mardi, mai 02, 2006

إشكالية الاصلاح وإشكالاته في العالم العربي

محاضرة مركز الإمارات للدراسات الخليجية في أبو ظبي 12-14مارس 2006
طرحت مسألة الاصلاح في العالم العربي منذ السبعينات عندما اكتشف العديد من السلطات العربية حدود فعالية النماذج التنموية التي اتبعتها. لكن باستثناء البرامج التقليدية المستمدة من توصيات بعض المؤسسات المالية الدولية والأفكار العامة عن الانفتاح الاقتصادي، الذي كان أول تجربة إصلاحية عربية بعد سنوات طويلة من الانغلاق الاقتصادي والسياسات الحمائية القوية، لم يكن هناك أي رؤية واضحة لمعنى الاصلاح وأجندته ومهامه العملية في البلاد العربية. وبالرغم من أن سياسات الانفتاح لم تفض إلى نتائج ناجعة دائما، إلا أنه لم يكن هناك بدائل نظرية أخرى. واستمرت الأمور إذن في التراجع وفي مواكبتها تقهقر الحالة الاقتصادية والسياسية والمعنوية للمجتمعات.
ومنذ الثمانينات بدأت تظهر معالم الازمة المتفاقمة بسبب فشل سياسات الانفتاح الأولى. وهو ما برز من خلال ثورات الخبز التي شملت جميع الأقطار العربية الفقيرة نسبيا والتي كانت لا تزال تسمح بهامش بسيط من المبادرة الجمعية، من المغرب الأقصى حتى مصر. وقد ذهب ضحية الانفجارات الشعبية هذه آلاف القتلى والجرحى. لكن السلطات نجحت في إعادة الأمن والاستقرار من جديد لقاء تعديلات محدودة في السياسات الاقتصادية، وفي مقدمتها الابقاء على دعم بعض السلع الأساسية مثل الخبز، والقليل من التنازلات السياسية التي تلخصت بإفساح المجال أمام عمل بعض مجموعات المعارضة التي بقيت ممنوعة لفترة طويلة سابقة. وأمنت النظم القائمة بهذه الاصلاحات المحدودة فترة من الاستقرار الكاذب تزيد عن العقد. وكان من نتيجة ذلك أن عادت الأزمة للانفجار بشكل أقوى من قبل وأكثر شمولا، كما عبر عن ذلك انتشار حركات المعارضة والاحتجاج الاسلامية التي اتخذت في بعض البلدان صورة التمرد الواسع على السلطة والنظام في سبيل إقامة نظم مغايرة تعتمد مرجعية أسلامية وتنادي بشرعية جديدة.

وقد أيقظت هذه الحروب والثورات الاحتجاجية قطاعات واسعة من الرأي العام العربي كما أثارت الخوف في الدول الصناعية وعلى مصيرها، وهي التي تعتمد بشكل أساسي على النفط المصدر إليها من منطقة الشرق الأوسط. لكن رد فعل هذه الدول جاء خلال أكثر من عقد من الزمن في الاتجاه المعاكس للاصلاح. فقد دفعها الخوف من انتشار الحركات الاحتجاجية الدينية وتهديدها سيطرتها على المنطقة إلى التماهي مع النخب العربية الحاكمة والوقوف وراءها في مواجهة حركات الاحتجاج ومنعها من الوصول إلى السلطة. وهكذا بعد أن شهد عقد التسعينات الحروب الإقليمية المدمرة من فلسطين إلى العراق سوف تملأ فترة العقد العاشر من القرن نفسه الحروب الأهلية المعلنة أو الكامنة.

1- موجة الاصلاح الجديد: تضافر العوامل الداخلية والخارجية

قام مشروع الاصلاح الجديد الذي بدأ يتبلور بشكل واضح منذ بداية القرن الحادي والعشرين على دعامتين رئيسيتين: تنامي وزن المجتمع المدني العربي وضغوطه المستمرة من جهة، وتبدل سياسات التكتل الغربي المتنفذ في المنطقة، بموازاة السعي إلى التكيف مع حاجات العولمة الزاحفة والرد على تحديات الانفجارات السياسية والعنف المرافق لها، من جهة ثانية.

فقد أطلق التدهور المتزايد في رصيد النظم القائمة وشرعيتها، على ضوء ما شهدته الأوضاع العربية من تراجع في كل الميادين، وتفاقم الفساد، والتركيز المذهل للثروة، والاستخدام المفرط للعنف في تسيير المجتمعات وحل أزماتها المتفجرة، وتوالي الهزائم والتراجعات على الساحة الدولية، وفي مواجهة التحديات والاعتداءات الخارجية، تيارا نقديا قويا لم يكف عن النمو، منذ التسعينات من القرن العشرين، في أوساط المثقفين والشخصيات السياسية المستقلة. وعلى قاعدة هذا التيار سوف تتبلور مطالب مستمرة في الاصلاح. وقد جاءت تقارير الأمم المتحدة للتنمية الانسانية في المنطقة العربية التي عملت عليها فئات من المثقفين العرب، في إطار برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية، لتجسد هذه المطالب منذ عام 2002 ولتوسع دائرة القوى المطالبة بالتغيير. وقد عبرت هذه التقارير نفسها عن حالة النضج التي وصلت إليها الفكرة الاصلاحية العربية. وهو ما يفسر النجاح الواسع الذي لقيه تقرير التنمية الانسانية للمنطقة العربية، ليس في أوساط الرأي العام العربي فحسب، ولكن في الأوساط الدولية أيضا.

وقد عززت التطورات التي عرفتها المجتمعات العربية، سواء ما تعلق منها بتدهور مواقف الدول العربية الاستراتيجية أو تباطؤ النمو الاقتصادي، إن لم يكن تراجعه أحيانا إلى رقم سلبي خلال أكثر من عقدين متواصلين، وما خلفه ذلك من تفاقم طواهر الفقر وتزايد معدلات البطالة وتدهور عمل الإدارة ومستويات التعليم وتوتر العلاقات الاجتماعية، مطالب الاصلاح هذه وجذبت إليها دوائر وأوساط متزايدة من الرأي العام. وجاءت نتائج الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في نهاية التسعينات لتؤكد الارتباط المباشر بين طبيعة النظم السياسية القائمة وسوء الأداء الاقتصادي والاجتماعي. مما دفع بشكل متزايد، إلى ربط الإصلاح، الذي اقتصر خلال فترة طويلة ماضية على الميدان الإقتصادي والإداري، بالاصلاح السياسي، ويجعل من الديمقراطية الشعار المركزي في الحركة الاصلاحية العربية، في جميع المناطق العربية، بما فيها في منطقة الخليج الغنية التي تعرضت شروط الحياة فيها أيضا للتقهقر بسبب الحروب المتواصلة بين ايران والعراق أولا، ثم بين العراق وجارته الكويت، وتكاليفها الباهظة وانعكاساتها على حركة الاستثمار والنمو عموما. واتسع الاعتقاد عند العديد من الأوساط العربية الفكرية والسياسية بالارتباط بين الاصلاح السياسي والإداري وإطلاق عملية التقدم والتنمية وردم الهوة العلمية والتقنية المتزايدة الاتساع بين المجتمعات العربية والدولية، بل ومجتمعات العالم الثالث الأخرى.

ومما لا شك فيه أن الحروب والنزاعات الداخلية والإقليمية التي جرت الكثير من الدمار وأعادت البلاد العربية عقودا إلى الوراء على مستوى العلاقات الاجتماعية والسياسية والاستراتيجية، عملت في الوقت نفسه على الاستنزاف السياسي والمعنوي للنظم القائمة، ودفعت بقطاعات متزايدة من الرأي العام إلى الانفكاك عنها. والتقى هذا الانحسار في صدقية الأنظمة وشرعيتها مع صعود موجة الديمقراطية التي أدرجت دول أوربة الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق، منذ التسعينيات في معسكر الدول الديمقراطية. وبقدر ما فتحت التطورات الدولية الأذهان على ما تعاني منه البلدان العربية من ركود وانسداد للآفاق، شجعت على إعادة النظر في طبيعة النظم السياسية القائمة، وقضت على الاعتقاد السائد بأن العالم العربي لا يملك مقومات التحول في الاتجاه الديمقراطي.

ولا يقل عن ذلك أثرا في الدفع نحو مفاهيم الاصلاح ما طرأ على البيئة الجيوسياسية والجيوثقافية العالمية من تبدلات مستمرة. فبعد حقبة طويلة من السياسات الغربية التي ثابرت على دعم النظم القائمة وتعزيز مواقع النخب المسيطرة عليها، باسم الحفاظ على الاستقرار، وتجنيب المنطقة الهزات الداخلية، طرحت تحولات ما بعد الحرب الباردة أجندة جديدة على الدول الصناعية الكبرى. ففي مواجهة الإرهاب، الذي بدأ يوسع قاعدة انتشاره في العالم، زاد الاتجاه في عواصم الدول الصناعية نحو تعزيز فرص التحول والتغيير في البلاد العربية. ودفعت الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها نيويورك في الحادي عشر من ايلول 2001 الولايات المتحدة إلى تبني أجندة شرق أوسطية جديدة تربط بين مهام الرد على التحدي الذي يشكله الارهاب الاسلامي العالمي، ومهام إعادة هيكلة الشرق الأوسط الكبير، على ضوء المفاهيم والأفكار التي نشرها المحافظون الجدد، والتي تجمع بين السياسات الهجومية النشطة لتأكيد السيطرة الأمريكية على العالم وتحويل الديمقراطية إلى غاية هذه السيطرة، أي إلى مصدر لإضفاء الشرعية عليها وجعلها سيطرة من أجل الانسانية، وفي سبيل استقرارها وتقدمها وسعادتها. وقد نجحت الإدارة الأمريكية الجمهورية في فرض مبادرة الإصلاح والتغيير على الدول الأوروبية التي كانت أقل حماسا لها وجعلت من التركيز على فتح النظم وتعزيز الديمقراطية، حيثما كان ذلك ممكنا، ومن دون تكاليف كبيرة سياسية واقتصادية، في ما يتعلق بالحفاظ على مصالحها الاستراتيجية الأساسية. وكان الاتحاد الاوروبي قد طور قبل ذلك، في سياق تنظيم العلاقات بين ضفتي المتوسط، على ضوء تطور سياسات العولمة، مفهوم المشاركة المتوسطية التي تهدف إلى تأهيل البلدان العربية للانخراط في السوق العالمية والمشاركة فيها.

ومع دخول التكتل الغربي على خط الاصلاح، سوف يصبح التغيير في العالم العربي لأول مرة، هدفا ضاغطا ويتحول الاصلاح، شيئا فشيئا، مع انكشاف ضعف المجتمعات المدنية العربية وعجزها عن موازنة الضغوط الخارجية، إلى مشروع خارجي، طارحا بذلك إشكالية جديدة لم تكن قد طرحت من قبل، تتعلق بالعلاقة بين دور الداخل ودور الخارج في تحقيق الاصلاح وضمان تقدمه ونجاحه.
هكذا، أدى انتصار التحالف القديم بين الدول الصناعية والأوليغارشيات العربية الحاكمة في الحرب على الحركات الاحتجاجية الاسلامية ومحاصرتها، خلال ربع القرن السابق، إلى نتائج متناقضة. فقد نظرت الدول الكبرى إلى تنامي هذه الحركات على أنه إنذار خطير بالنسبة للمستقبل، وأن مواجهة العنف المتزايد الصادر عنها لن يكون ممكنا على المدى الطويل من دون القيام بإصلاحات بنيوية تطال النظم القائمة، بهدف التقليل من الضغوط الاجتماعية، وتوسيع دائرة مشاركة النخب والطبقات الوسطى المهمشة أو المستبعدة تماما عن الحياة العمومية، لصالح مجموعات مصالح ضيقة ومترابطة أصبحت مركز كل الاحتكارات. وبالعكس، رأت الأوليغارشيات العربية الحاكمة في هذا الانتصار فرصة جديدة لتجديد عقد التفاهم مع الدول الصناعية والعودة إلى مفهوم الأمن والاستقرار كمفاهيم مركزية في قيادة المنطقة وبناء النظم السياسية والاقتصادية فيها. وقد أملت هذه الأوليغارشيات في أن تشكل التهديدات الارهابية الجديدة حافزا إضافيا يدفع هذه الدول إلى تبني مواقف النظم القائمة كوسيلة وحيدة لكبح جماح المعارضات السياسية وإقامة السدود أمام طوفان الحركات الاسلامية. واعتقدت أن أقل ما ينبغي على الدول الصناعية أن تفعله معها هو أن تقوم بتجديد عقد الوكالة الذي ربطها بها سابقا، كمكافأة على الخدمات التي قدمتها لها لضمان الأمن والاستقرار والحفاظ على الوضع الإقليمي القائم وما كلفه ذلك من مخاطر تعميق القطيعة بين النخب الحاكمة العربية والمجتمع.
والواقع أن موقف الدول الصناعية لم يكن يختلف كثيرا عن موقف النظم العربية في اعتبار الاستقرار والحفاظ على الوضع القائم مصلحة استراتيجية لجميع الاطراف، وبالتالي في اعتبار التحول الديمقراطي مغامرة من الأفضل تجنبها ما أمكن ذلك. ولذلك لم تكن اتفاقات الشراكة المتوسطية والتعاون الاستراتيجي بين واشنطن والعديد من الدول العربية يلحظان، حتى مطلع الألفية الثالثة، أي ضرورة لتغيير قواعد ممارسة الحكم والسلطة السياسيين في المنطقة، بقدر ما كانا يسعيان إلى تحسين الأداء الإداري والسياسي للنظم القائمة وتحديثها، عن طريق تقديم بعض الإغراءات المادية والسياسية لها. وكانت هذه الدول تعتقد حتى وقت قريب، وربما حتى الآن، أن توسيع قاعدة الانفتاح الاقتصادي وبناء اقتصاد السوق سوف يشكلان أفضل ضمانة لدفع النظم القائمة تدريجيا نحو الاصلاح والانفتاح. بيد أن هذه النظرة المعتدلة لم تستطع أن تقاوم الهزة السياسية الكبرى التي أحدثتها هجومات منظمة القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي، ونزوع الولايات المتحدة إلى إعادة السيطرة المباشرة على منطقة الشرق الأوسط ووضعها تحت الإشراف المباشر، بهدف ضبط ما يحصل فيها من تطورات. وهذا ما يفسر تزايد الضغوط الأمريكية، في سياق الحرب ضد الارهاب، من أجل إعادة تأهيل النظم القائمة أو استبدالها بنظم جديدة تعتقد أن من الممكن أن تكون، في الوقت نفسه، أكثر ديمقراطية وأكثر ارتباطا بها وموالاة لها، كما حصل عند إطاحة حكم حزب البعث وحل دولته في عام 2003 في العراق.


2- إجهاض الموجة الاصلاحية الجديدة

فتح تقرير التنمية الانسانية للمنطقة العربية المناقشة والمناظرة الفكرية والسياسية حول مسألة الاصلاح في العالم العربي كما لم يحصل في أي وقت سابق. وجعل منها محور الحياة الفكرية والسياسية العربية وأولوية رئيسية في أجندة الحركات الشعبية. وقد تجاوبت هذه المناقشة العربية الداخلية مع حاجات التغيير والاصلاح كما نظرت إليها القوى الصناعية الغربية، فبدا وكان إرادة الاصلاح العربية وإرادة التغيير الغربية قد التقيا لأول مرة.
بيد أن هذا اللقاء الذي بدا لفترة قصيرة وكأنه ضمانة قوية لتحقيق الاصلاح المنتظر منذ عقود لم يحقق الوعود التي أطلقها. فقد ولد الالتقاء بين مطالب الاصلاح الداخلية وسياسات التأهيل الخارجية التباسات وفجر تناقضات لم تستطع قوى الاصلاح تجاوزها ولا ايجاد حلول ناجعة لها. ودفعت الضغوط الخارجية المفاجئة، والامريكية منها بشكل خاص، إلى إخافة النخب الحاكمة التي قرأت في أي عملية انفتاح سياسي حقيقي تهديدا لوجودها نفسه، في الوقت الذي أثارت فيه حفيظة قطاعات واسعة من الرأي العام العربي الذي عززت الحرب الأمريكية في العراق مشاعر الشك التقليدي لديه في نوايا الدول الكبرى وغاياتها.
وقد استفادت النظم العربية من الموقف السلبي التاريخي للرأي العام العربي من السياسات الأمريكية في المنطقة، ومن الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة المدنية في العراق من أجل نزع الصدقية عن خطاب الاصلاح الأمريكي والأوروبي. ونجحت بالفعل في تعبئة هذا الرأي العام ضد ما أسمته الإصلاح المفروض من الخارج. وقدم لها تدهور الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي والانساني في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية نموذجا سلبيا لا يقدر بثمن لإظهار مخاطر التسليم بالتدخل الأجنبي والإنصات للنصائح الغربية. وأصبحت قطاعات واسعة من الرأي العام الناقمة على هذه الأنظمة تشك في جدوى التدخل والضغط من أجل الاصلاح وتقتنع بنظرية الحكومات التي تضع الاستقرار مقابل الاصلاح أو ترى في الاصلاح، خاصة الديمقراطي منه، عدوا للأمن.
هكذا بدا الاصلاح والتحول الديمقراطي الموعود في نظر الرأي العام مشروعا أجنبيا يهدف إلى التغطية على خطة جديدة لعودة السيطرة الغربية الاستعمارية على البلاد العربية أو للتلاعب بمصيرها. ولم يبق أمام القوى المنظمة المتمسكة بالاصلاح في إطار المعارضة الديمقراطية وهيئات المجتمع المدني الحديث سوى الارتداد إلى موقف الدفاع بدل الهجوم، وصرف الوقت والجهد في التبرؤ من تهمة العمالة للغرب او العمل في سياق الاستراتيجيات الدولية الرامية إلى تشديد الضغط على النظم العربية لانتزاع تنازلات استراتيجية أو سياسية حيوية منها.
في هذا السياق اضطرت الدول الغربية الثمانية التي اعتمدت مبادرة الشرق الأوسط المعدلة عام 2004 أن تخفف من ضغوطها وتؤكد عدم رغبتها في دفع عجلة التحولات بالوتيرة التي يمكن أن تهدد الاستقرار. وفي النهاية صرفت النظر عمليا عن هذا الضغط من أجل الإصلاح، وأخذت تبالغ هي نفسها في مغزى الاصلاحات الجزئية التي تحققت هنا وهناك، مثل إجراء انتخابات بلدية جزئية في المملكة العربية السعودية أو انتخابات رئاسية تنافسية في مصر أو انتخابات تشريعية في العراق أو تكوين مجالس شورى أو استشارية في هذا البلد الخليجي أو ذاك.
ولم تتردد النخب العربية الحاكمة من استغلال هذا التراجع الغربي الذي حصل تحت ضغط الرأي العام المعادي للتدخلات الأجنبية، وما رافقه من اعتذارات أو شبه الاعتذارات صدرت عن مسؤولين غربيين يتبرؤون من أي نية لفرض أجندة خارجية على الدول العربية، ويعلنون تأييدهم لفكرة الاصلاح التدريجي، كما اقترحت حكومات هذه الدول. ومن الواضح لكل من يتابع مسألة الاصلاح في البلاد العربية أن النظم تحاول اليوم الالتفاف على مشاريع الاصلاح، سواء بالتشهير بالجوانب الحاملة لبعض المخاطر عليها، أو بتحقيق بعض مظاهرها الشكلية، مع تفريغها من محتواها السياسي تماما. كما أنها قد بدأت في العامين الماضيين، بموازاة الإعلان عن بعض الاصلاحات الديكورية وتأكيد الالتزام التجريدي بالاصلاح من دون أي برنامج عمل واضح، كما تبرهن على ذلك "وثيقة التطوير والتحديث" التي تبنتها القمة العربية، في تونس في آذار مارس من عام 2004، عملية حصار منظمة لمؤسسات المجتمع المدني، تشمل الحد من النشاطات وتكرار الملاحقات والاعتقالات، وأحيانا التعرض بالضرب للناشطين المدنيين والسياسيين، لمنعهم من التواصل مع الرأي العام وتضييق دائرة الخناق عليهم.
وربما لا نبالغ اليوم إذا قلنا إن الانقسام الذي غذته وعملت عليه النظم القائمة، حول مسائل الاصلاح، قد أدخل الفكر والسياسة الاصلاحيين العربيين في حالة تخبط عميق، وأجهض جميع مجهودات العمل على دفع المجتمعات العربية إلى تبني مشروع الاصلاح والتضحية من أجله. وإذا لم تنجح قوى الاصلاح في انتزاع هذا المشروع وانتشاله من دائرة التناقضات التي ارتهن لها بين الداخل والخارج، والهوية والغيرية، والاستقلال والامبريالية، والسياسة والاقتصاد، لن يكون من الممكن الخروج من حالة الانسداد القائم والمراوحة في المكان. وستكون النتيجة التفاعل المتزايد للأزمة العميقة التي تعتمل داخل المجتمعات العربية، وربما توقع انفجارات مجتمعية مدوية تتجاوز في آثارها ما حصل في العقود الماضية نتيجة التهرب من استحقاقات الاصلاح والعمل ضده. وإذا كان إجهاض إصلاح السبعينات قد أدى إلى انحطاط النخب ومصادرة الدول واستخدامها أدوات لتأبيد سلطات فردية مطلقة وما نجم عنها من أزمة الثمانينات التي راح ضحيتها مئات الضحايا وآلاف المعتقلين، كما أدى إجهاض إصلاح الثمانينيات إلى انفجار أزمة التسعينات التي كلفت المجتمعات العربية مئات ألوف القتلى وعقود طويلة من التقهقر بسبب المواجهات الدامية بين الحركات الاسلامية الاحتجاجية والنظم القائمة، فإن إجهاض إصلاح بداية الألفية الثالثة سوف يكون أكثر كلفة بما لايقاس. وليس من المستبعد أن تكون نتيجتة انفجار المجتمعات نفسها أو العديد منها وتناثر شظاياه في كل الأنحاء وعلى المجتمعات الأخرى، وفي مقدمها المجتمعات الأوروبية القريبة منها.

