mardi, février 17, 2015

حوار مع "أنا برس": لن تنتهي الحرب إلا باتفاق الأطراف الخارجية



الفرقاء السوريون يعملون اليوم بشكل أكبر ضمن تحالفات إقليمية ودولية. الثورة السورية أراد لها الإيرانيون أن تكون انتقاما تاريخيا للفرس من العرب وللشيعة من السنة أوباما لن...
ANA.FM|PAR RADIO ANA

*بداية، السؤال الذي يدور بذهن كل عربي وسوري على وجه التحديد.. أين ومتى الحل تحديدًا لتلك الأزمة المُستمرة منذ 4 أعوام؟.. بيد من ذلك الحل؟.. وهل نُعول على التفاهمات والتداعيات الإقليمية وتغير المواقف؟
غليون :
هذا هو السؤال الأول الذي يطرحه كل سوري وأود أن يعرف كل سوري أن الإجابة عليه متوقفة على السوريين انفسهم أكثر من أي طرف آخر، سواء ما تعلق منها بالتفاهم الوطني في وجه إرادة الاحتلال أو من أجل بلورة رؤية سياسية وعهد وطني جديد.
فالحرب السورية أو على الأراضي السورية أصبحت متعددة الأبعاد، محلية وإقليمية ودولية. ولكل حرب رهاناتها وكلها متداخلة في ما بينها. والفرقاء السوريون يعملون اليوم بشكل أكبر ضمن تحالفات إقليمية ودولية. لن تنتهي الحرب من دون حصول تفاهم أو اتفاق بين الأطراف الخارجية، لكن يمكن للسوريين أن يلعبوا دورا كبيرا في تقصير أمد الحرب والمعاناة إذا نجحوا في توسيع هامش مبادرتهم كسوريين في هذا الصراع بحيث يكون لهم كلمة قوية إن لم تكن الكلمة الأولى في تقرير مصير بلادنا وفي الحرب والسلام، وهذا يستدعي العمل على محورين :
أولا تعزيز قدراتنا السورية الخاصة وشرطه توحيد جبهة المعارضة المسلحة والسياسية من خلال توحيد صفوفها وتنظيمها وتدريبها لتتحول إلى طرف قوي قادر على الوقوف في مواجهة تحالف الأسد القائم على رهن البلاد للاجنبي والعمل على هامش قوى الحرس الثوري الايراني وحزب الله والميليشيات الطائفية الأخرى العراقية والأفغانية والباكستانية وغيرها،
وثانيا العمل السياسي على عزل فريق الأسد المتآمر مع طهران على سورية وحقوق الشعب السوري واستعادة روح الألفة والتفاهم والتضامن الوطني السوري الجامع لكل السوريين.
بذلك نستطيع أن نضغط على الأطراف الأجنبية الأخرى ونفرض عليها أجندتنا الوطنية السورية والتفاهم معنا بدل التفاهم علينا ومن وراء ظهرنا بين بعضها البعض. وإذا نجحنا في ذلك يمكن أن نتقدم بسرعة نحو الحل والخروج من النفق المظلم الذي وضعنا فيه تناسل الحروب المحلية والإقليمية والدولية.
هذا يعني : نحن الأصل ومن عندنا يبدأ الحل. وغيابنا عن قضيتنا وانقسامنا على أنفسنا هو الذي يطيل أمد الحرب ويدخل كل يوم عناصر وقوى وميليشيات جديدة فيها.
من دون ذلك لن يكون هناك أمل في ايجاد أي تفاهم بين القوى الأجنبية المتنازعة علينا، والتي تنظر إلينا كفريسة فحسب.

*أين واشنطن من المعادلة –بوجهة نظرك- وهل تركت الساحة للروس للعب دور ما، بينما هي تتفرغ لملف "داعش".. وما مدى إمكانية قيامها حاليًا أو مستقبلًا بالتنسيق مع النظام في هذا الإطار؟
غليون :
لم تكن سورية في أي حقبة ماضية مركز اهتمام واشنطن. كانت دائما تعتبر في الصف المقابل، حتى بعد زوال الاتحاد السوفييتي، وتغير ايديولوجية النظام البعثي، وسيطرة المافيا المالية الأمنية على مقاليد الأمور في دمشق بشكل نهائي وكامل منذ استلام بشار الأسد السلطة. وعندما اندلعت الثورة ضمن ثورات الربيع العربي لم تكن إدارة أوباما معنية بأي شكل من أشكال الحرب الباردة أو التنافس على النفوذ مع أي قوة دولية أخرى، لا في الشرق الأوسط ولا في العالم. كانت تفكر فقط بإعادة ترتيب أوضاع الولايات المتحدة المالية والاقتصادية والاجتماعية المتهاوية بعد سلسلة من الازمات العميقة والإخفاقات العسكرية المتتالية.
ايدت واشنطن الثورة مثل ما أيدت سياسيا الثورات العربية الأخرى، لكنها لم تلتزم بدعمها. وأمام تصاعد حدة الصراع اضطر أوباما مثله مثل العديد من القادة الأوروبيين الذين يجعلون من الديمقراطية الغطاء الأخلاقي لسياستهم الداخلية والخارجية، من حدة ادانته للنظام بسبب العنف الأعمى الذي قابل به الأسد المتظاهرين السلميين، وفي تصريحات لاحقة استخدم عبارة تنحي الأسد كنوع من تشديد الضغط عليه. لكن الإدارة الأمريكية لم تفكر لحظة في تبني الثورة السورية أو دعمها بهدف تمكينها من الانتصار.
بالمقابل قفز الروس الذين لم ينسوا تهميشهم في العقدين الماضيين من قبل الغرب، كما ظهر ذلك بشكل واضح في العراق وفي ليبيا، وبتشجيع من الايرانيين الذين قرروا دعم الأسد حتى النهاية بالمال والسلاح والرجال للمحافظة على مشروعهم للهيمنة الإقليمية الذي لم يخفوه يوما، على هذه الفرصة الثمينة، واعتبروا إفشال الثورة السورية إفشالا للسياسة الغربية في العالم، من دون أي اعتبار لمستقبل الدولة السورية ومصير شعبها وأهلها وعواقب تدميرها على المنطقة كلها. وأمام هذا الهجوم الروسي الايراني في سورية لم يحرك الأمريكيون ساكنا، وما أرادوا أن يدخلوا في أي حرب باردة فما بالك بالحرب الساخنة، ولا تزال هذه هي سياستهم. أي أنهم قبلوا، هم أيضا، مثل روسيا، التضحية بسورية وشعبها وليس بثورتها فحسب، حتى يتجنبوا خوض مواجهة دولية قرر الروس خوضها، ما دامت على حساب السوريين الموالين وحلفائهم وبتمويل ايراني خالص.
بكل بساطة هرب الأمريكيون من المعركة التي أراد لها الروس والايرانيون أن تكون تحديا كبيرا للإدارة الامريكية، وتركوا السوريين وعرب المشرق المكشوفين كليا فريسة للحرب الايرانية المغطاة سياسيا ودوليا من قبل روسيا. وكانت النتيجة كما نرى اليوم : استمرت الحرب وطال أمدها وتعقد مسارها. من جهة اظهر السوريون مقاومة لا تنفذ لإرادة فرض الايرانيين وجود النظام بالقوة، واستمروا في القتال، وفشل النظام ومن ورائه طهران في حسم الحرب لصالح بقاء الأسد، وفي المقابل لم يساعد تشتت الدعم العربي، وبشكل خاص الخليجي، للثوار على قيام جيش تحرير منظم قادر على الامساك الدائم بالأراضي المحررة، وإدارة شؤونها بشكل مقبول، فبقيت تعيش في حالة من التمزق والفوضى. وجذبت الساحة السورية المفتوحة على كل الحروب منظمة القاعدة المتطرفة لبناء جبهتها الخاصة في البلاد، وتحولت الحرب من معركة سياسية يخوضها شعب عانى الأمرين من ديكتاتورية همجية ودموية مديدة، إلى حروب متعددة، في إطار حرب طائفية ومذهبية أراد لها قادة ايران المتمذهبون أن تكون انتقاما تاريخيا للفرس من العرب وللشيعة من السنة.
أمام هذا الوضع المعقد تضاءل اهتمام الإدارة الأمريكية الحالية بسورية وثورة السوريين بشكل أكبر. وهذا ما أظهره تراجع الرئيس أوباما في كل مرة عن تهديداته ووعيده، كما حصل مع الخط الاحمر المرتبط باستخدام السلاح الكيماوي من قبل النظام، ثم في ما بعد في الضغط لتطبيق قرارات مجلس الامن المتعلقة بوقف حصار التجويع والقصف بالبراميل العمياء.
تحت ضغط التيارات السياسية الجمهورية المسيطرة في الكونغرس والخائفة على مكانة أمريكا القيادية في العالم وسمعتها، وأمام استغاثات حلفاء أمريكا الإقليميين وقلق الدول الأوروبية، اضطر الرئيس أوباما للخروج على قراره بعدم التورط بأي شكل في الحرب السورية، وقبل بإرسال مستشارين أمريكيين وطائرات لقصف داعش والقوى المتطرفة الاسلامية. لكن مع الحرص البالغ على أن يؤكد أن حرب داعش لا علاقة له بالحرب السورية. ولا يزال الخلاف الرئيسي بين إدارة أوباما والقوى العربية والأوروبية القلقة من استمرار الحرب في سورية يتعلق بالضبط بتحديد أهداف التدخل الجوي الامريكي، وقصره على داعش أو إدخال مهمة دفع النظام السوري إلى تغيير سياساته إليه.
لكن من جهة ثانية، لا أعتقد أن أوباما يستطيع أن يتحمل فضيحة التنسيق مع الأسد، ولا حتى أن يفكر في ذلك. الأسد جثة متفسخة لا مكان لها اليوم من الاعراب في أي سياسة أو اتفاق إقليمي أو دولي، وتستخدم من قبل الروس والايرانيين بشكل خاص للتغطية على مشروع السيطرة والاحتلال لسورية بانتظار المساومات القادمة. إنما لا يوجد شك في أن هناك تنسيقا بين واشنطن والعراق الذي يرسل ميليشياته المذهبية القاتلة إلى سورية لدعم الأسد، وتنسيقا أكبر مع طهران التي تتطلع إلى أن تكون الشريك الرئيسي لواشنطن في الهيمنة على شؤون المشرق كله بعد توقيع الاتفاق النووي مع الخمس الكبار.
ومع ذلك، ليست هذه هي المشكلة وإنما هي مجرد استطالات لها. المشكلة هي أن إدارة أوباما تخلت عن سورية لروسيا وايران، أو بالأحرى لا تزال تعتبر أنها لا التزامات عليها تجاه الشعب السوري حتى لو اقرت ببعض الالتزامات في الحرب ضد الارهاب العالمي. ربما لا يوجد تواطؤ بمعنى التفاهم الضمني أو الرسمي مع موسكو وطهران على قتل السوريين وإحباط مشروعهم التحرري، ولكن توجد جريمة أكبر منه، هي عدم مد يد المساعدة لشعب يتعرض لحملة تطهير مذهبي ولخطر الإبادة الجماعية من قبل تحالف إقليمي ودولي واسع، وفي تحدي سافر لميثاق الأمم المتحدة ومعاهدات الحرب وحقوق الانسان وكافة القيم والمباديء والأخلاق الانسانية.

