mercredi, février 15, 2006

التعديل الوزاري الأخير وانعدام الخيارات

الاتحاد 15 فيفرييه 06

بعد انتظار طويل ووعود لم تنقطع بأخذ مطالب الرأي العام السوري في الحسبان، وتشكيل وزارة سورية قادرة على وقف عملية التدهور الخطير في شروط معيشة السكان الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم البطالة والفقر والفساد، وبعد تلميحات لم تتوقف إلى اقتناع القيادة السورية بضرورة الانفتاح على المجتمع وتعزيز الوحدة الوطنية وتوسيع دائرة المشاركة في الحياة العمومية لمواجهة التهديدات الأجنبية، وبعد التصريحات العديدة التي أكدت على أن حركة الإصلاح التي تعرقلت طويلا سوف تبدأ قريبا بوتيرة استثنائية بعد أن تخلص النظام من الحرس القديم بخروج آخر زعمائه نائب رئيس الجمهورية السابق عبد الحليم خدام، جاء التعديل الوزاري الجديد ليحبط جميع الآمال. ولعل المفاجأة الوحيدة التي أتى بها هذا التعديل هي التأكيد على أنه لا ينبغي أن نتوقع من النظام السوري مفاجآت وأنه، مهما حصل وبصرف النظر عن أي شعار، لا يمكن إلا أن يظل منسجما مع نفسه ومخلصا لمبادئه في التثبت على المواقع ورفض التحرك إلى الأمام، سواء أكان ذلك تحت الضغط أم من دونه. فلم يأت التعديل الأخير للتأكيد على رفض التغيير فحسب وإنما أيضا على أنه ليس أمام النظام حتى خيارات جديدة في ما يتعلق بانتقاء الأشخاص، وأن كل ما يستطيع أن يقوم به هو إعادة الرهان على الشخصيات نفسها التي ارتبط اسمها بالتخبط والتراجع والجمود، لكن بنقلها من منصب إلى آخر، وسد الثغرات المتزايدة بأسماء لا يعرف عنها السوريون أي موقف، لا فكري ولا سياسي، حتى في إطار النقاش داخل الحزب القائم، ولا تمثل بالتالي أي رأي أو خيار سياسي.
قد يبدو تعيين فاروق الشرع، الذي أمسك بالديبلوماسية السورية خلال عشرين عاما فائتا نائبا للرئيس، رسالة تشدد تجاه تلك القوى المتعددة، الداخلية والخارجية، التي أظهرت أكثر من مرة نفاذ صبرها من مواقف الشرع وتصريحاته الغوغائية المحبطة التي ساهمت في دفع البلاد نحو الوضع الكارثي الذي تجد نفسها فيه اليوم. وقد يبدو تعيين وليد المعلم، الذي اشتهر بأدبه الدبلوماسي الجم بالمقارنة مع سلفه المثير للجدل، وزيرا للخارجية تعبيرا عن الرغبة في تبني مواقف أكثر مرونة تجاه القضايا الشائكة التي تواجهها البلاد. بيد أن واقع ممارسة السياسة في سوريا، بما في ذلك السياسة الخارجية، تلغي عن هذا التعيين أي مغزى حقيقي. فليس للشرع ولا للمعلم ولا لأي وزير، في وزارة العطري القائمة والوزارات التي سبقتها، أي سلطة حقيقية وأي أهلية للتعامل مع القضايا المطروحة باستقلالية. وهم يشكلون، مثلهم مثل جميع محتلي المناصب العليا في الدولة، أدوات في يد سلطة مغلقة تمسك بها مجموعة من الأفراد لا تكاد تتجاوز عدد أصابع اليد، هي التي تخطط وترتب وتوجه وتقود وتضع لهؤلاء وأولئك جداول الأعمال وتلزمهم باتباعها من وراء كواليس الرئاسة وأذرعها المتمثلة بأجهزة الأمن المتعددة. ولهذا السبب جرت العادة أن لا يركز المراقبون في تحليلهم للتعديلات أو التشكيلات الوزارية السورية على الخيارات السياسية المضمرة التي من المحتمل أن تشف عنها بقدر تركيزهم على نسبة كل واحد من المعينين في المناصب الوزارية إلى أفراد هذه السلطة، وبالتالي تحديد نصيب هؤلاء من تقاسم النفوذ فيها. لكن ما وصلت إليه دائرة ممارسة السلطة الحقيقية من ضيق قد جعل مثل هذه المحاولة لتمييز من هو لمن ومن المسؤول عن تعيينه غير ذات معنى على الإطلاق. فحتى على هذا المستوى لم يعد هناك مجال لأي تعليق.
ليس لما أظهره ويظهره النظام من انعدام القدرة على التغيير وما ينجم عنه من تخييب جميع آمال السوريين الذين ملوا الانتظار تفسير آخر سوى انعدام الخيارات عند الفريق الممسك بالسلطة في دمشق، وإدراك أعضائه بأنه ليس لديهم آفاق ولا نوافذ فرص يمكنهم استغلالها أو الاستفادة منها لرسم توجهات جديدة في هذا الاتجاه أو ذاك، وأن أفضل وسيلة للحفاظ على الوضع القائم وعدم الدخول في مغامرات مكلفة أخرى هو المراوحة في المكان مع الاحتفاظ بما يوحي بالإبقاء على إمكانية التحرك في الاتجاه ونقيضه في كل الأوقات. وفي هذا الإطار يكمل الشرع والمعلم بعضهما البعض أكثر مما يعبران عن اختلاف التوجهات.
لا يختلف عهد الدكتور بشار الأسد كثيرا في الواقع عن عهد والده في اعتماده القاعدة الذهبية التي حكمت النظام منذ تأسيسه في بداية السبعينات، وهي الجمود والثبات على المواقع المكتسبة، والعمل بجميع الوسائل للحفاظ عليها، على المستوى الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه المرونة والانفتاح وتأكيد الاستعداد للحوار مع جميع الأطراف، المحلية والإقليمية والدولية على المستوى التكتيكي. وهذا الجمود هو نفسه الذي سيصبح في لغة الايديولوجية الصمود والتصدي خلال الثمانينات والتسعينات، والمواجهة والمقاومة خلال السنوات الخمس الأخيرة، ثم "سورية الله حاميها" في السنة الأخيرة، تجاه قوى الضغط الداخلية والخارجية على حد سواء. والسبب في ذلك أن المواقع المتميزة التي احتلتها الكتلة الحاكمة، على الصعيد الوطني الداخلي وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، لم تنشأ في البدء عن تطور حقيقي في ميزان القوى السياسية والاستراتيجية يضمن لها الاستمرار بصورة طبيعية بقدر ما كانت ثمرة تخلخل استثنائي في ميزان القوى الداخلي والخارجي بسبب تفجر القوى المنافسة الرئيسية وتدميرها المتبادل بعضها لبعض. ولا يزال هذا الوضع لم يتغير، بل إن التباين بين قوة المواقع التي لا يزال يحتلها التآلف القائم وقدرته على الدفاع عنها بوسائله الذاتية قد تفاقم إلى حد أصبح يهدد استقرار النظام واستمراره على المدى القصير. ولذلك، كما كان من غير الممكن الحفاظ على هذه المواقع القوية من دون خلق الشروط الضرورية للإبقاء على تفتت القوى الاجتماعية والإقليمية والدولية الرئيسية بتقسيمها أو الاصطياد في ماء نزاعاتها الوسخ، لا يزال من غير الممكن، اليوم أكثر من البارحة، الثبات عليها والمحاصرة فيها من دون تخليد القوانين والعلاقات ووسائل العمل الاستثنائية والعنيفة أيضا، أي من دون تخليد الحصارات الشعبية وزيادة التدخلات الخارجية والتهديد بالحروب الإقليمية والدولية واللعب بنيرانها.
فلا يعني الانفتاح على الشعب وقوى المعارضة الديمقراطية، بما يستدعيه من تراجع عن الاحتكار المطلق للسلطة، الذي يتجاوز بكثير أي صيغة ديكتاتورية عادية ليصل إلى مستوى الاعتباطية الشاملة وإلغاء السياسة والمجتمع والقانون، لصالح الكتلة الحاكمة وأنصارها، من دون تهديد استقرار النظام نفسه وفتح آفاق تغييره. تماما كما لا يعني الكف عن "الحرتقة" الاستراتيجية، وتخريب البيئة الإقليمية والدولية، بما يتضمنه من الالتزام بسياسات وخيارات استراتيجية واضحة، لا بل بتحالفات طويلة المدى، سوى التخلي عن هامش المبادرة الاستراتيجية التي يتمتع به النظام. وهو الهامش النابع من الإقامة في قلب الأزمات الوطنية والإقليمية والدولية، ومن التلاعب بعناصرها، واستغلال التناقضات التي تظهر بين الأقطاب المختلفة. لكن منطق البراغماتية الذي ميز الحقبة السابقة من عمر النظام وسمح له بالتقدم على جثث الآخرين والإفادة من مآسيهم، يهدد اليوم بأن يتحول إلى إنتهازية ضيقة الأفق وسيئة العواقب بالنسبة لبلد صغير لا يملك وسائل بناء استراتيجيته الإقليمة الخاصة، وفي ظروف فقدان النظام صدقيته وحصول التفاهم بين جميع الأطراف المتضررة منه على وضع حد لاستثنائيته.