3 - مسؤوليات تعثر الاصلاح

لا يكمن خطأ التحالف الغربي في ما قام به من ضغط على النظم لحثها على الانخراط في سياسة الاصلاح وإنما في ربطه الضغوط من أجل الاصلاح بأجندته الاستراتيجية الخاصة، سواء ما تعلق منها بإحكام السيطرة على منابع النفط أو بضمان الأمن والسلامة الكاملة لاسرائيل، من دون اعتبار للمصالح الأمنية والسيادية للدول والمجتمعات. وهذه هي الثغرة التي دخلت منها الحكومات العربية لتضع ضغوط الغرب من أجل الاصلاح موضع الشك، ولتبين أن ما يسعى إليه التكتل الغربي لا يتعلق في جوهر الامر في إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية لصالح الشعوب العربية، وإنما هو استخدام الاصلاح كذريعة من أجل تأمين مصالح استعمارية أو شبه استعمارية. ومن هنا نجحت النظم في تحييد هذه الضغوط وقلب الطاولة على العواصم الغربية ذاتها التي أصبحت متهمة لدى الرأي العام بأنها تخطط لتصفية ما تبقى من السيادة والاستقلال العربيين.

لكن هذا الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبه التحالف الغربي، إن لم نقل استخدام الديمقراطية بالفعل للتغطية على مشاريع الهيمنة الدولية، لا يلغي أيضا مسؤولية قوى التغيير المحلية. وتكمن هذه المسؤولية في العجز الذي أظهرته هذه القوى عن إدراك الرهانات الكبرى التي يرتبط بها الاصلاح والتي لم تخف على الاوليغارشيات الحاكمة. فقد اعتقدت هذه القوى أنها تستطيع، إذا أقنعت النخب الحاكمة ببرنامج سلمي للاصلاح لا يتضمن تغيير النظم الحاكمة، فمن الممكن أن يحصل الاصلاح في ظروف طبيعية وبتكاليف بسيطة أيضا. والواقع أن دعوة الاصلاح العربية الراهنة قامت منذ البداية على سوء تفاهم كبير، بل ربما أيضا على خداع للذات شاركت فيه القوى المحلية الداعية للاصلاح كما شارك فيه التحالف الغربي أيضا. فقد نظرت هذه القوى إلى الاصلاح على أنه مقدمة للتغيير أو محاولة لتغيير النظم من الداخل، وتقريبا بالتفاهم معها والاتفاق على برنامج عمل انتقالي يسمح بتجاوز الوضع الراهن والدخول في نظم تعددية حقيقية في مستقبل ما.
والحال أن النخب الحاكمة أدركت أن تطبيق برنامج الاصلاح المطلوب يعني إلغاء وجودها نفسه لصالح صعود نخبة جديدة وبالتالي على أنه عملية انتحارية. ووقفت بجميع الوسائل ضد برنامج الاصلاح الذي يشكل بالأحرى برنامج انقلاب على النظم واستبدالها بنظم تعددية. وبالفعل، يمكن، في إطار نظم تعتمد التحييد الكامل للمجتمع واستبعاده من أي قرار، لأي تغيير سياسي، مهما كان حجمه، أن يشكل ثغرة خطيرة في نظام هذه النخب الأمني والدفاعي والايديولوجي، فيذكر جماهير واسعة بأوضاعها ودورها، ويحول الاصلاحات الشكلية بسرعة إلى إصلاحات حقيقية. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تسد النظم القائمة الطريق وترفض منذ البداية الانخراط في أي مشروع إصلاح، بل أن لا تلتزم بأي أجندة محددة له. كما لم يكن من المستغرب أن تكون الاصلاحات التي قامت بها غطاءا لتعزيز النظام الأمني والإقصائي القائم بدل تعديله او الخروج منه. فهذه النظم ترفض الخروج من الإطار الذي رسمته لنفسها منذ البداية، والقائم على الاحتفاظ بالاشراف الكامل على كل ما يتعلق بموارد السلطة المادية والمعنوية، ويضمن احتكارها من دون أي مشاركة مع أي طرف كان، مع تحويل حركة المجتمع المدني إلى جيوب هوائية موزعة ومتباعدة، فاقدة للوزن والفاعلية، ومنقطعة عما حولها. وهو ما يفسر استمرار عجز هذه الهيئات المدنية، من أحزاب وجمعيات، عن اختراق الحواجز والتواصل مع المجتمعات التي تعمل فيها.
هكذا ضيعت القوى الاصلاحية سنوات طويلة وهي تحلم بإصلاح عن طريق الحوار والتفاهم والتفاعل الايجابي مع الاولغارشيات الحاكمة، ومن دون تضحيات، قبل أن تكتشف أن من غير الممكن تحقيق أي برنامج إصلاحي، مهما كان محدودا، ما لم يتحقق تغيير صيغ الحكم والإدارة القائمة، أي ما لم تنجح في بناء قوى مقاومة ومواجهة سياسية فعالة للسلطات القائمة، وما تمثله من نخب ومصالح سائدة. فلا ينجح الاصلاح إلا داخل نظم سليمة بالاجمال وتتميز بحد أدنى من المرونة والتعددية والتنافسية وآلية المفاوضة الاجتماعية. وهو يهدف في هذه الحالة إلى تحرير النظم التي تعرضت لعوامل الهرم والتدهور أو البيرقراطية من العوائق التي تحول دون اشتغالها الأقصى، أو إلى تعديل جزئي في قواعد اشتغالها للرد على تحديات طارئة أو جديدة تواجهها. ولذلك فهو يتحقق على أيدي الأفراد والجماعات الأكثر إخلاصا لروح النظام وتعلقا بالمباديء التي يقوم عليها، وتكون نتيجته تعزيز هذا النظام والحفاظ عليه بتحسين أدائه وتعميق الاتساق في حركته. وتصدر مشروعية الاصلاح من ميل النظم الاجتماعية الطبيعي نحو العطالة وانعدام الديناميكية والفاعلية والنجاعة، أي النزوع إلى الجمود والتكلس. ويأتي الاصلاح كوسيلة للتجديد، أي لإعادة تأسيس النظم التي فقدت فعاليتها لكنها لا تزال تنطوي على قيم ثابتة ومقبولة.
وبالعكس، يعني التغيير ايجاد نظام جديد يقوم على قواعد عمل مختلفة، إما لأن النظام القائم غير قادر على الرد على الحاجات والتحديات الجديدة التي يواجهها المجتمع، أو بسبب انهيار النظام نفسه وتوقفه عن الحركة. وهو يقوم على أساس استبدال نظام بنظام آخر ويستدعي وجود قوى منظمة تحقق هذا الاستبدال، سواء أجاءت من خارج النظام، أو من خارج المجتمع والبلاد، أو عن طريق الانقلابات والثورات المدنية. ولذلك فإن السؤال المطروح والذي لا يمكن تجنبه في مسألة الاصلاح العربي هو التالي: هل يمكن إصلاح النظم العربية أو هل النظم العربية قابلة للاصلاح ؟

4 - لماذا يتحول الاصلاح إلى معضلة

لا تستطيع النظم القائمة على غير اختيار شعبي، بل على تغييب الشعب والرأي العام، مهما كانت عقائدياتها وفي أي مكان وجدت، القبول بأي إصلاح يستدعي تطبيق حكم ا لقانون وإلغاء الامتيازات والأفضليات، وتعميم قاعدة الشفافية والكفاءة والمسؤولية، واحترام حقوق الأفراد ودفعهم إلى تحمل المسؤولية، من دون تهديد الأسس التي تقوم عليها، وهي الولاء والزبونية والرشوة المعممة والتعسف وطمس المسؤولية وإخفاء الحقائق عن المجتمع والاستهتار بحقوق الأفراد ومستقبلهم وفرض الأحادية الفكرية والسياسية. وأي فتح جدي للنظام، ولو ضمن حدود، بما يعنيه من القبول بالتعددية والاختلاف، والعودة إلى حكم القانون، والمخاطرة بإضعاف احتكار موارد القوة ومصادرها، وخلق ديناميكيات تنافسية على أي مستوى كان، يهدد بتقويض أسس النظام القائم. فهو يلغي آليات القمع الرئيسية التي تحفظ توازن النظام في الوقت الذي يفجر فيه تيارات الاحتجاج والمعارضة العميقة المحبوسة منذ عقود طويلة، والتي لا تنتظر إلا إشارة بسيطة أو ثغرة صغيرة كي تنفس عن احتقانها الطويل. بمعنى آخر، لا يمكن لأي خطوة في طريق الاصلاح الحقيقي، القانوني والإداري والاقتصادي والسياسي معا، إلا أن تستدعي خطوة تالية وأن تقود، بسرعة غير منتظرة، إلى التغيير. فالتغيير سيكون النتيجة الحتمية مثلا لإلغاء الخلط المتعمد والبنيوي بين السلطات، مباشرة أو عن طريق رفع الرئاسة إلى مقام قدسي وتكليفها بمهام استثنائية وجعلها فوق القانون والنقد والمساءلة، كما هو سائد في معظم الأنظمة العربية.
والتغيير سيكون أيضا النتيجة الحتمية لإلغاء سيطرة الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية عن طريق فرض حالة الطواريء والأحكام العرفية أم من دونها، ووضع جميع النشاطات الاجتماعية، السياسية والمدنية، تحت الوصاية الأمنية. وبالتالي تضخيم وظيفة الأمن في هذه النظم وجعلها محور حياة الدولة وجمتلها العصبية على حساب السياسة والقانون معا.
وسيكون التغيير هو النتيجة الحتمية كذلك لإطلاق ديناميكية المساءلة والمحاسبة والشفافية، ليس في الأمور السياسية فحسب، ولكن أيضا في المجالات الاقتصادية، وليس في ميدان القطاع العام الخاضع للدولة وإنما، أكثر من ذلك، في ميدان القاطع الخاص. فالشفافية هي العدو اللدود لنوعية الرأسمالية المضاربة التي تستند إلى التداخل بين حيازة الثروة والعلاقات السياسية الرسمية وغير الرسمية.
والواقع أن الرأسمال الأول في هذه النظم، الذي يشكل المصدر الرئيسي لتراكم الثروة ورأس المال معا، ليس رأس المال بالمعنى الحرفي للكملة، وإنما جملة العلاقات السياسية المجسدة في علاقات النفوذ، أو في التحالفات مع أصحاب القرار على جميع المستويات الرسمية والأهلية. ومن هنا لا تنبع قوة المشاريع التجارية الخاصة، حتى الصغيرة والعائلية منها، من نجاحها في تطبيق المعايير الاقتصادية والإدارية السليمة بقدر ما يكمن في ما يملكه أصحابها من علاقات تفاهم وشراكة أحيانا مع ضباط أو مسؤولين يقدمون الحماية لهم ويغطون على خروقاتهم القانونية.

باختصار لا يتفق استمرار هذه النظم، ولا إعادة إنتاجها، مع الفصل الفعلي بين السلطات واستقلال القضاء ووجود سلطة تشريعية ممثلة بالفعل لقطاعات الرأي العام وتطبيق حكم القانون وتعزيز دور المؤسسات، خاصة مؤسسات الرقابة، واحترام قواعد المحاسبة والشفافية والاعتراف بالمواطنية المتساوية للجميع. فجوهر هذه النظم هو التلاعب بالقانون في سبيل إعادة إنتاج طبقة طفيلية كطبقة أرستقراطية وارثة ومالكة معا، وغير قابلة بالتعريف لأي تغيير أو تعديل. ولا يمكنها أن تنجح في ذلك إلا بإلغاء الحراك الاجتماعي وتثبيت المواقع والمكانات، وإعادة إنتاج فكرة التراتبية الطبقية-الطائفية التي ميزت في الماضي جميع النظم التقليدية. فإعادة إنتاج الطبقة الحاكمة كطبقة ارستقراطية يستدعي إعادة إنتاج المجتمع ضمن مراتب ثابتة أيضا، وبالتالي إلغاء مفهوم المواطنية والمساواة القانونية والأخلاقية وتكافؤ الفرص، لحساب تأكيد الأسبقية لفريق اجتماعي على فريق آخر وتغذية عقيدة التفوق الطييعي لنخبة ثقافية على أخرى، بوصفهما شرطان ضروريان للمحافظة على الاستقرار وضمان الأمن والسلام الاجتماعيين.
باختصار، ليس من الممكن تغيير هذا النوع من الأنظمة إلى أنظمة تعددية ديمقراطية، كما حلم الاصلاحيون، لأن وجودها نفسه يتوقف على تغييب شعوبها وإخراجها من دائرة الفعالية السياسية، وأحيانا المدنية، ودفعها نحو الكساح، في سبيل فرض الوصاية عليها، وإبعادها عن المشاركة في تقاسم الريع الذي يشكل مصدر الثروة الرئيسي فيها. فبعكس ما تحتاجه النظم الرأسمالية، ليس الاستثمار المنتج لفائض قيمة هو السائد والمطلوب هنا، ولكن عمل السخرة والشغل غير المدفوع وغير المقدر بثمن. وهذا ينطبق على مجتمعات بكاملها. وكما أن اقتصاد الريع يجر اقتصاد الاستهلاك والتبذير والانفاق الاحتفالي والرمزي الباهظ، لا يمكن للرأسمال المكون عن طريق المضاربة، إن لم يكن عن طريق السلب والنهب مباشرة، أن يتحول إلى وسيلة للاستثمار والتجديد والتطوير. إنه يجر المجتمعات بصورة متزايدة نحو القرون الوسطى، ويعيد إنتاج قيم المحسوبية والتبعية الشخصية والإمعية، ويعممها على نطاق واسع، بحيث يختفي المجتمع والرأي العام الحديثين بالفعل عند الفرد، لصالح التابع والعبد المأمور. والواقع ليس هناك في المجتمعات التي تسود علاقاتها هذه الصيغ الناشزة من الحكم إلا سيد إقطاعي واحد، أما بقية البشر فهم عبيد مأمورون، بصرف النظر عن مسؤوليتهم السياسية ومكانتهم الاجتماعية وموقعهم الديني أو الثقافي أو المدني.

وهذا يفسر لماذا أخفقت جميع خطط الاصلاح وأجهضت عندما اصطدمت بمسألة الاصلاح السياسي. فالمساس بقواعد اللعبة السياسية القائمة على خرق القانون وتعليقه وإلغاء هوية المجتمعات السياسية، أي حل البنية الوطنية والمواطنية، وتخليد المواقع والمناصب والمرتبيات، هو شرط بقاء أنظمة الإقصاء الجماعي واستمرارها.
5 - ما هو الحل؟

يبين هذا أن وراء العجز عن الاصلاح في البلاد العربية عوامل مادية ومعنوية، خارجية وداخلية لا يمكن الفصل بينها. وهي تشكل كلا متكاملا ومتضامنا ومتفاعلا تحتاج مواجهته إلى تضافر جهود جماعية، على مستوى المنطقة وبين نخبها الثقافية والسياسية والاقتصادية النافذة من جهة، وعلى مستوى المنظومة الدولية التي تلعب دورا كبيرا أيضا في توازنات الشرق الاوسط القائمة من جهة أخرى.

وهذا يعني في نظري
1- ليس هناك إصلاح ممكن على مستوى المنطقة العربية إذا لم تتغير اتجاهات وخيارات السياسة الأطلسية الأمريكية الأوروبية الشرق أوسطية، وذلك على الأقل في ثلاثة ميادين.
الأول هو النظرة العامة للمنطقة التي لا تزال ترى فيها منطقة نفوذ وتنازع على المصالح ولا تأخذ بالاعتبار أيا من مصالح الدول العربية الرئيسية وفي مقدمها المصالح الاستراتيجية والامنية. وهو ما سمح للدول الكبرى بتجاوزات مستمرة للأعراف والقوانين والمباديء الدولية المتعارف عليها، وشجع على استخدام وسائل الضغط السياسي والاقتصادي والانقلابات ثم التدخلات العسكرية السافرة للدفاع عن مصالح خاصة حيوية وأقل حيوية. وقد قلل هذا من مفهوم السيادة الشعبية بل محاه تماما وسهل القبول بتغييب الرأي العام عن المشاركة لصالح مفهوم سيادة النخب الحاكمة المرتبطة بالخارج.
والثاني هو وضع أمن إسرائيل كهدف مطلق يتضاءل أمامه أي هدف آخر، ويبرر بالتالي التضحية بمصالح حيوية لا يمكن قيام نظام مدني أو حياة سياسية طبيعية من دون احترامها في أي بلد عربي مشرقي، بما فيها مصالح تعاون إقليمي استراتيجية. وقد ساهم هذا في تلغيم العلاقات العربية الغربية بشكل أساء إلى العرب وبلدان المشرق بشكل خاص، أكثر مما أساء للمصالح الغربية بالرغم من كل ما يسببه انتشار الارهاب وحركاته في البلدان الأوروبية. والمشكلة لا تكمن هنا في وجود إسرائيل نفسها بقدر ما تكمن في سياسات الدعم غير المشروط وغير المحدود للسياسات الاسرائيلية مهما كانت وتحويلها إلى أداة للضغط والضبط والسيطرة الخارجية على المنطقة العربية.
والثالث هو الاعتقاد بأن أفضل وسيلة لاتقاء شر صعود القوة العربية أو الاسلامية المتطرفة أو العدائية هي عزل العالم العربي وتهميشه وفرض الحجر الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي عليه، ووضعه في صندوق مغلق. كل هذا يخلق بيئة إقليمية منتجة للتوتر والعنف والنزاعات المستدامة، لا يمكن أن تشجع لا على تطوير الاستثمار المنتج، ولا على تعزيز روح الاستقرار عند الشعوب وتنمية أملها وتفاؤلها في المستقبل. النتيجة كما هو واضح اليوم اليأس والاحباط وصب النقمة على الغرب واعتباره المسؤول الأول عن المآسي العربية، بما يتضمنه ذلك أيضا من آليات التهرب من المسؤولية وتبرئة ساحة النخب العربية الفاسدة أو المفتقرة للكفاءة والخبرة والأهلية القيادية.
2- ليس هناك إصلاح ممكن باتباع استراتيجيات خاصة قطرية والتسابق والتنافس على خدمة الدول الصناعية أو تقديم التنازلات لها. كل البلدان العربية ستكون خاسرة في مثل هذه اللعبة. الاصلاح يحتاج إلى تعاون بين الدول العربية كما يحتاج إلى استراتيجية جماعية ليشكل الاصلاح في كل قطر جزءا من مشروع إصلاح شامل لشؤون المنطقة بأكملها. وهذا يعني أنه لا ينبغي الأمل في تقدم الاصلاح من دون تعاون بين الدول العربية والتفاهم في ما بينها.
3- ليس هناك إصلاح ممكن في أي قطر، من دون برنامج متكامل، يربط بين مهام التحويل الاقتصادي والانصاف الاجتماعي والتأهيل العلمي والمشاركة السياسية. فجوهر الاصلاح هو خلق بيئة سياسية وقانونية واجتماعية مشجعة على الاستثمار المادي والمعنوي وخلق توجهات واستعدادات وقيما جديدة تدفع إلى بذل الجهد وتعزز مشاعر الثقة بالذات وبالمجتمع وبالمستقبل معا.
4- ليس هناك إصلاح بمعزل عن الشعوب أو من منظور تضليلها أو محاولة الالتفاف عليها أو استخدام بعض المنافع المحدودة لتبرير فرض الحظر المستمر عليها وحرمانها من الممارسة السياسية والمشاركة في السلطة، أي في صوغ السياسات والقرارات التي تتحكم بمصيرها ومصير أبنائها. فأصل الاصلاح هو بعث روح المسؤولية عند الأفراد والجماعات وتعزيز روح التفاهم والتواصل والتضامن في ما بينهم. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون بناء الثقة الاجتماعية التي لا تنشأ إلا في مناخ من الصدق والنزاهة والتعامل المتساوي والمشاركة الفعلية التي تخلق الشعور العميق عند الجميع بأنهم شركاء فاعلون ومهمون لا يمكن الاستغناء عنهم في بناء الحياة العمومية. وهذا يعني أن التحدي الأكبر لأي إصلاح، في أي نظام كان، هو النجاح في إدخال الشعوب في العملية السياسية، ليس لأن ذلك هو الشرط الأول لتحقيق مهام التغيير المنشود من الاصلاح فحسب، ولكن أكثر من ذلك لأنه الأسلوب الوحيد لمساعدة الأفراد على تغيير أنفسهم أيضا، وتعزيز مشاعرهم الجمعية، وبناء أركان التواصل والتفاعل والتشارك في ما بينهم، مما لا يمكن أن تقود من دونه حياة عمومية أو مجتمعات مدنية.
وفي اعتقادي أن السنوات القليلة الماضية قد أظهرت فشل المجتمعات في التوصل إلى تفاهم داخلي يسمح بالخروج من حالة الانسداد الراهنة والدخول المتفق والمفاوض عليه في مرحلة التحول نحو الديمقراطية والاصلاح. ويستدعي تجاوز الانسداد وخلق مناخ جديد أكثر ايجابية، وتجنب مخاطر الانفجارات الكبرى وتفكك المجتمعات، تشكيل لجنة دولية للمساعي الحميدة تعمل كوسيط، مهمته تسهيل فتح الحوار بين الأطراف المتنابذة، وتذليل العقبات التي تحول دون تواصل هذه الأطراف وإبراز إمكانية المراهنة على الحلول السياسية المتفاوض عليها وجدواها. وفي اعتقادي أن هذه الوساطة السياسية والأخلاقية من قبل لجنة دولية مكونة من شخصيات عالمية مستقلة ذات صدقية كبيرة مثل مندلا وكثير من حاملي جائزة نوبل المعروفين تشكل البديل الوحيد عن التدخل العسكري والعقوبات الاقتصادية والمالية التي استخدمت حتى الآن من دون جدوى، وكانت نتائجها سلبية في العديد من البلدان.