*وكيف تُقيّم الجهود الحالية:
-المصرية (حوار القاهرة) وبيانه المتضمن 10 نقاط رئيسية.
-الروسية (مباحثات موسكو).
-المبعوث الأممي ستيفان دي مستورا.
غليون :
من إدراكهم أن الأمريكيين تركوا المبادرة العسكرية لهم ولحليفتهم ايران في سورية، حاول الروس أن يستغلوا تشتت المعارضة وتخبط الائتلاف الوطني في حقبة سابقة لينتزعوا المبادرة السياسية ويحضروا شروط تفاهم يضمن للأسد ونظامه البقاء في السلطة لقاء مشاركة بعض الشخصيات المحسوبة على المعارضة، أو التي أفرزها النظام سابقا لتجلس في مقاعد المعارضة بانتظار هذه المناسبة، في حكومة وحدة وطنية. وبالرغم من إفشال المعارضة لهذه المبادرة إلا أن موسكو مستمرة فيها، وهي تأمل في أن تستطيع حشد شخصيات أكثر في مرحلة لاحقة، وما يشجعها على ذلك هو أن المجتمع الدولي لا يزال مشلول الارادة تجاه القضية السورية، والدول الغربية، بما فيها أصدقاء الشعب السوري، غير متحمسين، في غياب إرادة أمريكية واضحة للانخراط، لأي مبادرة عسكرية أو سياسية في سورية، حتى لو تعلق الامر بمجرد دعم الجيش الحر بالسلاح.
بالنسبة لمصر، اعتقد أن مبادرتها بدعوة اطراف من المعارضة للاجتماع في القاهرة كانت من باب الحرص على عدم الغياب عن المسألة السورية وتاكيد وجودها في حال تبلور أي حل سياسي للصراع. وربما جاءت أيضا في سياق تنافس مع موسكو أو تكملة لمبادرتها، لكن فشلها كان نتيجة عدم الإلمام الكافي بالأوضاع السورية، وأوضاع المعارضة بشكل خاص، واستسهال التعامل مع قضية الثورة السورية.
هذا لا يمنع أن بإمكان مصر أن تلعب دورا كبيرا، وهو دور مطلوب من قبل جميع السوريين، من أجل وضع حد للكارثة والتوصل إلى حل يضمن وقف القتال ووحدة سورية واستقلالها والانتقال نحو نظام عادل يضمن الأمن والسلام والمساواة لجميع السوريين. إنما يتطلب ذلك أن تصب الدبلوماسية المصرية اهتمامها على كيفية تحقيق مطالب الشعب السوري وتطلعات أبنائه أكثر من اهتمامها بتعزيز دورها وموقعها في النزاعات الإقليمية والتحالفات الدولية. وهذا هو الموقف الوحيد الذي يجعل من دور مصر في حل الازمة السورية ضروريا وأساسيا في الوقت نفسه.
أما المبعوث الدولي دي ميستورا فهو يدافع عن مهمته لا أكثر ولا أقل، ويريد أن يظهر أنه يحقق شيئا ما، على الأقل كما يقول هو تخفيض وتيرة العنف. وهو في الواقع خارج "اللعبة" أو بالاحرى "الصراع" الذي يجمع اطرافا متعددة كليا، يعيش حلم نجاح ليس له أي أمل في الوجود، بالرغم من انخفاض سقفه إلى أدنى حد.

*وفيما يخص الدور الإيراني، حدثنا عن ماهية ذلك الدور.. وهل يمكن لطهران –وفق تفاهمات إقليمية- بحسب تحليلك، أن تُقدم على التخلي عن الأسد (حال توصلها لحل في ملف النووي)، وأن تُعيد سيناريو تخليها عن نوري المالكي في العراق؟