lundi, février 13, 2006

الحياة» تحاور الفكر العربي: الحداثة الرثة

الحياة» تحاور الفكر العربي:
أين نحن في العالم؟ متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟ ... برهان غليون: حداثتنا الرثة تنتج قهراً وعنفاً واستبداداً أكثر من انتاجها حرية فكرية وعملية
ابراهيم العريس الحياة - 13/02/06
منذ «بيان من أجل الديموقراطية»، وحتى اليوم حيث هو بالتأكيد واحد من قلة من مفكرين عقلانيين يظهرون على الشاشات الصغيرة معلقين على بعض الأحداث المهمة محللين لها، داعين الى تغييرات شاملة في المجتمعات العربية تلائمها، يعتبر الدكتور برهان غليون صوتاً متفرداً في الفكر العربي الحديث. الأكيد ان هذا التفرد وليد تجربة سياسية مبكرة في بلده، سورية، استبقت تجربته في باريس، حيث درس ثم علّم، ولا يزال مقيماً فيها منذ ثلث قرن. برهان غليون اليوم، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة السوربون، لكن نطاق همه يتجاوز هذا الموقع الجامعي – على أهميته – بكثير، لأنه منذ بداية سطوع اسمه في عالم الفكر العربي، لم يكتفِ بالعمل النظري في مجال تاريخ الأفكار، بل تجاوز ذلك الى الفعل العملي، محاضراً خطيباً ومشاركاً في السجالات كافة.
فإذا أضيفت كتبه ودراساته الكثيرة، التي قرئت من النخبة العربية وجمهورها على نطاق واسع، وهي في معظمها كتابات سجالية تنظر الى الواقع وما سبقه بعين نقدية تنويرية ونهضوية، ندرك المكانة التي يحتلها غليون على خريطة الفكر العربي.
ومن أبرز هذه الكتب الى «بيان من أجل الديموقراطية»، «اغتيال العقل» و «الاسلام والسياسة: الحداثة المغدورة». ولعل في إمكان المرء أن يفهم موقف برهان غليون من دور المثقف، أو المفكر، من خلال تأكيده في هذا الحوار ان «الفكر لا يلعب دوراً، بل ان المفكر هو من يلعب الدور، مقترباً في هذا من الوظيفة التي يسندها غرامشي الى المثقف بصفته «مثقفاً عضــوياً».
والحوار الآتي الذي أجري مع برهان غليون في باريس، هو حلقة في سلسلة الحوارات التي تجريها «الحياة» مع عدد من المفكرين العرب، طارحة عليهم اسئلة ملحة، شائكة أحياناً، حول الخريطة الفكرية العربية الراهنة، ونظرة المفكر العربي الى ما يحدث، وربما الى ما سيحدث أيضاً، من خلال مفاهيم وقضايا مثل الحداثة والأصالة والعلم والايديولوجيا والإرهاب... وغيرها من أمور تشكل جوهر الهموم الفكرية العربية اليوم، إن لم نقل جوهر الهموم الشعبية والاجتماعية عموماً.
> برهان غليون، أنت بصفتك مهتماً منذ ثلاثة عقود على الأقل بأوضاع المجتمعات العربية وعلاقتها مع العقل كيف تشخص حال هذه البلدان وشعوبها اليوم، من وجهة علم الاجتماع او علم السياسة او التاريخ مثلاً؟
- فرضت الحداثة، التي انبثقت في بعض المجتمعات الاوروبية نتيجة تراكمات حضارية متعددة ومتضافرة منظومات مجتمعية، اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية وتقنية وعلمية، مغايرة بشدة لتلك المنظومات التي سيطرت على مجتمعات القرون الوسطى في العالم أجمع. ومنذ القرن التاسع عشر أصبح الاندراج في التاريخية الحديثة واستيعاب منظوماتها الجديدة، تقليداً وتمثلاً وإعادة اختراع معاً، الشغل الشاغل لهذه المجتمعات، وفي مقدمها المجتمعات العربية والاسلامية التي بدأت تتساءل عن نجاعة منظوماتها الماضية منذ نهاية القرن الثامن عشر. ولم يكن الانسلاخ عن النظام القديم الموروث، بما يشمله من تنظيمات ومعايير وقواعد عمل ومفاهيم وقيم، واستيعاب النظام الحديث، سهلاً في أي منطقة من مناطق العالم وعلى أي مجتمع من المجتمعات.
فقد مرت المجتمعات الأوروبية نفسها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بمرحلة من التردي في شروط الحياة المادية، ومن القهر السياسي والضياع الثقافي والتخبط الأخلاقي والبؤس الروحي لا حدود له. وعلى قاعدة هذا التردي في شروط حياة المجتمعات والمعاناة القاسية التي ارتبطت به حصل التجدد الكبير في الفكر الانساني: في الاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع والدين. ودفع الفقر والتشرد المادي والفكري والروحي ملايين البشر إلى ركوب مخاطر البحار للبحث عن الموارد واكتشاف القارات الجديدة واستعمارها على حساب سكانها الأصليين.
وفي دوائر المدنية الكبرى التي كانت محيطة بأوروبا في الصين والهند واليابان وروسيا والعالم الاسلامي والعربي، رافقة التقهقر المضطرد في مواقع الدول والمجتمعات محاولات للتكيف والتحديث وإعادة البناء حصلت فيها مذابح وخيضت في سبيلها حروب داخلية أهلية وخارجية قارية لا تزال حية في الأذهان. ولم تخرج روسيا من الفخ العظيم الذي نصبته لنفسها في سعيها المحموم للحاق بأوروبا الحديثة بأسرع وقت، أقصد فخ النظام الشيوعي الشمولي، إلا منذ سنوات معدودة. ولا تزال الصين تصارع الزمن من أجل الدخول في عصر الحداثة من دون أن تفقد وحدتها وتوازنها، بينما دفعت الهند أكثر من قرن من الاحتلال البريطاني في سبيل بناء نواة دولتها الفيديرالية الحديثة. ولا تزال أفريقيا تتخبط في بيئة تجمع بين انحسار حميمية الماضي وغياب فرص الدخول في آلية الحاضر.
لكن من بين هذه العوالم المتباينة جميعاً، انفرد العالم العربي بالتجربة الأكثر إيلاماً، والتي تجعله يعيش اليوم في حال من الإحباط والخوف وفقدان الثقة بالنفس والآخر معاً. فقد انخرط قبل الصين والهند وروسيا في البحث عن الحداثة واستيعابها، واستثمر فيها مادياً ونفسياً طوال أكثر من قرنين، فعرف الانسلاخ عن الماضي والضياع كما عرف حروب النزاع الداخلي والغزو وحروب الاستعمار التي عرفتها المجتمعات الأخرى جميعاً، لكنه بعكس هذه المجتمعات الكبرى لم ينجح في أن يعيد بناء نفسه في فضاء الحداثة الجديد، لا من الناحية الجيوسياسية، كما فعلت الصين والهند وروسيا، ولا من الناحية السياسية ولا من الناحية الثقافية ولا حتى من الناحية الاقتصادية. باختصار، لقد فقد نظامه القديم من دون أن يدخل نهائياً في النظام الجديد. وبقي لذلك من دون نظام، أي في حال من الفوضى المادية والسياسية والفكرية والروحية، تجعل منه اليوم العالم الأكثر إنتاجاً للعنف والبؤس المادي والروحي والتعاسة الفردية والجمعية في العالم. ويكاد يكون المكان الوحيد الذي لا يزال يشهد ظاهرة الاستعمار فيه، والاستيطاني منه في شكل خاص، وحكم الفرد المطلق، وسيطرة قانون الغلبة والقوة. كما بقي الأكثر طرداً لسكانه بين جميع مجتمعات العالم الكبرى ودفعاً بملايين البشر المشردين إلى البحث عن مستقبلهم خارج حدوده في ظل العداء والعنصرية. وليست الفوضى سوى النتيجة الطبيعية لانعدام النظم والمعايير والمفاهيم والتمثلات المتساوقة التي تضبط سلوك الجماعات والافراد وتخضعه لقواعد ثابتة ومعروفة ومتوقعة. ففي غياب مثل هذه القواعد لا يبقى هناك ما يضبط حركة القوى، من أي مستوى كانت، سوى ميزان القوة وحده وما يستطيع كل صاحب قوة من توظيفه في بناء قوته من موارد قديمة أو حديثة، أي من علاقات شخصية وولاءات وعصبيات وتقنيات وتحالفات. وهو ما يجعل من الحرب، نمط سلوك، أو ناظماً وحيداً للعلاقات بين المجتمعات وداخلها معاً، وفي عمق الفرد الذي تتنازعه أيضاً منظومات قيم وغايات وآمال وآلام متباينة ومختلطة أيضاً.
من المسؤول؟
> لماذا هذا الإخفاق التاريخي الكبير وما هو سبب انعدام الإنجاز الذي يدمر حتى الشعور بالكرامة عند العربي؟
- هناك اتجاه اليوم إلى تحميل الثقافة العربية أو الاسلامية، وبالتالي الاسلام كدين، القسط الأكبر من المسؤولية في فشل الوصول إلى محطة مستقرة للحداثة في المجتمعات العربية. لكنني مع التأكيد على أن عناصر في الثقافة، الزمنية والدينية، قد تلعب دوراً مشجعاً أو غير مشجع في بلورة سلوكات عقلانية في مسار التحديث واستيعاب منظوماته المختلفة، لا أعتقد أنها صاحبة الدور الأول في تحديد مصير مشاريع الحداثة التي ظهرت في حجر المدنيات الكبرى. فالثقافات الحديثة التي قادت هذه المشاريع لم تولد من الثقافات التقليدية ولكنها نشأت بالعكس في مواجهتها، وما كان لهذه المشاريع أن تولد من دون نشوئها عند نخبة محلية. وقد ارتبط مصيرها من حيث التقدم في العمق أو الانتشار في أوساط المجتمع الأخرى بمصير هذه النخبة التي امتشقتها. وأنا أعتقد أن مصير مشاريع الحداثة مرتبط دائماً بطبيعة النخب الاجتماعية التي قادتها وعملت على تحقيقها، وبالتالي بالسياقات الجيوسياسية والسياسية التي حددت خيارات هذه النخب وفرص تكونها كفاعل تاريخي أيضاً.
وفي العالم العربي الذي دخل العصر الحديث بتراث كبير من النظم التي راهنت دائماً على قوى خارجية بالنسبة الى المجتمع، تمثل الانكشارية أكثر تعبيراتها صراحة، كانت القطيعة عميقة بين النخب الاجتماعية، الاقتصادية والإدارية والثقافية والدينية، ذات الأصول والولاءات القومية والثقافية وأحياناً المذهبية المتنوعة، والمجتمعات التي تخضع لسلطاتها. وقد أعاقت الاختراقات الأجنبية نشوء نخبة اجتماعية وثقافية موحدة ذات خصائص مشتركة وواضحة. وهكذا أعيد بناء قيم الثقافة الحديثة ومعاييرها على أساس تكريس هذه القطيعة التاريخية بين النخب ومجتمعاتها وأحياناً تعميقها. وانتهت أكبر مشاريع الحداثة العربية طموحاً، في مصر أسرة محمد علي، بتكوين طبقة كمبرادورية شبه ارستقراطية زادت حداثتها غربتها عن المجتمع، وارتبطت منذ مولدها بالسلطة القهرية الاستبدادية، صارت تنمي في ذاتها مشاعر الانتماء للمجتمعات الأوروبية أكثر من الانتماء للمجتمعات المحلية. أما في معظم البلاد العربية الأخرى التي بقيت خاضعة في إدارة شؤونها لفترة طويلة لنخبة تركية، فلم تكن هناك أصلاً نخب محلية على درجة من التماسك والسماكة والقوة تجعلها تستحق هذا الاسم. وتكفي للتدليل على أهمية الحديث عن طبيعة النخب، مقارنة ما حصل في مصر والعالم العربي بما حصل في تركيا. فلم تثبت النخب المحلية التركية الشابة المتمردة على نظام السلطنة وجودها ووحدتها وجدارتها في مواجهة خطط القوى الغربية الساعية إلى تقسيم تركيا فحسب، ولكنها نجحت أيضاً في بعث روح قومية تركية جديدة وحديثة في مواجهة روح العثمانية الكوزموبوليتية. وهي القومية التي حمت حتى اليوم الدولة التركية الحديثة وحددت غاياتها ووجهت عملها. وبالعكس أدى افتقار معظم المجتمعات العربية لنخب محلية على قدر من الانسجام والاستقلال والكفاية والخبرة والإرادة إلى سقوطها السريع في آليات الانقسام والتجزئة والالتحاق بالدول الكبرى فيما المجتمعات لا ترى للسلطة مصدر شرعية.
قصدت من الحديث عن النخب الاجتماعية والمقارنة في ما بينها إخراج مسألة فشل مشاريع الحداثة أو إعاقتها من دائرة المقارنة بين ماهيات ثقافية غير موجودة، وغير حاسمة إذا وجدت، لوضعها في سياق الصراع بين فاعلين تاريخيين، وبالتالي في سياق البحث عن شروط الصراع نفسها، الجيوسياسية والسياسية أيضاً.
وهذا يعني أن الحداثة ليست مسألة تقليد أو اقتداء أو اقتباس أو فهم واستيعاب عقلية، ولكنها مسألة صراع تاريخي بين قوى داخلية وخارجية لامتلاك موارد مادية ولا مادية تشكل السيطرة عليها وسيلة لتعزيز القوة ودائرة نفوذها وانتشارها. الحداثة بهذا المعنى ليست أمراً معطى ولكنها عملية صراع لانتزاع ثروة تتنازع عليها قوى متعددة وتريد أن تستملكها لنفسها، حتى داخل البلدان ذاتها وليس بين البلدان فحسب. ويكفي النظر إلى مصير رأس المال المتراكم والمهرب إلى الخارج في بلادنا لتأمين شروط اندماج نخبنا المحلية في دورة الرأسمالية العالمية. لكن هذا ما يحصل أيضاً للحريات السياسية التي ينشئها نظام الدولة الحديثة الوطنية وللعلم والمعرفة اللذين يتم احتكارهما والسطو عليهما من نخب محدودة لتعزيز نفوذها الاجتماعي.
وعندما نطرحها في هذا المنظور ونخرجها من دائرة المجادلة في أهلية الثقافة نستطيع أن نقدر في شكل أفضل قيمة الشروط التاريخية الخاصة التي حكمت مشاريع الحداثة الانسانية في كل بقعة من بقاع العالم، ونربطها أيضاً بخصوصيات هذه البقاع الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يمكن أن نفصل تعثر مسار الحداثة في منطقتنا عن هشاشة النخب الاجتماعية العربية منذ القرن التاسع عشر حتى الآن بسبب عدم تجانسها وانقسامها وتقلبها وبالتالي سطحيتها. وهو ما يفسر ضيق أفق الحداثة التي تقترحها ومحدوديتها أولاً والقواعد التي تحكم علاقة الدول الأوروبية الحديثة الصاعدة أيضاً بهذه المنطقة من العالم، سواء بسبب قربها منها وحساسية موقعها الاستراتيجي بالنسبة الى أمنها، أو بسبب مواردها الروحية الاستثنائية وما تمثله من رمزية روحية لجميع الأديان السماوية، أو لما ظهر فيها من موارد للطاقة لا يستغني عنها العالم الصناعي. ونستطيع أن نقول إن هذه العوامل التي حكمت إخفاقنا في القرنين الماضيين في انتزاع موقع ثابت في نظام الحداثة هي نفسها التي لا تزال تحكم إخفاقنا الراهن في تجاوز الأزمة العميقة التي وضعنا فيها هذا الإخفاق.
لا نزال نعيش الولادة
> بعيد هزيمة 1967، كانت هناك نهضة فكرية نهلت من الحداثة ولكن ايضاً من الوجوه المضيئة في التراث، علاماتها كتب ودراسات قالت غضب الفكر العربي على الهزيمة ورغبته في تجاوزها... أنت شاركت في ذلك كتباً ودراسات... فهل تعتقد ان تلك الانتفاضة النهضوية أثّرت؟
- أعتقد أننا لا نزال نعيش منذ هزيمة 1967 لحظة فكرية واحدة هي ولادة الفكر النقدي العربي. وأستطيع أن أقول من دون أن أسيء إلى المفكرين الكبار الذين شقوا لنا منذ القرن التاسع عشر طريق التفكير الحديث وأدخلونا في لغة الحداثة وعلمونا مفرداتها، أن العالم العربي لم يكن يفكر في أي فترة كما يفعل اليوم. فما كان سائداً خلال الحقبة الماضية كان استيعاباً للحداثة من طريق تلخيص أفكارها وإدخال مفاهيمها والتدرب على التعامل معها. اليوم لم يعد الفكر العربي ترجمة للكتب الأجنبية بطريقة غير مباشرة ولا التحاقاً بموضتها بقدر ما أصبح يستهدف أكثر فأكثر تحليل مشكلات عينية، ويسعى من خلال منطق العقل الذي تمثله في الحقبة الماضية، إلى فهمها واستيعابها. لقد أصبح تفكيراً بواقع وبالواقع. والسبب في ذلك هو تفاقم الأزمة نفسها ونشوء التحديات الكبيرة والخطيرة التي لا مهرب من مواجهتها وتطوير الأدوات النظرية الناجعة والمناسبة لمعالجتها.
لا أقول اننا ربحنا معركة التفكير النظري المستقل والحر ولكننا في بداية الطريق. وتكفي قراءة صفحات الرأي في الصحف العربية الرئيسية ومقارنتها بما كان ينشر في الخمسينات والستينات لتبين الفرق بين فكرين وحقبتين وعالمين متباعدين تماماً: ثقافة الأيديولوجية والتعبئة والنقل والتمثل لما هو أجنبي حديث وثقافة النقد والتحليل والشك. والسبب الحقيقي لهذا هو أزمة الحداثة العربية بالضبط وإخفاقها، مما أضعف كثيراً شرعية النقل والتمثل والاستيعاب والتقليد وأعطى قيمة أكبر للتفكر الأصيل والجديد والمستقل.
خيانة من؟
> اليوم يرى كثر أن المثقفين صامتون، خانوا أو دُّجنوا... أو ابتعدوا مشمئزين، بينما لجأ بعضهم الى مهادنة أنظمة وتيارات قومية متأزمة او أصوليات؟
- لا أستسيغ كثيراً التهم الموجهة إلى المثقفين أو غيرهم. وحتى أولئك الذين يتهمون بالالتحاق بالنظم والعمل لخدمتها، وهم أكثرية، هنا كما هي الحال في كل المجتمعات، لا أعتبرهم منسحبين وبالأحرى خائنين (لمن؟) وإنما أصحاب رأي مخالف مرتبط بالضرورة بمصالح، وهي بالتأكيد مصالح غير مشروعة أحيانا، كما هي الحال بالنسبة الى طبقة واسعة من أهل الحكم أو الموالين لهم. المثقفون النقديون كانوا في جميع العصور والبقاع أفراداً تحركهم المبادئ والمثل أكثر مما تحركهم المصالح. وهذا الموقف لا يمكن توقعه أو طلبه من الجميع ولا من الغالبية. المهم عندي معرفة لأي هدف تكرس هذه القلة من أصحاب المبادئ والمثل قلمها ووقتها: لنشر عقائد شمولية وأصوليات، كما ذكرت، أم لتعرية الواقع ووضع الأفراد جميعاً أمام مسؤولياتهم لأخذ مصيرهم بأيديهم، وبالتالي للارتفاع بهم إلى مستوى الواجب الأخلاقي. دور المثقفين هو توسيع دائرة المبدئي والأخلاقي والمثالي في المجتمعات وعند كل فرد بما يقدمونه هم أنفسهم من قدوة وما يقومون به من كسر للأوهام ونزع للحجب التي تكبل العقل ومن إحياء للضمير. والساحة الثقافية العربية اليوم لا تخلى من هؤلاء، وأكاد أقول إنها تتسم اليوم بصعود مكانة هؤلاء وتأثيرهم وبانحسار مكانة الآخرين الذين يخفت صوتهم بقدر ما يفتقر خطابهم لأي لون أو طعم أو رائحة، أي لأي مبدأ أو مثال.
الحداثة الرثة
> هل يمكن اتهام حداثة عربية ما... بأنها مسؤولة جزئياً عما يحدث؟
- أنا ركزت بالفعل على ما أطلقت عليه اسم حداثة رثة، خصوصاً في كتابي «الاسلام والسياسة: الحداثة المغدورة». وقلت إن حداثتنا تسد علينا الأبواب في السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والمعرفة والاجتماع والأخلاق معاً. فهي تنتج قهراً وعنفاً واستبداداً أكثر بكثير مما تنتج من الحريات الفكرية والعملية. وهي تراكم الفقر والبطالة والبؤس أكثر مما تزيد من قدرة الافراد على الاختيار في تحسين شروط حياتهم المادية والمعنوية. وهي تشجع عمليات غسيل الدماغ وصب فكر الأفراد في قوالب جاهزة وجامدة، أكثر مما تنمي العقل المفكر والمتأمل والمتسائل. وهي تعمم الإيديولوجيات والشعارات والأساطير الدعائية أكثر مما تعمل على تكوين الأفراد وتأهيلهم وصقل عقولهم وتزويدهم بالمعارف الحقيقية. وهي تنتج الإمعية والتبعية والالتحاق والولاءات الزبونية والعصبوية أكثر مما تقود إلى انبثاق الذوات الحرة والمسؤولة والفاعلة والمشاركة في تقرير مصيرها. وهي تبني السلوك على معايير القوة والغطرسة والانفراد والازدواجية وانعدام المسؤولية أكثر مما تخلق قواعد أخلاقية تنظم العلاقات بين الأفراد على أسس طوعية مدنية.
لكن هذا لا يعني أنني ألوم الحداثة. فالحداثة، عربية كانت أم صينية أم هندية، ليست مسؤولة ولا يمكن أن تكون. فالمسؤولية تقع على البشر الواعين، أي على النخبة الحديثة أو صاحبة مشاريع التحديث. والنقد الذي قصدته للحداثة الرثة ليس اتهاماً ولكن كشفاً عن المطبات التي أدخلت فيها الحداثة العربية وبالتالي تصحيحاً للاستراتيجيات ومخططات العمل وطرائقه أيضاً. عندما أتحدث عن حداثة رثة أو معطوبة فأنا أشير إلى الانسدادات والمطبات والنقائص والأعطاب التي يعاني منها مشروع حداثة قضت مجتمعاتنا ما يقارب قرنين في بنائه، وشارك فيه جميع الأفراد من مثقفين وغير مثقفين وساسة واقتصاديين ومربين ومعلمين ورجال دين. وليس الهدف من ذلك أن أدين هؤلاء أو أنقم على تاريخ بأكمله أو أمحوه من الذهن. ما حصل حصل وما كان يمكن أن يحصل بطريقة أخرى. وهو ثمرة نقائص متعددة في ثقافتنا ومجتمعاتنا وعوامل خارجة عنها أيضاً. إن هدف النقد هو إنقاذ المستقبل لا البكاء على الماضي. وإنقاذ المستقبل يعني الكشف عن النواقص والأعطاب والانسدادات لإصلاح البناء وجعله قابلاً للعمل والفعل من جديد. والحداثة عملية بناء مستمرة وإعادة بناء وتفكيك وتركيب أيضاً مستمرين، ليس في المجتمعات التي تعاني من نقص مواردها الحديثة فحسب وانخراطها في الحداثة في سياقات خاصة استعمارية أو شبه استعمارية، ولكن حتى في المجتمعات التي يمكن القول إنها تمتلك مشاريع حداثة منجزة وفاعلة أو منتجة. وهذه الحداثة الفاعلة نفسها هي اليوم محل انتقاد شديد أيضاً من قبل أصحابها بسبب ما أحدثته أيضاً من تصدعات داخلية وعالمية، وما قادت إليه من طرق مسدودة في مجالات مختلفة.
الفكر والعمل
> هناك مفكرون عرب وصلوا الى مواقع قرار ما... في بلدانهم، أو على صعيد مؤسسات عالمية... فهل ترى انهم وصلوا بأفكارهم أم من دونها؟
- بالاثنين. لأن أفكارهم ليست ما يصرحون به أو يسطرونه على صفحات الجرائد فحسب ولكن ما يفكرون فيه في أعماقهم وما يحركهم ويملي عليهم سلوكهم. ولدى جميع المثقفين الأخلاقيين أو المثاليين نزوع لربط الفكر بالعمل بل وحاجة إليه. لكن بينما يندفع بعضهم للممارسة السياسية بنفسه كما حصل لكثيرين من قادة الأحزاب السياسية وعلى رأسهم مفكر كبير مثل كارل ماركس، يراهن آخرون على زعماء سياسيين يتمثلون أفكارهم ويسعون إلى تطبيقها. ليس هناك في نظري فكر حي لا يرتبط بممارسة أو ينزع إليها. لكن لا يتمتع كل من كان له مثل هذا الفكر بمواهب سياسية عملية بالضرورة. والذين يجمعون بين الموهبتين هم القادة الكبار وهم قلائل في تاريخ المجتمعات.
ذهنية غائبة
> في رأيك... من يصنع الذهنيات العربية حالياً... وأي ذهنيات تصنع على هذا النحو؟
- نحن نعيش في جميع المستويات وفي جميع الميادين عملية مخاض عسير. وفي هذه العملية تفلت القواعد والمعايير الكلية والجمعية وتسود الفوضى العارمة من جهة وتنفتح آفاق المسارات والتجارب الفردية أو الخصوصية من جهة ثانية. الذي يكوِّن الأفراد اليوم ، ولا أتحدث عن ذهنية عربية فهي لم تعد موجودة في أي مكان، هو جهدهم الشخصي وما تقع عليه أيديهم من فضلة من قيم أو تراث أو حداثة تلفزيونية أو، بالعكس، ما يتوفر لبعضهم من أطر ومؤسسات فاعلة وناجعة تقدم لهم، إذا وجدت، تكويناً جدياً في المدارس والجامعات المحلية الوطنية أو الخاصة أو الأجنبية. وهي تشكل جزراً صغيرة معزولة في محيط يسوده الاختلاط والتشويش والتنافر وعدم الاتساق.
لذلك، على المستوى الجماعي، نحن في حال انعدام وزن معرفي وأخلاقي وتربوي. ليست هناك قاعدة سائدة ولا معمول بها في الواقع، إلا إذا اعتبرنا الغش والخروج على القاعدة والاحتيال بكل أشكاله قاعدة أخلاقية. ولذلك يقتل مجتمعاتنا البؤس المادي والنفسي معاً، ويسودها غياب التواصل وانعدام الحوار وعدم التفاهم، وتغلب عليها روح الانفعال والعدوانية والنزاع والتنازع. حتى ما يبدو من انسجام وتجانس على الأفراد المنتمين إلى جماعات أصولية علمانية أو دينية ليس إلا مظهر خادع يخفي انعدام التواصل والتفاهم وسيطرة التنازع والانقسام. مجتمعاتنا فقدت القيم المشتركة والمعايير الثابتة المستبطنة بقدر ما انحلت ثقافتنا التقليدية وانهارت الثقافة الحديثة أو القيم الرئيسية التي اعتمدناها في القرن الماضي، ولم يعد النظام الاجتماعي أو المجتمعي بأكلمه يقدم للفرد أي أمن أو ضمانة أو ثقة بالذات وبالمستقبل. وهو ما أطلقت عليه اسم الفوضى الشاملة بما فيها، بل في مقدمها الفوضى الأخلاقية والروحية. العنف والاحتيال والغش هي السمات البارزة لسلوك الأفراد، وهي، كممارسات عملية، أساس لنشوء ثقافات وسير شخصية متعددة ومتباينة أيضاً. الاتساق موجود عند أفراد لكنه منعدم على مستوى الجماعة بوصفها كذلك. وهذا هو أيضاً مصدر الأمل في أن يسفر هذا المخاض الراهن عن ولادة جديدة للمجتمعات العربية. وهي ولادة لا شك آتية.
وحدة وسط الفوضى
> هل يمكن، بعد، الحديث، عن وحدة ثقافة او فكر عربية... أم أن ثمة «تطوراً غير متكافئ» بين منطقة ومنطقة، بل حتى بين فئات مختلفة داخل كل منطقة يجعل من المستحيل الوصول الى نقاط تلاق؟
- نعم يمكن الحديث عن وحدة ثقافية في الفوضى الفكرية والأخلاقية. لماذا لا. فما يوحدنا هو الغياب المشترك والمعمم لأسس التفاهم المدني وقواعده، وبالتالي فإن كل شيء يصبح في مجتمعاتنا مباح في نظر الفرد طالما كان لديه إمكان تحقيقه أو الفرصة للوصول إليه. من هنا الفساد المعمم والغش السائد في العلاقات الاجتماعية والاحتيال الذي تحول إلى أسلوب حياة وممارسة علمية واقتصادية وسياسية واجتماعية معاً. وهذا ما يشكل في نظري وحسب تعريفي أساس البربرية. فالبربرية لا تقاس بدرجة التطور التاريخية لوسائل الحياة التقنية ونظمها الإجرائية ولكن لغياب أسباب التفاهم والتواصل والتعامل السليم والصادق بين الأفراد وبالتالي غياب الثقة وما نسميه اليوم برأس المال الاجتماعي، أي للثقافة.
>
تبدو الاستنتاجات من تشخيصك حتى الآن غامضة بعض الشيء فهل أنت في هذا التشخيص متفائل على المدى البعيد أو القريب... أم ترى أن ثمة ما يدعو الى تشاؤم يجد كثر انه مبرر؟
- التفاؤل أو التشاؤم يقاس بالهدف المنشود. وعلى مستوى التحليل للواقع الراهن لست متشائماً ولا متفائلاً. فهذا هو الواقع كما أراه وكما تكوّن عبر التاريخ الماضي. فنحن نتشاءم عندما نشعر بالفوضى ونتخبط من دون أن نعرف لماذا وكيف يمكن أن نخرج من حال التخبط هذه. لكن عندما نشعر أننا لمسنا بعض العوامل الكامنة وراء الفوضى، أو عندما نعتقد أننا فعلنا ذلك، يزول التشاؤم ليحل محله أمل كبير بالخلاص، ويصبح العمل في سبيل المشاركة في هذا الخلاص مصدر تفاؤل لا ينفد. وفي اعتقادي أن سبب الفوضى والتخبط هو الطريق المسدود الذي أدخلتنا فيه حداثة رثة وسالبة أفقدتنا كل ما كنا نتمتع به من بقايا سعادة وبراءة وانسجام وسذاجة في الماضي من دون أن تقدم لنا شيئا غير العنف والاقتتال والانقسام والتنازع والبؤس والانخداع بالمظاهر البراقة والفارغة من المعنى. إنه انعدام المعنى أو فقدانه. وما علينا كي نتحرر من الرثاثة والتعاسة معا سوى فتح الأبواب الموصدة وكسر الحواجز التي وضعناها نحن أنفسنا على طرقاتنا ونزع العصب التي تكبل عيوننا لنرى الحقيقة كما هي. أي أن نوقف مسلسل الغش والخديعة والكذب والاحتيال الذي أصبح المادة الأولى لتفكيرنا وسلوكنا.
الفكر لا يلعب دوراً
> في خضم هذا كله... أي دور يمكن للفكر، بعد، ان يلعبه؟ في الجامعات؟ في الإعلام؟ من خلال المناصب السياسية... أو حتى من خلال الشارع؟
- الفكر لا يلعب دوراً، المفكرون هم الذين يلعبون مثل هذا الدور. فهم الذين يصدقون ويكذبون. ويكفي أن يكفوا عن الكذب، على أنفسهم أولاً، وعلى جمهورهم ثانياً، وعلى أصحاب السلطة ثالثاً، حتى تتغير مكانة الفكر والمفكرين معاً، أي حتى يصبح للمثقف ما يطمح إليه من مكانة ودور في إعادة إطلاق نهر التقدم الدافق وفتح شرايين المجتمعات المغلقة وتغذية خلايا العقل والجسم التي تكاد تتحول إلى خلايا كسيحة، وغسلها من خطاياها وآثامها، أي من إفرازات الحزن والبؤس والوهم الذي تراكم فيها. ولا يهم بعدئذ ما إذا كان مدرساً أم صحافياً أم سياسياً أم عاملاً منتجاً، ولا المكان الذي يطل منه على مجتمعه. الصدق هو في نظري كلمة السر. وهو كل ما هو مطلوب منا جميعاً، مثقفين وعاملين، على قدم المساواة، كي نخرج من محرقة الجهالة الكاوية ونحقق الولادة المنتظرة الجديدة.
نص مختار من كتاب بيان من أجل الديمقراطية، دار ابن رشد، بيروت 1977

