنابل الأيديولوجية التي تستخدمها المعارضة السورية؟
- أعتقد أن التوازنات الثقافية والنفسية والسياسية والاقتصادية التي استقرت بعد أربعين عاما من الحكم المطلق والمتواصل من دون انقطاع لا تسمح بحصول تغييرات جدية داخل النظام الذي يبدو مكبلا بقيوده الذاتية. وهذا ما يفسر التعثر الكبير الذي واجهته السياسات الإصلاحية في السنوات الأربع الماضية. وهذه التوازنات التي نجمت عن عقود طويلة من تكييف المجتمعات والمؤسسات معا لا تسري علي الفئات الحاكمة فحسب ولكن علي المجتمع أيضا. فلا يعادل عجز الطبقات المسيطرة عن توليد تيار إصلاحي متسق إلا عجز المجتمعات عن إفراز قوي تغيير قوية قادرة علي هز هذا الجمود القائم وزعزعته. هذا لا يعني أنه لن يكون هناك إصلاح أو تغيير ولكن مصدر هذا التغيير سيكون، كما هو واضح اليوم، في تبدل البيئة الخارجية الإقليمية والدولية التي ستفرض بالضرورة تغييرا في التوازنات الداخلية. وهو ما نعيشه في حقبتنا الراهنة. ومن هنا لا أجد أي معني للحديث عن الاختيار بين تغيير من الداخل وتغيير من الخارج. الواقع أن التغيير من الداخل قد فشل منذ سنوات طويلة في سوريا والعالم العربي معا لأسباب ليس هنا مجال شرحها. إن ما نشهده من تغيير، حتي الجزئي والثانوي منه هو ثمرة تغير السياق الخارجي, ومن المؤكد أنه سيتزايد أيضا مع تطور هذا السياق.
هناك من يعتقد ان الإصلاح السياسي لن ينطلق قبل إصلاح الإعلام حتي يبدأ الحوار عبر إعلام محلي ويبدأ السوريون سماع أخبار بلدهم عبر إعلامهم المحلي - ما رأيك بهذا القول؟
- الإصلاح الإعلامي هو جزء من الإصلاح السياسي. فليس للإصلاح السياسي في الوقت الراهن معني آخر سوي الإقرار بالتعددية الفكرية والسياسية علي طريق تفكيك نظام الحزب الواحد وإعادة السلطة إلي صناديق الاقتراع. وعندما نتحدث عن تعددية وتحول، حتي التدريجي منه، نحو الديمقراطية فنحن نتحدث بالضرورة عن فتح المجال الإعلامي وكسر احتكار الحزب الحاكم والنخب المسيطرة علي المعلومات وعلي أجهزة الإعلام بما فيها أجهزة الإعلام الوطنية أو العامة. فالديكتاتورية لا تتجسد فقط في احتكار السلطة ومنع الآخرين من المشاركة فيها ولا في تجريم العمل السياسي والتنظيمي وإنما أيضا في منع التيارات وقطاعات الرأي العام الأخري من استخدام وسائل الإعلام العامة وقصر هذا الاستخدام علي القائمين علي السلطة أو علي الحزب المسيطر عليها. ولا يمكن لسلطة ترفض الإصلاح السياسي أو تتردد فيه القبول بفتح المجال الإعلامي. ذلك أن احتكار الإعلام والمعلومات وطمس الحقائق وتشويش وعي الأفراد ومنعهم من معرفة الحقائق المتعلقة بحياتهم العامة بل قلب هذه الحقائق بشكل متعمد، كل ذلك يشكل أدوات لا بد منها للحفاظ علي احتكار السلطة ومنع المنافسين من الحصول علي الموارد المادية والمعنوية التي تمكنهم من المنافسة الشرعية وغير الشرعية عليها.
لكن ألا تعتقد ان مجرد السماح لك مثلا بإلقاء محاضرات علنية عن الشأن الداخلي وبسوريا ، وتنوع الحركات الناشئة في سوريا وإصدار البيانات هو دليل علي هامش حرية التعبير الموجود في العهد الجديد؟
- المناخ السياسي والنفسي والفكري داخل المجتمع السوري قد تغير كثيرا وهو في طريقه إلي أن يتغير جذريا. وهذا يفرض نفسه علي المثقفين وعلي المسؤولين أيضا الذين يدركون أن استخدام وسائل القهر نفسها يمكن أن تكون له نتائج سلبية أكثر. ولذلك فهم يميلون اليوم إلي تطبيق سياسات احتواء للمثقفين والناشطين ذات تكاليف سياسية أقل، خاصة بالنسبة لنظام يريد أن يستعيد صدقيته الدولية ويراهن علي الاندماج في الاقتصاد العالمي الليبرالي بعد أن اعترف بإخفاق سياساته التقليدية. لكن مع ذلك ليس من الصحيح أن النظام يسمح لي ولغيري من المثقفين بإلقاء محاضرات علنية. وأنا لم ألق أيا منها في سوريا علي الإطلاق. لقد دعيت من قبل منتديات خاصة وممنوعة يجتمع فيها الناس داخل شقق مغلقة، ونادرا ما تكون في صالونات واسعة كما كان الحال في المحاضرة الأولي التي ألقيتها في منزل رياض سيف والتي تم علي أثرها اعتقال صاحب المنزل وسبعة آخرين من الذين شاركوا في منتدي الحوار الوطني أو كانوا أعضاء في مكتبه والحكم عليهم لسنوات سجن طويلة. وأنت تعرف أنه لا يوجد إلا منتدي واحد مرخص في سوريا هو منتدي الأتاسي، تلقي فيه المحاضرات داخل صالون منزل الأتاسي نفسه. ويتعرض كل من يشارك في اجتماعات أخري إلي تحقيقات وتهديدات دائمة من قبل أجهزة الأمن كما يتعرض المحاضرون إلي إجراءات تنكيلية لا تنتمي لعصرنا أبدا ولا داعي الآن للحديث الموسع فيها. وقصدي أن أقول إن ما يبدو من تساهل جزئي تجاه المثقفين ليس نتيجة الإصلاح السياسي أو الإعلامي ولا ثمرة إرادة الحكم ولكن بسبب تغير السياق الجيوسياسي والمناخ الدولي العام وعجز النظام الذي ولد في ظروف الحرب الباردة الاستثنائية من إعادة إنتاج نفسه بالوسائل والطرق التقليدية نفسها. وهذا التغير هو الذي يفسر أصلا انهيار النظم السوفييتية والشيوعية السابقة، بالرغم من المقاومة الشرسة لحكامها ونخبها البيروقراطية. وما حصل في سوريا من تغير في هذا المجال لا يعتبر شيئا مهما بالمقارنة مع ما حصل في هذه الدول. والمقارنة هنا ضرورية. لأن هذا هو الذي يجعلنا نفهم لماذا يعتقد الرأي العالمي، بل حتي حلفاء سورية، أن الجمود هو السمة البارزة في نظامنا وهو الذي يبعث الشعور العميق بالخيبة ويدفع العديد من الذين دعموا النظام في سنواته الأولي إلي التخلي عنه والانسحاب من المراهنة علي حركته الإصلاحية كما حصل للفرنسيين.
عندما نتحدث عن الأهوال والمشاكل في المنطقة يقال أنها تؤثر علي وضع أي بلد ، وأيضا هل تعتقد أن إطلاق الإصلاح بشكل كبير في بلدان مجاورة يشجع عملية الإصلاح بسورية ويدفعها قدما؟
- بالتأكيد كما أن الخراب الذي يحيق بنا لا بد أن ينعكس علينا. وليس من قبيل الصدفة أن المنطقة العربية برمتها تتعثر في مشاريع الإصلاح.
هناك مطالبة دائمة بالإصلاح والمصالحة.. من بيته من زجاج لا يضرب الآخرين بالحجارة هذا هو المثل الشهير الذي يمكن تطبيقه علي أطراف المعارضة واللجان الحقوقية التي تلونت وتعددت. إذن المعارضة بحاجة إلي إصلاح قبل أن تطالب بالإصلاح - أليس كذلك؟!!
- لا يمكن وضع المعارضة والنظام في هذا المجال علي مستوي واحد. المعارضة جمعية وجمعيات خاصة تمثل مجموعة من المواطنين الذين لا يملكون أدوات السلطة ولا يتحكمون بمصير البلاد. الحكومة ذات مسؤوليات عامة وبيدها موارد الدولة ومصيرها معا. وما هو مطلوب منها قبل أي شيء آخر هو خدمة مصالح البلاد العامة والدفاع عنها في حين أن الجمعيات تدافع بالتعريف عن مصالح الفئات الخاصة التي تعبر عنها أو تمثلها. ثم إن وضع المعارضة ليس مفصولا ولا يمكن فصله عن سياسات الحكم ومؤسساته. والمعارضة السورية تعيش حالة صعبة اليوم وتعاني من التفكك لأنها محاصرة ومحرومة من أي هامش مبادرة أو تواصل مع المجتمع. ومن الطبيعي في هذه الحالة أن تأكل نفسها وأن تدور في حلقة مفرغة. كيف يمكن لمعارضة أن تنشأ وتتطور وتكون سليمة في نظام يحرم حتي النقاش وتداول الرأي حتي في الصالونات الخاصة ويحتكر جميع وسائل الإعلام والاتصال الخاصة والعامة؟ لا قيمة للمعارضة ولا حظ لديها في النمو والتقدم فكريا وسياسيا من دون قاعدة اجتماعية، ولا يمكن أن يكون لها قاعدة اجتماعية من دون تواصل مع الجمهور ولا تواصل من دون وجود الحق في التجمعات والمهرجانات وممارسة النشاطات السياسية والمدنية بصورة حرة أو شبه حرة. ومن دون ذلك ليس هناك أي أمل بنشوء معارضة. والحال أن القوانين الاستثنائية التي جعلت من مجتمع كامل مجتمعا مجردا من حقوقه المدنية والسياسية وخاضعا بشكل كامل لوصاية رسمية من قبل السلطة وقيادتها القطرية لم توجد إلا لتمنع مثل هذا التواصل وتقضي علي أي فرصة أو نافذة أمل لتكون معارضة بالمعني السليم للكلمة. ولو تأملت في ما هو قائم لوجدت أن معارضتنا ليست في حقيقة الأمر معارضة للنظام ولكنها بقايا الحركات السياسية القديمة التي كانت في تنافس مع حزب النظام واستمرت في الوجود بفعل العطالة التاريخية. لم تنشأ بعد معارضة سياسية في النظام ولا يمكن له أن يسمح بمعارضة مهما كان نوعها. ما نشأ ويمكن أن ينشأ في مثل هذا النوع من النظم هو ما كان يطلق عليه السوفييت اسم المنشقين. والحركات الإسلامية المتطرفة التي نشأت هي بالفعل في حضن النظام هي التعبير الأبرز عن هذا الانشقاق. حركات العنف السياسي هي المعارضة الحقيقية الوحيدة التي أنتجها النظام التسلطي العربي في كل مكان ولا يمكن أن ينتج غيرها. باختصار، ضعف المعارضة السياسية الراهنة هي حجة ضد النظام وليس معه.