mercredi, avril 26, 2006

محنة العلم والعلماء العرب في الداخل والخارج

الإتحاد الإماراتية 26/4/2006
عُقد في الرابع والعشرين من الشهر الجاري في الدوحة المؤتمر الأول للعلماء العرب المغتربين الذي يهدف، حسب إعلان منظميه إلى جمع النخبة من العلماء العرب في العالم للمساهمة في منتدى لتبادل الأفكار وتطوير الخطط التي تساعد على ربط العلماء العرب وأبحاثهم باحتياجات المجتمعات العربية وبالمصادر المتاحة في المنطقة وتنمية وسائل البحث العلمي في إطار تعزيز عملية التنمية الإقليمية. وينطوي مشروع المنتدى المقترح على فكرة صحيحة وصائبة مفادها أن تطوير البحث العلمي في العالم العربي لا ينفصل عن معالجة مسألة اغتراب العلماء ونزيف العقول المستمر منذ عقود, وأن عودة هؤلاء العلماء أو الاستفادة من أبحاثهم، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تشكل مهمة رئيسية من مهام أي برنامج تنمية عربية جدي. لكن مشكلة اغتراب هؤلاء العلماء ليست في الواقع إلا الوجه الآخر لاغتراب العلماء العرب في بلدانهم نفسها. وسيكون من الصعب الاستفادة من المغتربين منهم ما دامت الظروف التي دفعتهم إلى الهجرة أو البقاء في المغتربات والعمل فيها لم تتغير في بلدانهم الأصلية. فمن الصعب أن تتحول البيئة الطاردة للعلم والعلماء إلى بيئة جاذبة لهما بمجرد بناء شبكة بحثية أو حتى مدينة علماء. ولتكوين هذه البيئة أسباب مختلفة وليس سبباً واحداً. فالواقع أن العالم العربي يعيش، على مستوى الإدارة الاجتماعية والسياسية ونظم الحكم والإنتاج والمعرفة العلمية معاً، أزمة عميقة لا تزال مستمرة منذ عقود طويلة. وتنعكس نتائج هذه الأزمة بشكل كبير على حقل التعليم والبحث العلمي وإنتاج المعرفة ومصير العلماء، كما تنعكس على النشاطات والأطر الاجتماعية الأخرى. لكن ليس هناك شك في أن العلماء هم، من بين العديد من الأطر العسكرية والإدارية والسياسية والاقتصادية، الضحية الرئيسية لها. والسبب أن اهتمام الدول انصب في السنين الماضية على قضايا ضمان أمن النظم السياسية واستمرار مراكمة الثروة والسلطة، مما قلَّل من فرص التفكير في بناء بيئة علمية حقيقية وتوفير شروط البحث والإنتاج العلميين. كما قلَّل من حجم الاستثمارات التي تعد الأضعف في العالم أجمع في هذا المجال بحيث لا تتجاوز 2 في الألف من الناتج القومي أي خمس أضعاف أقل من المتوسط العالمي. وبالإضافة إلى ذلك لا يشجع الاقتصاد العربي على الاستثمار في العلم والتقنية. فبنية الاقتصادات المحلية المشوهة والتقليدية تجعل الطلب على المعرفة العلمية والاختصاص محدوداً إلى درجة كبيرة. كما يدفع الطابع الريعي الذي يميزها إلى الاستمرار في سياسات استيراد الخبرة من الخارج مع بقية السلع المادية. وهو ما يضيِّق من فرص نشوء منظومة للبحث والإنتاج العلميين، ويكره العلماء والمختصين على هجر اختصاصاتهم والتخلي عن طموحاتهم العلمية إذا أرادوا البقاء في أوطانهم، أو النزوح إلى الخارج للعمل في مؤسسات أجنبية. لكن غياب الاهتمام بالبحث والإنتاج العلميين، وبالتالي بالعلماء، وقلة الطلب الاقتصادي عليهما، ليسا السببين الوحيدين لمحنة البحث العلمي وأصحابه. فلا ينبغي نسيان أسلوب التعامل الذي تطور في البلدان العربية في العقود الماضية مع العلماء الذين أصبحوا مستهدفين من قبل القوى السياسية والدولية المتنازعة على السلطة، إما من أجل توظيفهم من قبل البعض للحصول على شرعية فرعية، لما يتمتعون به من صدقية عند الرأي العام، أو بسبب الضغط عليهم وربما الانتقام منهم عندما يظهرون موقفاً مستقلاً، وبشكل أكبر عندما يعبرون عن آراء سياسية لا تتفق مع آراء النظم، أو قطاعات الرأي العام. ولعل المثال الأكبر على هذا ما يتعرض له علماء العراق اليوم من عمليات تصفية وقتل على يد فرق الموت المجهولة الهوية التي ربما كانت تعمل لصالح قوى أجنبية معادية للعراق وللعرب أيضاً. ومنذ أقل من شهر وجهت اللجنة العراقية لحماية أساتذة الجامعات العراقية نداءً من باريس إلى المنظمات الإنسانية والهيئات والجامعات العربية لتنظيم حملة عربية ودولية للحفاظ على حياة العلميين والأكاديميين العراقيين الذين يتعرضون منذ قرابة ثلاث سنوات لتصفيات جسدية منظمة. وربما تجاوز عدد العلماء الذين لقوا حتفهم حتى الآن المائتين من العلميين وأساتذة الجامعات. لكن لا ينبغي أن يقلل هذا المثال من دور العوامل السياسية الأخرى، في تشجيع العلماء العرب على النزوح إلى الخارج. ويكفي أن نشير في هذا المجال إلى ما يعاني منه العديد من الأكاديميين، كما بيَّن ذلك مؤتمر الحريات الأكاديمية في عمان 2004، من الحرمان من الحريات وأحياناً من الاعتقال الطويل، كما هو حال عميد كلية الاقتصاد السابق عارف دليلة المحكوم بعشر سنوات سجن، أو الباحث علي العبد الله، الذي اختفى هو وولدان له فجأة في دمشق، بسبب التعبير عن آرائهم وتبني مواقف سياسية لا تتفق واختيارات السلطة القائمة. باختصار، يضطر الكثير من العلماء العرب، بسبب غياب شروط البحث والإنتاج العلميين، أو لأسباب سياسية، إلى الرحيل إلى الخارج والاستقرار في البلاد الصناعية. وربما تجاوزت نسبة العلماء العرب المضطرين لسبب أو آخر لهجر أوطانهم نصف العدد الإجمالي. وكان تقرير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية للمنطقة العربية قد ذكر أن 25 في المئة من المبعوثين للدراسة في الخارج لا يعودون إلى بلادهم أصلاً. مما يشكل نزيفاً حقيقياً للمنظومة العلمية العربية يجعلها في نظر المختصين غير قابلة للوجود أصلاً. فعلى سبيل المثال هجر الجزائر عشرات آلاف الخبراء والأساتذة والعلماء بعد الحرب الأهلية التي أعقبت أول انتخابات تشريعية في أوائل العقد التاسع من القرن العشرين. وتعتقد بعض أوساط اليونسكو أن أكثر من 2500 أستاذ وعالم عراقي قد هاجر إلى الخارج بعد الاحتلال الأميركي الراهن للعراق. من هنا الأهمية الاستثنائية لرعاية مؤتمرات تعنى بالمغتربين من علماء وصناعيين ومواطنين عاديين أيضاً. فهي، لا تساهم في التذكير بأهمية هذه المجموعة العربية المهاجرة فحسب ولكنها تشجع هؤلاء الذين اضطروا، لسبب أو آخر، إلى الهجرة من أوطانهم والاستقرار في الخارج، على التفكير في بلدانهم الأصلية والبحث عن الوسائل والسبل التي تتيح لهذه البلدان أن تستفيد من نجاحاتهم في الخارج. لكن البقاء على هذا المستوى ليس كافياً لإنجاح العملية. إذ لن يمكن استعادة الطاقات العربية الكبيرة المهاجرة من دون عمل جدي على إصلاح الأوضاع العربية وتغيير البيئة التي لا تزال تدفع بمئات آلاف العرب، بما في ذلك من خيرة العلماء والباحثين والخبرات الشابة الجديدة، إلى الخروج من أوطانهم. وهو ما يتطلب تحويل الإصلاح إلى برنامج حقيقي أو إلى محور سياسات عربية جدية، لا تركه شعاراً للاستهلاك السياسي، كما لا يزال الحال حتى الآن. وربما كان شرط النجاح في مؤتمر العلماء العرب المغتربين هو الاستفادة منهم في سبيل اكتشاف الطرق التي تمكنهم من المشاركة في إطلاق مسيرة الإصلاح الموعود وبلورة دورهم المحتمل والضروري في دفعه وتعزيزه.

dimanche, avril 16, 2006

في أصل الشلل العربي

الجزيرة نت 16 أبريل 2006

بعد أن فقدت السيطرة على مصيرها، تعيش المنطقة العربية، وأخص منها المشرق العربي، حربا حقيقية تهدف إلى إخضاعها وتطويعها لقبول أجندة السيطرة الأمريكية الاسرائيلة. كما تتحول إلى مسرح رئيسي لحروب إقليمية وعالمية جديدة، يقدم النزاع الايراني الأطلسي والحرب ضد الارهاب، كجزء من استراتيجية مقاومة الصعود التاريخي للكتلة الآسيوية، أمثلة راهنة عنها. وهي تعيش في موازاة هذه الحرب حربها او حروبها الخاصة المرتبطة بإعادة بناء موازين السلطة والثروة في مجتمعات تعرضت خلال أكثر من نصف قرن إلى اجتثاث عميق لجذور وعيها الوطني والإنساني، على يد أنظمة قهر ظلامية متوحشة فاقدة لأي شعور بالمسؤولية الوطنية أو الانسانية. وفي مناخ الحرب المتعددة الأشكال هذه يتنافس بديلان فكريان وسياسيان معا على اكتساب ولاء الجمهور العريض الضائع وتعبئته وتنظيمه. البديل السياسي الذي تمثله أحزاب المعارضة الديمقراطية الصغيرة، أو تلك التي تحولت وتتحول بالضرورة نحو الديمقراطية، بوصفها القاعدة الفكرية والقانونية التي لا غنى عنها لإعادة بناء السياسة ذاتها وممارستها معا. والبديل التعبوي الاسلاموي القوموي أو الاثنين معا، الذي تعبر عنه مجموعة واسعة من الحركات والتيارات والمواقف والتشكيلات الدينية والقومية أو ، اليوم، الدينية القومية أو شبه الدينية التي تعكس فقدان الامل بإعادة بناء الدولة السياسية الحديثة وتراهن على إحياء الروابط التقليدية القائمة على تعبئة العصبية الجمعية، الدينية أو الثقافية أو كليهما.
ويعتمد كل متنافس منهما على ترسانة من المفاهيم والشعارات والقيم والمطالب التي يأمل أن تمكنه من الفوز بعقول الناس وقلوبهم لتطبيق أجندة يعتقد انها هي القادرة على تحقيق أهداف المجتمعات العربية أو الاسلامية أو العربية الاسلامية. لكن بينما يجعل الطرف الأول من إطلاق عملية التنمية، واستكمال تحديث المجتمعات العربية وإدراجها في العصر، البند الأول في المسيرة الطويلة التي ينبغي أن تمر حتما اليوم بتحقيق الديمقراطية وتحرير المجتمعات العربية من نير الاستبداد العقيم والمجمد والمضيع للجهد الوطني، تركز القوى الإسلاموية والقوموية على مسائل الهوية الخاصة والخصوصية كما تتمسك بشكل قوي بقيم الاستقلال والسيادة الكاملتين كما ولدتا في الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية.
وإذا كانت هذه القيم المختلفة التي يعبر عنها كلا التيارين محط إجماع لدى الرأي العام العربي، سواء ما تعلق منها بالقضاء على الاستبداد، وما قاد إليه من تعسف وفساد وانحطاط، أو ما ارتبط منها برفض الاستلاب والتمسك بالهوية الوطنية والدينية والقومية، إلا أن الخلاف يبرز عندما يتعلق الأمر بالممارسة العملية. فما يبدو محط إجماع على مستوى الوعي الثقافي العام يصبح في الممارسة مجال انقسام بقدر ما تطرح الممارسة مسألة الأولويات ويضطر كل طرف من المتنافسين إلى تقديم قيمة على قيمة أخرى. ومن الواضح أن قطاعات الرأي العام ليست متفقة على المكانة التي تحتلها كل واحدة من هذه القيم ولا على الأهمية التي تعطيها لهذه القيمة أو تلك. فالتيارات الحداثية التي ترى في الديمقراطية اليوم مدخلا لا محيد عنه للارتقاء بالمجتمعات العربية إلى مستوى التحديات التاريخية وتأمين شروط الالتحاق بالثورة العلمية والتقنية، أي للبقاء في التاريخ المعاصر، تظهر حساسية أقل تجاه مسائل تتعلق بالهوية والخصوصية والسيادة والاستقلال، أو ربما نظرت بطريقة أخرى إلى مضمون هذه المسائل الأخيرة وكيفية تلبيتها تأخذ بالاعتبار تحول حقل العلاقات الدولية وتطور وسائل التفاعل والتواصل بين الجماعات البشرية عبر الدول ومن وراء حدودها السياسية. وبالعكس تنظر الأطراف الاسلامية والقومية، بصرف النظر عن مضمون أفكارها والقومية التي تتعلق بها، عربية أو محلية، إلى مسألة الحفاظ على الاستقلال والسيادة، حتى عندما يتعلق الأمر بالمظاهر، نظرة خاصة وتطابق بينها وبين الدفاع عن الهوية، بقدر ما تنظر إلى الهوية من منظور الخصوصية وتجعل منها أساسا لتمييز الذات عن الآخر، لا التميز في دائرة حضارة واحدة. وتبدو قيم الاستقلال والسيادة هنا مرتبطة ارتباطا عضويا بالحفاظ على علامات التمايز الثقافية والدينية والابتعاد عن كل ما يمكن أن يشوش على هذا التمايز والتباين أو يضعف إرادة المقاومة الداخلية.
بهذا المعنى يشكل الحفاظ على الهوية والأصالة عند هؤلاء القيمة الأساسية والمعيار الذي ينبغي أن تخضع له قيم الديمقراطية والاندراج في الحضارة العصرية. فإذا كان الدفاع عن الهوية يستدعي الحد من الحريات أو تأجيل التفاهم مع الدول الصناعية أو الوقوف في وجهها، فلا مانع من الاستبداد ولا من القطيعة مع العالم الخارجي. وهذا ما يفسر الالتقاء المتزايد بين بقايا القوى ا لقومية العربية الكلاسيكية والقوى الاسلامية الجديدة، بعد أن دفع إخفاق الحركة القومية العربية في بناء وطن عربي قوي وحديث منظري هذه ا لقومية إلى الإنكفاء على عنصر الهوية والاستقلال كمرجع وحيد او رئيسي لها.
في هذا التنافس المستمر منذ عقود على إعادة بناء الوضع العربي والترتيبات الداخلية بين الأجندة الديمقراطية والأجندة القومية الاسلامية، أي بين أجندة سياسية الطابع وبالتالي علمانية وبين أجندة ايديولوجية ثقافوية، تظل القوى صاحبة الخيار السياسي هي الأضعف حتى الآن من دون نقاش. فإلى جانب أن الأجندة السياسية تواجه تحديات كبيرة ومصاعب لا تحصى بسبب التاريخ الطويل للاستبداد وما نجم عنه من تدهور وعي المواطنين السياسي وما يرافقه من استقالة سياسية وأخلاقية ومن ترسخ التفاهم بين الفئات الحاكمة وقوى الهيمنة الدولية، تغذي الحرب والضغوط المستمرة التي تمارسها الدول الكبرى اليوم على المجتمعات العربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الامريكية، في فلسطين والعراق وبقية بلدان المشرق العربي، مشاعر العداء للغرب وسياساته الاستعمارية. وهو ما يعزز قيم المقاومة ويضاعف من فرص قوى القومية الاسلامية، التي تراهن على تعبئة مشاعر المقاومة، لتعزيز مواقعها.
هذا ما يفسر الصعوبة التي تواجهها قوى الأجندة الديمقراطية في التقدم على الأرض بالرغم من تنامي الإجماع ضد الاستبداد والايمان المتزايد بالنماذج الديمقراطية حتى في أوساط الحركات الاسلامية والقومية. ومع استمرار السياسات الكارثية للتحالف الأطلسي في المنطقة، أي مع استمرار الحرب الكامنة أو المعلنة التي يشنها مباشرة أو بالوكالة على الشعوب العربية المشرقية، وتضاؤل الآمال بالمستقبل يزيد ميل الرأي العام إلى التكور على النفس والانكفاء والانغلاق، وربما أيضا التعايش مع نموذج الحكم الاستبدادي نفسه الذي ينشر نوعا من الأمان الكاذب، بما يخفيه من التناقضات الداخلية وما يقدمه من صورة الوحدة الجامعة التي توحي بالأمان والاطمئنان في وجه العدوان. فلا يوفر الاستبداد على كل فرد مواجهة مسؤولياتها الخاصة في الوصول إلى المأزق الراهن وفي تغييره فحسب بإلقائها على القيادة التي تحتكر كل المسؤوليات ولكنه يوفر للفرد إمكانية التماهي الآلي مع المجموع وبالتالي الهرب من القلق والمخاوف التي يثيرها التهديد الخارجي والعدوان. وكما يشكل الاستبداد مظهرا من مظاهر انسداد الآفاق وغياب الفرص التاريخية عند المجتمعات، تشكل الديمقراطية مظهرا من مظاهر تصاعد الآمال وفرص التقدم التاريخي والازدهار. بل هي تعبير عن الجانب السياسي والفكري والنفسي من هذا الازدهار والتقدم الشامل. ففي كل مرة تغيب فيها الفرص وتتضاءل الآمال تميل الجماعات، في كل مكان وزمان، إلى أن تدفن رأسها في رمال الاستقالة التاريخية والارتهان للطبيعة، وتنمو العصبيات القبلية والطائفية والاستبداد. وإذا لم تتغير السياسات الغربية المتعلقة بالمنطقة، ولم تنجح النخب العربية في بناء قوى فكرية وسياسية قادرة على تثبيت أقدام المجتمعات وإخراجها من الطريق المسدود الذي تعيش فيه منذ سنوات طويلة، فلن يكون هناك مخرج من الازمة، وسوف تغرق المنطقة لعقود قادمة في حروب داخلية وخارجية، طائفية واستراتيجية، من الصعب ضبطها أو التحكم بها أو إنهاؤها.

