mercredi, octobre 29, 2008

العرب يدفعون ثمن انبهارهم بالثروة النفطية

حوار شامل مع برهان غليون
العرب الأسبوعي، 27/9/2008 عدد 174، لندن
أجراه حسن المصدق

- كيف تنظر إلى العلاقات الدولية في ظل التجاذبات الدولية الحالية بين هيمنة الولايات المتحدة ومحاولة العديد من الدول إعادة المنتظم الدولي إلى حظيرة عالم متعدد القطبية؟ وإلى أين يتجه النظام الدولي في نظرك؟ ومن ثم ما هي القيم التي ستسود في بداية الألفية الثالثة؟
غليون:
بعكس الاعتقاد الذي ساد غداة انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة لم يخلف زوال نظام القطبية الثنائية نظاما أحادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة، ولكن وضعا مضطربا ومشوشا، سعت واشنطن إلى استغلاله لفرض إرادتها كقوة عظمى وحيدة، والدفع في اتجاه نظام دولي أحادي القطبي يدور من حولها. وفي سبيل ذلك بدأت سلسلة الحروب التوسعية في العراق وفي أفغانستان، وعززت تحالفها مع إسرائيل، وأطلقت يدها في الشرق الأوسط أيضا باعتبارها أحد أدوات سيطرتها الإقليمية. وكان الهدف من هذه الحروب قطع الطريق بالفعل على انبثاق عالم متعدد الأقطاب خلفا لنظام القطبية الثنائية. لكن الولايات المتحدة لم تنجح في تحقيق أهدافها، وبدل بناء نظامها الامبرطوري الذي لم يكف المحللون السياسيون والجيوسياسيون عن التذكير به، نشرت الفوضى في كل المناطق التي حاولت السيطرة عليها كرافعة لاستراتيجيتها العالمية، وحولت منظمة صغيرة لا وزن ولا قيمة استراتيجية لها، القاعدة، إلى قطب ثان يقف أمام العالم الصناعي بأكمله ويستدعي إعلان حرب دولية، هي الحرب ضد الإرهاب.
في الواقع أثبتت التجربة الامريكية نفسها أنه لا توجد قوة اليوم قادرة على فرض نظام على العالم والتحكم به لوحدها، ولا توجيهه حسب أهدافها. وأن العالم الذي نعيش فيه متعدد الأقطاب فعليا، إذا نظرنا إليه من حيث الديناميكيات العميقة ومستويات القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. لكنها تعدديه لا تزال تفتقر إلى الاعتراف والتكريس السياسي والقانوني. أكثر ما يمكن أن تطمح إليه الولايات المتحدة اليوم هو أن تكون الأولى بين أسياد، لا السيد المطلق الوحيد. ولن ينتظم مسار العالم ونظامه قبل أن تستبطن واشنطن هذه القاعدة وتقبل بأن يكون التعاون والتفاهم والمفاوضات الجماعية هي قاعدة العمل لبناء سياسة دولية تفتقر إليها اليوم الإنسانية جمعاء.
ولا يمكن قيام مثل هذه السياسة من دون تطوير القانون الدولي وجعله حقيقة واقعة لا شعارا تختفي وراءه المطامع الخاصة للدول الكبرى. والذي يمنع من نشوء هذا النظام الدولي القائم بالفعل على القانون ليس الولايات المتحدة وحدها وإنما تردد الدول الصناعية جميعا، خوفا من أن تكون الأغلبية للدول النامية والفقيرة في أي مجلس تشاوري أو برلمان دولي.
لا يعني هذا أن الولايات المتحدة ليست دولة مؤثرة وليست قادرة على شن حروب وفرض مواقف وضمان مصالح ليس بإمكان أي دولة أخرى مجاراتها فيها. فهي القوة العظمى الاولى حتى امد منظور، وللقوة مكافأتها الطبيعية. لكن هذه القوة لن تسمح لها بفرض إرادتها على العالم وقيادته من غير موافقته. وتكفي مقاومة الدول الكبرى الاخرى السلبية لتحرم واشنطن من إمكانية تحقيق حلمها بقيادة المجموعة الدولية حسب مصالحها واجندتها القومية.
ستستمر الفوضى التي نعرفها ما لم تنجح الدول الكبرى والصغرى مجتمعة في التوصل إلى إعادة بناء العلاقات الدولية على أسس قانونية جدية. بمعنى إما أن يولد نظام عالمي جديد يستلهم قيم الشراكة الدولية التي يحتاج إليها العالم لمواجهة المشاكل والتحديات العالمية المشتركة والمترابطة، أو نسير في اتجاه نشر أكبر للفوضى وهدر فرص إقامة سلام عالمي قائم على قيم التضامن بين الشعوب من أجل السلام والإزدهار والتنمية الإنسانية.
- تحاول العولمة الجارية توحيد العالم ببأس شديد، بحيث تعميم النزعة الاستهلاكية وفتح الأسواق على أشده. هل تعتبر ردود الأفعال المتمثلة في النزعات القومية والدينية احتجاجا على توحيد الأنماط ببأس شديد، أم أن الإنسانية في بداية الألفية الثالثة ما زالت مرشحة لأن تعيش كثيرا من الأزمات؟
غليون:
العولمة التي شهدنا نموذجا عنها في العقود الماضية ليست هي السبب في خلق الأزمة أو الازمات التي تشهدها المجتمعات والعلاقات الدولية ولكنها ساهمت وتساهم في تفاقمها وتفجيرها. والسبب في ذلك أن العولمة مرتبطة بطفرة تقنية استفادت منها بالدرجة الأولى القوى التي كانت تملك ناصيتها وتحتضنها. فقد مكنتها من تطوير قدرتها الاستراتيجية والاقتصادية والثقافية والتقنية على الانتشار والتوسع والتمدد خارج حدودها واقتصاداتها ومحيطها الثقافي، لتدخل في عمق المجتمعات الأخرى وتحكمها من الداخل وتسلب إرادتها. وبوضعها نتائج هذه الطفرة في خدمة سياساتها الاقتصادية أو العسكرية سيطرت الدول الصناعية الكبرى على القرار العالمي جميعا، حتى صارت مجموعة الثمانية الكبار هيئة أركان دولية حقيقية لتسيير العالم وتوجيهه.
لكن الأمر ليس مؤامرة حبكتها هذه الدول في سبيل تفكيك الدول الأخرى والسطو على مواردها الاستراتيجية أو الاقتصادية. إنه النتيجة الطبيعية لتبدل علاقات القوة وتغير شكل السيطرة الدولية. فأمام ما تخلقه العولمة من تفاعلات وتشابكات بين المصائر العالمية فقدت الكثير من العقائديات الكلاسيكية المجمعة صدقيتها بسبب ضعف نجاعتها وعدم مسايرتها لشروط الحياة الجديدة، ومنها العقائديات القومية والاشتراكية التي تبنت نظرية التنمية الوطنية والمتحورة حول الذات، بل والعقائدية الديمقراطية ذاتها التي أصبحت تبدو أكثر فأكثر في تناقض مع الحتميات التي تفرضها على الشعوب والمجتمعات قوانين العولمة الاقتصادية.
هنا يكمن التفسير الصحيح لتفكك الجماعات الوطنية أو شبه الوطنية التي انتشرت على الخريطة العالمية بعد حروب التحرير الوطنية عشية الحرب العالمية الثانية. فبقدر ما أخفقت هذه القوميات في خلق الفضاءات القادرة على احتضان الطفرة التقنية الجديدة واستيعابها والاستفادة منها، حكمت على نفسها بالتراجع والموت أمام صعود التشكيلات القارية الكبرى والتكتلات الإقليمية التي أتاحتها وشجعت عليها تقنيات العولمة نفسها. من هنا لم تكن نتائج الثورة التقنية التي قامت عليها العولمة واحدة ومتساوية بالنسبة لجميع البلدان والمجتمعات. فالخاسر الاول منها هي الشعوب التي بقيت تعيش في حدودها القومية او الوطنية الضيقة ولم تعرف كيف توسع أفق عملها وتطور استراتيجيات من مستوى العالمية، وفي مقدم هذه البلدان الأقطار العربية والأفريقية. بالمقابل استطاعت الصين والهند والعديد من التكتلات الآسيوية واللاتينية الأخرى أن تستثمر العولمة لصالحها وتستخدمها لتحقيق نقلة نوعية من اقتصاد الدولة البيرقراطي الجامد نحو اقتصاد السوق العالمية. ومنتجاتها تغزو اليوم بفضل العولمة العالم بأكمله. وبالطبع يدفع العرب ثمن انبهارهم بالثروة النفطية وتمسكهم بحدود قطرية تحولت مع الزمن إلى سجون للشعوب بالمعنى الحرفي والمجازي معا، بدل التجمع لخوض غمار ثورة تقنية وصناعية كان من المفروض أن تضعهم ككتلة بشرية تعد أكثر من ثلاث مئة مليون ساكن، في صف الدول أو الاتحادات الكبرى وتحولهم إلى طرف في الحياة والسياسة الدولية، إلى جانب الكتل الأوروبية والأمريكية والهندية والصينية واللاتينية.

- كيف للعالم العالم العربي أن يحمي ثقافته من خطر الذوبان في ثقافة العولمة؟ بمعنى أي مستقبل ينتظر الثقافة العربية في تداعيات أنقاض فشل المشاريع القومية وبرامج الحركات الإسلامية السياسية؟ هل ثمة بديل وسط بين ضرورات العولمة وبين خصوصية المجتمعات العربية؟ أم أنك مع الذين يدافعون عن ضرورة تمثل قيم العولمة من فردية ومنافسة وانفتاح؟
غليون:
لم أعتقد لحظة في أن هناك تناقضا بين الحفاظ على الهوية وتمثل واستيعاب التجديدات الحضارية والقيم المرتبطة بها، العلمية منها والتقنية والإدارية والسياسية والاقتصادية. فليست الهوية مستودعا للقيم الثابتة، او كما أقول عادة ليست ماهية لا تتغير ولا تتحول، ولكنها إرادة استقلالية وقوة ذاتية. وليس لنا كذات جماعية حظ في الاحتفاظ باستقلاليتنا وشعورنا بتميزنا وعنايتنا بثقافتنا وارتباطنا بتاريخنا سوى بتمثل القيم الحضارية الإنسانية التي تمكننا وحدها من أن نكون ذاتا فاعلة في التاريخ وطرفا في تقرير المصائر العالمية. ومن دون ذلك سنسقط أكثر فأكثر في أزمة هوية ونتنازع في ما بيننا على اقتسام تراثنا الثقافي وتشييئه، وتتفتت صورتنا الذاتية. وخير مثال على ذلك تركيا التي لم تكن أكثر قومية ولا أقرب إلى تراثها الديني وتمسكا به مما هي عليه اليوم بعد أن حققت جزءا من ثورتها الصناعية، وأصبحت شريكا حقيقيا للكتلة الاوروبية، حتى لو انها لم تدخل بعد كعضو في الاتحاد الأوروبي. واصرارها على الدخول فيه يعكس ثقتها بنفسها لا ضعفا في هويتها ولا هربا منها. بالعكس أوربة هي الخائفة من إدخالها إلى دائرتها الثقافية.
- ما رأيك في الربط الحاصل في خطاب الحركات الإسلامية والقومية بين العولمة والأمركة، إلى أي حد صحيح هذا الربط؟ وهل يمكن أن نرفض العولمة بسهولة؟
غليون:
يأتي الريط من واقع أن الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب وزنها الاستثنائي في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك في الصناعة الثقافية، بل خاصة في هذه الصناعة الحساسة، وتفوقها التكنولوجي وريادتها في ثورة المعلومات، هي الاكثر تحكما في آليات العولمة وسيطرة عليها. وهي تستخدمها بالتاكيد لخدمة مصالحها القومية وتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز دورها ومواقعها الاستراتيجية. من لا يرى هذا لا يرى حقيقة ما يجري في عالمنا.
بيد أن تاكيد ذلك لا يعني أن العولمة ثمرة إرادة أمريكية في السيطرة على العالم. إنها ثمرة طفرة تقنية تستغلها الولايات المتحدة بسبب ما تتمتع به من قوى وموارد وإمكانيات استثنائية لتفرض إرادتها. لكن ديناميكيات العولمة تتجاوزها هي نفسها، وتهدد مع الزمن بقلب المعادلة تماما ضدها. وأكبر مثال على ذلك الصعود المضطرد للقوى الآسيوية الصينية والهندية على أرضية العولمة نفسها. وليس الحل في رفض العولمة أو إدانتها أو الهرب منها، لأنه لا حل بالهرب من واقع قائم، وإنما بتغيير هذا الواقع، والعمل مع القوى المتضررة من العولمة الليبرالية، أي الأمريكية، فهي أمريكية لأن أمريكا مركز السوق الليبرالية، في سبيل ضبط حركتها وإخضاعها لقيم ومباديء تحفظ استقرار المجتمعات وتضامنها وتماسكها بدل أن تقود إلى تفتتها وتفريغها من الروابط التضامنية.
وإذا كان هذا التحليل صحيحا، فقسم كبير من المسؤولية يقع على الدولة الصغرى، وفي مقدمها الدول العربية التي كانت ضحية العولمة الرئيسية، في عدم القيام بالتحويلات والمبادرات اللازمة لتجنب الانجراف في طوفان العولمة وتأمين الشروط التي تمكن من السباحة فيها ومواجهة التحديات التي تنجم عنها. فهل تبنت الحكومات العربية سياسات وبنت استراتيجيات إقليمية ضرورية لتجنب هذا الانجراف، أم استمرت تعيش كما لو لم تكن هناك مخاطر ولا ضرورات لتغيير السياسات والخيارات التقليدية، الإقليمية والوطنية؟ باختصار أصبحت العولمة قدرا لأننا لم نسع إلى فهم آلياتها ولا اتخذنا الإجراءات الكفيلة بتعزيز مواقعنا أمام العواصف التي تهب منها. العولمة لا ترفض ولا تدان ولكن تواجه بسياسات واستراتيجيات تثقيل ذاتية، وتجميع للقوى والموارد العربية والإقليمية، لا بإطلاق الحروب والنزاعات وتغذية الأحقاد الدينية والقومية والطائفية والعشائرية. يقع القسم الأكبر من المسؤولية على نخبنا الحاكمة والتي لا تكاد تهتم بمصير شعوبها ومجتمعاتها ولا تفكر إلا بخدمة مصالحها الخاصة، كما يقع أيضا على المثقفين والناشطين الذين ألهتهم المماحكات والنزاعات الشخصية والبحث عن البهارج والانتصارات الكاذبة عن أخذ الأمور بجدية والعمل على بناء وعي نقدي وموضوعي بموضوعات التحول الدولية الخطيرة التي برزت في العقود الماضية، وفي مقدمها العولمة عند الرأي العام.

- الطفرة التكنومعلوماتية تلقي بظلالها على العالم، ما هو السبيل لكي يتدارك العالم العربي في نظرك تخلفه والعثرات التي رافقت تحديث البلدان العربية؟ هل ما زالت ثمة حاجة إلى تنمية مستقلة في ظل عالم أصبح مرتبطا أقصاه بأدناه؟ أم أن التنمية في الحقيقة اليوم تنطلق من مزيد ارتباط الوطني بالعالمي والبحث عن الهامش من الحركة في هذا الارتباط، بحيث لا مجال لتنمية مستقلة.
غليون:
أصبجت التنمية بالتاكيد قضية عالمية، من جهة لأن الترابط بين أجزاء العالم على المستوى الاقتصادي (الرساميل، التمويل، الاستثمارات، التقنيات، الخبرات، الأسواق إلخ) لم يعد من الممكن تجاوزه أو التغاضي عنه، ومن جهة ثانية لأن أي بلد لا يستطيع اليوم أن ينعزل بنفسه ويقيم اقتصاده على أسس وقوانين خاصة به، أو مغايرة لتلك السائدة في عالم اقتصاد السوق الموحد أو شبه الموحد. لكن هذا لا يعني أن صيغة هذه السوق مثالية أو أنها ليست قابلة للنقاش والتعديل من قبل الدول والمجتمعات. كما لا يعني أنه لم تعد هناك حاجة إلى سياسة مركزية وطنية، وأنه يكفي فتح البلدان والأسواق بتطبيق السياسات ا لليبرالية، كما هو سائد في بلداننا، حتى تتحقق التنمية. بل إن العكس هو الصحيح. لم تكن الحاجة إلى تفاهم بين الدول الصغيرة والكبيرة لضبط مسار العولمة الليبرالية، ولا لبلورة سياسة وطنية ذكية ونبيهة ومخلصة لمصالح الكتلة الوطنية الواسعة، كما هي عليه اليوم. ذلك أن غياب التفاهم الدولي الذي يستدعي مفاوضات جدية وعادلة لا يمكن إلا أن يقود إلى تفاقم التناقضات والتشوهات التي تفرزها العولمة المنفلتة من عقالها، تماما كما أن غياب الإدارة والقيادة النبيهة والنشيطة ذات الرؤية الوطنية داخل كل دولة يهدد بأن يجعل من الاقتصاد المحلي مزرعة لرجال المال والأعمال وشبكات المافية الدولية. وهذا ما نشهده بالفعل في منطقتنا ومناطق أخرى متخلفة مثلنا في العالم. وشرط وجود هذه القيادة والسياسة الوطنية المرتبطة بها تعزيز مشاركة الشعوب في الحياة العامة وتنمية وعيها الجمعي وحسها بالمسؤولية وإشراكها في عمليات اتخاذ القرارت على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية. نعم هناك مكان إذن للسياسة الوطنية التنموية وللخطط الرؤيوية حتى لو لم تكن هناك تنمية متمحورة حول الذات ومسورة بالحدود الوطنية. هذا يعني أنه كما أن من الممكن أن تقوم التنمية على خيارات وطنية، أي تلحظ مصالح السكان وكتلتهم الرئيسية، يمكن أن تقوم على خيارات تبدو عشوائية لكنها لا تخدم في الواقع سوى أصحاب المصالح الكبرى المرتبطين هم أنفسهم بالشركات العالمية والمنخرطين في الاقتصاد الدولي.

- هل سيستطيع صندوق النقد الدولي والبنك العالمي فرض الليبرالية في النهاية، ومن ثم يمكن قراءة تداعيات مراحل التقويم الهيكلي على الرغم مما ما رافقها من انتقادات حادة، أنها أثبتت هذا الخيار على اقتصاديات دول الجنوب والشرق، ما انتهى بها إلى السعي إلى مطابقة سياساتها الاقتصادية مع معايير اقتصاد السوق ولو بالإكراه والضغوط، بخاصة أن خلق الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (Nepad) سنة 2001 مثلا، انتهى إلى تبني "توافق واشنطن" ( مجمل سياسات الإصلاح الليبرالي المفروضة من طرف صندوق النقد الولي والبنك العالمي)؟

غليون:
لم يعد صندون النقد الدولي هو الذي يفرض السياسات الليبرالية على الدول. أصبحت هذه الدول نفسها هي التي تهرع للأسف إلى تطبيق وصفات هذا الصندوق، والمزاودة في تقديم التنازلات السياسية والقانونية، لتضمن اجتذاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية، حتى لا تبقى خارج الدائرة الاقتصادية العالمية، وتؤمن فرص العمل اللازمة لشبابها الباطل عن العمل. إذن لم يعد تبني اقتصاد السوق موضوع جدال واخذ ورد كما كان عليه الحال في الحقبة السابقة التي سيطرت عليها نظريات التنمية الاشتراكية والمستقلة. ما أصبح موضوع جدال هو أمرين. الأول: أي اقتصاد سوق على المستوى القطري ينبغي تطبيقه، وما هي الإجراءات وشبكات الحماية الاجتماعية وآليات توزيع الدخل وضبط التفاوت بين فئات الدخل المختلفة. والثاني ما هي السياسات التي تضبط اقتصاد السوق العالمية وتحدد آليات عملها لتضمن فرصا فعلية للتنمية في البلدان الفقيرة، وتجنب العولمة من أن تكون آلة جبارة لتركيز الثروة بين يدي دول محدودة تسيطر على الانتاج والتجارة الدولية، على المستوى العالمي، وتجميع الثروة، داخل هذه الدول القليلة نفسها، بين يدي نسبة محدود وصغيرة من السكان، وترك جماعات كبيرة على قارعة الطريق أو في المعازل والضواحي البعيدة والمهمشة. السؤال يتعلق في الحالتين إذن بالبعد الاجتماعي للسياسات الاقتصادية القائمة على السوق. وهذا ما يميز السياسات الليبرالية المحافظة عن السياسات الاشتراكية الديمقراطية التي تتقاسم السيطرة الايديولوجية اليوم في العالم. فالأولى تعتبر التحرير الاقتصادي من دون شروط كفيلا بحل التناقضات الاجتماعية والسياسية التي يخلقها تراكم رأس المال، ولا حاجة إلى تدخل سياسي كبير من قبل الدولة لتعديل المسارات القائمة وتشذيبها وضبطها، والثانية تدعو بالعكس إلى ربط اقتصاد السوق بسياسات اجتماعية تعزز تضامن المجتمع وتضمن قدرا كبيرا من العدالة والمساواة واحترام الحياة والكرامة الإنسانية، ولا تعتبر أن معايير الربحية والمردودية الاقتصادية كافية لإقامة مجتمع إنساني متكافل، حتى لو نجحت في إقامة اقتصاد نشيط وديناميكي. وهذا أيضا مشكوك فيه.

- ما مدى صحة شعار " حوار الحضارات" الذي رفع كبديل ل"صدام الحضارات" في بداية الألفية الثالثة؟ أم أن الشعار الأول والشعار الثاني مجرد شعار أيديولوجي تم تسويقهما على إثر أحداث 11 شتنبر؟

غليون:
في مواجهة رياح الحرب التي هبت من الأطلسي باسم الصراع بين الحضارات، وعلى ضوء تبدل موازين القوى الدولية بعد انهيار الكتلة السوفييتية وتبخر حركات التحرر الوطنية، أطلق بعضنا في العالم الاسلامي فكرة حوار الحضارات، من جهة كرد على حرب الحضارات، ومن جهة ثانية كوسيلة لتأكيد وجودنا على المستوى الثقافي والدفاع عن هويتنا كما اعتقد الكثيرون، في وجه السيطرة المتنامية للثقافة الغربية. وليس من قبيل الصدفة أن الغرب تلقف بسرعة هذا الشعار ورحب به، بعد أن رفض منذ عقود ولا يزال يرفض أي مشروع لحوار دولي ولمفاوضات شاملة تشارك فيها جميع التكتلات والجماعات السياسية وتطرح مشاكل العالم الحديث للبحث· ففي تصويره العالم على أساس وجود حضارات مكتفية بنفسها ومنغلقة على ذاتها، تخضع لها الشعوب المختلفة، يوحي هذا الشعار بغياب المسؤوليات الدولية عما يحدث للشعوب وتفسير ما يعيشه معظمها من حالات مأساوية، مع تزايد الفقر والبؤس والتهميش والتسلط والديكتاتورية وتفكك الدول والجماعات، اعتمادا على منظومة قيمها وتراثها واعتقاداتها الدينية. فهو يحمل مسؤولية نشوء هذه الأوضاع وأسباب تطورها إلى الخصوصيات الحضارية، ويتجاهل دور السياسات الدولية الواعية والمختارة، في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية معا، وما قادت إليه من إدماج العالم في حركة واحدة، وما نجم عنها من توزيع غير عادل للموارد المادية والمعنوية معا·
وبهذا المعنى أعتقد أن التنازل الذي يمثله حوار الحضارات هو جائزة الترضية المسمومة التي قدمتها لنا الدول الصناعية الكبرى التي تسيطر على شؤون العالم، تعويضا عن التدمير المستمر الذي تحدثه سياساتها في ثقافاتنا ومجتمعاتنا نفسها.
ومع ذلك ليس لنا مهرب الآن من خوض هذا الحوار، على أمل تطويره وتحويله إلى مفاوضات سياسية متعددة الأطراف حول المصائر العالمية. فإذا لم نفعل ذلك، أو أخفقنا فيه، وقبلنا الدخول في لعبة المباراة بين الحضارات والثقافات وقيمها الدينية والتراثية، سنلعب لعبة الدول الصناعية التي تريد استخدام حوار الثقافات والحضارات للتغطية على مسؤولياتها الدولية، مقابل إرضاء المسلمين والجماعات الثقافية الضعيفة الأخرى ببعض التنازلات المعنوية في ميدان الاعتراف الشكلي بقيمة الحضارات والثقافات غير الأوربية وحقها في التعبير عن نفسها، أو في تطبيق قيمها داخل مجالها الخاص· وفي هذه الحالة لن تكون نتائج حوار الحضارات هذا أفضل من تلك التي نتجت عن الدعوة التي انتشرت في الستينات من القرن العشرين لاحترام الاختلاف الثقافي، وكان هدفها الاعتراف الشكلي بالهوية الثقافية الخاصة بكل شعب بديلا عن مناقشة جدية لبرنامج إصلاح النظام الدولي على الصعيد الاقتصادي والإعلامي والعسكري معا·

- التحولات الدولية في بداية الألفية الثالثة، انعكست تشرذما وتفاقما للأزمة في العالم العربي. ذلك أن مشروع الشرق الأوسط الكبير حمل معه تفتيت الحد الأدنى من السياسات العربية الذي كان قائما ولو اسميا، لكن الجديد في الشرق الأوسط ظهور المحور السوري الإيراني.
بوصفك مطلعا على ما يجري في دمشق، هل ترى ثمة مصداقية في خروج قادة دمشق عن الخط العربي في مواجهة الأطماع الإيرانية في العراق ودول الخليج العربي؟ وكيف تنظر إلى حالة العزلة التي تعيشها سوريا حاليا بعد أن اصبحت في واجهة الأحداث بمناسبة أو بدون مناسبة، وبالتالي ما هو السبيل للخروج من عنق الزجاجة الحالي؟ وهل تراهن على عودة دمشق إلى الصف العربي؟
غليون:
العالم العربي مفتت قبل مشروع الشرق الاوسط الكبير. وتفتته هو النيتجة الطبيعية لإخفاق نظامه الجماعي، أعني جامعة الدول العربية، وهي المقصودة بالنظام العربي، في تحقيق المهام التي أقيمت من أجلها، أو التي اعتقدنا أنها أقيمت من اجلها، سواء أكان ذلك تأمين الأمن للدول العربية، أو الوقوف في وجه التوسعية الاسرائيلية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة، أو خلق شروط التنمية الاجتماعية والانسانية في المنطقة العربية. في جميع هذه المجالات فشل النظام العربي ولم يعد له صدقية في نظر أصحابه، من المسؤولين والرأي العام معا، وفقد بالتالي مبرر وجوده. ما هو قائم منذ الحرب العراقية الأولى هو واجهة شكلية لجامعة عربية لا وزن لها ولا دور.
وهذا ما يفسر سعي الأطراف العربية المختلفة إلى إعادة إدراج نفسها في منظومات خارجية بصورة مباشرة وعلنية، كما فعلت دول الخليج التي وقعت جميعا على اتفاقيات استراتيجية، وأعادت فتح القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، أو المغرب العربي الذي اتجه نحو أوروبة والولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي، أو سورية التي احتمت بالجمهورية الإسلامية الايرانية.
بالتأكيد لم يخدم إعلان التحالف الاستراتيجي هذا سورية. فقد وضعها في معسكر واحد مع ايران الاسلامية التي تثير سياستها تحت قيادة أحمدي نجاد حفيظة الكتلة الغربية، وأقلق كثيرا بلدان الخليج وباقي الدول العربية التي تشعر بأن أحد أقطاب منظومتها قد انتقل إلى الصف المقابل، بدل أن يكون ظهيرا لها في مواجهة ما تعتقد أنه سياسات ايران ومطامحها القومية الهيمنية. لكن هذا التحالف وإن عزل سورية إلا أنه أمن دعما كبيرا للنظام من الناحية الاستراتيجية والسياسية والمالية. ومن دونه ربما لم يكن بإمكان النظام الاستمرار في مواجهة الضغوط والتهديدات الأمريكية والاوروبية.
ليس المطلوب من النظام السوري في نظري فك تحالفه مع ايران بالضرورة، ولكن استخدام علاقاته بها، كما كان يفعل النظام في عهد الرئيس السابق، لصالح الأهداف العربية. لكن هذا يقتضي مسبقا التفاهم حول هذه الأهداف مع الدول العربية، وقبل ذلك وضع مصالح النظام في الدرجة الثانية بعد المصالح الوطنية السورية. وهذا ليس بالأمر السهل ولا الممكن ربما اليوم.

