samedi, avril 25, 2009

في استحالة قيام شراكة عربية

الاتحاد 25 مارس 09
في الإعداد لمؤتمر القمة العربية القادم أواخر هذا الشهر (آذار 09) في الدوحة، تتسارع خطى المصالحات العربية بين ما كان يسمى محور الاعتدال ومحور الممانعة، وآخرها كانت زيارة الرئيس السوري إلى عمان بعد قليل من انعقاد مؤتمر الرياض المصغر الذي جمع رؤساء مصر والعربية السعودية وسورية والكويت. وبالرغم مما تثيره هذه المصالحات من آمال عند قطاعات واسعة من الرأي العام العربي القلق على مصير بلدانه في مواجهة تحديات استراتيجية واقتصادية متزايدة، إلا أن قليل من العرب من يعتقد بوجود إمكانية لتحقيق تفاهم جدي يصدر عنه موقف عربي جديد مشترك. وبالمقابل تسيطر على الجميع فكرة أن المصالحة تتعلق بالاتفاق على طريقة أقل عنفا في حل الخلافات القائمة والتي ستظل قائمة، أكثر مما تتعلق بتجاوز الخلافات العميقة التي تشتت جهود الدول العربية.
والسؤال الذي يستحق الطرح في هذه المناسبة ليس من النوع الذي يبحث عن الأسباب التي حفزت الزعماء العرب على التقارب في هذه اللحظة بالذات أو إظهار التقارب فيما بينهم. فهو تقارب يبقى دون حدود ما هو مطلوب لإطلاق سياسة عربية مشتركة أصبحت أكثر من ضرورية وملحة لمواجهة مسائل التنمية والحفاظ على الاستقلال وقبل ذلك لوضع حد لمشروع الاستيطان والاحتلال الاسرائيلي، المستمر رغم مفاوضات السلام وبموازاتها، منذ عقود. فلماذا لا يمكن أن يكون هناك تفاهم عربي حقيقي، وما الذي منع جامعة الدول العربية التي طرحت نفسها بديلاً واقعياً، معتدلاً لمشروع الوحدة الشعبية والثورية، من أن تتحول، كما حصل في الكثير من بقاع الأرض، إلى منظمة إقليمية فاعلة في التنسيق بين جهود الشعوب الأعضاء فيها، وتوحيد قواها وإطلاق طاقاتها، من دون أن يهدد ذلك بأي شكل شخصيتها، على منوال المنظمات الإقليمية التي تكوّنت من دول لا تربط شعوبها بعضها ببعض، لا صلة قرابة، ولا لغة، ولا دين؟
نحن لسنا هنا أمام سؤال الوحدة العربية بالمعنى الذي طرحته الفلسفة القومية التي افترضت وجود أمة عربية واحدة ذات إرادة ورسالة خالدتين، تدفعانها لا محالة إلى تكوين دولة مركزية أو قومية موحدة. وأصل الاختلاف بين مشروع الوحدة القومية ومشروع الاتحاد بين دول مستقلة هو أن المشروع الأول يفترض وجود أمة قائمة في الوعي وفي المجتمع المدني معا، أي موحدة في الواقع حتى لو أنها لا تملك بنية دولة سياسية واحدة، وهي تنزع بالتالي إلى تجسيد وحدتها الفكرية والثقافية والاجتماعية في بناء دولة مركزية واحدة، كما حصل مع الألمان بعد انهيار جدار برلين عام 1989، أما المشروع الثاني فهو لا يفترض وجود أي تقارب ثقافي أو إتني أو اجتماعي بين البلدان. فهو اتحاد بين دول وشعوب مستقلة تملك كل منها ثقافتها وهويتها الخاصتين، ولكنها تعمل للتكتل والتقارب في ما بينها من أجل زيادة منافعها الاقتصادية والاستراتيجية، وتحسين شروط منافستها على الساحة الدولية، وتأمين مناخ أفضل لازدهار شعوبها جميعا. وقد كان تكوين منظمات تكامل أقتصادي اتجاها رئيسيا في العقود الماضية، نجم عنه ولادة تكتلات ثابتة ومنتجة في جميع القارات، من أوروبة المتقدمة إلى أفريقيا المتأخرة، مرورا بأمريكا اللاتينية وآسيا التي قطعت بعض بلدانها شوطا كبيرا في النمو فصار يطلق عليها سم البلدان الصاعدة.