من هنا تقع مسؤوليات كبيرة في اعتقادي على المثقفين والنخب العربية في سبيل توضيح المفاهيم ورسم طريق الخروج من الأزمة الطاحنة التي تعيشها المجتمعات. تلك النخب المتمسكة بأجندة الحرب القومية الاستقلالية الاسلامية أو العروبية، والأخرى المنادية بالديمقراطية والدخول في عصر الحضارة العلمية والتقنية. ومن دون الوصول إلى تفاهم حول أجندة العمل للسنوات القادمة سوف تستمر الحرب السياسية الفكرية العربية داخل كل مجتمع وعلى مستوى المجتمعات العربية كافة، موازية للحرب الخارجية العربية الغربية، وبديلا عنها أحيانا، او مكملة لها. ولن نصل إلى أي نتيجة سوى استكمال دمار المجتمعات واستنزافها ماديا ومعنويا.
هل هناك بالفعل مقاومة أو ممانعة تشكل أساس ثورة قومية إسلامية ممكنة، تحفظ الهوية وتصون السيادة والاستقلال، بصرف النظر عن مسائل الديمقراطية والتحديث أو بالانفصال عنهما؟ وهل هناك إمكانية لبناء ديمقراطية ومشروع تحديث عربي وطني أو قومي، مع انعدام حد أدنى من هامش المبادرة والاستقلال والسيادة الإقليمية؟ باختصار كيف يمكن الجميع والتوفيق بين أجندة التحولات الديمقراطية وما تستدعيه من تفاهم مع القوى الدولية الكبرى التي تسيطر على مصادر العلم والتقنية والرأسمال والقوة الاستراتيجية في العالم، وأجندة الحفاظ على الهوية والسيادة والاستقلال مع استمرار التمزق والتشرذم والاقتتال الداخلي وغياب أي فاعلية ذاتية. في الاجابة على هذين السؤالين يكمن الحل والخروج من المأزق الجماعي التاريخي الذي نحن فيه.

mercredi, avril 12, 2006

عندما يتحول الإصلاح إلى ثورة اجتماعية

الإتحاد الإماراتية 12/4/2006
الإصلاح هو مبدأ السياسة الحديثة وقوامها. ولا يستمد حكم سياسي شرعيته إلا بقدر ما يظهر قدرته على بلورة برنامج للإصلاح والتحسين. فهو البديل الوحيد للثورة في حفظ التوازن والاستقرار، أي في تحقيق التغيير المنشود، لكن بالوسائل السلمية وبالطرق القانونية، وفي إطار الدستور والشرعية القائمين. فكل النظم التي لا تريد تعريض البلاد إلى الهزات والانفجارات مشدودة للإصلاح. وليست للسياسة وللسياسيين وظيفة فيها سوى العناية بالمجتمعات وتحسين عمل هياكلها ومؤسساتها ورفع مستوى كفاءتها وفعاليتها. لكن الإصلاح لا يحصل في الفراغ. والاختيارات ليست عشوائية أو ذاتية محضة. فالتغيير الذي يقصده الإصلاح لا يأخذ اسم الإصلاح، أو ينعكس بشكل إيجابي على عمل النظام المجتمعي، إلا بقدر ما يحقق الغايات الكبرى التي يحددها الاجتماع المدني لنفسه وتقوم عليها شرعيته، وبقدر ما يتفق مع القيم التي اتخذتها الجماعة المدنية كقاعدة لتنظيم سلوك أفرادها في الحياة اليومية. فالتغيير يصبح إصلاحاً إذا سار في اتجاه تحقيق النموذج المثالي (المفترض أو المتخيل للمجتمع الحديث أو الصالح أو الديمقراطي أو الوطني)، وإذا لم يتعارض أسلوب الوصول إليه أو إنجازه مع القيم المرتبطة بهذا النموذج نفسه. إن الإصلاح لا يوجد من دون ثقافة اجتماعية ومجتمعية تصبو إلى التحسين والارتقاء. ويعني الإصلاح اليوم عند جميع الشعوب المنخرطة في تاريخية واحدة هي تاريخية الحداثة، الوصول إلى نظم اجتماعية تعكس إرادة الشعب وتعتمد عليه وتوسع مشاركته في الشؤون العمومية وتحمله مسؤولياته الوطنية والخاصة، كما يعني الارتقاء بطريقة عمل النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية بما يمكن من تحقيق هذا الهدف، وزيادة قدرة الفرد على الاختيار، وبالتالي زيادة قدرته على المشاركة في تنظيم الحياة العمومية. وبالعكس، كل ما يعيق تحقيق هذا الهدف الذي يشكل غاية الاجتماع المدني ومبرر وجوده في العصر الحديث، أي جوهر السياسة أيضا، يمثل تراجعاً عن المكتسبات، وتدهوراً في نوعية الاجتماع المدني القائم، وتقهقراً نحو النظم التقليدية "البدائية" التي تحد من مشاركة الفرد في حياة مجتمعه العمومية، وتفصل بين المجتمع والسياسة، وتكرس سيطرة نخبة أرستقراطية مغلقة تفرض سلطتها بالقوة العارية أو بالاحتيال. من هنا لا تختلف أولويات الإصلاح من مجتمع لآخر. إن للإصلاح أجندة واحدة لكن ما يختلف من مجتمع لآخر هو برنامج الإصلاح، أي الطريق التي يسلكها كل مجتمع والوسائل التي يستخدمها في سبيل الوصول إلى الغاية الواحدة. وتختلف هذه الطريق وتلك الوسائل باختلاف الموارد البشرية والمادية واللامادية أيضا. ثم إن برنامج الإصلاح لا يصاغ في الفراغ وإنما في سياق نظام اجتماعي، بما يعنيه ذلك من اعتبار لتوازن القوى ونوعية النخب السائدة وموقعها ومكانها في عملية التنظيم الاجتماعي نفسها، وكفاءاتها المهنية. فليس الإصلاح نشاطا بسيطا أحادي الجانب. ولا يرتبط توسيع دائرة اختيار الفرد ومشاركته في الحياة العمومية بالشؤون السياسية فقط. إنه يستدعي أيضا، وكشرط له، التنمية الاقتصادية وما تشمله من زيادة فرص العمل والتأهيل المهني للأفراد، كما يستدعي تطوير وسائل التنمية الثقافية والعلمية، بما يمكن الأفراد من الاختيار ومن المشاركة العملية في الحياة العمومية. لكن مصطلح الإصلاح في سياق الثقافة السياسية العربية الراهنة اتخذ محتوى آخر. ولذلك عندما نتحدث في بلادنا عن إصلاح فنحن لا نقصد الارتقاء بأداء الرجال والأجهزة والمؤسسات القائمة، وبالتالي التفنن في إبداع مناهج وأساليب إدارة وتنظيم جديدة فحسب، وإنما عن أمر يشبه التطهير أو معالجة ما تخرب، بصورة متعمدة أو بسبب جهل النخب الحاكمة وانعدام شعورها بالمسؤولية، في المجتمعات. فالإصلاح عندنا هو نقيض الفساد ودواؤه. ويتغير مضمونه وسعته بحسب درجة الفساد القائم وحجمه والوسائل المطلوبة لمعالجته. فهو مرتبط ارتباطا عضويا به ولا يمكن أن يستقل عنه. ومن هنا، بقدر ما يشكل مفهوم الإصلاح نقيضا لمفهوم الثورة والانقلاب ويثير من حوله إجماع كافة تيارات الرأي في البلاد الديمقراطية، يظهر في أعين السلطات والرأي العام في البلاد العربية رديفا للتغيير الجذري، والانقلاب يشمل استبدال أنماط الحكم والممارسات السياسية والقانونية والعلاقات العدائية القائمة بين المجتمع والسلطة. لذلك تميل الحكومات العربية إلى التهرب من استخدامه وتفضل عليه، كما حصل في مشروع الإصلاح الذي تبنته الجامعة العربية عام 2004 ولم يرَ النور، مفهوما آخر، لا يوحي بفعل التغيير، ولا يشير إلى الفساد الدافع إليه، هو التطوير والتحديث، وهو من اختراع نظام عربي وضعه في التداول كي ينفي عن النظام القائم صفة الفساد أو الهرم والقدم، مؤكدا على صلاحيته على العموم، مع القبول بإجراء تعديلات معينة على بعض وظائفه وأداء رجاله. وما يبرر هذا الخوف من استخدام مصطلح الإصلاح واستبداله بمفهوم التطوير والتحديث هو أن الرأي العام الذي فقد إيمانه بالثورات، من دون أن تفقد هذه الثورات نفسها مبرر وجودها، قد وضع فيه ما يشبه الآمال الثورية ونظر إليه كوسيلة لقلب الأوضاع، ولو بطريقة سلمية، بقدر ما أصبح يرى في هذه الأوضاع تجسيداً لفساد شامل، لا يضرب جانباً من جوانب الحياة العامة بقدر ما يشكل نظاما اجتماعيا أو الروح المحركة لهذا النظام. فيبدو الإصلاح في العالم العربي عملية استئصال نظام هو الفساد نفسه لإحلال نظام آخر محله. ولعله لا يوجد اليوم في العالم رأي عام يطابق بين الإصلاح والانقلاب على المناهج وأساليب العمل السائدة، بقدر ما هو الحال في العالم العربي. ومن هنا يتساوى في الوعي العربي الراهن الإصلاح والثورة الشاملة. فهو ثورة اقتصادية تهدف إلى الانتقال من نظام توزيع الغنائم عبر تقسيم العوائد والريوع، إلى نظام اقتصادي قائم على مكافأة العمل المنتج والمبدع. وثورة سياسية ترمي إلى إخضاع سلطة الحكم الشخصية المطلقة والمزاجية أحياناً، وبالتالي غير الخاضعة لقانون أو محاسبة أو مساءلة، إلى سلطة مستندة إلى قواعد قانونية وسياسية مرعية، تضمن مشاركة الرأي العام في اتخاذ القرارات الوطنية. وثورة ثقافية وتعليمية تعمل على تغيير القيم والتوجهات والاستعدادات التي طبعت الفرد بالسلبية، وعززت لديه انعدام الثقة والعدوانية والانطواء على الذات، والتعلق الأحادي الجانب بالمصالح الخاصة، والاستهتار بالآخر وبالمصالح الجماعية، واستبدالها بقيم واستعدادات إيجابية قائمة على التفاهم والتعاون والتضامن، كما تعمل على إحلال مناهج التكوين والتأهيل والبحث العلمي التي انحسرت محل مناهج الاقتداء والحفظ الاجترارية. وهو ثورة إدارية تسعى إلى إعادة إخضاع البيروقراطية، التي تكونت كطبقة طفيلية، أو كعلقة على جسم الإدارة المدنية والعسكرية، لهدف خدمة المجتمعات، وإلزامها بتحقيق أغراض عمومية، وردعها عن استخدام مواقعها الاستثنائية، والسلطات والصلاحيات المخولة لها في سبيل خدمة مصالحها الذاتية فحسب. وهو ثورة قضائية تهدف إلى ضمان حد كبير من النزاهة في تطبيق القانون وتحرير العدالة من تبعيتها واستلابها للرشوة المادية والمعنوية. وهو أخيرا ثورة دستورية وقانونية ترمي إلى إعادة النظر بنماذج توزيع الصلاحيات والسلطات وممارستها على جميع المستويات، كما ترمي إلى إعادة إخضاع الدولة وأجهزتها لإرادة المجتمع وترتقي بالممارسة السياسية والمدنية إلى مستوى المعايير الدولية.

mardi, mars 28, 2006

غواية الطائفية في سورية والبلاد العربية

الاتحاد 29 مارس 06

بالرغم من المقاومة القوية التي أظهرتها الشعوب العربية لمشعلي الفتن الطائفية في السنوات الأخيرة، في العراق وغيره، إلا أن الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها أطراف متعددة، رسمية واهلية، من الخارج والداخل معا، تدفع بشكل متسارع نحو جعل المخرج الطائفي حتمية لا تقاوم في العديد من أقطار العالم العربي. بل إن هناك من بدأ يتحدث بصراحة عن مخاوف انجرار المنطقة برمتها إلى نزاع طائفي لن تكون نتيجته سوى الدمار المعمم. وشيئا فشيئا يكاد الرأي العام العربي يستسلم في بعض الأقطار، بل في أكثرها، لفكرة قبول النزاعات الطائفية كما لو كانت عاهة ولادية مرتبطة ببنية المجتمعات العربية وثقافتها.
والواقع ليس لهذا الانجرار وراء المخرج الطائفي أي علاقة بوجود تعددية دينية أو حتى حساسيات وحزازات قديمة بين الطوائف المتواجدة منذ قرون طويلة على الأرض نفسها. فكما يمكن أن تقود التعددية إلى التعايش المثمر والمثري والمبدع، كما أظهرت ذلك قرون طويلة من الحكم العربي، ليس في اسبانيا وحدها ولكن في بلاد المشرق جميعها، يمكن أن تقود أيضا إلى النزاع وتشريع القتل المأساوي على الهوية. وبعكس ما يعتقد الكثيرون، ليس لهذا النزاع علاقة بطبيعة العقائد ومضمونها واختلافاتها وإنما بالظروف التي تشرط حياة الجماعات وتحدد علاقات واحدتها بالأخرى. فمن الممكن أن تكون العقائد متباينة تماما بين الأطراف ويكون التعايش كبيرا في ما بينها، كما أن من الممكن أن يولد النزاع بين جماعات تنتمي إلى الأصول ذاتها ولها منظومات عقائد وأعراف وتقاليد واحدة، كما تبرهن على ذلك الصراعات التي غالبا ما تندلع داخل القبائل والعشائر والطوائف، بل والعائلات نفسها.
وهكذا، عندما عززت حقبة الاستقلال الانخراط في العالم الحديث وخلقت آمالا كبيرة بالتقدم والارتقاء لدى الجميع، وفي جميع المجالات، ولدت حركة وطنية وقومية واسعة وحدت بين جميع الاطراف ودفعت إلى تجاوز الانقسامات التاريخية الطائفية والأقوامية والاندماج في كل وطني حديث واحد. وبالعكس، يغذي الانسداد والجمود الذين تقود إليهما نظم متحجرة ولا إنسانية، وما ينجم عنهما من حرمان الجميع من فرص التقدم والارتقاء، شعورا عميقا بالاحباط والخوف وانعدام الثقة يشجع الجماعات والأفراد معا على التحلل من قيم التضامن الإنسانية وعلى القبول بجيمع الطرق والوسائل اللاأخلاقية للخروج مما يبدو وكأنه حالة حصار وموت محقق، بأي ثمن وعلى حساب الجماعات والأفراد الآخرين.
ومن هنا يشكل الخيار الطائفي، بالمعنى الديني والأقوامي معا، التعويض المباشر عن غياب الخيار السياسي، أي الجماعي الوطني. وطالما بدت شروط تحقيق هذا الخيار الأخير مفقودة أو مستحيلة التوليف، تنزع الجماعات إلى الحلول الانفرادية لعلها تجد لنفسها مخرجا لا أمل بايجاده مع الغير. فالطائفية هي رديف إعدام السياسة، والقضاء على روح التواصل والألفة، وتمجيد الوصولية والانتهازية والقائمتين على الأنانية، وانهيار مفهوم القانون، بما يعنيه من احترام الحق والعدل أمام استئثار العصبية العمياء التي تقوم على مبدأ نصرة الأخ ظالما أو مظلوما. وهذه الشروط هي ما تشهده العديد من الاوضاع العربية، حيث تشعر جميع الاطراف بأنها في بداية نفق مظلم طويل لا تعرف إذا كانت ستخرج منه أم لا.
وأول من يبدو عليه الضعف أمام إغواء الطائفية هي تلك النخب التي تحكم منذ عقود طويلة من دون مشاركة ولا قيود ولا التزامات واضحة، والتي تواجه اليوم استحقاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية كبيرة من دون أن يكون لديها أي فرصة لتلبيتها او الرد عليها، في الوقت الذي تخضع فيه لضغوط وتحديات خارجية استثنائية تهدد استقرارها وبقاءها نفسه. فهي محاصرة من الداخل والخارج وخائفة من السقوط والانهيار في أي لحظة. ولهذا يزداد الإغراء عند بعض قادتها بالهرب نحو التعبئة الطائفية، كدرع حماية، ووسيلة للعب على تناقضات المجتمعات، واستخدام فئاتها المختلفة وانقساماتها لدفعها إلى تحييد بعضها بعضا. فبقدر ما تسد هي نفسها باب الخيار السياسي، أي، اليوم، الديمقراطي، للخروج من الأزمة الوطنية الشاملة، وتدرك محدودة وسائل القمع التقليدي، تنزع هذه الجماعات المتسلطة إلى أن ترى في التعبئة الطائفية سلاحا مفيدا لخلط الاوراق من جديد، وإجهاض المجتمع من قواه الاحتجاجية النامية، لعلها تتمكن من الالتفاف على الاستحقاق التاريخي والخروج من الطريق المسدود الذي وضعت نفسها فيه.
لكن النخب الحاكمة أو بعضها ليست الطرف الوحيد الذي يمكن أن يجد في إحياء المنطق الطائفي مهربا إلى الأمام من مشاكله السياسية المستعصية على الحل. إن الضغط الذي تتعرض له قطاعات واسعة من المعارضة السياسية والمدنية في سبيل حرمانها من أي أمل في المشاركة في مصير وطنها بل في التعبير عن نفسها والتواصل مع الرأي العام بأي صورة من الصور، مهما كانت سلمية ومدنية، يهدد بأن يدفع بعض قواها الأكثر استعجالا والأقل حكمة إلى التفكير باستخدام الطائفية لفك عزلتها. وربما اعتقد قسم من أولئك الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين ضغوط الحياة اليومية المتزايدة ومراوغات السلطة وقهرها اللاإنساني واللاقانوني، أن بناء عصبية قوية تقف في مواجهة عصبية السلطة هو الطريق الوحيد المتبقية لفرض نفسه على النظام وانتزاع الاعتراف به من دون التعلق بالتدخلات الأجنبية. وحصل مثل هذا في الثمانينات من القرن الماضي وانتهى بكارثة إنسانية في حماة وبكارثة سياسية في سورية بأكملها.
بيد أن المجتمعات نفسها ليست محصنة ضد الاستخدامات الطائفية أيضا. وتدغدغ الطائفية مشاعر العديد من قطاعات الرأي العام التي تعيش في شروط حياة هشة وغير مستقرة وتكاد أن تنهار بين حصار النظم الحاكمة التي تخشى انفجارها فتفرض عليها حكما مطلقا يشلها عن التفكير والحركة، وحصار الرأي العام الدولي الذي يوحد بينها والارهاب ولا يكف عن استفزازها ووضع هوية مجتمعاتها الثقافية والدينية موضع الشك والسؤال. كما تشكل الظروف الصعبة التي تعيشها أغلبية السكان والضغوطات المستمرة التي تتعرض لها، وغياب أفق الحلول الجماعية والسياسية، أي الوطنية، تربة خصبة لنمو المشاعر السلبية عند الأفراد والجماعات، وتوجهها نحو الخيارات التصفوية التي تجعل كل منها تعتقد أنه لا حل لأزماتها المستفحلة والمديدة إلا بالتخلص من الآخر، بتحييده او إقصائه أو القضاء عليه والسطو على حقوقه وموارده. فالحرب الطائفية هي شكل من أشكال حروب التصفية والتطهير العرقية. ونحن مهددون بالانجراف أكثر فاكثر نحو حالة الاحتراب التي تميز المجتمعات الفقيرة والمعزولة والمحاصرة. فندرة الموارد وتصاعد الضغوط وغياب الأمل بالوصول إلى نهاية النفق بالطرق الطبيعية وفي وقت معقول، كل ذلك يشكل مصادر متضافرة قوية لتوليد المنازعات الدموية في كل المجتمعات والأزمان. وبقدر ما يصبح القتال أسلوب الانتاج الرئيسي للثروة والسلطة والجاه تبرز الحاجة إلى بناء العصبية، أي روح الطائفية التي تتغذي من أوهام القربى الدينية أو القبلية أو الثقافية، وتصبح بمثابة اللحمة التي تصهر الأفراد والمجموعات المتميزة في بوتقة واحدة. فلا تقوم الطائفية إلا بعنصرين: بعث الوهم بالمطابقة الكاملة أو التماهي بين أفراد مختلفين بالفعل والأصل رغم انتماءاتهم الدينية او القبلية، بحيث يذوب الفرد بالجماعة ولا يعيش إلا بها، ثم تأكيد الحق في العدوان باسم الدفاع عن الحقوق الجماعية للعصبية الواحدة في مواجهة العصبيات الأخرى. ولذلك مثلما لا تولد العصبية من دون النزاع أو خارج سياقه، لا يمكن للحرب الطائفية أن تندلع وتستمر إلا بقدر ما تنجح في إعادة صهر المجتمع في بوتقة العصبية، أي في إعادة خلقه كعصبيات متماثلة. وما منع هذه الحرب من الانتشار حتى الآن في بلدان كالعراق وسورية بالمقارنة مع لبنان، هو رفض المجتمع بأغلبيته المدنية الانخراط في سياسة العصبية هذه وسعيه إلى استيعاب النزاعات الطائفية من داخل المفاهيم والأطر السياسية. لكن هنا تكمن المشكلة بالضبط. فمع القضاء على مفاهيم السياسة المدنية وأطرها أو تفريغهما من معناهما، وتحت ضغط التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والسياسية والنفسية الراهن، أصبحت هذه المقاومة مهددة بالفعل.
والحال لا تشكل الحرب الطائفية، التي يصعب على أحد اليوم السيطرة عليها إذا اندلعت، مخرجا من أي مأزق قائم، لا مأزق الحكم ولا مازق المعارضة ولا مأزق المجتمع والرأي العام التائه والمتخبط. بالعكس، إنها تعمق ورطة الجميع وكل الأطراف. فهي لن تحرر النخب الحاكمة من مواجهة الاستحقاقات القادمة ولا توفر عليها الاعتراف بحقوق هذه المجتمعات والتزاماتها تجاهها، ومن باب أولى أن تمكنها من استعادة السيطرة عليها. كما أنها لن تعطي للمعارضة أي دفع جديد يساعدها على التغلب على الحصار المضروب من حولها. أما بالنسبة للمجتمع، فهي تقود حتما إلى الدمار العام بقدر ما تهدد وجود الدولة وتبدد موارد البلاد وتعريضها للتهديدات الخارجية. إن المستفيد الوحيد منها هي بالتحديد اسرائيل وشبكات المصالح المافيوزية نفسها التي قادت إلى إفلاس الدولة والسلطة، والتي لا تستطيع أن تنمو وتزدهر وتتحول إلى زعامات تاريخية إلا في مناخ الحروب والأزمات. وأصحابها الذين يحتقرون بالتعريف فكرة وجود التزامات جماعية وقيم تضامن إنسانية وحقوق سياسية وحريات فكرية ويفتقرون إلى أي شعور بالمسؤولية هم المعنيون الوحيدون بتغذيتها وتفجيرها.