غليون :
ايران تعتبر أن سورية هي حجر الزاوية في المحور الذي أقامته باسم الهلال الأخضر الذي يربطها بالبحر المتوسط ويضمن لها، مع التمرد الحوثي في اليمن، تطويق الجزيرة العربية ومحاذاة اسرائيل، اي الغرب، والتحول إلى قوة دولية تلعب بالمشرق كله لصالحها، وتحصد لوحدها ريع الأمن والسلام الذي تحلم أن تضمنه للجميع، وبشكل خاص لاسرائيل والمصالح الغربية. حلم ايران ليس أن تكون جزءا من المنطقة ودولة قوية فيها ندا للدول الاخرى، كمصر وتركيا والسعودية وغيرها، وإنما ندا لأوروبة وأمريكا والغرب عامة، وهذا لا يتحقق إلا بسيطرتها على المشرق كله وتحييدها أو شلها لإرادة دوله الكبرى وتحويلها إلى أدوات في يدها. ولذلك هي لا ترى في سورية سوى حجرة تستخدمها في بناء هيكل نفوذ أوسع، وليس لها استراتيجية أخرى لتحقيق أهدافها سوى التخريب من داخل هذه الدول بتبني مطالب بعض أقلياتها المذهبية أو الاجتماعية وبث الفوضى والانقسام فيها.
لا يعني هذا أنها لن تتخلى عن الأسد. الأسد ليس سوى ورقة تستخدمها للتغطية على دورها في بسط سيطرتها على سورية من وراء غلالة شرعية الاسد المنهارة وبالتحالف معه. لكنها تستطيع في أي لحظة أن تتخلى عنه إذا وجدت أن من المفيد، لتأمين هذه السيطرة أو تثبيتها، تغييره. ومنذ الآن نجحت طهران في تغيير نظام الأسد وأحلت محله نظام الحرس الثوري الايراني، وجعلت رئيسه معلقا في الفراغ. وهذا ما يسمح لها بالتوسع من دون حدود في السيطرة العسكرية على البلاد وفرض الأمر الواقع على الأسد نفسه وتحويله إلى دمية تستخدمها لإضفاء نوع من الشرعية المحلية على النظام الجديد الذي أقامته. لذلك لم نعد نسمع في سورية لا عن حزب البعث ولا حتى عن قوة الأجهزة الامنية التسلطية التي يقودها الأسد ويمثلها في قمة السلطة وإنما عن الميليشيات المذهبية المحلية والعراقية والايرانية، وحزب الله اللبناني والسوري، وقوات الباسيج السورية التي بدأ الحرس الثوري الايراني تدريبها على أنقاض ما سمي ب"جيش الدفاع الوطني ».
توقيع اتفاق انهاء الملف النووي مع الغرب لن يخفف من أطماع طهران الإقليمية وإنما يمكن أن يعيد إطلاقها بشكل أكبر إن لم يترافق بإجبارها على وضع حد لطموحاتها وببلورة قوة إقليمية، والمقصود هنا، تحالفا عربيا تركيا يعيد للمنطقة التوازنات الاستراتيجية الضرورية لكبح جماح أي طرف يريد ان يبسط سيطرته على الجميع.
*وفيما يتعلق بتنظيم داعش، بم تفسر إقدّام التحالف على الإعداد لمواجهة بريّة من خلال الجيش العراقي ضد "داعش".. بينما لا يتزامن ذلك الأمر مع سيناريو مماثل في سوريا؟
غليون :
منذ البداية أعلن الأمريكيون الذين يشكلون القوة الرئيسية في الحرب ضد داعش أن مهمتهم هي ضرب داعش في العراق وليس في سورية في هذه المرحلة. وهم يشعرون أن لهم مصالح كبرى في هذا البلد كما ان عليهم، بسبب دورهم في إنشاء النظام، التزامات تجاهه، بالإضافة إلى أن العراق ليس قطرا موضع تنازع مع دول أخرى، كروسيا مثلا، وإنما هو ، وكما تريده إدارة أوباما، مثالا للتعاون المنشود بين واشنطن وطهران.
سورية ليست كذلك. ليس للأمريكيين فيها نفوذ سابق خاص معترف به، وهي موضع تنازع مع الروس ودول أخرى قريبة منهم، وليس من المسلم به أن تكون ساحة تعاون مع طهران. فهي لا تزال ساحة حرب وموضوع تنازع بين أطراف عديدة. وبالتالي لا لا تعتقد واشنطن أن من مصلحتها أن تحتكر القرار فيها أو حتى أن تستثمر في الدفاع عن سورية وتخليصها من محنتها. قتال داعش حتى في سورية مستقل في نظر أوباما عن المسألة السورية تماما. وهذه مشكلتنا أصلا مع هذه السياسة التي تعني التضحية الكاملة بسورية وشعبها.
*هل تعتقد أن التحالف الدولي جاد في سبيل سعيه نحو إنهاء داعش.. وكيف تقيم أدائه العملي؟
غليون :
تشكل داعش تهديدا للغرب والولايات المتحدة بالتاكيد، لكن ليس كبيرا ولا على المدى القصير. و إنهاء داعش ليس مصلحة عاجلة للولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي. وهو ليس من التحديات الخطيرة والكبيرة لها كما يبدو في الاعلام. تستطيع أمريكا أن تقضي عليه حالما تريد، وتحوله إلى بؤر ارهابية صغيرة ليست ذات تأثير كبير. ومن هنا هي ليست في عجلة من أمرها في هذا الموضوع، بالإضافة إلى أنها تستطيع ان تستفيد من داعش ومن الحرب على داعش في الدفع نحو العديد من التسوبات أو نحو خيارات اقليمية يمكن أن تفيدها في المستقبل. التلاعب بقوة داعش لا يزال هو الأولى من القضاء على داعش، ليس بالنسبة لواشنطن فحسب وإنما للعديد من القوى الإقليمية والدولية.
*ما المطلوب -عربيًا- من وجهة نظرك لدعم الثورة السورية؟
غليون :
سورية جزء من الوطن العربي، وعضو مؤسس في الجامعة العربية، وقلب العروبة النابض كما أطلق عليها جمال عبد الناصر، عن حق. وهي بالفعل في مركز القلب من المشرق العربي. تركها تغرق بدمائها وتسقط تحت الاحتلال الأجنبي والميليشيات المذهبية يعني استسلام عربي كامل واعتراف بالفشل، وتعبير عن شلل الإرادة للمجموعة العربية كاملة أمام المخاطر التي تتعرض لها شعوب المنطقة وتشجيع جميع خصوم الدول العربية على التحرش بهذه الدول والاعتداء عليها، بما في ذلك ميلشيات المرتزقة والمجموعات الارهابية، وفي النهاية خسارة كل الجهود التي بذلتها بلدان المنطقة للحفاظ على الاستقرار والسلام والأمن الإقليمي.
كان على الدول العربية ولا يزال أن تعتبر قضية الحرب الدموية في سورية قضية عربية اولا، وتدعم مبادرتها السياسية - التي تبنتها في ما بعد الأمم المتحدة وتحولت إلى مبادرة أممية فاشلة بسبب غياب آليات العمل وأدوات التنفيذ- بمبادرة عسكرية تفرض على الأطراف السورية الإذعان لمبادئها وشروطها، وتضع حدا لسفك الدماء وتمزيق البلاد وتسابق المجموعات الارهابية والميليشيات المذهبية على السيطرة على أراضيها وإقامة إمارات خاصة فيها.
فأمن سورية هو جزء أساسي من أمن المشرق العربي حقيقة وليس على سبيل المبالغة. وسوف يتأكد ذلك أكثر مع الزمن بعد أن تظهر آثار تساقطات أزمتها على الدول العربية القريبة والبعيدة، بل على العالم أجمع. ويكفي الإشارة منذ الآن إلى الخلل الاستراتيجي الذي أدت إليه بتمكينها طهران وحلفائها من تطويق الجزيرة العربية، وتهميش مصر وشمال أفريقيا وإخراجها من المنطقة، وإطلاق شياطين الحرب المذهبية والطائفية الإقليمية التي تهدد الجميع، وتفكيك نسيج المجتمع السوري ودفع الملايين من أبنائه إلى اللجوء والتشرد والضياع، وما يعني ذلك من كارثة انسانية للسوريين ولعموم المنطقة، من دون الحديث عما أصبحت الأرض السورية تمثله من مرتع لبؤر التطرف الديني وغير الديني ومن قطب جذب لجميع العصابات الدموية إلى المنطقة.
والحال أن الدول العربية استهانت بالصراع السوري، ورمت مسؤوليه حله على الأمم المتحدة مع علمها بأن مجلس الامن معطل ولن يكون هناك أي تدخل دولي. واستمرت في سياسة النعامة خلال سنوات أربع طويلة من دون أي رد فعل، واكتفت بتقديم فتات الدعم المادي والعسكري والسياسي لقوى مدنية تسلحت على عجل، ولم تعرف حتى كيف تساعدها على ضبط تنظيمها وتدريبها وتأهيلها، واستهانت بإرادة الهيمنة الايرانية وتركتها تحقق اهدافها من دون أي رد فعل. فأعلنت طهران سيطرتها على باب المندب وإلحاق اليمن بأمبرطوريتها صراحة وبإرادتها في تطوير مبادرتها العسكرية لتشمل دول الخليج في المستقبل. وبهذا تكون الدول العربية قد فتحت أبوابها لكل المخاطر والتهديدات.
لم يتغير الوضع منذ بداية الثورة السورية إلى الآن، لا يزال المجتمع الدولي مستنكفا عن القيام بأي مبادرة تجاه الصراع السوري، ولا تزال ايران تسعى من خلال ميليشياتها المذهبية وأكثر فأكثر من خلال قواتها الرسمية الخاصة لملء الفراغ، بينما يقف العالم العربي متفرجا على ما يجري، أي على تقويض أسس استقراره وسلامه الوطني والاهلي، وتفجير مجتمعاته من الداخل، حالما بأن يأتي الحل من السماء.
ما كان على العالم العربي أن يفعله لا يزال يحتاج إلى أن ينجز، ولو أن تكاليفه ومخاطره الانسانية والسياسية والعسكرية أصبحت أكثر بكثير. لكن الاستمرار في عدم الفعل لن يحل شيئا ولكنه سيزيد من تفاقم الأزمة والتهديدات الخطيرة النابعة منها ويوسع من دائرة انتشارها على اتساع المشرق العربي وغير العربي.
*وكيف تقيم أداء المعارضة السورية فيما يتعلق بالملفات المطروحة حاليًا؟ ولاسيما الائتلاف الوطني.. والخلافات الدائرة بين أطراف المعارضة السورية المختلفة؟.. وهل تم استبعاد المعارضة وتقليص دورها من قبل الغرب، لمصلحة التنسيق مع النظام بعد تمدد داعش؟
غليون :
ضعف المعارضة المتجسد في تشتتها وبؤس تنظيمها وأدائها هو جزء من المشكلة من دون شك. لكن جذوره ليست مفصولة عن السياق الذي جاءت فيه. فهو أولا ثمرة سياسات العزل والإقصاء والارهاب التي مارستها ديكتاتورية همجية منحطة على المجتمع خلال نصف قرن، وثانيا تخلي المجتمع الدولي عنها وتركها تواجه لوحدها حرب التدخل الأجنبي الايراني وميليشياتها الطائفية الوحشية وغياب روح المبادرة وإرادة الفعل، وثالثا نتيجة الانخراط العشوائي والمتخبط للطرف العربي المنقسم وتهافت رد فعل الجامعة العربية وقبولها بالموت السريري لأحلامها ومشاريعها.
لكن مشكلة المعارضة لا تكمن في الخوف من تخلي المجتمع الدولي عنها او احتمال تنسيقه مع النظام. هذه هي رؤية النظام الهالك للامر. لن يتخلى المجتمع الدولي عنها، ولو لم تكن موجودة لكان عليه أن يخلقها لأنه بحاجة إليها للتوصل إلى أي حل في المستقبل، ولن ينسق الغرب مع النظام لانه لم يعد له وجود، ما دام ينسق مباشرة مع طهران الحاكمة الحقيقية في سورية. لكن هذا لا يعني اي نجاح او انتصار.
مشكلة المعارضة أو بالأحرى التحدي الذي تواجهه هو في تنظيم نفسها وتوحيد صفوفها ووضع الخطط التي تمكنها من العودة إلى مركز القلب من حركة الصراع الدائر في وطنها، والتحكم به لإنهاء محنة الشعب ورسم طريق الخلاص وإخراج البلاد من حالة التمزق والتفتت والانهيار والدمار التي قادت إليها سياسة نظام التبعية والاحتلال.

*وأخيرًا، كيف ترى الجهود الدولية من أجل التعامل مع أوضاع اللاجئين السوريين الصعبة؟
غليون :
ضعيفة ومتخبطة من دون اتساق ولا وضوح، تسير بمنطق ردود الفعل وحل المشاكل يوما بيوم، من دون رؤية شاملة ولا توقع للمستقبل. ولذلك هي تهدد بأعظم المخاطر. وهي تعبير عن الفشل العام الذي أظهره المجتمع الدولي والامم المتحدة في معالجة القضية السورية ولا يزال، وعن الاستهتار غير المسبوق بحياة الانسان السوري ومصيره.
والواقع، كما عالجت الأمم المتحدة المسألة السورية باستخفاف وبأقل جهد ممكن، تعالج نتائجها باستخفاف وبأقل جهد ممكن، وتسعى إلى أن توجد الحلول ساعة بساعة وبوما بيوم، ولا تفكر في مستقبل ملايين البشر الذين فقدوا كل شيء وقبل ذلك الآلاف من أبنائهم وبناتهم وأطفالهم والأجيال العديدة التي أضاعت مستقبلها.