في إطار ندوة عن الوحدة العربية عقدها في الشهر الماضي مركز دراسات الوحدة العربية، وطلب مني فيها الجواب على هذا السؤال دافعت عن أطروحة تفيد بأن التقدم نحو مشروع اتحادي أو تكتل إقليمي من هذا النمط يستدعي وجود دولة تتمثل فيها إلى حد أو آخر مصالح المجتمع الأساسية، وأن النخب التي تسيطر عليها وتقودها، تأمل في أن تضفي الشرعية على سلطتها وتمدد أو تجدد لنفسها في الحكم، من خلال تأمين تأييد شعبي أكبر، مما لا يمكن تحقيقه من دون تقديم آفاق وشروط أفضل لتحسين شروط حياة المجتمعات وتقديم إنجازات مادية وسياسية واستراتيجية وطنية لها. وهو ما يدفع بعض نخبها الأكثر نشاطا وحيوية إلى الاندفاع نحو التكتل والتفاهم وتجاوز الاختلافات والنزاعات التاريخية، كما كان عليه الامر بين الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا، أملا في أن يساهم هذا التكتل في تعزيز نموها الاقتصادي، وضمان استقرارها السياسي، وتوسيع هامش مبادرتها الاستراتيجية والأمنية.
لكن الأمر لا يطرح بالطريقة ذاتها في ما يتعلق بدول لم تكتسب بعد هويتها الحقيقية ولم تعرف حقيقة الاستقلال والسيادة الوطنية، كما أن النخب الحاكمة فيها لا تعتمد في وجودها ولا في إعادة إنتاج سيطرتها على تأييد الشعوب ودعمها، ولا تعتبر أن هذا التأييد هو الذي يضمن بقاءها في السلطة ويعزز نفوذها في إقليمها. بل بالعكس، إنها تنظر إلى مثل هذا التأييد والالتفاف حول النظام على أنه قيد لها يحرمها من هامش المبادرة الواسع الذي تحتاج إليه تجاه مجتمعاتها من أجل أن تتكيف مع السياسات الدولية التي تضمن لها وحدها الموارد المادية والاستراتيجية والسياسية التي تضفي على وجودها القوة بل الشرعية، التي هي هنا بالضرورة شرعية الموافقة الدولية لا القبول الشعبي. فهي دول مستقلة لكن شعوبها منزوعة السيادة، تخضع لنظم وسيطرة نخب اجتماعية تخشى شعوبها بقدر ما تخشى إقامة هيمنتها على دعمها وتأييدها.
ففي مثل هذه الدول التي تعيش في حجر نظم إقليمية شبه استعمارية، تعتمد اعتمادا واضحا في ضمان أمنها واستقرارها وإعادة إنتاج وسائل بقائها على غيرها، لا يمكن أن تنشأ سياسة وطنية تقدم مصلحة الدولة على مصلحة الفئة الحاكمة، وتضع المصالح العامة فوق المصالح الخاصة، وتنظر إلى تحسين شروط حياة السكان وتأهيل المجتمع للمستقبل باعتبارهما أولوية تسبق مهام السيطرة أو الحفاظ على النظام والمصالح السائدة فيه. بالعكس يشكل احتكار موارد البلاد شرطا ضروريا لبناء طبقة زبائنية تؤمن قاعدة اجتماعية يعتمد عليها النظام، كما يشكل عزل الشعوب عن محيطها وإبقائها في ما يشبه السجن الكبير شرطا آخر لتكريس سيطرة هذه الطبقة الزبائنية التي لا تملك لا فكرة إنسانية محركة ولا معارف استثنائية تعتد بها.