في مخاطر إجهاض مشاريعنا الاصلاحية

الجزيرة نت 28 مارس 06

طرحت مسألة الاصلاح في العالم العربي منذ السبعينيات، على اثر اكتشاف العديد من الأوساط العربية حدود فعالية النماذج التنموية التي اتبعت في العقود الماضية. لكن باستثناء البرامج التقليدية المستمدة من توصيات بعض المؤسسات المالية الدولية والأفكار العامة عن الانفتاح الاقتصادي، الذي شكل أول تجربة إصلاحية عربية بعد سنوات طويلة من الانغلاق الاقتصادي والسياسات الحمائية القوية، لم تتبلور حتى وقت قريب أي رؤية شاملة لمعنى الاصلاح وأجندته ومهامه العملية. وبالرغم من أن سياسات الانفتاح لم تفض إلى نتائج ناجعة إلا أنها استمرت كما هي بسبب غياب أي بدائل نظرية أخرى. ولا تزال الأمور تسير من سيء إلى أسوأ مع تراجع متواصل في معظم الأقطار للحالة الاقتصادية والسياسية والمعنوية معا.
بدأت معالم الأزمة العميقة في النماذج القائمة منذ الثمانينيات نتيجة فشل سياسات الانفتاح الاقتصادي الأولى التي بدأت في مطلع السبعينات. وكان من نتيجة هذه الأزمة تفجر ما عرف في ذلك الوقت باسم ثورات الخبز. وقد شملت هذه الانتفاضات جميع الأقطار العربية الفقيرة نسبيا والتي كانت لا تزال تسمح بهامش بسيط من المبادرة الجمعية، من المغرب الأقصى حتى مصر. وذهب ضحية الانفجارات الشعبية هذه آلاف القتلى والجرحى. لكن السلطات نجحت في إعادة الأمن والاستقرار من جديد لقاء تعديلات محدودة في السياسات الاقتصادية، وفي مقدمتها الابقاء على دعم بعض السلع الأساسية وأهمها الخبز، والقليل من التنازلات السياسية الشكلية التي تلخصت في السماح بهامش ضعيف لنشاط بعض مجموعات المعارضة التي بقيت ممنوعة لفترة طويلة سابقة. لكن هذه الاصلاحات على محدوديتها ضمنت للنظم القائمة فترة تزيد عن العقد من الاستقرار النسبي، وما عناه ذلك من الاحتفاظ بأسس النظام الفاسدة من غير تغيير. وكان من نتيجة ذلك أن تفاقمت الأزمة بشكل أكبر وعادت للانفجار بصورة أقوى وأكثر شمولا، منذ بداية التسعينات، كما عبر عن ذلك انتشار حركات المعارضة المدنية، بالإضافة إلى ما سمي في حينه المد الاسلامي وما ارتبط به من ظواهر الاحتجاج التي اتخذت في بعض البلدان صورة التمرد الواسع على السلطة والنظام في سبيل إقامة نظم مغايرة تعتمد مرجعية مختلفة وشرعية إسلامية جديدة.

وقد أيقظت هذه الحروب والثورات الاحتجاجية قطاعات واسعة من الرأي العام العربي. كما أثارت الخوف في الدول الصناعية وعلى مصيرها، وهي التي تعتمد بشكل أساسي على النفط المصدر إليها من منطقة الشرق الأوسط. لكن رد فعل هذه الدول جاء خلال أكثر من عقد من الزمن في الاتجاه المعاكس للاصلاح. فقد دفعها الخوف من انتشار الحركات الاحتجاجية الدينية وسيطرتها على المنطقة إلى التماهي مع النخب العربية الحاكمة والوقوف وراءها في مواجهة حركات الاحتجاج تماما كما دفعها الخوف من الحركات القومية الشعبية التي انتشرت في الخمسينات والستينات إلى الوقوف إلى جانب الحكومات الاستبدادية الأوليغارشية. وهكذا بعد أن شهد عقد التسعينات الحروب الإقليمية المدمرة من فلسطين إلى العراق سوف تملأ فترة العقد العاشر من القرن نفسه الحروب الأهلية المعلنة أو الكامنة.
لكن الخلاف الذي نشأ بين المجموعة العربية والولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 ايلول 2001، ثم امتد بعد ذلك حول موضوع احتلال العراق عام 2003، قد ارتبط بحملة جديدة من الضغط في اتجاه الاصلاح قادته واشنطن قبل أن تعلن الدول الاوروبية الانضمام إليها والتكاتف معها في فرض أجندة جديدة على المنطقة العربية. فقد نشأ اعتقاد قوي على إثر تنامي حركات الاحتجاج الاسلامية وانتقال نشاطها إلى الخارج، بأن مواجهة الارهاب والعنف المتزايدين في المنطقة والعالم تستدعي القيام بإصلاحات بنيوية تقلل من الضغوط الاجتماعية وتوسع دائرة مشاركة النخب والطبقات الوسطى المهمشة أو المستبعدة تماما عن الحياة العمومية.
وقد التقت البرامج الاصلاحية الغربية المرتبطة بأجندة الحرب على الارهاب ببرامج إصلاحية محلية نمت وتطورت على أيدى النخب العربية التي جعلها تدهور الموقف العربي الخارجي وتعثر عملية النمو وتراجع شروط الحياة المادية والمعنوية بشكل خطير إلى قرع ناقوس الخطر وتبني برنامج إصلاح وطني عربي منذ بداية الألفية الثالثة، كما عبر عن ذلك برنامج التنمية الإنسانية الذي صدر تحت إشراف عدد كبير من المثقفين العرب في إطار برنامج الأمم المتحدة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
لكن، نجاح النخب الحاكمة في محاصرة قوى المجتمع المدني العربية ومنعها من التحول إلى محرك لحركة شعبية قوية حاملة لبرنامج الاصلاح، جعل الأجندة الاصلاحية الجديدة أسيرة أجندة الاستراتيجية الغربية. فقد صادرت قوى التحالف الأطلسي في الواقع قضية الاصلاح ووظفتها لحسابها وجعلت منها أداة للضغط على النظم القائمة لانتزاع اعترافها وموافقتها وتعاونها. ولأنها لا تملك أي استقلالية، بقيت الأجندة الاصلاحية تفتقر لبرامج تنفيذية حقيقية، وكان من الطبيعي أن تتقدم وتتراجع على حسب تقدم وتراجع التعاون التي تبديه هذه العاصمة أو تلك مع أهداف الاستراتيجية الامريكية الجديدة وبالوتيرة التي يحتاج إليها تحقيق هذه الاستراتيجية ونجاحها.
وكان من الطبيعي أن تتسم دعوة الاصلاح الخارجية هذه منذ البداية بتناقضات لا مخرج منها بسبب الاختلاط الواضح بين أجندتين لا يمكن التوفيق بينهما: أجندة الاصلاح الذي يستدعي انخراطا أكبر للمجتمعات في تقرير سياساتها المحلية وأجندة السيطرة العالمية والإقليمية التقليدية التي تقوم على حرمان هذه المجتمعات نفسها من أدوات السيادة الفعلية. فكما يمكن لدعوة الاصلاح أن تأتي إلى السلطة في البلدان العربية بقوى غير مؤيدة للتحالف الغربي وبالتالي مضرة بتأمين مصالحه الاستراتيجية، يمكن أيضا لتطبيق أجندة السيطرة الإقليمية للغرب أن تتعارض بقوة مع التغيير الديمقراطي أو مع أي تغيير يستدعي القبول بمخاطر متعددة، بما في ذلك الإخفاق في السيطرة على الموقف والسير نحو الفوضى أو الاقتتال الداخلي. ولذلك، في مقابل هذه المخاطر، ألحق برنامج الاصلاح بأولويات السيطرة الإقليمية ولم يعد هدفا في ذاته. وصار الضغط باسم الاصلاح الوسيلة التي تستغلها واشنطن لفرض التعاون على الدول العربية وإقناعها بضرورة التنسيق معها في سياستها الإقليمية الجديدة، خاصة في العراق. وقد نجحت عصا الاصلاح بالفعل في دفع العديد من العواصم العربية إلى التكيف مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والتخلي عن موقف المعارضة للحرب الذي اتخذته خشية من أن يقود إلى انقلاب الرأي العام عليها وتفجير أوضاعها الهشة.
ينبغي الاعتراف بأن مخاطر كبيرة تهدد اليوم دعوة الاصلاح التي انتشرت وتوسعت قاعدة المؤمنين بها في السنوات الخمس الماضية كما لم يحصل في أي حقبة سابقة في حجر المجتمعات العربية. فبالاضافة إلى أن الضغوط الخارجية من أجل الاصلاح قد مالت إلى الركود، لم تنجح المجتمعات المدنية العربية بعد في توليد قوى كافية من حيث الوعي والتنظيم لجعل إرادة الاصلاح حقيقة عملية وهدفا يصعب التراجع عنه. والواقع أنه لم يبق من الاصلاح الذي طالب به الرئيس الامريكي جورج بوش، خاصة السياسي منه، لكن الاقتصادي والقضائي والتشريعي أيضا، سوى ذكرى مريرة، وبعض ما نشر في السنوات الأربع الماضية من وثائق وتصريحات أمريكية وأوروبية حول ضرورات الاصلاح ومخططاته ومبادراته. وبصرف النظر عما بذلته قوى المجتمع المدني العربي من جهود فكرية وسياسية في سبيل الدفع بعجلة الاصلاح نحو الأمام، مستفيدة مما اعتقدت أنه شكل ظرفا خارجيا ملائما، ينبغي استغلاله، لم تحقق دعوة الاصلاح الجديدة أي نتائج واضحة بقدر ما فجرت من حولها صراعا حادا قسم الأوساط الثقافية والسياسية العربية معا ولا يزال يقسمها إلى اليوم. وحل محل العمل على إصلاح الواقع المأساوي للمجتمعات العربية نقاش لا نهاية له حول أولوية الاصلاح الداخلي أو الخارجي، الخصوصي أو العالمي، السياسي أو الاقتصادي، إلى آخر ما هنالك من تعارضات ممكنة ومحتملة.
وكما حصل في العقد الماضي أصبح هذا النقاش وسيلة للتغطية على الحاجة الماسة والمستعجلة للاصلاح، وذريعة لتأجيله إلى أجل غير مسمى. وهو ما يهدد بتمديد الوقت الضائع وفي أثره التقهقر المتواصل في شروط المعيشة الناجم عن استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي وتفاقم طواهر الفقر وتزايد معدلات البطالة وتدهور عمل الإدارة ومستويات التعليم وتوتر العلاقات الاجتماعية. ومما يعزز من احتمال انفجارات كبيرة قادمة التقاء هذا التقهقر المستمر في شروط المعيشة المادية والنفسية معا مع الاحباط العام والقلق المرتبط بتواتر الحروب والهزائم في فلسطين والعراق، وما تنشره من دمار مادي ومعنوي يمس منطقة المشرق العربي بشكل خاص، بعد أن انفصلت عنها الكتلة المغربية التي أدركت أن لديها فرصا أكبر في الالتحاق بالقاطرة العالمية والهرب من مصير التهميش الحتمي الذي يتجه نحوه المشرق العربي.
وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، من دون أن تستدرك القوى الداخلية الامر وتخرج بسرعة من حالة المراوحة في المكان، ومن حوار الطرشان السائد بين النظم القائمة والمعارضات السياسية والمدنية، فليس هناك أي شك في أننا سوف نخسر للمرة الثالثة فرصة ذهبية للاصلاح، باسم المفاضلة بين العوامل والضغوط الخارجية والداخلية. ولن تكون نتيجة ذلك سوى استفحال الازمة المجتمعية المتعددة الأشكال وإعداد مسرح الانفجارات القادمة الحافل بالنزاعات والتصفيات المتبادلة التي يقدم عراق ما بعد صدام نموذحا ماثلا عليها. وليس هذا من باب التكهنات، كما قد يعتقد البعض ممن يعيشون بقلوبهم وعقولهم خارج مجتمعاتهم ولا يتحسسون ما تعاني منه. فهذا بالضبط ما حصل في العقود الثلاث الماضية، عندما أدى فشل الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات إلى اندلاع ثورات الخبز وتفجر الانتفاضات الاجتماعية بعد أقل من عقد من الزمن. وهو ما حصل أيضا في التسعينيات مع انتشار العنف وتنامي حركات الاحتجاج الاسلامية وتهديدها لأسس النظم القائمة وتحديها لها، بعد أن نجحت النظم القائمة في الالتفاف ثانية على مطالب الإصلاح التي أعقبت انتفاضات الثمانينيات. ولا أعتقد أن هناك وسيلة لتجنب كارثة محتمة سوى العودة إلى النفس، والقبول بتحمل المسؤولية والتخلي عن المراهنات الوهمية على الإرادة الخارجية. وهذا التحدي مطروح على قوى المعارضة السياسية كما هو مطروح بالقدر نفسه على القوى الحاكمة أو الجزء الذي لا يزال حيا فيها، للعمل على الخروج من الحلقة المفرغة للتنازع على سلطة تتقوض أسسها يوما بعد يوم ومن ورائها أسس الحياة الجمعية ذاتها.

lundi, mars 27, 2006

مقابلة جريدة السفير 27-28 مارس : حول الداخل والخارج والمعارضة


النص الكامل للقاء الصحفي الذي أجراه أبي حسن مع برهان غليون
والذي نشر في السفير مجتزءا في 27-28 آذار الجاري تحت عنوان "الداخل والخارج إشكالية تخدم الحكومات"


*القرار 1559 ثم القرار 1664 , ما الذي ينتظر سوريا (نظاماً ومجتمعاً) بعد ؟وهل ثمة فسحة أمام النظام للمناورة؟

غليون
بالتأكيد كرس القراران وما تبعهما من أحداث في لبنان، وفي مقدمها اغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري، خسارة دمشق لسيطرتها على لبنان نهائيا وفرض عليها سحب قواتها العسكرية منه. لا يعني هذا أنها فقدت كل شيء في لبنان ولا أنها لم تعد تملك أي هامش للمبادرة هناك، أو في سورية والمنطقة عموما. فهي لا تزال تتمتع بأدوات عمل كثيرة نتيجة تحالفاتها السابقة ووجودها على الأرض في أكثر من مكان. ولا أعتقد أن نظاما يكرس كل جهوده وموارد البلاد التي يسيطر عليها لأهداف أمنية، بالمعنى الشائع للكلمة، أي لتوفير الحماية للنظام والدفاع عنه بكل الوسائل، العسكرية والسياسية والدعائية، يمكن أن يفقد نهائيا كل وسيلة للضغط أو للتهديد. ثم إن هشاشة الأوضاع العربية والإقليمية، من الناحية الأمنية الاستراتيجية والاجتماعية والسياسية، تقدم للنظام فرصا لا ينبغي الاستهانة بها للإبقاء على مثل هذا الهامش. ولم يعد خافيا على أحد اليوم أن الدول العربية المشرقية الرئيسية خائفة من عواقب انهيار النظام السوري وبذلت ولا تزال تبذل بالفعل جهودا استثنائية في سبيل مساعدته على الخروج من مأزقه، بالرغم من أنها ليست مستعدة أيضا للتعاون الايجابي معه. كما لم يعد خافيا على أحد أن إسرائيل التي تمتعت بجبهة شمالية هادئة طوال أكثر من ثلاثين عاما، بالرغم من احتلالها للجولان وتوسيعها رقعة الاستيطان الاستعماري فيه، لا مصلحة لها بارتكاب مخاطر تغيير النظام القائم على حدودها الشمالية وفتح ثغرات في منظوماتها الدفاعية الراهنة هي في غنى عنها.
وهذا يؤكد أن كل نظام من النظم القائمة في المشرق العربي يشكل ركنا من أركان نظام أمني وجيوسياسي واحد، هو نظام الشرق الأوسط لما بعد الناصرية، وهو النظام الذي قام على أنقاض النظام القومي العربي الذي ارتبط بالمد القومي الشعبي في الستينات، وهدف، منذ ذلك الوقت، إلى قطع الطريق على نشوء أي حركة عربية شعبية معادية للغرب، أو مهددة لمصالحه الاستراتيجية والحيوية: في تعزيز الاستيطان اليهودي في فلسطين وضمان تدفق النفط والحفاظ على التبعية الاستراتيجية للمنطقة بأكملها للدول الصناعية الغربية. وهذا هو الأصل في تطابق السياسات الإقليمية تجاه الشعوب واتفاقها على استبعادها من أي حياة سياسية وتهميش المجتمعات ومصادرة حقوق الأفراد وحرياتهم مما أصبح سمة مميزة لمنطقتنا. وما كان من الممكن لهذا النظام الشرق أوسطي أن يستمر من دون التفاهم الضمني، لكن المحترم بدقة من الجانبين، بين الأوليغارشيات العربية الحاكمة، التي لم يعد هناك ما يمنعها من تحويل البلاد إلى ممالك خاصة، والدول الصناعية الكبرى. وهذا ما يفسر أيضا طبيعة الأهداف التي وضعت لهذا النظام، والذي تعاونت جميع الأطراف المعنية على تحقيقها، من ضمان الاستقرار الإقليمي وعدم التشويش على إسرائيل وتأمين التدفق الطبيعي للنفط وقطع الطريق على أي احتمال في عودة الحركات الشعبية التي انتشرت في الخميسنيات والستينيات وهددت المصالح الغربية والاسرائيلية، بصرف النظر عن عقيدة هذه الحركات ومرجعياتها القومية أو الدينية. وقد كان تحقيق هذه الأهداف الدافع الوحيد للتساهل مع النظم التعسفية العربية والحفاظ عليها خلال العقود الأربعة الماضية. فجيمع هذه الأوليغارشيات شركاء مع الدول الأطلسية الغربية في سياسة واحدة.
لكن القول إن النظام السوري لم يفقد كليا هامش المناورة لا يعني أنه سيجد طريق الخلاص. فهو في طريق مسدود تماما، وإذا نجح في كسب بعض الوقت، فإنه لن ينجح في ايجاد أي حل للمشاكل المعقدة التي وضع فيها البلاد، والتي دخل هو نفسه فيها. ولن يفيده الوقت المكتسب بالمناورة الداخلية والخارجية في التغلب على الصعوبات التي يواجهها، ولكنه سيدفع به أكثر فأكثر إلى الغرق فيها، بقدر ما سيفاقم ضياع الوقت، وما يعنيه من التنامي المستمر في الفساد والتدهور السريع في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، في ظل العجز الواضح عن الاصلاح، من أزمة المجتمع والدولة ويعمق تفسخ النظام.