لن تستقيم سياسة دولية لمواجهة أزمة اللاجئين ما لم ترتبط بسياسة دولية موازية لحل المشكلة التي انبثقت عنها مشكلة اللاجئين والعمل بكل الوسائل من أجل إعادة هؤلاء إلى بلادهم وتوفير الامن والسلام لهم في أوطانهم. الحل الوحيد لمشكلة اللجوء هو استعادة الأوطان، في سورية كما هو الحال في فلسطين وكل البلدان.

lundi, février 16, 2015

الذكرى الرابعة لرحيل المخرج السوري عمر أمير لاي راديو أورينت


Publié par Burhan Ghalioun · 16 février, 21:58 · 
د.برهان غليون يتحدث في الذكرى الرابعة على رحيل صديقه المخرج السوري العالمي‫#‏عمر_أميرلاي‬
للإستماع للبث المباشر : WWW.ORIENT-RADIO.NET

vendredi, février 13, 2015

حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق

مقالتي في العربي الجديد

وحشية النظام السوري وسعار آلته الحربية، وهلوسات قادة نظام طهران...
ALARABY.CO.UK|PAR ‎برهان غليون‎
Version:1.0 StartHTML:0000000167 EndHTML:0000012581 StartFragment:0000000476 EndFragment:0000012565
حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق

تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق منذ سنتين تحت حصار وحشي حول حياة سكانها إلى جحيم دائم وهدد ابناءها بالمجماعة ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض منذ أيام إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله.
لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان وهجرتهم وتشردهم، التي اعتبرتها منظمات حقوق الانسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية والقانون الانساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه باطلا الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل للاحتفاظ بالسلطة وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.
ومع ذلك لا يشك أحد في أن المسؤول الأول عن جرائم الحرب التي ترتكب في سورية هو نظام الأسد وحلفاؤه في طهران وموسكو، ومن يتعامل معهم من المرتزقة والوصوليين، في الداخل والخارج.
كما لا يشك أحد في أن قسطا كبيرا من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور يقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تنكر لمباديء ميثاق الامم المتحدة وحقوق الانسان ورفض أن يقدم أي تضحية تذكر من أجل حماية الشعب السوري من جرائم الإبادة الجماعية المستمرة منذ سنوات.
لكن الاعتراف بهذه المسؤوليات والوقوف عندها لن يقدم السوريين في شيء، ولن يساعدهم على الخلاص من محنتهم. ولا بد من التذكير بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على قوى الثورة والمعارضة نتيجة اتباع سياسات جعلت من الصراع في ما بينها وانقساماتها محور نشاطها الأول، وحيدت جزءا كبيرا من قواها وجهدها في المعركة الرئيسية، وشوهت صورتها وسمعتها وأغلقت الكثير من ابواب التضامن والدعم والتعاطف تجاهها. ولا يقلل تقصير العالم بحق السوريين من مسؤوليتنا نحن السوريين الفشل، لأسباب ذاتية وموضوعية، في توفير الشروط الضرورية لتعبئة طاقات شعبنا وتوحيدها لفرض إرادتنا واحترام حقوقنا على العالم. هكذا بقينا نقاتل كل لوحده، ونتنازع في ما بيننا على القيادة والزعامة، ونتقوقع في قرانا وأحيائنا ومدننا. والنتيجة افتقارنا حتى اليوم إلى قيادة موحدة، وخطة وطنية شاملة لتحريك القوى، المسلحة والسياسية، على الساحتين الداخلية والخارجية، واستراتيجية لتفكيك النظام، وتحرير الأرض، واكثر من ذلك مسؤولية خلافاتنا في تقديم ذريعة سهلة للدول حتى تنفض يدها من قضيتنا وتنأى بنفسها عن مساعدتنا، بالرغم من أنها لا تزال تحرص على عدم الاقتراب من نظام أصبح التعاون معه في أي شكل عنوانا للتواطؤ وتهمة للضلوع في الحرب الدموية اللاإنسانية التي يخوضها ضد شعب كان يعتبر شعبه.
ما هو مطلوب اليوم أكثر من الرسائل والنداءات والاسترحام للمجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الانسانية، بعد أن تبين عجزها وشللها وافتقارها لأي نوع من الصدقية. وينبغي أن أقول إن جميع الرسائل المفتوحة وغير المفتوحة التي وجهناها إلى السيد بان كيمون، في الأشهر الأخيرة،بقيت حبرا على ورق، ولم يكلف الأمين العام للأمم المتحدة نفسه حتى بالرد عليها، خجلا أو عجزا أو قلة اعتبار.

لن يتحرك العالم ما لم نبدأ نحن أنفسنا بالتحرك لصالح قضيتنا، ونجبر الآخرين على التحرك معنا لوقف الحرب العدوانية، التي ما كان من الممكن أن تستمر لولا تدخل الدول الاجنبية، وعلى رأسها ايران وروسية، وسكوت المجتمع الدولي عن هذا التدخل الذي تحول إلى تواطء في حرب الابادة السورية.
ولن يهرع أحد من الخارج لنجدتنا ما دمنا نحن أنفسنا غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا البعض. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من قبل الآخرين، ما لم نجعل نحن أنفسنا من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.
يتطلب هذا أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السطة الاجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والانسانية من دون عقاب
ويتطلب ثانيا، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من قبل جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية قادرة على العمل حسب خطط مدروسة على ضوء خطة وطنية عامة لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق حتى الآن ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطرق لكن ببطء شديد.
ويتطلب ثالثا على المستوى السياسي تكوين جبهة عمل وطنية عريضة تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والايديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.
ويتطلب رابعا القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.
باختصار، لم يعد للإدانة السياسية والأخلاقية، ولا للشكوى من تخلي المجتمع الدولي عن قضيتنا وتردد الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة في الانخراط بشكل أكبر في الدفاع عن حقوق السوريين ومستقبلهم أي جدوى أو فائدة. ولن نستطيع أن نواجه الحرب والعدوان المفروضين اليوم علينا ما لم نرتق نحن السوريين جميعا، وعلى رأسهم قوى الثورة والمعارضة، إلى مستوى التحديات التي تواجهنا.
حان الوقت كي ندرك ، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن احدا لن يحمل العبء عنا مهما كان هذا العبء كبيرا وهائلا، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.
وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم منذ نصف قرن نظام العنف والقتل والارهاب، والذي أظهر منذ ثورة آذار ٢٠١١ ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية لن تضعف إرادته ولكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه والتمسك بوطنه وتحريره .

حرب الابادة في دوما وغوطة دمشق

13 فبراير 2015تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق، منذ سنتين، تحت حصار وحشي، حوّل حياة سكانها إلى جحيم دائم، وهدد أبناءها بالمجاعة، ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض، منذ أيام، إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله. 
لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين، وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان، وهجرتهم وتشردهم التي اعتبرتها منظمات حقوق الإنسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية، والقانون الإنساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه، باطلاً، الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة، تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل، للاحتفاظ بالسلطة، وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.
ومع ذلك، لا يشك أحد في أن المسؤول الأول عن جرائم الحرب التي ترتكب في سورية هو نظام الأسد وحلفاؤه في طهران وموسكو، ومن يتعامل معهم من المرتزقة والوصوليين، في الداخل والخارج.
كما لا يشك أحد في أن قسطاً كبيراً من المسؤولية في ما آلت إليه الأمور يقع على عاتق المجتمع الدولي الذي تنكر لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان، ورفض أن يقدم أي تضحية تذكر من أجل حماية الشعب السوري من جرائم الإبادة الجماعية المستمرة منذ سنوات.
لكن الاعتراف بهذه المسؤوليات، والوقوف عندها، لن يقدم السوريين في شيء، ولن يساعدهم على الخلاص من محنتهم. ولا بد من التذكير بالمسؤولية الكبيرة التي تقع على قوى الثورة والمعارضة، نتيجة اتباع سياسات جعلت من الصراع في ما بينها، وانقساماتها، محور نشاطها الأول، وحيدت جزءاً كبيراً من قواها وجهدها في المعركة الرئيسية، وشوهت صورتها وسمعتها، وأغلقت الكثير من أبواب التضامن والدعم والتعاطف تجاهها. ولا يقلل تقصير العالم في حق السوريين من مسؤوليتنا، نحن السوريين، الفشل، لأسباب ذاتية وموضوعية، في توفير الشروط الضرورية، لتعبئة طاقات شعبنا وتوحيدها لفرض إرادتنا واحترام حقوقنا على العالم. هكذا بقينا نقاتل كل لوحده، ونتنازع في ما بيننا على القيادة والزعامة، ونتقوقع في قرانا وأحيائنا ومدننا. والنتيجة افتقارنا، حتى اليوم، إلى قيادة موحدة، وخطة وطنية شاملة لتحريك القوى، المسلحة والسياسية، على الساحتين الداخلية والخارجية، واستراتيجية لتفكيك النظام، وتحرير الأرض، وأكثر من ذلك مسؤولية خلافاتنا في تقديم ذريعة سهلة للدول، حتى تنفض يدها من قضيتنا، وتنأى بنفسها عن مساعدتنا، على الرغم من أنها لا تزال تحرص على عدم الاقتراب من نظامٍ أصبح التعاون معه، في أي شكل، عنواناً للتواطؤ، وتهمة للضلوع في الحرب الدموية اللاإنسانية التي يخوضها ضد شعب كان يعتبر شعبه.
ما هو مطلوب، اليوم، أكثر من الرسائل والنداءات والاسترحام للمجتمع الدولي، والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، بعد أن تبين عجزها وشللها وافتقارها لأي نوع من الصدقية. وينبغي أن أقول، إن جميع الرسائل المفتوحة، وغير المفتوحة التي وجهناها إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، في الأشهر الأخيرة، بقيت حبراً على ورق، وهو لم يكلف نفسه حتى بالرد عليها، خجلاً أو عجزاً أو قلة اعتبار.