- كيف تنظر إلى مستقبل العراق؟ ما هو المطلوب عربيا في إنقاذه من خطر التمزيق العرقي والانقسام الطائفي؟
غليون:
في إطار الصراعات الدامية التي تعرفها المنطقة المشرقية ليس من السهل لمن يسقط أن يستطيع الوقوف على قدميه من جديد. وقد سقط العراق بسبب تفكك لحمتة الوطنية بعد عقود طويلة من الطغيان الفردي والحكم العشائري الشمولي الذي لم يترك متنفسا لحياة سياسية ولا لقانون ولا لكرامة إنسانية. لم يفعل الأمريكيون في سعيهم لإلحاق العراق بممتلكاتهم الامبرطورية، بوصفه من البلاد التي تملك أكبر احتياطيات للنفط في العالم، سوى استثمار هذا الهشيم الانساني الذي خلفه الطغيان وإعادة تثميره في بناء دولة ضعيفة متقاسمة بين الطوائف والعشائر البدوية، لا يستقيم نظامها ولا يستقر من دون وساطة الدولة الأمريكية ووصايتها المباشرة والدائمة. وبالرغم من الإخفاق المدوي لمشروع احتلال العراق، والخسائر الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة فيه، لا يزال هدف واشنطن قائما لم يتغير، أعني وضع اليد على العراق وعدم التراجع عنه مهما كان الثمن، وفي سبيل ذلك الاستمرار بالتلاعب بمكوناته الطائفية والعشائرية وإثارة النزاعات في ما بينها إذا لزم الأمر. ولا أعتقد أن العرب يمكن أن يلعبوا دورا في انقاذ العراق. فمن جهة هم أنفسهم لم يعودوا يشكلون لاعبا إقليميا يحسب له حساب، قادرا على المبادرة والتأثير، كما أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بالتخلي عن العراق أو تقاسم النفوذ فيه مع العرب، حتى لو كانوا من خيرة حلفائها. يمكن لواشنطن أن تستخدمهم كأدوات لكن لا كشركاء كاملين أو جزئيين. على العراقيين أن يراهنوا على انفسهم ويتجاوزوا خلافاتهم ويكتشفوا الطريق المسدود للمنافسات الطائفية والمنازعات العشائرية. وإذا لم يصحوا هم أنفسهم ويستيقظوا سيكون طريق الخلاص طويلا جدا.

- ما هي الخيارات البديلة أمام العرب في لعبة شد الحبل التي تجري في العراق لبنان وفلسطين بين أمريكا وإيران بسبب الملف النووي والموقف من إسرائيل وسياسة أمريكا في الشرق الأوسط؟
غليون:
ليس لهم خيارات كما ذكرت. فأنظمتهم نفسها بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة ومباركتها للبقاء والاستمرار، وليس لأي منها أجندة إقليمية. وحتى في قضية مركزية وتاريخية مثل قضية فلسطين، لم يعد للعرب حضور تقريبا، وبات على الشعب الفلسطيني أن يواجه وحيدا عتاة الحرب الإسرائيلية.
- هل ترى فيما تقوم به إيران من تدخل سافر في الشرق الأوسط، سيعمي الدول العربية من رؤية حجم المآسي التي أحدثها الاحتلال الأمريكي في العراق؟ أم أن الأخطبوط الإيراني يوازي في درجته قذاعة التدخل الأمريكي؟ وبالتالي ليس من خيار أمام العرب غير رفضهما معا. وهل ثمة خيار أصلا في لعبة هذه المعادلة الصعبة؟
غليون:
على العرب، أعني الحكومات العربية، إذا لم تشأ أن تخسر جميع رهاناتها في المنطقة لصالح ايران والولايات المتحدة اللتين تتقاسمان عمليا النفوذ اليوم وتفرضنا أجندتهما عليها وتحولانها إلى ساحة لحرب باردة وربما ساخنة جديدة، أن يفتحوا مفاوضات شاملة وجدية مع جميع الأطراف، ويسعوا إلى التوصل إلى اتفاقات حول المسائل العالقة والمتنازع عليها، الامنية والسياسية وغيرها. وليس لهم مخرج آخر غير ذلك. لكن حتى ينجحوا في فتح هذه المفاوضات ينبغي أن يحظوا بالصدقية، ولا يمكن لهم تحقيق ذلك من دون النجاح مسبقا في التفاهم في ما بينهم وتأكيد وحدة صفهم واستقلالهم تجاه الكتل والأقطاب الخارجية والأجنبية، الايرانية والأمريكية معا. وهذا يتطلب قيادات أخرى أكثر تحسسا للمصالح الوطنية لشعوبها من البحث عن تأمين المغانم ومراكمة المنافع لهم ولأبناء أسرهم وأحفادهم وأزلامهم وأنصارهم. لا يدفع كل هذا إلى التفاؤل كما ترى.

- كما هو معروف، الحرب هي أفضل تعبير عن مأزق السياسة، أو لنستعير عبارة البارون كلاوزفيتش، هي “مواصلة السياسة بطرق أخرى”… فبرأيك، من المسؤول عن المأزق السياسي الذي يعاني منه لبنان سواء قبل الحرب الإسرائيلية أو بعدها؟
غليون:

لم يكن من السهل على لبنان الذي يقع بين سورية وإسرائيل المسلحتين حتى العظم، واللتين تعيشان حالة حرب دائمة، أن يجنب نفسه التحول إلى مسرح لحرب بالوكالة او حرب ثانوية توفر على البلدين الحرب الشاملة وتسمح لهما بالاستمرار في الضغوط المتبادلة في الوقت نفسه. وتاريخ لبنان منذ الثمانينات تاريخ سعي الطرفين القويين على السيطرة عليه لتأمين مواقع استراتيجية ضد الطرف الآخر. فالصراع على لبنان هو جزء من الحرب الإقليمية الرئيسية التي تفجرت منذ أكثر من نصف قرن حول فلسطين ومن ورائها على السيطرة الاستراتيجية على المشرق العربي، والتي لم تحسم بعد ولم تنته.
لكن ليس هناك شك أيضا في أن نوعية النخبة اللبنانية الحاكمة والسائدة، ونظامه القائم على التوزيع الطائفي للحصص والمناصب ومواقع النفوذ، قد أضعف الدولة اللبنانية ومنع من بناء وطنية قوية قادرة على ضمان وحدة الشعب والدفاع عن استقلال البلاد . وكما انجرف طرف منها نحو الدولة الاسرائيلية لتحسين موقفه تجاه الطرف الآخر في الحرب الأهلية، التحق آخرون بالدولة السورية وراهنوا على دعمها كي يمنعوا لبنان من التحول إلى منطقة نفوذ إسرائلية. ولا يزال هذا الوضع قائما بطريقة أخرى اليوم. فانسحاب السوريين من لبنان خلف خوفا عند جزء من الرأي العام من أن يتحول لبنان إلى محمية أمريكية، بينما يدفع الدعم الذي تقدمه سورية لحزب الله إلى تنمية مشاعر الخوف لدى فئة أخرى من الرأي العام الذي يخشى عودة الوصاية السورية بصورة غير مباشرة. والواقع أن تحول لبنان إلى مسرح صراع بين سورية وإسرائيل واليوم بين المحور السوري الايراني والمحور الأمريكي الاسرائيلي لا يمكن فصله عن تفكك الوطنية اللبنانية وانقسام اللبنانيين ونخبتهم نفسها. لكن في المحصلة، كما أن أزمة لبنان جزء من أزمة المنطقة، ليس لمشكلة لبنان حل خارج عن حل مشاكل المنطقة وبعيدا عنه. لن يمكن تأمين لبنان من دون معالجة الملفات الرئيسية، الفلسطينية والسورية والايرانية.

- أود أن أسألك عن علاقة هذا كله بالقضية الفلسطينية، باعتبار أن الحركة القومية العربية والحركات الإسلامية ركزت منذ الانطلاق على محورية هذه القضية واعتبرj القضية الفلسطينية قضية وطنية. هل ترى أن فشل القومية العربية والحركات الإسلامية كان له تأثير سلبي على حل القضية الفلسطينية؟ وبعبارة أخرى، هل انعدام الحل الى حد الآن هو أيضا نتيجة لفشل العمل القومي العربي والإسلامي معا؟
غليون:
دعني أقول إن أصل المشكلة كلها هي القضية الاسرائيلية وجذورها القائمة في المسألة اليهودية أكثر منه في القضية الفلسطينية. القسم الأكبر من الحروب والأزمات وانفجار العنف المأساوي في الشرق الأوسط هو النتيجة المباشرة أو غير المباشرة لحل المسألة اليهودية بالطريقة الهمجية التي حلت بها، أي على حساب شعب كامل ومقابل تشريده من أراضيه وتحويله إلى لاجئنين، وإنكار حق هؤلاء في العودة إلى أراضيهم، والسعي بجميع الوسائل إلى محو قضيتهم من السجلات الدولية، وإذا أمكن تغييبهم كليا وإنكار وجودهم كشعب وكقضية وكحالة إنسانية. كل ما حصل بعد ذلك وفي سبيل ذلك صدر عن إرادة فرض دولة يهودية بالقوة، وجعلها دولة صافية قدر المستطاع والسعي إلى تأمينها بالوسائل العسكرية. من هنا بدأت الحروب وسباق التسلح وصعود الشعبوية العربية، القومية أولا ثم الإسلامية، والنزاعات بين القيادات العربية على الزعامة الإقليمية العربية، والديكتاتوريات العسكرية، وسيطرة الأجهزة الأمنية، والنزاعات العربية العربية، والمزاودات في إظهار الوطنية، والكذب على الرأي العام وخداعه، ولاحقا الدمار السياسي والأخلاقي الذي عرفته المجتمعات العربية، بشكل خاص المشرقية. أما القومية العربية فلم تكن جزءا من الحل ولكن جزءا من المشكلة، وما كان بإمكانها أن تنجح، وتحل المسألة الاسرائيلية، أي تفرض على إسرائيل احترام حقوق الشعب الفلسطيني. أولا لأنها بقيت حركة شعبوية كما ذكرت، أي قائمة على الحماس والتعبئة العاطفية أكثر من قيامها على مشروع بناء وطنية منظمة قادرة على اتباع سياسة منهجية في التنمية الاقتصادية والتقنية، وثانيا لأن إسرائيل لم تكن مقتصرة على الخريطة الفلسطينية ولكنها كانت تشكل رأس جسر لعالم يمتد من المتوسط إلى الأطلسي يعتقد أن إنقاذ اليهود والدفاع عنهم في دولتهم الجديدة أمانة في عنقه وعنق الإنسانية.
- من بين الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، هناك الحل السعودي الذي يتميز بكثير من الواقعية السياسية. كيف تفسر الشعور السياسي بالمرارة والغضب من عدم التفات الولايات المتحدة الأمريكية إلى مخطط السلام أو مقترح الحل العربي. ما هو تحليلك للموقف؟
-غليون:
تقصد المبادرة السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية. المشكلة ليست ولم تكن في أي وقت في الطرف العربي. فلم يتردد العرب في الحديث عن خيار السلام وتاكيد الاستعداد للقبول بتنازلات واهمها الاعتراف بإسرائيل نفسها التي قامت على أرض فلسطين التاريخية. وللملكية السعودية مبادرة سابقة في المعنى نفسه تبناها العرب أيضا في مؤتمر فاس عام 1988. المشكلة كانت ولاتزال في الطرف الاسرائيلي الذي أقام دولته على أرض فلسطين وفرضها بالقوة من طرف واحد، ولا يزال يريد فرض الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية والاستيطان الزاحف. وواشنطن لن تضغط على إسرائيل ولا تشعر أن من مصلحتها مساعدة الدول العربية أو تخفيف الضغط الاسرائيلي وغير الاسرائيلي عنها. فبتشديد هذا الضغط وحده تستطيع أن تحكمها وتفرض الوصاية العملية عليها.
- هل يتحمل الفرقاء الفلسطينيون وزر هذا الإهمال، نظرا لما لم بهم من تناحر. أم أنك ترى في الدور الإيراني مزايدة سياسية، تعمق من الاختلافات العربية؟
غليون:
طهران تريد بالتأكيد في مواجهتها مع واشنطن لامتلاك التقنية النووية وتأمين نفوذها القومي الإقليمي أن تكون لها أدوات عمل ونفوذ قوي عند القوى العربية، خاصة الفلسطينية واللبنانية والسورية. فبذلك تتمكن من الضغط على واشنطن لإجبارها على احترام طموحاتها القومية. لكن المسؤولية الرئيسية عما يحصل في فلسطين تقع على العرب أنفسهم، فلسطينيين وغير فلسطينيين، فتحاويين وإسلاميين.

- انتهت مفاهيم القومية العربية أو لنقل شعاراتها الأيديولوجية إلى فشل ذريع، هل ما زلت تؤمن بأن العرب يشكلون أمة واحدة؟ وإذا كان الجواب نعم كما دافعت عنه في كتابك ( المحنة العربية: الدولة ضد الأمة)، ما هو الطريق إلى بناء تكتل عربي جديد، وما هي الأسس الجديدة التي ستقوم عليها الوحدة.، إن رغبنا عدم السقوط من جديد في جب الدعاوي الوحدوية التي قامت على أسس بعينها دون أخرى. وكان من نتائجها كوارث كبرى كالتي حبل بها النظام البعثي في العراق؟
غليون: لم أقل في كتاب المحنة العربية أن العرب بشكلون أمة واحدة ولكن قلت إن طرح المسألة نفسه لم يعد له معنى، فسواء كانوا أمة واحدة أم لم لا لن يغير هذا من الأمر المطروح عليهم شيئا، وهو ضرورة بناء كتلة اقتصادية وإذا أمكن سياسية وعسكرية قادره على تأمين شروط التنمية والازدهار والأمن للشعوب القاطنة في المنطقة، كما هو حاصل في جميع مناطق العالم الأخرى من تكتلات تجمع بين شعوب لا تتحدث لغة واحدة ولا تنتمي لأرومة واحدة، لا ثقافية ولا لغوية ولا دينية. أنا أعتقد بالعكس أن وحدة الثقافة والدين واللغة قد لعبت دورا سلبيا ودفعت إلى الهرب من مسألة التكتل الإقليمي سواء لأنها كانت سببا في احتدام التنافس على الزعامة بين القادة والتيارات السياسية العربية، أو لأنها شكلت مصدر خوف كبير لدى الدول الكبرى الغربية من تشكل قوة سياسية كبرى على حدودها الجنوبية تمثل تهديدا لأمنها وامن اسرائيل، ودفعتها إلى الوقوف بشدة في وجهها وإظهار العداء السافر لها. الأمة لا تنبع من وجود هوية ثقافية واحدة، إنها مسألة سياسية. وقد تتحول القومية الثقافية إلى أمة سياسية وقد لا تتحول. هذه مسألة تاريخية والعرب لم ينجحوا في ذلك وهذا هو أحد معاني إخفاق الحركة القومية العربية. ولا يستدعي قيام تكتل إقليمي اليوم وجود حتى هوية ثقافية ولكن التفاهم على مباديء مشتركة تعزز فرص التنمية الإنسانية للشعوب المنخرطة فيه. والتكتل في النهاية هو ثمرة مجموعة من الاتفاقات القانونية التي تسهل انتقال البشر والخبرات والرساميل والاستثمارات، على الطريقة الاوروبية، لا أكثر ولا أقل. ما يمنع من تحقيق ذلك هو غياب الإرادة السياسية عند النخب الحاكمة العربية، الناجم هو نفسه عن سيطرة مفهوم أبوي للسلطة يجعل من الدولة ومواردها ملكية شبه خاصة لأصحاب الأمر والقرار فيها. وأي دخول في مفاوضات جدية للتكتيل او حتى التنسيق يفضح هذه الحقيقة، ويبدو وكأنه القبول بالتفاوض على مكانة النخب وموقعها في الدولة والمجتمع، ويستدعي التنازل عن إدعاء الملكية الشخصية الكاملة والأبدية لها على الدولة ومواردها.
- ربما كنت الوحيد من علماء الاجتماع العرب الحداثيين الذين ما يزالون يؤمنون بإمكانية أن يلعب الدين قوة محرك أساسية في تحديث العالم العربي، بينما جل الأطروحات الاجتماعية الأخرى عند القوميين والليبراليين ترى في هيمنة الدين على مجالات الحياة الأخرى عامل تأخر وانتكاسة وعاما تقليد ومحافظة؟ كيف تشرح للقارئ العربي هذه الأطروحة وبماذا ترد على خصومك الفكريين في هذا الإطار؟
غليون:
من الصعب القول أن الدين عامل تحديث، وأقصى ما يمكن أن نقوله هو أن وجوده لا يتعارض بالضرورة مع التحديث ولا يفسر غيابه. والأمر يتعلق في النهاية بفهم الدين وبنوعية الفكرة السائدة عنه لدى المجتمعات والرأي العام. فهذا هو الأهم. وهذا ما أتحدث عنه عادة. في هذا الإطار يمكن القول إن الدين لعب دورا كبيرا في الحفاظ على هوية الشعوب المستعمرة ومدها بالقوة المعنوية والنفسية التي مكنتها من انتزاع الاستقلال الذي هو شرط للحداثة وطريق لها. وكان مذهب الاصلاح الديني الذي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر في حجر الاسلام العربي دافعا كبيرا لإزالة الخوف من الحداثة العلمية والفكرية والتقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية معا، وتشجيع الجمهور على الانخراط في الحضارة العصرية من دون خوف على فقدان هويته أو المساس بعقائده الدينية. ومن هذا الاصلاح وعلى يديه تربت أجيال النهضة الدستورية التي عرفتها البلاد العربية أو أكثرها في حقبة ما بين الحربين، وكان العديد من زعماء حركاتها من أصول أزهرية. وتستطيع الحركات الاسلامية المعاصرة أن تلعب دورا ايجابيا لصالح تحديث العالم العربي بالعمق لو تبنت، على طريقة إسلام حزب العدالة التركي، مذهب الديمقراطية ونشرته بين الأوساط الشعبية. وهذا النوع من الدين هو الذي يساهم اليوم في تعزيز الوطنية التركية ويضمن استمرار النظام الديمقراطي بعد أن تفككت القوى التقليدية التي كانت حاملة لهما من قبل.
لكن كما أشير دائما في كتاباتي عن الموضوع، لا يوجد الدين أبدا من دون تأويلات دينية. والذي يهم في النهاية هو هذه التأويلات. فإذا كانت عقلانية وإنسانية وديمقراطية، يلعب الدين دورا ايجابيا في تدعيم مسيرة التحول الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الاسلامية، والعكس صحيح أيضا. فإذا كانت التأويلات سلبية معبرة عن الانغلاق والتقوقع والعزلة والعداء للخارج ولكل ما هو اجنبي لأنه أجنبي، بصرف النظر عن فائدته ومضمونه العقلي، كان تأثيرها بالضرورة تأثيرا سلبيا ومؤذيا للجماعة الوطنية وللأفراد المشتغلين بها في الوقت نفسه. إذن لا يمكن الحديث عن الدين بشكل عام ولكن عن الأفكار الانسانية أو الايديولوجيات السائدة، بصرف النظر عما إذا كان حاملوها يسندونها إلى عقائدهم الدينية أم لا

- اختلفت مع المفكر الاقتصادي سمير أمين ( ماركسي) ومحمد سليم العوا (إسلامي) في تشخيص طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم العربي. فالأول يرى بأن أزمة العالم العربي أزمة اقتصادية وبالتالي أزمة رأسمالية، بينما الثاني يقرن أسبابها بأزمة أخلاقية دينية. في حين يرى المفكر محمد عابد الجابري بأنها ثقافية. هل أسباب الأزمة في العالم العربي متشابهة بين أقطاره، ومن ثم أنت ترى بأن أسباب الأزمة تكمن في أزمة حداثة مزيفة. سؤالي هل يمكن أن نقترب من رؤية موحدة للأزمة دون السقوط في فخ تغليب عامل دون آخر؟ وهل من سبيل لتجاوز وضعية الأزمة الحالية؟
غليون:
كما تقول بالضبط، اختلافي مع التحليلات التي ذكرت ينبع من اعتمادها عاملا واحدا وتجاهل العوامل الأخرى المسببة للأزمة. في المقابل أنا أعتقد أن سبب الأزمة هو مأزق الحداثة وتوقف عملية التحديث العميقة التي حلمنا بها وعملنا من أجلها واستمثرنا فيها من جهدنا ومواردنا. وعملية التحديث تعني في الوقت نفسه اقتصادا رأسماليا متطورا، وثقافة عقلانية وعلمية، وسياسة قومية، ودولة ديمقراطية. وما حصل لنا هو أننا انقطعنا كليا عن ماضينا، وتغيرت خلال أكثر من قرن ونصف مشاعرنا وقيمنا وتطلعاتنا واهتماماتنا، ولم يعد يحركنا حلم آخر سوى التحول إلى بلدان صناعية والسيطرة على موارد المعرفة العلمية والتقنية وبناء الدولة القومية الديمقراطية. وفتحنا أعيننا فجأة فوجدنا أنفسنا معلقين في الفراغ، لا دولة ولا أمة ولا صناعة ولا زراعة ولا ديمقراطية ولا ثقافة وإنما نظما ونخبا فاسدة وهزائم وطنية متواصلة ونزاعات إتنية وطائفية نامية ومعارف بالية وبائدة. أصابنا الدوار وشعرنا بأننا خدعنا وأن الحداثة نفسها لم تكن سوى خدعة كبرى. وهرع كل منا إلى البحث عما يملأ عليه الفراغ الروحي والنفسي والفكري والاجتماعي والمادي معا. فاكتشف بعضنا الدين أو أعاد اكتشافه كمصدر لقيم ومباديء وأفكار توجه الممارسة وتضمن الاتساق مع الذات، أي تأكيد ما يشبه الهوية. واكتشف بعضنا الآخر العلمانية باعتبارها عقيدة الحداثة وجوهرها. وأنقسمت مجتمعاتنا وتنازعت على تحديد الهوية ورسم التوجهات القيمية والأخلاقية والسياسية المستقبلية. وسبب وصول حداثتنا إلى المازق أو الطريق المسدود هو كما ذكرت طبيعتها الرثة (وليس المزيفة). والرثاثة تعني حداثة لا روح فيها ولا قانون ولا نظام. فهي حداثة مسخ عدوها الأول الانسان. وليس من الممكن لحداثة ضد الانسان أن تنمو وتصبح حداثة الانسان أو تبني إنسانا جديدا. لذلك كان مأزق الحداثة يعني أزمة شاملة في الاقتصاد والسياسة والدولة والثقافة والعقل والضمير معا.
وليس هناك سبيل للخروج من الأزمة إلا بمراجعة نظرتنا للحداثة وإعادة بنائها على أسس إنسانية، أي تضع تحرير الإنسان وانعتاقه في مركز اهتمامها وتجعل منه غايتها، وهو ما يتطلب إلغاء الوصايات المتعددة المفروضة عليه، وتحريره من الارتهانات الدينية والاجتماعية والسياسية والفكرية التي تعطل عقله وضميره وتحرمه من تنمية طاقاته بل وتحسس إنسانيته.

- انتقدت بحدة العلمانية في العالم العربي، واعتبرتها مشجبا للنخب الحاكمة في بعض الدول العربية لتبرير عقيدة الدولة السياسية ولوي عنق الحركات الإسلامية. لكن بالمقابل ترى أن الدين يمكن أن يكون عاملا تغيير في المجتمعات العربية، بينما الحقيقة أن الدين انكفأ عن أن يكون عامل تغيير وتحويل في المجتمعات العربية منذ أن سدت أبواب الاجتهاد في الفقه الإسلامي، هل لك أن تشرح لنا هذه الفرضية وما هو السبيل للخروف من شر الدولة الدينية وشر الدولة العلمانية؟
غليون:
ما انتقدته في الواقع هو العلمانية العربية بوصفها نسخة مشوهة وموتورة للعلمانية كما عبرت عن نفسها في العقود القليلة الماضية في سياق الفترة الاستبدادية التي شهدتها مجتمعاتنا بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لا ينطبق على الفترة الليبرالية السابقة. فهنا أيضا ليس المهم النظرية الأصلية ولكن ما يفهمه الناس أو هذا الفريق وذاك منها في مكان معين وفترة معينة. وفي الحقبة التي انتقدتها تحولت العلمانية على لسان بعض الثوريين المتأثرين بأطروحات الماركسية المعادية للدين إلى ذريعة لتبرير الديكتاتورية والتغطية على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان، الواقعة بشكل خاص على ناشطي الحركات الاسلامية، وتمرير العنف الممارس ضدهم من دون أزمة ضمير. وبدت العلمانية أو الاحتفاظ بما تبقى منها كما لو كان التعويض الوحيد عن إخفاق مشروع الحداثة وغياب الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. واستخدمتها بعض النخب الحاكمة التي لا تتورع عن التمسح بالدين كمبرر للحفاظ على النظم الاستبدادية في مواجهة ما أصبحت تشير إليه كظلامية دينية ورديكالية إسلامية.
ليس لهذا الموقف الذي صغته من هذه الطبعة المزورة من العلمانية أي علاقة بالموقف الفكري والسياسي من الحركات الاسلامية نفسها. فهو لا يزيدها شرعية ولا ينقص من وزنها. إنه بالأساس موقف من الديمقراطية والحرية، أي من العلمانية الصحيحة أيضا. أما موقفي من الحركات الدينية وايديولوجيتها فقد بينته في فصل طويل في كتابي نقد السياسة: الدولة والدين، وعنوانه نقد الدولة الدينية. وقد اعتبرت في كتاباتي العديدة أن الحركات الاسلامية هي حركات احتجاج تجمع بين مطالب وتطلعات مختلفة وتعيش تناقضات عميقة واختلاطات وتشوشات لا تحصى أكثر منها حركات دينية. وقلت إن القضاء على هذه العقيدة المشوشة والمازومة التي تشكل جزءا من الأزمة التاريخية الشاملة للحداثة وتعبيرا عنها، يقتضي القضاء على أسباب الاحتجاج الاجتماعي الذي يقف وراءها ويجمع أطرافها، لا بالعنف والاعتقال والكبت. وفي السياق نفسه دعوت الاسلاميين المتنورين إلى تجديد أفكارهم وإبداع ديمقراطية إسلامية على طريقة الديمقراطية المسيحية. وقلت في هذه الحالة ستكون الحركة الاسلامية المتصالحة مع الديمقراطية، على منوال حزب العدالة التركي، دعامة كبرى للديمقراطية العربية. ولا ازال أعتقد ذلك إلى اليوم. لكن هذا الموقف يهدف إلى الضغط على الحركات الاسلامية ولا يعني المراهنة عليها، ولا توفير أطروحاتها من النقد العقلاني والسياسي، كما فعلت وأفعل. وليس هناك حل للنزاع الذي يمزق الرأي العام العربي والاسلامي إلا بتجاوز مفهوم الدولة العقائدية، سواء كانت العقيدة المفروضة عليها دينية المرجع أو غير دينية، أو كما يقول العلمانيون عقلانية وعلمية. المطلوب دولة حيادية لا تخلط بين أمور السياسة وأمور الاعتقاد، وتهتم بالأولى وتترك الاخرى لأصحاب الاختصاص وجمهور المؤمنين من كل التيارات والمذاهب والاعتقادات. وهذا هو في نظري المضمون الأصلي للعلمانية قبل أن يحرف أو يتطابق مع السياسات المعادية للدين او للسلطة الدينية التي نشأت في فترة الصراع ضد البابوية الكاتوليكية وإزاء تمسكها بالسلطة السيادية ودفاعها عن النظم القهرية.
- بعض الأنظمة يسيطر عليها الخوف من رفع وتيرة الإصلاحات والتغيير، حيث غالبا ما تثير هاجس الخوف من الإسلاميين، فالاصلاحات التي يدعو اليها الديمقراطيون العرب، تثير لدى البعض هاجس الخوف من الاسلاميين وتكرار الصدام كما وقع في تجربة الجزائر وما صاحبها من عنف وحرب أهلية . وبالتالي يبقى حجة المحافظة على الوضع كما هو عملة الحكام الرائجة. لذلك هل تفضل طريق الإصلاح بالتدريج كما وقع ويقع في المغرب والسعودية والكويت....
غليون:
ليس هناك خطة نموذجية أو قياسية للتغيير صالحة لكل زمان ومكان. ولا يحصل التغيير بإرادة الأفراد أو المفكرين وبإشارة منهم. يتوقف الأمر على الظروف الخاصة بكل مجتمع وتمركز القوى، وموازين القوة، وموقع البلد في الجيوسياسة الدولية، وتمفصل العوامل الداخلية والخارجية، وأخيرا على طبيعة القوى الديمقراطية ووزنها. أنا بالتأكيد لا أدعو إلى ثورة شعبية لتغيير الأوضاع، لكن عدم دعوتي لا تعني أنه لن تحصل مثل هذه الثورات هنا وهناك بسبب انسداد أفق الإصلاح والتغيير السلمي. الأفضلية ينبغي أن تعطى للإصلاح أو التغيير السلمي مادام ذلك ممكنا. لكن إذا فشل التغيير عن طريق الإصلاح والحلول السلمية، أو كان أقل بكثير من التوقعات الشعبية، يصبح الانفجار هو الاحتمال الأقرب. من دون أن يعني ذلك أيضا أن نتيجة هذا الانفجار ستكون مضمونة أو أنه سيقود إلى التغيير المنشود. ربما قاد الانفجار إلى الفوضى الشاملة. ولذلك أنا أدعو إلى أن تتحمل النخب العربية الرسمية والأهلية مسؤولياتها ولا تترك بلادها في مهب ريح الانفجارات المدمرة. ويعني ذلك بالنسبة للنخب الأهلية العمل على بلورة مشروع للتغيير ينقذ المجتمعات من مخاطر التمزق والتشتت والفوضى عندما يأتي الانفجار الكبير، وهو على الأغلب آت بسبب فشل النخب الحاكمة أو عجزها عن التفكير بأي مشروع إصلاح جدي وناجع. فلا يعني الاصلاح بالنسبة لها إلا خداع الشعوب لكسب الوقت لا حل المشكلات القائمة بالفعل بوسائل تدريجية وسلمية.