والواقع نحن هنا أمام نظم يرتبط مصيرها بمصير النخب والطبقات التي تحكمها، لا بالتفاهم مع شعوبها، ويقوم استقرارها على التفاهم مع الدول الكبرى التي تتحكم بغايات النظام الإقليمي الذي يحتويها لا على ما تقدمه لمجتمعاتها. وبالرغم من بعض المظاهر الخادعة، تشكل النظم هنا نوعا من المحميات السياسية التي تتغذى من مفهوم "الشرعية" الدولية وتعيش عليه أكثر بكثير مما تطمح إلى بناء شرعية وطنية داخلية، وتخاف من ابتعاد الدول الكبرى عنها أو مجافاتها لها أكثر مما تخشى أي ثورة أو انتفاضات داخلية. ولأنها لا تستطيع أن تتصرف في مثل هذه الوضعية الجيوسياسية من خارج قوانين التبعية ومنطقها، فهي لا يمكن أن تبتعد في سياساتها مهما حصل عن نطاق استراتيجية القوى العالمية المهيمنة. فهي أشبه بوكالة محلية للمركز، تستمد القوة والشرعية منه، وتقدّم له الخدمات، وتساهم في الاستقرار العام الذي يحتاج إليه ازدهاره واستمرار تسيّده. وهذا ما يفرغها من مضمونها القومي، بالمعنى الوطني والشعبي، ويحوّلها إلى دولة أصحاب السلطة والحكم فيها، فيضمر بعدها السياسي حتى لا يكاد يرى، وتنحطّ إلى دولة أجهزة لا دولة شعوب، ودولة سخرة وإكراه وفروض، لا دولة حقوق وحريات ومواطنية. لذلك ليس من المفارقة القول إن الوصول إلى صيغة اتحادية بين الوكالات العربية المتنافسة على المواقع الإقليمية ليست أكثر احتمالا من الصيغة الاندماجية التي توهمناها في الماضي، إن لم تكن أكثر إشكالية منها.

mercredi, avril 08, 2009

القمة العربية بين السياسة والدعاية

الاتحاد 10 أبريل 09
بالرغم من الأهمية الكبرى التي ينبغي أن تولى لمؤتمر العشرين الذي عقد في لندن في مطلع هذا الشهر، وصدرت عنه قرارات أساسية اعتبرها أعلب المراقبين والمحللين بداية إعادة تعريف وصياغة للنظام العالمي، إلا أنني أشعر أن من الضروري والواجب أن أتحدث عن مؤتمر القمة العربي الأخير الذي عقد في الدوحة ونال عن حق اسم مؤتمر المصالحة العربية. من جهة لأنني أعتقد أنه من دون تقدم حقيقي في العمل العربي المشترك، صيغه وقواعد عمله وآليات اتخاذ قراراته وتنفيذها، لن يكون لأي مجتمع من المجتمعات العربية أمل في مواجهة تحديات الحاضر ولا الوصول إلى أي هدف من أهدافه الأساسية الوطنية، ومن جهة ثانية لأنني أعتقد أيضا، أنه حتى إشعار آخر، لا يبدو أن هناك أملا في نشوء إطار بديل للجامعة العربية التي كرستها العقود الماضية، شئنا أم أبينا، إطارا لهذا العمل وميدانا للاستثمار فيه، بعد انحسار نظرية الثورة العربية القومية الشعبية.
وقد تضاربت الآراء في تقييم نتائج مؤتمر الدوحة. فبينما ظهر الزعماء العرب راضين عما حققوه، غلب على تعليقات المحللين السياسيين والصحفيين الشك، إن لم نقل خيبة الأمل الكاملة. وليس من الصعب فهم أسباب هذا التباين الكبير في المواقف. فرضى الزعماء عما أنجزوا نابع من شعورهم بأنهم حققوا بالفعل جزءا مهم من الأهداف التي تبدو ذات أولوية في نظرهم، وهي وضع حد لحالة النزاع العنيف والانقسام الدائم التي تكاد تقضي على صدقيتهم كقيادات سياسية صالحة وتحرمهم من أي أمل في التنسيق في ما بينهم في مرحلة معقدة ومحفوفة بمخاطر كبيرة لتأمين الحد الادنى من مصالحهم المشتركة، الأمنية والسياسية والاستراتيجية، في مواجهة خصومهم ونقادهم في الداخل الوطني والخارج الإقليمي والدولي معا. وفي المقابل، تعكس خيبة أمل المحللين والمراقبين السياسيين حقيقة أنه في ما يتجاوز موضوع المصالحة الذي يعني الحكومات والنظم العربية وحدها، وربما يعبر عن تضامنها في وجه مطالب شعوبها المؤجلة أو المنتظرة، لم يخرج عن مؤتمر القمة أي قرار مؤثر في كل ما يتعلق بالمسائل الحارقة التي تهم الشعوب والمجتمعات: فلا قرار واضح في شأن التنمية ومواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأزمة المالية، من بطالة وفقر وركود اقتصادي، ولا في شأن القضية الاستراتيجية الرئيسية التي تعنى بالأمن الوطني والإقليمي، أعني مواجهة تحدي الغطرسة الاسرائيلية واستمرار الاحتلال وحركة الاستيطان التي تعمق شك المجتمعات العربية بنفسها وقدراتها وتدمر ثقتها بمستقبلها، ولا في شأن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والإداري الذي وعدت به الشعوب العربية، وأصبح الموضوع الرئيسي لوسائل الإعلام المحلية والدولية تحت ضغط إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في بداية القرن.