لن يتحرك العالم، ما لم نبدأ، نحن أنفسنا، بالتحرك لصالح قضيتنا، ونجبر الآخرين على 
التحرك معنا، لوقف الحرب العدوانية التي ما كان ممكناً أن تستمر لولا تدخل الدول الأجنبية، وعلى رأسها إيران وروسيا، وسكوت المجتمع الدولي عن هذا التدخل الذي تحول إلى تواطؤ في حرب الإبادة السورية.
ولن يهرع أحد من الخارج، لنجدتنا ما دمنا، نحن أنفسنا، غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من الآخرين، ما لم نجعل، نحن أنفسنا، من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.
يتطلب هذا، أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السلطة الإجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والإنسانية من دون عقاب.
ويتطلب، ثانياً، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة، ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية، قادرة على العمل، حسب خطط مدروسة، على ضوء خطة وطنية عامة، لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق، حتى الآن، ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطريق، لكن، ببطء شديد.
ويتطلب، ثالثاً، على المستوى السياسي، تكوين جبهة عمل وطنية عريضة، تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والأيديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.
ويتطلب، رابعاً، القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية، تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية، وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.
باختصار، لم يعد للإدانة السياسية والأخلاقية، ولا للشكوى من تخلي المجتمع الدولي عن قضيتنا وتردد الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، في الانخراط بشكل أكبر في الدفاع عن حقوق السوريين، ومستقبلهم، أي جدوى أو فائدة. ولن نستطيع أن نواجه الحرب والعدوان المفروضين، اليوم، علينا، ما لم نرتق، نحن السوريين، جميعاً، وعلى رأسهم قوى الثورة والمعارضة، إلى مستوى التحديات التي تواجهنا.
حان الوقت كي ندرك، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن أحداً لن يحمل العبء عنا، مهما كان كبيراً وهائلاً، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا، كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.
وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم، منذ نصف قرن، نظام العنف والقتل والإرهاب، والذي أظهر، منذ ثورة مارس/آذار 2011، ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية، وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية، لن تضعف إرادته، لكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه، والتمسك بوطنه وتحريره.

jeudi, février 12, 2015

يوم حداد تنديدا بجرائم الابادة الجماعية

عوة ليوم حداد وإضراب عام في عموم سورية تضامنا مع الشهداء وتنديدا بجرائم الإبادة الجماعية
هذه دعوة للسوريين للتعبير عن تضامنهم بكل الأشكال مع أهالي دوما والمناطق المنكوبة ورفضهم لأساليب الإبادة الجماعية. 
من واجب كل السوريين الذين لا يزالون على قيد الحياة ودفاعا عن أرواحهم ووطنهم ومستقبلهم أن لا يظلوا متفرجين على ما يجري من قتل وإبادة حولهم وأن يستعيدوا أنفاسهم وقوتهم وشجاعتهم رغم المحن والمصائب النازلة بهم لإعلان تضامنهم مع أخوتهم وبشكل خاص اليوم ضحايا المجزرة المستمرة في غوطة دمشق. 
وأتمنى أن يستعيد الناشطون دورهم ويقوموا بالتنسيق لإعلان يوم حداد وإضراب عام في عموم سورية احتجاجا على تدمير المدن والأحياء ورفضا لأساليب الإبادة التي ينفذها النظام لصالح مافيات المال والسلاح وميليشيات ايران الارهابية.

mercredi, février 11, 2015

بيان: حرب الإبادة في دوما وغوطة دمشق


تعيش دوما وبقية مدن الغوطة الشرقية لدمشق منذ سنتين تحت حصار وحشي حول حياة سكانها إلى جحيم دائم وهدد ابناءها بالمجماعة ودفع القسم الأكبر منهم إلى حياة التشرد والهجرة. وهي تتعرض منذ أيام إلى حملة إبادة منظمة، بكل وسائل العنف والوحشية، أمام صمت العالم وشلله.
لم تجد قرارات الأمم المتحدة ومجلس الامن العديدة التي صدرت لوقف الحصار والقتل العشوائي للمدنيين، ولا نداءات السوريين وتوسلات أطفالهم، ولا موجات نزوح السكان وهجرتهم وتشردهم، التي اعتبرتها منظمات حقوق الانسان أكبر كارثة بشرية في هذا القرن، في تحريك ساكن. ولا تزال الدول الكبرى التي لا تكف عن التأكيد على ضرورة احترام الشرعية الدولية والقانون الانساني، حانثة بوعودها والتزاماتها تجاه حماية المدنيين، وحريصة على رفض "التورط"، والمقصود التضامن مع السوريين، في ما تسميه باطلا الحرب الأهلية السورية، وهي ليست سوى حرب إبادة شاملة تشنها طغمة جائرة على شعب أعزل للاحتفاظ بالسلطة وحرمان السوريين من حقوقهم الطبيعية.

ولن يجدى المزيد من رسائل الاسترحام والشكوى والاستغاثة أمام طغمة حاكمة فقدت صوابها وعالم فقد ضميره. بل إن جميع الرسائل المفتوحة وغير المفتوحة التي وجهناها إلى السيد بان كيمون، في الأشهر الأخيرة، بقيت حبرا على ورق، ولم يكلف الأمين العام للأمم المتحدة نفسه حتى عناء الرد عليها، خجلا أو عجزا أو قلة اعتبار.
ولن يهرع أحد من الخارج لنجدتنا ما دمنا نحن أنفسنا غير قادرين على أن نهرع لنجدة بعضنا البعض. ولا ينبغي أن نحلم بمزيد من التضامن الفعال معنا، مهما أثرنا من عواطف حزن علينا من قبل الآخرين، ما لم نجعل نحن أنفسنا من التضامن في ما بيننا قاعدة عملنا ووجودنا في هذه المرحلة الكارثية من تاريخنا.
يتطلب هذا أولا، الرد على مواقع نيران الأسد بالقوة نفسها التي يتعرض بها للمدن والأحياء المحاصرة، وإبلاغ الأمم المتحدة والعواصم الدولية الكبرى بأنها تتحمل مسؤولية كل ما يحصل بسبب هذا الرد، نتيجة سكوتها على النظام الطاغية، وتخليها عن مسؤولياتها، وتركها السطة الاجرامية تنتهك القوانين والشرائع الدولية والانسانية من دون عقاب
ويتطلب ثانيا، لتحقيق هذا الهدف، العمل السريع من قبل جميع الكتائب المقاتلة على توحيد الفصائل المقاتلة ودمجها ضمن هيكلية عسكرية مركزية قادرة على العمل حسب خطط مدروسة على ضوء خطة وطنية عامة لمواجهة النظام والقوى المتطرفة العاملة على هامشه ولصالحه. وهذا ما لم يتحقق حتى الآن ولو أن خطوات مهمة جرت على هذا الطرق لكن ببطء شديد.
ويتطلب ثالثا على المستوى السياسي تكوين جبهة عمل وطنية عريضة تضم كل المعنيين بتغيير النظام، من المقاتلين والسياسيين والمدنيين، وإحلال نظام وطني تعددي وديمقراطي مكانه، بصرف النظر عن التوجهات السياسية والايديولوجية والطبقة الاجتماعية والقومية والطائفة.
ويتطلب رابعا القبول بتحالفات تكتيكية داخلية وخارجية تضمن عزل نظام القتلة وقوى التطرف الداعشية، وجميع القوى العاملة على تفتيت سورية وتفتيت المقاومة البطولية لشعبها.
حان الوقت كي ندرك ، بعد أربع سنوات من القتال، أنه لا مهرب لنا من الاعتماد على أنفسنا، وأن احدا لن يحمل العبء عنا مهما كان هذا العبء كبيرا وهائلا، وأن علينا وحدنا، نحن السوريين، تقع مسؤولية مراجعة خططنا وتنظيم قوانا كي نوقف حرب الإبادة التي يشنها نظام الخيانة والتآمر الدولي على شعبنا.
وعلينا أن نكون واثقين بأن الشعب الذي لا يزال يقاوم منذ نصف قرن نظام العنف والقتل والارهاب، والذي أظهر منذ ثورة آذار ٢٠١١ ما أذهل العالم من ضروب البطولة والشجاعة والتضحية، قادر على أن يصنع النصر، وأن وحشية النظام وسعار آلته الحربية وهلوسات قادة نظام طهران الدينية والمذهبية لن تضعف إرادته ولكنها ستزيد من تصميمه على الدفاع عن أرضه والتمسك بوطنه وتحريره .

المركز السوري لدعم القرار الوطني
برهان غليون

mardi, février 10, 2015

كيف تحول الأبناء إلى ثعالب وذئاب

Publié par Burhan Ghalioun · 10 février · 
لا يكاد أحد يصدق أن ما يحصل في سورية من تدمير وقتل بالجملة ومن دون حساب هو من عمل سوريين يحتلون موقع المسؤولية في أعلى هرم الدولة والجيش والإدارة. كيف يمكن لسلطة تتحكم بها مجموعة مرفهة من الأشخاص، من بين كل الملل والطوائف والقوميات، ينتمون للمجتمع نفسه، تشربوا ثقافته وتلقوا تربيتهم فيه وعاشوا بين ظهرانيه، أن يستمروا خلال سنوات أربع في عملية قتل منظم وجماعي لأبناء شعبهم وتدمير منهجي لمدنهم وبلداتهم وحضارتهم، من دون تردد، وبتصميم وإرادة تزداد شراسة وعنفا كلما تقدم الوقت ؟
ولا يكاد أحد يصدق أن العالم كله، يقف مكتوف اليدين، أمام المجازر اليومية التي ترتكب على مرأى ومسمع الجميع، وأن الأمم المتحدة والدول المدافعة عن حقوق الانسان لم تعد تعثر على الكلمة التي تستطيع أن تدين بها جرائم الابادة الجماعية اليومية والتدمير المنهجي للبلاد السورية.
لم يحصل في التاريخ أن تكالبت قوى الشر الخارجية ونظم الاحتلال الداخلي على شعب كما حصل للسوريين، ولم يظهر بؤس العالم الأخلاقي وضعف التضامن مع شعب في أي وقت كما ظهر في محنة الشعب السوري.
لن نضع اقدامنا على طريق خلاصنا وتحررنا ما لم نجعل من هذه الوقائع الموضوع الأول لتأملنا وتفكيرنا: كيف تحول الأبناء إلى ثعالب وذئاب، وتخلى العالم عنا.