إرث النخبة الفاسد
«ورثت النخبة العربية الحديثة إرثاً عظيم الفساد والأذى نتيجة تأثرها بالنخبوية المستمدة في جوهرها من النظريات الليبرالية. لكنها تحت تأثير الصراعات الجديدة والضغط الشعبي أعادت صوغ هذه النظرية في صورة جديدة وبثياب جديدة ووضعت عليها ماركة تقدمية. هذه هي نظرية الطليعة. لكن الطليعة هنا لا تصبح وتبقى كذلك إلا بقدر ما تخلق فكرياً، أي في الذهن، وعملياً، أي بالديكتاتورية الفعلية، الشعب المؤخرة. ولا تظهر الطليعة عبقريتها وقيادتها إلا بقدر ما تعمل على أن يتعلم الشعب التبعية والاستجداء ويقنع بالجهل والعمى الفكري تجاه كل ما يتعلق بمصالحه اليومية المباشرة والسياسية العليا. العلاقة بين الطليعة والمؤخرة في الفكر التقدمي العربي تعكس العلاقة بين مجتمع الصفوة الحر: الاقتصادي والسياسي والفكري، وبين مجتمع العبيد الشعبي. وهكذا يصبح الصراع الاجتماعي الفعلي هو الصراع بين فئات المجتمع الحر المختلفة على قيادة الشعب وقهره واستغلاله. ليس هناك طليعة تعلم الشعب الحرية وإلا لم تكن هناك حرية على الإطلاق. فالحرية هي شكل الدفاع الأبسط عن النفس، شرط البقاء، وهي الإطار الذي يسمح لطبقة أو فرد أن يدافع عن مصالحه ويضمنها. وقد أدركت ذلك الأنظمة والدول التي اكتشفت منذ القدم نظام السجون السياسية والمدنية وطبقته
كيف أمكن للفكر العربي أن يصل بهذه السرعة إلى هاوية الفاشية التي أدركها بصرف النظر عن الشعارات والفلسفات؟ كيف أمكن له أن يغوص إلى هذه الهوة المظلمة وأن يسقط في مستنقع تقديس الديكتاتورية باسم الطليعة وباسم ترتيب الظروف الموضوعية الناضجة لتحرير الشعب؟ كيف أمكن للنظريات التحررية الليبرالية والمادية التاريخية أن تهوي مع الطلائع البائسة إلى هذا الدرك من التناقض والتحلل والتفكك والعقم؟ كيف أمكن للأمة أن تحبل بمثل هذه المسوخ الفكرية وأن تحملها لعشرات السنين وتلد بها وتتحمل صورتها ومنظرها ونموها كل هذه الأعوام؟