*معارضة الداخل ترفض التعامل مع الخارج . ما يخطر في البال : أليس ثمة تقاطع بين مصالح الداخل والخارج , كي لايرفض الداخل كل عروض الخارج؟

غليون:
الهدف من هذا التناقض المصطنع بين الداخل والخارج بناء قطيعة نفسية وسياسية كلية بين الشعوب العربية والمجتمعات الأخرى المتقدمة التي تزخر بموارد تضامن كبيرة معنوية ومادية. وترمي الأوساط العربية الحاكمة التي روجت لهذا التناقض إلى تعبئة مشاعر الخوف من الأجنبي والانطواء على النفس والتشكيك بكل ما يأتي من الخارج، واتهام من يختلط بأهله أو يتعامل معهم باللاوطنية حتى يمكن عزل المعارضات الديمقراطية والاستفراد بالشعب وتخليد السيطرة الأحادية عليه.
وفساد هذه الإشكالية ينبع من أنها تضع الخارج كله في سلة واحدة. التيارات الديمقراطية تميز بالمقابل، ومن واجبها أن تميز، بين خارج وخارج. فالخارج لا يعني بالضرورة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أو حكومات الدول الصناعية الغربية. ففي الحكومات ينبغي التمييز بين الحكومات والدول التي تحمل في سياساتها مشاريع استعمارية أو هيمنية وتلك التي لا تحملها وتتعامل مع الشعوب والمجتمعات الأخرى على قاعدة الندية والاحترام المتبادل للسيادة والمصالح المشتركة. وإذا كان من الضروري أن ترفض المعارضة الديمقراطية، في الداخل والخارج على حد سواء، سياسات الحكومات الأولى، وأن تتصدى لمشاريع هيمنتها الإقليمية والدولية معا، فهي مدعوة بالعكس إلى أن تعمق تفاهمها وتوسع دائرة تعاونها مع جميع القوى العالمية التي تدافع عن القيم الانسانية وتؤمن بأهمية بناء عالم جديد قائم على الندية والمساواة بين الشعوب واحترام الآخر.
ثم إن الخارج أو العالم لا يقتصر على الحكومات مهما كانت سياساتها ولكنه يضم أيضا الرأي العام والهيئات والمنظمات الدولية والجمعيات المدنية المدافعة عن حقوق الانسان وحريات المواطن، والتي يشكل وجودها تجسيدا لقيم التضامن الانساني النبيلة. وللعرب دور في إنشائها، ولهم حق في الحصول على دعمها. فمن يرفض مبدأ التضامن الذي تحمله هيئات إنسانية عالمية في مساعدتها للشعوب العربية يعني أنه يرفض مبدأ تضامن الشعوب العربية أيضا مع الشعوب المنكوبة، وبالتالي يدعو إلى خروج مجتمعاتنا عن مباديء الحق والعدل والانسانية.
باختصار، لا يمكن تغييب العالم كله وراء كلمة الخارج، ولا جعله مساويا ومكافئا لحكومة دولة واحدة أو مجموعة دول قليلة، مهما كانت درجة عدوانيته. وحتى في ما يتعلق بالحكومات غير الصديقة، نحن لا نعاديها من حيث هي ممثلة لمجتمع ودولة وإنما نعادي سياساتها وخياراتها الخاطئة، سواء ما تعلق منها ببلداننا أو بالبلدان الاخرى. فليس هناك أي سبب كي نفرض على أنفسنا العزلة والموت والاختناق مع جلادينا فقط لأنهم ينتمون إلى قوميتنا، ولا أن نغذي عند شعوبنا مشاعر اليأس والبؤس والعداء للعالم، اللهم إلا إذا لم يكن لدينا هدف آخر سوى الحفاظ بأي ثمن على سيطرة نظم سياسية أصبحت من مخلفات القرون الوسطى، لا تكتفي بتقييد الحريات فحسب ولكنها ترفض حتى الاعتراف بوجود شعوبها السياسي وتعاملها كما لو كانت أسرى حروب أبدية.
لا يمكن أن يكون هذا موقف القوى الديمقراطية. وهو ليس في مصلحة الشعب الذي ندافع عن قضاياه. إنه موقف النظم الأوليغارشية التي تهدف، من وراء عزل شعوبها وحرمانها من تضامن الرأي العام العالمي، إلى إخضاعها وإدامة سيطرتها عليها، وتحويل البلاد من أوطان إلى مزارع خصوصية، وتحويل الشعوب التي تعيش فيها إلى عبيد لا غاية لهم سوى تمجيد أصنامها البشرية.

لا يمكن للمعارضة إذن أن تضع نفسها في مثل هذا المأزق الذي وصفت، وأن تعتبر كل ما هو أجنبي استعماري وعدواني. وأعتقد أن لديها الحد الأدنى من الفهم والخبرة والذكاء حتى تميز بين ما هو في صالح وطنها وما هو ضد مصالحه، وأن تدرك أن من له مصلحة في جعل الخارج كتلة واحدة صماء معادية لسورية وشعبها، من دون تمييز، أو لا يمكن إلا أن تكون كذلك، هو من لا يريد للشعب السوري الحرية ولا التقدم ولا السيادة ولا الاستقلال، وإنما يسعى إلى تكريس التفاهم التاريخي بين الأوليغارشيات المحلية والخارج الاستعماري على حد سواء.
ولا أعتقد أن هناك شيئا تغير أو ينبغي أن يتغير في مواقفنا الوطنية التاريخية. فمثلما كنا دائما ضد الاستعمار والعدوان والهيمنة الأجنبية والظلم، سواء أجاء من طرف حكومات رسمية أو منظمات أهلية، ينبغي علينا أن نستمر في وقوفنا ضد سياسات القهر والظلم والعدوان، في الخارج والداخل، وضد جميع القوى التي تمارس هذه السياسات. وكما كنا نناشد القوى المحبة للعدل والسلام والحرية والاستقلال، في كل بقاع العالم، التضامن معنا والوقوف إلى جانب قضايانا العادلة، في فلسطين والعراق وغيرهما، فعلينا أن نعمل اليوم أيضا على توسيع دائرة التعاطف الدولي مع هذه القضايا الوطنية والديمقراطية نفسها. ولأننا لا ينبغي ولا يمكن أن نراهن في نزوعنا نحو الحرية على القوى الخارجية التي ساهمت، بسياساتها الخاطئة أو عن عمد، في جعلنا نرسف في أغلال الاستبداد خلال عقود طويلة، فنحن مدعوون إلى التحالف مع القوى الديمقراطية التي تتضامن معنا، وتقف إلى جانبنا في معاركنا ضد الاستعمار والعدوان والعنصرية والظلم. ولا يمكن أن نرفض تضامنهم معنا لأنهم من الأجانب. ولن نغذي الكره لهم ونشكك بنواياهم فقط لأنهم ليسوا من العرب أو لم يولدوا تحت سماء بلادنا.
بالعكس، تستدعي الأخلاق أن نشكر الغريب أكثر على مواقفه الانسانية وتضامنه معنا لأنه بالضبط ليس من أبناء جلتنا. وبالمقابل، ينبغي ألا نتساهل مع أبناء قومنا الذين تعمدوا الإساءة إلينا وضحوا بالمصالح الوطنية لحساب مصالحهم الخاصة، واستخدموا ولا يزالون يستخدمون مواقع المسؤولية التي تقلدوها لتجريدنا من حقوقنا، ولإخراجنا، ونحن داخل بلداننا، من جلنا ومجتمعنا وقومنا، ولتحويلنا إلى غرباء وأجانب في أوطاننا. فنحن لم نكافح ضد الاستعمار والاحتلال ونظم الوصاية والحماية والتبعية والاستغلال من أجل أن نستبدل نخبة استعمارية بيضاء بنخبة استعمارية لها لون بشرتنا ذاتها، مع الاحتفاظ بنظام الاحتلال والوصاية والحماية والتبعية والإذلال ذاته من دون تغيير. لقد ناضل أباءنا، بناة الاستقلال دفاعا، عن قيم الحرية والحق والقانون والعدالة والمساواة الانسانية. وكل من يقف في وجه هذه القيم أو يمنع تحقيقها هو عدو لنا، بصرف النظر عن نسبه وحسبه ولون بشرته أو مسقط رأسه.
لقد حان الوقت كي ندرك إن معركة الحرية لا تتجزأ، وهي معركة عالمية، ولا يمكن ربحها إلا بالتضامن بين جميع دعاة الحرية.

* ماهي الاحتمالات التي يمكن أن يلجأ إليها الأمريكيون والأوربيون إزاء تعاملهم مع النظام السوري؟

غليون:
لماذا تريدني أن أفكر محل الامريكيين وأنشغل بهمومهم. لديهم بالتأكيد خيارات عديدة وهم لا يتركون واحدا منها. ما يهمنا أنا وأنت، أي المواطنين جميعا، أو ما ينبغي أن يشغلنا، هو توسيع خيارات السوريين وقدراتهم على التعامل الفعال مع هذا الوضع الذي ينكر عليهم الوجود السياسي، أكثر من أي شعب يخضع للاحتلال، ويحرمهم حتى من حقهم في التعبير ويصادر حرياتهم وإرادتهم الوطنية ويفرض عليهم وصاية أبوية مطلقة من دون حدود ولا ضوابط أخلاقية أو سياسية.
لا تستفيد المعارضة السورية من المراهنة على القوى الاستعمارية التي كانت ولا تزال الحليف الحقيقي للنظم التعسفية في المنطقة، بالرغم من المنازعات المتفجرة بينها اليوم بسبب الخلاف في السياسات الإقليمية. وليس هناك ما يمنعها من الاتفاق من جديد والتفاهم على حساب الشعوب، كما حصل خلال الحقبة السابقة. فلا تسعى الولايات المتحدة إلى تطويع النظم وتحويلها إلى أداة في يدها إلا لإدراكها بأن افتقارها للشرعية وابتعادها عن القاعدة الشعبية لا يترك لها خيارا آخر، إذا أرادت البقاء والاستمرار، سوى الرهان على الغطاءات الخارجية، العربية والدولية.
لذلك لن تجد عربيا واحدا يأسف لانهيار السياسات المغامرة والاستعمارية التي دفعت بالمنطقة منذ عقود، وبشكل أكبر اليوم، نحو الأزمة الطاحنة التي تعيشها. لا ينبغي أن يفهم من ذلك كما ذكرت عداءا أعمى للدول الغربية وإنما رفضا للسياسات الخاطئة والضارة بمصالحنا الوطنية من أي طرف جاءت، وعلى قدر هذه الإساءة والضرر، حتى لو جاءت من طرف قوى سورية داخلية. ونحن نعتقد أن السياسات الغربية لا تزال خاطئة بالمطلق تجاه المنطقة، حتى لو أن بعضها بدأ يتلمس خطورة التحالف اللامشروع مع النظم التعسفية وممارسة سياسة إطلاق اليد في شعوبها تفعل فيها ما تشاء.
بالمقابل على المعارضة أن تراهن على الرأي العام السوري وتعمل في سبيل توعية هذا الرأي العام وتنظيمه حتى يتمكن من استعادة حرياته وحقوقه ويبني قواه الخاصة التي تسمح له بالدفاع عن هذه الحقوق والحريات. وهذا ما كنا نفعله منذ عقود عندما كنا نطالب الولايات المتحدة والدول الأوروبية أن تكف عن دعم نظام العنف والعسف وتحترم المباديء التي تعلنها هي نفسها حول احترام حقوق الانسان. والحال أنها هي التي دعمت هذه النظم التعسفية العربية وهي التي غطت ولا تزال تغطي على انتهاكاتها الصارخة لحقوق الانسان، باسم الاستقرار أو التحالف ضد القوى الوطنية العربية، ومكافأة لها على غض النظر عن مشاريع الاستيطان اليهودية والقبول العملي بها. وهذا هو الذي غذى العداء للغرب أيضا في وسط الجمهور العربي ودفع إلى مزيد من التقارب بين النظم التعسفية والاستراتيجيات الغربية.

* كيف يقرأ الدكتور غليون هذا الانتقال التدريجي في سوريا والمتمثل من دولة "الصمود والتصدي" إلى دولة "المواجهة" ثم دولة "الممانعة" وأخيراً دولة "الله حاميها"؟

غليون
قام النظام السياسي الراهن في ظروف انهيار حقيقي في المجتمع السياسي السوري، نخبا ومؤسسات، على أثر الانقسام العميق الذي أحدثته فيه النزاعات التي أعقبت اندلاع الثورة المصرية الوطنية والتأثير الطاغي للزعامة الكارزمية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وفي ما يشبه الغفلة من الزمن، نجح فريق صغير، وقليل الخبرة في تسيير شؤون الدولة والسياسة، في وضع يده على البلاد باستخدام الوسائل العسكرية. وحتى تحافظ النخبة الجديدة على تفوقها السياسي تجاه النخب الاخرى لم يكن امامها طريق آخر سوى تأبيد الظرف الاستثنائي، أي إلغاء الحياة السياسية من الجذور وفرض الأمر الواقع بالقوة. وهذا ما استدعى الإكثار من أجهزة الامن وتعميم نشاطها على كل ميادين الحياة الاجتماعية وحماية أعضائها من أي ملاحقات قانونية، مهما كانت نوعية الجرائم والخروقات التي ترتكبها. بذلك لم يعد هناك خيار آخر سوى التمديد التلقائي والدائم للوضع الاستثنائي القائم. وهو ما لا يزال قائما حتى اليوم.
لكن في غياب أي حياة سياسية، وبالتالي أي نقاش حول السياسات الداخلية الوطنية، السورية، لم يكن امام النظام من وسيلة لإضفاء الشرعية على الوضع اللاشرعي الذي أقامه سوى التمسك بخطاب القومية العربية الشعبي، بعد تفريغه بالكامل من محتواه. فإذا حذفنا من الخطاب القومي العربي الوحدة والحرية والاشتراكية، التي سارت ممارسة النخبة الجديدة الحاكمة بعكس ما تقتضيه تماما، لن يبقى شيء يسمح بالتقرب من القومية العربية سوى شعار الصمود والتصدي للهجمة الأجنبية. وهي في منظور الحكم القائم هجمة مستمرة ودائمة، لا تتغير ولا تتبدل ولا تتراجع أبدا، بالرغم من المقاومة والصمود والتصدي البطولي لجيش البعث وميليشياته الكثيرة. وهي كتنين الأسطورة، متعددة الرؤوس والاذرع والأشكال. فهي صهيونية أحيانا وأمبريالية أحيانا أخرى وحضارية غربية في مرحلة لاحقة، لكنها ذات هدف واحد لا يتبدل : القضاء على النظام في مرحلة أولى لسياسته التقدمية، والآن لسياساته القومية.
لا يهدف برنامج القومية الصمودية هذا إلى قطع الطريق على مناقشة أي برنامج وطني يتعلق بمشاكل المجتمع وأهدافه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ومعرفة ما تحقق منه فحسب، ولكنه، بتركيزه على الصمود والتصدي، يلغي أيضا أي إمكانية لمناقشة ما تحقق من البرنامج القومي العربي نفسه. وبقدر ما يطمس خطاب القومية الشعاراتية قضية المسؤولية السياسية، ويبرر ترك الامور سائبة على هوى المسؤولين ومصالحهم الشخصية في الشؤون الداخلية، فهو يسعى من خلال التعبئة النفسية القوموية إلى صرف النظر عن واقع أن الأراضي العربية المحتلة لا تزال تخضع للاحتلال والاستيطان، وأن موقفنا القومي لا يكف عن التقهقر، وأن مواقعنا تتساقط واحدها بعد الآخر، في فلسطين والعراق وموريتانيا والسودان والخليج وجميع المناطق العربية. لكن ذلك كله لا يهم، ليس المهم ما حققناه وما سوف نحققه أو ينبغي أن نحققه من أهداف قومية، ولكن ما لم ينجح الاستعمار بعد في انتزاعه منا: أعني الاعتراف بفشل سياساتنا ولا عقلانيتها. وهكذا يتحول صمودنا إلى عزاء لنا عن خسارة أهدافنا. ويصبح هو نفسه، من حيث هو عزاء، مصدر شرعية نظم الحكم واستمرارها، كنظم مفروضة، غير خاضعة لأي نوع من المحاسبة والمساءلة السياسية والقانونية والأخلاقية، أي من دون شروط، ومع كامل الحق في وضع اليد، بالمعنى القانوني للكملة، على جميع الموارد الوطنية.
أما شعار الصمود الجديد الذي يقول "سورية الله حاميها" فهو يحاول أن يغطي على واقع أن أحدا لم يعد يعتقد أن النظام ، على ما هو عليه من ترهل عسكري واستنزاف سياسي، قادر بالفعل على رفع شعار الصمود والتصدي. وهو يعكس إذن نوعا من التصدي في درجة الصفر، يعتذر فيه الحاكم سلفا عن عجز النظام عن حماية البلاد بالوسائل المادية المعروفة، ويعترف بأنه لا يملك وسيلة أخرى للاستمرار في المواجهة سوى التسليم للقدر الإلهي. المهم أنه لن يتخلى مهما حصل، حتى لو عنت المواجهة التضحية بأعظم المصالح الوطنية، عن شعار الصمود والممانعة هذا، الذي هو المبرر الوحيد لحرمان شعب بأكمله من حقوقه في المشاركة في تقرير مصيره، بل في مساءلة حكامه عن نتائج سياساتهم المستمرة منذ أربعة عقود من دون نتائج، إن لم نقل بنتائج كارثية. باختصار الصمود في الخارج كمبرر للصمود في الداخل، أي عدم القبول بأي تعديل للممارسة الواحدية للسلطة والقرار الوطني، هو البرنامج الحقيقي والوحيد للنظام، وهو ما يوفر عليه المساءلة في أي برنامج وطني أو قومي يتطلب تقديم نتائج عملية واضحة في ميادين الأمن والاستراتيجية الوطنية وفي الاقتصاد والسياسة والمجتمع والتقنية وغيرها من ميادين الإنجاز التي يتوقف على النجاح فيها استمرار أي نظام.

* سبق وان طالبت بـ (إعادة تأهيل الأنظمة العربية من قبل القوى الغربية) , يرى البعض أنك في مطلبك هذا تعترف بشرعية الأنظمة القائمة وتأمل إصلاحها عن طريق خارج ما . ألا يوجد خيار ثالث؟

غليون:
ما كتبته ليس هذا ولكن، بالعكس، أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تريد تغيير النظام وإنما تبحث عن تطويعه وتأهيله، مع بقية الأنظمة العربية، حتى ينسجم في أدائه مع أهدافها الاستراتيجية الجديدة المتركزة على امتصاص احتقان الرأي العام العربي، ومكافحة الإرهاب، وإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية بحيث تضمن العودة إلى الاستقرار، وتأمين مصالحها الحيوية في استمرار تدفق النفط من دون تهديد، والتوطين النهائي لاسرائيل الموسعة والاستيطانية، وإغلاق منطقة الشرق الأوسط امام المنافسين الآخرين من الدول الكبرى الصاعدة. ومشروع التطويع هذا يعني بالفعل أن الولايات المتحدة واوروبة، أي الكتلة الأطلسية، تعترفان بشرعية الانظمة أو على الأقل بفائدة الاحتفاظ بها طالما ليس هناك بديل أفضل منها يلبي مصالح الدول الصناعية. أما الخيار الثالث فقد كنت من أوائل من طرحه وتحدث عنه عندما كتبت، قبل احتلال العراق عن استحالة الاختيار بين الاستبداد والاستعمار، وضرورة العمل على بلورة طريق آخر يرفضهما معا. ولا يزال موقفي هذا لم يتغير وهو يصادف انتشارا وقبولا أكثر فأكثر.