dimanche, février 08, 2015

صناعة الارهاب/ العربي الجديد

8 فبراير 2015
برهان غليون


بعد فشل المجتمع الدولي، الممثل بالأمم المتحدة، وتجمع أصدقاء سورية الذي ضم أكثر من مائة دولة، في الوفاء بالتزاماته تجاه قضية الشعب السوري، برزت أصوات متزايدة، هنا وهناك، تحاول استغلال الكارثة التي يمثلها صعود تنظيم الدولة، لدفع العالم إلى التخلي عن مسؤولياته تجاه السوريين، والسعي إلى إعادة تكدين نظام الأسد في ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وهي إعلان حرب يهدف إلى التلاعب بالإرهاب، أكثر من العمل الجدي لإنهائه.
لكن الرأي العام الدولي، الرسمي والشعبي يعرف، اليوم أكثر من أي وقت سابق، أن الأسد لا يمكن أن يكون شريكاً في الحرب ضد الإرهاب، بعد أن كان المصنع الرئيسي له، ولا يزال يستخدمه في حربه ضد شعبه، بل ضد مقاتليه أنفسهم، لدفعهم إلى الاستمرار في الحرب التي فقدوا الأمل في ربحها، ولم يعد لها في نظرهم أي هدف سوى حماية طغمة صغيرة من مرتزقة النظام، والمنتفعين منه. ويدرك الرأي العام الدولي، أيضاً، أن أي مشاركة للأسد في مثل هذه الحرب سوف تكون أكبر هدية يقدمها التحالف الدولي لتنظيم داعش، بمقدار ما يقضي على نفسه كتحالف يستمد شرعيته من رفض الإرهاب، وما يثيره من رد فعل واعتراض عند ضحايا إرهاب الأسد أنفسهم.
كان الإرهاب المرتبط بالتلاعب بالحركات الجهادية سلاح الأسد الأمضى، في العقود الطويلة الماضية، في تأمين نفوذه وتعزيز علاقاته الدولية ومكاسبه الإقليمية، بما يعني تصنيع الإرهاب، والتهديد باستخدامه، والسيطرة عليه، في الوقت نفسه. بهذا التحكم بالإرهاب، أقنع الأسد الدول العربية والغربية بأنه نظام قوي، وقوة لا يمكن الاستغناء عنها، لحفظ الأمن والسلام والاستقرار، وأن في وسعه أن يستخدم قوته، أي السيطرة على الإرهاب ضد خصومه، كما يمكن أن يستخدمها لصالح أصدقائه.
وقد استفاد الأسد في بناء استراتيجية تسييس الإرهاب وتأهيله، والعمل به على حافة القانون والعرف الدولي، من وجود الحركات الإسلامية الجهادية الناقمة، التي كانت تنمو على هامش أزمة الدولة الوطنية العربية، وفشلها في بناء مواطنة فعلية، وتفتقر لمرفأ أمان، فربط معها باسم الثورة، أو دعم المعارضة، أو المقاومة للصهيونية والغرب، بما في ذلك مع مقاتلين وقادة وجماعات تخلت عنهم الدول الغربية، بعد أن استغلتهم في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان. وصار، وهو النظام الذي يدعي العلمانية المغالية، أكثر النظم رعاية لحركات التطرف الإسلامية، ودعماً لها ضد الدول الإقليمية، والمستخدم الأول لها في العالم، بدلا من 
الدبلوماسية أو الحرب، لحل مشكلاته في المشرق، تجاه دول الخليج والعراق، وفي أوروبا وفي جنوب لبنان تجاه إسرائيل. وظف الأسد هذه القوة المتمردة والمعارضة الإسلامية، ذات الأهداف المثالية غير العقلانية ومستحيلة التحقيق، في خدمه استراتيجيته، وأهدافها الملموسة جدا والبراغماتية والانتهازية من دون حدود: الدفاع عن نفسه ضد المعارضة المحتملة لحكمه، وتوسيع نفوذه الإقليمي خارج حدوده، والحصول على ريع التهديد والحماية من الدول الأخرى، مكاسب عينية مادية، أو نفوذ ومواقع مراقبة وإشراف وتعاون أمني.
التحكم بالحركات الجهادية المتطرفة، وتحويل عملها من جهادية دينية إلى أعمال إرهابية تنتظم ضمن استراتيجية الدولة والنظام في دمشق، واستخدامها، حسب أجندة سياسية وعسكرية مدروسة، لتحقيق أهداف واقعية ممكنة، هذا هو مصدر قوة النظام السوري منذ أربعين عاماً، وهو الذي مكّن قادته من العمل في المنطقة والعالم بقاعدة قاطع طريق، ينتزع العوائد من خدمات الحماية التي يقدمها للعابرين، أو أصحاب المصالح ولمصالحهم، ضد التهديدات التي يتحكم هو بتوجيهها من دون أن يتهم بصناعتها. ومن دون هذا التلاقي بين نظام مافيوي، لا يملك أي محتوى وطني أو اجتماعي أو إنساني. أي، باختصار، ليس له أية أهداف أو هموم أو قضايا عامة من أي نوع كانت، وهذه الحركات الجهادية التي تؤهل أفرادها للموت والتضحية، من دون ثمن. لكن، من دون أهداف عقلانية، ممكنة التحقيق، واضحة أو قريبة (تطبيق تصور للإسلام أول ما يخرج منه المسلمون الذين يحولهم إلى كفرة ضالين). أقول من دون ذلك، ما كان بإمكان الأسد، ونظامه، أن يصل إلى ما وصل إليه من استقرار داخلي وقوة ونفوذ في الخارج، ولا أن يرتكب أكبر الجرائم ضد الإنسانية، من دون أن يتم القبض عليه بالجرم المشهود، راعياً رئيسياً للإرهاب الإقليمي والدولي.
على يد الأسد، أصبح الإرهاب سياسة كبرى، وأصبح التهديد بالإرهاب، والمشاركة في مواجهته، في الوقت نفسه، التجارة الإقليمية والمهنة الرئيسية للنظام، والتي يرتبط بنجاحها مصير جميع المهن والوظائف الأخرى، العسكرية والإدارية والاقتصادية الداخلية.
لكن مهنة الإرهاب قبل أن تصبح تجارة دولية كانت عند نظام الأسد في الأصل مهنة محلية، أو "وطنية"، وكان التعامل بالإرهاب المضمون الوحيد للممارسة السياسية داخل الدولة، والوسيلة الرئيسية للحكم وفرض الهيبة والهيمنة والنفوذ، داخل البلاد نفسها، على الشعب والمجتمع. وهذه المعادلة التي جمعت بين مافيا الأسد وسياسة الإرهاب وحركات الجهاد الإسلامية السائبة والمضيعة، وجمعتهما في مشاريع مشتركة، هي التي انهارت، أو في طريقها إلى الانهيار، اليوم، ومعها النظام الذي ركبها، وعاش عليها، واستمد القوة والنفوذ والمنعة منها.
انهارت هذه المعادلة في الداخل، باندلاع الثورة السورية التي كانت، قبل أي شيء آخر، ثورة ضد الحكم بالإرهاب، وعن طريق الإرهاب، واستناداً إلى الأجهزة الأمنية، وتهديدها الدائم حياة الأفراد ومصالحهم وحقوقهم وأمنهم ومعيشتهم، بعيداً عن أي وهم شرعية سياسية أو قانونية. ولم ينجح التصعيد في الإرهاب، أي سياسة القتل المنهجي والمنظم والدائم، كما أظهرته عملية قنص المتظاهرين المدنيين، ثم مواجهتهم برصاص الأسلحة الخفيفة والثقيلة، ثم باستخدام الأسلحة الكيماوية، وأكثر فأكثر، برمي البراميل المتفجرة العمياء اليومي، في خلق الخوف الذي لا يعيش من دونه الإرهاب، ولا يستقيم ولا يستمر. ظل السوريون يواجهون النظام، ويرفضون الإذعان لتهديداته، أو التراجع أمام عنفه. انهار نظام الإرهاب، الذي تحول إلى حرب على الشعب، شاملة وبكل الأسلحة، في الداخل، وانفضح أمره عند الحركات الجهادية نفسها التي كان يستمد منها القوة. واضطر من أجل بقائه في مواجهة قوى المقاومة الشعبية الحرة إلى الاستنجاد بالأجنبي، والسقوط في أحضان نظام العمامات في طهران، وتسليمهم مقاليد السطلة والنفوذ في دمشق. بعد أن كان يتلاعب بالآخرين، أصبح جزءا من الوسائل التي يتلاعب بها إيرانيو الحرس الثوري، ويستخدمونها للدفاع عن مصالحهم القومية/الطائفية في الإقليم كله، ولم يعد للأسد ونظامه أساس أو حاضر أو مستقبل. أصبح مجرد قاعدةٍ، تنتصب عليها إرادة الاحتلال الأجنبي.
وانهارت هذه المعادلة نفسها، وما ارتبط بها من استخدام التطرف الديني، كجزء من استراتيجية ترتيب علاقات النظام الدولية، وتنسيقها، في الخارجين، الإقليمي والدولي، أيضا. فقد أدى انهيار الدولة السورية، والفراغ الذي أحدثه، إلى حصول طفرة قوية في الحركات الجهادية، حررت الكثير منها من ارتهانها للنظام. وعلى الرغم من احتفاظه بعدد كبير من العناصر وبعلاقات قوية، ربما مع العديد من قادة تنظيم الدولة وغيرها، إلا أن تطور الأحداث يدفع في اتجاه فك التحالف القديم بين الحركات الجهادية الدولية والنظام، وتنامي نزوع هذه الحركات إلى الاستقلال، مع تزايد طموحها إلى أن تشكل مشروعا بديلا، أكثر ما يعبر عنه إطلاق اسم دولة الخلافة على القوة والنفوذ الجديدين اللذيْن نشأا على إثر انحسار نفوذ الدولتين، السورية والعراقية، في شرق سورية وغرب العراق.
فقد النظام السوري قوته الرئيسية ووسائل مناورته الاستراتيجية التقليدية، وموارده، وأدوات عمله، ومعها مهاراته غير التقليدية في تصنيع الإرهاب واستخدامه، بموازاة فقدانه السيطرة على الحركات الجهادية والتكفيرية، وحرية التلاعب بها. ولن تستطيع الأجهزة الأمنية التي بقيت تحت سيطرته أن تقوم بدور أكبر من تنسيق علاقات المافيا السورية مع دولة الوصاية والحماية الجديدة الصاعدة، وتلقي الأوامر من قادة الحرس الثوري الإيراني وتنفيذها، أو التهرب منها. وإذا كان هناك بعد، من بين الساسة العالميين، من يفكر بتشغيل الأسد ونظامه، على سبيل الاستفادة من الموقع القانوني والاستراتيجي الذي لا يزال يحتله باسم الدولة السورية، فهو نظام الحرس الثوري الإيراني وحده.
لم يعد لدى الأسد ما يقدمه في الحرب ضد الإرهاب الذي كان سلاحه الأمضى. سقط النظام المراهن على الإرهاب، وهو يدمر نفسه بنفسه، بمقدار ما يصر على تدمير بلده وقتل شعبه، وينهي وجود الدولة التي استخدمها دريئة للدفاع عن وجوده. وأصبحت سورية بلد الإرهاب المعمم، ووطن الميليشيات والقوى التي تتنازع على أرضها وشعبها، بكل ما عرفته البشرية، منذ أقدم العصور، من وسائل الإرهاب وأدواته.
مصير سورية مفتوح، اليوم، على كل الاحتمالات. لكن، لن يقرر مستقبل سورية إلا شعبها، صاحب الأرض، متى ما نجح في التحرر من منطق الخوف والانقسام والتهديد والقتل، وارتفع إلى مستوى منطق الحق والقانون، وأحلَّ روح التفاهم والاتحاد محل منطق الانتقام والاحتراب الذي يتغذى من سياسة تمديد أمد الحرب الإقليمية، وحرمان جميع السوريين من الأمل والأمن والسلام. 