- ما السبيل للرد على دعاوي الطائفية والمذهبية في العالم العربي، بحيث كنا نظن أن خطر التقسيم والحروب الأهلية ولّى زمنه في العالم العربي. هل ترى أن مشكلة الأقليات اللغوية والدينية والعرقية يهدد فعلا العالم العربي بعد أن انبرت العديد من مراكز المحافظين الجدد في أمريكا ربط تسويق حقوق الأقليات بإعادة رسم خريطة العالم العربي في الشرق الأوسط. هذا يحدث اليوم بعد أن تبنى الكونغرس الأمريكي مشروع تقسيم العراق رسميا؟ ما هو السبيل لتحصين دول العالم العربي ووقايته من خطر التفتيت إلى كانتونات والبلقنة؟
غليون:
الطائفية ليست عاهة وراثية ولا أبدية في المجتمعات الشرقية. إنها ثمرة أوضاع سياسية واجتماعية تدفع الأفراد إلى تثمير انتماءاتهم وولاءاتهم ما قبل الوطنية، واستخدامها لتحقيق منافع أو تأمين مواقع لا يمكنه تحقيقها وتأمينها من دونها، أي على أساس القانون. وربما كان السبب في ذلك هو غياب القانون أو خرقه وتفريغه من الصدقية. وربما كان انهيار الاجماع الوطني وتفتته. وفي هذه الحالة يكون الانتماء الطائفي الملجأ الأسهل لتأمين الحد الأدنى من التكافل والتضامن والتماهي الذي لا يمكن لفرد أن يعيش من دونه. تنشأ الطائفية وتزدهر في ظل الاستبداد وتتغذى منه. فهي سياسة باطنية مضادة هدفها إحباط احتكار السياسة من قبل مجموعة معينة وغياب المساواة والتضامن بين أبناء الجماعة الوطنية. الحل يكمن في تطبيق قانون المساواة والعدالة وتنمية ثقافة مدنية تقطع مع التجهيل السياسي وانعدام الشفافية التي تنشرها السلطة الاستبدادية.

- بمقدار ما تكيل انتقادات حادة وشديدة للنخبة العربية ودولتها الشمولية، إن لم تعتبرها فاقدة لأية رسالة، لا قومية ولا قطرية ولا حتى دينية، بقدر ما تدافع كثيرا عن خط طريق الإصلاح الداخلي والمحافظة على هذه الدولة الوطنية وضرورة بلورة إجماع وطني توافقي حولها. لاسيما دعوتك إلى المصالحة بين الأنظمة العربية وقوى المجتمع المدني من معارضة وأحزاب، لا غالب ولا مغلوب. أليس ثمة مفارقة في هذه الرؤية، بينما يطالب الآخرون تشكيل جبهة إسلامية وقومية على أنقاض هذه الدولة المفلسة والاستبدادية؟
غليون:
لدي انطباع بأن التقدم السريع للنقاش النظري على الساحة الفكرية العربية يترك الكثير من المفاهيم والأفكار غامضة أو مشوشة لدى القاريء. ينطبق هذا على مسألة الدين بعلاقته بالسياسة والدولة والمجتمع، وبالدولة والوطنية والأمة معا. هكذا مثلا فهم نقدي للحداثة العربية على أنه نقد للحداثة بينما كان نقدا لنموذج رث لها قتل فكرتها في مجتمعاتنا. وهذا النقد هو في نظري شرط استعادة الفكرة على أسس جديدة ومجددة. وبالمثل إن إدانة أساليب القهر ضد الناشطين الإسلاميين لم يكن دفاعا عن الحركة الإسلامية وإنما عن مباديء الديمقراطية. ولذلك لا يمنعني هذا الدفاع عن الحرية لجميع أصحاب ا لرأي مهما كانت مشاربهم من توجيه الانتقادات لهم، على مستوى النظرية والممارسة معا. وكنت دائما أقول إن ما يسمى بالمد الاسلامي هو انعكاس للأزمة لا حل لها. وبالمثل لقد انتقدت الدولة الوطنية التي نشأت في العالم العربي لأنها أخذت من الدولة شكلها التقني والمادي وتركت رسالتها الرئيسية، التي هي تجسيد إرادة أمة ومساعدتها على تكوين إجماعاتها وتنظيم عملية تقرير الأفراد المواطنين مصيرهم بحرية. الدولة التي لا تضمن حرية، ولا تتبع قاعدة قانونية، وتحل التمييز الطائفي أو العقائدي أو العشائري أو الزبائني بدل المساواة،، وتخلق الإمعية والطاعة العمياء بدل المواطنية، ولا تنتج إلا التفاوت الصارخ بين الطبقات والفئات الاجتماعية ليست في نظري دولة وطنية حتى لو أطلقت على نفسها هذا الإسم. كما انها ليست دولة سلطانية تقليدية. هي اليوم أشبه بعصابة مافوية تستخدم فيها مجموعة من المنحرفين أجهزة الدولة الحديثة القوية لإخضاع شعب وتسخيره لخدمة أهدافها ومصالحها. لكن نقد هذه الدولة لا يمكن أن يحصل في الفراغ. إنه يستند على مفهوم الدولة الوطنية نفسه، أي دولة الأمة التي تكرس سيادة الشعب وحرياته وتكوين سلطته الديمقراطية والقانونية. هكذا لا مهرب لنا من نقد الدولة "الوطنية" التي لدينا لأنه لا بديل لنا عن الدولة، أي لإنقاذ فكرة الدولة ومفهومها بوصفها الإطار القانوني والسياسي لتنظيم إرادة جماعية، وطنية.
لا يمنع هذا النقد النظري، الضروري لوعي الحاضر السياسي للعرب، من السعي ما أمكن إلى تشجيع الأطراف المختلفة على تغيير سلوكهم السياسي على مستوى الممارسة السياسية. وقد دعوت بالفعل في بداية ما سمي بربيع دمشق إلى المصالحة بين النظم والمعارضة، أي مصالحة النظم المتمردة على الدولة وعلى المجتمع مع مفهوم الدولة ومقتضيات استمرارها. من دون أوهام.، لكن مع الاعتقاد بأنه ليس لنا طريق آخر لتوعية الرأي العام سوى وضع كل طرف وتصرفاته أمام مسؤلياته وإظهار حقيقة نواياه. وهذا من عمل السياسة وتكتيكاتها. فالهدف منه كشف تقصير النظم وتخليها عن مهامها لا إقرار إمكانية التغيير عن طريق إقناعها. في النهاية من يقرر كما قلت أسلوب التغيير هي الأنظمة نفسها، فإما أنها قادرة على الإصلاح أو أن الثورة قادمة. وفي عملنا النظري والسياسي لا نهدف إلى شيء سوى إلى تزويد القوى الدافعة إلى التغيير، بالطرق السلمية أو بالثورة، إلى تمثل قيم ومفاهيم الحداثة السياسية وأدواتها، حتى لا يأتي الانفجار فورة تدميرية لا أمل منها ولا قدرة لها على إحداث أي تغيير. فمن خلال وضع النظم أمام مسؤوليتها نعلم القادمين الجدد والطامحين لاستلام المناصب العمومية مسؤوليات الحكم الذي يطمحون إلى ممارسته في المستقبل والواجبات والالتزامات المفروضة على من يتصدى لتسيير الدول وقيادة الشعوب.
- من اللافت في نظرك أن نرى في كتاباتك المبكرة ( نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة) تنبيهات هامة حول مشكلة الأقليات والتنبيه إلى خطر الطائفية والتجييش الطائفي، هل ترجع أسباب التصادم العرقي والثقافي واللغوي والمذهبي في العالم العربي إلى أسباب مرتبطة بطبيعة تكوين الدولة العربية الحديثة ( العامل السياسي) أو إلى عوامل أخرى. ثم كيف يمكن أن نختلف في العالم العربي حول مفاهيم دينية ومجتمعية وثقافية من دون أن يقود ذلك إلى نزاعات وحروب طائفية؟
غليون:
التكوين الطائفي هو المعطى الطبيعي في جميع التشكيلات الاجتماعية القرسطوية. فالدولة السلطانية أو الإمبرطورية تعمل كالخيمة التي تضم تحت رايتها شعوبا وقبائل وطوائف وجماعات تعمل كل منها بقانونها وتهتم بشؤونها وتدافع عن مصالح خاصة بها، سواء أكانت مصالح مهنية أو عصبوية. وبقدر ما تنشأ دولة حديثة تقدم للأفراد فرصا أكبر لتأمين مصالحهم وتحقيق ترقيهم الاجتماعي وتأكيد شخصيتهم وضمان مشاركتهم في تقرير مصيرهم، تحولهم من أتباع وموالين ومحاسيب لزعماء الطوائف والعشائر والمحليات التقليدية إلى مواطنين يقدمون انتماءهم إلى الدولة والقانون الذي يجسدها على انتمائهم إلى القبيلة او العشيرة أو الطائفة. هذا يعني أنه بقدر ما تبرز الدولة تذوب القبيلة والعشيرة. وبالعكس بقدر ما تذوب الدولة وتتلاشى كإطار لبناء العام الذي يتجاوز الطوائف والعصبيات، أي المواطنية والمصلحة العامة والحريات والحقوق العامة المتساوية أيضا، تبرز العصبيات الطائفية والإتنية والقبلية. هذا قانون عام تخضع له الدول الصناعية الكبرى نفسها. فحيث نجحت الدول في استيعاب المهاجرين وإدراجهم في دائرة السياسة والاقتصاد والثقافة الوطنية، وطبقت عليهم قانون العدالة والمساواة والحرية العمومي، تحول هؤلاء إلى مواطنين نشطين ومندمجين في مجتمعاتهم، ولم يخلقوا أي مشكلة. وبالمقابل حيث عجزت الدولة عن استيعابهم في نسيجها الوطني وتمثلهم في قانون المساواة والعدالة والحرية الذي يمثل الدولة الوطنية، تحولوا بسرعة إلى طائفة خاصة ونمت لديهم مشاعر انتماء جزئي خاص ولغة خاصة وولاءات بعيدة عن الدولة واحيانا معادية لها. والسؤال الأكبر الذي ينبغي أن نطرحه هل لا تزال هناك شروط مناسبة لبناء وطنية ودولة وطنية؟ هنا تبدو لي المشكلة اعمق وربما تفسر جزئيا تفكك الدولة الوطنية وصعود العصبيات التي دونها.
من هنا قلت ليس وجود الاختلاف في الثقافة والدين والوضع الاجتماعي هو الذي يبعث على نمو الطائفية أو الولاءات الجزئية. فمن الممكن أن يتجلى عبر التنافس والصراع على احتلال مناصب القيادة والمسؤولية. إن الذي يحول الاختلاف العقيدي أو الثقافي إلى خلاف مبدئي ومصدر نزاعات قبلية خاصة، هو غياب القانون العمومي الذي يساوي بين الأفراد ويتعامل معهم من وراء انتماءاتهم الخاصة ولا يميز في ما بينهم. باختصار إذا كان التمييز السائد من النمط الاجتماعي والمهني اتخذ الصراع في المجتمع شكل الصراع الطبقي والمهني. وبالعكس إذا كان التمييز وما يعنيه من توزيع الثروة المادية والمعنوية قائم على أساس طائفي أو قبلي كان الرد نمو الصراعات الطائفية والطبقية. الأمر بهذه البساطة. لذلك المسؤول الحقيقي عن انتشار الطائفية والقبلية في مجتمعاتنا هو إخفاق النخب في بناء دول وطنية حقيقية، وتعني الوطنية في لغتي المواطنية لا تأكيد النزعة القومية.
- هل بات خطر الطائفية على دول المشرق العربي قائما في ظل إذكاء النعرات وشحذها من قبل قوى خارجية؟ ونذكر أن تنبؤاتك في كتابك من " الدولة إلى القبيلة" اقتربت من أن تكون حقيقة في ظل ما يجري في العراق من تقسيم؟ مما يطرح على المحك السؤال التالي: هل التصدعات التي تصيب الدولة القومية في العالم العربي يجعل الدولة الوطنية في خبر كان، لأنها أصلا كانت قائمة ضد حقوق الأقليات الثقافية والمذهبية واللغوية...؟
غليون:
الأمور أكثر تعقيدا او بالأحرى تركيبا من ذلك. إذ ماذا يبقى لو زالت الدولة وتلاشت سوى الفوضى العارمة والاقتتال المعمم؟ الشعوب أذكى من ذلك. إنها تفضل التمسك بوهم دولة وطنية على أن تعترف بموتها. وهذا ما يمكن أن نسميه قانون العطالة في الحياة الاجتماعية. طالما ليس هناك بديل نحتفظ بما هو قائم ونركن إليه. وما يحصل عندئذ هو ما نشهده في بلداننا اليوم، أي تحول الدولة شيئا فشيئا إلى دولة عصبة، مملوكة من قبل نخبة أو طائفة أو عشيرة أو حتى عائلة. ومن الممكن لهذه الدولة العصبة او الطائفة أو العشيرة أن تستمر طويلا طالما لم ينجح المجتمع في إنتاج إجماع على شكل الدولة وأهدافها، وطالما لم تتدخل عوامل خارجية قوية لإزاحتها من الوجود كما حصل في العراق. وفي هذه الحالة سيظهر الفراغ الحقيقي الذي تعاني منه الجماعة الوطنية واتساع دائرة الولاءات الجزئية وبالتالي العجز عن إعادة بناء الدولة الوطنية. لذلك لا نستطيع ان نهرب من مهمة بناء الإجماع "الوطني" أو بين المواطنين، مهما حاولنا الاعتماد على القوى الأجنبية. من دون ذلك لا أمل في الخروج من الدولة العصبة ولا تغيير أحوالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبناء الإجماع هو مسألة نظرية وعملية معا، تعنى بتوصل المثقفين أو أغلبيتهم إلى رؤية موحدة أو منهج موحد في النظر، وبتفاعل المثقفين حاملي هذا المنهج مع الرأي العام ونيلهم ثقته التي تشكل شرط نجاح التأثر والتاثير بينهما. وهذا نفسه يتوقف على نوعية المثقفين ونوعية خطاباتهم ومعارفهم التي يتداولونها.
- كان دفاعك على الحركات الإسلامية وحقها في العمل السياسي معتبرا إياها حركات سياسية طبيعية في المشهد العربي ملفتا للنظر في وقت كان سيف القمع مسلطا عليها، لكنك اليوم عدت لتنتقدها بكثير من الشدة والحدة. كيف يمكن أن نقرأ النقد؟ هل فشلت هذه الحركات في نظرك في أن تلعب دور البديل المنشود، أم نقرأ وراء ذلك بأن ثمة انحراف وقع في الدور المطلوب تاريخيا إنجازه من هذه الحركات في المرحلة الحالية؟
غليون:
ففي الثمانينات، عندما طرحت مسألة الحركات الاسلامية كان هناك تياران في وسط النخبة المثقفة. الأول ينادي باستئصالها ولا يتردد في إضفاء الشرعية على السياسات القمعية وعلى الديكتاتورية القائمة لمواجهتها. والثاني وهو تيار الأقلية الذي عبرت عنه في كتاباتي يقول بأن الحركة الاسلامية هي تعبير عن أزمة المجتمعات العربية السياسية والثقافية، وأن مواجهتها الصحيحة تتم عن طريق إصلاح السياسة والدولة وإطلاق حرية الفكر وتوسيع دائرة المشاركة في السلطة، لا بتوسيع دائرة استخدام القوة والعنف ضد المعارضين والمحتجين ولا بتقليص دائرة المشاركة في السلطة وتدعيم الأنظمة السلطوية الأبوية.
وما حصل هو أن التيار الذي انتصر داخل ا لسلطة والنخبة المثقفة هو تيار التصفية والاستئصال. وحصل ما حصل في العقود الثلاثة الماضية من العنف والعنف المضاد الذي راح ضحيته مئات ألوف البشر الأبرياء. وكانت نتائج هذه السياسة القصيرة النظر واللاإنسانية واللاسياسية كارثية بكل معنى الكلمة. فقد أدت، كما نرى بوضوح اليوم إلى تعزيز الديكتاتورية في البلاد العربية وإضعاف الضغط الواقع عليها، وانتشار العنف في جميع هذه البلاد وامتداده إلى خارجها أيضا، مما دفع الدول الكبرى إلى تبني شعار الحرب العالمية ضد الإرهاب الذي يشكل العالم العربي ساحتها الرئيسية، وقضى على بذور الحركة الديمقراطية التي بدأت بالانتعاش والظهور عبر احتجاجات النقابات والأحزاب السياسية وانتفاضات الخبز في الثمانينات من القرن الماضي. وإذا كانت سياسة القمع والعنف قد حرمت الإسلاميين بالفعل من الوصول إلى السلطة في معظم البلاد العربية إلا أنها قضت على أي تداول ممكن للسلطة أيضا وثبتت النخب القائمة في الحكم وعززت ميولها الاستبدادية وفسادها الشامل. وفي الوقت نفسه لم تمنع الجمهور الواسع من التحول إلى الإسلام واستبطانه كقاعدة لحياته اليومية. وهو ما زاد الأزمة تفاقما أيضا بقدر ما أغلق آفاق التغيير الديمقراطي.
لم يكن هناك أي سبب يدفع إلى المراهنة على الحركات الإسلامية مع الأساليب التي اتبعتها منذ البداية والشعارات التي رفعتها. لكن ليس لهذا أي علاقة بالدفاع عن حق هذه الحركات، مثلها مثل أي حركات سياسية، في أن تعامل بأسلوب غير القهر والإضطهاد والمعاملة الامنية. فقد كنت أعتقد ولا أزال أننا إذا قبلنا بمثل هذا الأسلوب القمعي في معاملة الاسلاميين المختلفين عنا في الايديولوجية قوضنا الأساس الأخلاقي لمطالبتنا نحن أنفسنا بالحرية، ومهدنا الطريق كي يكون القمع أسلوبا مشروعا في حل الخلافات السياسية والفكرية. وهل من المبالغة القول أن هذا ما حصل لنا في العقود الثلاثة الماضية. الذين برروا قمع الاسلاميين أسسوا لمبدأ القمع كأساس لأي سلطة سياسية عربية. وهذا مصدر مأساة حياتنا العامة اليوم. الخلافات والنزاعات السياسية ينبغي أن تواجه بالسياسة والفكر معا.
لم أغير من قناعتي بأن سياسة الإستئصال والتصفية القمعية كانت خاطئة وأنها أدت إلى نتائج خطيرة ومناقضة لمصالح المجتمعات العربية، من أي منظور نظرنا إليها، وفي مقدمها من منظور العلمانية التي اختبأ وراءها أنصار القمع في تلك الحقبة. هذه السياسة كانت خاطئة ولا تزال. وليس هناك حل للمشكلة الدينية السياسية من دون إصلاح الدولة والسياسة العربية، اليوم كما في البارحة. وثمن رفض هذا الاصلاح هو فساد الدولة وخراب العمران معا. إن إدانة أساليب القهر ضد أي فئة أو تيار فكري، إسلامي أو غير إسلامي، ورفض ايقاع العقوبة بهم من خارج القانون، أو باستخدام القوانين الاستثنائية، ليس دفاعا عن أفكار أحد ولا تبنيا لها، وإنما يدخل في باب الدفاع عن الديمقراطية والالتزام بالحد الأدنى من الأخلاق السياسية. وعلى الذين فعلوا العكس أن يعتذروا للشعب والرأي العام عن دعمهم للديكتاتورية وقبولهم العمل في استراتيجيتها وتمديد أجلها.
لكن في الوقت نفسه، ولهذا السبب بالذات، لا أقبل أن أطبق على المعارضين، والإسلاميين منهم، مباديء مختلفة عن ذلك، ولا أن أغض النظر عنهم عندما يهددون الحريات العامة أو ينزعون إلى حرمان الآخرين، سواء من خلال اتهامهم في وطنيتهم ودينهم، أو من خلال التشهير بهم، أو الحض على إخراسهم. وهذا ما فعلته عندما أدنت التحالف الموضوعي بين الطغيان الفكري الذي يسعى بعض الاسلاميين إلى فرضه على الرأي العام، من خلال الحط من قدر خصومهم والتشهير بهم كعلمانيين أو مارقين أو تابعين، والطغيان السياسي الذي يتمثل في سيطرة فريق على الدولة واحتكارها لتمرير سياسات لا تخدم إلا مصالح الفئة الحاكمة وزبائنها. نقدي النظري للطرح الاسلامي الفكري والسياسي لم يتغير، فهو في نظري طرح شعبوي يعيد إنتاج الأزمة ولا يحلها، وما كان يمكن المراهنة عليه ولم أراهن عليه، ولو أنني طالبت بترشيده، كواجب وطني. لكن موقفي السياسي لم يتغير ولا يمكن أن يتغير . فلا زلت اعتقد أنه ليس هناك حلول قمعية للمسألة الاسلامية ولا لأي مسألة أخرى سياسية. لكن تعرض الاسلاميين للقمع والظلم من قبل النظم الحاكمة لا يبرر لهم أو لبعضهم ايقاع الاضطهاد الفكري والديني على الآخرين والتشهير بعقائدهم أو ولائهم ولا احتكار الحديث في الاسلام أو حرمان الآخرين منه. كنت ولا أزال أعتبر أن المعركة الرئيسية التي ينبغي خوضها اليوم في مجتمعاتنا، والتي تتفرع عنها جميع المعارك الأخرى، هي معركة الحرية، حرية الإنسان فردا وجماعة. وهذا يعني بالنسبة لي الالتزام بالوقوف ضد كل انواع القهر والقمع والانفراد بالرأي وتقييد حرية التعبير، من أي طرف جاء، حتى من طرف الحركات الديمقراطية التي أنتمي إليها. لا توجد هنا في نظري مراعاة ولا تسويات ولا حلول وسطية.
- ما المشكل حاليا مع الحركات الإسلامية، ألم تصبح جزءا من الأزمة العربية عوضا أن تكون جزءا من حلها؟
غليون.
نعم على شرط أن نتجنب التعميم. ففي الفراغ السياسي والايديولوجي الذي تعيشه المجتمعات بسبب ضعف المشاربع المطروحة للمستقبل، وربما غياب شروط إنضاج أي مشروع ديمقراطي يمتلك الحد الأدنى من صدقية التطبيق أو التحقيق، سيبقى التراث الاسلامي، الديني والتاريخي، هو المرجعية الرئيسية للأفراد في ميدان التوجه داخل المجتمع والعالم، أي ميدان الأخلاق والسياسة معا. وفي هذه الظروف ينبغي الرهان على تشجيع التيارات الاصلاحية وشبه الديمقراطية داخل الحركات الاسلامية ودفعها إلى تمييز نفسها وتعميق توجهاتها الاصلاحية والمدنية، لا دفعها إلى الالتحاق بالتيارات المتطرفة.
وهذا يعني أن علينا عندما نتحدث عن الحركات الاسلامية أن نميز داخلها بين عنصريها الرئيسيين. العنصر الأول الذي يمثل روح الاحتجاج والرفض والمقاومة لنظم القهر الروحي والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهو عنصر ايجابي وإنساني يفسر أكثر من أي شيء آخر نشوء المد الديني، أي التفسير الرديكالي للاسلام. والعنصر الثاني الذي يجسد الأزمة العميقة للفكر العربي المعاصر والذي يتجلى في تلبيس الاحتجاج والنقمة على الأوضاع ثياب التراث الديني، وبالتالي العودة إلى استخدام نماذج نظرية وتاريخية قديمة لا علاقة لها بواقع العصر، وواقع المجتمعات العربية اليوم، كمرشد للعمل ومحدد للوسائل والغايات العمومية. وهذا هو الذي يضع الحركة الاحتجاجية في طريق مسدود ويحرمها من فرص النجاح والتغلب. الحركات الاسلامية أو المد الديني السياسي هو بشكل عام تعبير عن الأزمة، لكن لا ينجم عن هذا ضرورة إدانة الفكر الاسلامي المعاصر ككل والحكم عليه بانعدام القدرة على التحول والتطور. فنحن نأمل أن يتمكن جزء كبير من جمهور الاسلاميين في المستقبل، وبشكل خاص نتيجة الاخفاقات والمحن التي مرت بها وستمر بها الحركات الاسلامية التي تملك القوة وتفتقر للاتساق في مشروعها السياسي، أن يكتشفوا بأنفسهم التناقضات العميقة التي تكبل حركتهم وتمنع مشروعهم التغييري من النجاح، أعني ربط التغيير نفسه وسائلا وأهدافا وغايات، بنماذج اجتماعية تنتمي إلى عصر غير عصرنا. كل ما نستطيع أن نستلهم من هذه النماذج هو قيم العدالة والإنصاف والأخوة والكرامة الشخصية. وليس من الضروري أن تتجسد القيم نفسها، قيم العدالة والانصاف والأخوة والكرامة في النماذج القديمة ذاتها، بل إن تقمصها مثل هذه النماذج يفرغها من مضمونها اليوم. وحتى ننجح في ذلك لا ينبغي أن نلقي الوليد مع ماء الولادة، أي أن نضحي بعنصر الاحتجاج الشرعي والمشروع بسبب تجلياتها اللامتسقة، وإنما علينا بالعكس أن نفصل هذا على هذا الاحتجاج ونستوعبه ونعيد تأطيره واستقطابه في الأطر النظرية والعملية الحديثة المتساوقة مع العصر. علينا أن نسعى ما أمكن إلى تفهم موقف الناس ومرافقتهم في كفاحهم من أجل الحرية ومساعدتهم على الكشف عن الطرق الناجعة والفعالة للوصول إليها. فأعضاء الحركات الإسلامية وجمهورها الواسع، لم يأتوا من السماء ولكنهم جزءا من مجتمعنا، هم أبناؤنا وبناتنا. وعلينا يتوقف واجب تنويرهم والأخذ بيدهم للخروج من النفق الفكري والايديولوجي الذي أدخلوا أو أدخلوا أنفسهم فيه.
- في الواقع تجرنا هذه الأسئلة لزاما أن نرى بأن جل الشعارات السياسية المطروحة في العالم العربي على خط نقيض، حيث لا سبيل للمصالحة بينها، بخاصة بين شعار الحركات الإسلامية:" الإسلام دين ودنيا>> أو شعار الحركات القومية " لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة>>، ناهيك عن خطاب الأنظمة الشمولية العربية ذات الطبيعة الاستبدادية. مما يؤكد بأن الخطاب السياسي المعاصر يدور في حلقة مفرغة تشي بأن أغلب الخطابات السياسية في العالم العربي متصادمة وإقصائية بطبيعتها. مما يجعل إمكانية الإصلاح منعدمة وبالتالي نصيب العنف والعنف المضاد بين هؤلاء الفاعلين مرتفعا. ما السبيل للخروج من هذه الدوامة؟
غليون:
هذا طرح سليم للمشكلة، يفسر العنف والعنف المضاد الذين تعيشهما مجتمعاتنا، العنف المادي والعنف المعنوي معا، بما في ذلك العلاقات المتوترة جدا بين الأفراد، بين الفئات وبين أعضاء النخبة الاجتماعية أيضا. لكنه يتجاهل عنصرا واحدا هو الخطاب الديمقراطي الذي يطمح إلى أن يخلق أرضية مشتركة تجتمع عليها جميع الأطراف، من دون أن تضطر، حتى تحقق تفاهمها، إلى التخلي عن أفكارها أو التنازل عن قيمها. فالديمقراطية لا تعني الايمان بعقيدة وإنما الاعتراف بحق كل فرد في التفكير الحر والاعتقاد بالفكرة التي يريد، على شرط أن يحترم قاعدة خضوع الأقلية للأغلبية على مستوى ممارسة السلطة وقيادة الدولة، وبالتالي قانون الديمقراطية. وهذا لا ينطبق على مستوى المجتمع الذي تضمن الديمقراطية فيه المساواة الكاملة بين الأفراد، بصرف النظر عن كونهم منتمين للأغلبية الحاكمة أو للأقلية المحكومة، في حقهم في التعبير عن أفكارهم والدعوة لها بهدف تحويل أنفسهم إلى أغلبية. ولا يستمر العنف يسم العلاقات في مجتمعاتنا بين الفئات والجماعات والأفراد إلا بسبب ضيق القاعدة الاجتماعية للفكرة الديمقراطية اليوم. ولن يمكن تجاوز علاقات العنف إلا عندما يصبح الولاء لمبدأ الديمقراطية بما تعنيه من خضوع لحكم القانون وقبول بقاعدة خضوع الأقلية للأغلبية في قيادة الدولة، واسع الانتشار. وعندما يقتنع القسم الأكبر من النخب الاجتماعية المتنازعة بأن القبول بهذا المبدأ هو الطريق الوحيد لضمان احتفاظ كل طرف بحقه في امتلاك رؤية وموقف وايديولوجية خاصة به، بقدر ما هو طريق ضمان احتفاظ الطرف الآخر بالحق ذاته. وأنه طالما لا يزال كل طرف يعتقد أنه بسيطرته الأحادية على الدولة، أي على مركز السلطة، يستطيع أن يضمن مصالحه ورؤيته الخاصة ويغلبها على الرؤى والمواقف والمصالح الأخرى، أي طالما ان كل طرف يعتقد أن بإمكانه أن يحقق مصالحه الخاصة من دون النظر إلى مصالح الآخرين وضدها، فليس هناك أي أمل لا بالتقدم نحو قبول التعددية ولا تأسيس حياة سياسية وفكرية سليمة، ولا بالتالي بناء أسس ديمقراطية عربية مستقرة.
فلا يكفي لتحقيق الحياة السياسية الديمقراطية المستقرة أن يسعى كل طرف إلى الدفاع عن مصالحه الخاصة. ينبغي عليه أيضا أن يضع في اعتباره مصالح الآخرين، أي أن يدرك أن المجتمع يتكون من جماعات مصالح متعددة، ولا يمكن أن يحصل السلام والأمن والاستقرار إلا إذا قبل كل طرف فيه باحترام مصالح الطرف الآخر الحيوية. وهذا هو منطق الحق واساس فكرة دولة القانون: ضمان حقوقي مرتبط باعترافي بحقوق الآخرين وقبولي بالمشاركة في ضمانها أيضا. من دون ذلك ليس هناك مجتمع ولا قانون ولا بالتالي حياة سياسية ولا حريات ولا ابداعات ولكن حرب شاملة ومستمرة.
- هل ثمة بديل عن ثنائية الصراع بين الإسلاميين والأنظمة العربية التي قادت المواطنين العرب إما إلى تحمل قمع لا حدود له من قبل الأنظمة، ومن ناحية أخرى الى تحمل قمع فكري وديني من قبل سلطة أخلاقية تقول عن نفسها أنها تتكلم باسم الدين، وتبقى بالتالي مرفوضة من الغرب والدول الصناعية، ما يعرض المواطن ودوله إلى حالة من الضغط الشديد؟
غليون:
لن يكون هناك مخرج من هذا الصراع إلا بتطوير مفهوم جديد للسياسة وللدولة معا مرتبط بمفاهيم سيادة الشعب وإقرار الحريات الأساسية وتكريس دولة القانون وتأكيد شرعية الاختلاف الفكري والسياسي والديني وحتمية القبول بالتعددية، وفي ما وراء ذلك التسليم بمبدأ التداول السلمي للسلطة والتنافس العام على احتلال مناصب المسؤولية، بما يعنيه من الاعتراف بالمساواة بين المواطنين وبقاعدة تكافؤ الفرص فيما بينهم. من دون ذلك ستظل الديكتاتورية تستدعي الديكاتورية والأحادية والتعصب والانغلاق والأنانية والدفاع عن الرؤية والمصالح الشخصية. والطريق إلى التغيير يمر حتما بتكوين الرأي العام وتربيته وتزويده بالأدوات النظرية والسياسية التي تساعده على الدخول في حلبة الشأن العام وتحمل المسؤولية العمومية وفي مقدمها استبطان مفهوم الحق والقانون والمصلحة أو المنفعة العمومية. وهذا عمل المثقفين والناشطين السياسيين والمدنيين بالدرجة الأولى. ما هو مطلوب لا يقل في نظري عن إعادة بناء الثقافة السياسية لشعوبنا في سياق صعب تسود فيه نظم القمع والتضييق على الحريات والتلاعب بعواطف الناس ومشاعرهم الوطنية وتفاقم النزاعات الدولية في المنطقة العربية.