* من أهداف المعارضة في الداخل تغيير النظام سلمياً . هل لدى المعارضة السورية , وبوضعها الراهن الإمكانات اللازمة كي تحل مكان النظام؟
غليون
ليس المطلوب أن تحل المعارضة، حتى لو كانت أكثر قوة وأعظم شأنا، مكان النظام. الذي سيحل مكانه هو الشعب نفسه. التغيير يعني في نظري إعادة السيادة إلى الشعب الذي انتزعت منه بالقوة وبتخليد السيطرة بالقوة العسكرية والأمنية. ولذلك ليس مهما أن تكون المعارضة الحالية ضعيفة، وسيكون من اللامنطقي أن تكون قوية في ظل نظام يحرم الشعب حتى من حق التعبير البسيط، ويحاصر عناصر المعارضة حتى في منازلهم الخاصة، وينغص عليهم حياتهم ويهدد كل من يخرج عن الخط بترسانة كاملة من العقوبات والإجراءات الاحترازية، بما في ذلك منعهم من التواصل في ما بينهم وحرمانهم من حق التنقل بحرية.
المعارضة القائمة اليوم لن تحكم ولا تريد أن تحكم. الشعب هو الذي سيختار ممثليه في انتخابات ديمقراطية نزيهة تحت إشراف لجنة وطنية نزيهة وبمشاركة منظمات مراقبة دولية. ومن دون ذلك لن يكون هناك تغيير. ذلك أن التغيير المقصود بالنظام هو تغيير قواعد تنصيب أصحاب المسؤولية السياسية والحاكمين لا تغيير أشخاصهم أو تبديل بعضهم ببعض، كما يفعل النظام الحالي عندما يعيد تشكيل الحكومات المتعاقبة. ولا يضير المعارضة أن لا يعني التغيير وصولها إلى الحكم إذا كان هدف إعادة السلطة إلى الشعب وتمكينه من اختيار ممثليه بحرية قد تحقق، حتى لو جاء ذلك على أيدي الحاكمين الحاليين أنفسهم أو بعضهم. لكن هذا للأسف مستبعد.
لكن، بالتأكيد إذا نجحت أحزاب ومنظمات المعارضة في نيل ثقة الشعب وحققت نتائج حاسمة في الانتخابات ستصبح في ذلك الوقت ممثلة للشعب وتحكم باسمه وتحت إشرافه.
الذين ينكرون على المعارضة حقها في العمل من أجل التغيير، بالرغم من ضعفها والحصار المضروب عليها والظروف المأساوية لعملها، يبررون التسليم والاستسلام لقانون القوة. وهم بالضرورة لا يرون المسألة من الزاوية التي تراها فيها المعارضة، أي كواجب للعمل على تغيير ميزان القوة لفتح آفاق التعددية والمشاركة الوطنية الجماعية، وإنما من زاوية ما فرضه النظام من نموذج للحكم قائم على احتكار القوة والسيطرة الأحادية، من دون أي اعتبار لإرادة الشعب ورأيه. من هذا المنظور الرسمي يصبح من الخطل بالفعل التفكير بأن معارضة صغيرة ومحاصرة ومحرومة من أي موارد مادية أو إعلامية يمكن أن تحل محل نظام مدجج بالأسلحة من رأسه حتى أخمص قدميه، يحتكر جميع موارد البلاد العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية والمدنية والثقافية.
لكن الاحتكار الواسع للموارد الذي يشكل مركز قوة النظام يبدو من منظور المعارضة، وهذا ما يدركه النظام اليوم نفسه، أكبر تعبير عن ضعفه السياسي العظيم. تماما كما أن ضعف المعارضة المادي لا يخفي منابع قوتها السياسية العميقة. فبقدر ما يبين رهان النظام الهائل على وسائل القهر والقمع والحصار افتقاره لتأييد الشعب وشكه في وجود مثل هذا التأييد، تبرهن ملاحقاته المستمرة لأعضاء المعارضة ومنعهم من الحديث مع الرأي العام وحرمانهم من أي وسيلة للتواصل والحركة أنهم يحظون بتأييد الشعب ورعايته، وهم بالتالي ممثلوه الحقيقيون.
باختصار، لا ينبغي على المعارضة أن تطمح إلى أن تحل محل النظام بالمعنى نفسه. فنحن لا نريد أن نستبدل نظاما شموليا بنظام شمولي آخر. إنما المطلوب منها أن تسعى، عن طريق عملها المتعدد الأشكال والتراكمي، إلى بعث الحياة السياسية السورية وإدخال أوسع القوى وقطاعات الرأي العام إلى ساحة العمل الوطني. وهؤلاء جميعا، أي الشعب بكامل قواه وتنظيماته وتياراته الفكرية والسياسية، هم الذين سيحلون محل النظام. ولا ينجح النظام في الاستمرار إلا بقدر ما يغيب هؤلاء.

أخيراً كيف تقرأ انشقاق عبد الحليم خدام , والى أي حد يمكن أن يضعف انشقاقه النظام فعلاً لا قولاً؟

غليون
كان الشعب السوري يتمنى أن يقوم الدكتور بشار الأسد هو نفسه بهذا الانشقاق عن النظام منذ خمس سنوات. بل لقد كان يراهن عليه للخروج بالبلاد من حالة القلق والتخبط والشك والفوضى التي أوصلتها إليها بيرقراطية خرقاء تجمع الجهل بتقاليد الإدارة وأساليب الحكم إلى شره السلطة والمال إلى انعدام الحس بالمسؤولية، الأخلاقية والسياسية، وتحكم منذ ما يقارب نصف قرن من دون حسيب ولا رقيب. وأنا متأكد أنه لو خطا هذه الخطوة وتخلى عن النظام المهتريء الذي خلفه له مرض والده في السنوات السابقة على وصوله إلى السلطة، لنال تأييد الشعب الكامل ولأصبح أكثر رئيس جمهورية شعبية وشهرة في تاريخ سورية الحديثة منذ تكوينها، لأنه كان سيوفر على بلده مخاطر وتحديات هي بغنى عنها، ويساعدها على الدخول بثقة وقدم قوية وثابتة في حياة عصرها، بعد تأخر مديد. لكنه أحيط منذ توليه الحكم، إن لم يكن قبله، بحاشية عائلية نهمة، وبموظفين صغار تنقصهم الرؤية والبصيرة والشجاعة، وبدعاة جعلوا من التمسح بالشعارات، والتغني بكل ما يصدر عن أصحاب السلطة والجاه، ورفعه إلى مستوى الكلام المنزل، وسيلتهم المثلى لنيل الحظوة والمحافظة على المصالح والامتيازات والمواقع الاستثنائية.
لقد حرم هؤلاء جميعا الشعب السوري من فرصة تاريخية للتغيير السلمي كما حرموا الرئيس الشاب أيضا من أن يصبح رمز المصالحة الوطنية وعودة حكم القانون إلى البلاد التي عانت طويلا من التعسف والظلم. وكانت وسيلتهم إلى ذلك المديح والإطراء والتكبير والتعظيم. ومما لا شك فيه أن تقديس الزعيم هو أقصر طريق لعزله عن شعبه ورفعه إلى مقام يصبح من المتعذر عليه التواصل مع أقرانه ومواطنيه أو الشعور بمشاعرهم أو القبول بأي فكر نقدي أو مخالف لما جرى عليه الأمر من تقاليد وبرتوكولات.
والواقع أن هذا العزل عن طريق الارتفاع فوق النقاش والنقد، والترفع على المجتمع بكافة فئاته وأفراده، من خبراء ومثقفين وسياسيين وإداريين، وتصوير أي تغيير، مهما كان بسيطا، على أنه حامل لمخاطر مصيرية على النظام، هما الطريق السهلة التي تستخدمها البيرقراطية الحاكمة حتى تحول القيادة السياسية إلى رهينة في يدها، وتحرف نظرها عن سيطرتها الشاملة على مقدرات البلاد، وتحافظ بالتالي على النظام الإقطاعي أو شبه الإقطاعي الذي يطلق يد كل صاحب منصب في موارد المؤسسة التي تخضع لأمره وطاعته. فالنظام هو قبل أي شيء آخر نظامها، وليس من الممكن أن تسمح بتغييره أو تعديله أو التخلي عنه.

في هذا السياق، لا شك أن انشقاق عبد الحليم خدام، نائب رئيس الجمهورية السابق والعضو في القيادتين القطرية والقومية للحزب منذ قيام النظام في السبعينات، شكل صدمة كبيرة لهذه الطبقة البيرقراطية التي اعتادت التضامن المطلق، والتستر المتبادل على تجاوزاتها ومباذلها، وإبراز التفاهم الكامل أمام الرأي العام السوري.
ولا شك أن تقلص حجم الموارد الموزعة أو القابلة للتوزيع، وزيادة الضغط الشعبي ضد الفساد، وتدهور الوضع السياسي والاستراتيجي للنظام، يفاقم من الانقسامات داخل صفوف هذه الطبقة، ويبشر بازدياد احتمالات انسحاب عناصر متزايدة وتخليها عن دعم النظام أو عن التماهي معه. ومهما كان الحال، تشكل الانشقاقات خطوة مهمة في إطار العمل على التفكيك السلمي للنظام، وتقليل تكاليف الانتقال نحو نظام التعددية والحكومة التمثيلية. ولا أستبعد أن يتحول انشقاق خدام إلى ظاهرة حتى لو لم يتم بالطريقة نفسها وبصورة علنية. فبالرغم من الهدوء النسبي المخيم مؤقتا، يدرك الكثيرون اليوم، وفي مقدمتهم الذين استفادوا من الوضع في العقود الماضية، أن الحفاظ على مصالحهم نفسها يتطلب كبح جماح السلطة المنفلتة من عقالها وإضفاء حد أدنى من العقلانية والمعايير السياسية على سلوك نظام يواجه تحديات مصيرية بأساليب أقل ما يقال فيها أنها مشكوك بفعاليتها ونجاعتها.
لكن، في نظري، لن يستطيع هؤلاء المنسحبون من النظام والمتخلون عنه أن يسترجعوا ثقة الرأي العام، وتعاونه من دون الاعتراف بمسؤولياتهم في التجاوزات التي حصلت، وتقديم تفسير لها واعتذار علني عنها. ولن يضعف هذا الاعتراف موقفهم ولكنه يشكل بالعكس برهانا لا بد منه على صدق تحولهم نحو الديمقراطية والتسليم للإرادة الشعبية بعد معاداتهما الطويلة، وربما مكن الكثيرين منهم من استعادة صدقيتهم أيضا.
إنما، ما هو أهم من ذلك، وما أدعو العقلاء في النظام إليه، هو أخذ مسألة الإصلاح بجدية، والدفع في اتجاه تكوين تيار معارضة إصلاحي داخل النظام نفسه، يستقطب البعثيين الشرفاء، الذين يعدون بعشرات الآلاف داخل الحزب والدولة، والذين أدركوا اليوم، مثلهم مثل بقية أبناء وطنهم، أن الاستمرار على طريق احتكار السلطة وتغييب الشعب وحكمه بالقوة وترويعه بإطلاق يد الأجهزة الأمنية، لن يفضي إلا إلى دمار البلاد. وأن المخرج الوحيد من الأزمة الوطنية المتفاقمة هو العمل مع أبناء وطنهم الآخرين المخلصين في سبيل الانتقال بسورية نحو مرحلة جديدة قائمة على مباديء احترام الفرد وحفظ كرامته وتطمينه على نفسه وأهله، والاحتكام للقانون، وتأكيد قاعدة تكافؤ الفرص والمساواة، ونبذ الطائفية المقيتة ومنطق الثأر، ورفض أي شكل من أشكال التمييز، دينيا كان أم سياسيا أم عقائديا أم أقواميا. وبتوحيد جهودهم حول برنامج وطني واضح للإصلاح، يمكن لهؤلاء أن يفتحوا الباب نحو حوار مثمر مع قوى المعارضة الديمقراطية في سبيل الوصول إلى تفاهم سياسي يجنب البلاد والشعب مخاطر التوترات والانقسامات الطائفية والأقوامية، التي تزيدها الأزمة المفتوحة اشتعالا، وتهدد بتحويلها بالفعل إلى نزاعات أهلية تتحكم بالحياة الوطنية ولا يمكن لأحد السيطرة عليها. وعلى هؤلاء المؤمنين فعلا بالاصلاح والتغيير داخل النظام، لكن المترددين أو اليائسين، تقع اليوم مسؤولية كبرى في تأكيد قدرة الشعب السوري على الارتفاع فوق خلافاته والنظر إلى الحاضر من وجهة نظر المستقبل لا بعيون الماضي.

mercredi, mars 22, 2006

بين العداء للخارج ورفض التدخلات الأجنبية

الاتحاد 22 مارس 06

في الصراع الدائر اليوم في معظم بلدان العالم العربي من أجل التغيير، برزت إشكالية العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية كما لم يحصل في أي تجربة تحول ديمقراطي من قبل. والسبب في بروز هذه الإشكالية هو الطبيعة الاستثنائية للتدخل الخارجي الذي تعرضت له بعض بلدان المنطقة، كما حصل في أفغانستان والعراق من جهة، والضعف الذي تعاني منه قوى التغيير الداخلي من جهة أخرى. فبقدر ما يشجع هذا الضعف على التطلع نحو مزيد من الدعم الخارجي لحركة الاصلاح يجعل النخب الحاكمة تدرك بشكل أكبر خطر الضغوط الخارجية، التي يدفعها الخوف من عواقب الانسدادات لطويلة الحاصلة، وما تخلفه من حصر وضغوط داخلية تهدد بالانفجار، إلى العمل لأول مرة لصالح التغيير، بعد أن عملت لعقود طويلة لصالح الاستقرار وتطمين النظم والقوى الحاكمة. وهكذا لم يكن من المستغرب ولا من غير المتوقع أن تعمد النخب العربية الرسمية إلى تركيز النقاش حول الاصلاح والتحول الديمقراطي حول مسألة الضغوط الخارجية، وأن تجعل من وقف هذه الضغوط ومن رفض قوى المعارضة التعامل معها قاعدة لاستراتيجية جديدة للحفاظ على الوضع القائم. فهي تأمل أن تضرب من خلال ذلك عصفوين بحجر واحدة: تحييد الضغوط الأجنبية عن طريق إثارة المشاعر الوطنية والقومية المعادية للتدخلات الأجنبية، وعزل قوى التغيير الداخلي عن حلفاء محتملين لها في مهمتها الصعبة من أجل تعديل موازين القوى والتأثير على مجريات الأحداث في ساحة عملها الوطنية. وبتحررها من الضغوط الخارجية والداخلية تستطيع السلطات القائمة أن تضبط مسيرة التغيير على رزنامتها الخاصة، أي بما يضمن لها إعادة تسويق نفسها في النظام العالمي الجديد والاندماج في السوق العالمية، من دون أن تضطر إلى تقديم تنازلات للمجتمعات. وهو ما يعني في الواقع ضمان قدرتها على الانتقال من نظام الاقتصاد المغلق إلى نظام السوق الجديدة، مع الاحتفاظ بالاحتكار الكامل لعوامل السلطة والثروة والمعرفة معا، وبالتالي لموقعها الاجتماعي المتميز والمتفوق، الذي حولها بالفعل إلى طبقة أرستقراطية.
ومن الواضح أن النخب الحاكمة قد نجحت إلى حد كبير، من خلال استغلال تمسك الرأي العام العربي الشديد بمباديء الاستقلال والسيادة ورفض الارتهان لمصالح أجنبية، في تحويل التدخلات والضغوط الخارجية إلى قميص عثمان، والاستفادة من التلويح به لتبرير الهرب من عملية التغيير والاصلاح. وهكذا جعلت منه أداة لابتزاز سياسي دائم يهدف إلى عزل قوى المعارضة الديمقراطية عن الخارج وحرمانها من إمكانات التضامن العالمية حتى يسهل عليها حصارها وانقيادها. واستخدمت المطابقة بين التدخلات الأجنبية وكل ما له علاقة بالخارج، وسيلة لإحداث قطيعة نفسية وسياسية كلية بين الشعوب العربية والمجتمعات الأخرى، ومنطلقا لتعبئة مشاعر عصبيوية بدائية ترفض أي تعاون خارجي، باسم خصوصية ثقافية تجمع بين التجريد المطلق والعبثية السياسية.
يشكل الخلط بين ما هو خارجي، مهما كان، وما هو أجنبي معاد وعدو، ووضعهما في سلة واحدة، خطأ فكريا وسياسيا كبيرا، على المدى المنظور والبعيد معا. فبتغذيته مشاعر الخوف واليأس والانطواء على النفس، وتشجيعه على التشكيك بكل ما يأتي من الخارج، واتهام من يختلط به أو يتعامل معه بالانتماء للأجنبي والانحراف عن الفكرة الوطنية، يهدد هذا الخلط قدرة المجتمعات العربية على التعامل مع العالم والنجاح في الدفاع عن مصالحها فيه. ولا يمكن لأي دولة ولا أي وطنية أن تعيش في هذا العالم مع الاحتفاظ بمثل هذا التعميم الفاسد ومن دون التميز بوضوح بين خارج وخارج. فإذا كان هذا الخارج مليء بالفعل بالقوى التي تتبع سياسات استعمارية، فهو غني أيضا بقطاعات واسعة من الرأي العام والهيئات والمنظمات الدولية التي تؤمن بقيم التضامن والحرية والعدالة والمساواة، وتدافع عن مباديء التعايش السلمي والتبادل المثري. وإلى جانب المنظمات والتحالفات العدوانية التي تطبق المعايير المزدوجة، هناك العديد من الهيئات والمنظمات المدنية التي تعنى بقضايا الشعوب الضعيفة والمضطهدة وتدافع عن حقوق الانسان وقيمها الأصيلة، التي يشكل ضربها أو التنكر لها خسارة إنسانية كبيرة. ولا نستطيع أن نطلب من العالم أن يقف إلى جانب قضايانا العادلة إذا كنا نرفض بالأصل هذه المباديء. وإذا لم يكن بوسعنا استيعاب مفهوم الحق في التضامن عندما يتعلق الأمر بدعم قضايانا فسيكون من الصعب علينا أن نمارس مثل هذا الحق إزاء الشعوب الأخرى المنكوبة التي تحتاج إلى مساعدتنا. وستكون النتيجة خروجنا نحن أنفسنا عن معايير الإنسانية التي نشكو من هدرها من قبل أعدائنا، وبالتالي خروج مجتمعاتنا عن مباديء الحق والعدل والانسانية.
وبالمثل، إذا لم يكن العالم أو الخارج مكونا من حكومات فحسب وإنما هو غني بالقوى والهيئات ذات الأهداف الإنسانية، فليس جميع الحكومات في العالم ذات نوايا عدوانية، لا تفكر إلا في حرمان الدول الضعيفة من السيادة ونزع الاستقلال عنها ونهب ثرواتها الباطنية. فإلى جانب الحكومات والدول التي تحمل في سياساتها مشاريع استعمارية أو هيمنية هناك حكومات ودول تسعى إلى تحقيق مصالح مشروعة وطبيعية وتنحو في تعاملها مع غيرها نحو الالتزام بقواعد قانونية تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة والمصالح المشتركة. وإذا كان من الضروري أن نرفض التعامل مع الحكومات الأولى، ونتصدى بكل ما أوتينا من قوة لمشاريع هيمنتها الإقليمية والدولية معا، فمن واجبنا بالمقابل أن نعمق تفاهمنا ونوسع دائرة تعاوننا مع جميع القوى العالمية التي تدافع عن القيم الانسانية التي نشارك فيها، والتي تؤمن بأهمية بناء عالم جديد قائم على الندية والمساواة بين الشعوب واحترام الآخر. وليس علينا أي حرج في أن نستفيد من تضامن تلك القوى، على مختلف أشكاله، وأن نشكل معها أيضا منظمات ومؤسسات لفرض القيم المشتركة والدفاع عنها على الساحة الإقليمية والدولية. وربما وجدنا في الخارج، أي في العالم، شركاء من الأطراف والقوى التي تدافع معنا، ضد مشاريع الهيمنة الاستعمارية التي تتعرض لها بلادنا، أكثر بكثير مما نستطيع أن نراهن عليه من قوى داخل بلداننا العربية نفسها، بل داخل أقطارنا، التي أفقرت سياسات التخريب والتفتيت والعزل والإضطهاد التي تمارس عليها علاقاتها الانسانية وتكاد تودي بما تبقى لها من قيم المدنية الحقيقية.
لا ينبغي أن نسمح للصراعات السياسية الداخلية أن تقودنا إلى حالة من الاحباط القومي التاريخي يهدد حاضر مجتمعاتنا ومستقبلها. فمن دون نظرة ايجابية للعالم نفقد نحن العرب، ذاتنا، كل معاني الانسانية، ونخرج كليا من دائرة السياسة والحياة الدولية، ونحكم على أنفسنا بالعيش في عزلة كلية، وفي ضائقة سياسية وفي حالة كفاف أخلاقية. ونهدد بأن نتحول، ونحول المجتمعات الأخرى التي نتعامل معها، في ذهننا أولا، ثم في الواقع فيما بعد، إلى وحوش تبحث عن فريستها في عالم أصبح كالغابة، لا روابط إنسانية فيه ولا قيم ولا مباديء ولا غايات ولا قواعد تجمع بين أطرافه.