اللقاء بين المافيوية والارهاب

كان الارهاب المرتبط بالتلاعب بالحركات الجهادية سلاح الأسد الامضى خلال العقود الطويلة الماضية في تامين نفوذه وتعزيز علاقاته الدولية ومكاسبه الإقليمية، بما يعني تصنيع الارهاب، والتهديد باستخدامه، والسيطرة عليه، في الوقت نفسه. بهذا التحكم بالارهاب أقنع الأسد الدول العربية والغربية بأنه نظام قوي، وقوة لا يمكن الاستغناء عنها لحفظ الأمن والسلام والاستقرار، وأن بإمكانه أن يستخدم قوته، أي السيطرة على الارهاب ضد خصومه، كما يمكن ان يستخدمها لصالح أصدقائه.
من دون هذا التلاقي بين نظام مافيوي، لا يملك أي محتوى وطني أو اجتماعي أو إنساني، أي باختصار ليس له أية أهداف أو هموم أو قضايا عامة من أي نوع كانت، وبعض الحركات الجهادية التي تؤهل افرادها للموت والتضحية من دون ثمن، لكن من دون اهداف عقلانية ممكنة التحقيق، واضحة او قريبة ( فهم يدعون إلى تطبيق تصور للإسلام أول ما يخرج منه المسلمون الذين يحولهم إلى كفرة ضالين)، أقول من دون ذلك، ما كان بإمكان الأسد ونظامه أن يصل إلى ما وصل إليه من استقرار داخلي وقوة ونفوذ في الخارج، ولا أن يرتكب أكبر الجرائم ضد الانسانية، من دون ان يتم القبض عليه بالجرم المشهود كراع رئيسي للارهاب الإقليمي والدولي.

mardi, février 03, 2015

التقرير الاستراتيجي السوري السابع: لماذا لا يمكن أن يكون الأسد جزءا من الحل؟



التقرير الاستراتيجي (7)


زحمة مبادرات والنتيجة صفر
لماذا لايمكن أن يكون الأسد جزءا من الحل؟
إذا كان من باب المستحيل تأهيل الأسد لأسباب عديدة أهمها أنه غير قابل للتأهيل، ومنها أن تأهيله يعني استمرار الحرب وانتشارها وتوسع دائرة التطرف والارهاب في المنطقة بأكملها، وثالثا لأن قوى إقليمية كبرى على رأسها تركيا والمملكة العربية السعودية وجزءا كبيرا من أوروبة سوف ترى في مثل هذا العمل تهديدا مباشرا لاستقرارها ولمصالحها الاستراتيجية. ما يمكن أن يخشى منه هو مهادنة الأسد من قبل الولايات المتحدة مسايرة للايرانيين الذين تسعى بكل الوسائل لاستعادة دورهم إلى جانبها، وللتهرب من اي احتمالات تورط في نزاعات وحروب إقليمية أو دولية.
وهذا ما هو قائم منذ أشهر طويلة في الواقع. فقد سحبت الولايات المتحدة فرضية تعديل موازين القوى على الأرض السورية من التداول، ولم تعد تعتبر مساعدة مقاتلي الجيش الحر جزءا من استراتيجية إنهاء الحرب الدائرة هناك منذ أربع سنوات، وأصبحت أكثر اهتماما
بالتنسيق المباشر أو غير المباشر مع ما تبقى من قوى النظام لتشديد الضغط على داعش، وتخلت عن ملف الحل السياسي والمفاوضات السورية السورية لموسكو.
زحمة مبادرات على ساحة الصراع السوري
مع تحول الاهتمام الاقليمي والدولي نحو صعود دور الجماعات الجهادية، وفشل الاستراتيجيات الدولية في احتواء الازمات داخل حدود المنطقة بعد أن أخذت أعمال العنف تطال أهدافاً في أوربا وغيرها – مثل الهجوم الذي استهدف صحيفة شارلي ايبدو الفرنسية، وتنامي موجات الهجرة عبر البحر الى اوربا، ومع انسدادا آفاق الحلّ السياسي في سورية بعد إخفاق مؤتمر جنيف 2 الذي عُقد في كانون الثاني/ يناير 2014 في تحقيق أيّ تقدم في مسيرة الحل، ووجود حالة استعصاء عسكري على الأرض، بدأت أطراف عربية و اقليمية ودولية بعضها يأخذ شكل مبادرات من منظمات غير حكومية، يروج لمخارج موقَّتة او حلول جزئية، او تسويات تحاول استثمار حالة الاحباط و اليأس من امكانية ايجاد نهاية سريعة للصراع في سورية لتكريس واقع ما عاد بالامكان استمراره و حتى لاعادة انتاج النظام.
Share on Google+Share on LinkedInTweet about this on TwitterShare on Facebook

lundi, février 02, 2015

في ذكري شهداء مجزرة حماة ١٩٨٢

2 février · تحل اليوم ذكرى المجزرة المروعة التي ارتكبها حافظ الأسد ونظامه في حماة منذ ثلاثة وثلاثين عاما والتي راح ضحيتها عشرات آلاف السوريين، من دون أن يتم الاعتراف بهم ولا إصدار بيان أو تقرير أو تحقيق عما حدث. 
ذكرى هذه المجزرة مهمة اليوم لأنها كانت النموذج الذي ورثه الأب للابن في مسيرة الصراع المتوحش على السيطرة والتسلط والسلطة. فقد كانت التجسيد الأول لسياسة قامت على العائلية والعنف وسفك الدماء وانعدام أي مشاعر وطنية أو دينية أو إنسانية. 
وهي مهمة أيضا لأن هناك اليوم من يعتقد أنه بالتنازل أمام الأسد وزبانيته يمكن أن نضمن الحد من سفك الدماء ونمنع تدمير ما تبقى من وطننا الغالي. والحال أن سكوت السوريين عن هذه المجزرة المروعة هو الذي رسخ اعتقاد الأسد بأن من الممكن حكم السوري بالحديد والنار، وأن أفضل طريقة لإخضاعهم وكسر إرادتهم هو رفض تقديم أي تنازل لهم، والرد بأقسى الوسائل على أي بادرة استقلال أو تحرر أو مطالب مهما كانت مشروعة بينهم. هذه المجرزة هي التي حولت سلطة الأسد إلى سلطة ذئاب لا ترحم ولا تعرف حدودا لهمجيتها، تعيش على الدم والجثث والخراب، وعودت السوريين على الخوف من قاتليهم ومسايرتهم والاستكانة لهم خلال عقود طويلة. وما كان لها أن تنتهي إلا بأن تضيح البلاد بأكملها إمارة عبودية خاصة بعائلة الأسد وأزلامها.
هذه الذكري مهمة اليوم لأنها تلهم السوريين إرادة القوة والمقاومة والصبر، وتدفعهم إلى تحمل ما يلقونه من معاناة منذ أربع سنوات، في سبيل الانتقال من عصر القتل والتشرد والاضطهاد والقهر والعنصرية إلى عصر الحرية، مرورا بقطع يد القاتل وتقويض أسس السلطة التي اغتالت وطنهم ومجتمعهم ودمرت حياتهم لنصف قرن.
لن يقف السوريون عن القتال والمقاومة ما لم يصبح حكم القتلة ذكرى من الماضي ويستعيد شهداء حماة ١٩٨٢ مكانهم في لوائح الشرف إلى جانب أخوتهم من شهداء سورية الحرة، سورية البطلة، سورية الثورة على الظلم والعهر والوحشية والطغيان، سورية الأمل والمحبة والسلام التي تنتظر جميع السوريين.