لا ينبغي التقليل من أهمية المصالحة العرببة، تلك التي حدثت في مؤتمر الدوحة والتي ستحدث بعده، ولا يقلل الرأي العام العربي من أهيمتها، فهي تحمل بالنسبة له الأمل في احتمال أن ينجح العرب في وقف مسار التدهور القائم. بيد أن المصالحة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي بالنسبة للرأي العام وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وهو يحاكمها أو يحكم عليها، سلبا أو ايجابا، انطلاقا مما حققته أو يمكن أن تحققه من أهداف. فليست نتائج القمة واحدة إذا عنت المصالحة مثلا تفاهم الحكومات والنظم لدفن الإصلاح وتنظيم عملية التهميش والتحييد الكامل للشعوب وتكريس القطيعة معها، أو إذا كانت بالعكس من ذلك تعبيرا عن تفاهم الحكومات من أجل وضع خطة مشتركة وواضحة لمواجهة آثار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على البلاد العربية. وليست واحدة أيضا إذا جاءت المصالحة لتكريس السياسات الفاشلة أو لبلورة سياسات جديدة أكثر فعالية في مواجهة إسرائيل وسياسة الاستبطان.
والحال يكفي لمعرفة قيمة ما حصل في مؤتمر القمة العربية الأخير التمعن في البيان الذي صدر عنها ومقارنته بما يصدر عن المؤتمرات الدولية الأخرى، وفي مقدمها مؤتمر الدول العشرين الذي عقد بعد يومين منه. فهو يكاد يخلو من أي لغة قرار ويتلخص في بنود متتالية لا هدف لها سوى الإعلان عن الرأي أو التذكير بالحيثيات والمباديء الكبيرة والتأكيد على الانتماءات القومية والدينية. وهذه أمثلة من العبارات التي تبدأ بها كل القرارات المتخذة: الإعلان عن: - " التزامنا بالتضامن العربي"، "نشدد على تسوية الخلافات بالحوار"، "ندعو إلى مواصلة الجهود لتطوير منظومة العمل المشترك"، "نتوجه يتحية إكبار للشعب الفلسطيني"، "نعرب عن دعمنا الكامل للجهود العربية لإنهاء الانقسام الفلسطيني"، "نؤكد على عدم قبول التعطيل والمماطلة من قبل إسرائيل في تنفيذ استحقاقات السلام"، "نؤكد على ضرورة التوصل إلى حل عادل للصراع في إطار الشرعية الدولية"،% نؤكد على تضامننا مع السودان، ورفضنا لقرار الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية بشأن فخامة الرئيس عمر حسن أحمد البشير"، "ـنجدد التزامنا باحترام وحدة العراق وسيادته واستقلاله، وهويته العربية والإسلامية"، "نعرب عن ترحيبنا بالاتفاق الذي تم بين الأخوة في الصومال"، "نعرب عن الأمل في أن تتجاوب الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مبادرة دولة الإمارات العربية المتحدة والمساعي العربية لإيجاد حل لقضية الجزر الإماراتية الثلاث"، "نؤكد مجدداً على إدانتنا للإرهاب بجميع أشكاله"، "نطالب المجتمع الدولي العمل على إخلاء منطقة الشرق الأوسط من جميع أسلحة الدمار الشامل، وخاصة الأسلحة النووية"، "نؤكد على الحق المشروع للدول العربية في السعي للحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية"، "نشيد بالجهود المتواصلة التي تبذلها الدول العربية من أجل تعميق ممارسات الإدارة الرشيدة، وتطبيق مبدأ الشفافية والمسؤولية، والمساءلة والمشاركة الشعبية"، "ندعو الى تكثيف الحوار بين الثقافات والشعوب وإرساء ثقافة الانفتاح وقبول الآخر ودعم مبادئ التآخي والتسامح واحترام القيم الإنسانية"، "نرحب بنتائج قرارات القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية التي عقدت في الكويت خلال الفترة من 19 ـ 20 يناير 2009م، ونؤكد عزمنا على متابعة وتنفيذ نتائجها بما يخدم العمل العربي الاقتصادي المشترك، ويسهم في تنمية المجتمعات العربية"،%.