mercredi, mars 01, 2006

وفاء الجولان

الاتحاد1 مارس 2006

" كنا دوما حذرين في طرح مواقفنا وآرائنا تجاه ما يجري في الوطن، من تغييب للحريات والديمقراطية والفساد وتغييب المواطن والمواطنية. لكننا أدركنا، وتحديدا بعد أن استشهد أحد رفاقنا، هايل أبو زيد، بعد قضاء عشرين عاما في الأسر، أدركنا عمق الصلة والارتباط بين فقداننا لحريتنا داخل الأسر وفقدان المواطن لحريته في الشام وعالمنا العربي عموما. نحن نرى اليوم هذه الأوطان سجونا ليست أقل من سجننا، فإذا كان سجننا المادي، والاحتلال في الجولان قسم العزل في هذا السجن الكبير، فإن أوطاننا العربية هي سجون تقتل كل إمكانية تحررنا من هذا العزل عن الوطن الأم. لقد أدركنا بأن أكبر توازن استراتيجي يمكن أن نحققه كدول عربية هو منح المواطن حريته وحقه في ممارسة الديمقراطية".
لم تأت هذه العبارات من فم أي زعيم معارضة يطمح إلى استلام السلطة أو يدافع عن حقه في تحمل مسؤوليته تجاه وطنه، ولا من قلم أي مثقف حريص على فهم أسباب عجز البلاد العربية عن مواجهة الاحتلالات الأجنبية، وإنما على لسان أحد شباب المقاومة العربية في الجولان السوري المحتل الذي لم يتجاوز العشرين من عمره إلا قليلا، في رسالة مهربة من السجن بعثها لي أحد زملائه الذين عانوا مثله سنوات السجن الطويلة. الأسير وئام محمود عماشة الذي كتب هذه الرسالة يقبع في سجون الاحتلال الاسرائيلي منذ سنوات، يشكو فيها من العزلة التي يعيشها شعب الجولان عن وطنه الأم، وتلك التي يعاني منها الأسرى السوريون الذين قضى بعضهم أكثر من عشرين عاما في السجن، متروكين لمصيرهم، من دون أي اهتمام يذكر، لا من قبل سلطات بلادهم ولا حتى من قبل الرأي العام. أو هكذا هم يشعرون على أية حال. دخل وئام السجن لأول مرة في السادسة عشر من عمره، وقبل أن ينهي السنوات الخمس من محكوميته عام 1999، أدين بعشرين سنة جديدة العام الماضي.
بهذه العبارات حسم وئام، من دون أن يدري ربما، نقاشا نظريا لا يزال دائرا منذ سنوات عديدة في العالم العربي يجعل فيه البعض من الدفاع عن الأوطان واستقلالها ذريعة للتساهل في احترام حقوق الأفراد ومصالحهم، وتأبيد العمل بقوانين الاستثناء والاحكام العرفية، بينما يحول البعض الآخر الدفاع عن هذه الحريات والحقوق إلى غاية تتجاوز مسائل الاستقلال والسيادة لأنها تشكل مصدر شرعيتهما أصلا. فقد اكتشف، في مأساة الجولان المحتل منذ 39 عاما من دون أي أفق واضح للخلاص، مأساة الوطن الأم نفسه، ومن وراء ذلك الترابط الذي لا ينفصم بين الوطنية، بما تعنيه من حرص على الاستقلال والسيادة والدفاع عن الأرض، والوطنية من حيث هي احترام حقوق المواطنين والدفاع عن حرياتهم الفردية وحقهم في المشاركة الديمقراطية. ومن الملفت أن يكتب وئام أن إدراكه لهذه العلاقة قد حصل مباشرة، كما ذكر في رسالته، بعد وفاة الشهيد هايل أبو زيد، الذي كان رمزا للكفاح البطولي لنخبة شباب الجولان، والتعبير الأنقى عن روح التضحية ونكران الذات التي ميزتهم منذ بداية الاحتلال، وبشكل خاص بعد إعلان إسرائيل قرار ضمه إليها عام 1982.
كيف يمكن لإنسان أن لا يرى هذه العلاقة البديهية، التي اكتشفها وئام بالتجربة المرة، بين حرية الوطن والحريات السياسية، وأن لا يدرك أن النظم التي تستهين بحقوق مواطنيها وحرياتهم وكرامتهم ليس لديها أي حافز للدفاع عنهم، ولا أي مبرر كي تضحي من اجلهم أو تبذل جهودا لإخراجهم من سجونهم. وكيف لها أن تشعر بما يشعر به الأسير من مهانة ومذلة واحتقار وانتقاص من الكرامة والإنسانية فتسرع إلى فك أسره في الوقت الذي تعتقد أنها لا تستطيع أن تستمر ولا مستقبل ممكنا لها من دون تحويل سجونها العديدة إلى أداة تأديب يومي ومدرسة لتصنيع العبودية.
سقط الجولان في الأسر، بسبب الخطأ في الحسابات الاستراتيجية والسياسية والمزاودات التي قادت إليها المنافسة على الزعامة بين النخب العربية. لكن إذا كان سقوطه هذا قد نجم عن أخطاء فادحة في الاعداد والتخطيط والتدريب والتقدير والقيادة، فإن العجز عن تحريره، بالطرق العسكرية أو السياسية أو بكلاهما، خلال العقود الطويلة الماضية، كان ولا يزال ثمرة الابتعاد المتزايد عن الالتزامات والحسابات الوطنية، والاستسلام لهوى السلطة ومنافعها وأوهامها. واستمر تحت الاحتلال لأن الدفاع عن المصالح الخاصة وتوسيع دائرتها، على حساب المصالح العليا والجماعية، قد تحولا إلى محور السياسة "الوطنية"، أو بالأحرى لأنهما حلا محلها، وأرجآ مسألة استرجاع الجولان إلى احتمالات تحولات مستقبلية خارجة عن أي سيطرة وطنية. وأكثر فأكثر تغيب صورة الجولان عن الوعي الفردي والجمعي أمام ضغط المشاكل الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية اليومية، وتخبو مع انفراط عقد الوطنية الذي يواكب تغييب المجتمع وردعه عن الاهتمام بشؤونه العمومية. هكذا لم يسقط موضوع استرجاع الأراضي المحتلة من أجندة السلطة الرسمية وعقيدتها فحسب، ولكنه سقط أيضا من أجندة الرأي العام نفسه، بقدر ما أحيل هذا الرأي إلى آراء شخصية وأفرغ من محتواه العمومي لصالح استراتيجيات الحفاظ على البقاء الفردية والعائلية والعشائرية، المتباينة والمتناقضة والمتضاربة. فلم يعد التحرير اليوم بندا حقيقيا في جدول أعمال أي برنامج رسمي أو معارض، بل ولا حتى بندا في الأجندة السياسية. فالجولان قضية مؤجلة اليوم بالنسبة للجميع، بانتظار أن تحل المسائل الأخرى التي تحتل ساحة الوعي والصراع السياسي الداخلي والإقليمي. وهي تبدو مؤجلة أكثر اليوم بقدر ما يشعر النظام أنه دخل في معركة تقرير مصيره والحفاظ على بقائه، وبقدر ما تشعر المعارضة أيضا أن كسب الرأي العام لصالحها ضد النظام القائم يتوقف على حسم معركة التغيير السياسي وإقامة نظام ديمقراطي يمثل جميع الفئات والتيارات ويعيد بناء العقد الوطني المنحل.
هذا هو الوضع الذي أحبط أسرى الجولان كما أحبط شعبه الذي ينتظر منذ عقود عودته إلى وطنه الأم ومشاركته في الحياة الوطنية. وهذا هو الوضع الذي دفع بأسرى الجولان إلى الانتقال مع بقية أبناء وطنهم إلى موقف المعارضة، واعتبار الوصول إلى ضمان الحريات والحقوق الأساسية لكل فرد هو الطريق الحتمية نحو تحرير الجولان وضمان الحقوق الوطنية لسكانه. ومن دون ذلك، كما يعتقد أهل الجولان، لن تخرج قضية الجولان المحتل من حالة الإهمال والتجاهل ولن تعود لتشكل أولوية في قائمة جدول أعمال الحكومات المتعاقبة. وإذا كان أهل الجولان قد رموا بأنفسهم في المعركة من أجل الديمقراطية فلأنهم أدركوا، مثلهم مثل باقي مواطنيهم، أن مصير الجولان لن يحسم لصالح عودته إلى الوطن الأم ما لم يحسم النزاع السياسي والاجتماعي الداخلي، الذي ارتهنت له السياسة السورية منذ أحداث 1980 الكارثية، لصالح حكم ديمقراطي يمثل المجتمع السوري بأكمله ويلغي احتكار السلطة ويعيد تأسيس الوطنية السورية وأحياء روح المواطنية المتكافئة، على قواعد العدل والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية.

samedi, février 25, 2006

GLOBALIZATION AND DEMOCRACY

by Burhan Ghalioun

Printable Version

Before the widespread use of the term Globalization, and following the end of the Cold War, the field of international relations was briefly dominated by the short-lived concept of a New World Order. Fashioned in stages, this concept initially described a new economic world order sought mainly by developing countries during the 1970’s. Late Algerian president Houari Boumedienne offered a notable defense of the concept in his historic 1974 address at the United Nations’ General Assembly when he spoke in the name of all nations aspiring toward industrial development.
The concept later shifted to the domain of international information relations, becoming known as the new information world order. This was also instrumental to developing nations attempting partake in forming information and disseminating news internationally. Former director of UNESCO Amadou M’Baw, an active supporter of such broader participation, made this a pivotal issue during his term in office.The concept of a new economic world order vocalized the Third World protests of the unjust distribution of wealth among nations and prodded leading industrial nations to recognize the gravity of the prevalent inequality and to subsequently desist from actively attempting to the lower prices of poorer nations’ raw exports. Similarly the concept of a new information world order, defended vigorously by UNESCO in the 1980’s during a wave of hope in the Third World that economic, political and cultural liberalization could curb the monopoly of news agencies controlled by industrialized nations, brought forth new challenges to directing and providing information for the world over.
These successive waves of protest by poor nations against the prevalent world orders instigated the industrialized nations to respond with their own economic and military solidarity, building an exclusive alliance within the framework of NATO. The United States vehemently refused any re-working of the then-dominant order of international relations and labeled the effort to build a new information world order as another Communist conspiracy to censor and control free speech and free press. In protest, the United States withdrew from UNESCO and exerted substantial pressure on Amadou M’Baw to resign. This radical secession by the United States, along with a general reluctance by other industrial nations to reconsider the current situation, quickly dashed any hopes of opening international and multi-lateral negotiations on issues vital to all of humanity. Such censure of any debates on development, the exchange of knowledge, technical expertise or the redistribution of wealth and resources deeply undermined the validity of a world order as a conceptual framework open to research and questioning.
Nevertheless, the concept of a world order was quickly revived and energetically injected into the domain of international relations, this time in a stronger position than before. For following the end of the Cold War and in tandem with the Western coalition’s war against Iraq in the early 1990’s, the concept once again took center stage, donning, however, a new appearance and claiming a new content.Shifting from economic and information issues to political and geo-political ones, the concept, now refurbished, became a device employed by the industrial nations to exert pressure on developing nations, rather than the other way round. In the wake of Iraq’s invasion of Kuwait this new world order, proclaimed by President George Bush following French President Francois Mitterrand, meant not a redistribution of wealth and capital -- be it financial, technological or informational -- but rather an implementation of the so-called rules of international law which prohibited nations from attacking each other.In practical terms, this new world order no longer worked for change, but rather for fixing and stabilizing the existing political and geo-political situation. By controlling the UN Security Council -- whose decision are considered the foundation of international law -- the powerful nations actually controlled and inhibited any political or geo-political change that could have erupted in response to the preceding period. The wealthy industrial nations now could claim themselves as the guardians of a New World Order and the guarantors of international stability.
Around the same time, it was also argued that with the end of the Cold War, this New World Order would open new horizons for a world now safely guided by the United States and other powerful industrial nations. By halting the arms race, it was claimed, a surplus of capital could now be redirected toward developmental projects across the globe, especially for poorer nations. It was also argued that the end of the Cold War would result in the spread of democracy, as tensions in international relations were reduced and the illusions once vested into totalitarian regimes disappeared.
But hopes in this New World Order were short lived. The industrial nations did not increase assistance to poor nations, nor did they coordinate their efforts to help face the pressing needs of the poor. Democracy did not spread, and international law was not implemented. On the contrary, the advent of Bush’s New World Order saw the spread of ethnic and internecine wars in many poor nations, as the more affluent nations continued to vie ever-more greedily for larger shares in Third World markets, partially in an attempt to assuage the rise of unemployment within their own societies. It also became quite clear that no uniform standard was applied in implementing the so-called international law. All this lead the many critics of the industrial nations to depict such biased policies not as a New World Order, but rather as a system of Neo-Colonialism.
And so, gradually, the deployment of the term Globalization gained currency, initially limited to specific circles and domains, but eventually replacing the concept of a New World Order. The term Globalization was alleged to provide a conceptual framework with which to understand the domain of international relations in its constant permutations under a barrage of new information techniques and technologies. But once again, the same issues of importance to poor and developing nations returned: Will Globalization present greater opportunities for economic and social development and thus lead to democracy?
The second part of the question was and remains a matter of debate, resulting in two camps, broadly-speaking. The first side argues that the more Globalization lessens the grip of the nation-state on cultural and communicational arenas, reduces its capacity to maintain a strong base of political clients and connects internal development to the global market, the more it will increase the likelihood of democratic change in the Third World.
The other side, upheld by a wide spectrum of movements critical of Globalization and coming from a tradition of Marxist, leftist and critical thought, tends to argue the opposite position. As Hans-Peter Martin and Harald Schumann, authors of The Global Trap, contend in what has become a reference on the subject, Globalization constitutes the largest threat to democratic systems, not only for the developing nations but also for nations with a long tradition of democracy, namely industrial nations.
Their argument is that as the logic of a globalized economy -- namely the total search for the greatest profit -- spreads through society, the principle of political sovereignty loses its essence and its capacity to act. Political sovereignty is then reduced, according to the authors, to a mere stage upon which stands a crowd of alienated people as the state, caught in the trap of Globalization, capitulates its democratic legitimacy. Authority is then held by a minority, consisting of international speculators, business men, international mafias and multinational corporations, who in turn monopolize international markets and impose their policies on national governments. Briefly said, succumbing to the logic of international economy empties democracy of its essence and surrenders authority to the narrow interests of businessmen. Democracy requires not only the legality of the state, but also an ethic of liberty. Successful democracy includes a variety of political and social balances constantly checked by political parties, syndicates and other coalitions from civil society, as well as a minimum amount of solidarity and a fair distribution of wealth and resources. All this cannot be accomplished under the dire consequences of globalization, like the marginalization of the public and increased unemployment.
And so the question returns: Does Globalization offer the hope of a better future for democracy, or is it, rather, a major threat to democracy? Those who subscribe to the first point of view argue, firstly, that the leading democratic nations do actually seek a democratization of developing nations. For it is through such a process that these nations can promote and disseminate their own socio-political model, along with their values concerning individual freedom. They argue, secondly, that market capitalism, already dominant the world over, requires a similar and reciprocal political market based on the principles of competition among the individuals of the social elite. All of which means, they claim, that as the spread of economic liberalization promoting the West's influence and control of world resources increases, so will the odds of anchoring democracy in developing nations.
And yet, one could argue in response that there are no historical or logical reasons to support these assumptions. For although democratic nations, allegedly worried by the hegemony of totalitarian, fascist and communist regimes, speak often of spreading democracy, there is nevertheless no reason to believe that they are willing to prioritize such political ideals when dealing with other nations. For all nations, whether big or small, poor or powerful, do not base their politics on acts of good-will, or the development of living conditions, or the just governance of other nations, but rather on the basis of their own strategic and economic interests.
Moreover, after the demise of the largest totalitarian regimes, there are no longer any serious and extant threats to the current democracies and their interests which could have been used to justify an organized response. Rather, the maintaining of weak, unpopular and authoritative regimes which can easily be guided and manipulated is much more lucrative to powerful nations than the presence of real democracies; especially as such political systems cannot but reflect and express the longing of Third World populations for international justice, development and equal participation in world politics.
The 20th century abounds in unfortunate examples of how modernizing projects in developing nations -- whether successful or not -- seldom accomplish capital growth within the framework of international competition without implementing harsh measures to maintain low wages. For here in the Third World, economic liberalization undeniably requires an usurping of political authority. This is still evident today among the so-called "Asian tigers and dragons" like China and in any other nation seeking expedient capital accumulation in the current age. The epoch of concordance between the system of economic freedom and the system of political freedom is long past. And yet the major world powers show no compunction when painting a veneer of democracy and cultural diversity over what are essentially authoritative and repressive regimes -- regimes ruled by a small minority of agents who depend on outside forces and outside intelligence agencies to maintain stability and order. This beautifying veneer, which hides a rule of brutality, has become a necessary component of the now dominant world order, as it is also a specious requirement for gaining international legitimacy.
However one should not, as many critics do – making them correct only in principle -- apply suppositions valid for industrial nations on developing nations. For even if Globalization does threaten democracies in industrial nations, this does not necessarily mean that it threatens developing nations in equal or similar terms. True, Globalization threatens democracy in industrial nations, as it tends to destroy those spaces once open to freedom for both political activity and civil society -- and indeed democracy created these individual and societal spaces. Yet Globalization does not constitute the same threat to societies which never witnessed such spaces of freedom, let alone democracy. In such societies, Globalization is bound to damage some of the fortresses of the state that imprison much of society. In such cases Globalization would actually promote the creation of different and newer spaces, slightly less likely to be subjugated by the apparatuses of censorship, control and group punishment.
Therefore it is incorrect to simply state that the effects of Globalization on democratic systems and authoritarian regimes are one and the same. Nor is it correct to reductively claim that Globalization is marching along, with all societies, toward democracy. Rather, Globalization -- regardless of the nature of the society -- has two contradictory impacts: In dismantling the nation, Globalization shakes the foundations of the ethics of liberty and the state's legality as it encourages systems of social, racial, religious and sectarian discrimination. Also, through increased polarization it destroys social, political and national accountability as it entrenches instability and tension within societies. Moreover, by centralizing wealth and resources in the hands of a few, and within a limited number of locales, it stops the economy from growing in tandem with demographic changes and deepens the chasm that separates North from South, leading to increased unemployment, or even famine.
And yet, by opening up national spaces -- internally by breaking the monopoly of a system of political feudalism, and externally by connecting formerly separate spaces to each other -- Globalization promotes a unification of standards. This creates a shared world consciousness of the challenges facing humanity. In other words, it deepens the democratic consciousness, making democracy a common reference for all inhabitants of the earth. Moreover, Globalization gradually allows for the construction of an unprecedented network of international solidarity from which common solutions to common problems can be fashioned. The obvious discrepancy lies in the fact that Globalization promotes the demands of an international democracy, while it weakens the objective conditions for establishing viable national democratic systems.
What prevails is a Globalizing democracy that functions in different registers and on different levels, and possibly transforms the classical concept of individual freedom into an illusion. Therefore, the effect of Globalization is contingent on the nature of the effected societies. Globalization can rattle the old authoritarian regimes, as it can destabilize the classical democratic systems. And although we will continue to witness oligarchic regimes employing a merely executive and formal democracy, the contradictions will continue to loom larger, thus digging an unbridgeable gap between the high principles of democracy and the prevalent dysfunctional realities. These situations will necessarily lead to changes within the system of Globalization itself. For Globalization does not, in fact, increase or inhibit the chances for democracy. Rather, it undoes the foundations upon which the classical concepts of democracy were erected. Therefore it will no longer be possible to reconstruct democracy without an international perspective, one that surpasses the limited national/ethnic principle which once permitted the social solidarity with which national democracies were built. And yet, we ask again: Will globalization allow the building of coalitions among international, political and social groups capable of accomplishing an international solidarity, and thus a surge of national democracies?
The answer is affirmative. For in as much as the now dominant system of liberal Globalization promotes the destruction of democratic structures and disseminates chaos in international and social relations, it will also exacerbate and instigate various movements of protest. It will give birth to various forces able to resist the dominant order -- but only as long as they can construct a strategy for an international alliance able to regain the values of democracy in tangible and actual reality.
The future of democracy in the globalized world, and with it the future of human societies, hinges on the outcome of the struggle between two forces. There are those who put politics and society -- i.e. the logic of humanity and solidarity -- at the top of their political agenda and look beyond national borders for solidarity. And there are those forces which deploy the logic and priorities of economic expansion, undermining the relevance of the nation state, dismantling the structure of society and promoting the monopolies of financial agglomerations and the few sham governments that collaborate with them for the sake of expedient profits.
Building an international democracy will not come about without the tenacity to face this conflict based on the gradual accumulation of the successes of international solidarity movements. Only such a diligent resistance can control the unchecked flow of globalized capital and redirect it away from the logic of unrestrained market competition and into the logic of a human society founded on the primacy of an ethics of solidarity, cooperation and concordance.
Translated by Walid Sadek, Beirut

#Burhan Ghalioun is presently the Director of the Centre d’Etudes sur l’Orient Contemporain (CEOC) in Paris and a Professor of Political Sociology at the Universite de Paris III (Sorbonne Nouvelle). He obtained his Ph.D. in Political Science from the Sorbonne. He is the author of several authoritative books, such as Le Malaise Arabe: l’Etat contre la Nation; Islam et Politique: la Modernite Trahie; Crise de la Politique: l’Etat et la Religion and La Culture Arabe: Entre Modernisme et Traditionalisme; as well as over a hundred academic articles in various journals on political Islam, Arab political culture and state and society relations in the Arab World.