dimanche, février 01, 2015

الحوار مع الأسد/العربي الجديد

ما كان من الضروري انتظار اختتام جلسات اجتماع موسكو التشاوري، لمعرفة نتائج ما سمي الحوار السوري ـ السوري، حتى لو كانت موسكو هي التي قررت مَن يملك الحق في الحوار. كان يكفي قراءة مقابلة الأسد في مجلة الـ"فورين بوليسي" الأميركية (26 يناير/ كانون الثاني 2015)، وفيها يجد السوري المذبوح كل ما يريده من إجابات على الأسئلة التي تطرحها المعارضة، ويطرحها العالم، بخصوص الخروج ممّا يسميه الأزمة السورية.
بعد أربع سنوات من الحرب التي طحنت سورية والسوريين، لم يغيّر الأسد قيد أنملة من رؤيته، أو بالأحرى روايته، ما حدث. فهو لا يزال يصرّ على أنه لا توجد أي مشكلة سياسية وطنية، وأن المشكلة تتمثل بـ(وجود إرهابيين سوريين، يدعمون إرهابين أجانب، ويساعدونهم على المجيء والتخفي بين المدنيين)، هكذا يعلمنا الأسد سبب إلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين (وهم يشنون هجمات على طريقة حرب العصابات. هذه هي صورة هذه الحرب).
ومن المنطقي، بعد ذلك، أن ينكر الأسد وجود المعارضة، وأن يعتبر مَن يدّعيها مجرد دمى اختلقتها وتحركها الدول المعادية لسورية. ومن المنطقي أيضاً أن لا تستحق مثل هذه الدمى أي حوار فعلي. الحوار الوحيد الممكن هو مع المتمردين الذين يملكون نفوذاً على الأرض. وبما أن قسماً كبيراً منهم، بل معظمهم التحق بالقاعدة، والقسم الآخر فضّل العودة إلى صفوف الجيش النظامي، لم يبق إلا مجموعات صغيرة لا أهمية لها، يجري التفاهم معها من خلال سياسة الهدن والمصالحات: (يسلموننا سلاحهم، ونحن نعفو عنهم، ويعيشون بشكل عادي).
ما الفائدة، في هذه الحالة، من مؤتمرات الحوار والمفاوضات؟ البرهنة للرأي العام الدولي أنه لا توجد معارضة حقيقية، وأن ما تشهده سورية، منذ أربع سنوات من كوارث، انتقلت آثارها إلى المحيط، ووصل بعضها إلى أوروبا، ليس سوى نتائج الحرب التي تخوضها ضد الإرهاب، والتي تجعلها رائدة للعالم في هذا المجال. ما يمكن أن يكون موضوعاً للحوار مع الدمى من المعارضين هو الملف الإنساني. وفي هذا المجال، يريد الأسد من المعارضة أن تؤكد صحة استراتيجيته القائمة على التجويع والتركيع، والعمل على تعميمها، وذلك بالقبول بإعادة الشرعية له، لقاء السماح بتمرير جرعات غذائية للمدن والمناطق المحاصرة والمجوّعة. وهو يأمل أن يشجع هذا الدول والحكومات على حذو حذوها، وإنهاء مقاطعتها الأسد ونظامه. باختصار، وكما أظهرت مناقشات موسكو والقاهرة، ليس الهدف من هذه الحوارات مناقشة الأزمة الوطنية السورية، وإيجاد حل لها، وإنما غسل النظام وإعادة تأهيله بالاستفادة من أجندة التعبئة الدولية ضد الإرهاب.
لا يظهر الأسد، في هذه المقابلة، أدنى شعور بأنه أخطأ خلال السنوات الماضية، أو أن أي شكل من المسؤولية يقع على كاهله عمّا حصل في البلاد، وعمّا عاناه الشعب، ولا يزال، وسيعاني منه عقوداً طويلة قادمة. على محرر "فورين بوليسي" الذي يسأله عن أخطاء محتملة، يجيب، من دون تردد: ليس في الأمور الأساسية. لقد اتخذت في الأزمة ثلاثة قرارات وجميعها كانت صائبة: فتح الحوار على الجميع، تعديل الدستور، وشن الحرب على الإرهاب. الآخرون هم المخطئون، المعارضة التي رفضت الحوار المفتوح والدول التي لم تقبل الاعتراف بالإصلاحات وتعديل الدستور. وعندما يسأله الصحافي أن يحدثه عن أي خطأ صغير يعتقد أنه ارتكبه، يجيب، من دون تردد، إنه لا يتذكر منها شيئاً.
والحقيقة، لا يرى الأسد في حرب السنوات الأربع الدامية ما يراه أكثر السوريين. بالتأكيد، كانت قاسية ومدمرة، ككل الحروب، لكن حصيلتها كانت أكثر من إيجابية. يقول للصحافي: "إذا سألتني في ما إذا كانت الامور تجري بشكل حسن، سأقول إن كل الحروب سيئة، لأنك تخسر، هناك دائماً دمار في الحرب. السؤال الأساسي هو ما الذي ربحناه في هذه الحرب. ما ربحناه في هذه الحرب أن السوريين لفظوا الإرهابيين، والآن الشعب السوري يدعم حكومته أكثر، والشعب السوري يدعم جيشه أكثر. وقبل الحديث عن خسارتنا الأرض، ينبغي الحديث عن القلوب والعقول التي ربحناها، والدعم من الشعب السوري. هذا ما ربحناه. ما تبقّى أمور لوجستية تقنية.
لا يمكن مقارنة ما حصل من موت ودمار وتشريد وخراب، وهو من الأمور العادية التي تحصل في كل الحروب، بما تحقق من نتائج وأهداف إيجابية، وهو القضاء على التمرد والإرهاب. ولا مجال للتراجع، أو الاعتراف بالخطأ، ولا لذرف أي دمعة واحدة على مئات ألوف الشهداء وملايين الجرحى والمعطوبين والمشردين واللاجئين الذين قضوا بسبب أخطاء الآخرين، الإرهابيين والدول التي دعمتهم. ولولا هذا الدعم لحسمت الحرب نهائياً لصالحه منذ زمن طويل".
يعتقد الأسد بأنه كسب الحرب، ليس لأنه حقق انتصاراً عسكرياً على المعارضة، وإنما لأنه نجح في حرمان خصومه، أي الشعب، من الانتصار، وفرض عليهم الدخول في حرب ما كانوا مستعدين لها، ونجح في وضع التنظيمات المتطرفة في مواجهة الجيش الحر، فلم يعد للدول الكبرى خيار سوى التعاون معه لدرء خطر الإرهاب. وهو يعتقد أنه لا يزال الطرف القوي في المعادلة، لأنه، في محيط الخراب القائم، يبقى القوة الوحيدة المنظمة التي تخضع لمنظومة ما يشبه الدولة، أو التي تنظم العصائب فيها نفسها على شكل دولة. وهو ينتظر، بفارغ الصبر، جائزة انتصاره من الغرب الذي يتذرع بإرضاء المعارضة، ويصر على أن يكون الدولة التي تحمي قيم المدنية والحضارة، في مواجهة الإرهاب والهمجية والتخلّف والدين والطائفية والمذهبية، لا طرفاً في صراع أو حوار.
يفسر هذا المنطق، وحده، لماذا فشلت، وسوف تفشل، حوارات السوريين جميعاً منذ أربع سنوات، كما يفسر كيف أصبح الحوار الفعلي الوحيد على سورية هو الذي يجري بين الأميركيين والإيرانيين.
لو كان عند الأسد ما يقدمه لسورية والسوريين، الآن أو في المستقبل، لما حوّل بلده إلى حطام وشعبه إلى لاجئين، ولو كان لدى المعارضة ما تنقذ به سورية، لما كنّا نتسوّل، اليوم، كلمة دعم من الآخرين. لذلك، يستطيع الأسد أن يرفض الحوار ويعلي سقفه، كما يشاء، فهو خارج التغطية، كما تقول اللغة العامية، وتستطيع المعارضة أن تضرب بسيفها الخشبي كما تريد، فهي بعيدة جداً عن صنع الأحداث.
حقيقة الأمر أن الحرب التي فجّرها الأسد لتقسيم الشعب، وسد باب التغيير، أطاحت حكمه ونظامه منذ زمن بعيد، وأن ما هو قائم في سورية، اليوم، هو نظام (البسدران)، أو الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلن قادته، منذ أيام، عن تشكيل حزب الله السوري وقواعد للباسيج في كل المحافظات الـ14، من دون أن يتجرأ مسؤول سوري واحد على النطق بكلمة.
سورية بلد محتل، لا يملك فيها أحد شيئاً سوى قوى الاحتلال. وبمثل هذه الحوارات التي تزيد السوريين انقساماً، لا يمكن أن نتقدم ولو خطوة واحدة، وسنتحول جميعاً إلى أزلام وأتباع.
لن يخلّص سورية إلا يقظة شعبها، يقظة تحول دونها، حتى الآن، المخاوف والأحقاد ومشاعر الانتقام الطائفية والإثنية والمناطقية التي أشعلها نظام امتهن صناعة العبودية والموت. وعلى الوطنيين المخلصين، داخل النظام وخارجه، تقع مسؤولية توحيد الشعب، من أجل دحر الاحتلال واستعادة وحدة سورية واستقلالها وحريات أبنائها. وليس للحوارات، في الوقت الضائع، سوى وظيفة واحدة، هي إدامة الوهم بأنه لا يزال هناك في سورية سلطة وحكم ونظام.
- See more at: http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/2/1/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF#sthash.TCZUPTHM.dpuf