dimanche, février 05, 2006

الانجرار وراء الحرب الحضارية ليس مصلحة إسلامية



خلق انهيار المعسكر الشيوعي، وزوال الاتحاد السوفييتي الممثل له، فجوة كبيرة في الايديولوجية الدفاعية لنظام السيطرة الغربية في العالم. فقد كان العداء للمعسكر الشيوعي وما يمثله من القيم السلبية الوسيلة الرئيسية لدفع الجمهور الغربي الواسع إلى تأييد السياسات الأطلسية الهجومية والالتحاق بها من دون نقد ولا تساؤل، وبالتالي تبرير هذه السياسات والنفقات العسكرية الباهظة المرتبطة بها. والنجاح، انطلاقا من ذلك، إلى إقناع الرأي العام الدولي بأن السيطرة الغربية على العالم ليست أخلاقية فحسب لأنها تحول دون انتصار الشر، ولكنها حتمية أيضا، ولا يمكن التراجع عنها من دون تعريض مجتمعات الغرب ونظمها الديمقراطية وهويتها وثقافتها وقيمها وأسلوب حياتها اليومية للخطر الماحق.
وكان من الطبيعي أن يقود انحسار خطر هذا المسخ التاريخي الشيوعي وزواله من الوجود إلى تصاعد المواقف النقدية إزاء السياسات الهيمنية الغربية، تماما كما كان من المنتظر لزوال الحرب الباردة ومتطلباتها أن يقود إلى تراجع النفقات العسكرية وتنامي فرص التفاهم والتعاون الدوليين لتحسين شروط حياة المجتمع الدولي برمته ومعالجة أقسى مشكلة يعاني منها النوع البشري، أعني الفقر الذي يرزح تحت وطأته أكثر من مليار نسمة. بيد أن مثل هذه التوجهات لم تكن تتضارب مع ما طبع السياسات الغربية والدولية عموما في القرنين الماضيين من حروب ومواجهات جعلت من تبني مبدأ الاستعداد للحرب وكسب النزاعات المحتملة القاعدة المثلى لتجنب حدوثها فحسب وإنما مع مصالح واسعة ونافذة ارتبطت بعقود طويلة من سيطرة مناخ المواجهة والحرب الباردة، وفي مقدمها مصالح المركب الصناعي العسكري وبيرقراطية الدولة والجيش ومؤسسات الدفاع الإقليمية والعديد من القوى السياسية التي تتحالف معها. وهكذا ما كان من الممكن ترك الاتحاد السوفييتي ينهار من دون السعي، من قبل هؤلاء، عن عدو جديد يبرر الاستمرار في السياسات الهجومية ذاتها التي تضفي المشروعية على السيطرة الغربية على العالم وتبرر استمرارها.
وقبل أن تبدأ أي حركة إسلامية باستخدام العنف على أي نطاق خارج البلدان الاسلامية، وجد أنبياء السيطرة الغربية في رفع العالم الاسلامي والعربي إلى مستوى الخصم التاريخي والحضاري الرئيسي للغرب، سياسة وحضارة واقتصادا معا، المرتكز الوحيد لتمديد مناخ الحرب الباردة وتبرير سياسات السيطرة الغربية. وهكذا شكل تشويه صورة العرب والمسلمين واستفزازهم خلال أكثر من ربع قرن مادة حرب باردة عالمية حقيقية لن يتأخر منظروا السيطرة الغربية عن إعطائها إسمها الجديد الخاص، الحرب الحضارية والصدام بين الثقافات. ومنذ ذلك الوقت يمكن القول إن الحرب أصبحت سجالا بين المسلمين والعرب من جهة، والنخب الغربية اليمينية التي سعت ولا تزال إلى جر العالم بأكمله إلى تأييد موقفها العدواني والعنصري من الجهة الثانية.
في هذا السياق استعادت ايديولوجية تبرير السيطرة الدولية والسياسات الأطلسية الهجومية اللغة والشعارات ذاتها التي كانت تستخدمها ضد الاتحاد السوفييتي في حقبة الحرب الباردة السابقة. فركزت وسائل الإعلام الغربية على الأخطار المتعددة التي يمثلها العالم العربي والاسلامي الذي يخضع في نظرها، مثله مثل الاتحاد السوفييتي السابق، لثقافة مناقضة في قيمها للثقافة الغربية الحديثة ومعادية لها، سواء في ما يتعلق باعتماده العنف في علاقاته مع الخارج واستلابه لمنطق القوة ومراكمة وسائل وأسلحة الدمار الشامل أو في محاولاته المستمرة لتفجير الأزمات الدولية والحروب الإقليمية أو في دفاعه عن نظم سياسية لا ديمقراطية تسمح للمغامرين من الحكام الديكتاتوريين والطغاة من التلاعب بالجماهير ودفعها إلى العداء المجاني للخارج ولكل ما هو أجنبي في سبيل حرف انتباهها عن مشاكلها الداخلية التي التي تتسبب فيها سياسات أنانية ولاعقلانية. وجاءت الحركات الجهادية الاسلامية التي تستخدم الإرهاب والخطف وقتل الرهائن كوسائل للضغط على الدول الغربية، في أوضاع المواجهة القائمة في أكثر من مكان، لتكرس الاعتقاد الواسع الانتشار اليوم بأن عالم العرب والمسلمين لا يفهم إلا لغة القوة والعنف وإنه يفتقر إلى ثقافة التعايش والتفاهم والحوار والتفاوض التي هي لغة العصر ومصدر بناء إجماعات دولية لم يكن المجتمع الدولي في أي حقبة أكثر حاجة لها منه اليوم.
ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن أصحاب هذه السياسة والمنظرين لها قد نجحوا في أمرين رئيسيين. الأول هو إقناع الرأي العام العالمي بصدق الصورة التي رسموها أو أرادوا رسمها للعالم العربي والاسلامي بوصفه عالما لا يعرف المدنية ويعيش على منطق القوة والعنف سواء في ما يتعلق بعلاقاته الداخلية بين المواطنين والحكام أو في علاقاته الخارجية مع غيره من المجتمعات. والثاني جر العالم العربي والاسلامي بالفعل إلى الحرب الحضارية والثقافية التي أراد لها أن تكون بديلا عن الحرب الباردة ومنبع مشروعية لسياسات السيطرة والعداون الغربية. وبعد أن وقف المسلمون جميعا، شعوبا ومنظرين وسياسيين، عن حق ضد فكرة الحرب الحضارية في السنوات الماضية وطرحوا في مواجهتها، ومن أجل تفريغ منطقها من مضمونه، فكرة حوار الحضارات الذي تبنته أيضا جماعات ومؤسسات غربية ودولية عديدة رافضة للاستسلام لمنطق الصراع الدولي المستمر وبناء العلاقات الدولية على قاعدة السيطرة من طرف والخضوع من طرف آخر، عاد المسلمون هم أنفسهم، أولا على أيدي الجماعات المتطرفة الاسلامية منهم، ثم اليوم أكثر فأكثر على يد بعض الجماعات السياسية العلمانية، إلى العزف على نغم الحرب الثقافية والحضارية، بل وتبني فكرة هذه الحرب بوصفها حقيقة واقعة أو أكثر من ذلك أمرا مطلوبا لمواجهة إرادة الهيمنة السياسية والعسكرية والثقافية الغربية. وشيئا فشيئا ستكتشف النظم العربية والاسلامية التي تعيش هي أيضا حالة من العجز المزمن في مساعيها التنموية وتواجه تحديات داخلية اقتصادية واجتماعية وسياسية لا مثيل لها، الفرص الاستثنائية التي تقدمها لها هذه الحرب الثقافية في سبيل التغطية على إخفاقاتها الخطيرة وتوجيه موجات الغضب الشعبية نحو الخارج، وبالتالي الهرب من المسؤولية وتأبيد سيطرتها على السلطة والموارد المحلية. بهذا تكون شروط الحرب الباردة الجديدة التي أرادتها القوى الاستعمارية في الغرب قد تحققت بالفعل. ونحن نشهد كل يوم أحداث تطور هذه الحرب التي تستفيد من معطيات العولمة الإعلامية الدولية لتدمج في حركتها مجتمعات وشعوبا وجماعات لم تكن الحرب الباردة التقليدية قادرة على جذبها وتشغيلها فيها.
في هذا السياق وفي هذه البيئة الملتهبة التي تطبع العلاقات الاسلامية الغربية، ما كان لنشر الصور الكاريكاتورية المسيئة لرسول الاسلام الكريم، وردود الفعل الاسلامية الغاضبة، ثم الردود الغربية على ردود الفعل هذه التي اتخذت شكل تحد للمشاعر الاسلامية الدينية باسم حرية التعبير، في الوقت الذي كانت تسيء فيه للمسلمين جميعا باتهامها غير المباشر لهم بتأييد الارهاب، بل بالايمان به كجزء من تعاليم الرسول، إلا أن تفجر أزمة أخذت وتأخذ أكثر فأكثر طابعا مأساويا بين المسلمين والغرب كان الطرفان بغنى عنها. فإذا كان منطق الحرب يطمئن بعض القوى الاستعمارية المتطرفة، وفي مقدمها القوى الصهيونية التي سعت منذ عقود إلى الايقاع بين الدول العربية والاسلامية والدول الغربية، كما عملت المستحيل من أجل فرط الحركة القومية العربية لفتح باب الصراعات الدينية والطائفية في الشرق الأوسط والعالم، فليس للمجتمعات الغربية أو لغالبيتها الساحقة أي مصلحة في استعداء المسلمين عليها وهم يشكلون ربع العالم أو ما يقارب ذلك، ويعيش قسم متزايد منهم على الأراضي الغربية. وبالمثل، إذا كان هناك بين النظم العربية من يريد أن يحول أنظار شعبه عن مصاعبه الداخلية، بدفعهم إلى الانخراط في مواجهات خارجية لا تنتهي، فإن المجتمعات العربية التي تنوء تحت ثقل مشاكلها الداخلية غير المحلولة، بما فيها مشاكل احتلال أراضيها في فلسطين وسورية ولبنان، وتتعرض لهجوم منظم من قبل قوى الهيمنة الدولية، تدرك بعفويتها أنه لا مصلحة لها باستعداء كل قطاعات الرأي العام العالمي، أو بدفعها إلى الاعتقاد بأنها مجتمعات لا تفهم إلا لغة العنف والتدمير والقطيعة. إن سياسة الدفع نحو الفوضى والتهديد بها تناسب من دون شك بعض الفئات المحشورة اليوم، في النظام والمجتمع معا، والتي تشعر بأن الأرض تميد من تحت أقدامها، ولها مصلحة في أن تخلط الاوراق وتشعل كل الحرائق الممكنة، وتعزل الشعوب العربية عن العالم وتسيء إلى سمعتها حتى تنفرد بها وتتفق مع خصومها من وراء ظهرها. لكن الأغلبية العربية والاسلامية الساحقة تعرف أن مواجهتها الحقيقية والحضارية للغرب، ونجاحها في كسر هيمنته واستعادة المبادرة التاريخية، تتوقف على نجاحها في الخروج من المآزق والانسدادات التي وضعتها فيها السياسات الأنانية والمغامرة واللامسؤولة لقادتها، وأن التعاون مع المجتمعات الصناعية المتقدمة، في ميادين الاستثمار والصناعة والتقنية والعلوم، هو الطريق الرئيسية لذلك.
لا يعني هذا أن على الشعوب العربية والاسلامية الاستسلام أو عدم الرد على التحرشات التي تقوم بها القوى المتطرفة الغربية ولا القبول بعنصريتها. بيد أن هناك ردودا أخرى، سياسية وقانونية وفكرية، على مثل هذه السياسات الخرقاء والإجرامية غير تلك التي لا تهدف إلا إلى تكريس الاعتقاد الشائع بعنف العرب والمسلمين وعدوانيتهم ونزعتهم السلبية للحرق والدمار. ولا يستفيد من مثل هذه الردود سوى رؤوس الاستفزاز أنفسهم الذين يريدون، مثلهم مثل إسرائيل، عزل العرب وتهميشهم دوليا ودفعهم إلى الانغلاق على أنفسهم والغرق في حروبهم الداخلية ودمائهم، ومن وراء ذلك تبرير العنف الشامل الممارس عليهم من الخارج لضمان السيطرة على مواردهم وكسر إرادتهم. وهنا تلتقي سياسات المحافظين الأمريكيين الجدد تماما مع سياسات الأرض المحروقة التي تمارسها بعض النظم التي تسعى إلى التمديد لنفسها بأي ثمن، والتي وجد بعض القوميين الجدد الضيقي الأفق في سياساتها المغامرة مهربا من ضرورة المراجعة وقناعا للعجز والانحسار. إن الردود العنيفة على التحرشات العنصرية لبعض تيارات الرأي العام الغربية لا توجه رسالة مقلقة للعالم أجمع بما تقدمه له من مظاهر فقدان السيطرة على النفس عند المسلمين، وإنما للعرب أنفسهم الذين يخشون أن تتحول أساليب الرد العنيفة على الخصوم الخارجيين إلى أساليب مقبولة ومتبعة في الرد على الخصوم أو المنافسيين الداخليين من أصحاب الأديان أو العقائد السياسية والفكرية الأخرى.