samedi, décembre 04, 2004

في منهج مواجهة أزمة الشرق الأوسط



يطرح العنف المتفجر في الشرق الأوسط على الدول الصناعية الكبرى، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، قضية التطور في العالم العربي ومستقبل التحولات السياسية والاقتصادية فيه. ولا ينكر أحد من المسؤولين الكبار عن بنية النظام العالمي الراهن أن السبب الرئيسي لهذا العنف المتزايد هو ما ساد في العقود الماضية من سياسات وطنية وإقليمية قادت المنطقة بشكل متسارع إلى أزمة عميقة أصبح من المتعذر على أبنائها لوحدهم تأمين وسائل الخروج منها. ولا يزال غياب الحلول الناجعة لمشاكل الافقار الجماعي والقهر المتزايد وتفاقم النزاعات الداخلية والمحلية يمثل مصدر ضغط هائل على شعوب فقدت أو هي في طريقها لأن تفقد الحد الأدنى من الحياة القانونية والمدنية والسياسية الطبيعية والعادية. وتترافق هذه الضغوط الاستثنائية الوطنية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تشكل الأبعاد الرئيسية للأزمة الراهنة التي يعيشها العالم العربي منذ ثلاثة عقود مع جمود استثنائي للنخب الحاكمة وتصطدم بقوة بتخلف نظمها وانعدام شعور رجالاتها بالمسؤولية. ولا يمكن لمثل هذا الوضع إلا أن يعمق الشعور باليأس والاحباط وانعدام الثقة بالنفس ويدفع الشرائح الأكثر شعورا بالتهديد والأكثر حساسية ونفاذ صبر إلى اللجوء إلى الحلول العنيفة التي تأمل أن تهز من خلالها السلطات والنظم والدول المسؤولة أو التي تعتقد أنها في أصل الأوضاع السلبية القائمة وأن تنقل حالة زعزعة الاستقرار إليها.
يشبه وضع العالم العربي المشرقي اليوم الوضع الذي كانت تعيشه منطقة أمريكا اللاتينية بعد الحرب العالمية الثانية· فهناك أيضا جعلت السيطرة الخارجية والافقار المستمر والتفاوت الطبقي المفزع وتكالب النخب الاجتماعية الحاكمة على السلطة، والدعم الدائم لديكتاتورية هذه النخب من قبل الولايات المتحدة ضد إرادة الرأي العام المحلي، أقول جعل كل ذلك، من أمريكا اللاتينية، خلال عقود الخمسبنات والستينات، الموطن الرئيسي للارهاب العالمي الموجه إلى المصالح الامريكية بالذات في أمريكا اللاتينية وفي مناطق العالم الأخرى·
وقد تتلمذ العرب منذ السبعينات على أمريكا اللاتينية هذه وتعلموا منها أساليب الاغتيال والعنف وحرب العصابات وحروب المدن قبل أن يصبحوا معلمين فيها. وترجموا مختلف كتب وأدبيات حرب العصابات وحرب المدن والحركات الثورية الأخرى التي انتشرت فيها انتشار النار في الهشيم· ولم يتوقف نمو العنف والارهاب في أمريكا اللاتينية إلا منذ عقدين أو أكثر قليلا وذلك في موازاة نجاح هذه القارة في تجاوز نزاعاتها الداخلية وتحرير نفسها من التبعية المطلقة للولايات المتحدة، وأخذها بمناهج الحكم الديمقراطي واعتمادها سياسات تنموية جديدة أخرجتها من دائرة الفقر والهامشية وضعف معدلات النمو الاقتصادي أو انعدامها· وقد حصل ذلك نتيجة إدراك مشترك في واشنطن وفي البلدان الأمريكية اللاتينية بأنه قد أصبح من المستحيل الحفاظ على الأمن والسلام مع استمرار الأوضاع على ما هي عليه وأن من مصلحة الطرفين، أعني الإدارة الأمريكية، الدولة المهيمنة الرئيسية على مصائر شعوب أمريكا اللاتينية، والنخب المحلية الحاكمة العمل في اتجاهين متلازمين: أولهما تعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تكثيف الاستثمار وتوحيد السوق الاقتصادية الاقليمية وثانيهما التوصل إلى تسويات سياسية قابلة للحياة بين النظم القائمة والمعارضات المحلية الثورية أو السلمية عن طريق الالتزام بالتعددية والدمقرطة الحثيثة والفعلية للحياة السياسية.
وكما كان عليه الحال في أمريكا اللاتينية، ليس من الممكن في العالم العربي فصل العوامل الداخلية وسياسات النخب المحلية عن استراتيجيات الدول الكبرى التي كانت ولا تزال وراء ترتيب الأوضاع السياسية والجيوسياسية المشرقية. وليس هناك أي أمل في التغيير في هذه المنطقة من دون التقاء مصالح القوى الخارجية المهيمنة على النظم والنخب الحاكمة المحلية ومصالح الجمهور الواسع الذي يحتاج إلى التغيير ويتطلع إليه بفارغ الصبر. إن الخروج من الأزمة المثلثة التي تضرب العديد من مجتمعات الشرق الأوسط العربية،أعني من حالة الفقر والاستبداد والنزاعات التاريخية المستديمة سيكون مستحيلا إذا ترك الأمر للنخب المحلية الحاكمة التي فقدت أي مفهوم للمعايير القانونية والسياسية للحكم وبالتالي من دون دفع بل من دون مبادرة دولية حكيمة قادرة على فرض الحوار الداخلي على النخب القائمة ومدعومة بإرادة جدية للمساهمة في حل النزاعات الداخلية والاقليمية المستشرية ومساعدة هذه البلدان على الخروج من العزلة السياسية والهامشية الاقتصادية التي تعيش فيها منذ عقود.
يعني هذا أن أي خطة أو مبادرة بناءة تستدعي من أصحابها الالتزام بخطة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ولضخ دماء وأفكار ورساميل جديدة أيضا في المنطقة تمكنها من امتصاص الفقر وتخفيض نسبة البطالة وفتح آفاق حقيقية للأجيال الشابة معدومة الأمل اليوم· كما تستدعي القيام بجهود فعالة في سبيل التقريب بين وجهات نظر الحكومات والمعارضة السياسية والقوى الاجتماعية وفتح آفاق التعاون والتفاهم فيما بينها على أساس عقد وطني يضمن الحد الأدنى من الحقوق المدنية والسياسية ويلغي التفرد بالسلطة واغتيال الحياة السياسية واستخدام القمع والتعذيب والاعتقال التعسفي، ويؤكد فصل السلطات وسيادة القانون واعتماد الانتخابات الحرة كطريق وحيد لتداول السلطة· كما يستدعي أخيرا التصدي بشجاعة وقوة للنزاعات الاقليمية والداخلية المتفسخة التي سممت الحياة السياسية في المنطقة وتكاد تسمم الحياة الدبلوماسية الدولية ذاتها، وفي مقدمها النزاع العربي الاسرائيلي والفلسطيني الاسرائيلي·
ومن الممكن أن تأتي هذه المبادرة التي لا بد منها في أي مواجهة جدية وناجعة لأزمة الشرق الأوسط في شكل مؤتمر دولي يوضع تحت إشراف الأمم المتحدة تشارك فيه جميع الأطراف الدولية والإقليمية وممثلين عن المجتمعات المدنية وأصحاب الرأي والمسؤولين السياسيين في الحكم والمعارضة يكون إطارا للنقاش والمفاوضات الجماعية حول جميع المسائل العالقة ويهدف إلى ووضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها. وتستمد فكرة هذا المؤتمر مشروعيتها من أن مشاكل الشرق الأوسط مترابطة ولا يمكن مواجهتها بتجزئتها وإنما لا بد من طرحها مجتمعة وعلى مائدة واحدة سواء ما تعلق منها بالاحتلال والتدخلات الخارجية أو بالتحولات السياسية الداخلية أو بمسائل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالتنمية مرتبطة بالتحولات الديمقراطية والديمقراطية مرتبطة بالسيادة الشعبية والسيادة مرتبطة بالسلام الذي يفترض الاستقلال وتصفية الاحتلال وقيام علاقات اعتراف متبادل وتعاون طبيعية ومثمرة بين جميع الأطراف داخل كل قطر على حدة وفي علاقة الأقطار في ما بينها.
من الواضح أنه ليس لهذه المبادرة أي علاقة بمشاريع الاصلاح الشكلية والفارغة التي لا تكف عن الإعلان عنها النخب الحاكمة المحلية كما أنه لا علاقة لها بتلك المبادرات والمشاريع التي تتردد منذ سنتين على ألسنة مسؤولين أمريكيين وأوروبيين والتي لا تهدف في الواقع إلا إلى التغطية على مشاريع الهيمنة وتقاسم النفوذ الغربية التي كانت ولا تزال الدافع الرئيسي لتهميش المنطقة ودعم نظم العنف والاستبداد فيها. إن المبادرة المطلوبة تستدعي بالعكس التخلي عن استراتيجيات الهيمنة والتسلط والالحاق الأجنبية التي تبرر مشاريع التسلط والاستتباع الداخلية وتغذيها وتفترض التعامل مع المجتمعات والشعوب العربية على أسس جديدة، أسس الشراكة الاقتصادية والسياسية والتعاون من أجل السلام وقطع الطريق على مسار الانحدار والتدهور والسقوط الحثيث نحو البربرية. وكل محاولة للفصل بين مسألة السلام والاستقرار الإقليمي ومسألة الاصلاح السياسي ومسألة التنمية الاقتصادية والاجتماعية تعكس غياب الإرادة الجدية لمواجهة الأزمة الشرق أوسطية ولا بد أن تقود إلى الفشل.
فكما أنه لا يمكن تحرير الشرق الأوسط من إرادة الانتقام والعداء والرفض التي تتملكه تجاه السياسات الغربية من دون إخراجه من أزمته التاريخية ومساعدته على الاندراج في دائر الحضارة العصرية وتمثل قيمها وتقاليدها، لا يمكن أيضا القضاء على العنف الموجه أو الذي يمكن أن يوجه نحو الخارج من دون إلغاء العنف كوسيلة للحكم والممارسة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية الذي يقوم عليها النظام الداخلي القائم· ومن الصعب على الانسان المحروم من التنظيم السياسي والنقابي ومن التظاهر ومن الإضراب ومن التعبير عن الرأي في الصحافة والإعلام، أي من استخدام أي وسيلة سلمية وسياسية للدفاع عن نفسه وضمان حقوقه الدنيا، أن يتمثل معنى الحياة القانونية· كما أنه من الصعب على الانسان الذي يعيش في ظل أنظمة تعسفية ولا إنسانية ويتعرض للاحتلالات والاعتداءات والتدخلات الخارجية المستمرة ولم يعرف معنى الشرعية الوطنية أو يشارك في بنائها أو يتمتع بقانونها أن يفهم معنى الشرعية الدولية ويقبل التكيف معها والخضوع لها·

mercredi, novembre 24, 2004

فـي وداع عرفـــــات

الاتحاد 24 نوفمبر 2005
التقيت الرئيس الراحل ياسر عرفات أول مرة في الأردن عام 1968 وكنت قد تخرجت للتو من الجامعة من ضمن لقاءات أخرى جمعتني خلال خمسة عشر يوماً مع العديد من قادة الحركة الفلسطينية. ولا أخفي أن الحافز الأساسي لهذه الزيارة واللقاءات التي نجمت عنها كان اتخاذ قراري بالانضمام إلى المقاومة الفلسطينية أو السفر إلى أوروبا لاستكمال الدراسة والعودة للمشاركة في ما كان يبدو لي المهمة التاريخية الرئيسية لجيلنا، وأعني مواجهة تبعات الهزيمة المدوية للسادس من يونيو عام 1967 والمساهمة في إعادة بناء المنطقة العربية على أسس جديدة تختلف عن تلك التي أدت إلى الهزيمة وضمنت استمرار التخلف والعطالة العربيين. وهو ما كان يضغط بقوة على وعي جيلنا الحالم وعلى ضميره المعذب معاً. وليس هدفي هنا التفكير في ما لم يخطر في بالي أن أفكر فيه قبل وفاة الرئيس الفلسطيني، أعني ما الذي دفعني إلى ترجيح الخيار الثاني ومنعني من الانضمام لإحدى حركات المقاومة بالرغم من بعض "العروض" الكريمة التي فدمت لي في ذلك الوقت. لكن من الواضح لي اليوم أن الحركات الفلسطينية اليسارية التي كانت تتفق بشكل أكبر مع رؤيتي النظرية لتلك الفترة لم تحدث عندي قناعة قوية في حين أن حركة فتح التي كنت قد شاركت مع زملاء لي في إصدار نشرتها العلنية "الثورة الفلسطينية" من دمشق منذ عام 1976 كانت تخضع في تلك الفترة لنزعة عسكرتارية أو نشاطوية قوية تجد في السياسة والتنظير السياسي خطراً على الوحدة الفلسطينية وتعلق جميع آمالها بالبندقية. وهكذا بينما كانت حركات المقاومة الفلسطينية اليسارية والقومية العربية تعاني من الإفراط في المناظرة الفكرية والتنظير كانت حركة المقاومة الفتحاوية تعاني بالعكس من الخوف المفرط من التفكير النظري إلى درجة أننا هوجمنا نحن العاملين في مجلة الثورة الفلسطينية وتم استبعادنا منها في الفترة ذاتها تقريبا التي كنا ننوي فيها الانضمام إلى صفوفها. وكانت التهمة أننا نشكل خطراً على الحركة بسبب إدخالنا المناضلين في متاهات التفكير والسياسة النظرية.ولعل ما بقي حاضراً في ذاكرتي حتى اليوم من هذا اللقاء الأول بعرفات هو هذه الديناميكية الجسدية التي كان يتمتع بها والتي جعلتني أفكر في تلك اللحظة أنها هي التي تشكل مصدر تفوقه على جميع زملائه. هذا هو على الأقل الانطباع الذي تركه عندي لقائي الأول مع ياسر عرفات الذي لم يفعل شيئاً آخر غير اصطحابي معه في جولاته الميدانية متبادلا معي من فترة لأخرى بعض الأفكار السريعة بينما قضيت ساعات عديدة أسمع تحليلات سياسية متباينة القيمة مع قادة آخرين. لقد بدا لي أن زعامة عرفات القيادية مستمدة مباشرة من ديناميكيته الجسدية الاستثنائية التي يسعى من خلالها إلى تحقيق ما يحاول الآخرون فرضه بقوة آرائهم الفكرية أو بتحليلاتهم النظرية. أما المرة الثانية التي جمعتني بياسر عرفات فقد كانت في تونس التي اضطر إلى الإقامة فيها مع حركة المقاومة الفلسطينية بأكملها بعد خروجه من لبنان تحت ضغط الاحتلال الإسرائيلي وبعد الصدام السوري الفلسطيني في طرابلس. لكن في هذه الفترة لم يعد عرفات هو نفسه الذي قابلته في الأردن عام 1968 كما لم أعد أنا نفسي ذاك المثقف الباحث عن مكانه في حركة السياسة المشرقية في بداية حياته. كانت معركة الصراع على الزعامة الفلسطينية التي كانت تسيطر على حياة المنظمات الفلسطينية وقادتها أثناء زيارتي الأولى لها في السبعينات في الأردن قد حسمت نهائياً وأصبح ياسر عرفات زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية من دون منازع. وهكذا أتيح لي هذه المرة أن أتعرف على رجل آخر تماماً. فلم يعد عرفات ذاك القائد العسكري الشاب الذي ينتقل بلمح البصر من موقع إلى موقع، يتحدث مع أكثر من شخص ويعمل في أكثر من مكان في وقت واحد. لقد صار الحاكم السياسي الحقيقي لشعب كامل حتى لو أنه لم يكن يعيش على الأرض ذاتها التي يعيش عليها الشعب الذي يحكمه ولا يمتلك الأدوات ذاتها التي يملكها الحكام عادة لتحقيق سياساتهم وتنفيذ قراراتهم. وصار مقره مركز سلطة عمومية يستقبل فيه السياسيين والصحفيين وكبار المسؤولين لا يغيره ولا يغادره تقريباً. في هذه المرة لم يصحبني عرفات في جولاته الميدانية ولكنه دعاني إلى أن أرافقه في مهامه السياسية التي كان يبدؤها في مكتبه في الثانية أو الثالثة صباحاً حتى الفجر. لقد تصرف كما لو كنا نعرف بعضنا بعضاً تماماً، دون تصنع ولا تكلف. لم يأخذ الحديث في الموضوع الذي كان غرض الزيارة والذي لم يرَ النور لأسباب أخرى سوى وقت محدود جداً. كان عرفات قد حسم قراره قبل لقائي معه ولم يكن يسأل كثيراً عن التفاصيل. قال للعاملين معه قدموا لنا العشاء، ودعاني إلى العشاء معه وكان بطيخاً أحمر وجبناً. بعد أن انتهينا شربنا الشاي ثم طلب مني أن أبقى لأستمع إلى مقابلة صحفية كان قد اتفق عليها مع أحد الصحفيين الأجانب، كما لو كان يريدني أن أكون شاهداً. كنا نتبادل الحديث بأشياء وأخرى وهو يعد نفسه للمقابلة ويدقق في وضع ثيابه وبشكل خاص في ترتيب وضع كوفيته وعقاله كما لو كان يعد نفسه لدور مسرحي. فاجأني بعد المقابلة بسؤاله عن رأيي في ما قاله، فلم أجد ما أقوله وقد كنت مأخوذاً بالموقف كله وبما أحاطني به من مودة وتبسط ورفع كلفة إلا عبارة واحدة: لينصركم الله. لم يجب ولكنه كان سعيداً بلقائه الصحفي وبدا لي شديد المرح والإعجاب بالنفس. لقد كان في سلوكه مزيج من الألفة ومشاعر الأخوة والبساطة والوله الذاتي معاً. وجمع في شخصيته بين روح طفولة مرحة لا مهتمة وإرادة كهل شديد الخبرة والمراس. لقد بدا لي في الوقت نفسه أحد أطفال الحجارة ورجل المصير الذي يقيس اختياراته بمقياس التاريخ والحوادث العظيمة. ومما لا شك فيه أن عرفات كان ينظر إلى خياراته وقراراته على أنها قرارات واختيارات مصيرية تحدد، في ما وراء السلطة التي يمثلها والمنظمة التي يرأسها، مستقبل الشعب الذي ينتمي إليه والذي أخذ على عاتقه مسؤولية قيادته إلى النصر، ذاك الذي لم يشك لحظة أنه في انتظاره. التقيت عرفات في لقاءات سريعة في ما بعد. لكن لم أره بعد عودته إلى فلسطين. وفي فلسطين تحول القائد الذي صار إليه عرفات منذ خروج المقاومة من بيروت إلى رمز بعد أن انتزع منه الاحتلال كل سلطة وصوت. وها هو الرمز يتحول في موته من جديد إلى رئيس من لحم ودم، رئيس دولة فلسطين والمؤسس الفعلي لوطنية بدت بعد وفاته أكثر توهجاً وحضوراً من أي وقت سابق.