- كيف السبيل للخروج من ردود الأفعال العربية والإسلامية التي اعتبرت مجمل الخطاب الغربي في أعقاب هجوم 11 ايلول، هجوما على الإسلام والحضارة الإسلامية، هل من الممكن أن ننظر إلى أنفسنا بنظرة نقدية دون أن يعني ذلك السقوط في جلد الذات على غرار ما فعل الكثيرون؟
غليون:
أنت على حق تماما. رفض العرب الاعتراف بالمسؤولية أو بقسط منها قد أظهرهم في نظر الرأي العام الدولي كما لو كانوا شعوبا قاصرة، غير قادرة على تحمل المسؤولية، وميالة إلى رمي المسؤولية على الآخرين. هذا ما سعيت إلى معالجته في كتابي : العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر. الاعتراف بالمسؤولية ضرورة للعمل على رفع الأسباب التي أدت إلى الكارثة، وهو لا يعني جلد الذات وإنما هو دليل على النضج والقدرة على المشاركة في المسؤولية على صعيد المنظومة الدولية. وهو وحده الذي يسمح لنا بأن نطالب الآخرين بتحمل قسطهم من المسؤولية أيضا. وينبغي أن نعترف أن نخبنا ورأينا العام يفتقرون للنضج حقيقة في كل ما يتعلق بالمسؤوليات العمومية، داخل الدول العربية نفسها وعلى صعيد العلاقات الدولية. وهذه أيضا ثمرة لضعف ثقافتنا السياسية الحديثة وربما ثقافتنا عموما، بما في ذلك وسائل التربية الفردية.
- أين تكمن في نظرك أزمة الفكر العربي المعاصر؟ وما السبيل للخروج من أزمة الثنائيات التي أطبقت عليه: الأصالة/ المعاصرة، العلم/ الدين، الإسلام/ الحداثة، الديموقراطية/ الاستبداد... هذا في الوقت الذي ألغى الفكر الغربي المعاصر نظرته لهذه الثنائيات ورفض تناولها من منظور أحادي البعد: ابيض أو اسود، إن لم يكن قد أعاد النظر فيها من منطلقات تركيبية وشمولية؟
غليون:
كان همي بالفعل منذ نشر بيان من أجل الديمقراطية إخراج الفكر العربي من هذه الثنائيات. وقد اعتقدت أن مصدر هذه الثنائيات هو سيطرة المشاريع الايديولوجية الكبرى، أي سعي المفكرين إلى إنتاج ايديولوجية توفق مثلا بين الاسلام والقومية والاشتراكية أو الرأسمالية، مع الاعتقاد بأن تحقيق مثل هذه التوليفة الايديولوجية سيزيل الاختلاف في الرأي وبالتالي سيقضي على أسباب النزاع والصراع والاقتتال.
وبالمقابل حاولت أن أبين منذ كتاب اغتيال العقل أنه ليس لهذا العمل الايديولوجي قيمة أبدا، وأنه يؤسس للشمولية الفكرية والسياسية معا. وان الأسلوب الوحيد للاحتفاظ بوحدة النظام وأطرافه المختلفة هو الاعتراف بشرعية الاختلاف وتاكيده وتعميقه أيضا بحيث يستطيع كل طرف أن يذهب إلى أقصى ما تقوده إليه مقدماتها النظرية، وفي الوقت نفسه إقرار قاعدة خضوع الأقلية النسبية للأغلبية، أعني قاعدة الديمقراطية التي لا تلغي أن تتحول الأقلية إلى أغلبية أيضا. فالديمقراطية وليس التوليفة الايديولوجية هي الحل. وكل توليفة ايديولوجية تقوم على بناء تصور عقائدي شمولي يحاول أن يستوعب الآخرين في أطره النظرية ويفرض عليهم العمل من داخل رؤيته أو منظومته الفكرية والعقائدية. فالخروج من منهج التوليف إلى منهج التأليف الديمقراطي الذي يعترف بالتعددية وأصالتها ويتجاوزها بإقرار سلطة الأغلبية هو الطريق للخروج من الصراع على امتلاك الحقيقة والاعتراف بنسبيتها وتعددها أيضا. ولن ندرك عندئذ تعدد أشكال المعرفة ومستوياتها فحسب، وتعدد المنظورات الايديولوجية، لكن سنكتشف التعددية داخل المفاهيم التي نعتقد أنها واحدة وموحدة، أي نكتشف أن الحداثة حداثات والدين تأويلات متعددة وأديان، والسياسة سياسات والقومية نظريات متعددة أيضا. باختصار اكتشاف الديمقراطية كمنهج توحيد هو وحده الذي يوفر علينا التوليفات الايديولوجية الشاملة التي طبعت فكرنا في النصف الثاني من القرن العشرين وجعلتنا نتنازع بين فكر شمولي تحديثي وفكر شمولي تراثي، أي بين أصاليين وحداثيين. فالديمقراطية هي التي تجمع العناصر المشتتة والمتغايرة، ليس بالتوليف الايدلويوجي في ما بينها، وإنما بوضع قاعدة للسيطرة تضمن للجميع الاحتفاظ بتميزهم والاندراج في كل واحد في الوقت نفسه. هذه هي الوحدة التي ينبغي أن نسميها عضوية بعكس الوحدة الميكانيكية التي تمثلها التوليفات الايديولوجية أو بناء الايديولوجيات الشمولية التقدمة أو الاسلاموية. الثنائية هي ثمرة سيطرة التصورات الايديولوجية تماما كما أن كسر الايديولوجيات الشمولية هو المدخل لمعرفة التمايزات والاختلافات والتباينات داخل الحداثة والتراث والمعرفة عموما.
- ترفض في مشروعك الإصلاحي النزعات السلفية والنزعات التقدمية القائمة في العالم العربي على نحو سيان، فأنت تصف الأولى بأصولية مفقرة والثانية بتحديثية مدمرة. كيف تنظر إلى مستقبل الفكر العربي المعاصر؟ وهل قدر العالم العربي " اغتيال العقل" سواء عن طريق العقل الحداثي أو التراث الأصولي؟
غليون:
أرفضهما لأن كلاهما ينبثقان من فكر لا نقدي ومفتقر للنقدية. كلاهما يشكلان طلاقا مع الواقع التاريخي الحي وفرضا لنماذج لا تاريخية على التجربة الحية للمجتمعات. ومستقبل الفكر العربي مرتبط في نظري بتطور الروح النقدية في الثقافة العربية، وأعني بالروح النقدية عدم التسليم ببداهة المفاهيم والأفكار، وبالمقابل ميل الفكر إلى أن يفحص باستمرار الأسس التي يقوم عليها ويتأكد من تماسكها واتساقها النظري والتاريخي. الفكر النقدي هو الفكر الذي يدرك طبيعة الأسس التي يقوم عليها والمسبقات التي يصدر عنها وحدود المعرفة الموضوعية التي يعتمد عليها. وأعتقد أن هذا هو الذي يفسر النجاح الذي لقيه كتاب اغتيال العقل الذي طبع عشرات الطبعات.
- في النهاية، لقد اختلط الأمر على الكثيرين منذ أن قمت بنقد حاد للفكر القومي ودعاته التقليديين في كتاب " النظام الطائفي"، حتى حسبك البعض قريبا من الإسلاميين. لكنك عدت إلى تبني نقد عنيف للإسلاميين في كتاب "العرب وتحولات العالم". أين يمكن تصنيفك اليوم؟
غليون:
حصل هذا الانطباع بالفعل لأنني اعتمادا على التحليل الذي سقته سابقا، وهو أن أصل الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية هو وصول مشروع الحداثة العربية إلى طريق مسدود، وأن الخروج من هذه الأزمة يقتضي نقد هذه الحداثة وإعادة تقويم مفهومها حتى يمكن إعادة إطلاق مسارها من جديد بشكل أكثر قوة وديناميكية، أعطيت الأولوية في عملي النظري النقدي لنقد تراث الحداثة العربي، وفي مقدمه الفكر الإصلاحي والفكر القومي، على نقد الفكرة الدينية. وتنسجم هذه المقاربة مع الطرح الذي تبنيته والذي يقول إن انتشار المد الإسلامي المتطرف ليس هو نفسه إلا ثمرة أزمة الحداثة هذه وعرض من أعراضها. وأن أي جواب عليه لن يكون منتجا وناجعا ما لم تحل أمور مشروع الحداثة ذاتها. لذلك قلت إن نقد العقل سابق اليوم، بعكس ما حصل في القرن التاسع عشر على يد المصلحين الإسلاميين والعقلانيين العرب، سابق على نقد النقل. وأن نقد النقل قد حصل في جزء كبير منه، بل إن ما حصل منه يبدو متقدما كثيرا على ما يأخذ به الرأي العام الإسلامي ويرنو إليه.
في سياق نقد الحداثة العربية التي أطلقت عليها اسم الحداثة الرثة جاء إذن نقد الفكر القومي السائد، وكذلك نقد السياسة العربية نفسها، باعتبارها سياسة نخبوية حاملة لجذور التراجع والانحسار امام التيارات الدينية. كما جاء نقد الخطاب التقدمي، بوصفه خطاب سلطة، (موضوع اطروحة الدكتوراه عام 1982) الذي ظهر في كتابي اغتيال العقل. لكن لم يكن هذا النقد إلا مرحلة أولى تهديمية على طريق إعادة بناء مفهوم الحداثة كما أفهمها، بما فيه فكرة الوطنية والديمقراطية والقيم الإنسانية. فلم يكن منطلقه الدعوة إلى التخلي عن القيم التقدمية الإنسانية، وإنما بالعكس تحرير الممارسة التاريخية القائمة باسم حداثة رثة لا قيمة لها من تناقضاتها الذاتية، وإعادة بنائها من الناحية النظرية والاستراتيجية، بما يمكنها من أن تتغلب على العوائق والعقبات والوصول إلى الغايات المنشودة. وهذا يستدعي معرفة أفضل بالواقع الحي، وتجاوز سطحية المقاربات وتبسيطية النمذجات القائمة. باختصار، لم يأت هذا النقد المتعدد الجوانب، الثقافي والسياسي والاجتماعي والقومي، من أفق رفض الحداثة ذاتها، وإنما في سبيل إنقاذ قيمها الأصلية والأصيلة. وهذا ما كان يستدعي في نظري التخلي عن منهج سحب النماذج القديمة البالية على الواقع العربي أو النظر إليه من خلال ترسيمات نظرية جاهزة وتجريدية، والعودة بالمقابل إلى تحليل صيرورة هذا الواقع مباشرة، وفهم أواليات تحولاته الداخلية.
ولم تكن هذه المراجعة النظرية نفسها التي بدأتها منذ "بيان من أجل الديمقراطية عام 1977" إلا امتدادا للحركة النقدية التي برزت في ذلك الوقت، لدى الياس مرقص وياسين الحافظ بشكل خاص، لتؤكد على أصالة التجارب التاريخية، ولتبرز خطأ التعلق بنماذج مثالية مجردة مستقاة من تجارب أجنبية، وما يمكن ان ينجم عن ذلك من اختلاق إشكاليات ليست مطروحة بعد في الواقع. وهذا ما سمي في ذلك الوقت بأقلمة الأفكار الماركسية والعلمانية والحديثة عموما، حتى لا تبقى أجنبية خارجية وكي ما يمكن توطينها في تربة الواقع العربي وتأهيلها للرد على حاجات تغييره وتطويره وحل مشاكل تحوله القومي والاجتماعي والسياسي الحديث معا.
إلا أن موقفي من الحداثة والمسائل المرتبطة بها لم يتجمد عند مرحلة النقد، وهي مرحلة ضرورية قبل أي بناء. ففي مرحلة ثانية حاولت، وعلى ضوء التحولات الجارية في الواقع، وصعود الحركات الاسلامية، وتجدد المناظرة الكونية حول العلمانية نفسها، إعادة بناء المفهوم وتقديم نظرة ايجابية، وليست فقط نقدية في مسألة الحداثة ومتعلقاتها. وفي هذا السياق كان لا بد من العودة إلى الخطاب الإسلامي الذي يقترح مخرجا للأزمة وللحداثة مناقضا تماما للمخرج الإنساني الذي اقترحه، القائم على نسبية المعرفة وديمقراطية السياسة وحرية الإنسان. وعلى طريق إعادة بناء مفهوم الحداثة الإنسانية، كان من الضروري المرور بنقد برنامج الحركات الاسلامية. وهو ما قمت به في كتاب: العرب وتحولات العالم، الذي تشير إليه. لكن هذا النقد بدأ قبل ذلك بكثير في كتاب: نقد السياسة: الدولة والدين الذي نشر في الثمانينات، حيث قارنت بين معطيات الثورة الدينية والثورة السياسية، وكذلك في كتاب: النظام السياسي في الاسلام، الذي فندت فيه أطروحات الدولة الاسلامية وفكرة تطبيق الشريعة ومفهوم الحاكمية الإلهية. وبينت أن الدولة لا دين لها، لأن وظيفتها دنيوية تعنى برعاية مصالح الناس على الأرض وتنميتها، بصرف النظر عن عقائدهم وثقافاتهم وأديانهم ودرجة ايمانهم أو عدم ايمانهم. أما الهداية ونشر الوعي والتربية الأخلاقية فهي من مهام الأديان والمصلحين والمثقفين والجمعيات والمؤسسات الأهلية. ويمكن قول الشيء نفسه عن كتاب: الاختيار الديمقراطي في سورية، حيث حاولت أن أجتهد فيه على إعادة بناء بعض مفاهيم السياسة الجارية، مثل الديمقراطية والاشتراكية واليسار كما تطرح في سياق العصر الجديد والألفية الثالثة.
أطلقت على منهجي الدراسي اسم مذهب النقد الاجتماعي. لكن إذا كان علي أن أصنف نفسي فأنا من الإنسانيين الذي يعتقدون أن الارتقاء بشروط حياة الإنسان وثقافته وفكره وشعوره الأخلاقي هو القضية الرئيسية التي تستحق الجهد، في ما وراء الانتماءات القومية والاعتقادات المذهبية والولاءات الجماعية. والمدخل الرئيسي لتجديد الفلسفة الإنسانية، هو باب الحرية.

mercredi, octobre 22, 2008

عودة الديمقراطية الاشتراكية

الاتحاد 22 اكتوبر 08

أمام ما شهدته الأسواق المالية العالمية في الأشهر القليلة الماضية من ازمة طاحنة، بقيت أصوات اليسار الدولي خافتة. والمحاولات القليلة التي ظهرت في الصحافة أو في دور النشر المعروفة جاءت على يد صحفيين أو كتاب مستقلين نقديين حركتهم مواقفهم المعادية لسياسة المحافظين الجدد، أو اقتصاديين ليبراليين عقلانيين، نظروا باستمرار إلى المضاربات المالية كمصدر للفوضى. والاقتراحات المهمة التي أطلقها اليسار لاستكمال الحلول الرسمية تركزت على تكوين هيئة دولية للاشراف على الأسواق المالية. وهي أفكار تتفق تماما مع التيار العام السائد، وليس لها علاقة بأفكار الاشتراكية أو نظرياتها.
وإذا كان من الطبيعي أن يلوذ الليبراليون الجدد الذين صرعوا العالم بايديولوجيتهم الانفتاحية منذ عقود، بالصمت، أمام ما سببته سياسة العداء لأي دور للدولة في تنظيم العملية الاقتصادية والمالية، فإن صمت التيارات اليسارية العالمية يعكس درجة الضعف وانعدام الثقة بالنفس التي تسم مفكري الاشتراكية اليوم. وربما تعبر أكثر من ذلك عن إحباط يساري لا يقل عن الاحباط اليميني، بسبب عدم تمكن مفكري الاشتراكية من توقع الأزمة، وأكثر من ذلك عجزهم عن تقديم إجابات تختلف عما تطرحه الحكومات الصناعية لمواجهة المخاطر التي تطلقها.
والحقيقة أن انهيار التجربة السوفييتية في الاتحاد السوفيييتي واوروبة الشرقية، والتخلي عن الشيوعية في الصين، بالإضافة إلى ما أصبحت تمثله بلدان مثل كوريا الشمالية، وحتى كوبا، من نماذج كاريكاتورية أو غريبة عن العصر، من جهة، وتفكك تجارب حركة التحرر الوطني في البلدان النامية، وتحول النظم النابعة منها إلى نظم اتوقراطية واستبدادية سوقية، من جهة ثانية، وضع الفكر اليساري، الماركسي والاشتراكي معا، في أزمة مستديمة، لا يزال من الصعب توقع متى سيتم الخروج منها وكيف. وبالرغم من سعي بعض المثقفين اليساريين، ونحن منهم، إلى إعادة بناء الفكر اليساري في فضاء الديمقراطية، وباستعادة البذور الحية للفلسفة الليبرالية الكلاسيكية قبل أن تسطو عليها قوى الرأسمالية وتدمج بين الحرية الشخصية واقتصاد الرأسمالية، لا تزال هناك شكوك واسعة في إمكانية تجاوز أفق الاشتراكية الديمقراطية أو الديمقراطية الاشتراكية في عالمنا اليوم. فالهدف الرئيسي للبلدان والشعوب التي اختارت في القرن الماضي تجربة الاشتراكية بتنويعاتها المختلفة أصبح الآن، بسبب التحولات العميقة التي نجملها تحت اسم العولمة، السعي بجميع الوسائل إلى الاندراج في الاقتصاد الدولي الذي ينزع إلى التحول إلى اقتصاد عالمي مع فتح الأسواق وإدماجها. فهذا الاندراج يبدو اليوم على أنه الطريق الوحيدة لإعادة تفعيل الاقتصادات المتأخرة والجامدة التي خلفتها نظم الاشتراكية البيرقراطية، وأي حديث عن القطيعة مع النظام الرأسمالي المعولم أو مع اقتصاد السوق يبدو في تناقض مباشر مع الحس السليم.
فمن الواضح أن أزمة الرأسمالية المدوية اليوم لا تفتح الباب أمام عودة الاشتراكية التقليدية، ولا تشعر الاشتراكيين بأن الظروف أصبحت ملائمة كي يستعيدوا المبادرة الفكرية، فما بالك بالمبادرة السياسة. إنها تقود بالاحرى إلى العودة إلى مفهوم جديد لدور الدولة يقطع مع الطروحات الليبرالية التقليدية التي ربطت بين النمو الاقتصادي وإطلاق يد رجال المال والأعمال، كما يقطع مع طروحات اليسار التقليدي الذي جعل من الدولة محور الحياة العمومية والخاصة، ومصدر القرارات السياسية والاقتصادية والروحية، بعد أن كان ماركس في فترة سابقة قد تنبأ بتلاشيها الحتمي، بموازاة زوال الرأسمالية، لكونها تجسيدا لديكتاتورية البرجوازية وتعبيرا عن الاستلاب السياسي.
والواقع أن استعادة الدولة دورها التوسطي كمركز تنظيم وتنسيق وضبط لحركة الأسواق والرساميل والقوى المتنافسة والمتناقضة المتعددة على ساحة النشاط الوطني والدولي يشكل تحديا مشتركا لأفكار الليبرالية والماركسية معا، ويدفع إلى إعادة النظر في نظرية الدولة ووظائفها أيضا. وربما كان هذا هو المدخل الحقيقي للخروج من الازمة الكبرى. لكن بشرطين. الاول أن الدولة لا تكون مصدر ضبط واتساق في النظام المجتمعي إلا بمقدار ما تبقى دولة ديمقراطية، تعكس في قرارتها وإشرافها إرادة المجتمع. ولا تخضع لمصالح الفئة التي تسيطر عليها، سواء أكانت ذات أفكار يسارية أو يمينية. فحتى يكون لإشراف الدولة معنى وقيمة ينبغي أن تخضع الدولة نفسها لإشراف المجتمع وتعكس مصالحه المشتركة الجماعية. ومن دون الديمقراطية ستتحول الدولة كما هو حاصل في العديد من بلداننا العربية إلى أداة لتوجيه الاقتصاد والموارد جميعا لخدمة مصالح فئة صغيرة تسلطية. أما الشرط الثاني فهو عدم الخلط بين اقتصاد السوق، الذي هو تعبير عن تطور تقسيم العمل والانتاج، ظهر قبل الرأسمالية، والليبرالية التي خلقت نوعا جديدا من الأسواق، سمتها الرئيسية الايمان بعقلانية القوانين الاقتصادية والانسجام الطبيعي والحتمي بين العرض والطلب، مما لا يحتاج إلى أي حسبة أو إشراف سياسي على الأسواق التجارية. والحال أن اقتصادا من دون سوق هو دعوة للنكوص إلى الاقتصادات البدائية، لكن سوقا ليبرالية تامة لا تخضع لإشراف السلطة العمومية، أي الدولة، هي بالضرورة سوق مضاربة مخربة للاقتصاد المنتج، وباعثة لاقتصاد وهمي مضارباتي في مواجهته، يشكل مصدر تخريب وتقويض لأسسه ومنطقه. باختصار السوق ضرورة لتطور الانتاج والانتاجية، والدولة ضرورة لضبط السوق وإخضاعه لمعايير اجتماعية وسياسية ضرورية، واكثر من ذلك لتجنيب الاقتصاد الحقيقي خطر الوقوع ضحية الاقتصاد الوهمي والفقاعات المالية.
وفي اعتقادي أن المجتمع البشري يمر بمرحلة مخاض كبير يجسدها هذا الاندماج والانفتاح المتبادل. وما نسميه بالعولمة يبدو لي اليوم بمثابة مصهر توضع فيه الشعوب والمجتمعات والاقتصادات والثقافات بعضها مع بعض. وما سيخرج منه بعد اكتمال الصهر سيكون عالما مختلفا كليا عن عالم الرأسمالية القومية التقليدية، أو حتى الأمبريالية الذي عرفناه في الحقب السابقة. وربما لن يكون لمشاريع الاشتراكية والرأسمالية بعده معنى كبيرا. أو بالأحرى ربما سنجد أن المفاهيم والمعايير التي قامت عليها المشاريع المجتمعية التي سميت إشتراكية أو رأسمالية أصبحت قاصرة عن بلورة رؤية متسقة ومطلوبة لمشروع اجتماعي جديد يضمن في الوقت نفسه العدالة مع الحرية، ويعمل من منظور وحدة الانسانية، داخل وخارج الحدود القومية. وهو ما سيتجلى عبر تنزيل الاقتصاد من عرشه في الرؤية الاجتماعية، أي عبر تجاوز محورية الاقتصاد التي سادت في المشاريع السابقة، وبلورة رؤية جديدة تأخذ بالاعتبار العلاقات الانسانية الثقافية أو بالاحرى العبر ثقافية والجيوسياسية، وتنظر إلى المجتمع كتفاعل بين أفراد داخل تجمعات محلية وما فوق قومية معا، لا تتسق مع حدود الدول القومية.
إن المخاض الذي تعرفه البشرية اليوم، والذي تعبر عنه الأزمات المتتالية، الاقتصادية والجيوستراتيجة والثقافية، لا يضع الفكر اليساري وحده أمام تحديات لا سابق لها ويفرض عليه المراجعة الذاتية العميقة فحسب، وإنما الفكر الليبرالي نفسه الذي اعتقد أصحابه لفترة أنهم ربحوا الرهان نهائيا، وليس عليهم أن يعيدوا النظر بأي من مسائله التاريخية. ولعل الأزمة الفكرية السياسية الشاملة التي ترافق أكبر الأزمات الاقتصادية، والتي تعزز الحديث عن سقوط الايديولوجيات الكلاسيكية، تؤكد أن كل ما نعيشه ونكتبه اليوم هو مؤقت، لن يستقيم مع التحول العميق الذي سيحصل في العلاقات المجتمعية والدولية خلال هذا القرن الجديد، الذي لا يكاد يبدأ أو الذي دشنته أزمة دولية سوف نتخبط جميعا في آثارها الكارثية لزمن طويل قادم.