mercredi, février 01, 2006

التصعيد الدولي ضد سوريا: مقابلة مع إذاعة طهران العربية

ممقابلة مع إذاعة طهران العربية
01/ 02 /2006

تاج بخش: لماذا التركيز بهذا التوقيت بالذات على سوريا من قبل الغرب ولماذا ‏تركزون انتم ايضاً في كتاباتكم عل سوريا؟ هل ترون ان الوقت بات مناسباً الآن ‏للحديث عن الاصلاح في سوريا؟
برهان غليون: اولاً لم تبدأ المعارضة الديمقراطية السوريه بالضغط على النظام ‏السوري اليوم من اجل الاصلاحات. انا كتبت اول كتاب حول الديمقراطية في العالم العربي وضرورة ‏الاصلاح الديمقراطي في عام 1976 ومازلت اكرر واقول، ان الفساد الدائم في ‏البلدان العربية، وغياب القانون وانعدام الحياة السياسية السليمة، وتأبيد حالة ‏الطوارئ والقوانين الاستثنائية يحرم المجتمعات من اي فرص للتقدم. واصلاح هذه ‏النظم هو مصلحة وطنيه، عربيه وسوريه، بصرف النظر عن كل ما تقوم به الدول ‏الاجنبيه. بل بالعكس، ان الضغوط الاجنبيه تستدعي الاصلاح الداخلي، أكثر مما لو لم تكن ‏هناك ضغوط. واذا كانت الحركة الديمقراطية قد صعدت من لهجتها في الفترة الاخيرة، فلأنها تشعر ‏ان الضغوط الخارجية تهدد فعلاً مصالح البلاد، وأن المخاطر في تزايد اذا لم يحصل اصلاح حقيقي يسمح ‏للشعوب بأن تأخذ مصيرها بيدها وان تقاوم الضغوط الاجنبيه. بعكس ما يقوله ‏بعض المسؤولين، نحن نعتقد ان تزايد الضغوط الاجنبيه على سوريا يستدعى ‏الاسراع في الاصلاح لا تجميده. ولا ينبغي أن تكون الضغوط سبباً ولا ذريعه لوقف الاصلاح.
تاج بخش: سوريا بعد القرار الدولي 1664. كيف تقرأون وضعها؟ وما هي ‏خياراتها؟
برهان غليون: خيارات سوريا كانت ولاتزال هي نفسها، في نظرنا. أعني الاهتمام بالبيت ‏الداخلي أولا. هناك سياسة امريكيه ودوليه جديدة في الشرق الاوسط ‏تدعو الى نزع سيادة الدول، اذا شئنا، او على الاقل السيادة‌ الاقليمية ‏والاستراتيجية العربية من المنطقه، لتحقيق السيطرة والسيادة الغربية. نحن نقول ‏منذ زمن طويل انه لا يمكن لنا ان ندافع عما كسبناه وحققناه من سيادة اقليمية، ‏عربيه ووطنيه، الا اذا بدأنا باصلاح البيت الداخلي، وحققنا فعلاً تقدما حقيقيا على ‏المستوى السياسي، والاقتصادي والمستوى العلمي. في البلدان العربية، النظم ‏المنخوره، النظم التي تكرس المجتمع كله لخدمة اقليه ومجموعة عوائل محدودة، لا تستطيع أن تواجه الضغوط الخارجية ولا ‏تهدف إلا إلى مساعدة النخب الحاكمة على مراكمة الثروات الخاصة.‏ ولذلك لا يمكن ان تقود الا الى انتصار المشاريع الاجنبيه. نحن نريد أن نؤكد على ان دعم ‏المصالح الوطنيه المحلية يستدعي التعامل مع الشعب وإنهاء فترة تغييب الشعب ‏وتعليق القانون وإلغاء الحياة السياسية السليمة.‏
تاج بخش: وكيف تقرأ خيار الامريكيين والاوروبيين في التعامل مع النظام ‏السوري، ضرب النظام السورى ام انقاذه؟ عبر اعادة تأهيله؟ ام اعتماد بدائل من ‏داخل النظام نفسه؟
‏برهان غليون: السياسة ‌الغربية، الفرنسيه والاوروبية بشكل عام والامريكيه خاصة، لم ‏تسع الى تغيير النظام.‏ولو كانت تسعى‌الى تغيير النظام لغيرته. تسعى كما تقول دائماً وتردد، الى تطويع ‏النظام. وهذا ما قلناه نحن منذ خمس سنوات. قلنا ان الدول الغربية تسعى الى ‏تطويع النظام من اجل استخدامه اداة في تحقيق استراتيجيتها الجديدة. وللدول ‏الغربيه اجندتها التي لا نستطيع أن نفرضها عليها. لكن علينا تقع مسؤولية عدم السماح لهذه الدول بتحقيق ‏اجندتها. كيف؟ بتطوير الاجنده الوطنيه السوريه والاجنده الوطنيه العربية، والاجنده ‏الوطنيه الاسلاميه على مستوى الحلقات الثلاثه التي ينبغي ان نعمل فيها. ما يقوم به ‏النظام هو رفض اي اصلاح داخلي، ورفض الالتزام باي اجنده وطنيه، والسعي باستمرار ‏‏(هذا ما حصل خلال خمس سنوات ماضيه) إلى عقد بصفقه مع الدول الغربية، ‏الاوروبيه والامريكيه. الآن من الواضح ان هذه الصفقه لم تحصل، كما كان ‏النظام يتوقع، او على الاقل اصبحت شروطها اصعب بكثير مما كان يتوقع. وانا لا استبعد حتى الآن ان ‏تحدث مثل هذه الصفقه، لأن النظام (كبقية الا نظمه العربيه) تميل إلى التفاهم اكثر وتتفاهم ‏بالفعل اكثر مع الدول الاستعماريه، الامريكيه والاوروبية، وتحب التعامل معها أكثر من ان تتعامل مع شعبها. فهي ‌تخاف ‏من الشعب لأن ضمان مصالحها كما فرضتها تستدعي تغييب الشعب ومنعه من المشاركه في الحياة ‏السياسية. ولذلك هي ميالة الى الصفقه وتبحث عن الصفقه،‌ ولا يهمها ابداً ارضاء ‏الرأي العام المحلي.
‏تاج بخش: ما هو موقفكم من الرغبه الامريكيه والاوروبية في ادخال الشعب ‏السوري الى الحياة السياسية؟
برهان غليون: ابداً لم يحصل ذلك. هم لم يطالبوا ولا مرة واحدة بادخال الشعب السوري في الحياة ‏السياسية. اقصى ما قالوه في يوم من الايام ان على النظم العربيه (وليس فقط ‏النظام السوري) - قالوا ذلك للسعوديين وللمصريين ولليمينين، ولكل النظم الاخرى - ‏أن تعمل على توسيع دائرة المشاركة السياسية في النظم القائمة، بمعنى اشراك فئات جديدة من النخب المحليه في الحياة الساسية. هم لا ‏يريدون ولا يتحملون، اقصد الاوروبيين والامريكيين وكل الدول الطامعة في تحقيق ‏نفوذ في المنطقة، لا يقبلون بان باخذ الشعب مصيره بيده، لا يقبلون بوجود برلمان ‏حر شعبي ووطني، وممثل فعلاً للشعب. فمثل هذا البرلمان سيكون بالضرورة معاديا للمصالح ‏الاستعمارية وللنفوذ الاستعماري أو شبه الاستعمار الغربي، ومتمسك بفكرة السيادة والاستقلال، والدفاع عن المصالح ‏الوطنية. هم ضد الديمقراطية بالعمق. وبدأوا يستخدمونها منذ ثلاث سنوات فقط بعد ‏ان غرزوا في العراق، ووقعوا في مأزق، وفقدوا مبررهم الرئيسي للحرب التي شنوها هناك وأصبحوا سخرية للرأي العام الغربي نفسه. فهم لم يستطيعوا ان يكتشفوا وجود اسلحة ‏دمار شامل، حتى يبرروا الحرب التي قاموا بها، فقالوا نحن لم نقم بالحرب من اجل ‏نزع سلاح الدمار الشامل فحسب وانما من اجل الديمقراطية. استدخوا الديمقراطية ‏فقط من اجل اضفاء نوع من الشرعية المتأخرة على مشروع احتلال اظهر فشله ‏واظهر انه ادخل السياسة الامريكيه، والسياسة الاوروبيه، في مأزق.‏هم ليسوا مع الديمقراطيه، الديمقراطية هي مطلب اصيل شعبي-عربي-وطني في ‏كل المنطقه.
‏
تاج بخش: وماهي خلفيات النزاع الذي ينشب بين الحين والآخر، بين قوى التحالف ‏الغربي من جهة وهذا النظام العربي او ذاك من جهة اخرى.... هل تمسك الغربيين ‏بأجندة مصالح وطنية هو السبب حقاً؟
برهان غليون: السبب هو ان الأنظمة العربية تعودت على وجود حد ادنى من هامش الاستقلال في ‏سياساتها الأقليمية، ورثته عن المرحلة السابقة التي سيطرت فيها خلال أكثر من عقدين حركة شعبية، قومية عربية قوية في إطار حركة التحرر الوطني العالمية التي انتشرت وعمت العالم في ‏الستينيات والسبعينات. وقد احتفظت الدول العربية بهذا الإرث الذي خلفته لها الحركة الشعبية القومية واستفادت مما كان يقدمها لها من هامش مبادرة استراتيجية إقليمية. وقد تمثل ذلك احيانا من خلال الطموح الى عمل عربي مشترك، الى جامعة عربية ذات وزن تتدخل ‏في الشؤون العربية، الى الحفاظ على حد أدنى لا يمكن التخلي عنه أمام الرأي العام من مظاهر الاستقلال، الى المطالبة ‏بتحرير فلسطين، على الأقل الجزء الذي أصبح المجتمع الدولي يعترف به للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. هكذا احتفظنا خلال الحقبة السابقة، ولسنوات قليلة ماضية، كعرب وكدول ‏وكأنظمة معا - فحتى الأنظمة الأكثر عجزا وفسادا تستفيد من هذا الهامش الموروث من المبادرة ومن ‏الاستقلالية - احتفظنا بهذا الهامش من الاستقلال الذي استفادت منه حتى تلك الأنظمة الأكثر التصاقا بالدول الغربية والأكثر عجزا وفسادا. هذا الهامش هو ماتريد ان تنتزعه اليوم منا ‏الدول الأوروبية والأمريكية، لأنها تشعر بأن ميزان القوى الإقلمي قد تغير بالفعل لغير صالحنا، مع ترهل النظم وفسادها وتغييب المجتمعات وإخراجها من الحياة السياسية. فهي تشعر بأنها أصبحت قادرة بالفعل ان تنتزع منا ما كسبناها في الحقبة الوطنية الشعبية السابقة وأن تفرض علينا الأذعان. هذا هو مدار الصراع اليوم. والنظم المتفسخة ‏، الفاسدة، التي تغيب الشعوب، تساهم مساهمة اساسية في تشجيع الأوروبيين ‏والأمريكيين على انتزاع ماتبقى لنا من هامش سيادة ومبادرة اقليمية. أما نحن فنعتقد بأننا لا نستطيع أن ندافع عن مكتسباتنا الوطنية وهذا الهامش المحدود الذي بقي لنا من دون إعادة الشعب إلى الساحة ووقف عملية الحرب الداخلية التي تشنها النخب الفاسدة عليه.
تاج بخش: تشددون على ما تسمونه عملية اعادة تأهيل الأنظمة العربية من قبل القوى ‏الغربية، كيف توضحون هذا الرأي؟ يعني ماذا عنيتم بإعادة التأهيل؟ كيف ‏تتصورون ان تتم هذه العملية؟
برهان غليون: اعادة التأهيل يعني ان تلفظ النظم العربية آخر ما حفظته من لغة الوطنية، وان تتخلى عما تبقى لها ‏من هامش مبادرة اقليمية، لصالح التعاون المطلق، ومن دون نقاش، مع الولايات ‏المتحدة الأمريكية واوروبا، والقبول بكل ما تراه مناسبا لتحقيق سيطرتها الدولية، سواء في اطار الشرق الأوسط الكبير الذي تريد ان ‏تبنيه واشنطن بما يضمن لها تحقيق سيطرتها على كل ما يتعلق بالأمور ‏الأستراتيجية في منطقتنا، من افغانستان حتى المغرب ، مروراً بايران وغيرها، ‏أو في إطار إعادة ترتيب ميزان القوى العسكرية بما يتضمنه ذلك من نزع سلاح الدمار الشامل ومنع الدول ‏العربية والدول الأسلامية من امتلاك التكنولوجية الدقيقة والعالية... الخ.‏كل ما تريده الولايات المتحدة هو هذا. تريد من الأنظمة العربية ان تقبل بأسلوب ‏العمل الذي ترتئيه للمنطقة وان تتفاعل معها وتستجيب لما تطلبه منها. أي بمعنى آخر، أن تساهم في خلق وضع إقليمي ووطني يضمن ‏لإسرائيل التوطين النهائي والشرعي والآمن في المنطقة، وأن تتخلى عن أسلحة الدمار الشامل ‏وتنتزعها هي نفسها، وترفض السعي إلى الحصول، كما ‏تفعل ايران اليوم، على التقنية النووية او تكنولوجية الذرة التي يمكن ان تشكل خطراً في المدى البعيد على ‏اسرائيل او على الاستراتيجية الأمريكية. تريد منها ان تفتح اسواقها ايضاً، ‏ضمن اطار فكرة العولمة الليبرالية، وتوحيد السوق العالمية وتطبق مباديء حرية التجارة بمفهومها السائد. تريد منها ‏اصلاحات ادارية تمكنها من ان تتعامل اقتصادياً بشكل طبيعي مع هذه البلدان الغربية واقتصاداتها الحديثة. هذه ‏هي الأجندة الأمريكية- الأوروبية التي تهدف إلى إدراج الشعوب العربية والمجتمعات الأسلامية ‏جميعاً في النظام العالمي الجديد اذا شئنا، نظام العولمة. فهي تريد ان تدمجها في منظومتها بعد أن أبقتها لفترة طويلة بسبب تراث التحرر الوطني مهمشة ومستبعدة منه إلى حد كبير. لكنها ليست مستعدة لأن تقوم بذلك ما لم تتخلى هذه الدول عن تراث الماضي القومي والوطني، أو عما اصبح يبدو عند ‏الأمريكيين والأوروبيين من قبيل الاوهام التاريخية غير الفعالة وغير المقبولة، أوهام العروبة والقومية والوطنية والاستقلال والخصوصية الاسلامية أو الثقافية. كل ‏هذه الأمور هي موضوع الصراع بيننا وبيينهم.
‏تاج بخش: المنطقة العربية، ماذا يراد لها من جانب التحالف الغربي؟ هل يراد لها ‏ان توضع في منظومة استعمار اقليمي جديد، ام يراد لها شرق اوسط ديمقراطي ‏بكل ما للديمقراطية من معنى؟
برهان غليون: لا. يراد لها ان تقبل بما ذكرت وأن تندرج ضمن اطار نظام انا سميته نظام شبه ‏استعماري مجدد. تريد ان تعيد تأهيل النظام الاستعماري، او شبه الاستعماري، الذي ‏نشأ بعد انهيار الحركة القومية والشعبية العربية، وحل محلها. وهو النظام الذي يعاني اليوم من أزمة عميقة عبر عنها تفكك الجامعة العربية و انتشار ‏النزاعات العربية- العربية، والعربية- الإسلامية، مثل الحرب العراقيه –الأيرانيه، والحرب الاسرائيلية الفلسطينية التي لا تنتهي وتفجر الحركات الارهابية في موازاة تفجر المجتمعات الشرق أوسطية ‏‏... الخ. تريد الآن بالضبط ان تستفيد من الضعف الهائل الذي وصل اليه العالم ‏العربي، من اجل ان تعيد بناء النظام الإقليمي شبه الاستعماري على أسس تبعية أقوى بعد أن تنزع عنها ما تبقى من إرث الحركة الشعبية الوطنية العربية كما قلت، حتى تستطيع أن تضمن استقرارا أكبر وأطول وأن تنتهي من بؤرة التوتر الدائمة في فلسطين وتضع حدا للنزاعات المحلية التي تؤكد الاستقلال النسبي للدول القائمة عنها. وهي تعتقد أن استمرار تفكك النظام الشرق أوسطي القائم وتحلله يشكل خطرا على استقرارها وأمنها الوطني اليوم الاستقرار والسلام العالميين أيضا. وهو ما أكده ما حصل في عملية 11 ايلول وضرب مركز ‏التجارة الدولي عام 2001. اذاً هناك شعور بأن النظام الذي بني منذ السبعينات في هذه ‏المنطقة على انقاض الحركة الشعبية القومية العربية، اصبح في ازمة ولابد من ‏اعادة بنائه بشكل جديد، يضمن استمرار النفوذ الغربي ، واستمرار تبعية الشرق ‏الأوسط، يعني العرب بشكل اساسي والايرانيين والإفغان وغيرهم، لأهداف ومطالب ‏الاستراتيجية الأطلسية، التي تؤمن المصالح الأمريكية والمصالح الأوروبية.‏
تاج بخش: هناك من يرى ان الأنظمة العربية باتت بين خيارين لا ثالث لهما، اما ‏الخضوع الكامل للأرادة الغربية او مواجهة خطر السقوط، هل هناك خيارا ثالث ‏غيرهما؟