mercredi, novembre 17, 2004

العالم العربي ومشروع الشرق الاوسط حوار مجلة نوافذ المغربية

في هذا الحوار يتحدث لنا برهان غليون استاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السربون.في باريزعن اوضاع العالم العربي بعد فشل مشروع الشرق الاوسط الامريكي وعن وضعية البلدان العربية حاليا بعد احتلال العراق.

التقاه في باريس يوسف لهلالي

نوافذ:
ـ الامريكيون رفعوا شعار الاصلاح في سياق سعيهم لبسط نفوذهم الشامل في المنطقة وتأكيد حضورهم فيها وقيادتهم لها.هذا هو مضمون اصلاح الشرق الاوسط الكبيير. لهذا سعى الاوربيون إلى تعطيل هذا المشروع أو الالتفاف عليه وانقاذ مشروعهم الخاص القائم على الشراكة الأورومتوسطية. وهم أميل إلى استقرار الأوضاع وعدم المفامرة بتغييرات أو بإعادة هيكلة للمنطقة تفتح الباب في نظرهم إلى الفوضى وعدم الاستقرار كما تريد الولايات المتحدة. ونحن لا نزال نعيش في هذه المنطقة في إطار نظام شبه استعماري قائم على تقاسم النفوذ بين الاوربيين والامريكيين.
ـ ان الانظمة الاستبدادية ما كان لها ان تستمر كل هذا الوقت بدون الدعم الغربي
ـ أغلب النظم العربية بنيت على اساس التعامل مع الخارج وليس بناءا على دعم داخلي أو قاعدة إجتماعية واسعة وعلى توسيع دائرة المصالح الوطنية. ومن هنا فهي لا تعتمد في استمرارها كثيرا على تأييد الشعب ولا تسعى إلى تعزيز موقعها في وسطه. إنها تعتمد على القوة في الداخل وتحالفاتها الدولية في الخارج ولا شيء آخر.

الاستاذ برهان غليون ما هو رأيك في المشروع الامريكي للشرق الاوسط الكبير؟


أعتقد ان مؤتمر الثمانية الاخير حول هذا المشروع الامريكي من مشروع مباشر الى مجرد اقتراحات وافكار بفعل الضغط الاوربي، والنقاش حول هذا المشروع تحول الى صراع اوربي امريكي حول الاستراتيجية الاصح للتعامل مع الشرق الاوسط.والاوربيون يرون ان أي تغيير سريع وشامل في المنطقة يمكن ان يؤدي الى وضع لايمكن التحكم فيه.فهم لايريدون تغييرا في النظم بل مجرد اصلاحات تدريجية. وقد اضطرت واشنطن إلى تعديل موقفها الأول والتراجع عن مشاريع إعادة الهيكلة الشرق أوسطية بعد أن أخفقت في العراق وأدركت الحاجة إلى التفاهم مع اوربا إذا أرادت أن تستمر في تطبيق مشاريعها الشرق أوسطية، أي في الواقع إلى تعديل وتيره تدخلاتها العكسرية والسياسية.
وحتى الآن/ يمكن القول ان المشروع الامريكي تحول الى تعبير عن النوايا البعيدة أكثر منه إلى مشروع تغيير فوري كما ادعى الأمريكيون نحو الديمقراطية واحترام حقوق الانسان والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الواضح أن فكرة التغيير في الشرق الأوسط لم تخطر على بال الامريكيين إلا بعد الحادي عشر من سبتمبر وبشكل خاص بعد احتلالهم العراق وإدراكهم لمدى الرفض الذي يظهره الرأي العام العربي والعالمي أيضا لخططهم واستراتيجياتهم التدخلية الانفرادية. وفي مواجهة الرأي العام الامريكي الذي أصبح أكثر تشككا في مشروعية الحرب على العراق بعد أن ظهرت نتائجها الكارثية بالنسبة للعراقيين والجنود الأمريكيين أيضا أطلق القادة الأمريكيون فكرة الاصلاح في الشرق الأوسط لإضفاء نوع من الشرعية الأخلاقية والانسانية على مبادرة عسكرية ليس لها ما يبررها خاصة بعد أن أقر خبراء عديدون أن العراق لم يمكن يمتلك أسلحة دمار شامل كما كان يتهمه القادة الامريكيون.
وفي جميع الأحوال لم يكن المشروع الامريكي يهدف الى تغيير النظم القائمة في المنطقة بقدر ما كان يهدف كما عبر عن ذلك العديد من المسؤولين الأمريكيين إلى الضغط على الانظمة السيا سية لإجبارها على تقديم تنازلات اضافية لصالح الامريكيين من جهة ولدفعها إلى القيام ببعض الإصلاحات التي تعطي للشعوب العربية الانطباع بأن الخلاص من الاستبداد ليس ممكنا من دون الأمريكيين أو هو جاء بفضل التدخلات الأمريكية. لكن سياسة الوعود الأمريكية لم تؤت ثمارها فلا الرأي العام العربي اقتنع بحسن نوايا الولايات المتحدة وغير موقفه المعادي لها، ولا الرأي العام الامريكي غير اعتقاده بعدم ضرورة الحرب الأمريكية على العراق. فكما أن الرأي العام العربي لم يكن لينخدع بالوعود الأمريكية الكبيرة في الوقت الذي يعاين فيه يوميا نتائج الدعم الأمريكي غير المشروط لاسرائيل في احتلالها لأراضي الدولة الفلسطينية، لم يقتنع الرأي العام الأمريكي بصدق القيادة الأمريكية وسعيها المنزه عن الهوى لنشر الاصلاح والديمقراطية عن طريق الاحتلال وقصف المدن وقتل المدنيين في المدن العراقية.
هل هذا يعني جهل الامريكيين بخصائص المنطقة مقابل معرفة اوربية كبيرة ودفاعها عن مصالح هذه الشعوب؟
هذا ما يقوله الاوربيون الذي يعرفون المنطقة اكثر وهذه حقيقة. لكنهم ليسوا أكثر انشغالا بالمصالح الوطنية للدول العربية. فهم لم يكفوا أيضا منذ عقود عن دعم النظم الاستبدادية. ولا يزالون يعتقدون بأن الدفاع عن النفوذ الأوروبي وحماية مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية بما في ذلك أمن إسرائيل وسلامتها تستدعي التحكم بالمنطقة عن قرب وعدم السماح للتيارات المعادية للغرب أو المدافعة عن درجة أكبر من الاستقلال والسيادة والسيطرة على الموارد المحلية لتوجيهها نحو التنمية بالوصول إلى السلطة بأي ثمن. وقد برهنوا على ذلك في موقفهم المعروف من حركة القومية العربية في أيام الحركة الناصرية ومن عبد الناصر كما برهنوا عليه من خلال تعزيزهم القدرات الاسرائيلية خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ثم أخيرا من خلال اختيارهم دعم نظم الأقلية الاستبدادية والديكتاتورية في المنطقة حتى اليوم. واعتقد ان الانظمة الاستبدادية ما كان لها ان تستمر كل هذا الوقت بدون الدعم الغربي بما فيها تلك الانظمة التي كانت حليفة للاتحاد السوفياتي والتي استمرت بعد انهيار هذا الاتحاد بفضل الدعم الغربي المالي والعسكري والسياسي والتغطية على انتهاكات حقوق الانسان. وهاهي الدول الغربية جميعا، والاوروبية على رأسها، تشاهد ما يقع في المنطقة من انتهاكات لحرية التعبير ومن محكمات استتنائية واعلان حالات الطوارئ ومن خروقات خطيرة لحقوق الانسان دون اية ردود فعل ديبلوماسية أو سياسية.
لقد رفع الامريكيون شعار الاصلاح في سياق سعيهم لبسط نفوذهم الشامل في المنطقة وتأكيد حضورهم فيها وقيادتهم لها.هذا هو مضمون اصلاح الشرق الاوسط الكبيير. لهذا سعى الاوربيون إلى تعطيل هذا المشروع أو الالتفاف عليه وانقاذ مشروعهم الخاص القائم على الشراكة الأورومتوسطية. وهم أميل إلى استقرار الأوضاع وعدم المفامرة بتغييرات أو بإعادة هيكلة للمنطقة تفتح الباب في نظرهم إلى الفوضى وعدم الاستقرار كما تريد الولايات المتحدة. ونحن لا نزال نعيش في هذه المنطقة في إطار نظام شبه استعماري قائم على تقاسم النفوذ بين الاوربيين والامريكيين.

لكن الموقف الاوربي لم يكن موحدا كما تحدثتم عنه ، بل هناك انقسام بين الاروبيين بين مؤيد ومعارض لهذه السياسة الامريكية؟

عندما اتحدث عن الموقف الاوربي اقصد فرنسا ،المانيا وبلجيكا التي كان لها موقف متميز. وحتى بريطانيا فيما يخص مشروع الاصلاح كانت اقرب الى هذا الموقف. ولم اقصد باقي الدول الاربية الصغيرة غير المؤثرة أو مجموع الدول الاوروبية. فمن الواضح أن أوروبة لم تصبح بعد قوة سياسية واحدة لكن هناك نواة صغيرة من الدول هي التي تحدد موقفا أوروبيا متميزا. والواقع أنه حتى هذه الدول ما كانت لتقف الموقف الذي وقفتها لو لم تر تخبط واشنطن في العراق أيضا. إن أوروبة لا تزال ضعيفة سياسيا بصورة ملفتة للتظر.

المقاومة العراقية ادن هي التي دعمت الموقف الاربي ؟

بالتاكيذ، لعبت دورا كبيرا لصالح الموقف الاوربي. والمؤكد ان المنطقة اصبحت ساحة للحرب الباردة بين الاوربيين والامريكيين وهذا الهامش تستفيد منه الانظمة القائمة وهو ليس لصالح شعوب المنطقة من اجل التغيير والضغط على الانظمة القائمة
.
لكن نلاحظ غياب الشعوب العربية والانظمة من هذا النقاش الدولي حول مصيرها؟

هذه حقيقة عكستها القمة العربية الاخيرة. بل كل القمم. فهذه الانظمة مختلفة لكنها تحاول ان تبين ان هناك اجماعا شكليا.لان الانظمة العربية ليس لها اجندة وطنية واستراتيجية بل لك منها جدول اعمال خاص بالفئات الحاكمة. دول الخليج ليس في ما بينها تعاون حقيقي وهي تعتمد جميعا بالجملة والمفرق على التحالف مع امريكا لحماية نفسها من باقي الدول العربية. اما بلدان المغرب العربي فقد اختارت التفاهم مع الغرب عموما والاندماج اقتصاديا مع اوربا والرهان على استتماراتها بالمنطقة.وكذلك على الانفتاح الواسع على امريكا. فهي تراهن على سياسة اقتصادية جديدة وقطع الحبال مع كل المفاهيم القديمة العربية، الوطنية والاستقلالية. والاجندة الاساسية هي جلب الاستتمارات وتحسين الوضع الاقتصادي. وبالعموم تسود في المنطقة سياسة تغليب المصلحة القطرية والاستفادة من الشراكة الاورمتوسطية وجلب الاستتمارات. من اجل تلبية حاجة الجمهور الى فرص عمل. بالنسبة لبلدان الشرق كمصر وسورية فهي تعيش أزمة عميقة جدا. واجندتها الاساسية هي احتواء اسرائيل وتوسعها المدمر ودرء المخاطر والتهديدات القوية الناجمة عن سياساتها العدوانية في المنطقة. وبعض هذه البلدان الذي لا يزال يعاني من احتلال قسم من أراضيه من قبل إسرائيل مثل سوريا،لبنان وفلسطين، يفتقر للتفاهم والتعاون بالرغم من اشتراكها في مسائل عديدة. لكن لكل منها اولويات مختلفة. ان جميع هذا البلدان محتاجة الى الاستتمارات وكلها مهتمة بقضية الاحتلال. لكن كل بلد يحاول اعطاء الاسبقية لقضاياه الخاصة ولو على حساب باقي البلدان العربية الاخرى. إن أكثر ما يميز البلدان العربية للأسف هو انعدام القدرة على التنسيق في ما بينها وبالتالي غياب أي اجندة عربية مشتركة والقبول بذلك من قبل الجميع والتسليم به كما لو كان ضربا من الحتمية التي لاراد لها. هكذا ياتي كل طرف عربي الى القمة ويعرف انه لن يصل الى نتيجة ولايريد الوصول الى نتيجة رغم الخطابات التي تداع حول التفاهم العربي المفترض. إن كل ما يأمل به من القمة هو أن يخرج من دون أن يدين الآخرون سياساته الانفرادية وتفريطه بالقضايا العربية العامة.