mercredi, octobre 08, 2008

الأزمة المالية العالمية ونهاية الليبرالية

الاتحاد 08 اكتوبر 08

مهما ستكون التطورات اللاحقة، قوضت الأزمة المالية التي شهدتها أكبر المؤسسات المالية العالمية هذا الشهر الأسس التي يقوم عليها اقتصاد السوق، الذي تحول في العقود الثلاث الماضية إلى وصفة وحيدة وواحدة لمشاكل التنمية الاقتصادية في العالم أجمع، وفي بلادنا أيضا. ولا أعني بهذه الأسس القواعد المنظمة لهذه السوق وإنما الثقة بالاستثمار ونجاعة تحرير رأس المال من أي قيود قانونية أو سياسية مزعجة أو معيقة لعمله. وهو ما شكل جوهر الفلسفة الليبرالية الجديدة التي ما فتئت تدعو لانسحاب الدولة، والاعتراف باستقلالية مطلقة أو شبه مطلقة لأصحاب الرساميل، سواء من أجل تشجيعهم على الاستثمار، أو من أجل تمكينهم من السيطرة على سوق العمل وتخفيض كلفة الانتاج.
وليس هناك شك أن أول أسطورة دمرتها الأزمة الراهنة هي النظرية التقليدية التي قامت عليها الفلسفة الليبرالية منذ نشوئها، نظرية الانسجام الطبيعي، أو قدرة الأسواق على تنظيم نفسها من خلال قانون العرض والطلب وحده، أي من ذاتها. فلا أعتقد أن هناك من يعتقد اليوم، في أعقاب هذه الأزمة، أن الأسواق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها، أو أن للسوق روحا تحركها وتحميها من الدخول في أزمات ومآزق كتلك التي نشهدها اليوم. وربما كان الدرس الأول لهذه الأزمة هو أن السوق أعمى، وأننا إذا تركنا أصحاب الرساميل على راحتهم، لن تقتصر النتيجة على تحكم رأس المال بالعمل وفرضه شروط مجحفة على العاملين فحسب، وهو ما كانت تركز عليه النظرية الاشتراكية التقليدية، وإنما ستتجاوز ذلك لتقيم نموا قائما بشكل رئيسي على المضاربة المالية، أي على اختلاق منتجات وهمية أو خالية من القيمة وطرحها في السوق لتحقيق أرباح سريعة وخيالية. وهذا أصل نشوء الفقاعات المالية الكبرى التي لن تلبث حتى تنفجر وتقضي على أحلام مئات ملايين المستثمرين الصغار، وتهدد استقرار الاقتصاد العالمي نفسه، كما حصل مع سوق الرهن العقاري أو السوبرايم الشهيرة التي تقف وراء الأزمة الراهنة.
وليس من المبالغة القول أن هذه الأزمة التي عصفت بوول ستريت وعبرت الأطلسي نحو أوروبا وآسيا، ولا نزال غير قادرين على تقدير عواقبها في البلاد العربية، هي أكبر تسونامي عرفته الاقتصادات العالمية في العصر الحديث. وهي قد تتجاوز في نظري بنتائجها أزمة الكساد الكبير لعام 1927 . فبسبب الاندماج العالمي لا تقتصر آثار الأزمة الراهنة على الولايات المتحدة، وإنما تهدد بزعزعة الاقتصادات العالمية بأكملها.
كان جوزيف ستجليتز حائز جائزة نوبل للاقتصاد على حق عندما وصفها بأنها الانهيار المدوي لاقتصاد السوق الحرة المتطرفة، ولسياسة الليبرالية الجديدة التي تدعو لتحرير التجارة العالمية وتخفيف الضوابط وتوحيد الأسواق. فهي في نظره تمثل في مجال الاقتصاد ما مثله انهيار حائط برلين في العقيدة الشيوعية.
بالتاكيد ليس من الممكن فصل هذه الأزمة عن السياسة الليبرالية الجديدة، وفلسفة حرية السوق المتطرفة أو المتعصبة. فهي النتاج الطبيعي لسياسات اليمين الأمريكي الصاعد، الذي كان يدعو، منذ ولاية الرئيس رونالد ريغن، إلى التحرير الكامل للاقتصاد وسحب الدولة يدها من تنظيم الأسواق، وترك منطق التجارة هو الحاكم بأمره. ومن أجل تحقيق هذه السياسة دفع ريغن رئيس البنك الاحتياطي الفدرالي بول فولكر السابق إلى الاستقالة ليعين مكانه آلان غرينسبان الذي عرف بدعوته إلى تبني سياسة اقتصادية توسعية تراهن على إطلاق النمو الاقتصادي من خلال تخفيض القيود والضرائب على الشركات أولا، لكن بشكل أساسي عبر المراهنة على التوسع في الأسواق المالية.
ولم تخطء توقعات غرينسبان. فقد كان نمو القطاع المصرفي قاطرة الإزدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة الامريكية على مدى العقود الثلاث الماضية. وهذا الازدهار هو الذي جنبها أزمة النمو الضعيف التي اتسمت به الاقتصادات الاوروبية عموما، وارتفاع معدلات البطالة فيها. بيد أن هذا النمو ما كان من الممكن أن يستمر إلى ما لانهاية. وجاءت أزمة السوبرايم لتكشف عن الأسس الواهية التي قام عليها، أي التساهل في الاقراض والهرب إلى الامام عن طريق المضاربة وتهريب البضاعة المالية الفاسدة عبر منتجات مالية مغرية، وتصديرها إلى الأسواق المالية العالمية.
لكن جذور الأزمة تمتد في اعتقادي إلى أبعد من سياسات اليمين الليبرالي المتطرف لتصل إلى منطق الليبرالية الاقتصادية نفسه. فقد كان اكتشاف ضعف الأسس التي يقوم عليها مبدا ضبط الاقتصاد بالاقتصاد، أي تنظيم الاسواق حسب قاعدة العرض والطلب، هو السبب الأول في نشوء الكينزية في امريكا، وانتشار الديمقراطية الاجتماعية في اوروبة أيضا، كرد على أزمة الكساد الكبرى التي تفجرت في العشرينات من القرن الماضي. والقاسم المشترك بين السياسات الكينزية، التي شكلت إصلاحا هيكليا للسياسات الليبرالية الكلاسيكية، هو عدم ثقتها بالسوق، وإعادة تثمينها لدور الدولة كأداة تنظيم وترشيد للاقتصاد من خارجه، أي من حيز السياسة. وأهمية التدخل للضبط من حيز السياسة ومنطلقها أن السياسة تعكس، أو من المفروض أن تعكس، مصالح المجتمع بأكمله وبجميع فئاته، وليس مصالح أصحاب الرساميل والمستثمرين فحسب، وأنها تستطيع وحدها، من موقعها الدولوي الذي تشرف من خلاله على الأوضاع الكلية، أن تتمتع بنظرة بعيدة، وأدوات لضمان الاتساق بين مصالح الطبقات والشرائح المتنافسة على مستوى الاقتصاد، وتحقق الحد الأمثل من الانسجام داخل النظام العام. وهو ما نسميه أيضا النزاهة والاستقرار في الأسواق والعدالة في المجتمع.
والحال أن الليبرالية الجديدة كانت بمثابة ردة على السياسات الكنزية التي أعادت الاعتبار لنظريات ضرورة ضبط الاسواق والإشراف السياسي عليها، وعودة إلى السياسات الليبرالية التقليدية المناوئة لتدخل الدولة، دفعت إليها قوى السوق والشركات الصناعية والمالية الكبرى التي أدركت قوتها المتنامية، ونزوع جزء من النخب السياسية الأمريكية والأوروبية، في سياق نهاية الحرب الباردة، إلى استغلال موقع القوة الذي يحتله الاقتصاد الصناعي الغربي، لغزو العالم بشعارات اقتصادية تدعو للتخصيص الكامل وإطلاق حرية الأسواق وتخفيف القيود عنها. هكذا كان تخصيص الشركات ورفع القيود والمراقبة الجدية عن المؤسسات المالية، وفتح أسواق العالم أمامها بكل الوسائل، بالقوة والسياسة والدبلوماسية والإعلام، جزءا لا يتجزأ من استراتيجية السيطرة العالمية وملء الفراغ. هذه الاستراتيجية التي ستتخذ في ما بعد أشكالا أكثر عدوانية وحربية في أفغانستان والعراق، تحت اسم الحرب العالمية ضد الارهاب.
ما هو مضمون هذه السياسة الحقيقي؟ إنه ببساطة تمكين الرأسمالية الأمريكية، وشريكتها الاوروبية في حدود إمكانياتها، على استثمار التفوق الاستراتيجي من أجل الحفاظ على مستويات نمو أعلى، وحل المشاكل الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمها البطالة وضعف عوائد رأس المال، عن طريق تعظيم الريع الناجم عن السيطرة الخارجية على الأسواق الدولية، وتحميل المجتمعات الأخرى الأضعف تكاليف الازدهار والنمو الأمريكي العالمي والمنتظم.
ولذلك، بعكس ادعاءات اليمين الليبرالي أينما كان، لم يكن الازدهار الأمريكي في العقود الماضية ثمرة تحرير الاقتصاد من القيود، وانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي. لقد كان ثمرة التحالف الوثيق بين أصحاب المشاريع والشركات والمصالح والرساميل الكبرى والدولة الامبرطورية أو العاملة على السيطرة الخارجية. فانسحاب الدولة ليس موقفا سياسيا محايدا في الداخل ولكنه موقف محاب لأصحاب الرساميل والمصالح والمشاريع الرأسمالية. أما انخراط الدولة في فتح الأسواق العالمية أمام رأس المال الأمريكي فهو التعبير الذي لا يخطيء عن هذا التحالف.
ولعله من حكمة الأقدار أن انهيار سيطرة المؤسسات المالية الكبرى على الاقتصاد، وتحكمها بمصائر المجتمعات قد جاء موازيا ومرافقا لانهيار السياسات الأمبرطورية الأمريكية، واستراتيجيات التفوق العسكري، وأوهام القيادة الامريكية للعالم. ولذلك، لم تقوض الأزمة الراهنة أسس النظرية الليبرالية الكلاسيكية والمجددة معا بسبب استدعائها تدخل الدولة لحل مشاكل السوق الرأسمالية، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، فحسب، وإنما أكثر من ذلك بسبب إظهارها أن دعوة تحرير الأسواق هي أيضا سياسة، وسياسة دولة توسعية، وأن دعوة الفصل بين السياسي والاقتصادي ليست إلا خدعة فجة وخرافة ايديولوجية.

الأزمة المالية العالمية ونهاية الليبرالية

-->الاتحاد 8 اكتوبر 08

مهما ستكون التطورات اللاحقة، قوضت الأزمة المالية التي شهدتها أكبر المؤسسات المالية العالمية هذا الشهر الأسس التي يقوم عليها اقتصاد السوق، الذي تحول في العقود الثلاث الماضية إلى وصفة وحيدة وواحدة لمشاكل التنمية الاقتصادية في العالم أجمع، وفي بلادنا أيضا. ولا أعني بهذه الأسس القواعد المنظمة لهذه السوق وإنما الثقة بالاستثمار ونجاعة تحرير رأس المال من أي قيود قانونية أو سياسية مزعجة أو معيقة لعمله. وهو ما شكل جوهر الفلسفة الليبرالية الجديدة التي ما فتئت تدعو لانسحاب الدولة، والاعتراف باستقلالية مطلقة أو شبه مطلقة لأصحاب الرساميل، سواء من أجل تشجيعهم على الاستثمار، أو من أجل تمكينهم من السيطرة على سوق العمل وتخفيض كلفة الانتاج.

وليس هناك شك أن أول أسطورة دمرتها الأزمة الراهنة هي النظرية التقليدية التي قامت عليها الفلسفة الليبرالية منذ نشوئها، نظرية الانسجام الطبيعي، أو قدرة الأسواق على تنظيم نفسها من خلال قانون العرض والطلب وحده، أي من ذاتها. فلا أعتقد أن هناك من يعتقد اليوم، في أعقاب هذه الأزمة، أن الأسواق قادرة على تنظيم نفسها بنفسها، أو أن للسوق روحا تحركها وتحميها من الدخول في أزمات ومآزق كتلك التي نشهدها اليوم. وربما كان الدرس الأول لهذه الأزمة هو أن السوق أعمى، وأننا إذا تركنا أصحاب الرساميل على راحتهم، لن تقتصر النتيجة على تحكم رأس المال بالعمل وفرضه شروط مجحفة على العاملين فحسب، وهو ما كانت تركز عليه النظرية الاشتراكية التقليدية، وإنما ستتجاوز ذلك لتقيم نموا قائما بشكل رئيسي على المضاربة المالية، أي على اختلاق منتجات وهمية أو خالية من القيمة وطرحها في السوق لتحقيق أرباح سريعة وخيالية. وهذا أصل نشوء الفقاعات المالية الكبرى التي لن تلبث حتى تنفجر وتقضي على أحلام مئات ملايين المستثمرين الصغار، وتهدد استقرار الاقتصاد العالمي نفسه، كما حصل مع سوق الرهن العقاري أو السوبرايم الشهيرة التي تقف وراء الأزمة الراهنة.

وليس من المبالغة القول أن هذه الأزمة التي عصفت بوول ستريت وعبرت الأطلسي نحو أوروبا وآسيا، ولا نزال غير قادرين على تقدير عواقبها في البلاد العربية، هي أكبر تسونامي عرفته الاقتصادات العالمية في العصر الحديث. وهي قد تتجاوز في نظري بنتائجها أزمة الكساد الكبير لعام 1927 . فبسبب الاندماج العالمي لا تقتصر آثار الأزمة الراهنة على الولايات المتحدة، وإنما تهدد بزعزعة الاقتصادات العالمية بأكملها.

كان جوزيف ستجليتز حائز جائزة نوبل للاقتصاد على حق عندما وصفها بأنها الانهيار المدوي لاقتصاد السوق الحرة المتطرفة، ولسياسة الليبرالية الجديدة التي تدعو لتحرير التجارة العالمية وتخفيف الضوابط وتوحيد الأسواق. فهي في نظره تمثل في مجال الاقتصاد ما مثله انهيار حائط برلين في العقيدة الشيوعية.

بالتاكيد ليس من الممكن فصل هذه الأزمة عن السياسة الليبرالية الجديدة، وفلسفة حرية السوق المتطرفة أو المتعصبة. فهي النتاج الطبيعي لسياسات اليمين الأمريكي الصاعد، الذي كان يدعو، منذ ولاية الرئيس رونالد ريغن، إلى التحرير الكامل للاقتصاد وسحب الدولة يدها من تنظيم الأسواق، وترك منطق التجارة هو الحاكم بأمره. ومن أجل تحقيق هذه السياسة دفع ريغن رئيس البنك الاحتياطي الفدرالي بول فولكر السابق إلى الاستقالة ليعين مكانه آلان غرينسبان الذي عرف بدعوته إلى تبني سياسة اقتصادية توسعية تراهن على إطلاق النمو الاقتصادي من خلال تخفيض القيود والضرائب على الشركات أولا، لكن بشكل أساسي عبر المراهنة على التوسع في الأسواق المالية.

ولم تخطء توقعات غرينسبان. فقد كان نمو القطاع المصرفي قاطرة الإزدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة الامريكية على مدى العقود الثلاث الماضية. وهذا الازدهار هو الذي جنبها أزمة النمو الضعيف التي اتسمت به الاقتصادات الاوروبية عموما، وارتفاع معدلات البطالة فيها. بيد أن هذا النمو ما كان من الممكن أن يستمر إلى ما لانهاية. وجاءت أزمة السوبرايم لتكشف عن الأسس الواهية التي قام عليها، أي التساهل في الاقراض والهرب إلى الامام عن طريق المضاربة وتهريب البضاعة المالية الفاسدة عبر منتجات مالية مغرية، وتصديرها إلى الأسواق المالية العالمية.

لكن جذور الأزمة تمتد في اعتقادي إلى أبعد من سياسات اليمين الليبرالي المتطرف لتصل إلى منطق الليبرالية الاقتصادية نفسه. فقد كان اكتشاف ضعف الأسس التي يقوم عليها مبدا ضبط الاقتصاد بالاقتصاد، أي تنظيم الاسواق حسب قاعدة العرض والطلب، هو السبب الأول في نشوء الكينزية في امريكا، وانتشار الديمقراطية الاجتماعية في اوروبة أيضا، كرد على أزمة الكساد الكبرى التي تفجرت في العشرينات من القرن الماضي. والقاسم المشترك بين السياسات الكينزية، التي شكلت إصلاحا هيكليا للسياسات الليبرالية الكلاسيكية، هو عدم ثقتها بالسوق، وإعادة تثمينها لدور الدولة كأداة تنظيم وترشيد للاقتصاد من خارجه، أي من حيز السياسة. وأهمية التدخل للضبط من حيز السياسة ومنطلقها أن السياسة تعكس، أو من المفروض أن تعكس، مصالح المجتمع بأكمله وبجميع فئاته، وليس مصالح أصحاب الرساميل والمستثمرين فحسب، وأنها تستطيع وحدها، من موقعها الدولوي الذي تشرف من خلاله على الأوضاع الكلية، أن تتمتع بنظرة بعيدة، وأدوات لضمان الاتساق بين مصالح الطبقات والشرائح المتنافسة على مستوى الاقتصاد، وتحقق الحد الأمثل من الانسجام داخل النظام العام. وهو ما نسميه أيضا النزاهة والاستقرار في الأسواق والعدالة في المجتمع.

والحال أن الليبرالية الجديدة كانت بمثابة ردة على السياسات الكنزية التي أعادت الاعتبار لنظريات ضرورة ضبط الاسواق والإشراف السياسي عليها، وعودة إلى السياسات الليبرالية التقليدية المناوئة لتدخل الدولة، دفعت إليها قوى السوق والشركات الصناعية والمالية الكبرى التي أدركت قوتها المتنامية، ونزوع جزء من النخب السياسية الأمريكية والأوروبية، في سياق نهاية الحرب الباردة، إلى استغلال موقع القوة الذي يحتله الاقتصاد الصناعي الغربي، لغزو العالم بشعارات اقتصادية تدعو للتخصيص الكامل وإطلاق حرية الأسواق وتخفيف القيود عنها. هكذا كان تخصيص الشركات ورفع القيود والمراقبة الجدية عن المؤسسات المالية، وفتح أسواق العالم أمامها بكل الوسائل، بالقوة والسياسة والدبلوماسية والإعلام، جزءا لا يتجزأ من استراتيجية السيطرة العالمية وملء الفراغ. هذه الاستراتيجية التي ستتخذ في ما بعد أشكالا أكثر عدوانية وحربية في أفغانستان والعراق، تحت اسم الحرب العالمية ضد الارهاب.

ما هو مضمون هذه السياسة الحقيقي؟ إنه ببساطة تمكين الرأسمالية الأمريكية، وشريكتها الاوروبية في حدود إمكانياتها، على استثمار التفوق الاستراتيجي من أجل الحفاظ على مستويات نمو أعلى، وحل المشاكل الاقتصادية الداخلية، وفي مقدمها البطالة وضعف عوائد رأس المال، عن طريق تعظيم الريع الناجم عن السيطرة الخارجية على الأسواق الدولية، وتحميل المجتمعات الأخرى الأضعف تكاليف الازدهار والنمو الأمريكي العالمي والمنتظم.

ولذلك، بعكس ادعاءات اليمين الليبرالي أينما كان، لم يكن الازدهار الأمريكي في العقود الماضية ثمرة تحرير الاقتصاد من القيود، وانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي. لقد كان ثمرة التحالف الوثيق بين أصحاب المشاريع والشركات والمصالح والرساميل الكبرى والدولة الامبرطورية أو العاملة على السيطرة الخارجية. فانسحاب الدولة ليس موقفا سياسيا محايدا في الداخل ولكنه موقف محاب لأصحاب الرساميل والمصالح والمشاريع الرأسمالية. أما انخراط الدولة في فتح الأسواق العالمية أمام رأس المال الأمريكي فهو التعبير الذي لا يخطيء عن هذا التحالف.

ولعله من حكمة الأقدار أن انهيار سيطرة المؤسسات المالية الكبرى على الاقتصاد، وتحكمها بمصائر المجتمعات قد جاء موازيا ومرافقا لانهيار السياسات الأمبرطورية الأمريكية، واستراتيجيات التفوق العسكري، وأوهام القيادة الامريكية للعالم. ولذلك، لم تقوض الأزمة الراهنة أسس النظرية الليبرالية الكلاسيكية والمجددة معا بسبب استدعائها تدخل الدولة لحل مشاكل السوق الرأسمالية، كما لم يحصل في أي حقبة سابقة، فحسب، وإنما أكثر من ذلك بسبب إظهارها أن دعوة تحرير الأسواق هي أيضا سياسة، وسياسة دولة توسعية، وأن دعوة الفصل بين السياسي والاقتصادي ليست إلا خدعة فجة وخرافة ايديولوجية.

jeudi, septembre 18, 2008

في مديح التعددية الإتنية والدينية

الجزيرة نت 18 ايلول سبتمبر 08

لا يكاد من يتابع ما يكتب من تحليلات حول الأزمة السياسية العامة التي تحيق بالمجتمعات العربية يجد مصطلحا أكثر استخداما من مصطلح الطائفية والعشائرية. وبينما ينظر البعض للطائفية والعشائرية بوصفهما عاملان أساسيان في تكوين الهوية السياسية للمجتمعات العربية، يرى فيهما البعض الآخر ثمرة تلاعب القوى الأجنبية وتجسيدا لإرادتها السرية والعلنية في تقسيم البلدان العربية وتفكيك الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة. وقد جعلت أغلب الحركات الوطنية التي نشأت في بداية القرن العشرين من الكفاح ضد الطائفية والعشائرية شعارا رئيسيا من شعاراتها ونظرت بعداء شديد لأي شكل من أشكال التعبيرات الطائفية.
وفي وقتنا الراهن كثيرا ما يركز المحللون على الانقسام الطائفي، الإتني والديني، لتفسير الأزمة الطاحنة التي تواجهها معظم الدول والمجتمعات العربية في مساعيها لإقامة نظم ديمقراطية أو حتى لتجنب مخاطر الحرب الأهلية. ولا يزال الكفاح ضد الطائفية يشكل محور الأفكار التحررية التي تنادي بها الحركات القومية واليسارية التي ترى في استمرار وجودها عائقا رئيسيا امام تطور الولاءات الوطنية. ويقدم الوضع القائم في لبنان والعراق واليمن، والنزاعات العنيفة التي شهدتها هذه المجتمعات ومجتمعات عربية عديدة أخرى، في نظرهم، نماذج حية للدور السلبي الذي تلعبه الطائفية في قطع الطريق على نشوء الدولة القومية، وفي التمكين للاحتلال وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الوطنية، وفشل التحولات الديمقراطية.
لقد تحولت الطائفية، على مختلف أنواعها، في اللغة السياسية التقدمية العربية من ظاهرة تاريخية اجتماعية متحولة إلى لعنة أبدية، وعاهة مجتمعية لا يعرف أحد كيف يمكن احتواء تأثيراتها السلبية ولا التخلص منها. وأصبح الخوف من تفجراتها المحتملة عقبة أمام تطور المناقشة السياسية نفسها. فهي فتنة نائمة لا سيطرة لنا عليها، والحديث فيها بأي شكل جاء لا يمكن أن يكون إلا ايقاظا ملعونا لها وإطلاقا لبراكينها الكامنة. ولا يعادل الكره الذي تراكمه الثقافة السياسية العربية ضدها، بكل تياراتها اليسارية واليمينية، الاستبدادية والديمقراطية، سوى الخوف من التأمل الموضوعي فيها وفي أسباب بقائها وانتشارها. ولذلك استقر السلوك العربي على نوع من الانفصام في السلوك السياسي إزاءها. فنجد الفرد الذي لا يكف عن إدانة الطائفية والعشائرية والتبرؤ من شرورها لا يتردد في أغلب الأحيان في الانصياع لقانونها، والاندفاع في أحيان أخرى، بإرادته وأحيانا من دون إرادة، وراء رهانات وتلاعبات وحسابات طائفية لا حدود لها.
يخلق الحديث المتكرر عن الطائفية، وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية، التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة، وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية. وبقدر ما يدمر هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة، التي تتبارى في اتهام بعضها البعض بإخفاء النوايا والرهانات الطائفية، يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله بإمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بإمكانية بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده، بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد، ويفرض عليهم مصيرا مشتركا.
والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكا لمخاطر حقيقية وحتمية، بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي والوطني المحلي الذي اتجه، في سعيه لإقامة دولة وطنية حديثة، وإضفاء المشروعية السياسية عليها، إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج بدل بناء مفهوم المواطنية، والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط الممارسة القانونية لها، وبالتالي ضمان حرية أبنائها ومساواتهم. فقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية في مشروعها، أي عن غياب مشروع الدولة الوطنية الحديثة بالفعل، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية والتاريخية الأحادية. وكانت النتيجة توليد نزعة وطنية انصهارية صماء، تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية وشخصية سياسية حقيقية.
هكذا أصبح التعدد الطائفي، الديني والإتني، يظهر على أنه نقمة إلهية أو كارثة طبيعية بدل أن يعاش، كما كان عليه الحال دائما في المجتمعات القديمة، كثروة وطنية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته مجتمعاتنا منذ قرون، وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية، بما تجسده من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والاسلامية، حالة شاذة، أو تعبيرا عما يشبه الخطيئة الأصلية، بل كعاهة ولادية تعاني منها مجتمعاتنا منذ نشأتها، تميزها عن غيرها وتفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية، وتحط من قدرها وقيمها الأخلاقية الجوهرية.
والقصد، ليس تعدد الطوائف، ولا استمرار البنيات العشائرية، هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية، ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني، وعدم تقدم مشاريع التحويل الديمقراطي. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة، ويمكن تخفيضها جميعا إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية وغيرها. والمجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية اليوم طائفيا وعرقيا من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند، وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموما، يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية، التي تبدو في هذا المنظور مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية.
ويعبر هذا التعدد الواسع في المجتمعات الأسيوية، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار لا ينفصل عن نمو قيم التسامح والتعايش، وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات، وما يفرزه من حريات فردية وجمعية. فبقدر ما يدفع إلى تكريس التعددية، ونمو القيم الانسانية، يؤسس لمفهوم التنوع الايجابي والمثري داخل المجتمع الواحد، يحث مجموعات الرأي والثقافة على التعايش وقبول الآخر. وهذا القبول بالتنوع والتعدد وما يرافقه من انتشار التسامح والألفة بين البشر، يفتح عقل الأفراد وأفق تفكيرهم، ويشجع أصحاب الطموح والعقول النيرة في المناطق الأخرى المغلقة بل "المتوحشة" على القدوم والاستثمار البشري والمادي في أرض الحضارة والمدنية. وهذا ما يجعل بلاد الحضارة مرتبطة في كل زمان ومكان بمجتمعات التعدد والتعايش والتنوع الثقافي والقومي.
لا حاجة للذهاب بعيدا لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة أو المغايرة، سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، حيث يسود التسامح والحريات الدينية والفكرية، ويعززون من قدراتها الحضارية بما يحملونه معهم من رؤى وأفكار وتطلعات وطموحات خاصة، في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية، مثلها مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى، إلى الانغلاق وتقديس التجانس الديني والقومي، بأي ثمن، وكبت الاختلاف، والخوف من التعدد والتباين في الرأي، حتى داخل الطائفة أو الجماعة الإتنية أو العرقية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم الحضاري ولا التشكل الوطني ولا التسامي الديني بأي حال.
وبالعكس، يعبر استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة عن ثقة المجتمعات التعددية بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج والاستمرار، بينما يعبر طرد الأقليات، بصورة واعية أو غير واعية، عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس عند المجتمعات. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية أو دينية متجانسة دور كبير في خلق شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ، تشكل الأقليات، المنفتحة باستمرار على الخارج، والعابرة عادة لحدود البلدان، ناقلا مثاليا للمكتسبات والابداعات والابتكارات التقنية والعلمية والفكرية، وبالتالي حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.
ليست التعددية، الدينية والطائفية والمذهبية والقومية، هي المسؤولة عن أي نزاع من النزاعات التي تعرفها المجتمعات العربية. وليس لوجودها أي نصيب في ما تعاني منه الدولة والحياة السياسية والعقائدية من توتر وتمزق واضطراب.إأن المسؤول عن كل ذلك هو استغلال التعددية، أي توظيفها من قبل النخب الاجتماعية في الصراعات السياسية والاقتصادية. ويدخل هذا الاستغلال مباشرة في حقل السياسة، لا في حقل المعتقدات أو الاختلافات القومية أو الجماعات الإتنية المتساكنة. وهو يعبر عن إخفاق الاستراتيجيات السياسية الوطنية، الليبرالية وغير الليبرالية، التي طبقت في بلداننا، ومن وراء ذلك هشاشة المشاريع السياسية المطروحة، بل والسياسة ذاتها كوعي وممارسة، في مجتمعات لا يزال أساس قيام الحكم والنظام العام فيها تهميش المجتمع وإقصاء الرأي العام عن أي مشاركة، واحتكار الرأي والسلطة معا، من قبل فئات ساقتها الأقدار وتوازنات القوى الداخلية والخارجية إلى مركز القيادة والقرار، وهي غي مؤهلة له، ولا تملك للمجتمعات التي أصبحت تتحكم بمصيرها لا رؤية ولا مشروع.