برهان غليون: الخيار الثالث هو ان تقبل بأن تقوم بتنازلات لشعبها، بدلاً من ‏ان تقوم بتنازلات للولايات المتحدة الأمريكية او للأوروبيين. وهذا ماتطالب به ‏حركات المعارضة الديمقراطية في البلدان العربية. نحن نقول لا يمكن ان تستمروا ‏كما كنتم حتى الآن. انتم في مأزق وازمة مستمرة لا مخرج منها. ولن تستطيع هذه الأنظمة ان تستمر مهما فعلت. فإما أن تقوموا بتصفية نظمكم الشمولية لصالح شعوبكم، بما يعنيه ذلك من القبول بالانفتاح والانتقال نحو نظم ديمقراطية تعددية بالطرق السلمية، ومحاربة الفساد ووقف نهب المال العالم ومراكمة المليارات من الدولارات على حساب الشعب الفقير، وهو ما يفتح آفاقا جديدة أمام البلدان العربية، ويعزز مواقع هذه المجتمعات ‏تجاه الضغوط الاجنبية، او تقبلوا بالصفقة مع الدول الأجنبية التي تقدم لكم دعماً ‏جديداً من اجل الاستمرار، كما حصل مع النظام الليبي. فانتم امام خيارين في الواقع لا غير : الخيار ‏الليبي، او الخيار الذي لم يحصل بعد، وهو التنازل حقيقة للشعب، وبناء نظم ‏ديمقراطية اجتماعية تحترم الانسان وتحترم الشعب وارادته، وتحترم حقوق ‏الأفراد، وتحترم القانون. نحن نعيش في بلدان لا تحترم القانون، بل في ظل نظم ليس فيها ‏قانون، ليس فيها حياة قانونية على الأطلاق. هناك حالة من الإستثناء التي تسمح ‏لأجهزة الأمن بالتسلط والسيطرة والاعتقال والقتل كما تشاء. فهي ليست ‏خاضعة لأي حساب او مسائلة امام اي جهة سياسية او اجتماعية او ادارية. هذا ‏وضع غير مقبول اطلاقاً ولم يعد يطاق. وهذا هو الذي دفع الأمريكيين والأوروبيين الى ان ‏يستضعفوا النظم، ويقولوا نستطيع ان نطوعها وان نجعلها اداة في استراتيجيتنا ‏الدولية، بل أن نراهن على احتمال دعم الشعوب التي تلوعت على يديها لخطة إخضاعها لأوامرنا. هذا نموذج الحكم الذي لم يعد قابلا للاستمرار ‏مهما كان الثمن لا من قبل الشعوب ولا حتى من قبل الدول الكبرى ذات النفوذ العالمي التي تخشى انفجار الشعوب أيضا ومخاطره عليها بسبب ما يقود إليه من تدهور في شروط حياة الناس وإهدار فج لحقوقهم المدنية والسياسية. فليس أمام النظم هذه إلا أن تقبل الاعتراف بالشعب وتسليمه فعلاً مصيره، او ان تتجه في الاتجاه الذي ‏ذهب اليه القذافي، يعني بالتنازل للغربيين، والقبول بالعمل ‏ضمن استراتيجيتهم الخاصة للسيطرة الدولية، من اجل ان تضمن كبح جماح ‏شعوبها والسيطرة المستمرة المشتركة أو الثنائية على هذه الشعوب.
‏تاج بخش: ماهي الخيارات المطروحة امام الشعوب العربية عموماً والشعب ‏السوري خصوصاً في هذه المرحلة... هل هي نفسها خيارات الأنظمة؟
برهان غليون: لا ابداً. مطروح اليوم على الشعوب خيار كسر قيودها التي وضعتها في ما يشبه حالة الاستعباد والتضامن من أجل بناء نظام ديمقراطي ‏يتفاعل مع الإرادة الشعبية ويمثلها، يشكل وحده درعاً حقيقياً للدفاع عن المصالح ‏الوطنية ضد الضغوطات الأجنبية. وهذا يستدعي العمل من اجل نظم تمثيلية، تنبع القيادة فيها من انتخابات نزيهة، دورية، تجسد ارادة الشعب وتطبق ‏برنامج اصلاحي يتفق مع مصالح الشعب، في مقدمته: استعادة هيبة القانون، ‏الذي حطم تحطيماً كلياً من قبل الأنظمة الراهنة، اعادة الحياة السياسية وما تعنيه من تعددية ومنافسة نزيهة على كسب الرأي العام بين القوى السياسية، تحسين شروط الحياة الاجتماعية عن طريق التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد بشكل قوي ونهائي وحاسم وليس التلاعب به من فترة لأخرى كوسيلة لتبييض صفحة النظام وتخدير الشعب بالوعود الاصلاحية، تطوير التعاون والتفاهم الإقليميين بين ‏الدول العربية والدول الأسلامية بما يعزز موقعنا جميعاً في مواجهة الضغوط ‏الخارجية. ويشكل كل هذا برنامجا متكاملا لاستعادة المبادرة الاستراتيجية والسياسية التي فقدناها أو نحن على طريق فقدانها بسبب سياسات نظمنا الأنانية واللامسؤولة واللاعقلانية. ومستقبلنا مرتبط بقدرتنا على استعادة ‏زمام المبادرة من اجل اعادة بناء ما تهدم من بنياننا وأخذ مصيرنا بيدنا، وعدم السماح للآخرين بأن يكونوا ‏هم ولاة امرنا، وهم الذين يتحكمون بالطريقة التي سوف نعيد بناء انفسنا بها، اي ‏في الواقع بإعادة بناء نظامهم، النظام الاستعماري او شبه الاستعماري الجديد.‏
تاج بخش: ماذا يمكن للقوى الديمقراطية في الدول العربية ان تفعله في تعاطيها مع ‏استبداد حاكم واحتلال اجنبي قادم او في الأقل تعلق بأذيال المصالح الأجنبية؟ب
رهان غليون: مانفعله حتى الآن هو تعبئة الشعب، وتوعيته ‏بحقوقه ومصالحه وبالحياة السياسية السليمة، وتنظيمه، حتى نستطيع فعلاً ان نقود ‏نحن انفسنا، ومن داخل مجتمعاتنا، حركة التغيير باتجاه الديمقراطية. لأن التغيير ‏لا يمكن الا ان يعكس، في اهدافه وماسيصل اليه، القوى التي قامت به. اذا قامت القوى الاستعمارية والأمريكية بالتغيير، ستكون النتيجة ان الأمريكيين هم الذين ‏سيستفيدون من التغيير, أما اذا قمنا نحن بالتغيير، أعني الشعوب العربية والاسلامية، ‏فهي التي ستحدد مضمون هذا التغيير وتقطف ثماره وتوظفه لتحقيق مصالحها، سواء فيما يتعلق بالمشاركة ‏السياسية وتأسيس حياة ديمقراطية سليمة، او فيما يتعلق بإعادة النظر في السياسات ‏الإقتصادية وبشكل خاص في السياسات الاجتماعية التي وصلت الى درجة من الفساد لم يعد من الممكن احتمالها، إذ انقسمت المجتمعات على أثرها بين اقلية محدودة مكونة من أسر تكاد تعد على أصابع اليد تملك المليارات، وأغلبية يصل حد الفقر في وسطها احياناً الى 70-60% . ويبلغ معدل الذين يعيشون تحت حد الفقر في سورية نفسها اكثر من ‏‏30% . ‏بينما تضرب البطالة القسم الأكبر من الشباب الذين لم يعد لديهم أي أمل في الحياة الكريمة. ماالذي أوصلنا لذلك؟ وما الذي يبرر مثل هذا التدهور الخطير في الأوضاع الاجتماعية ؟ إنها سياسات الاستهتار المطلق بمصالح الشعب ‏الوطنية، ومصالح الشعب الاجتماعية. من هنا فإن التغيير مصلحة شعبية، ولا يمكن تحقيقه ‏وتحقيق اهدافه، في الديمقراطية والمساواة والعدالة والكرامة الأنسانية، الا اذا قامت ‏به القوى المحلية. ودور القوى الديمقراطية هي ان تنظم هذه القوى وتعبئها وتعيد ‏توحيد الشعب وتنظيم صفوفه من اجل الوصول الى هذا التحول الديمقراطي السياسي والاجتماعي معا. لذلك، لا يهمنا ماذا يفعل الأمريكيون، ولا ماذا يفعل الأوروبيون. نحن ‏لنا اجندتنا الخاصة، ولنا مشروعنا الخاص، ولنا سياستنا الخاصة، ونسير في خطنا. ‏وسنقف ضد الاستبداد وضد الاحتلال وضد الاستعمار في الوقت نفسه. وهذا ‏مانفعله حتى الآن. ونحن منسجمين مع انفسنا، لأننا نعرف بأننا، مهما حصل، لا ‏يمكن ان ننجح في تحقيق اهدافنا، الا اذا قمنا بها بأيدينا، وبنينا القوة التي ستحميها ‏في المستقبل. فالذي سيحمي الديمقراطية في المستقبل ويحملها على أكتافه، ليس الدعم الأمريكي ولا ‏الدعم الأوروبي وإنما وجود قوى ديمقراطية ‏شعبية حقيقية، داخل بلداننا. اذا لم ننجح في تحقيق ذلك نكون قد خسرنا ‏المعركة وفتحنا المجال امام تفاهم جديد بين النخب المستبدة الفاسدة، والنظام ‏الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. نحن نأمل بأن نستطيع التغيير، من ‏خلال تعبئة القوى الاجتماعية المحلية، وتنظيمها ودفعها الى التعامل الايجابي فيما ‏بينها ايضاً، وانجاز مصالحة وطنية حقيقية، تجنبنا الحروب والنزاعات وحركات ‏الإنتقام، وتصل بنا فعلاً الى حالة من الحياة المدنية الطبيعية، أي إلى الخروج من الحالة ‏الاستثنائية نحو حالة من الحياة السياسية والاجتماعية السليمتين. نحن لسنا مختلفين ولا نريد ان نكون ‏مختلفين عن الشعوب التي تعيش في ظل قوانين واضحة، في اطار ‏حياة سياسية تقوم على التفاعل والتفاهم والنقاش والحوار والتنافس بالوسائل السلمية، ‏يحترم فيها الفرد الفرد الآخر ولا يهدده ولا يستخدم ضده القوة والسلاح والسجن والاغتيال لأنه يختلف معه بالرأي ولا يحرمه من حرية التعبير عن الرأي أو التظاهر أو النقاش ويستخدم في وجهه أساليب الترعيب والترهيب ليخضع ويذله ويجعله أداة طيعة لخدمة أغراضه الخاصة، كما هو حاصل الآن. نحن نريد ان تشعر الشعوب العربية بأنها مكونة ‏من بشر طبيعيين، لهم حقوق وعليهم واجبات ويستطيعون ان يفكروا ويشاركوا ‏وينافسوا غيرهم، تحكمهم قواعد العقل والأخلاق، ويمكن المراهنة على ضمائرهم المدنية لاتباع طريق الصلاح والعمل الايجابي، لا أن يعاملوا كالانعام ويحجر عليهم ويحرمون من حرية التعبير والتنقل والتنظيم، بل التفكير، ويقادون بالسياط والسلاسل. نريد ان نخرج من هذه الحالة الاستثنائية التي حكم فيها على المجتمعات بأن لا تعرف في حياتها سوى العنف والزجر والضرب والإهانة والقمع نحو حالة يشعر ‏فيها العربي والمسلم بأنه إنسان، له كرامة وله حقوق، له دور ومكانة وموقع واحترام، وهو قادر على المساهمة ‏الايجابية في جميع شؤون حياة المجتمع الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية. ومن دون ذلك كيف سيكون بإمكاننا أن نطور شعوبنا. وماذا سنحصد اذا شعر أي فرد بأن ليس عليه مسؤولية، وهو غير أهل، وليس لديه القدرة ولا الكفاءة ولا الحرية ليفعل شيئاً، وان المخابرات هي الوحيدة التي تستطيع ان تفعل كل شئ: تبني المجتمع وتحميه من نفسه وتدافع عن ‏الوطن وتقف ضد الأجانب وتسير الاقتصاد وتقود العمل السياسي، وتنشر الثقافه، وتقرر ماهو الصحيج وما هو الفاسد في العلوم والمعرفة، وماهو لازم للبث في وسائل الإعلام وما لا يحق للمجتمع معرفته أو الإطلاع عليه.‏لقد تحولت مجتمعاتنا الى دمى تحركها اجهزة لا يهمها سوى مصالحها وتأبيد ‏سيطرتها، لا تملك شيئا من الوعي السياسي ولا تهتم أصلا بالسياسة. جوهر تفكيرها الحرب ولا تفهم في مواجهة الشعوب التي تتحكم بها سوى لغة الضرب والقتل والارهاب والتخويف لفرض الصمت والإذعان والانسحاب من الشؤون العامة والانطواء على النفس على الجميع. في مثل هذه الحالة، كيف تريدون لهذه الشعوب ‏ان تكبر وتتطور، وان تواجه الهجومات والضغوطات الغربية؟
تاج بخش: ماالمطلوب من الشعب السوري في هذه المرحلة الراهنة؟
برهان غليون: المطلوب من الشعب السوري ان يتعبأ ويلتف حول قوى المعارضة ‏الديمقراطية، من اجل ايجاد بديل ديمقراطي سلمي للنظام القائم، الذي خان الأمانة الوطنية وتخلى عن المصالح الشعبية عندما قبل بتعميم الفساد، وتساهل مع تغييب القانون، وعلق الدستور بالأحكام العرفية والاستثنائية ، وسلم الشعب مقيد اليدين، فريسة سهلة لأصحاب المصالح الخصوصية والأنانية بمساعدة الأجهزة الأمنية وتحت إشرافها.
‏تاج بخش: وكيف تقرأون وضع النظام السوري بعد قرار مجلس الأمن الأخير ‏رقم 1664؟ .... يعني كيف ترسم لنا صورة النظام بعد القرار ، اياً كانت نتائج ‏ومضاعفات تقرير لجنة التحقيق الدولية؟
برهان غليون: النظام السوري بعد هذه القرارات، او بالأحرى بعد الأخطاء الكثيرة التي ارتكبها في معالجة الأوضاع التي أدت إلى التصويت على هذه القرارات، هو كالمحكوم بالأعدام مع وقف التنفيذ. لقد فقد ‏رصيده الداخلي، فلم يعد احد يؤمن بأنه أهل لقيادة السياسة المحلية الوطنية. كما أن إضاعة البرلمان وأعضائه لصدقيتهم وتصرفهم كما لو كانوا أدوات طيعة في خدمة السلطة التنفيذية من دون أي هامش حرية، حتى مظهرية، قد جعل من جميع القوانين والقرارات التي يسنها النظام قرارات وقوانين شكلية خالية من الشرعية والفاعلية. هناك شعور متزايد إذن بأن البلاد تفتقد للقيادة السياسية. وفي الوقت نفسه فقد النظام أيضا صدقيته لدى الدول الأجنبية التي يراهن على التفاهم معها لكبح جماح الحركة الديمقراطية وصعود حركة المطالب الاجتماعية والسياسية. لا يهمنا اليوم كيف وصل النظام الى هذا الوضع. المهم أن ننقذ البلاد وأن نطور قوى المعارضة الوطنية، ونوحد الشعب، ونعيد ‏توعيته، ونعيد تنظيمه، من اجل تغيير النظام ‏الراهن، واقامة نظام جديد، ديمقراطي، قائم على دعم شعبي وقاعدة وطنية ‏حقيقيين. هذا هو الطريق الوحيد اليوم لضمان احترام مصالح الشعب الوطنية و‏الاجتماعية، في سوريا وفي جميع البلدان العربية والاسلامية على حد سواء.‏
تاج بخش: ماهو البديل عن النظام الناجز في سوريا؟
برهان غليون: البديل هو ببساطة نظام ديمقراطي وتعددي. أما غير ذلك فليس هو مشروعنا ولا هدفنا. نحن ‏نريد ان نخرج من هذا النظام الذي يقوم على تسليط اجهزة الأمن، ولا يؤمن الا ‏بالعنف، لتسيير الجماعات، ونحل محله نظاما ديمقراطيا تعدديا، ‏يحترم كرامة الانسان ويعترف بحقوقه، ويراهن على مشاركة المواطن الايجابية، من اجل الأصلاح. كيف يمكن تحقيق الاصلاح والقضاء ‏على الفساد اذا بقي موقف المواطن سلبيا؟ اذا كانت الأجهزة التي تريد ‏ان تحارب الفساد، هي نفسها فاسدة، على من نراهن؟ نحن لا يمكن ان نراهن الا ‏على وعي المواطنين وارادتهم ومشاركتهم، والتزامهم من اجل التغيير ومحاربة الفساد الذي دمر المؤسسات، بما في ذلك الدولة نفسها وشوه مفهومها وفكرتها. نحن نعتقد، في اطار حركة المعارضة ‏الديمقراطية، ان العمل من اجل التغيير هو مخاض للشعب السوري لا بد أن تولد منه حركة ‏خلاص وطني حقيقية، محمولة على موجة نهوض شامل على جميع المستويات الفكرية ‏والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية في الوقت نفسه.‏هذا لا يعني ان النظام الديمقراطي ليس فيه نقائص ولا يحمل في طياته أية مخاطر، ولا يواجه أو لن يواجه العديد من التحديات. ليس هناك مسيرة من دون مخاطر وتحديات. علينا أن نواجه هذه المخاطر والتحديات. ونحن نعرف أنه، بالرغم من كل شيء، ‏ليس هناك نموذج أفضل لقيادة المجتمعات وتسيير شؤونها من الإدارة الديمقراطية.وإذا كنا نحن العرب قد فقدنا احترام الشعوب والمجتمعات الأخرى، بما فيها المجتمعات الإسلامية، لنا فلأننا أظهرنا استهتارا غير مقبول ولا مفهوم بالقيم ‏والمبادئ والنظريات التي اقرها الرأي العام الدولي بأكمله، وفي مقدمها الديمقراطية وأصول الحياة المدنية والسياسية القانونية. ولا بد بعد هذا الضلال الكبير أن نعود إلى أنفسنا، وندرك أنه لا بد للفرد أن يحترم في بلادنا وأن يعرف أن له حقوقا وعليه واجبات ومسؤوليات، وأن الدولة لا يمكن ان تقوم ‏بدون قانون، وان المؤسسات لا يمكن ان تعمل على قاعدة الولاء الشخصي أو ‏القبلي أو الطائفي أو العشائري، وانه ينبغي ان يكون هناك معايير موضوعية لتسيير ‏المؤسسات ومباديء أخلاقية للتعامل مع البشر. نحن تجاهلنا كل هذا، واستهترنا بالقيم والمعايير الانسانية، ولذلك أصبح المجتمع الدولي يستهتر بنا، ويستوطي حيطنا ‏، كما نقول نحن في لغتنا المحلية، لأننا بالفعل وصلنا الى درجة من البؤس الفكري، ‏والبؤس السياسي، والبؤس الاقتصادي، والبؤس الاجتماعي، والبؤس العلمي، ما يتجاوز حدود المعقول، وما يجعل الآخرين يعتقدون أن من واجبهم التدخل في شؤوننا وإصلاح أحوالنا. ولا يخرجنا من هذا الفخ الذي نصبناه لانفسنا سوى مبادرتنا، نحن ذاتنا، إلى إصلاح السوء فينا. هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهنا. ويحدونا الأمل، ونحن أبناء أمم عريقة، أن يكون ما عشناه من تجارب أليمة درسا لنا يساعدنا على التحرر من أوهامنا ويمكننا من الارتقاء إلى مستوى التحدي والرد الناجع عليه.