نؤكد سعينا المتواصل لإنجاز منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى"، "نطالب المجتمع الدولي العمل على تضافر الجهود وتعزيز التعاون الوثيق بين دوله والمشاركة الفاعلة في الجهود العالمية الرامية الى تنفيذ الأهداف التنموية للألفية واستئصال الجوع والفقر"، "نؤكد على أهمية التنشئة الاجتماعية القويمة للطفل العربي"، "ندعو الى اتاحة الفرص امام الشباب لتمكينهم من المشاركة الفاعلة في حياة المجتمع"، "نشدد على إيلاء اللغة العربية اهتماما خاصا باعتبارها وعاء الفكر والثقافة العربيين ولكونها الحاضنة للتراث والثقافة والهوية".
واضح أن بيان القمة العربية ينطوي على خطاب هو أقرب إلى خطاب مثقفين مهمومين بقضايا شعوبهم، ويقتصر واجبهم، في إطار مهمتهم الفكرية والعلمية، على التعبير عن آرائهم ومناشدة الرأي العام للضغط على السلطة وحث المسؤولين السياسيين على العمل في هذا الاتجاه او ذاك، أي حسب المباديء التي يتمسكون بها ويدافعون عنها. فهم يفتقرون للسلطة السياسية وللموارد المادية وللوسائل التي يحتاج إليه العمل الجمعي والسياسي. لكن. لا يمكن لمثل هذا الخطاب أن يكون خطاب قادة سياسيين تقع في ديهم كل الصلاحيات والموارد والوسائل اللازمة لاتخاذ قرارات عملية وتحديد آليات تنفيذها ومتابعتها. فلا يدعو رجل السلطة، على سبيل المثال، إلى الحد من الفقر أو البطالة، وإنما عليه أن يقدم مشروعا عمليا في دائرة صلاحيته وسلطته، وهنا العالم العربي، للحد من الفقر، ويؤمن المبالغ الضرورية لذلك، ويحدد المؤسسات المسؤولية عن صرفها ومعايير هذا الصرف. وفي هذا المجال كان القرار يفترض أن يخصص مؤتمر القمة مبلغا من المال لمواجهة مشكلة تفاقم الفقر وإفلاس الشركات الصغيرة وتعاظم البطالة في البلدان العربية، كما فعلت الدول الكبرى. وبالمثل لا يدعو رجل ا لسلطة إلى متابعة الإصلاح ولكنه يطبق برنامج إصلاح ملموس ويعلن ذلك للرأي العام. كما لا يدعو رجل السلطة أعداءه إلى عدم المماطلة والتسويف في تحقيق السلام ولكنه يتخذ الإجراءات التي تمنع إسرائيل من التعطيل والمماطلة. فكان المطلوب مثلا في مثل هذه الحالة قرارات ذات مغزى استراتيجي من نوع تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، أو تكوين هيئة للتنسيق العسكري على المستوى العريي، أو خطة لتحديث الجيوش العربية وتجديد سلاحها، حتى تدرك إسرائيل بالفعل أن المبادرة العربية المغدورة ليست الكلمة الأخيرة للعرب. وكان من شأن هذه القرارات، حتى من دون التراجع عن اعتبار السلام خيارا استراتيجيا، إشعار العالم الصناعي الحساس لاستقرار الشرق الأوسط، وإسرائيل على الخصوص، بأن شيئا جديدا يحصل، في المعسكر العربي، ويحتاج إلى إعادة التفكير. ولا يقبل رجل السلطة أن يوقع على وثيقة اسمها وثيقة المصالحة، فالثقة لا تبنى بين الأطراف، ووحدة الصف لا يمكن ضمانها بالتوقيع على وثائق لا قيمة لها ولا مستقبل، ولكن من خلال الانخراط الفعلي في مشاريع تعاون مشتركة، اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، تضع الشعوب في مسار تعاون حقيقي في ما بينها، وتؤكد للعالم أجمع مقدرة العرب على تجاوز الخلافات وبناء إرادة موحدة.