mercredi, septembre 10, 2008

"الربيع العربي" على خطى نيكولا سركوزي في دمشق

الاتحاد 10 ايلول سبتمبر 08
أثارت بعض الاجراءات التي اتخذتها الحكومات العربية في مطالع الألفية الثالثة، في اتجاه الانفتاح الاقتصادي والسياسي، انتعاشا كبيرا للآمال في منطقة بقيت، خلال ربع القرن الماضي، من أقل المناطق الاقليمية في العالم تأثرا برياح التغيير القوية التي هزت المعسكر السوفييتي والاشتراكي سابقا. وتفاءل الكثير من المراقبين بقدوم ما أسموه في ذلك الوقت بالربيع العربي، واعتقدوا أن وقت الديمقراطية العربية قد حان. فربط الأمريكيون مشروع تعزيز سيطرتهم على ا لشرق الأوسط ومنابع النفط فيه بالضغط على الأنظمة العربية وتأكيد أولوية التحولات الديمقراطية. بيد أن السنوات التي تلت ذلك بينت أن ما حاوله بعض الحكام العرب من انفتاح، تجلى عبر السماح بانتخابات تشريعية أو تكوين مجالس شورى لم تكن موجودة من قبل، لم يكن إلا من قبيل ذر الرماد في العيون، وأن خروج الدول العربية من نموذج نظم الغلبة السياسية، أي التي تقوم على قهر إرادة المحكومين بكل الوسائل، لا على التشاور والحوار والتفاهم معهم، لا يزال إشكاليا بالمعنى الحرفي للكلمة. فلا تزال السلطة فيها، بالرغم من المظاهر السطحية، حكرا على فئات محددة من السكان والطبقات، كما لا يزال استبطانها لمفهوم المواطن ضعيفا لدرجة يصعب على الأفراد فيها أن يتعرفوا على حقوقهم المدنية والسياسية، فما بالك بالدفاع عنها أو تكوين قوى سياسية منظمة لوضعها موضع التطبيق ·
وإذا كانت بعض الأوهام قد ساورت القليل من النظم العربية ودفعتها إلى الاعتقاد أن بإمكانها استخدام هذه الاجراءات لامتصاص الضغوط التي كانت موجهة إليها من قبل الدول الكبرى أولا، ثم من قبل قطاعات الرأي العام من المثقفين والطبقة الوسطى ثانيا، فسرعان ما أدركت أن الانفتاح المطالب به يحمل لها من المخاطر أكثر مما يجلب من الفوائد. وبدل أن يساعد على التخفيف من الاحتقان السياسي ويساهم في تحسين صورتها في أوساط الرأي العام الدولية، الرسمية والأهلية، من الممكن، بالعكس، أن يكشف عن هشاشة نظام الغلبة السياسي الذي لا يضمن بقاؤه سوى العنف والتلويح الدائم بانهيار الأمن وتعريض المجتمع بأكمله لعدم الاستقرار. وهكذا عادت المياه إلى مجاريها، واستعاد النظام أدوات عمله الطبيعية، وتشبث رجال السلطة بالحكم واحتكروا القرار والخطاب أكثر مما كانوا يفعلون في أي فترة سابقة، مع التأييد الصريح للدول الغربية التي أدركت هي أيضا خطل اللعب بنار التغيير السياسي، أو التحولات الديمقراطية، في منطقة لم يبق لها فيها، بسبب سياساتها شبه الاستعمارية بل الاستعمارية، صديق سوى أهل الحكم وأصحاب المصالح المكرسة.
لم يتحقق التغيير ولا حتى توسعت دائرة المشاركة الشعبية، كما كانت تطالب عواصم التحالف الغربي في تبريرها لحرب العراق أو تسويقها لها، وإنما تكرست أكثر صيغة النظم التسلطية الوراثية. ولم تساهم الضغوط الأجنبية التي مارستها هذه العواصم بقوة في السنوات القليلة الماضية في تحسين وضع الحريات ولا تعزيز قضية حقوق الانسان. بل من الصحيح القول إنها فاقمت من سوء الأوضاع السياسية والقانونية، وعرضت العديد من الناشطين الحقوقيين والسياسيين لانتقام السلطات، التي استغلت ادعاء واشنطن تبني مسألة الديمقراطية لتشويه سمعتهم لدى الرأي العام، وتوجيه التهم الباطلة لهم بالعمل لصالح الدول الأجنبية. وكم كان من الوهم تصور إمكانية قبول الأنظمة الأمنية بالانفتاح على شعوب لا ترى فيها إلا عالة عليها وبطونا استهلاكية، أو بالتنازل عن جزء من صلاحياتها أو احتكارها للسلطة، حتى لو كان ذلك لصالح الطبقة التكنوقراطية المسؤولة عن تسيير المؤسسات الإدارية والاقتصادية، فما بالك بإلزامها بالاعتراف بمبدأ تداول السلطة، أو تقاسم الصلاحيات بين النخب المختلفة، أو رفع الوصاية عن المواطن والاعتراف بأهليته السياسية؟
لكن إذا لم تنجح الضغوط الخارجية في تحقيق التحولات السياسية المطلوبة، هل يساعد تعويم الأنظمة التسلطية وإعادة تأهيلها وضمان استقرارها، بشكل أفضل، على حثها على الانفتاح وتوسيع دائرة المشاركة السياسية؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه اليوم زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا سركوزي لدمشق، في إطار سياسة انفتاح وتقريب لسورية من التحالف الغربي، بعد أن أخفقت سياسة العزل والحصار التي فرضتها عليها واشنطن، وخضع لها الاتحاد الأوروبي. وهو السؤال الذي يطرحه على أنفسهم أيضا العديد من النشطاء السياسيين والقانونيين الذي يتعرضون لأقسى أنواع التنكيل بسبب تمسكهم بحقهم في المشاركة السياسية ورفضهم الإذعان لسياسة الأمر الواقع والغلبة العسكرية.
والجواب في نظري نعم، لكن فقط إذا كانت الدول الضاغطة راغبة في ذلك، أي مؤمنة حقا بالديمقراطية للعالم العربي، وحريصة على تحسين علاقاتها بشعوبه ورأيه العام. لكن المشكلة أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل أو مؤشر على أن هذا هو الواقع. وتجربة السنوات الخمس الماضية تثبت بالعكس أن الديمقراطية وحقوق الانسان قد استغلت من قبل العواصم الغربية، وواشنطن على رأسها، لتحقيق أجندة معادية في جوهرها وتفاصيلها لمصالح الشعوب العربية وأهدافها. فلو كانت قضية تعميم الديمقراطية هي بالفعل أحد أغراضها لكانت بدأت بترييح هذه ا لشعوب على جبهات التوتر التي هي شريكة أساسية فيها، وفي مقدمها جبهة الاحتلال والنزاع الفلسطيني الاسرائيلي.
يبدو لي اليوم أن العواصم الغربية لم تكن أبعد في أي فترة سابقة عن تبني الديمقراطية أو تمنيها للشعوب العربية مما هي عليه الآن. فالنكسة الكبيرة التي تعرضت لها سياستها الإقليمية، في السنوات القليلة الماضية، قوضت مواقعها أكثر من قبل، وجعلتها أكثر اعتمادا في الحفاظ على مصالحها على النظم القائمة من أي شيء آخر. وهي تعتقد اليوم، ربما أكثر من الأنظمة العربية التي تعرضت لأقسى انتقاداتها أمس فقط، بأن ضمان الأمن والاستقرار، وبالتالي التدفق الطبيعي لصادرات النفط، وتوقيع ا لصفقات الاقتصادية والتوسع في النفوذ، يتوقف في هذه المنطقة على تعميق التحالف مع الاستبداد والتعاون معه من دون حدود ولا شروط. وأن البديل الوحيد لسقوط شعار تطويع الأنظمة هو العمل معها يدا بيد لتطويع الشعوب وإخضاع المجتمعات. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن ننتظر كثيرا حتى نرى اختصاصيي المشرق والعالم العربي يعيدون إلى الحياة نظرية الاستثناء العربي، التي كانوا قد دفنوها في نشوة النصر والتفاؤل تحت تراب نظرية الربيع العربي التي لم تعمر حتى بضع سنوات، ويتداولوا في سياقها الأطروحات السوقية حول الثقافات الجماعوية القرسطوية المغلقة، التي لا تعرف التمييز بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية، وترفض الانفتاح على غيرها أو التواصل والتفاعل معه، وتنتشي بكل ما هو تعصب قومي وديني.

mercredi, août 27, 2008

عطالة التاريخ

الاتحاد 27 أغسطس آب 08
عندما قرأت في مطلع شبابي كتاب المرحوم هشام شرابي عن المثقفين والغرب، استفزني منهجه في التمييز الواضح بين نخبتين مسيحية وإسلامية ورصد مواقفهما المتباينة. وبدا لي هذا التمييز في ذلك الوقت مخالفا للواقع ومبالغا في رصد فروقات ثانوية في المواقف لا تنتمي بالضرورة لاختلاف الانتماءات الدينية بقدر ما تعبر عن تباين وجهات النظر السياسية والفكرية على أرضية استيعاب تحديات الحداثة العربية. وعندما كتبت كتابي المسألة الطائفية ومسألة الأقليات بطلب من المرحوم عبد الوهاب الكيالي الذي أراد معرفة كيف ينظر مسلم سني لموضوع الطائفية، تبنيت موقفا مماثلا، فرفضت أن أميز ظاهرتها كقضية مستقلة لها خصوصيتها، وبالتالي تاريخيتها الخاصة أيضا، وأدرجتها في مسألة أكبر منها هي مسألة بناء الأمة. فصارت مشكلة الأقليات عندي بالدرحة الأولى مشكلة الأكثرية، أي نتيجة لعجز هذه الأخيرة عن بناء رابطة وطنية عميقة، أو جماعة سياسية مكونة من مواطنين أحرار ومتساوين قادرة على دمج الأقليات وتحريرهم من تواريخهم الخاصة، وبالتالي ثمرة العجز عن بناء تاريخ عام جديد وموحد هو تاريخ الجماعة السياسية الوطنية. والتاريخ هنا يعني الذاكرة ويعني أيضا الصيرورة والاندماج في سيرة مشتركة.
كنت أعتقد بالفعل أن الحساسيات التاريخية المرتبطة بفكرة الأقليات ذاتها سوف تزول من تلقاء نفسها عند نشوء ديناميكية وطنية جديدة وشاملة تجذب الجميع إليها وتجرف مخلفات الماضي جميعا وتقضي عليها. وكان هذا الموقف انعكاسا للمناخ السائد في ذلك الوقت، الذي وجه بصورة لا شعورية وعينا وتفكيرنا، أعني سيطرة الفكرة القومية بالفعل على العقول والأذهان، ونجاحها في أوج ازدهارها في الحقبة الناصرية المثيرة، في انتزاع الناس من قوقعاتهم التاريخية الملية وإدراجهم في حركة واحدة، مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة، عربا واكرادا وشراكس وغيرهم. وقد نشأ هذا النجاح عن الأمل الصاعد، في أعماق كل فرد عانى من القلق والتمزق والنزاع بسبب الانقسامات العصبوية التقليدية، بوجود فرصة تاريخية لتكوين جماعة وطنية حقيقية، والخروج من تاريخ الضياع والفرقة والانقسام الماضي والسيطرة الاستعمارية معا، أي للقطع نهائيا مع تاريخ الطوائف والملل والاتنيات، تاريخنا الحقيقي الماضي، مسلمين وغير مسلمين.
ومنذ ذلك الوقت نشأ عندي اعتقاد عميق بأن الإنسان ليس حبيس تاريخه ولا ذاكرته، وإنه، بالعكس، ميال وجاهز ومستعد للتحرك إلى الأمام والتطلع إلى المستقبل والتفكير من منظوره بدل التغريز في وحل التاريخ، حالما يشعر أن هناك بصيص ضوء او فرصا للتحرر والانعتاق. فإرادة الحياة الحرة أقوى من إرادة التقوقع والانكفاء على النفس واجترار حزازات الماضي وآلامه. ولا يزال هذا الاعتقاد هو الذي يغذي موقفي الايجابي من الإنسان ومراهنتي دائما على قدرته على الارتفاع فوق أنانيته ومعانقة حياة المباديء والسلوك حسب قواعد الأخلاق إذا ما توفرت له الفرص التي تسمح له بالارتقاء على شرطه القاهر، وإذا حظي بدرجة مناسبة من العناية الفكرية والعاطفية والتربية المدنية والإنسانية.
لكنني من دون أن أغير هذا الاعتقاد، بدأت أشعر اليوم بشكل أكبر بأن للتاريخ عطالة حقيقية، أي ثقلا لا يمكن التحرر منه إلا في حالات االثورات الحماسية الكبرى التي تفجر الوعي الماضي، وتنشيء في لهيبه وعيا جديدا بالفعل. وهو ما لا يمكن حصوله إلا عندما تكون هذه الثورات حاملة هي نفسها لمشروع إنساني ينطوي على فرص أكبر لتحرر الانسان وانعتاقه، وتكون عندئذ مسبوقة بعمل طويل المدى على إعادة صوغ المباديء الإنسانية والقيم الأخلاقية والمدنية. من دون ذلك تظل عقد التاريخ وحساباته المعلقة منذ قرون حية ولو تحت الأرض وجاهزة للبروز إلى السطح، وربما إلى احتلال مقدم ساحة الوعي الفردي والجمعي، في أي فترة تضعف فيها يقظة المجتمعات، أو تخونها نخبها القيادية، أو تزل قدمها وتنهار صدقية السياسة والسلطة فيها. ومن بين هذه العقد والحسابات المعلقة، الحزازات الطائفية والمشاكل المرتبطة بالتعامل التاريخي للأغلبيات المذهبية أو القومية مع الأقليات الدينية والإتنية.
ومن ينظر إلى مجتمعاتنا اليوم يعتقد أن تاريخ الحروب الأهلية الإسلامية الأولى، وتاريخ المعاملات التحقيرية للأقليات غير العربية وغير الاسلامية التي عرفتها عهود السلطنة لا يزالان عائشين فينا إلى اليوم، ولا تزال النزاعات التي رافقتهما ورهاناتها المختلفة مستمرة لم تحسم بعد. يظهر هذا عبر النزعة المتنامية للانسحاب من الهوية الوطنية وإعادة بناء الجماعات العصبية، والانكفاء على القيم التقليدية الطائفية والقبلية والعشائرية والعائلية. كما يظهر من خلال عودة الإشكاليات القديمة على صعيد المناظرة العقلية، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة، مثل بناء الدولة الاسلامية أو الخلاقة أو الامبرطورية، أو من خلال تلغيم جميع المناظرات الفكرية والسياسية الحديثة، وتبطينها بحساسيات الماضي ومخلفاته ونزاعاته التي لم يمكن حلها أو تذويبها واستمرت تعيش فينا حياتها السرية.
بل إنني أعتقد اليوم، ونحن في قلب المناظرة العربية التي أثارها انهيار النظام العام، أي المباديء الفكرية والسياسية التي قام عليها الاستقرار المجتمعي في العقود الماضية، أن تلك البطانة التي لا ترى عبر الخطاب الظاهر أو التي لا يسعى هذا الخطاب إلا إلى إخفائها، لا تجعلنا ندور في حلقة مفرغة تمنعنا من التواصل والنقاش الفعلي فحسب، وإنما تعيق، أكثر من ذلك، أي تقدم لنا على طريق حسم الخلافات الفكرية والسياسية. وأننا لن نستطيع الخروج مما ينبغي تسميته بالفعل حوار الطرشان "الوطني" من دون تنكب مهمة الغوص في هذا الباطن، الذي لا يرى ولا يسمع ولكنه هو الذي يتكلم في غالب الأحيان من وراء غلالة اللغة الفكرية والمفاهيم العقلية المستخدمة. ومما يزيد من قوة فعل هذا الباطن وشدته، كونه ليس فكرة ولا مفهوما ولا حجة عقلية وإنما هواجس تكونت بفعل تراكم الحزازات التاريخية، وتحولت إلى كرة من المشاعر الملتهبة التي تسكن الأعماق وتوجه تفكيرنا الباطن، حتى عندما تخفى على الجميع، بما في ذلك على أصحابها أنفسهم، ويصبح من غير الممكن التحكم بها ولا الكشف عنها.
هكذا يبدو للمرء أحيانا أن نقاشاتنا النظرية وحججنا العقلية في الديمقراطية والعلمانية والحداثة والقومية والوطنية والحرية والعدالة والمساواة والاشتراكية والرأسمالية والغرب والعولمة كثيرا ما تبقى ملغمة ببقايا التاريخ الماضي ونزاعاته الدينية والمذهبية والإتنية، وذاكرات أطرافه المليئة بالمخاوف والهواجس والشكاوى غير المسموعة والحسابات غير المسددة. وإذا ظهرت آثار هذه الذاكرة غير المطهرة على مستوى الجمهور العام من خلال الانكفاء على الجماعة الخاصة وتحويلها إلى هوية أساسية، مع ما يعنيه ذلك من بلورة مواقف ومشاعر وعادات وتقاليد ومواقف تعكس التأكيد على هذه الهوية والحفاظ عليها من الذوبان، أي إعاقة أي بناء جديد لوعي وطني جامع، وبالتالي لقانون جامع أيضا، ونزعة قوية للتميز والتقوقع ضمن منطق القوانين والشرائع الخصوصية، فإن آثارها عند المثقفين بارزة في عجز هؤلاء عن الدخول في حوارات جدية منتجة، وبناء لغة مفهومية واحدة. فيكاد يكون لكل فئة، لغتها المزدوجة النابعة من تمحور تفكيرها حول أولويات وقضايا ومفاهيم خاصة، وتجسيدها رهانات ومشاعر وحقائق غير معلنة نابعة من الحرص على تأكيد مواقف أو إعتقادات مسبقة أو تعزيزها. هكذا لم يعد من الممكن بناء أي حياة ثقافية أو كتلة ثقافية حية في البلاد العربية. وبدل أن يتوحد المثقفون الذين تحولوا إلى أقلية مهددة، حول رؤية مشتركة للمستقبل، تدفعهم الشكوك والحساسيات والهواحس الخاصة، المستندة إلى ذاكرة تاريخية غير مفكر فيها، إلى تحطيم بعضهم البعض والتشكيك بخياراتهم واصطناع الحيل المعقولة وغير المعقولة للايقاع بعضهم ببعض والتشهير بمواقفهم ونزع الصدقية عنها.

dimanche, août 10, 2008

زمن الفتنة

الاتحاد 10 أغسطس آب 08

أحد التعبيرات الرئيسية والبارزة عن الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية هي من دون شك التصدع الذي تشهده هذه المجتمعات، وانقسامها بين أكثرية فقدت الثقة بالصيغ والحلول الحديثة أو المرتبطة بفكرة الحداثة ومفهومها، وتكاد تيأس منها، وتعتقد ان المسؤول عن الأزمة او التخبط الراهنين هي هذه الصيغ والمفاهيم، وأقلية تعتقد أن سبب الأزمة والإخفاق المرتبط بها هو رفض النخب الحاكمة تطبيق مباديء الحداثة وقيمها، واستمرارها في مسايرة الأغلبية المحافظة المتمسكة بالقيم والتقاليد الدينية. وبينما لم يعد لدى الفئة الأولى مطلب آخر سوى تطهير المجتمع والبلاد من آثار التغريب والحداثة اللادينية و"العلمانية"، أصبح الهم الرئيسي لدى الفئة الثانية استئصال ما تسميه قوى الظلامية والرجعية الدينية. ويولد هذا الانقسام بل الفصام، الذي يتغذى من المسبقات والأفكار المشوشة المشتركة والهيجانات النفسية والاحتقانات السياسية الناجمة عن الانغماس في نزاعات لا أمل بكسبها من قبل أحد، أكثر مما يستند إلى مقاربات عقلية وموضوعية، أقول إنه يولد قطيعة متزايدة بين الأطراف لا مخرج منها. ليس لأن الأقلية التي تسمى نفسها علمانية، وهي ليست بالضرورة كذلك، تحتكر، في مواجهة الأغلبية الاجتماعية، وأكثريتها مسلمة، في معظم البلدان، السلطة وموارد القوة واستخدام العنف فحسب، ولكن أكثر من ذلك، لأن كلا الطريقين : طريق الدولة الإسلامية وطريق الدولة العلمانية، أو شبه العلمانية، مسدودة. المشروع الأول لأن الإسلاموية كما ذكرت في مقالات سابقة ليست مشروعا أصلا، وإنما هي غطاء لمشاريع أو لأشباه مشاريع ومطالب وتطلعات مختلفة ومتباينة ومتناقضة، يضرب بعضها البعض الآخر، ولا يمكن أن تقود، عندما تواتيها فرصة الوصول إلى السلطة، إلا إلى الانقسام المتزايد والاقتتال بين الإسلامويين أنفسهم. وهو ما جرى في جميع النظم الإسلاموية التي انبثقت في العشرين سنة الأخيرة، وأحيانا قبل الوصول إلى السلطة. والمشروع الثاني لأن الإستبداد لا يمكن أن يقود، تحت أي يافطة جاء، إلى شيء آخر سوى خيانة الحداثة وقيمها، وفي مقدمها العلمانية، وتحويل الدولة إلى مزرعة للأسر المالكة أو الحاكمة لا فرق، بقدر ما يعني تحييد الرأي العام، وتفريغ المجتمع من الحياة السياسية، وإكراه الأفراد على الخضوع والطاعة العمياء. فإلغاء الحريات هو الأساس لإجهاض الحداثة وقطع الطريق على أي تقدم آخر، في الاقتصاد والسياسة والعلم والتقنية والإدارة والأمن الوطني والأهلي على حد سواء. فالحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية هي منطلق الحداثة وشرط وجودها، لأنها الأساس الذي يقوم عليه بناء الفرد كمواطن مستقل ومسؤول، ومبدأ تربيته كمصدر وعي وصاحب إرادة ومبادرة، وبالتالي كمشارك أو شريك في جماعة سياسية تتجاوز الرابطة الدموية أو الدينية والمذهبية. ومن دون ذلك ليس هناك أمل لا في قيام أمة ولا دولة حديثة ولا مجتمع مدني. كان من الممكن أن يقود هذا الانسداد المزدوج إلى انتشار إدراك أعمق بالأزمة التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، ويمهد للخروج منها بصورة أسرع، لو لم ينفتح الانقسام الداخلي ويرتبط التصدع الوطني بصراع أوسع، دولي وإقليمي، يشكل الشرق الأوسط، والمشرق العربي خاصة، مسرحه الرئيسي. بيد أن اندراج الطرفين المتنازعين في الاستراتيجيات الدولية واصطفافهما وراءها قد عملا على تعزيز هذه القطيعة، ودفعا نحو حرب داخلية مرتبطة بالحرب الدولية والإقليمية ورهينة لها. هكذا أصبحت الإسلاموية، التي بدأت كحركة احتجاج داخلي على الظلم الاجتماعي والتسيب القانوني والاستهتار بمصالح الناس ومستقبلهم، حركة دفاع عن الهوية في وجه الثقافة والقيم العصرية، بوصفها قيما غربية. وهو ما عززته السياسات الغربية التي وجدت هي نفسها في تحويل الإسلاموية إلى عدو استراتيجي وتاريخي بديلا للعدو السوفييتي، يبرر للمركب الصناعي العسكري، وللمصالح الاستعمارية أو شبه الاستعمارية عموما، الاحتفاظ بمواقعها ونفوذها في البلدان الصناعية. وبالمقابل، تحولت شعارات الديمقراطية والعلمانية إلى حصان طروادة لتلك القوى الدولية الرامية إلى الاحتفاظ بنفوذها في مواجهة الموجة الإسلامية، أو إلى منطلق لترميم النظام شبه الاستعماري الذي يستند إليه هذا النفوذ. وهكذا تمفصل الصراع الداخلي مع صراع خارجي يتبع أجندته الخاصة، وتعقدت سبل المواجهة الداخلية، ومعها فرص اليقظة والخروج من الأزمة. فقد أعطى هذا الصراع للفريق العلمانوي المحلي، في كل البلدان العربية وعلى مستوى المنطقة ككل، الانطباع أن بإمكانه الفوز بالمعركة وحسم الموقف لصالحه طالما أنه يحظى بدعم دولي واسع، كما أعطى الانطباع للفريق الإسلاموي بأن التنازل أمام الأقلية العلمانية المسيطرة لا يعني خيانة الأغلبية المؤيدة له فحسب وإنما أكثر من ذلك الاستسلام أمام قوى الهيمنة الدولية والاستعمارية. هكذا تحول الاحتجاج الاجتماعي باسم الاسلام، كما جسدته الحركة الاسلامية في بداياتها، إلى ما يشبه الحرب العالمية ضد "الإمبريالية" والسيطرة الخارجية وقواعدها المحلية. كما تحول الدفاع عن مشروع الحداثة العلمانوي إلى حرب "وطنية" مقدسة ضد الإسلام والإسلاميين، ومن وراء ذلك إلى ذريعة لتبرير الاستبداد والتحالف مع القوى الاستعمارية. لقد ضاعف ربط الصراعات الداخلية بالصراعات الخارجية من تعقيد المشكلة ومن تفاقم الأزمة، حتى لم يعد من الممكن مواجهة أي نزاع داخلي بمعزل عن الأقطاب الدولية. وبدل أن نتجه نحو تسويات وطنية، كما حصل في جميع المجتمعات التي عرفت العديد من الأزمات الكبرى، أصبحنا نتجه بشكل اكبر، مدعومين، كل منا، بحليف خارجي، نحو القطيعة والتخوين المتبادل والمواجهات المفتوحة من دون نهاية. وبدل أن تقودنا مقاومة الأجنبي "وعملائه" إلى تعزيز استقلالنا الوطني عن الدول الكبرى، أو تدفع بنا العلمانية إلى تعزيز التحولات الديمقراطية، عشنا في العقود الماضية التجربة المريرة للسقوط بشكل أكبر في التبعية والالتحاق بالقوى الأجنبية و تعزيز قوة النظم التعسفية والطغيان.ليس المسؤول عن ذلك الإسلاميين او العلمانيين، وإنما تبني خيارات خاطئة وغير ناجعة في المقاومة وفي المحافظة على الدولة والنظام "العلماني" أي السياسي المدني معا. فلم نر في المقاومة إحتجاجا ضد الظلم والعسف والطغيان، ولكن نبذ القوى والأفكار والمواقع المغايرة أو الحديثة، التي طابقنا بينها والأفكار والقيم والقوى الغربية والأجنبية. فصرنا ننظر إلى الحداثة كاستلاب أجنبي، وإلى الوطنية كعصبية بدائية وعداء لأي خارجي أو غريب. وهو ما يزيد من تعميق الشرخ داخل المجتمعات. وبالمثل، لم نر في الحفاظ على النظم الحديثة "العلمانية" او شبه العلمانية سوى سياسات الأمن والقمع وقتل الحريات التي ليس لها نتيجة أخرى سوى تعزيز قبضة الممسكين بالسلطة على ثروة البلاد والمجتمعات ومواردهما، وتحويل الفساد إلى سياسية وطنية. وفي النتيجة لم نعمل بخياراتنا الخاطئة هذه سوى على تعميم الاقتتال وتخليده من خلال ربطه بأجندات خارجية. وقد عملت المطابقة الكلية بين مقاومة النفوذ الأجنبي والوطنية، وبين الحفاظ على النظم الحديثة والعلمانية، على خلط في الاوراق قضي على ملكة التمييز عند الرأي العام، وجعل من شعار العلمانية أفضل وسيلة لحل عرى الوطنية ودولتها الحديثة، كما جعل من شعار المقاومة الإسلاموية أفضل وسيلة لتحويل حركة الاحتجاج الاجتماعي عن أهدافها الديمقراطية وجعلها غطاءا لنظم البطش والفساد والطغيان. وها هي مجتمعاتنا تتمزق بين أقليات اجتماعية تعتقد أنها لا تضمن حقوقها الإنسانية وحرياتها إلا بالتعامل المباشر مع القوى الاجنبية، وجماهير مهمشة ومنبوذة لا تجد في مواجهتها من وسيلة سوى بعث العصبية الدينية أو الإتنية أو الطائفية أو القبلية في غمار مقاومة تفضي إلى تقويض أسس الحياة الوطنية أكثر مما تقود إلى دحر السيطرة الخارجية.