دفاعا عن مشاعر التضامن العربي النبيلة

اتحاد 1 فيفرييه 06

أثار المؤتمر التضامني الذي عقده اتحاد المحامين العرب في دمشق في منتصف كانون الثاني الجاري ردود أفعال متفاوتة في وسط الرأي العام. وبالرغم من أن الكثيرين قد نظروا إليه كتظاهر للتضامن مع سورية، نظر إليه أغلب أبناء الشعب السوري كتظاهرة للتضامن مع النظام. لا بل إن الشعارات التي أطلقت في المؤتمر من قبل المشاركين أو المؤطرين لهم، والتي ركزت جميعا على شخص رئيس الدولة، الذي وسم بأنه جمال عبد الناصر القرن الواحد والعشرين، ورمز الوطنية والسيادة العربية والسورية معا، أعطت الإنطباع بالفعل بأنه لم يكن للمحامين العرب هدف آخر من عقد هذا المؤتمر في دمشق سوى دعم رئيس الجمهورية السورية، وتكريس زعامته للأمة العربية، وتأييده في مواجهة ما تثيره ضده لجنة التحقيق الدولية. حتى قال بعضهم من القاعة: حتى لو أردت لقاء لجنة التحقيق فسوف نمنعك، نحن المحامين العرب، من ذلك بالقوة.
وبصرف النظر عما يبعثه مثل هذا التضامن الفج من انطباع سلبي لدى الرأي العام العربي والعالمي، يعمل على عكس ما يرمي إليه تماما بسبب ما يثيره، في ظروف توجيه يد الاتهام للنظام السوري في عملية الاغتيال المريعة التي قضى فيها رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، من شكوك حول احتمال مشاركة الرئيس نفسه في العملية، يطرح تكرار مثل هذه التظاهرات، التي كانت قد بلغت أوجها في السنة الأولى لسقوط نظام صدام حسين، أسئلة عديدة على الأحزاب والمنظمات والمثقفين العرب، الذين ينتمون أو لا يزالون يتمسكون ببعض مباديء الحركة القومية العربية وشعاراتها. فهل يمثل نظام بشار الأسد بالفعل امتدادا للحركة القومية العربية وهل يستحق النظام السوري الدعم الذي يقدمه له قطاع واسع من الرأي العام العربي، وهل هو النظام الأفضل للحفاظ على المصالح السورية والعربية اليوم؟ وهل يصب هذا الدعم في صالح تعزيز موقف سورية، الوطن والشعب، في مواجهة الضغوطات الأجنبية، أم أنه يقود إلى تعزيز مواقف النظام في مواجهة الشعب والمعارضة السوريين الذين يطالبان منذ عقود بوقف الفساد المعمم وإصلاح الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والقضائية السائبة، ووضع حد لنظام التمديد التلقائي لنظام السيطرة الأمنية الذي تتحكم به أجهزة مخابرات مطلقة الصلاحية، تضع نفسها فوق المساءلة والقانون، بل هي التي تصنع القانون كما تصنع الحياة العمومية، الاقتصادية والسياسية والنقابية والثقافية والعلمية؟ وهل تفيد مثل هذه المؤتمرات ومظاهر التضامن العشوائية التي ترفض التمييز بين الدولة والنظام، مصالح الأمة العربية، إذا صرفنا النظر عن المصالح الوطنية السورية؟
لا شك أن القسم الأكبر من الجمهور العربي، الشعبي والمثقف، الذي يتضامن مع سورية، يعرف طبيعة النظام السوري الراهن كما عرف طبيعة نظام صدام البائد، ولا يتردد في توجيه الانتقاد له في السر والعلن. والدليل أننا لم نعد نقرأ مؤيدا لا يحيط تأييده بشروط تشمل دعوة النظام إلى تعزيز الوحدة الوطنية عن طريق الانفتاح على الشعب السوري وتحقيق الاصلاح والديمقراطية ووقف العمل بالقوانين الاستثنائية المدمرة لأي مجتمع يريد الحياة. فجميع المتضامنين مع سورية، وهم أغلبية ساحقة من العرب، يحركهم الخوف على سورية ويعتقدون أنهم يدعمون، من وراء دعم النظام السوري، الشعب السوري نفسه وقضاياه الوطنية. لكن ليس هناك شك أيضا في أن القسم الأكبر من الرأي العام السوري الملوع بنظام الحكم بالأجهزة الأمنية وعن طريقها ولصالح رجالاتها وأقاربهم ومواليهم لا غير، أو أغلبية هذا الرأي السوري الساحقة، يعتقدون بأن مثل هذه المهرجانات والتضامنات لا تخدم قضيتهم ولكنها تصب مباشرة في خدمة النظام. فهي لا تزن كثيرا في ميزان المواجهة مع الخارج ولا يعتد بها في موازين القوى الدولية، لكنها شديدة الأهمية في ما يتعلق بتعزيز موقف النظام، المثابر على رفض الانفتاح والاصلاح معا والتغطية على العجز والفساد وكبت الحريات العامة وتقييد الحقوق السياسية، في مواجهة الرأي العام الداخلي. ومما يعزز من هذا الاعتقاد أن مثل هذه التضامنات لا تحصل أبدا للدفاع عن قضايا الشعب ومصالحه في مواجهة انتهاكات السلطة حقوقه، في سورية أو غيرها من البلاد العربية المفجوعة بنظم مثيله، ولكنها تكاد تكون موصى عليها. فهي تأتي في الوقت والمكان المناسبين لحماية النظام وتقديم غطاء سياسي له وتزويده بشرعية قومية كاذبة في مواجهة الشرعية الديمقراطية.
لكن، مع ذلك، ليس المحامون والمثقفون إلا قطاعا بسيطا من قطاعات الرأي العام العربي الواسعة التي تتخذ الموقف نفسه. وهي أغلبية اعتادت أن لا تولي أهمية كبيرة لشروط حياة الشعب وعلاقة سلطته العامة به، ولا تأخذها بالاعتبار، عندما يتعرض أي بلد أو أي نظام لضغوط خارجية. وهو ما يشكل جزءا من تراث الحركة القومية العربية، حتى لو اتخذ هذا الشكل أكثر فأكثر طابعا عصبويا متزايدا وخضع لأخلاق الجاهلية القائمة على قاعدة انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فالمسألة أعمق بكثير إذن من مسألة محامين ومثقفين، وبالتالي مما يتبادر إلى ذهن بعض أنصار حركات المعارضة الديمقراطية في البلدان العربية من أنه ليس وراء تظاهرات الدعم هذه سوى الانتهازية ورغبة بعض الوصوليين في الاستفادة من كرم الضيافة الدمشقية أو حتى في نكء جراح بعض المصابين بحنين القومية الشعبية لسنوات الخمسينات والستينات. إنها مسألة أكبر تتعلق بتشوش الوعي الوطني العربي نفسه، وفصله الطويل والإشكالي بين الوطنية بمضمونها الداخلي المرتبط باحترام حقوق المواطنين ومصالحهم، ومضمونها الخارجي المرتبط بالدفاع عن سيادة الدولة واستقلال البلاد ومصالحهما السياسية. ولا يمكن ايجاد مخرج من هذا الاختلاط والتشوش من دون عودة إلى مسألة الوطنية نفسها وإعادة النظر في تحديداتها.
بعكس ما تنزع إليه بعض الاتجاهات التي يحركها العداء للفكرة القومية العربية، والتي ترى في مثل هذا التضامن تعبيرا عن تخلف العرب وتمسكهم بالماضي، وتنظر إلى التضامن العربي العربي نظرة سلبية لتؤكد استقلالية كل دولة عربية وعزلتها الكاملة عن الدولة العربية الأخرى، يشكل هذا التضامن مكسبا كبيرا وهاما يستحق أن نحافظ عليه ونغذيه ونرعاه معا. ما هو سلبي وسيء ليس شعور الشعوب العربية بضرورة التضامن مع الدول والشعوب العربية الأخرى عندما تتعرض لمحنة أو ضغوط خارجية. هذا هو التقليد الذي كنا ولا نزال نعمل لبنائه والاستثمار فيه لأنه يشكل أفقا لا بد منه لتجاوز النزاعات العربية العربية وبناء قاعد للعمل العربي المشترك والاتحاد بين الشعوب في المستقبل. إن ما هو سلبي هو أن تستغل النظم العربية الحاكمة هذا التضامن العفوي والتلقائي في سبيل توظيفه للتغطية على سياساتها اللاوطنية واللاشعبية واللاإنسانية. بل إن بعضها قد أدرك بحسه الكلبي أنه يستطيع أن يمرر أي سياسة أجرامية بحق شعبه من خلال إثارة المواجهة الشكلية والسطحية، أو إدعاء المواجهة مع القوى الدولية والاستعمارية، قبل أن يعود فيمهد للتفاهم مع هذه القوى والمساومة على المصالح الوطنية.
ما العمل إذن من أجل أن لا يستغل التضامن العربي النبيل من قبل هذه النظم الاستبدادية لتأبيد وجودها وحرمان شعوبها من حقوقها الطبيعية باسم القومية أو الدفاع عن كرامة الأمة العربية؟ هذا هو السؤال وتلك هي القضية التي ينبغي على جميع المشاركين في هذه النشاطات أن يفكروا فيها قبل القيام بأي عمل يمكن أن يقود إلى عكس الأهداف التي يسعون إليها. فالاستخدام الدنيء للمباديء القومية سيقود حتما إلى كفر الشعب بها بل ربما العداء لها، كما هو حاصل عند قطاع مهم اليوم من الرأي العام العربي الذي يشعر أنه خدع بشعارات القومية والوطنية وهو مستعد للتسليم لأي قوة داخلية أو خارجية تنقذه من دعاتها والمتمسحين بها لخدمة أغراضهم ومصالحهم الفئوية.
والجواب في نظري بسيط. على جميع المنظمات والأحزاب والنقابات وقطاعات الرأي العام العربية أن تشرط تأييدها ودعمها لأي نظام في مواجهة الضغوط الخارجية باحترامه حقوق شعبه الوطنية، أي أن تجعل من الوطنية رديفا للحقوق المواطنية وليس فقط للمحافظة على مظاهر السيادة والاستقلال الخارجية. فالوطنية لا تنفصل. والسيادة الخارجية تجاه الدول الأجنبية لا قيمة لها إن لم تعبر عن السيادة الشعبية الداخلية، لأنها من دونها ستكون سيادة الفئة الحاكمة فحسب، بما يعنيه ذلك من توظيف الدولة والشعب في خدمة مصالح هذه الفئة وحدها. وعندما ينتفي الرابط بين السيادة الخارجية والداخلية الشعبية لا يبق هناك أي عقبة كي يتم التفاهم بين النظم والدول الاستعمارية من خلف ظهر الشعوب وعلى حسابها. فلماذا يتعارض فضح الفساد المستشري والعمل الجماعي لاستئصاله مع بناء مقاومة وطنية؟ وكيف يمكن تعزيز الوحدة الوطنية بفتح السجون والمعتقلات لجميع أولئك الذين ينادون بالإصلاح والتغيير بالطرق السلمية؟ التمييز بين الوطنية والوطنية الكاذبة هو الشرط الضروري كي لا نحرق آخر ما تبقى لنا من العروبة المغدورة، أعني مشاعر التضامن العربي النبيلة. وقديما قال الشاعر : أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.

lundi, janvier 30, 2006

رسالة من أسير سوري في سجون الاحتلال في الجولان

ا
تحية جولانية وبعد
بداية اسمح لي أن أعرف عن نفسي. أنا الاسير السوري وئام محمود عماشة من قرية بقعاتا في الجولان السوري المحتل من التراب الصامد تحت قمم جبل الشيخ. مضى من عمري 25 عاما وخصلة شيب تشهد على فظاعة المحتل. اعتقلت المرة الأولى عام 1997 وكان عمري 16 عاما وحكم علي سنة ونصف وأعيد اعتقالي عام 1999 بعد ستة شهور من الافراج عني. وحكم علي خمسة سنوات. وقبل أن أشرف على نهاية هذا الحكم تمت إعادتي من السجن إلى أقبية التحقيق لأجد أمامي عدة تهم تصب بمصابها النهائي في مقاومة الاحتلال ليضاف للسنوات الخمس عشرون سنة. هذا هو واقع الجولانيين والشعوب الرازحة تحت نير الاحتلال الغاشم. ولست الأسير الوحيد من الجولان، بل عددنا اليوم 11 أسيرا وبيننا امرأة. وقد دخل السجون خلال فترات مختلفة عدد كبير من أهالي الجولان. وقد حاولنا خلال سنوات طويلة تطوير الصلة بدمشق والسلطة في سوريا. إلا أنها اقتصرت على بعض الصلات الأمنية وبقي المواطن السوري دون معرفة ووعي بهذا الملف. ليس بشق الأسرى فحسب وإنما بمستوياته المختلفة. والحقيقة فقد كنا دوما حذرين في طرح مواقفنا وآرائنا تجاه ما يجري في الوطن من تغييب للحريات والديمقراطية والفساد وتغييب المواطن والمواطنية، لكننا أدركنا وتحديدا بعد أن استشهد أحد رفاقنا هايل أبو زيد، بعد قضاء عشرون عاما في الأسر، أدركنا عمق الصلة والارتباط بين فقداننا لحريتنا داخل الأسر وفقدان المواطن لحريته في الشام وعالمنا العربي عموما. نحن نرى اليوم هذه الأوطان سجونا ليست أقل من سجننا، فإذا كان سجننا المادي، والاحتلال في الجولان قسم العزل في هذا السجن الكبير، فإن أوطاننا العربية هي سجون تقتل كل إمكانية تحررنا من هذا العزل عن الوطن الأم. لقد أدركنا بأن أكبر توازن استراتيجي يمكن أن نحققه كدول عربية هو منح المواطن حريته وحقه في ممارسة الديمقراطية.
من هذه الزاوية ومن هذا الباب نرغب بالتواصل معكم ومع غيركم من المفكرين العرب، على أمل أن نتمكن من خلالكم الوصول لعقول المواطن السوري والعربي عموما لتعريفهم بملف الجولان من جهة ومن جهة أخرى التعريف بقضية الأسرى السوريين.
وعليه آمل أن ترى هذه الرسالة كبداية وتعارف أولي. كما نرجو أن تزودنا بانتاجك الفكري الذي وصلنا منه بعض المقالات واطلعنا على المقابلة التي أجرتها معك محطة الجزيرة وشاهدنا إطلالتك الغنية على محطة ل بي سي في برنامج الحدث.

ختاما لك منا خالص التقدير والاحترام
التوقيع وئام
معتقل الجلبوع
22/1/2006


في الجولان
الأخ العزيز وئام عماشة

تلقيت بسرور رسالتكم التي تقدم لي فيها نفسكم وأنت، مع العديد من رفاقك الذين قضى بعضهم وبعضهم لا يزالون يرزحون في سجون الاحتلال الاسرائيلي البغيض، من أبطال سورية البررة. فلا تعتقد أن شباب الحركة الديمقراطية السورية لا يعرفون ما قمتم به منذ بداية الاحتلال، وما لا تزالون تقومون به من أعمال بطولية. إنهم ينظرون إليكم جميعا بفخر واعتزاز، ويدركون أنكم لا زلتم، بكفاحكم وبطولاتكم، تدافعون وحدكم، خلال ما يقارب العقود الأربعة، عن كرامة وطنكم سورية وهوية أرضكم الجولانية العزيزة.
بالتأكيد بقي التواصل، لأسباب معروفة من الجميع، ضعيفا بينكم وبين أبناء شعبكم الذي أريد له أن ينسى الاحتلال أو يبعده عن تفكيره حتى يستمر في الاحتفاء الذي لا ينتهي بعرس التقدم العتيد في ظل قيادته الملهمة. لكن أود أن تعرفوا أن الجولان وأهله لا يزالون يعيشون في قلوب جميع السوريين. وكلهم أو أكثرهم يعتقدون، وأنا منهم، أن تحرير الجولان وعودته إلى حجر أمه جزء لا يتجزأ من قضية الديمقراطية السورية وبرنامجها، تماما كما أن الاحتلال والاستبداد وجهان للعملة ذاتها وفرعان لشجرة مسمومة واحدة. إن حرية السوريين لا تتجزأ ولا يمكن الفصل بين طرد الاحتلال في الجولان، واستعادة أهله لحقوقهم الوطنية، واستعادة شعبنا السوري بأكمله لحقوقه السياسية والمدنية. فكلاهما جزء من قضية واحدة، قضية تأكيد سيادة الشعب السوري واستقلاله وكرامة أبنائه.
تأكدوا أننا معكم وسنظل معكم، ليس من قبيل الالتزام الأخلاقي فحسب، ولكن لأن الحرية السورية نفسها، حرية الوطن وحرية السوريين أنفسهم، لا يمكن أن تستقيم ولا أن تقوم اليوم ما دامت سيادة الدولة نفسها منقوصة وما دام جزء من أراضيها يرزح تحت نير الاحتلال والاضطهاد. ولن أبخل من جهتي بأي جهد كي أساعد على تمتين الصلات معكم وتقديم كل العون لكم للتواصل مع أبناء وطنكم في سورية ومع نشطاء الحرية والحركة الديمقراطية فيها بشكل خاص. ولن أتوقف أيضا عن تشجيع كل النشطاء السوريين على التعريف بقضيتكم، وبقضية العزيز وئام عماشة بشكل خاص، في الأوساط السياسية السورية والعربية، وعن دفع بعض المثقفين الآخرين لكسر جدار العزلة الذي يريد الاحتلال والاستبداد، كل لأسبابه الخاصة، إحاطتكم به لضرب الحصار عليكم وإخراس صوت الحرية الذي يتوهج في قلوبكم ويلهب عقولكم.

مع خالص المودة

برهان غليون

mercredi, janvier 18, 2006

عندما تتحول الخيانة إلى مقياس الوطنية

الاتحاد 18 كانون الثاني 06

قلت في مقال سابق أن تحلل الحركة الوطنية لحقبة الكفاح من أجل الاستقلال ومن بعدها الحركة القومية الشعبية التي عرفتها المجتمعات العربية في الخمسينات والستينات قد أفسح المجال أمام صعود البيرقراطية الحكومية وتفاقم سيطرتها على الدولة والمجتمع عبر أحزابها الأوحدية أو الأجهزة الأمنية المرتبطة بها. لكن هذا الصعود لم يكن الثمرة الوحيدة لتحلل الوطنية العربية واختفاء برامجها السابقة، بوجهيها القطري والقومي معا. لقد رافقه أيضا أو تبعه تدريجيا زوال أي مرجعية وطنية ضرورية لتحديد غايات الاجتماع السياسي وبلورة خيارات واضحة ومقبولة، وتطبيق برامج عمل تاريخية فعالة، وتحقيق التسويات الضرورية بين مجموعات المصالح والتيارات العقائدية والسياسية المتنافسة. فمن دون هذه المرجعية ليس من الممكن قيام أي سياسة لا من حيث هي بلورة لتوجهات واضحة ومقبولة، ولا من حيث هي مسؤولية ومحاسبة أو مساءلة عن تحقيقها. ومن هنا لا تعني الأزمة الوطنية خروج الشعب من السياسة، نتيجة الانكفاء الذاتي أو التراجع أمام القمع، فحسب، ولكن أكثر من ذلك افتقار النخب الاجتماعية إلى التفكير المشترك الضروري للتوصل إلى بلورة سياسات وطنية جامعة. وهو ما يفسر ما حصل بالفعل في العقود الأربع الماضية من انفراط عقد الجماعة الوطنية وتشتت الرأي العام السياسي، وبالتالي من تمديد تلقائي للوضع القائم، وفي ما وراء ذلك إلى إطلاق يد النخب الحاكمة، أو التي نجحت في الاحتفاظ بالسلطة بطريقة أو أخرى، في تقرير سياسة البلاد وتحويل أجندتها الخاصة، أي أجندة إعادة إنتاج سلطتها ونظامها ومصالحها، إلى أجندة بديل للأجندة الوطنية. وإذا كانت هناك ظاهرة تعبر بقوة عن هذه الوضعية، وتعكس حقيقة خروج الشعب من السياسة، وتشتت النخب الاجتماعية، واستفراد القوى الحاكمة بالسلطة، وإخضاعها لخدمة أجندة تجديد نظامها القائم، فهي ظاهرة توريث السلطة الجمهورية. ليس بما هي تعبير عن انعدام الخيارات عند النخبة الحاكمة فحسب، ولكن أكثر من ذلك من حيث التعبير عن عجز المجتمع السياسي نفسه عن اقتراح بدائل ممكنة نظرية وعملية لهذا التمديد التلقائي للنظم القائمة.