لهذه الاعتبارات يجب حل الجامعة العربية التي لم يعد لها أي دور باستتناء اصدار البيانات؟
هكذا يعتقد قطاع واسع من العرب ، بما فيهم جماعات غيورة على الجامعة العربية والفكرة العربية. فهم لم يعودوا يرون في الجامعة إلا وسيلة للتغطية على السياسات القطرية بل سياسات بعض النخب الحاكمة. ويعتقدون بالتالي أن من الافضل زوالها. لكن لست من أصحاب هذا الرأي بالرغم من صحة مايقولونه عنها. فزوال الجامعة العربية في الظروف الحالية التي يعيشها العالم العربي يستجيب لمخططات واشنطن وتل أبيب التي تريد أن تدفع البلدان العربية إلى قطيعة نهائية مع أفكار وقيم التحرر والاستقلال والتفاهم العربي وتزيل آخر رموز الوحدة بين الشعوب العربية. والواقع أن إلغاء الجامعة العربية كان ولا يزال مطلبا علنيا لأمريكا وإسرائيل التين تريان فيه تكريسا نهائيا للانقسام بين الدول العربية ولقطع كل قنوات التواصل والاتصال في ما بينها وبالتالي تفكيك العالم العربي حتى لا يشكل في المستقبل عامل تهديد لأمن إسرائيل.
بالتأكيد لم يعد من الممكن المراهنة على الجامعة العربية في سبيل خلق تكثل عربي. لكن لا ينبغي لبقاء الجامعة العربية أن يحول دون قيام تكتلات بين دول عربية مختلفة بل وغير عربية أيضا على مستوى ثنائي وتلاثي وعلى مستوى الجهات كما حصل في الثمانينات مع بلدان مجلس التعاون الخليجي،ومجلس التعاون العربي واتحاد بلدان المغرب العربي.

كيف تفسر هذا التناقض الذي يعرفه العالم العربي بين خطاب وحدوي قومي وعاطفي مع وجود ثقافة وثرات ولغة مشتركة وعجز شامل عن بناء سياسات مشتركة في حين توجد تجمعات بلدان اخرى مثل اوربا واسيا رغم اختلاف اللغة والثقافة والمصالح نجحت في ايجاد سياسة مشتركة خاصة في المجال الاقتصادي؟

السبب في تحقيق الاتحادات بين دول اسيا و امريكا واوربا رغم غياب الثقافة واللغة والتاريخ المشترك هو ان هذه البلدان لها انظمة وطنية أي أنظمة يسيرها منطق البحث عن توسيع دائرة المنافع والمصالح العامة لشعوبها وكسب مواقع جديدة في الاقتصاد الدولي. وهي تعرف ان التعاون يؤدي الى تعزيز مصالح الجميع بغض النظر عن قوميتهم.وبالمقابل إن المنطق الذي يسير نظمنا السياسية الاجتماعية ويشرط سلوكها الداخلي والخارجي هو التفكير بمصالح الحاكمين الخاصة سواء أكانوا طبقة ام عشيره أم أسرة أم شخصية حاكمة. وليس لديها أي حافز ما دامت تضمن استمرارها في السلطة بفضل الريع والدعم الخارجي للدفاع عن المصالح العامة أو للاهتمام والانشغال بمصالح عامة الناس.

هل هذا الوضع بهذه البلدان هو بسبب البترول؟

البترول هو أحد هذه العوامل القوية بالتأكيد. فهو مصدر كبير للريع. لكنه ليس وحده. المشكلة ـ أغلب النظم العربية بنيت على اساس التعامل مع الخارج وليس بناءا على دعم داخلي أو قاعدة إجتماعية واسعة وعلى توسيع دائرة المصالح الوطنية. ومن هنا فهي لا تعتمد في استمرارها كثيرا على تأييد الشعب ولا تسعى إلى تعزيز موقعها في وسطه. إنها تعتمد على القوة في الداخل وتحالفاتها الدولية في الخارج ولا شيء آخر. ومحور توفر القوة والتحالفات الخارجية هو وجود الريع سواء أكان ريع النفط أو ريع الموقف أو ريع الموقع. باختصار إن مشروعيتها خارجية. وما يهمها هي صورتها في الخارج.
ومن هنا فان العالم العربي يشهد اكبر تركيز للتروات بيد عائلات محدودة, واليوم تجاوز ودائع العرب الخارجية ألف مليار دولار وهي ودائع مهربة من العالم العربي نحو الخارج.وتخدم الخارج.

لكن هل العالم العربي يعيش اليوم على العقم في النخب وفي حركات المجتمع المدني وليس في استطاعته تجاوز الانظمة المستبدة والتابعة للخارج؟

الان يبدو لنا الامر كذلك في العشر سنوات الاخيرة. لكن في الواقع ان صمت الشعوب العربية يعود الى الهزائم التي تكبدتها في مواجهتها هذه الانظمة المدعومة من الخارج. منذ السبعينات والثمانينات تفجرت انتفاضات الخبز في عدة مناطق عربية، بعدها جاءت الحركات الاسلامية السياسية التي عبرت عن أزمة النظم والمجتمعات معا وحظيت بشعبية كبيرة على أمل أن تتحول إلى قوة تغيير. لكن فشلها ومحاصرتها من قبل النظم المحلية والدول الكبرى معا أدى إلى تجذر حركة الاحتجاج والاعتراض وتحول قسم منها تدريجا نحو وسائل العنف والجريمة. وهو ما نعيشه اليوم حيث يرتد خنجر المجتمعات إلى المجتمعات ذاتها. وقد ساهم هذا التحول في إعادة تجديد العقد الاستعماري إذ أوجد قاعدة جديدة لعودة التفاهم والتحالف بين النظم والنخب العربية الحاكمة المفلسة والدول الكبرى الباحثة عن طرف محلي يرشدها في معركتها الشاملة ضد ما أصبح يعرف بالارهاب الدولي.
لكن المشكلة الحقيقية التي تكمن وراء هذا التطور الخطير في الأوضاع العربية هو عجز النخب الحاكمة عن معالجة مشاكل المجتمعات واستهتارها بمصيرها ومصالحها وفشل المجتمعات نفسها في فرض التغيير والتداول السياسي بسبب تدخل الدول الكبرى وخوفها على مصالحها ومناطق نفوذها ودعمها بالتالي للنخب القائمة من دون شروط حتى الآن.
حاولت .الشعوب العربية تغيير الاوضاع من خلال الثورات الاجتماعية والتمردات الاسلامية لكنها هزمت وتعيش اليوم على وقع الهزيمة. وما نعيشه اليوم من عنف داخلي وخارجي هو ثمرة هذا الفشل المزدوج في الاصلاح والتغيير معا منذ بداية عقد الثمانينات. اليوم نحن تجاوزنا حقبة الاصلاح والتغيير ونعيش عصر الانفجار والعنف الناجمة عن هذا الفشل وانسداد الآفاق، عصر تناقض فضيع بين نخبة لا تفكر إلا في مصالحها ومجتمعات يتيمة أو ميتمة ليس لها أمل في قيادة ولا في تغيير. أما الدولة فقد تحولت بين يدي نخبة لاتخضع في سلوكها لا قاعدة ولا لقانون ومستعدة لإعلان الحرب في اية لحضة تهدد فيها أبسط مصالحها، إلى نوع من العصابة المنظمة تدافع عن مصالحها بأي وسيلة ومن دون أي اعتبار لأية قيم أو مباديء أو مصالح اخرى.

؟؟؟ كيف تفسر التحولات بالعراق اليوم مع تطور وسائل التعبير التي اصبح يعرفها المجتمع من تظاهرات ومقاومة حتى تحت الاحتلال؟

هذا صحيح، مما شك فيه ان ضرب نظام البعث السابق حرر الناس وأصبحت هناك احزاب وتيارات متعددة كسرت احتكار الكلام والنقاش. لقد تحرر المجتمع العراقي بالفعل لكن ليس في اطار من السيادة ولكن في إطار الاحتلال. فقد ضرب الامريكيون النظام السابق لكن من اجل بناء نظام يخدم مصالحهم. العراق بعد صدام يتخبط اليوم في الاحتلال. و اذا لم تتمكن القوى العراقية من الاتفاق على اجندة وطنية من اجل التخلص من الاحتلال، فان العراق يمكنه ان يتحول الى افغنستان جديدة بانتشار العنف المسلح والانقسام بين مختلف تياراته. و
وإذا كان وضع العراق بعد الحرب ييبن كيف يؤدي اختفاء نظام القهر الى عودة الحيوية الى المجتمع فهو يبين أيضا كيف أن القضاء على نظام القهر لا يعني بالضرورة نهاية المحنة ولا يفتح الطريق مباشرة نحو الديمقراطية والسلام الاهلي والإصلاح. هذا يحتاج إلى عمل دؤوب ومستمر ونشيط من قبل جميع القوى والاطراف الوطنية التي تريد الحفاظ على استقلال البلاد ووحدتها.
ولا ينبغي لهذه القوى أن تيأس. ذلك أنه في الوقت الذي يبدو فيه التفاهم والتعاون على أشده بين النظم الاستبدادية العربية والاحتلال، تحت راية الحرب الدولية ضد الارهاب وحولها، تتطور الأزمة بينهما كما لم يحصل في أي مرحلة سابقة. إن ما نعيشه ليس عصر التحالف ولا حتى تجديد التحالف بين الاستعمار والاستبداد وإنما بالعكس زعزعة التفاهم مابين الانظمة العربية والنظام الدولي. ليس ذلك بسبب اقتناع القوى الكبرى بفضائل النظم الديمقراطية والإصلاحية أبدا ولكن لأنها لم تعد مقتنعة بقدرة هذه الانظمة على الاستمرار وضبط الاوضاع. إنها تفكر في إعادة هيكلة المنطقة وفي تجديد الصيغة القديمة وتكليف فئات ونخب مختلفة قادرة على إدارة الأوضاع بشكل أقل همجية وبالتالي على التقليل من حجم التالف وعلى امتصاص غضب الشعوب وتناقضات المجتمع. وليس من المستبعد أن تكون التعددية وما تعنيه من توسيع هامش الحريات الفردية ولا أقول الديمقراطية هي السمة الأبرز للصيغة الجديدة.

لكن أي هامش من الديموقراطية هو لصالح الاحزاب الدينية بعد ان تراجعت القوى القومية او الاشتراكية او الليبرالية. ألا
تعتقدون انه في هذه الظروف لن يتم الضغط على هذه الانظمة لتوسيع قاعدة الحكم؟.

القوى الدينية اليوم هي الاكثر نشاطا ليس في العراق لوحده بل في كل البلدان العربية بدون استثناء. فايدولوجياتها هي الأكثر تعبئة لقوى المعارضة وقوى الاحتجاج والنقمة على النظام بقدر ما فقدت ايدولوجيات الحداثة التي كانت مصدر التعبئة لنظم ما بعد الاستقلال رصيدها وجاذبيتها. لكن لا يعني هذا حتمية انتصار قوى المحافظة الدينية بالضرورة. فأولا نحن لا نتحدث عن ديمقراطية مفتوحة وحرة بالفعل ولكنها ستكون حتما تحت الإشراف المباشر للأجهزة الداخلية والخارجية كما نشاهد ذلك في العديد من البلدان. وثانيا لأن انتصار العقائديات الدينية نابع هو نفسه وبشكل أساسي من تغييب الحياة السياسية والتضييق على المعارضة الديمقراطية. مما دفع نحو المعارضة المتشددة والناشئة خارج النظام. لكن حتى في حالة تبني المسلسل الديموقراطي فلن تكون حظوظ انتصار الاحزاب الدينية كبيرة لانها على خلاف ما يعتقد البعض ليست تيارا واحدا وإنما تيارات منقسمة على نفسها تتردد بين عدة اتجاهات ومشارب حتى داخل الحزب الواحد.وليس لها برنامج واضح، وهي حركات سلب اكثر منها حركات ايجاب. فهي تنجح في المقاومة والمعارضة لكنها تفشل حال حصولها على السلطة كما وقع في افغنستان والسودان. ثم إنه عندما يقرر بلد ما الدخول في الحياة الديموقراطية فان القوى الديموقراطية تسترجع حيويتها وقدرتها على العمل.ومشكل البلدان العربية بعد الاستقلال هي انها اختارت شكلين غير ديموقراطيين الاتجاه الماركسي والاتجاه القومي والدولتي. والتيار الديموقراطي اليوم ينمو بفعل فشل التيارات التي استحودت على الحكم في السابق. في الستقبل اعتقد التيار الديموقراطي الوليد هو الذي سيجمع حوله باقي القوى.