samedi, août 02, 2008

إعادة اكتشاف المعرفة

الاتحاد 2 أغسطس 08
بعد حقبة طويلة ماضية سيطر على المجتمعات العربية فيها هوس تأكيد الهوية الثقافية والدينية، يسود اليوم بشكل متزايد، لدى المثقفين وبعض المسؤولين العرب شعور عميق بأن فجوة المعرفة قد اتسعت بين العرب والعالم الصناعي، إلى درجة أصبحت تشكل فيه خطورة على مستقبل العالم العربي وصلاح علومه ومعارفه وتكوين أبنائه واجياله الجديدة. ومن هنا بدأ الاهتمام بالتواصل مع المجتمعات الحديثة والاقتداء بها والتعلم منها يطغى في السنوات الأخيرة، بالرغم من مظاهر التعصب القومي والتزمت الديني، على خطاب التأكيد على العصبية والهوية الدينية أو القومية. فمنطق الهوية بالضرورة خصوصي، يسعى إلى تأكيد التمايز والمغايرة مع الآخر كمرتكز لوعي مستقل بالذات، فاقمت من خطورته عندنا ذكرى الاستعمار والاحتلال السابق والقائم الذي غذى ولا يزال الشعور الأليم بالدونية وضعف الذاتية. وبالمقابل لا يمكن لمنطق المعرفة أن يكون إلا منطقا كونيا، أي يخترق الهويات والاختلافات، مؤكدا وحدة العقل الإنساني وامتداده عبر الزمن، أي تراكميته، وتفاعله عبر المكان، وتواصل الباحثين والعلماء المعاصرين بعضهم مع البعض الآخر وتحاورهم. فوحدة العقل المفترضة هذه هي الفرضية الأساسية في وجود العلم بالمعنى الحديث للكلمة، أي من حيث هو مشروع لبناء معرفة موضوعية، ترتفع على شروط إنتاجها العقائدية والثقافية والاجتماعية، وتؤسس نجاعتها ومشروعيتها معا على مناهج تحصيلها وتقنيات مراجعتها لنفسها وتحقيقها في الواقع وفي التجربة. فإذا كانت الذرة لا تنشطر في الظروف ذاتها، أو إذا كانت تخضع في انشطارها لاعتقادات المجتمعات وثقافة الباحثين وذاتياتهم، لن يكون هناك علم. فالعلم واحد بينما الثقافة متعددة.
وبمقدار ما يدفع الشعور بهذه الفجوة المعرفية الأجيال الجديدة من العرب إلى التخلي عن ثقافتهم العربية وهجرها باعتبارها ثقافة فقيرة ومفوتة لا تصلح للعصر، ولا تنفع في فهم إشكالياته الكبرى، وهو ما يعبر عنه الاندفاع نحو التعليم الخاص وباللغات الأجنبية أيضا، يطرح على المجتمعات العربية مسألة إعادة التواصل مع بحر المعرفة الإنسانية وتجديد أسس الثقافة العربية ومحتواها. وهذا ما يعكسه الاهتمام المتزايد عند بعض الحكومات والناشطين الاجتماعيين بمسألة الإبداع العلمي والأدبي، وبشكل أكبر بمسألة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. فهناك اليوم أكثر من مشروع لتكريم المبدعين والباحثين الجادين، وأكثر من مركز أيضا لرعاية الترجمة وتشجيع المترجمين على نقل ما حصل تجاهله من كتب ومراجع علمية في جميع الميادين في الحقبة السابقة. ومن بين هذه المشاريع جائزة الشيخ زايد للكتاب عموما وللكتاب المترجم خصوصا، التي أقامت في معهد العالم العربي في السابع من تموز (2008) أول ندواتها لتكريم الحائزين على جائزة الترجمة، بعنوان الترجمة كوسيلة للتواصل مع الآخر.
وليس هناك أدنى شك، كما أكد على ذلك جميع الباحثين المترجمين الذي قدموا آراءهم في الموضوع، في أن الترجمة تشكل أكبر وسيلة لتجاوز التمحور حول الذات النابع من التاكيد على الهوية، وهي وظيفة لا يمكن لمجتمع أن يتجاهلها أو يتنكر لها، وهي بالتالي أهم مجال لتعريف المجتمعات بعضها على إبداعات بعضها الآخر وثقافته وأنماط تفكيره وتجربته الخاصة. لكن الأمر كما ذكرت في مداخلتي ليس مطلقا وحتميا. إنه يتوقف على نوعية الترجمة. فالترجمة الفاسدة قد تفضي إلى نتائج معاكسة تماما للمطلوب، فلا تعجز عن مد جسور التواصل مع الآخرين وإنما تحرم العرب أنفسهم من التواصل في ما بينهم بمقدار ما تؤدي إلى نزع الاتساق عن لغتهم وزرع الاضطراب والفوضى في عبارتهم، وتشويش فكر وعقل ناشئتهم وقارئهم. وهذا ما نعيشه اليوم حقيقة في العالم العربي. فبسبب غياب سياسة متسقة وجدية تستحق هذا الاسم للترجمة، وتركها سائبة تتحكم بها رغبات دور نشر فقيرة وصغيرة ومزاج المترجمين الشخصيين الذي لا يهمهم سوى تلبية طلب السوق، وفي الغالب الرد على فضول جمهور محدود من القراء، وسعيهم وراء الكتب الذائعة الصيت أو الأكثر مبيعا، وهي غالبا لا علاقة لها بالعلم، تحولت الترجمة إلى أكبر وسيلة لتفكيك اللغة العربية وتشويش عبارتها وبث الاضطراب والفوضى في تفكير أبنائها وأجيالها الجديدة وقرائها. هكذا تملأ المكتبات العربية ترجمات سلبية من حيث الأسلوب والمحتوى معا. وبسبب تعدد المفردات المستخدمة لمصطلح واحد، نتيجة تعدد البلدان والمرجعيات اللغوية الخارجية وغياب العمل القاموسي الجامع، تكاد اللغة العربية تفقد اتساقها ووضوحها.
حتى تكون الترجمة وسيلة فعالة للتواصل بين الثقافات والمجتمعات التي تحملها، ينبغي في اعتقادي أن تقوم على أساس متين، وتتحول إلى مشروع يخدم الإنتاج العلمي المبدع، ويصب في عملية تجديد الثقافة العربية وتنشيط ديناميكاتها الذاتية. وهذا ما يتطلب مشروعا متكاملا للترجمة يتكون في نظري من ثلاث حلقات. الأولى برنامج طويل المدى، متسق ومنهجي، يهدف إلى ترجمة المراجع الأساسية في جميع الميادين العلمية إلى العربية خلال السنوات العشر القادمة، بحيث يستطيع أي طالب علم، في أي ميدان علمي، أن يجد باللغة العربية مادة أساسية ومتكاملة في المجال الذي يريد أن يتخصص فيه. وهو ما يحتاج إلى مجلس أعلى للترجمة يبلور التصور والسياسة العامة، ويعد قوائم الكتب المختارة، وينسق بين جميع النشاطات العربية في هذا الميدان بحيث يتكامل جهد جميع المراكز والمتخصصين معا على مستوى العالم العربي. والثانية حلقة تأهيل المترجمين وذلك من خلال إنشاء مدرسة عليا للترجمة على مستوى العالم العربي، تؤهل المترجمين وتعمل على تطوير أساليب عملهم، وتوحيد أسلوبهم ولغتهم، وتحويل الترجمة ذاتها إلى ميدان من ميادين البحث العلمي. فلا يكفي أن يكون المترجم عالما في ميدانه وإنما لا بد أن يكون ملما أيضا بأصول الترجمة ومصطلحاتها حسب الميدان الذي يترجم فيه. والحلقة الثالثة تتعلق بنشر ما ترجم وتوزيعه وبناء التواصل مع الجامعات والمعاهد العلمية والتعاون معها.
وفي اعتقادي لا يمكن أن توجد اليوم في العالم العربي سياسة ثقافية من دون سياسة للترجمة. إذ تكاد الترجمة تشكل اليوم الجزء الأكبر من ثقافتنا الحديثة، بل جميعها، بما في ذلك تصورنا لأنفسنا وتمثلنا لما نعتقد أنه قيمنا وآدابنا وعقائدنا. فقد تكونا جميعا، بما فيه جيلنا، على قراءة الآداب والعلوم الحديثة عبر الترجمة، وتمثلنا صورتنا عن تاريخنا وثقافتنا وخصائصنا، من كتابات الآخرين المترجمة عنا. وطالما بقينا بعيدين عن مرحلة البحث والانتاج العلمي الأصيل أو الأساسي، ستبقى تآليفنا في المعارف الأساسية والعلوم التطبيقية، باستثناء محاولاتنا النقدية، تلاخيص لأبحاث تجري في العالم وشروحا على معارفها وعلومها.
ولذلك يتوقف صلاح ثقاتنا العلمية والنظرية على صلاح ترجماتنا. وعلى هذه الأخيرة يتوقف أيضا حظنا من الانخراط في المغامرة العلمية والنهضة الفكرية والمعرفية العالمية، وبالتالي بالنهضة عموما. فإذا استمرت الترجمة في جزئها الاكبر من إنتاج إرادات فردية ضعيفة وفقيرة بالتأهيل والموارد وإمكانات التوزيع والنشر، سوف نجد أنفسنا بعد فترة أمام لغة عربية غير صالحة للاستعمال العلمي، ولا تفيد القراءة فيها شيئا، تؤسس لسوء التفاهم بين الأفراد وتغذي بالتالي التوتر وأسباب النزاع، أكثر مما تقود إلى التفاهم والتواصل، ومن باب أولى إلى الإبداع. وربما كان هذا هو ما يدعونا إلى تقديم الشكر والاعتراف بالجميل لجميع أولئك الذين قبلوا من العلماء والباحثين العمل في ميدانها وجميع أؤلئك الذين سعوا إلى تكريمهم وتسليط الضوء على عملهم الإبداعي والتنويري بالمعنى الحقيقي للكلمة.

mardi, juillet 22, 2008

الجذور الثقافية لغياب الديمقراطية

الجزيرة نت، 22 آب أغسطس 08
في مواجهة النظريات الأحادية الجانب التي ترجع غياب الديناميكية الديمقراطية في البلدان العربية إلى رسوخ ثقافة استبدادية دينية او زمنية، تشكل بنية الوعي العربي وتتحكم به عبر الأزمان والأمكنة جميعا، وبالتالي تدين العرب بالبقاء في إطار النظم الديكتاتورية، كنت من بين المحللين القلائل الذين ركزوا على أثر الشروط الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية وإهمية النظر إلى طبيعة السياسات الدولية التي خضعت لها منطقة من بين أكثر المناطق حساسية في الاستراتيجية الدولية، نظرا لموقعها الجيوسياسي وحجم الاحتياطات النفطية فيها، واختيارها لحل المسألة اليهودية التي شغلت أوروبا منذ القرن التاسع عشر، ودفعتها إلى السقوط في أكثر عمليات التصفية البشرية همجية وبربرية.
لم يكن القصد تجاهل العوامل الثقافية المحلية بالتأكيد، وإنما عدم السماح للقوى الغربية، الاوروبية والامريكية، التي مارست ولا تزال تمارس تأثيرا قويا ومباشرا على مصائر دول الشرق الأوسط وتطورها، بالتهرب من المسؤولية، وأكثر من ذلك بتكوين نظرية في الاستثنائية التي تجعل من المجتمعات العربية والاسلامية مجتمعات باردة وساكنة، تعيش خارج أي جدلية تاريخية كونية، ولا تتحرك إلا ضمن شرنقة ثقافة منغلقة على نفسها ومستمرة كما هي خارج حدود الزمان والمكان. وهي أسطورة سلبية هدفها إدانة هذه المجتمعات سياسيا، بإغلاق أي أفق للتحول السياسي الديمقراطي فيها، وأخلاقيا باعتبارها ذات جوهر ثقافي يدينها بالعيش في السلبية الديكتاتورية وانعدام إمكانية بناء أي حياة مدنية قائمة على استبطان معنى القانون والحرية والمسؤولية الفردية والتواصل مع الثقافات الاخرى والتأثر بها والتأثير فيها. وهي نظرية معادية للعلم تهدف إلى وضع المجتمعات العربية موضع الاتهام والإدانة المستمرة بوصفها المنبع الطبيعي والحتمي للعنف والارهاب.
بيد أن هذا التركيز على العوامل الجيوسياسية، وبالتالي الخارجية، السياقية إذا شئنا، لا ينبغي أن تدفعنا إلى الإخذ بنظرية مقابلة ومناقضة لها، كما يدافع عن ذلك بعض المحللين تحت تأثير النزعة القومية المدنية او الدينية. ومعظمهم من أصحاب النوايا الحسنة، المدافعين عن فكرة استنبات الديمقراطية في العالم العربي. نعني تلك النظرية التي تقول بأن قيم الحرية والتعددية موجودة في قلب الثقافة العربية والاسلامية، و أن غياب الديمقراطية، أو بالأحرى الكفاح الواضح من أجل استبدال النظم الاستبدادية بنظم تعددية ديمقراطية يرجع بالعكس إلى القمع الذي تمارسه نظم حكم مرتبطة بالغرب ومدعومة منه. وأنه حتى عندما تتغير الظروف قليلا وتبدو بعض آفاق التحول الديمقراطي فإن سكوت الناس وشلل إرادتهم لا يعبران عن ضعف في الوعي السياسي أو غياب لقيم الديمقراطية وإنما هما ثمرة خوفهم من الحرية، كما يخاف الأسير الذي اعتاد الأسر من الخروج من قفصه.
بالتاكيد لايمكن تفسير غياب الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط من دون معرفة موقع الشرق الأوسط ودوله في الاستراتيجية العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، والدور الذي يلعبه في ميادين الاستراتيجية والاقتصاد الدولي والتوازنات الايديولوجية أيضا. لكن ما يفسر الحركة الكبرى لا يفسر سلوك كل فرد أو تحولات وعيه في هذا الشرق الأوسط المحكوم بقوانين الصراع الدولي بالدرجة الأولى. وليس لخنوع الجمهور، وصمته على كل ما يتعرض له من قهر وامتهان، وهو ما يصدم بقوة وعي النخب الثقافية والسياسية الغربية، بل العربية أيضا التي يكاد تأثيرها لا يتجاوز بعض الشرائح الاجتماعية الصغيرة غير التمثيلية، علاقة مباشرة بالحركة الجيوستراتيجية الكبرى التي تحكم على الشرق بالبقاء رهن الحروب والنزاعات الساخنة والباردة والأزمات الوطنية غير المحلولة والمحسومة وعدم الاستقرار الدائم واقتصاد الريع والمافيات المرتبطة به.
هناك بالتأكيد مكان للثقافة أو لضعف الثقافة في تفسير واقع الحياة السياسية. وحتى لو لم يكن أثر العامل الثقافي حاسما في إقامة النظم التسلطية التي تسيطر على مجتمعاتنا، وهو كذلك، فإن أثره الحاسم لا يمكن تجنب الإشارة إليه في تفسير ضعف الحراك الديمقراطي أو إذا شئنا، في فهم الضعف الشديد الذي تعاني منه حركة مقاومة الديكتاتورية والانفكاك عنها، وبالمقابل تفجير ديناميكية الانعتاق السياسي وبناء قوى قادرة على ذلك حيث تظهر بعض الفرص السانحة، أو حيث يمكن استغلال بعض الثغرات في نظم القهر القائمة. فإذا كان من غير الممكن فهم قيام هذه الأنظمة من دون تحليل السياسات الدولية التي سيطرت على هذه المنطقة، فمن غير الممكن أيضا فهم استمرارها وإعادة إنتاجها، بل تفاقم ظاهرتها، من دون العودة إلى ما يمكن أن نصفه كنقائص في ثقافة الحرية والديمقراطية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فالتفاعل بين العوامل الجيوسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية هو الذي ينبغي التركيز عليه، وهو الإطار النظري الأسلم لتفسير تفاقم الأوضاع السياسية العربية، وليس وضع عامل في مواجهة عامل آخر. ومثل هذا الفصل بين العوامل وتجاهل التفاعل فيما بينها وتأثير واحدها على الآخر - والمقصود التأثير الخلاق الذي يغير من طبيعة مساهمة العامل الآخر وليس الميكانيكي الذي يضيف عنصر إلى آخر - هو الذي يمنع من فهم إشكالية الديمقراطية في البلدان العربية، التي ينبغي النظر إليها كعملية حية، أي تاريخية، تتضمن باستمرار عمليات البناء والتدمير وإعادة البناء، وليست حدثا قاطعا أو نمطا ناجزا. هكذا يبدو لي الأمر أعقد بكثير مما تفترضه النظريات الإقصائية والأحادية النزعة، ثقافوية كانت أم اقتصادوية أو جيوسياسية.
فليس هناك شك في أن الشعوب العربية والإسلامية لم تعرف في ثقافتها التقليدية هذا النوع من الحريات التي تنطوي عليها الديمقراطية، ولا اختبرتها في ممارستها، بالمعنى السياسي والمدني الحديث الذي نستخدمها به اليوم، أي من حيث هي حقوق وممارسات فردية ومشاركة في تقرير الشؤون العمومية. فهذا المعنى هو ثمرة الحداثة السياسية التي جعلت الشعب مصدر السلطة وأسست لشرعية شعبية للسياسة، أي انتخابية ديمقراطية، بعد أن كانت شرعية ملكية تبقيها حكراً على الحاكم الملك أو السلطان. وباستثناء فترات قصيرة ومتقطعة، لم تعرف مجتمعاتنا في العصر الحديث، على عكس المجتمعات الأوروبية، حياة سياسية ديمقراطية فعلية ومديدة تساعدها على تمثل قيم الحرية بمعانيها المدنية والسياسية. وهكذا بقيت نظرتنا إلى الحرية مطبوعة بالتصور التقليدي إلى حد كبير، الذي يقصر معناها على ما تحيل إليه الشريعة والعرف من صفة الشخص غير المملوك من غيره، أي غير العبد والرقيق. ولذلك لا يبعث الحكم الديكتاتوري، مهما استمر وبالغ في تعسفه، على الشعور بانعدام الحرية، ولا يبدو أنه يهدد قيما راسخة وجودية، أي تتصل بوجود الفرد السياسي وهويته ومعنى حياته. فنحن نبقى من الناحية الشرعية أحرارا.ً ولا يثور الرأي العام ضد الاستبداد إلا عندما يرتبط بالظلم. فلهذا الأخير مدلولً واضح وسلبي في الثقافة والوعي الإسلاميين. بل إن الديكتاتورية لا ترى كديكتاتورية، ولا تعبر هذه اللفظة عن شيء مهم في الوعي السائد العام. إن المدلول الديكتاتوري يجد تعبيره المفهوم في مصطلحات التعسف والطغيان والفساد. فإذا لم تترافق السلطة المطلقة بالفساد لا نسميها ديكتاتورية ولكن زعامة. ونتسامح كثيراً مع تغييبها الحريات. وربما نظرنا إليها كسلطة ايجابية إذا ارتبطت بالتطبيق الدقيق للشريعة أو القانون، واحترمت قاعدة الإنصاف في تعاملها مع الأفراد، فلم تميز بينهم. وهذا هو مضمون النظرية الشهيرة للعادل المستبد الذي كان يطالب به المصلحون الكبار في العصور الإسلامية، بما في ذلك في عهد الإصلاح الديني الأخير في أواخر القرن التاسع عشر. وأعتقد أن أغلبية النخب العربية والإسلامية لا تزال تعتقد حتى اليوم، بسبب عدم ثقتها بالشعب، وجهلها هي نفسها بمعنى الحريات المدنية والسياسية إلى حد كبير، بأن حكم المستبد المستنير خير من حكم الديمقراطية الذي ربما أتى بحكومات ضعيفة أو محافظة أو متعلقة بشكل أكبر بمصالحها الخاصة، وبالنسبة للبعض معادية للحداثة والتجديد.والواقع أننا لم نعرف في مجتمعاتنا معنى السياسة الحديثة من حيث هي مشاركة لجميع أعضاء المجتمع في تقرير الشؤون العمومية. لقد كنا معتادين، مثلنا مثل شعوب العالم جميعاً في القرون الوسطى، على تسليم أمرنا لأسيادنا، ملوكاً أو أمراء أو أعيان، في الشؤون العمومية، شؤون الحرب والسلام والحكم والقضاء، وربما حتى الآن، بينما نعتمد في تنظيم شؤون حياتنا الخاصة في كل ما عدا ذلك على تقاليدنا الدينية أو العرفية أو العائلية، أو جميعها.من الطبيعي في هذه الحال أن لا يحرك شعار الحريات الفردية، الذي يعني المشاركة في تقرير الشؤون العمومية، الأغلبية الشعبية التي لم تؤمن يوماً أن من حقها التدخل في ما هو من اختصاص الأكابر والأعيان. بل ربما كان مثل هذا الشعار سبباً في تنفيرها من السياسة. لأنه يبدو وكأنه شرك تستخدمه النخب السياسية المثقفة والحديثة لدفعها إلى الوقوف في مواجهة السلطة، وتعريضها لانتقام هذه الأخيرة العنيف، بينما هي لا تهتم إلا بالدفاع عن مصالحها الخاصة. وحتى أولئك الذين استبطنوا معنى الحرية الفردية، وهم أقلية، لا يتجرؤون على المطالبة بها، لأنهم يدركون أنه لا أمل في تحقيقها في النظم السياسية العربية الراهنة، وأن المجاهرة بها يمكن أن تعرضهم لانتقام الحكام، تماماً كما كان الأقنان يتعرضون للموت إذا اعترضوا على سياسات أسيادهم الإقطاعيين أو ارتفعوا بتفكيرهم إلى مستوى مناقشة أحكامهم السيادية.لكن القول أن قلة من النخب السياسية والثقافية الحديثة هي التي تملك الحس العميق بمعنى الحريات الفردية، بقدر ما تطمح إلى المشاركة السياسية، والمعاملة على قاعدة المساواة ورفض العبودية، لا يعني أن قضية الحرية لا تعنى إلا النخب المثقفة الاجتماعية والسياسية، ولا تفيد غيرها. إن إقامة نظام مدني قائم على احترام الأفراد ومشاركتهم جميعاً في الحياة السياسية، وتطوير وعيهم المدني، وتعميق شعورهم بالمسؤولية عن مصير مجتمعهم وما يحصل فيه، عن حالته وتقدمه ومستقبله، لا يشكل اليوم النظام الوحيد القادر على بناء جماعة سياسية حية وفاعلة ومبدعة فحسب، قادرة على التفاعل والتعاون والتواصل مع المجتمعات المحيطة بها والدفاع عن نفسها ومصالحها. إنه يشكل، أكثر من ذلك، شرط ولادة مفهوم المصلحة العمومية، أي نشوء رؤية وطنية تساعد الفرد على النظر أبعد من مصالحه الشخصية المباشرة، ليأخذ بالاعتبار مصالح الآخرين أولا، وليضع مصلحته الفردية ضمن قاعدة القانون الذي يشكل مصلحة عمومية، لأنه لا بقاء للمجتمع من دونه، ثانياً. نظام الحرية هو وحده الذي يمنع من استفحال الأنانية البغيضة وما يرتبط بها أو ما تنميه من قيم الوصولية والانتهازية والمحسوبية، أي يخلق داخل كل فرد وعيا بأنه جزء من كل، وأن الحفاظ على توازن الكل الاجتماعي وانسجامه هو شرط لاستمراره في تحقيق مصالحه الخصوصية. وليس هناك أكثر دلالة على ذلك مما نشهده من ارتباط واضح داخل النظم الاستبدادية بين إلغاء الحرية وانعدام المسؤولية وسيطرة المصالح الأنانية، التي تتسبب في تدمير المؤسسات وتعميم الفساد والظلم والاقتتال معاً، من القمة إلى القاعدة. أما تأسيس عقد جديد ينقل المجتمع من الديكتاتورية والفساد نحو حياة ديمقراطية حقة، فهو مرتبط بمجموع العملية التحويلية التي نسميها معركة الديمقراطية. وهي في نظري معركة تاريخية تستدعي الاستثمار الفكري والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي الطويل، الذي يتطلب جهداً متواصلاً وإرادياً كبيراً من قبل النخب الاجتماعية، وفي طليعتها المثقفون، تتناقض كلياً مع الانقلابات العسكرية التي عرفناها في السابق، ولا تقتصر على انتظار انهيار النظام الاستبدادي أو الانقلاب عليه. إنها ترتبط بإعادة بناء الوعي ومنظومة القيم وترميم قنوات التواصل والتفاعل والتضامن بين أفراد المجتمع، وقبل ذلك، بين أفراد النخبة الاجتماعية. ومن دون ذلك لن يجلب الانقلاب على الوضع الاستبدادي إلا وضعاً استبدادياً آخر شبيهاً به أو قريباً في صورته منه. فالديكتاتورية ليست انعكاساً لإرادة شخصية من قبل القائمين عليها، حتى لو ظهرت وكأنها كذلك، ولكنها قائمة على شروط موضوعية وذاتية، ومرتبطة ببيئة فكرية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية أيضاً. فشبكات المصالح الأنانية، وما تتميز به من بنيات خاصة، هي التي تخلق المستبد الحاكم بأمره، وليس العكس. لذلك لا يتحقق الخروج من الديكتاتورية إلا بتغيير يشمل جميع الأفراد ومستويات الحياة الاجتماعية، فهو مسؤولية الجميع، وفي مقدمتهم النخب الاجتماعية. والطريق إليه هو تربية الناس وكل فرد على مبادىء المسؤولية، أي إدراك ترابط مصالح الفرد الخاصة بمصالح الأفراد الآخرين، والاستعداد للمشاركة في حمل المسؤولية. بل إن الديمقراطية ليست شيئا آخر سوى مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية تقرير مستقبلهم المشترك. إذا وصلنا إلى هذا الموقف ونمينا هذا الاستعداد عند الأفراد أصبحنا واقعاً، أو من حيث الواقع، مجتمعات ديمقراطية. ولا بد للنخب السياسية أن تأخذ ذلك بالحسبان وتستجيب له. فقاعدة الاستبداد الكبرى ومورده هو الاستقالة السياسية، أي التخلي عن المسؤولية وتجريد الفرد نفسه عن التفكير والعمل في الشؤون العمومية.