يكفي لإدراك ذلك، ومعرفة الفرق بين بيان رجال السياسة وبيان رجال الدعاية والإعلام والاستعراض، أن نقارن هذا الخطاب مع ما صدر عن مؤتمر قمة العشرين الذي عقد في الأسبوع نفسه في لندن. فلن نجد في بيان هذا المؤتمر ولا وثائقه أي تأكيد أو تنديد أو تشديد وتهديد، وإنما إجابات والتزامات بخطط ووسائل عمل تتجسد في مخصصات مالية محددة لإنجاز الأهداف المنشودة. فأكثر ما يعبر عن مؤتمر العشرين ويعطي لانعقاده معنى هو تخصيصه ل 5000 مليار دولار لحفز الاقتصاد العالمي خلال سنتين، ورفع طاقة صندوق النقد الدولي إلى 1،1 ترليون دولار لمواجهة حاجات الدول الفقيرة، وزيادة حق السحب إلى 250 مليار، والاتفاق على خطة بقيمة 250 بليون دولار على مدى عامين لدعم تدفقات التجارة العالمية، ونشر قوائم سوداء عن الملاذات الضريبية والبلدان التي لا تحترم معايير مكافحة تبييض الأموال، وتلك التي لا تتعاون في مسائل الجرائم المالية. الإشراف على وكالات التصنيف: وهي التي اتهمت بأنها أخطأت في الحكم على المخاطر المرتبطة بالمنتوجات المضمونة ووضع حدّ لتضارب المصالح، إنشاء مجلس الرقابة المالية، وتحديد سقف مكافآت رؤساء الشركات المالية وربطه بالإداء. هكذا على كل مسألة من مسائل الاجندة المطروحة للبحث بهدف مواجهة خطر الكساد العام، كان هناك جواب وتامين موارد وتحديد جهة الاختصاص في العمل. والغاية «ان تؤدي الاجراءات المنسقة الى زيادة الانتاج العالمي بنسبة 4 في المئة بحلول نهاية 2010".
لماذا يغيب رجل السياسة في القمم العربية ولا يحضر إلا المعلم والموجه والمرشد الأخلاقي القومي أو الإنساني؟ وكيف يمكن لقادة لا تكاد توجد على سلطاتهم قيود أو حدود، أن يتصرفوا كرجال دعاية ودعوة وايمان، وينسوا مسؤولياتهم الأساسية، وما يعطي لسلطتهم نفسها معناها وقيمتها، أعني الفعل المؤثر في المجتمع والتاريخ؟ وفي هذه الحالة ألا يفسر هذا الفهم الخاص للسياسة بوصفها وجاهة وحق احتكار الصدارة والدعاية والكلام هو السبب في العداوة المرة التي يظهرها الحكام العرب للمثقفين. إذ، بالفعل، ماذا يبقى لهؤلاء من عمل إذا أصر المثقفون على إصدار البيانات نفسها التي يعتقد الزعماء السياسيون أن إصدارها يشكل جوهر مهمتهم، ومرتكز وجاهتهم، ومصدر شرعيتهم كرجال سلطة وحكم؟ لكن، بالمثل، ماذا يبقى للمثقفين من موقع إذا تحولت مؤتمرات القمم العربية إلى منابر أو منتديات للدعوة والتوجيه والتأديب والتعليم؟ للمثقف الكلمة، وللسياسي الفعل. وإذا لم يحترم كل منهما ميدان عمل الآخر وشروطه، أي حرية الكلمة وأسبقية الفعل، لن تكون هناك ثقافة ولا سياسة، وإنما فوضى شاملة، وتنازع على سلطة لم تعد تعي ذاتها ومسؤولياتها بين الجميع.