المشروع الامريكي حول الشرق الاوسط لم يعطي أي اعتبار للقضية الفلسطينية رغم اعتبارها قضية اساسية في المنطقة؟

اليوم زاد الوعي عبر العالم بان الصراع العربي الاسرائلي والفلسطيني الاسرائيلي يسمم العلاقات والحياة السياسية والاقتصادية بالمنطقة . وهناك تسليم من قبل الجميع اليوم بأن الخروج من العنف والتوثر واللاستقرار الذي تعرفه المنطقة يستدعي حل هذا الصراع. والجديد هو انه حتى لدى الاسرائليين و لدى شارون هناك اقتناع ان العنف لوحده لايمكنه ان يقدم حلولا رغم استمرار سياسة الاستعمار والايستيطان. والان تعرف المنطقة جولة اخرى من العنف. واليوم يطلب من الفلسطنيين المزيد من التنازلات مثل اقتسام الضفة الغربية وهو شيء لن يقبلوه بعد كل التضحيات التي قدموها.
نحن نعيش أزمة حقيقية على مستوى النزاع العربي الاسرائيلي ونقف أمام طريق مسدود. فسلاح الحسم بالقوة العسكرية الاسرائيلي لم ينفع كما أن انتفاضة الجسد واللحم الفلسطيني الحي ضد المدفع والدبابة لم يؤمن التحرر من الاحتلال. وفي اعتقادي ليس هناك مخرج، مع إخفاق العرب في وضع استراتيجية ناجحة لوضع حد للنزاع، من دون التدخل القوي للدول الكبرى لفرض حل على الاسرائيليين يعترف بحقوق الشعب الفلسطيني التي كرستها قرارات الامم المتحدة.
إذا لم يحصل ذلك فنحن سائرون نحو حرب مستمرة من حول جدار الفصل العنصري الذي يشيده الاسرائيليون لفرض حياة الغيتو أو العزل على الفلسطنيين. وسوف تظل المنظقة برمتها وليس فلسطين فحسب في حالة أزمة مستفحلة ودائمة تتجه نحو إنتاج حالة كارثية.

كلمة اخيرة حول تقرير التنمية في العالم العربي الذي شاركت في اعداده؟

اهم شيء في هذا التقرير هو انه نجح في اثارة النقاش بالعالم العربي وهذه نقطة ايجابية واساسية. وهذا التقرير ليس نهائيا. هو وثيقة عامة للنقاش قدمها بعض المتخصصين العرب، ولا بد لك بلد من ان يقوم كل باعداد تقرير خاص به. لقد اتهم البعض هذا التقرير بانه ادات لخدمة اطروحات الادارة الامريكية. وهذا ليس صحيحا. لقد كان التقرير قميص عثمان. الواقع أن سبب تدخل الدول الكبرى في الشؤون العربية هو سوء السياسة العربية وإدارة الدول نفسها وليس شيئا آخر.

mercredi, novembre 10, 2004

احترام القيم الإنسانية شرط للحفاظ على الهوية

الاتحاد 10 نوفبمر 2005

ذكرت في مقال سابق أنه لم يعد من الممكن للمجتمعات العربية استرجاع صدقيتها الداخلية والخارجية إلا باستعادة نخبها الجديدة أو القادمة لمعاني المسؤولية بأبعادها الثلاثة الوطنية والإقليمية والدولية، وبإظهار هذه النخب بشكل واضح قدرتها على تحمل هذه المسؤولية في المستويات المتعددة لممارستها وعلى الحكم بمنطقها وبالتطابق معها. وإذا كان حمل المسؤولية الوطنية يعني اليوم في العالم العربي السعي الجدي إلى تغيير جذري في أساليب الحكم والإدارة وفي نوعية السياسات التي قادت إلى الأزمة الداخلية المتفجرة والعودة إلى طريق الإدارة السليمة القائمة على احترام معايير الكفاءة والنزاهة والقانون، بدل معايير الزبونية والمحسوبية وتبادل المصالح السائدة، وكان حمل المسؤولية الإقليمية يعني مساهمة كل دولة في خلق الشروط التي تسمح بضمان استقلال الإقليم وتطوير سبل التعاون والتبادل المثري بين شعوبه فإن حمل المسؤولية الدولية يعني، قبل أي شيء آخر، الارتفاع إلى مستوى التحديات العالمية والمشاركة في إنضاج وتحقيق القرارات التي تهم مستقبل البشرية. ولن يمكن لأية نخبة حاكمة أن تظهر بمظهر النخبة السياسية المسؤولة وبالتالي أن تحظى من جديد بالصدقية إلا بقدر ما تظهر من قدرة على تحقيق المهام المتعددة والمتنوعة المنوطة بها. ويعني الارتفاع إلى مستوى المسؤولية الدولية العمل الجماعي في سبيل تأمين درجة أكبر من التكافل الإنساني بما يتضمنه ذلك من المساعدة على خلق الشروط الملائمة لتقدم عملية التنمية وإزالة عوامل القهر والانسدادات العديدة والمتزايدة التي تواجهها المجتمعات على جميع مستويات نشاطاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والتي تؤدي إلى تفجر حركات الثورة الجامحة والعنف. وفي ما يتعلق بالعالم العربي، لن تستعيد المجتمعات موقعها لدى الرأي العام العالمي ولن تنجح في تحسين صورتها السلبية إلا بقدر ما تظهر قدرتها على بناء نظم قادرة على إطلاق ديناميات الحداثة المعوقة ودفع عجلة التقدم العلمي والتقني والأخلاقي. ويقتضي التقدم في هذا الطريق ويشترط حتماً تحرير الشعوب العربية من العطالة والهامشية والقيود السياسية والفكرية والأمنية التي تكبلها وتدفع بها إلى الاستقالة والانكفاء أو تفجر في وسطها حركات الإرهاب الانتقامية. لكن في ما وراء ما يقدمه هذا التحرير من فرص لا بديل عنها لتأكيد إدراج المجتمعات العربية في دائرة الحضارة الحديثة وتأمين التعاطف الدولي الذي لابد منه اليوم لاكتساب الوسائل التي تمكننا من التحول إلى قطب مستقل للتنمية الإنسانية وللمشاركة في السياسات الدولية، يشكل تحويل النظم العربية في اتجاه الديمقراطية شرطاً أساسياً لتغيير صورة العرب في عيون الشعوب العربية نفسها.وليس المقصود بالديمقراطية هنا وجود الواجهة التعددية الشكلية ولكن سيادة قيم احترام الإنسان ومبادئ الحق والقانون، أي إيجاد نظم سياسية تخضع لمبادئ المدنية، وتضمن قيمها من حرية وعدالة ومساواة وتضامن وتكافل جماعي معاً.وليس هناك شك في أن تعميم مبادئ وقيم احترام الحقوق الإنسانية ونشر معايير المساواة والعدالة والحرية والتكافل يشكلان اليوم الأرضية الضرورية للنجاح في إطلاق مبادرات إنسانية وبلورة سياسات تعاون دولي نشطة وبناءة على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يشكلان الإطار الوحيد الذي يسمح بتجاوز خيارات حرب الحضارات وصداماتها الكارثية نحو خيار المفاوضات الجماعية وجلوس جميع الأطراف المعنية، أوروبية كانت أو أميركية أو آسيوية أو أميركية لاتينية أو روسية أو أفريقية حول دائرة مستديرة للحوار الدولي الجدي. هذا هو الثمن الحقيقي لطموح أي إقليم إلى التحول إلى طرف في النقاش العالمي الراهن، بما في ذلك العالم العربي، ولظفره بدور أو بنصيب من التأثير في رسم وتقرير المصير البشري. فبصرف النظر عما يكتب على الورق وما يجود به بعض رجال السياسة الغربية، ليس لمثل هذا الحوار مكان ولا تبرير في الظروف الراهنة التي لا يمثل فيها العرب شيئاً لا من الناحية الاستراتيجية ولا الاقتصادية ولا التقنية ولا العلمية ولا الثقافية، ويشكلون بالأحرى عالة في كل ما يحيط بهم على الأسرة البشرية. فهم غير قادرين حتى على حل مشاكلهم الداخلية بأيديهم ولا يزالون محتاجين إلى تدخل الدول الكبرى لفرض الإصلاحات والإقرار بالحد الأدنى من الحريات والحقوق الأساسية. وليس من الممكن في مثل هذه الشروط الحلم بأي حوار جدي يعيد للعرب مكانتهم الدولية. لا عربياً أميركياً ولا عربياً أوروبياً ولا عربياً يابانياً ولا عربياً صينياً ولا عربياً هندياً ولا حتى عربياً أفريقياً. وليس من الممكن تحقيق مثل هذا الحوار، أي في الواقع تجنب الحرب الحضارية التي أصبحوا موضوعاً حقيقياً لها والتحول إلى شريك دولي مقبول ومسموع، قبل أن يستعيد العرب صدقيتهم ويصلحوا شؤونهم الداخلية. ومنذ الآن، ما دام العرب لم ينجحوا في أن يكونوا شيئاً في السياسة الدولية، فلن تكون لهم أيضاً سياسات وطنية داخلية متسقة وذات صدقية. باختصار بقدر ما نظهر التزامنا بالمبادئ الأخلاقية والمعايير الإنسانية ونبذل من جهد لاحترامها وتطبيقها في بلادنا وعلى مجتمعاتنا نستعيد ثقة الآخرين بنا ويصبح بمقدورنا أن نطالب من مركز قوة بموقف عادل ومتوازن في فلسطين والعراق وأن نزيل القواعد الأجنبية القابعة على أراضينا ونحسن من فرص وشروط التنمية الإنسانية الوطنية والإقليمية. وبقدر هذا الالتزام وذاك الاحترام ستكون فرصتنا في أن نتحول إلى شركاء، ونتمكن من ممارسة هذه الشراكة ونكون على مستواها. وفي هذه الحالة سيكون بإمكاننا أن نقنع العالم بأننا لسنا شعوباً همجية يأكل فيها القوي الضعيف وتنتهك فيها حريات الأفراد وتضيع حقوقهم باسم الوطنية الكاذبة أو الاعتقادات الدينية أو المصالح المادية الأنانية للقلة الحاكمة. وفيها سيدرك الرأي العام العالمي أيضاً أن البنلادنية ليست البضاعة الوحيدة التي تحسن مجتمعاتنا إنتاجها وتصديرها إلى بقية بقاع العالم. وسيعرف كذلك أن هذه المجتمعات تنطوي على قوى وقيم ومطالب ومتطلبات أخلاقية تتجاوز الانتقام والاستهلاك ومراكمة الثروة والقوة المادية. وفي هذه الحالة لن نحتاج كي نحمي أنفسنا من عدوان الآخرين المتواصل إلى أن نجعل رهاننا جميعاً على مقدراتنا التخريبية والسلبية التي نطورها كسبيل وحيد للبقاء في مواجهة التحديات، ولكن على ما تتفتق به عبقرية مبدعينا وقادتنا السياسيين والاقتصاديين من مبادرات ومساهمات إيجابية في معالجة الشؤون العالمية وحل المسائل الدولية التي تقع مشاكلنا في صلبها· مع الأسف ليس هذا مما تعد به بعد جلسات ومؤتمرات قمم الجامعة العربية ولا ما تسفر عنه خطط ومشاريع الإصلاح الوطنية الاجترارية. فنحن لا نزال نتشبث بتطوير قدراتنا السلبية والتخريبية ووسائل التهديد والابتزاز والسلب لرد العدوان المسلط علينا بدل المراهنة على تنمية قدرتنا على مباراة المجتمعات الأخرى والتفوق عليها في الإنتاج والإبداع والتنظيم والإدارة والتقدم العلمي والتقني والمشاركة الفعلية في بناء وتقدم الحضارة الإنسانية المشتركة. ولا تزال أوهام الحرب الحضارية التي تشبه العظمة المقدمة لكلب جائع تخدعنا وتسيل لعابنا· فنحن نعتقد أننا قادرون على إيذاء الغرب، وأن مجرد هذا الإيذاء يسعدنا لأنه يساعدنا على التوازن ونشعر أننا روينا غليلنا وشفينا من مرضنا. وهذا هو الطريق الخطأ والصعب معاً. لا يمكن للتخريب والإرهاب، حتى لو كان لخدمة أهداف نبيلة، أن يقيم دولة ولا وطناً ولا مجتمعاً ولا إنتاجاً ولا إبداعاً ولا حضارة. وإذا كانت مجتمعاتنا قد وصلت إلى ما وصلت إليه من تقهقر بل انهيار في جميع ميادين نشاطاتها الإنسانية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فذلك بالضبط لأنها خضعت لمنطق العنف والإرهاب الداخلي وعوملت بأقسى ما تعامل به مجتمعات وشعوب، ونكل بها وخضعت لحالة لا تزال مستمرة من الحصار والتهميش والعزل والاغتيال الروحي والفكري، من قبل قوى داخلية وخارجية معا... وهي لا تزال مجتمعات مغتصبة الحقوق والنفوس والفكر وفاقدة لأية فكرة أخلاقية وأي شعور بالحرية والإنسانية. العنف الموجه من بعضنا تجاه البعض الآخر هو الذي دمر أوضاعنا الداخلية والعنف الذي نوجهه أو يوجهه بعضنا تجاه الغير باسمنا وبموافقتنا وتأييدنا سيدمر أوضاعنا الدولية والإقليمية ويهددنا بأن لا يختلف مصيرنا، إذا بقينا تحت قيادة نظم العنف والحرب والإمعان في القهر وتحقير الإنسان وتحويله إلى حشرة عن مصير أفغانستان، ولا أن نستحق حكومات أفضل من طالبان ولا بنظام اجتماعي غير الحرب المستمرة والانتحار.