mercredi, juillet 02, 2008

مصير الحلم الجمهوري

الاتحاد 2 تموز 08

دعيت في الرابع عشر من يونيو (08) للمشاركة في ندوة عنوانها جمهوريون من دون جمهورية، دعا إليها مركز الدراسات الاوروبية ومركز الدراساات الدولية في سانت إدوارد هول، في جامعة أكسفورد. شارك في الندوة باحثون وأساتذة جامعيون من بريطانيا وخارجها. وقد لخص كنتين سكينر، وهو من كبار المختصين بالفكر السياسي والمدافعين عن فكرة الجمهورية في العالم، معنى الجمهورية بأمرين: الفرد الحر والدولة الحرة. يعني الفرد الحر أن يكون المرء مستقلا بنفسه، لا يخضع لأي إكراهات أو ضغوط في خياراته. وبالتالي أن يشارك في كل ما يتعلق بشؤون المجتمع حسب قناعاته واجتهاداته. وأن تكون الدولة حرة يعني أن تكون ذات سيادة لا تسمح لأي طرف خارجي أن يتدخل في تكوين إرادة المجتمع الذي تضمه أو في بناء إرادة عامة من خلال اختيارات الأفراد الأحرار أنفسهم. فسيادة الفرد وسيادة المجتمع وجهان لأمر واحد هو السياسة بوصفها مشاركة شعبية شاملة، وإطارا يعبر عن إبداع الناس أنفسهم، أفرادا وجماعة، لحياتهم المدنية وتنظيمهم شؤون وجودهم كما يرونها. فمن دون دولة سيدة تبقى إرادة المجتمع العامة مرتهنة لضغوط خارجية، ومن دون حرية واستقلال فرديين لا تكون هناك مشاركة حقيقية للأفراد في تكوين نظامهم السياسي والاجتماعي، وبالتالي لا حرية ولا حياة قانونية. فالجمهورية والسياسة المدنية صنوان لا انفصال بينهما.
وبهذا المعنى تشكل الجمهورية الام الحاضنة للديمقراطية. وما كان من الممكن القضاء على إرث الملكية وأساطيرها المثيرة وتحطيم الشرعية التاريخية التي بنتها لنفسها مع مرور الزمن من دون الحماس الذي أثارته فكرة الجمهورية، قبل الثورة الفرنسية وبشكل خاص بعدها، أي فكرة أن يكون الأفراد أحرارا ومتحررين من أي ضغط، وأن يكون لهم وحدهم حق اختيار ما يجدونه مناسبا لحياتهم المشتركة، أي أن يبنوا نظاما اجتماعيا ومجتمعا قائما على العقل ومستمدا قوته من التفاهم والتضامن والتواصل والاعتراف المتبادل وبالتساوي بين جميع أعضائه.
وبالمقارنة، كانت الملكية تبدو نظاما مشابها لقوانين الطبيعة، يولد الفرد فيه رعية من رعايا السلطان، وتابعا لإرادته، وخاضعا لإكراهات أعوانه، يؤمن بأن الملك هو صاحب الولاية والسيادة بعد الله، وأحيانا يوحد بين إرادتيهما، ولا يحلم بشيء سوى نيل رضى الله والملك والوالدين، أي أصحاب السلطة الموروثة والمكرسة. وليس هناك من يقيد إرادة الملك أو يمنعه من العمل مع ملك آخر أو تحت إمرته إذا ضعفت أحواله، متجاوزا بذلك أي مفهوم لسيادة الدولة والمجتمع الذي يخضع لقوانينها. الملك هو الدولة والسيادة في الوقت ذاته، ولا توجد سياسة ولا سيادة خارج سلطته وصلاحياته. ولهذا ليس من المبالغة أن يربط المؤرخون بين الجمهورية والثورة السياسية، أي بين قتل الملك وتحرير الشعب أفرادا وجماعة في الوقت نفسه. ليس في تقرير ذلك أي مشكلة.
لكن، وكما ذكرت في مداخلتي، ينبغي التمييز بين ما هو من باب الوعي والمثال والحلم، وبين الواقع التاريخي العملي. فليس هناك فكرة يمكن أن تفصل عن شروط إنتاجها. وقد تقود أحيانا في شروط أخرى إلى عكس ما كانت ترمي إليه. وفحص حقيقة الجمهورية اليوم، أي بعد أكثر من قرنين على ولادتها، يشير إلى أمرين متناقضين. الأول هو قوة الفكرة وانتشارها بحيث لم يعد هناك إمكانية للتفكير في السياسة، وبالتالي في قيام المجتمعات واستقرارها، من دون مراعاتها أو استلهامها والتوافق معها. والثاني هو تراكم الدلائل على اهتلاكها وتفريغها من مضمونها، بل واستغلالها لإقامة نظم تهدف بالضبط إلى عكس ما كان يقصد منها. فمن أصل 194 بلدا، تغطي النظم الجمهورية 135 منها، بينما لا يزيد عدد النظم الملكية اليوم عن 22 نظاما، وتضم التسعة الباقية نظما اتحادية متنوعة. لكن بالمقابل لا نبالغ إذا قلنا أنه لا يوجد هناك ما يجمع اليوم بين النظم الجمهورية التي أطلقت على نفسها اسم النظم الاشتراكية، كما في دول الكتلة السوفييتية السابقة، أو نظم الديمقراطيات الشعبية التي سادت في أوروبة الشرقية وبعض بلدان آسيا بما فيها الصين وبعض الدول العربية والأفريقية، والتي أصبحت تصنف جميعا، بعد انهيار جدار برلين عام 1989، باسم النظم الشمولية، والنظم الليبرالية على اختلاف أنواعها. وحتى داخل هذه الأخيرة ليس هناك ما يجمع نظم أوروبة الغربية وما شابهها من الديمقراطيات الحديثة ونظم ليبرالية اقتصاديا لكنها بعيدة كليا عن الأخذ بمعايير الحرية والمشاركة الشعبية.
وبشكل عام، أعتقد أن تطبيق فكرة الجمهورية في مجتمعات لم تتوفر فيها شروط الحرية الفردية، أي لا تزال ثقافة الإمعية القرسطوية والاتكالية والتسليم للقوى الخارجية، الإلهية (القدر) أو الدولية (الدول الكبرى الراعية والوصية)، أو المحلية (الزعماء الملهمين من كل الأنواع)، ولا تملك عمليا شروط السيادة الجماعية، أي لا تملك دولها صفة السيادة الفعلية، ولا تستطيع بمواردها أن تضمنها، لعبت الجمهورية دورا معاكسا تماما لما قامت به في مجتمعات ولادتها الأصلية. فقد قادت إلى أمرين متضامنين: تسريع وتيرة مراكمة السلطة والقوة وتعظيمها لدى النخب أو الفئات الحاكمة، وتعميق تلاحم هذه النخب والفئات وتفاهمها واتحادها مع القوى الدولية السائدة. وكانت النتيجة تقليص حرية الأفراد، أكثر مما كان في المجتمعات الملكية بكثير، وانتزاع ما بقي منها من حريات مدنية ودينية قديمة، واحلال مفهوم الدولة التابعة والعاملة في نطاق استراتيجية الدول الكبرى محل مفهوم سيادة الدولة أو الدولة السيدة الحرة. وكان من الطبيعي أن تتحول الجمهورية في العديد من البلدان التي طبقتها، بل في معظمها، إلى ملكية مقنعة، يحتل فيها الزعيم الخالد محل الملك، سواء نجح في توريث أولاده السلطة أم لم ينجح، ويتحكم فيها أصحاب الملكية والمال والسلطة، أي النخبة السائدة، بمصير البلاد وسيادتها ويتفاوضون عليها مع الدول الكبرى ذات المصالح والاستراتيجيات الكونية من أجل تعزيز موقعهم، أو انتزاع الاعتراف لهم بما يشبه حق الملكية الإقطاعية في بلدانهم وقبولهم بسياساتهم تجاه شعوبهم، مهما كانت المعايير التي يطبقونها في حكمها مخالفة لمباديء الحق والعدالة والمساواة والقانون التي يتمسكون بها أو يدعون التمسك بها واعتمادها معيارا لسياساتهم الخارجية. وهذا هو الذي يفسر أن النخب المحلية لا تتردد في رفض تطييق معايير الديمقراطية وحقوق الانسان، وتعتبر أنها ليست معنية بها وان التذكير بها يشكل هو نفسه تدخلا في شؤونها الداخلية، وانتقاصا من سيادتها الوطنية. فالسيادة هنا لا تنطبق على المجتمع والشعب وإنما على النخب الحاكمة وحدها، والانتقاص منها لا يتم ولا يدرك إلا عندما يتعلق الأمر بقضايا الحرية وتطبيق ا لقانون والعدالة والمساواة الداخلية. أما عندما يتعلق الأمر بتوقيع تفاهمات وأحيانا معاهدات حماية أو وصاية وصفقات مع الدول الكبرى، أو عندما تحتل أراضي هذه الدولة أو تلك وتضطر إلى التخلي عنها، فليس هناك انتقاص من السيادة ولا تهديد لأمن الدولة ولا لاستقرارها.

ليست الفكرة الجمهورية هي المسؤولة عن ذك بالتأكيد. فكل أفكار التحرر والانعتاق الكبرى تتحول إلى طوبى وتصبح أداة استلاب للأفراد والإرادات عندما لا تجد في التاريخ شروط تحقيقها العملي. هذا هو مصير الطوباويات الدينية، أو معظمها، والطوباويات الشيوعية التي كانت أيضا أفكار تحرير وانعتاق إنساني كبرى. وقد اصطدم حلم الجمهورية في البلاد القديمة التي لم تنخرط في مسيرة الثورة السياسية بثلاث عقبات رئيسية جعلت من السهل على أصحاب القرار من الجمهوريين المتحمسين أن يصادروا حرية الشعب وقراره باسم تمثيلهم له والعمل من أجل ضمان تحرره وسيادته، أي أن يحولوا أنفسهم إلى أوصياء عليه. وهو الموقع نفسه الذي كان يحتله الملوك والنخب الارستقراطية التي تساندهم ويستندون إليها في حكمهم. فالحرية الفردية أو الشعور بالاستقلال الذاتي وبالتالي الحق والواجب في المشاركة السياسية لا يمكن أن يتحققا من دون ثقافة حرية، وثقافة الحرية جزء لا يتجزأ من معركة التحرر داخل الفرد من السيطرة الخارجية، أي من الاستلاب لإرادة أخرى والعمل تحت أمرتها وبوحي منها ولخدمة أهدافها. ودولة الحرية أو السيادة العامة لا يمكن أن توجد من دون وجود مجتمع خر، أي مجتمع الأحرار، فهم وحدهم الذين يعلمون أن حريتهم الفردية لا قيمة لها ولا يمكن ممارستها إذا كانت إرادة الدولة التي يخضعون لها ويستخدمونها للتعبير عن إرادتهم الخاصة، دولة مستلبة لغيرها أو مقيدة الإرادة أو منتقصة الحرية.
وبالمثل، لا يمكن للدولة الحرة أن توجد من دون نظام دولي يضمن الاستقلال والندية بين الدول. والحال ليس هناك في حقل العلاقات الدولية إلى اليوم قاعدة أخرى لضبط التعامل بين البلدان والدول سوى ميزان القوة الاستراتيجية والاقتصادية. ولا يطبق ما طور حتى الآن من بذرة قانون دولي إلا عندما تتفق إرادات الدول الكبرى على أمر أو يتقاطع تطبيقه مع مصالح إقليمية جماعية.
الجمهورية من دون شروط تحققها المجتمعية والثقافية والجيوسياسية تتحول إلى آلة جبارة للمركزة والتوحيد القسري للأفراد، وحرمانهم من التمثيل الذاتي وإعادة بناء وعيهم وأفكارهم. فهي تعطي لنفسها الحق في تنظيم الأفراد لتكوين أمة متضامنة تتجاوز انشقاقات المجتمع التقليدي وعصبياته وعزلة جماعاته الطائفية والعشائرية. وتعتقد أن دفاعها عن مصالحهم في وجه الطبقات المالكة القديمة ومخاطر عودتها إلى السلطة، هو مصدر شرعية تاريخية وثورية لا تنازع من أجل تمثيلهم او ادعاء تمثيلهم، من دون ولاية رسمية ولا انتخابات دورية. بل ربما نظرت إلى هذه الانتخابات كمصدر لخطر كبير وفرصة يمكن أن تستغلها الارستقراطية للعودة من جديد إلى السلطة. لذلك اتسمت الحركات الجمهورية في العديد من البلاد النامية بالطابع الثوري وتبنت فكرة الثورة الانقلابية. وعوضت بالشعبوية عن تجاوز مسألة الشرعية الدستورية. وتعني الجمهورية أخيرا بناء وعي الأفراد وتلقينهم مباديء الحرية والسيادة والندية. لكنها في الممارسة تحول التربية نفسها إلى عقيدة تسليمية تنفي الروح النقدية وتنزع إلى الدعاية وتحويل الصفة الشعبية إلى فلكلور، يلغي الشعب نفسه كحقيقة سياسية تعددية واختبارية. يصبح الشعب عقيدة وفكرة ومثال وحلم أكثر منه نظاما من العلاقات الاجتماعية الحية والمعقدة الزاخرة بالتنافس والصراع والمنازعات الفكرية والمادية.

mercredi, juin 18, 2008

السكون الذي يسبق العاصفة

الاتحاد 18 يونيو 2008

قلت في مقال سابق إن المعارضات العربية قد أخفقت أو دخلت في طريق مسدود، في السنوات الماضية، لأنها بدل أن تعمل بجد على بناء التحالف الاجتماعي والسياسي الذي يحتاج إليه أي تغيير، والذي لا يمكن من دونه قيام أي نظام جديد، ضيعت وقتها في مناكفة النظام والاحتجاج عليه. فليس هناك شك في أن تغيير النظام هو الهدف الأسمى والنهائي لأي معارضة، لكن الوصول إلى هذا الهدف يمر بتحقيق أهداف مرحلية كثيرة في مقدمها بناء قوة التغيير نفسها، ليس من حيث هي تأليف للقوى ومراكمة للقوة والنفوذ فحسب، وإنما من حيث هي فكرة ومفهوم ورؤية وأسلوب في الحكم والإدارة والتسيير معا، أي مثال، ومشروع مجتمعي، وبرنامج عمل، ومهام للتنفيذ تتمحور جميعا حول صياغة مبدعة لمفهوم المصلحة العمومية التي يستمد أي نظام من تعزيزها وتنميتها وإمكانية إنجازها مشروعيته التاريخية.
بيد أن هذا الإخفاق لا ينبغي أن يقدم أي عزاء للنخب الحاكمة التي حنثت في وعودها ولم تحقق ولو جزءا بسيطا من الإصلاحات التي وعدت بها، وربما كان لبعضها نية بتحقيق شيء منها. فقد نظرت هذه النخب إلى برنامج الإصلاح كبديل عن المعارضة السياسة أو كوسيلة لقطع الطريق عليها، وتخليد حرمانها من المشاركة السياسية. وربما اعتقد معظم هذه النخب أنه من غير الممكن الشروع في إصلاح ما لم تقبل الطبقات الوسطى والمعارضات الوليدة التي تعبر عنها بإعلان إلتحاقها بالنظام والتعاون معه في مواجهة حركات التمرد والاحتجاج والاعتراض الشعبية التي تمثلها حركات متطرفة يزداد نفوذها بموازاة تفاقم عجز النظام عن الاستجابة لحاجات السكان ومطالبهم. وهي في معظمها اليوم حركات إسلامية أو تعطي لعملها صفة التساوق مع متطلبات الدين وتحقيق الشريعة السماوية. وقد تراجعت جميع هذه النظم عن الإصلاح بسرعة عندما اكتشفت أن الإصلاحات السياسية لن تخفف من حجم المخاطر التي يتعرض لها النظام، كما كانت تعتقد، وإنما ستضيف إليها مخاطر جديدة، ناجمة عن احتمال تحول الطبقات الوسطى نفسها إلى قوة معارضة سياسية منظمة، بفضل ما يمكن للاصلاحات القانونية والسياسية أن تقدمه لها من فرص جديدة لتعزيز قدرتها على استقطاب مجموعات الرأي وفئات المصالح التي لا تزال مترددة في دخول الحراك الديمقراطي، سواء بسبب خوفها من تزايد نفوذ القوى الإسلامية المتطرفة، أو شكها في وجود فرص فعلية للعمل السياسي.
وهكذا بعد سنوات التفاؤل والأمل بالإصلاحات والمصالحات الوطنية وتجديد السياسة وفتح النظم المغلقة منذ عقود، عادت المجتمعات العربية إلى نقطة الصفر، ودخلت من جديد في مأزق أشد من السابق، أي في حالة موات عميق. فلا النظام قادر على التحرك إلى الأمام، ولو خطوة واحدة، لإنجاز الاصلاحات التي لا بد منها لكسب تعاون حزء من القوى الاجتماعية الحية، التي أصبح استقطابها ضرورة لتجديد دم النظام القائم نفسه وإنقاذه من التعفن والفساد الشامل. ولا حركات الاحتجاج القوية والعديدة قادرة على تغيير النظام، أو تغيير سلوكه، ودفعه إلى تبديل خياراته السياسية. والنتيجة تزايد في الطلب على الاحتجاج والتطرف من جهة، وانكفاء أكبر على أساليب التقييد والاعتقال والقمع، بل تطبيق منهجي متزايد لمبدأ الحرب الوقائية ضد حركات المعارضة والاحتجاج من قبل معظم النظم السياسية. ومن الطبيعي أن يتبع ذلك تفاقم الاحتقان السياسي والاجتماعي، وتسارع الاستقطاب داخل النظم نفسها وفي المجتمع وبينهما معا، واتساع دائرة الاحباط، وارتفاع درجة التوتر والاستعداد للانفجار والانفلات والعنف لدى كل الأوساط وعلى جميع المستويات، مما لم تشهد مثله المجتمعات العربية من قبل.
والحال، كما بينت ذلك الوقائع التاريخية القريبة، لم تسقط النظم الشمولية بسبب وجود معارضة سياسية منظمة ورؤية وبرنامج واضحين ومتميزين، نالا تأييد الرأي العام أو أغلبيته وحظيا برضاه. وإنما انهارت من داخلها بسبب ما قاد إليه غياب النقد والمساءلة والمحاسبة من ترهل في النظام جعله يقف وجها لوجه امام مجتمع فقد أي أمل فيه أو ثقة بأصحابة وقياداته. فوجود المعارضة لا يعني التغيير بالضرورة، ولا حتمية قلب النظام، وإنما الحفاظ على حد أدنى من التوازن الاجتماعي. فغياب المعارضة هو الطريق المفتوحة نحو نشوء نخبة متحللة من أي التزام وطني كان أم أخلاقي، محمية من أي ضغط شعبي ومرفوعة عن أي منافسة أو مراقبة أو محاسبة، أي الوسيلة المثلى لخلق شروط تعميم الفساد وتحويل النخب السائدة إلى كائنات مفترسة لا رؤية سياسية لها ولا مشروع سوى التهام موارد الدولة والسيطرة عليها بجميع الوسائل.
وبالمثل، لم تفسد النظم الشمولية بسبب سوء عقائدياتها أو أهدافها أو غاياتها الاجتماعية المتركزة حول التقدم والعدل والمساواة، وإنما بسبب افتقارها لأي عنصر معارضة، أي لنخبة بديل تجبر النخبة الحاكمة على الالتزام بالحد الادنى من قواعد العمل العام والمسؤول، وتستبطن معنى الحكم لصالح الشعب والمسؤولية أمامه. وبفقدانها معنى المسؤولية واستفرادها بتحديد معايير القيادة ومهامها من دون منافسة ولا نقد ولا محاسبة أو مساءلة، لم يكن هناك ما يحول دون استباحة النخب الحاكمة مصالح الناس وحقوقهم وتحولها إلى العدو الرئيسي للمجتمع، تستجلب نقمته أكثر مما يستجلبها العدو الوطني نفسه.
وفي جميع الحالات، لم يكن البديل لحركات المعارضة الفعلية، استسلام الشعوب والمجتمعات كما كانت تتوقع أجهزة القمع الضاربة وأدوات الدعاية والتشهير والإذلال، وإنما إنتاج موسع، تحت الأرض وداخل شعور كل فرد، بما في ذلك الأفراد المنتمين إلى الأمر الواقع نفسه، لروح الرفض والثورة والانشقاق والعصيان.
لقد سقطت النظم الشمولية بالضبط بسبب افتقارها للنقد الداخلي وغياب مفهوم الإصلاح، وبالتالي تعفنها الداخلي وفسادها المضطرد، واستسهالها استخدام العنف على الاحتكام لمنطق السياسة، وإمعانها في الكذب على الرأي العام وتجاهله، ورهانها على استبطان الدونية والخوف واحتقار الذات، وتنميتها بالتالي، وهي تعتقد العكس، منظومة عصيان واحتجاج اخترقت الدولة والمجتمع معا، وبدلت ثقافته وقيمه وعقيدته.
فلا يمكن لسياسات الإقصاء والعزل والحرمان من المشاركة، في ظروف تفاقم الأزمة العامة، وتراجع قدرة الدولة على تلبية الحاجات الاجتماعية الأساسية، وتحدي تسونامي ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات، إلى شيء آخر غير إلحاق المزيد من الجماعات الشعبية وغير الشعبية بقوى الاحتجاج، وإعادة إنتاجها كقوى انشقاق وعصيان تنتظر الفرصة كي تنقض على النظام وتعيد إنتاجه حسب مصالحها الخاصة. وليس هناك أدنى شك في أننا دخلنا اليوم، في هذه المنطقة من العالم، في حقبة جديدة من عدم الاستقرار. ولن يفيد سعي النخب الحاكمة إلى تحصين نفسها وإغلاق الأبواب بشكل أكبر أمام مجتمعاتها إلا في تفاقم الأزمة بمقدار ما سيزيد من تدهور الأوضاع، ويدفع بالنخب والطبقات الاجتماعية التي فقدت الأمل بأي مخرج سياسي لازماتها الوجودية، بالاستسلام لنداء التمرد والعصيان.

mercredi, juin 04, 2008

الاتحاد المتوسطي، ورقة نعوة الوحدة العربية؟

الاتحاد 4 يونيو 08
في سعيه إلى إبراز تفرده في تجديد السياسات الفرنسية الداخلية والخارجية، أعلن الرئيس نيكولا سركوزي أثناء حملته الانتخابية عن عزم فرنسا إنشاء اتحاد متوسطي يضم بلدان الضفتين المتجاورتين، ويسمح لتركيا أن تجد إطارها الإقليمي الطبيعي بدل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن أجل الحفاظ على هذا المشروع، الذي أصبح منذ ذلك الوقت محور رئيسي في سياسة باريس، قبلت فرنسا تنازلات جوهرية لإرضاء حلفائها في الاتحاد الاوربي، منها تغيير اسم الاتحاد من اتحاد البلدان المتوسطية إلى الاتحاد من أجل المتوسط، حتى يمكن ضم جميع البلدان الأوروبية، ومنها أيضا القبول بوضع المشروع في سياق الاتفاقات الأورومتوسطية التي شكلت منذ 1995 الإطار السياسي والقانوني الرئيسي للتعاون بين الضفتين، فأصبح بطلق على المشروع الجديد : عملية برشلونة-الاتحاد من أجل المتوسط.
وفي إطار السعي إلى بلورة موقف عربي مشترك من هذه الفكرة، اجتمع ممثلو تسع دول عربية محيطة بالمتوسط في القاهرة في 25 من هذا الشهر (مايو أيار)، وأقروا تكليف مصر، بصفتها منسقة مواقف البلدان العربية في المشروع الفرنسي المقترح، بإعداد الورقة العربية التحضيرية للاجتماع العربي الأوروبي المقرر عقده يومي 9 و10 حزيران المقبل في سلوفينيا للإعلان الرسمي عن ولادة الاتحاد الذي رشح حسني مبارك ليكون رئيسه الجنوبي.
يقول الأوروبيون أن الاتحاد الجديد يهدف إلى رأب الصدع المتفاقم بين ضفتي المتوسط، سواء أكان ذلك على الصعيد الاقتصادي أو الثقافي. وإن الاتحاد سوف يعمل من خلال تركيزه على مشاريع ملموسة تمس ميادين التعاون الاقتصادي والبيئة والهجرة والأمن والحوار الثقافي، إلى تجاوز الأسباب التي أدت إلى فشل عملية برشلونة والعمل يمنهج أفضل يساعد على تقريب الأمم بعضها من بعض. ويعني هذا المنهج التعاون في ما يمكن أن يحصل من حوله اتفاق وترك شؤون النزاع السياسي العربي الاسرائيلي والقضايا الشائكة الأخرى من ديمقراطية وحقوق إنسان وغيرها إلى مرحلة لاحقة. وهذا مايوصي به أيضا وزير الخارجية الفرنسية الأسبق رولان دوما في مقال له نشر في صحيفة لومند الفرنسية (24 مايو). لكن من وراء هذه الأهداف المعلنة والمتعلقة بتجسير الفجوة بين الضفتين، تسعى الدبلوماسية الفرنسية إلى تحقيق غاية رئيسية هي استعادة باريس مكانتها في منطقة تكاد تخرج من تحت نفوذها، خاصة في المغرب العربي الذي يعنيها مباشرة بسبب موقعه الاستراتيجي الحساس بالنسبة لها، وحجم الاستثمارات الاقتصادية والثقافية واللغوية فيه، وتنامي وزن القوى الاسلامية المتطرفة، وما يمكن أن يقود إليه من زعزعة الاستقرار في أكثر من دولة شمال أفريقية، بما في ذلك مصر، وتأثير كل ذلك على أمن فرنسا واستقرارها، وهي التي تضم أكبر جالية أوروبية من أصول عربية وإسلامية لم تنجح بعد في استيعابها أو صهرها.
ولاستعادة هذا النفوذ وتأكيد الحضور الاقتصادي والسياسي والثقافي، وتعزيزه في إطار التنافس مع النفوذ الامريكي المتنامي في المنطقة بأكملها، تعتقد الدبلوماسية الفرنسية أن من الضروري خلق روابط لا تقتصر على لغة الاستثمارات والأرباح، وإنما تستخدم أيضا لغة العواطف والذاكرة والتاريخ والمستقبل. من هنا الحديث عن هوية متوسطية تجمع الأطراف، وتسعى إلى التعويض عن ضعف هذه الاستثمارات المادية والاستراتيجية أو عدم تلبيتها الحاجات المطلوبة، تماما كما سعت واشنطن إلى ربط مشروع الشرق الاوسط الكبير المتهاوي بمشاريع الدمقرطة العربية . وتأمل فرنسا أن تدفع أيضا، من خلال التركيز على هذه الروابط الثقافية والحضارية التاريخية، إلى تجاوز عقبة النزاع العربي الاسرائيلي أو تهميشها. وهذا ما ينسجم مع سياسة تل أبيب وواشنطن التي تريد أن تجمع العرب والاسرائيليين في مواجهة القوة الايرانية الصاعدة.
لم تكن بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى، وفي مقدمها ألمانيا، مستعدة للقبول بهذا النزوع الفرنسي لاحتكار المتوسطية والاستفادة منها على حسابها، فعملت بسرعة على تعديل فكرة الاتحاد الجديد بما يضمن مشاركتها جميعا فيه. أما الدول العربية التسع المرشحة لعضوية الاتحاد فليس لديها من القوة والوزن ما يجعلها تفرض مثل هذا التعديل على السياسة الأوروبية تجاهها. وهي سائرة بحماس، بالرغم من امتعاض البعض وشكوك البعض الآخر، نحو الانضمام إلى الاتحاد المتوسطي المقترح. فبإخفاقها هي نفسها في بناء اتحاد يجمع بين شعوبها، خسرت الدول العربية معاركها جميعا: معركة الإقلاع الاقتصادي ومعركة الأمن القومي ومعركة بناء الحياة السياسية الشرعية الضامنة للاستقرار والسلام الأهلي. ولم يعد أمامها خيار آخر سوى الالتحاق بالتكتلات الدولية الأخرى لتامين ما تحتاج إليه من شروط الاستقرار الأدنى والبقاء. وفي سبيل حفظ ماء وجه المتخوفين من التطبيع المجاني مع إسرائيل أعلن المسؤولون الفرنسيون أن الاتحاد سيتبع سياسة براغماتية. وكما سيكون هناك مشاريع يشارك فيها العرب مع إسرائيل، سيكون هناك مشاريع تعاون ترضي معارضي التطبيع لا تشارك فيها إسرائيل.
يأمل العرب من خلال الاتحاد مع أوروبا في الحصول على الدعم الاقتصادي لمواجهة العجز المزمن في ميزانياتهم واستثماراتهم، بل في وقف تدهور شروط الحياة الإنسانية الدنيا في بلدانهم، وفي تأمين الدعم السياسي للمواجهات الشاملة التي يعدون لها مع شعوبهم، وفي ضمان شراء صمت الدول الغربية وقبولها التغطية على الفساد وسوء الإدارة وهدر الموارد البشرية والمادية الذي يميز سياساتهم. ولا يهمهم كثيرا، بعد أن فقدوا رهان التعاون العربي والإقليمي، أن يكون الاتحاد المتوسطي ورقة نعي الجامعة العربية وأداة تقسيمهم بين من هو عضو في المتوسطية ومن هو خارجها، وبين العضو القابل للعمل مع إسرائيل وذاك الرافض له داخل الاتحاد العتيد ذاته. وفي تنافسهم في التنازل لنيل الحظوة الأوروبية لم يعد يعنيهم حتى حفظ ماء الوجه والتمسك بمشاركة جميع أعضاء الجامعة العربية، أسوة بمشاركة أعضاء الاتحاد الأوروبي جميعا في اتحاد أصبح اسمه رسميا الاتحاد من أجل المتوسط، وليس اتحاد دول المتوسط. فلماذا لا يمكن أن تكون اليمن أو العراق أو المملكة العربية السعودية أو السودان عضوا في الاتحاد من أجل المتوسط بينما تستطيع ذلك فيلندا وألمانيا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها.
ليس هناك عتب على الفرنسيين أو الأوروبيين. فهم يسعون وراء مصالحهم ويفكرون في المشاريع التي تستطيع أن تساعدهم على تحقيقها وتعظيمها. العتب على العرب الذين قبلوا بأن يكون اجتماعهم عبر المظلة الأجنبية ومن خلالها، وبالعمل على أجندة التنافس بين التكتلات الدولية التي تتنازع وتتقاسم السيطرة عليهم، وتبدد أملهم بالتحول إلى فاعل دولي. ويكفي أن نذكر أنه في الوقت الذي كان ممثلو الدول العربية السعيدة يتداولون في شان الدعوة الفرنسية للانخراط في اتحاد يلحقهم بأوروبة ويقطع عليهم طريق اتحادهم واندماجهم الحقيقي وفرص تنميتهم الفعلية، كان زعماء 12 دولة في أمريكا الجنوبية بقيت لقرنين في قبضة واشنطن القوية (الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وشيلي وكولومبيا والإكوادور وجويانا وباراجواي وبيرو وسورينام وأوروجواي وفنزويلا)، يوقعون في 24 من مايو الجاري اتفاقية في البرازيل لإنشاء اتحاد إقليمي أطلق عليه اسم اتحاد أمم أمريكا الجنوبية (أوناسور) يهدف، كما صرح الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا داسيلفا، إلى تعزيز استقلال أمريكا الجنوبية وتحويلها إلى فاعل دولي، على غرار الاتحاد الاوروبي.
بئسا لهذا الاتحاد الالتحاق، وبئسا للعرب الذين قبلوا أن يحولوا بلدانهم، بعد قرون من الجعجعة القومية والتمسك المرضي بالسيادة والهوية، إلى حزام أمن للامبرطورية الاوروبية. فهل نحتاج بعد إلى دليل آقوى على تهافت السياسة العربية.