mercredi, octobre 20, 2004

مراجعة مفاهيم الحكم والإدارة: من الممانعة إلى الانخراط في العالم

الاتحاد 20 اكتوبر 2004
لعل ما يميز الحقبة التي نعيش فيها والتي نطلق عليها اسم حقبة العولمة أو التواصل المتنامي بين الفضاءات السياسية والثقافية والجيوستراتيجية هو أنه لم يعد هناك أمل لأي دولة في الحفاظ على وجودها ولا لأي شعب للاحتفاظ باستقلال قراره الوطني من خلال الدفاع التقليدي الجامد عن السيادة الوطنية والانغلاق على الداخل ورفض التفاعلات الدولية. إن الاحتفاظ بالحد الأدنى من الإرادة الحرة والاستقلال يستدعي اليوم، بالعكس مما كان عليه الأمر في الماضي، الانتقال من مفهوم السيادة إلى مفهوم الشراكة. فبقدر ما ينجح شعب من الشعوب في التحول إلى شريك في تقرير المصير العالمي يحظى أيضاً بهامش من المبادرة والحرية التي تتيح له تكوين قرار وطني بل رأي عام داخلي ولحمة وطنية جامعة. وفي قلب هذه السياسة التي تؤسس لمفهوم الشراكة العالمية يوجد مفهوم المسؤولية. فعلى درجة المسؤولية التي تظهرها النخب الحاكمة وعلى القدرة التي تبديها في جعل مصالح شعوبها في اتساق وتطابق مع مصالح المجموعة الدولية عموماً والشعوب المحيطة بها بشكل خاص يتوقف حظها في الحصول على موقع مرموق في هذه الشراكة. ومن الواضح أن هذا الشعور بالمسؤولية يقف على طرفي نقيض من روح التهرب من المواجهة والتبرؤ ورمي المسؤولية على الآخرين والاحتماء وراء مفهوم الضحية الذي عبر عنه سلوك النخب العربية وكشفت عنه الأزمة التي فجرتها أحداث 11 سبتمبر 2001. وللمسؤولية السياسية في هذا السياق الذي نتحدث من خلاله ثلاثة أبعاد أو وجوه لم يعد من الممكن فصل واحدها عن الآخر. البعد الأول هو مسؤولية النخب أو الطبقات السياسية تجاه المسائل التي تتعلق بتسيير البلاد التي تحكمها وحسن إدارتها لمواردها واستثمارها لها. فلم يعد الحكم داخل أي بلد مسألة خاصة بالنخب الحاكمة ولكنه أصبح هو نفسه مسألة من مسائل الإدارة الدولية بقدر ما أصبحت للسياسات الفاسدة في أي بلد نتائج أو عواقب مباشرة على سياسات ومصير المجتمعات والبلدان الأخرى القريبة والبعيدة معاً. ومن هنا فإن النخب التي تظهر مقدرة ضعيفة على إدارة موارد البلاد التي تحكمها وتتعرض باستمرار لتحديات داخلية لا تنجح في معالجتها بغير العنف وإسالة الدماء وتبقي الباب مفتوحاً بشكل دائم أمام اضطرابات وقلاقل حاملة لمخاطر كبيرة لها ولجيرانها وللمجتمعات الأخرى، تفقد الصدقية العالمية وتصبح هي نفسها هدفا لضغوط واستراتيجيات إقصاء خارجية تقودها تلك الدول التي تعتقد أنها الأكثر تعرضاً للاساءة أو لمخاطر سياساتها اللاعقلانية وضيقة الأفق. وهذا ما يجعل وسوف يجعل من التدخل في شؤون الدول أمراً طبيعياً ووارداً أكثر من أية فترة سابقة في نظري ومتزايداً باستمرار. وهو ما سوف يدفع الرأي العام الدولي أيضاً إلى القبول بشكل أكبر بمثل هذه التدخلات، وربما إلى تقنينها بصورة أدق في مرحلة قادمة في دائرة الأمم المتحدة لإضفاء شرعية دولية مباشرة وواضحة عليها. هذا ما بينه التأييد الواسع الذي حظي به مشروع تغيير النظام البعثي في العراق عن طريق التدخل العسكري المباشر للدول الكبرى، وما برهنت عليه بشكل أكبر مبادرة الشرق الأوسط الأميركية التي وافق عليها بعد تعديلها بما يضمن مصالحه الاتحاد الأوروبي كما دعمتها جميع الدول الصناعية في مجموعة الثمانية الكبار، وهو ما أكد عليه كذلك القرار 1559 الذي اعترض على تمديد ولاية رئيس الجمهورية اللبنانية إميل لحود بالرغم من حرص أصحاب التمديد على احترام القواعد الدستورية واحتجاجهم بتمسكهم بالوصاية السورية. وكل ذلك يجعل من المؤكد أن عمليات التدخل من قبل الدول الكبرى، سواء أجاءت تحت غطاء قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة أو من دونهما، تسير في اتجاه التنامي السريع والثابت في المستقبل وتجد أكثر فأكثر ما يسمح بتبريرها بل ربما بالمطالبة بها في منطقة العالم الفقير الذي لا تبدي فيه النخب الحاكمة قدرة كبيرة على معالجة التوترات ومواجهة التحديات الحقيقية سواء ما تعلق منها بتحديات التنمية الإنسانية أو بإيجاد الحلول السياسية والتوافقية للصراعات والنزاعات الاجتماعية والدينية والإثنية قبل السقوط الأليم نحو مزيد من الاضطرابات والحروب والمجاعات وجميع أشكال التقهقر والانحطاط المأساوية التي تقود إليها سياسات النخب الرديئة والمفتقرة للكفاءة والشعور بالمسؤولية. ولا شك عندي أن الزيادة المستمرة في طلبات التدخل الخارجي وممارسته من قبل الدول الكبرى أو مجلس الأمن أو حتى قوى دولية متوسطة سوف يشكل بؤرة نزاع دولي متصاعد. ولابد أن يشكل منذ الآن في نظري نافذة للتفكير الجدي بقضايا جديدة ومتجددة بالنسبة للمجموعة الدولية وفي مقدمها مسألة بناء إدارة سياسية عالمية بالمعنى الحقيقي للكلمة تشارك فيها الشعوب جميعاً وتتفاوض في ما بينها، في ما وراء حدود الدول التي تنزع إلى أن تخضع أكثر فأكثر في أجندتها الداخلية إلى النخب الحاكمة التي تتحكم بها وتستخدمها لخدمة مصالحها الفئوية وحدها.والبعد الثاني للمسؤولية السياسية المنتظرة من الحكومات الوطنية اليوم كي تحظى بالصدقية العالمية يتعلق بطبيعة السياسات والممارسات الإقليمية التي تظهرها النخب الحاكمة. وتنبع أهمية هذا البعد من أبعاد المسؤولية والتركيز عليه من حقيقة أنه لم يعد هناك أمل لدولة بتحقيق أهدافها الإنسانية داخل أراضيها، أي من تنمية الموارد المادية والمعنوية وتحسين شروط حياة الأفراد والجماعات، من خلال الاعتماد على مواردها الخاصة وحدها واستغلالها حتى لو حصل ذلك بأفضل السبل والوسائل. بل لم يعد يكفي لبلد أن يراهن على امتلاك موارد كبيرة، مادية وبشرية، حتى يضمن تقدمه ونموه. وربما أصبحت هذه الموارد، في بيئة مضطربة وغير مستقرة، سبباً في احتلاله أو خرابه وتفككه تحت سلطة نخب فاشية أو مافيوزية، كما برهن على ذلك بأقوى وجه مثال العراق الحديث والمعاصر. إن الإدارة الوطنية السليمة لأي بلد لم تعد تنفصل أو لم يعد من الممكن فصلها في السياق المعولم الذي نعيش فيه عن الإدارة الإقليمية السليمة. وبقدر ما يكون للدولة من مشاركة إيجابية في بناء إطار فعال وناجع للتعاون الإقليمي وبالتالي بقدر ما تساهم، من خلال سياساتها الإقليمية البناءة، في تحسبن فرص التنمية عند المجتمعات المحيطة بها وليس فقط داخل حدودها، تحظى بقدر أكبر من الصدقية وتزداد فرص حصولها على الشرعية العالمية. وهذا يعني أن من مصلحة النخب الحاكمة اليوم التفكير والعمل من أفق التفاهمات عبر الوطنية بدل التنافس والصراع لنيل حصة الأسد على حساب الشعوب الأخرى. ذلك أن وزن الدول وإشعاعها سيزدادان في المستقبل كما ستزداد شرعية النظم والنخب الحاكمة في أي بلد ومنطقة بقدر ما تظهر هذه الدول والنخب التي تحكمها قدرة على اقتراح مشاريع تعاون إيجابي والقيام بمبادرات بناءة لتجنب النزاعات الإقليمية ولتوسيع دائرة التفاهم والأمن والسلام الإقليميين. وبالعكس فإن الأنانية القومية أو الوطنية التي سادت في العقود الماضية وكانت معيار نجاح النخب في الصراع الدامي من أجل القيادة والسيادة وتسريع وتائر التقدم على حساب المجتمعات الأخرى سوف تظهر أكثر فأكثر كتعبير عن انعدام الشعور بالمسؤولية لدى النخب وعدم القدرة على تحمل تبعات الحكم ومهامه في منطقة من المناطق. وليس هناك منطقة شهدت مثل هذه الأنانية والتقوقع حول المصالح الوطنية الضيقة ورفض الانفتاح والتعاون والتكامل الإقليمي مثل ما شهدته المنطقة العربية التي بقيت خلال نصف القرن الماضي ساحة مفتوحة بالمطلق للتنافس على الزعامة والنراع على المناطق الحدودية والصراع على الموارد وتغليب المصالح الوطنية على المصالح الجماعية. أما البعد الثالث للمسؤولية السياسية التي نتحدث عنها في السياق الذي ذكرت فهو يشير إلى المقدرة التي تملكها قيادة سياسية أو نخبة حاكمة على الارتفاع فوق المصالح القومية الضيقة من أجل ضمان الاتساق والانسجام العالميين وتعزيز فرص وشروط الأمن والسلام الدوليين. وتفترض هذه المساهمة نشاطاً دبلوماسياً فعالا وحضوراً دولياً مستمراً كما تفترض مشاركة جدية وبذل جهد وتضحيات فعلية من أجل تحقيق القيم والأهداف العالمية المشتركة، وقبل ذلك المساهمة في بلورة هذه القيم والمبادئ التي لا يقوم من دونها مجتمع دولي موحد ومتفاعل ولا متحد إنساني سياسي متعاون ومتواصل. فليس لمجتمع اليوم، داخل المنظومة الدولية، وزن سياسي ولا معنوي إلا بقدر الجهود التي يبذلها للمساهمة في حل المشكلات الدولية. وهذا يتناقض بشكل قاطع مع سياسات الهيمنة الدولية والانفراد بالقرار العالمي كما يتناقض مع عقلية الاتكال والتبعية التي تميل إليها بعض الدول وما يرافقها من اعتماد منطق التسول على الولايات المتحدة وأوروبا للحصول على الدعم اللازم أو للحفاظ على الأمن والاستقرار أو للدفاع عن المصالح القومية والوطنية.

vendredi, octobre 15, 2004

إزمة النظم الشمولية

ندوة مشروع دراسات الديمقراطية
أكسفورد أغسطس 2004

طبعا أنا لا أتصور ان هناك أفقا واسعا للتحول الديمقراطي في المملكة العربية السعودية لكن سؤالي يتعلق بالآلية التي ترى أن من الممكن من خلالها دفع الوضع السعودي بل النظام السعودي إلى التغيير عبر تحولات سياسية بطيئة. الصورة التي في ذهني تفيد بان النظام السعودي يقوم بشكل رئيسي على ثلاث ركائز أساسية. الأبوية السائدة من حيث هي نظام من العلاقات التي تربط العائلة السعودية المالكة بالمناطق والأحياء وشيوخ العشائر، ومن حيث هي منظومة قيم سياسية مدنية تنظم علاقات الأفراد والجماعات فيما بينها بصرف النظر عن العشيرة السعودية. والركيزة الثانية هي الاقتصاد الريعي الذي يأتي هنا ليدعم نظام العلاقات الأبوية ويحوله إلى قاعدة لنظام حكم عن طريق ما أتاحه من إمكانيات مادية وسياسية كبيرة لبناء العلاقات الزبائنية بالتوزيع والرشوة والالحاق وكذلك من الموارد الضرورية لخلق طبقة ارستقراطية وطبقة وسطى أيضا مرتبطتين به. والركيزة الثالثة هي التحالف السعودي الأمريكي الذي ضمن للنظام التفاهم المستمر والتعاون مع المنظومة الصناعية وعلى رأسها الدولة العظمى الأمريكية والحصول على التغطية السياسية الفكرية الإعلامية والاستراتيجية التي يحتاج إليها من أجل معالجة التناقضات الداخلية وكبح جماح أي معارضة محتملة قبل أن تنمو وتزدهر. ولا شك أن هذا التفاهم ليس منفصلا أيضا عن وجود الاقتصاد الريعي بحيث يحق لنا القول إن ريع النفط الكبير قد ساهم مساهمة رئيسية في تعزيز إمكانيات استقرار واستمرار النظام الداخلية والخارجية.
لكن بالرغم من ذلك لاحظنا في السنتين السابقتين على الأقل ان النظام بدا وكأنه بدأ يشك في نفسه وقدرته على البقاء كما هو، وأخذ يقوم بالفعل بما يشير إلى الشروع في عملية تعديل بطيء في بنيته الخارجية أو السطحية. لقد تكلم السعوديون عن انتخابات بلدية وقاموا بتنظيم مؤتمر وطني وأظهروا رغبتهم في كبح جماح بعض التيارات الوهابية المتشددة حتى قبل 11 سبتمبر 20001. لكن في السنة الماضية يبدو لي وكأن هناك تراجعا غير معلن عن كل هذه الإجراءات التغييرية البسيطة واستعادة من قبل النظام للمبادرة، كما حصل في بعض البلدان الأخرى. سؤالي هو: هل ما حصل من تراجع ناجم عن أن الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي اعتمد النظام على ولائها حتى الآن، لكنها هي أيضا صاحبة المطالب بالتغيير نظرا لأنها الطبقة المتعلمة والمتأثرة أكثر بقيم السياسة الحديثة والطبقة التي أصبح لها موقع في النظام وتستطيع بالتالي التأثير، هل ما حصل ناجم عن أن هذه الطبقة شعرت أمام تطور حركات التطرف الديني وتوسع دائرة العمليات الارهابية داخل المملكة أن من الأفضل لها في الوقت الراهن التمسك بالنظام وعدم زعزعة استقراره لصالح بديل إسلامي متشدد أم هو ناجم عن أن الضغوط الأمريكية الكبيرة في اتجاه الاصلاح قد خفت أو عن الإثنين معا؟ ثم ألم يحصل داخل النظام أو في وسط الفئة الحاكمة السعودية أي خلخلة أو أي انقسام في الآراء؟ ليس المقصود بالضرورة انقسام العائلة المالكة ولكن تبيان في ما إذا كانت الأزمة التي فجرتها أحداث 11 سبتمبر قد دفعت إلى نشوء تيارات ووجهات نظر متباينة حول أساليب العمل المطلوبة للاحتفاظ بالسيطرة داخل المملكة ولإعادة إنتاج النظام. الواقع أنني لم أتبين في الحديث العوامل التي تفسر بالضبط كيف نجح النظام السعودي في ان يستعيد التوازن ويعطل كل عناصر الخلخلة التي أدخلتها الأزمة المتفجرة خلال السنتين الماضيتين سواء بسبب تطور مطالب الطبقة الوسطى السياسية أو بسبب الضغط الخارجي أو بسبب انفلات جزء من القاعدة الاسلامية.
6

-12 برهان غليون

أنا أريد في الحقيقة أن أقول، بسرعة، أن الأنظمة العربية سواء كانت تنتمي إلى نمط الاستبداد الأبوي أو إلى الفاشية الحديثة فهي تعيش جميعا في أزمة حقيقية. المشكلة التي تستحق التأمل والتفكير هي لماذا لا تترجم هذه الأزمة في بلداننا بنشوء حركة ديمقراطية قوية أو في تطور التيارات الديمقراطية التي لا تزال معزولة وضعيفة بالمطلق؟ لماذا تقود الأزمة بالعكس مما كنا ننتظر إلى مسار مختلف تماما هو مسار إعادة هيكلة الأنظمة الاستبدادية نفسها بالتفاهم مع الدول الأجنبية، وبالاستجابة إلى الشروط والطلبات التي تقدمها هذه الدول؟ باختصار لماذا تفشل الضغوط التي تمارسها المجتمعات على الأنظمة في انتزاع أي تنازلات في اتجاه فرض المزيد من الحريات واحترام القانون وضبط الإدارة وإصلاحها في الوقت الذي تثمر فيه الضغوط الخارجية استسلامات متتالية تعبر عنها الأنظمة بالتجاوب السريع مع مطالب الدول الكبرى بل وانخراطها في استراتيجياتها من دون شروط مسبقة؟
الجواب هو أنه كي يمكن للضغوط الداخلية أن تثمر تنازلات في ميدان الحقوق والحريات والاعتراف باستقلالية المجتمع وبجزء من سيادته ينبغي أن تتمتع القوى الاجتماعية والسياسية الضاغطة بالحد الأدنى من الوزن والصدقية الشعبية، أي ينبغي أن تكون لديها القدرة أيضا، مثل القوى الخارجية، على زعزعة استقرار أو التهديد بزعزعة استقرار النظام. في هذه الحالة وحدها تشعر الطبقة الحاكمة أن لها مصلحة في فتح مفاوضات مع القوى الداخلية تماما كما تطالب حالما ترفع الدول الكبرى عصاها بفتح مفاوضات معها وتدعو لحوار سلمي ولتجنب اللجوء إلى القوة. وهي ستظل ترفض مبدأ الحوار في الداخل وتصر على مبدأ استخدام القوة المجسد بإطلاق يد أجهزة الأمن من دون التزام بقانون ولا بدستور طالما شعرت بأن قوى المعارضة لا تستطيع أن تهز استقرار نظامها ولا تهدد سلطتها. وهذا يعني أنه كي يحصل حوار جدي بين المعارضة والحركة الديمقراطية من جهة والأنظمة القائمة من جهة أخرى وبالتالي كي يزيد أمل المجتمع في تحقيق تنازلات تدريجية تشكل أساس الانتقال السلمي نحو وضع أكثر ديمقراطية، لا بد أن تنجح القوى الديمقراطية مسبقا في تعبئة الرأي العام وتكوين قوة تدخل حقيقية في الحياة السياسية والاجتماعية. أما في الظروف الراهنة ونظرا لضعف القوى المعارضة الموجودة فمن السهل على الأنظمة تجنب التفاوض والحوار الداخلي لأن ذلك لا يكلفها كثيرا على المدى القصير على الأقل, وهي تربح أكثر من التفاوض مع الولايات المتحدة والدول الكبرى على مصالح المجتمعات من ربحها عبر التفاوض مع هذه المجتمعات لتقي نفسها من الضغوط الأمريكية. كما أن الولايات المتحدة والدول الكبرى تدرك أيضا أن التفاوض مع حكومات أقلية لا شعبية تضمن لها مصالح لا يمكن أن تحلم بها في التفاوض مع حكومات حقيقة تمثيلية.
من هنا أنتقل إلى المشكلة الرئيسية. فالسؤال في نظري لا يتعلق بما إذا كانت هذه الأنظمة مستبدة أم لا ولا بما إذا كانت ستبقى أو ستزول. فهي ستزول لا محالة في يوم ما لأنها ليست مخلدة. إنما السؤال الحقيقي هو : لماذا لم تنجح المجتمعات العربية حتى الآن في أن تفرز من داخلها قوى على درجة من الوعي والتماسك والانتشار تمكنها من حمل المشروع الديمقراطي الذي نتحدث عنه وفرضه بالوسائل السلمية أو غير السلمية. بمعنى آخر ما الذي يفسر افتقار المجتمعات إلى القوى الاجتماعية الفاعلة التي يمكن المراهنة عليها من أجل دفع الأنظمة إلى مسار إعادة الهيكلة في اتجاه ديمقراطي ومكنها بالعكس من الاطمئنان إلى أن بإمكانها التوجه من دون أن تخشى شيئا نحو إعادة الهيكلة في اتجاه تجديد العقد الاستعماري الجديد أو الوصاية الأجنبية والتفاهم بين النخب المحلية والنظام العالمي؟ ومن الواضح، وأنا هنا أختلف مع أولئك الذين يعتقدون أن الأنظمة جامدة لا تتحرك, أن هذا النوع من الهيكلة هو الذي نشهد انتشار نموذجه اليوم من مشرق العالم العربي إلى مغربه. وهنا هو الذي يدفعني إلى الاعتقاد بأن ما نعيشه اليوم في البلاد العربية ليس مرحلة انتقال نحو الديمقراطية والتغيير الديمقراطي التدريجي والبطيء ولكن بالعكس مرحلة انتقال نحو نمط جديد من النظم الديكتاتورية المافيوزية التي تجمع بين التبعية والأحكام اللاقانونية، بين اقتصاد السوق المشوه وسلطة الأجهزة الأمنية التعسفية، بين الانفلات الاقتصادي واستباحة حقوق الجماعات معا، وهي مرحلة الربط المتزايد بين الأجندة المحلية التي لم يعد فيها من الوطنية شيء والأجندة الدولية.
هذا ما يدفعني إلى لفت الانتباه والتركيز على ما أعتقد أنه المسألة الحاسمة في أي تحول ديمقراطي عربي في المستقبل المنظور، وهو موضوع بناء الحركة الديمقراطية. وفي هذه الحالة ينبغي السعي إلى الإجابة العقلانية على السؤال : كيف يمكن ان تتحول الحركة الديمقراطية التي لا تزال تقتصر على بعض النخب المثقفة إلى حركة جماهيرية تشارك فيها وتنخرط في صفوفها قوى اجتماعية فعلية وذات وزن مثل الطبقات الوسطى التي مازالت بعيدة كثيرا عن السياسة، أو حتى بعض القطاعات الشعبية المتنورة وبعض قوى الرأسمالية الوطنية؟ هذا هو التحدي الحقيقي للعاملين في السياسة العربية على مدى السنوات القليلة القادمة.
طبعا نحن هنا في ندوة علمية وليس هذا مجال نقاشنا. لكن أعتقد أن هذا التحدي يواجه وسوف يواجه بشكل أكبر جميع الأحزاب السياسية العربية سواء أكانت علمانية أم إسلامية. وأنا أعتقد أن الأحزاب الاسلامية نفسها أصبحت معزولة عن الجمهور العريض أو بالأحرى عن الكتل الاجتماعية الكبيرة. صحيح أن لديها منتمين أكثر وصحيح أن الجمهور العربي أصبح بشكل عام أكثر التزاما بالقيم الدينية، لكن لا يعني هذا أنه مؤيد لبرامج الأحزاب الاسلامية السياسية كما لا يعني أن هذه الأحزاب لا تزال تتمتع بشعبية كبيرة كما كان الأمر في الماضي. لقد نجحت الأنظمة في اعتقادي في العقدين الماضيين في تحطيم هياكل الحركات الاسلامية وكسر شبكات القوة والتواصل التي كانت تستند إليها داخل العديد من الأوساط الاجتماعية كما نجحت في عزل الحركات العلمانية وابعاد الجمهور عنها بالتهديد والترغيب معا. وهي تجد نفسها اليوم عن حق طليقة اليدين وغير خاضعة لأي ضغط داخلي قوي في مفاوضاتها مع الدول الكبرى من أجل ما تسميه هي نفسها صفقة جديدة، وهو لا يعني إلا إعادة بناء العقد الاستعماري على أسس أكثر خنوعا من العقد الذي وقعته بعد الاستقلالات السطحية والفارغة.
وفي النتيجة أعتقد أن الأهم اليوم من أجل ضمان فرص التحول الديمقراطي في المستقبل، وبالتحول الديمقراطي نحن نعني دائما إعادة السلطة والسيادة المصادرتين من قبل النخب الحاكمة إلى الشعب، هو مراجعة القوى السياسية الديمقراطية التي لم تتبلور تماما إلى الآن ولم تبلور أي برنامج واضح ومقنع، لنفسها، أي لحساباتها وتكتيكاتها واستراتيجياتها، كي تستطيع استعادة جزء من المبادرة السياسية والتحول إلى فاعل حقيقي في الحياة العامة للمجتمعات العربية.
لا شك أن النخب العربية الجديدة النقدية قد نجحت في أن تجعل من الديمقراطية عقيدة سائدة ليس هناك ما يمكن أن ينافسها اليوم لا داخل السلطة ولا في وسط الجمهور. وحتى القوى الاسلامية الجماهيرية مضطرة اليوم إلى إعادة فرز نفسها على أساس الموقف من الديمقراطية إذا لم تشأ أن تضيع رهاناتها جميعا. لكن التحول الديمقراطي ليس مسألة فكرية. إنه مسألة عملية بالدرجة الأول، أي هو فعل مرتبط بصحة الاستراتيجيات والتكتيكات التي يتبعها الفاعلون المؤمنون بالديمقراطية وبحجم التضحيات التي هم مستعدون لتقديمها في سبيل تحقيق أهدافهم. وأعتقد أن مسألة الفعل هذه من المسائل الرئيسية التي ينبغي علينا أن نركز عليها ونوجه إليها الأضواء في المستقبل القريب: أعني مسألة كيف نبني الحركة الديمقراطية والعمل الديمقراطي من حيث هو فعل وممارسة سياسيين وما هو دليل هذا العمل وليس من حيث هو رؤية نظرية ومنظومة قيم فحسب.

dimanche, octobre 03, 2004

من هنا يبدأ الإصلاح

الجزيرة نت

يثير الإخفاق التاريخي الجديد للعالم العربي في مواجهة حرب التطهير العرقية الإسرائيلية في فلسطين تساؤلات عميقة لدى النخبة المثقفة والرأي العام عموما. ويكاد الاتجاه الغالب ينحو نحو اتهام الذات والتشكيك الجماعي بقدرة الشعوب العربية كشعوب على تجاوز نقائصها, وتحقيق منجزات إيجابية تنسجم مع متطلبات مواجهة التحديات العالمية والإقليمية الجديدة. ويقود هذا النزوع لاتهام الذات الذي يعكس فقدان الثقة وانهيار الإيمان بالنفس إلى تفسيرات مغرقة في الذاتية المحضة, تعمل هي نفسها على زيادة التخبط الفكري والسياسي وإعادة إنتاج بنيات وهياكل الحكم ذاتها والتي كانت ولا تزال مسؤولة عن الخراب والدمار السياسي والمعنوي للعالم العربي.
وبدلا من تطوير نقد ذاتي موضوعي يفسر النتائج بعللها المنطقية ويحدد المسؤوليات بصورة دقيقة وعينية, يميل الرأي العام العربي -المثقف والشعبي- تارة إلى تحميل الثقافة والتاريخ والتخلف وغياب العقلانية العربية المسؤولية الرئيسية عن إخفاق السياسات القومية, وتارة إلى الإرادة العدوانية الأجنبية, وتارة أخرى إلى العولمة التي تبدو في نظر العديد ممن يتحدث فيها بالشارع العربي كما لو كانت فاعلا قائما بذاته أو غولا جديدا, يستعصي على التعريف ويعمل في العلن والسر على تقويض أساسات الأمم والشعوب جميعا ليجعلها لقمة سائغة في فم الأسد الأميركي الكاسر.
”الإدارة العقلانية للموارد والتنظيم الصالح للأفراد والسياسة العقلانية للمجتمعات تساعد على تنمية الثروة العامة وتفجير ينابيع الإلهام والعطاء والبذل التي تزيد من فرص التقدم والارتقاء. وبالعكس تعمل الإدارة الفاسدة على هدر الموارد وقتل المواهب وتهريب الكفاءات الحقيقية ومن ثم تدمير فرص التقدم والنمو”وتستغل بعض التيارات العربية الحاكمة هذا الضياع الفكري الذي تغذيه بيئة ثقافية قائمة على الحرمان من النقاش الوطني العلني وطمس العيوب والمشاكل الخطيرة ومحاربة الفكر النقدي والعقلاني واحتكار الأدوات الإعلامية جميعا من قبل مفكري السلطة أو دعاتها, للتغطية على مسؤولياتها الخاصة وتعميم الشعور المتزايد اليوم في مواجهة الغرب بأن العالم العربي جميعا -بما فيه من حكومات وجمهور وطبقات ومثقفين- هو ضحية السياسات الدولية. وبذلك تأمل الكثير من النظم التي تعرضت إلى أعنف حملة تجريح في السنتين الماضيتين في أن تجنب نفسها المساءلة الموضوعية.
والحال أنه لا ينبغي لنا أن نكف عن تكرار أن النتائج الضعيفة -إن لم نقل السلبية- للمجتمعات العربية في العقود الأخيرة والتي أدت إلى التدهور الخطير في الموقف الإستراتيجي للعالم العربي ليست منفصلة عن طبيعة النظم التي عرفتها. فمصير الشعوب معلق مهما كانت ثقافتها الأصلية أو طبيعة التحديات الخارجية, بأساليب إدارتها وتنظيمها وقيادتها السياسية. والإدارة العقلانية للموارد والتنظيم الصالح للأفراد والسياسة العقلانية للمجتمعات تساعد على تنمية الثروة العامة وتفجير ينابيع الإلهام والعطاء والبذل التي تزيد من فرص التقدم والارتقاء. وبالعكس تعمل الإدارة الفاسدة والتنظيم الرديء وسياسة كرش المجتمعات كما يكرش قطيع الماعز أو الماشية على هدر الموارد وقتل المواهب, وكذلك تهريب الكفاءات الحقيقية وتعظيم حجم ونفوذ الفئة الوصولية ومن ثم تدمير فرص التقدم والنمو.
ولم تصل المجتمعات المتقدمة إلى ما وصلت إليه إلا بفضل مؤسساتها وقوانينها وقواعد عملها وأساليب ممارسة السلطة السياسية والاجتماعية الديمقراطية فيها, لا بسبب العصا الغليظة التي كان يستخدمها قادتها لسوقها كالقطعان ولا بفضل الجزرة أو الرشوة التي كانوا يقدمونها على سبيل الإغراء لكسب تأييد أصحاب النفوس الضعيفة أو لإضعاف نفوس الناس جميعا.
”لم تصل المجتمعات المتقدمة إلى ما وصلت إليه إلا بفضل مؤسساتها وقوانينها وقواعد عملها وأساليب ممارسة السلطة السياسية والاجتماعية الديمقراطية فيها ”لا بد لنا أن ندرك في الحقيقة أن ما نعيشه اليوم من أوضاع هو من إنتاج مؤسساتنا وفي مقدمها نموذج الحكم وممارسة السلطة, وأن هذه المؤسسات هي نفسها ثمرة اختيارات سياسية سواء أكان ذلك في الاقتصاد أو المجتمع أو التعليم والتربية أو في التكوين والتأهيل الفكري والديني، وأن أصل هذه الاختيارات السلبية أو على الأقل غير الموفقة هو المصالح الخاصة التي ارتبطت بطبقة لم تقم سلطتها لا على مؤهلات سياسية ولا خبرة تقنية ولا مواهب استثنائية ولا قيم أخلاقية, ولكن على تحكمها العرضي بالقوة واقتناصها فرص اهتزاز توازن المجتمعات العربية في حقبة انتقالية وتزايد الضغوط والاعتداءات الخارجية. ومن غير الممكن المحافظة على هذه المصالح غير المرتبطة بأي دور منتج وغير المبررة أخلاقيا إلا بتجميد أي شكل من أشكال المنافسة الاجتماعية النزيهة والشرعية, وتحييد بل خنق كل عناصر القوة الأخلاقية والإنتاجية الإيجابية في المجتمعات العربية.
ويزداد اليوم نزوع النظم العربية للجمود والانكفاء على شعارات الاستمرار والاستقرار والعبث بالقوانين والقيم الأخلاقية والقواعد الاجتماعية, بقدر ما تنكشف أزمة الشرعية ويتجلى انعدام الصدقية. والواقع أنه لا مهرب للنخب الحاكمة في تبرير النتائج الهزيلة التي حصلنا عليها في العقود الماضية في جميع الميادين من الاختيار بين فرضيتين:
إما أن نظام الحكم والإدارة الذي أقامته كان صالحا ولا يزال لكن المجتمع على درجة من القصور الولادي لا ينفع معه أي إصلاح, ولن تنفع فيه أي جهود إصلاحية. وهذا يعني أن علينا أن نسلم بأن مجتمعنا أو إنساننا -بعكس جميع البشر الآخرين- منقوص الإنسانية, وأنه يعاني من عاهات أخفق نظام الحكم والإدارة بعد نصف قرن من الاستقلال ومن الحكم المطلق والسيطرة الشاملة على القرار والموارد معا في إيجاد علاج لها, بل في فهم أسبابها. وفي هذه الحالة ينبغي استبدال المجتمع بغيره ليتوافق مع النظام.
أو أن نظام الحكم والإدارة أي سياسات النظم واختياراتها الثقافية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية لم تكن مناسبة, وما كان بإمكانها إذن أن تساعد المجتمع على الترقي والتقدم وتجاوز نقائصه الذاتية. وفي هذه الحالة ينبغي التفكير في نظام أصلح والعمل عليه. ولا يمكن رفض كلتا الفرضيتين, لأن ذلك يعني إلغاء التفكير العقلي بالشؤون الاجتماعية والتهرب من المسؤولية, أو الاستهانة بالوعي السياسي عند الحاكمين والمحكومين أو معاملتهم كقاصرين عقليا والتخلي عن مبدأ المحاسبة الجماعية والوطنية. وهذا يقود لا محالة إلى الأخذ بمبدأ عبثية السياسة ولا مسؤوليتها, وإغلاق كل أفق التفكير في الماضي والمستقبل معا.
والقصد التذكير بأن تاريخ المجتمعات تصنعه المجتمعات نفسها، والمسؤول في كل مرة عن هذا الصنع هو النخب التي تتولى مناصب المسؤولية وتتحكم بتوزيع الموارد والاستثمارات المادية والمعنوية وتتخذ القرارات السياسية والإدارية وتتابع تنفيذها. وعندما نتحدث عن مسؤولية فنحن نتحدث عن نشاط واختيارات واعية وسياسات مطبقة من قبل بشر لديهم وعي وإرادة ورؤية، ولا نتحدث عن مسؤولية عندما يتعلق الأمر ببنيات قبلية أو نقص في الموارد أو كوارث طبيعية.
في المجتمع العربي نقائص من دون شك, لكن على قياداته السياسية والفكرية والاقتصادية والإدارية تقع مسؤولية تطوير السياسات وإيجاد المناهج والأساليب والوسائل التي تساعده على إصلاح هذه النقائص وتجاوزها. وعندما لا يحصل ذلك فالمسؤولية تقع بالضرورة على القيادات, لا على طبيعة الأرض والتربة أو التحديات الخارجية أو لون شعر البشر أو جلدهم أو حظوظهم العاثرة.
بالتأكيد لا تعمل السياسة في إطار مجتمع مثالي لا عندنا ولا عند غيرنا، فالمجتمعات لا تولد كاملة ومكملة, فلديها جميعا تناقضاتها ونقائصها ومشاكلها الداخلية والإكراهات الخارجية الكثيرة. ولذلك فهي بحاجة دائما للتحسين والتطوير والتغيير والتجديد, وذلك من خلال تجديد رؤاها ومؤسساتها ووسائل تنظيمها الإدارية والقانونية.
”إن النخب الحاكمة ليست هي المسؤولة حصرا عن كل ما حصل, فهي في تكوينها وتأهيلها وسلوكها ثمرة هذا المجتمع ومكثف نقائصه وقيمه السلبية من أنانية وفردية وعصبوية ومحسوبية وتنكر للذات وغياب الرؤية الجمعية وروح المسؤولية ”فتأكيدنا على المسؤولية الأساسية التي تقع على عاتق النخب الاجتماعية والسياسية لا ينبغي أن يمنعنا من تأكيد مسؤولية المجتمع كإرادة جمعية, وذلك بالقدر الذي يمكن فيه الحديث عن وعي اجتماعي أو سلوك اجتماعي مختار. فليس هناك شك في أن المجتمع لم يتصرف أو ينجح أن يتصرف عندنا كقوة منظمة وفاعلة قادرة على أن توقف النخب التي صادرت إرادته عند حدها ليمنع تدهور الموقف. وبهذا المعنى يمكن أن نقول إن النخب الحاكمة ليست هي المسؤولة حصرا عن كل ما حصل, وإنها ليست هي ذاتها في تكوينها وتأهيلها وسلوكها سوى ثمرة هذا المجتمع ومكثف نقائصه وقيمه السلبية من أنانية وفردية وعصبوية ومحسوبية وتنكر للذات وغياب الرؤية الجمعية وروح المسؤولية, أقصد مجتمع ما بعد الاستقلال الذي تكون منذ خمسين سنة بطبقاته المختلفة وأحزابه المتعددة.
فالتيار القوموي الذي سير هذا المجتمع الاستقلالي وألهمه لا يختلف عن العديد من تيارات الفكر العالمي الشيوعي الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مسائل الثقافة والفكر ومسائل التربية والبناء الأخلاقي بما ينبغي من الاعتبار, وعن العديد من تيارات الفكر الليبرالي المنفعي الضيق الأفق والمتمسك بالتبعية والاقتداء, وكذلك عن تيارات الفكر الأصولي المتطرفة التي لا تريد النظر في إصلاح الواقع التاريخي والحضاري القائم, ولكنها تبحث عن واقع حضاري وتاريخي بديل ينفي ما هو موجود ولا تهتم إلا بإنكاره وتشويه صورته. كل هؤلاء يشاركون في هذه المسؤولية.
”إن الأساس العميق للمحنة التي نعرفها هو نقائص لا شك فيها في تكوين مجتمعاتنا المدنية ”لكننا في هذه الحالة ننتقل من مستوى المسؤولية السياسية إلى مستوى المسؤولية الاجتماعية الفكرية والثقافية، فلا شك أن هناك علاقة مباشرة بين الفكر السائد بشتى صوره الشمولية والتبعية والارتدادية التي تعاني من فصام حقيقي مع الواقع الحي والتاريخي من جهة, ونظام الحكم المطلق والإدارة البيروقراطية الآلية من جهة ثانية. فكل منهما يحتاج الى الآخر حتى يعيد إنتاج نفسه ويستمر. ونستطيع قول الشيء نفسه عن أثر البنيات الثقافية العشائرية والعائلية وأنماط التدين التقليدية.
لكن السلطة بما تملكه من هيمنة على التفاعلات الاجتماعية, هي التي تشكل الضامن أو الكفيل الشرعي أو غير الشرعي لإعادة التوازنات الفكرية والمادية القائمة. ومن دون تغيير قواعد ممارسة السلطة داخل الدولة والإدارة والجمعية الأهلية والمصنع ومؤسسة الإنتاج وداخل الأسرة نفسها وداخل الفرد تجاه نفسه وما يتميز به من خنوع للأوهام والهلوسات والرغائب الأكثر تناقضا, ليس هناك أي أمل في أي تغيير جدي وبالتالي في المستقبل.
فلا يمكن لنظام التلقين وعبادة الشخصية, والهوس بالشعارات الجوفاء والمعاقبة على التعبير عن الرأي, والمراقبة على الضمير وفرض معتقدات إكراهية تجبر الأفراد على الغش والكذب واتباع سلوك مزدوج ولا أخلاقي, وغياب معنى التحكم بالنفس, أن يقود إلى شيء آخر سوى حكم القوة والعنف والعسف والاستبداد. ومن وراء ذلك، وخلف المظاهر الشكلية للاستقرار والاستمرار لا ينبغي أن نتوقع شيئا سوى تفاقم الفوضى والاضطراب وتواصل الخراب.
”إن نقائص المجتمع وضعف تكوين الأفراد وتساهلهم أمام الإغراءات والخروقات وخوفهم وكرههم للتضحية لا تخفف من مسؤولية نظام الحكم والإدارة في شيء، فمهمة القيادة السياسية ومبرر وجودها تنحصر في مساعدة المجتمعات على التخلص من عيوبها وتحقيق التقدم ماديا وإنسانيا”
باختصار فإن الأساس العميق للمحنة التي نعرفها هو نقائص لا شك فيها في تكوين مجتمعاتنا المدنية, لكن لا يمكن للنقائص الطبيعية أن تبرر أو تفسر الإخفاق. إن نقائص المجتمع وضعف تكوين الأفراد وتساهلهم أمام الإغراءات والخروقات وخوفهم وكرههم للتضحية لا تخفف من مسؤولية نظام الحكم والإدارة في شيء.
فمهمة القيادة السياسية ومبرر وجودها هو مساعدة المجتمعات على التخلص من عيوبها وتحقيق التقدم ماديا وإنسانيا. ولم تتطور أنماط التنظيم والإدارة والحكم في العالم إلا بسبب وجود نخب كان همها بناء مؤسسات تساعد مجتمعاتها على تحسين شروط عملها وعيشها, ومضاعفة فعاليتها ومردود نشاطها وتعظيم رقيها الفكري والأخلاقي ومن ثم دورها في الحضارة. فإذا افتقرت هذه القيادة للقيم والمؤهلات وانعدم لديها أي التزام أو جهد وغرقت في الفساد, لم يعد هناك أمل ولا رجاء للمجتمعات. ولعلنا نضع هنا إصبعنا بالضبط على مكمن العطب في الوضع العربي ومنطلق العمل الجدي والإصلاح.