وبغياب مفهوم واضح للمصلحة الوطنية عند الرأي العام، سواء ما تعلق منها بالأمن الوطني أو بالوحدة الداخلية أو بالتنمية أو بأي ميدان من ميادين النشاط العمومي، لا يبقى هناك مجال لتكوين إرادة أخرى غير تلك الإرادة الحاكمة، والتي توحد أفرادها المصالح المشتركة في الحفاظ على النظام، وأحيانا إرادة الرئيس والزعيم، التي تكاد تتحول إلى إرادة إلهية أو شبه إلهية، مقدسة ومطلقة معا، لا تخضع لأي شكل من أشكال المحاسبة أو المساءلة. وفي هذه الحالة لم تتحول الحكومات إلى مجالس أركان لأصحاب المصالح المسيطرة والإطار التنفيذي لتوزيع المغانم والمكارم والصفقات على قوى التحالف الحاكم، حسب قاعدة القرابة والنفوذ والقوة فحسب، ولكن، أكثر من ذلك، أمكن لزعيم فرد أن يجعل من الدولة والمجتمع ومواردهما معا أدوات في خدمة بناء هرم مجده الشخصي وزعامته القومية أو الإقليمية.
من الواضح أنه لا توجد اليوم، في معظم البلدان العربية، أجندة وطنية، ولا من باب أولى أجندة قومية عربية، ولكن أجندة نظاموية تتعرض هي نفسها الآن للتآكل والتخبط، مع تبدل موازين القوى وتفاقم نزاعات شبكات المصالح القائمة والمتآلفة، البيرقراطية والخاصة، الزبائنية والعائلية والتجارية والكبمرادورية معا. وفي منظور هذه الأجندة، تكمن المصلحة الوطنية في المطابقة المطلقة بين النظام والدولة. وبهذا المعنى يصبح معيار الأمن الوطني تعزيز النظام ودعمه بأي وسيلة كانت، ذلك أن زعزعة النظام هي زعزعة استقرار البلاد. ومن وسائل تعزيز النظام الحفاظ على موقعه الإقليمي والدولي، ووقف أي نشاط اجتماعي أو سياسي يثير الشك في استمرار النظام، وفي مطابقة مصالحه لمصالح الوطن. كما يصبح معيار الوحدة الوطنية التفاف الشعب، بكل مكوناته وتياراته وجماعاته، من دون نقاش ولا تساؤل أو تردد، حول النخبة الحاكمة والرئيس القائد الذي يمثلها، تماما كما يشير إلى ذلك شعار التظاهرات التي غالبا ما تنظمها السلطات القائمة، والذي يشكل الهتاف للرئيس وإعلان فدائه بالروح والدم شعارها الأوحد. أما في سورية فقد جاء تجديد الشعار موافقا لإرادة التجديد السياسي وحقيقته، فحل محل شعار بالروح بالدم الذي احتفظ به البرلمان شعار : "الله وسورية وبشار وبس". وهو يعني في الواقع بشار وبس، ذلك أن الله وسورية ليسا مجال اختيار وموضوع نقاش من قبل أحد. فكما لا يمكن لمؤمن أن يجادل في وجود الله، لا يمكن لسوري أن يضع سوريته موضع مساومة واختيار. هكذا يتطابق مفهوم الوطنية في النظم القائمة مع الولاء للرئيس وتقديسه والتماهي مع خياراته الاستراتيجية والسياسية. وأي نقاش لهذه الخيارات ولأسلوب إدارة الشؤون الداخلية والخارجية عموما، حتى لو لم تكن من إنتاجه الشخصي، هو خروج من دين الوطنية، وخيانة تعادل التعامل مع الدول الأجنبية.
يظهر هذا الوضع كيف تجردت الوطنية من جميع برامجها التاريخية، الخارجية المتعلقة بالأمن والسيادة والاستقلال، والداخلية المتعلقة بحقوق الأفراد السياسية والمدنية وتحولت إلى عقد لعبادة الشخصية. فرئيس النظام هو "سقف الوطن". فهو الكافل لجميع مؤسسات النظام والحامي لها، بمصلحيها ومخربيها، وهو رمز الوطن ومعيار الوطنية. وكل انتقاد لهذا العقد، في أي وجه من وجوهه، سواء أكان نظريا، عبر انتقاد السياسات، أو عمليا عبر تشكيل منظمات معارضة ليست مبرمجة من قبل النظام، بل حتى جمعيات المجتمع المدني، يشكل خرقا لسقف الوطن وتجاوزا لخيمته. وكما أن الوطنية الجديدة، كما يتصورها أصحاب النظام، لم تعد ترتب على المواطن أي التزامات أو واجبات سوى التماهي مع القائد الملهم، وتأكيد الولاء له، فلا يترتب على قادتها وممسكي زمام الأمر فيها، أيضا، أية مسؤوليات.
هكذا لا تبدو الوطنية مرتبطة بحقوق وواجبات ومصالح والتزامات تخص الجميع وكل فرد، وتحتمل النقاش والتطوير والتجديد والتحسين، وإنما هي سقف للحرية وتقييد للحق والقانون تفرضهما مقتضيات الأمن ويتجسدان عبر تعزيز القيود والحدود التي تؤمن وحدها الوحدة والالتحام والانتظام. فليس المطلوب من أحد، لا من الشعب ولا من المسؤولين، تأدية أي واجب من أي نوع كان، ولكن الطاعة والولاء من جانب، وقمع المتجاوزين للحدود والقيود من جانب آخر. ولذلك لا تتجلى الوطنية هنا عبر إنجازات، سواء أجاءت من المواطنين أم من النظام، ولكن عبر تأكيد الثوابت والكشف عن الخيانات أو إنتاجها وتصنيفها والمعاقبة عليها، تماما كما كان إيمان الكنيسة القرسطوية لا ينمو ولا يتجلى إلا من خلال تعميم المحارق المعدة للسحرة والملحدين. ومثلما تطابق التعبير عن هذا الإيمان في الماضي مع علم الزندقة الذي طورته محاكم التفتيش حتى أصبحا شيئا واحدا، يتطابق مفهوم الوطنية الجديدة مع علم الخيانة ولا يستقيم إلا به. فمن دون هذا الإنتاج المستمر للخيانات، تبقى وطنية الولاء الشخصي المطلق، الخالي من الحقوق والواجبات والمسؤوليات والالتزامات، فارغة، بالضرورة، من أي مضمون.

dimanche, janvier 15, 2006

تفجير العالم العربي

الجزيرة نت 15 كانون الثاني 06

لم تكن حقبة العولمة حقبة سعيدة بالنسبة للعالم العربي، لا ككتلة ولا كأقطار متفرقة. فقد كان عليه أن يتحمل أكثر من جميع المناطق الأخرى القسط الأكبر من أعباء إعادة بناء النظام العالمي الجديد أحادي القطبية، وما ارتبط ولا يزال يرتبط به من صراعات دموية ومنازعات اقتصادية واستراتيجية. ويمكن القول بالإجمال إنه وإن تمكنت بعض الدول على المستوى الفردي من تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية المؤقتة، إلا أن العالم العربي ككل قد خسر على طول الخط من جراء بروز ديناميات العولمة الراهنة التي تجسدت آثارها الرئيسية في تعميق الفجوات ومكامن النقص والتناقضات التي كانت موجودة من الحقبة السابقة، وفي أحيان كثيرة تفجيرها.
من هذه الفجوات، الفجوة الاستراتيجية التي تشير إلى تراجع شروط الأمن الخارجي بالمعنى القومي أو الإقليمي والوطني القطري على حد سواء. فمما لا شك فيه أن العالم العربي قد شهد تدهورا خطيرا في هامش استقلاله ومبادرته القومية، أي الشاملة. وهو ما يتجسد في إغلاق أفق بناء تكتل سياسي عربي يضمن الأمن الجماعي ويؤكد مشاركة العرب في تحديد سياسة إقليم الشرق الأوسط ومستقبله. فمنذ الآن أصبحت مشاريع الشرق الأوسط الكبير أو الشراكة المتوسطية التي تقسم البلاد العربية بين متوسطية وغير متوسطية، هي الوحيدة المطروحة على جدول العمل الإقليمي، من دون أي أمل بالتحقيق الجدي أيضا. وفي المحصلة غياب أي أفق للتكتل الحقيقي سواء أقام على أسس التقارب العربي أو التقارب الإقليمي، بين البلدان العربية. كما شهد العالم العربي تدهورا خطيرا أيضا في ميدان الأمن الوطني الخاص بكل بلد عربي. وهو ما يعكسه انهيار التفاهم العربي وتفجر النزاعات العربية العربية والحروب الأهلية التي فتحت البلدان العربية أمام التدخلات الخارجية ووسعت من دائرة انتشارها ورقعتها مع تحويل العالم العربي إلى ساحة واحدة للحرب العالمية على الإرهاب وبالتالي للحرب الإرهابية. وهكذا فقد العالم العربي عنصري الأمن والاستقرار الذين لا غنى عنهما في أي تنمية إنسانية، بما في ذلك التنمية الاقتصادية.
وشهد عصر العولمة العربي أيضا تعميق علاقة التبعية التي حاولت الحركة الوطنية والقومية السابقة المستحيل من أجل قطعها وضمان الاستقلال الوطني وتأكيد السيادة الشعبية. فالعالم العربي يعتمد اليوم في استمرار أمن دوله ونظمه السياسية واستقراره الاقتصادي وتأمين حاجاته التقنية والعلمية والصحية والثقافية، بل في بقاء دوله نفسها أو بعضها، على ما يتلقاه من دعم خارجي أو من حماية أو وصاية أجنبية.
فقد نشأت الدول العربية في حضن النظام الاستعماري القديم وسعت فور الخروج من تحت السيطرة الأجنبية إلى الانضواء تحت راية منظمة إقليمية هي الجامعة العربية. وبالرغم من أن هذه المنظمة لم تتسم بالكثير من الفعالية السياسية ومن باب أولى العسكرية، إلا أنها قدمت للشعوب العربية مظلة إقليمية عززت من هامش مبادرتها الوطنية كما شكلت منتدى سمح للدول العربية بمناقشة خلافاتها والتوصل إلى تسويات لا ترقى إلى درجة الحلول للنزاعات ولكنها تفضى إلى تخفيف التوترات والحفاظ على مظهر الإجماع العربي. وقد جاءت حركة الوحدة العربية في الستينات وما ارتبط بها من قوة شعبية لتعزز الشعور بالمصير المشترك لدى المجتمعات العربية وتقوي الانتماء لمجموعة واحدة كبرى ذات مصالح متقارية، ولها مصلحة في العمل المشترك، وربما تكوين كتلة إقليمية مؤثرة في وقت ما. وقد شكل التعاون في المسألة الفلسطينية نوعا من الصدقية لهذه الكتلة القائمة بالقوة إن لم يكن بالفعل.
بيد أن استراتيجية الوحدة العربية لم تستطيع أن تتغلب على عوامل السيطرة الخارجية التي كانت ترمي إلى منع نشوء تكتل، بل حتى تحالف عربي فعال، ضد إسرائيل. وقد تحقق لها ذلك عندما وقعت القاهرة على اتفاقية كمب ديفيد عام 1979، والتي استعادت بموجبها سيناء المحتلة، من دون أي اعتبار لمصير الأراضي العربية المحتلة الأخرى، وفي مقدمها فلسطين والأراضي السورية. وبالرغم من الصدع الذي هز الجامعة، إلا أن الحاجة إلى التكاتف في وجه الضغوطات الخارجية دفعت الدول العربية، من منطلقات براغماتية، إلى التمسك بالمنظمة الإقليمية التي أصبح وجودها وحده يشكل نوعا من الحماية الشكلية للدول، تجاه الخارج وتجاه الداخل أيضا، بما يؤمنه لكل منها من هامش مبادرة خارجية ومن أداة للضغط والحماية والمفاوضة الجماعية لصالح هذه الدولة أو تلك. وهكذا بدل أن تكون قاعدة مشروع تكتل عربي مطلوب لدرء المخاطر الأمنية وخلق سوق اقتصادية واسعة ضرورية للدخول في عصر العولمة أصبحت الجامعة العربية إحدى الأدوات الرئيسية التي تملكها الدبلوماسيات العربية لتأكيد وجود الدولة الوطنية وانغلاقها.

هكذا، منعت الضغوط والتدخلات الخارجية من بناء أي إطار للأمن الجماعي العربي، فبقيت اتفاقية الدفاع العربي المشترك ورقة ميتة كما دفنت المنظمة العربية للصناعات العسكرية في مهدها. وبدل الانطلاق من الجامعة العربية التي كانت تمثل قاعدة جاهزة للعمل العربي نحو بناء تكتل إقليمي يسمح باستيعاب تغيرات ميزان القوى الدولي ويضمن للعالم العربي وبلدانه المختلفة هامشا ضروريا للمناورة الاستراتيجية، اتجهت الحكومات العربية منذ الثمانينات في اتجاه العمل الفردي المنفصل، وأخفقت جميع محاولاتها في التوصل إلى صيغة لتطوير النظام الإقليمي العربي، بما في ذلك الصيغ الاقتصادية المحض كما حاول تجسيدها مؤتمر الاقتصادين العرب الذي عقد في عمان عام 1980 تحت شعار التنمية العربية.
وفي سياق هزيمة الحركة القومية العربية والحكم بالتجميد والعجز على النظام الإقليمي العربي المجسد في الجامعة العربية سوف ينهار التفاهم العربي السابق، حتى في حدوده الشكلية وتبرز من ورائه تناقضات المصالح وبرامج العمل الخاصة. وهكذا سيترافق دخول العالم العربي في عصر العولمة بسلسلة من الحروب الخارجية والعربية العربية والأهلية التي ستقوض صدقية الدول العربية وتدمر أسس استقرارها الاستراتيجية. وفي مقدمة هذه الحروب الحرب الاسرائيلية المستمرة لابتلاع الأراضي المحتلة وتحطيم المقاومة الفلسطينية واللبنانية التي ستبلغ ذروتها في محاصرة العاصمة اللبنانية بيروت من قبل القوات الاسرائيلية عام 1982، وتكبيدها القوات السورية المتواجدة فيه هزيمة عسكرية جديدة. وبالإضافة إلى حروب ليبيا جنوب الصحراء وحرب الصحراء الغربية التي سممت حقل العلاقات المغاربية ثم الحروب الداخلية العديدة التي فجرها التنافس بين الدول العربية على احتلال موقع متميز في القضية الفلسطينية، لن يمض وقت طويل حتى تفجرت عام 1979 الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثمان سنوات، في إطار التفاهم مع الدول الصناعية الغربية على كبح جماح الثورة الايرانية الاسلامية والحد من أثارها وعواقبها الاستراتيجية على المنطقة النفطية. وقد شق الموقف من هذه الحرب الرأي العام العربي شعوبا وحكومات على حد سواء. لكن الضربة القاضية للنظام العربي ستأتي من العراق البعثي بعد احتلاله لدولة الكويت، وإعلانه قرار إلحاقها بالعراق وضمها إليه. فلم تقوض هذه الحرب والقرارات التي تبعتها الأسس التي قامت عليها الجامعة العربية وتعمق الشك بنجاعتها وشرعية الرهان عليها فحسب وإنما عززت إرادة الدول الصناعية في بسط سيطرتها المباشرة على المنطقة، بما في ذلك اختراق المنظومة الأمنية الوطنية في البلاد العربية. وقد جاء تصويت أغلبية دول الجامعة العربية على القرار الذي اتخذته قمتها لدعم الحرب التي قررها التحالف الدولي ضد العراق عام 1991 لينهي أسطورة العمل العربي المشترك ويؤكد السير الحثيث للبلدان العربية نحو خيار التدويل. وهذا ما أكدته، في الأشهر التالية، مسارعة دول الخليج العربية إلى توقيع اتفاقيات التعاون العسكري والحماية المتبادلة مع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة.
ومنذ هجومات 11 سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك، والرد الأمريكي عليها باحتلال العراق عام 2003، وما تبعه من التفكيك المادي لدولته ومؤسساتها، فقد العالم العربي سيطرته على شؤونه الأمنية وتحول إلى منطقة نفوذ مباشر ودائم للقوى الإطلسية. وفي هذا الإطار طرحت الإدارة الأمريكية الجمهورية على لسان الرئيس جورج بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى تكريس هذا الوضع وإعادة بناء المنطقة تبعا لحاجات العولمة الاستراتيجية والعسكرية، أي إلى إدخال دول غير عربية في التكتل المنشود، وفي مقدمها إسرائيل التي شكلت الحاجة إلى مقاومة توسعها محور البناء الإقليمي العربي، ومن وراء ذلك تصفية فكرة العروبة نفسها كحامل لمشروع إقليمي مستقل وإلغاء أي أمل لها في أن تستعيد المبادرة الاستراتيجية في المنطقة بما تمثله من نزعة استقلالية وأجندة وطنية خاصة ومصالح متناقضة مع المصالح الأطلسية، خاصة في ميدان النفط وضمان أمن إسرائيل وتطمينها على مستقبلها.
وما حصل هنا في الواقع على صعيد النظام الإقليمي لا يتنافى مع معطيات التاريخ، تاريخ العولمة، ولكنه يصب فيه. فما عجزت عن تحقيقه البلاد العربية سوف يتحقق تبعا لحاجات العولمة، لكن هذه المرة تحت الوصاية الأمريكية ولخدمة أهدافها الاستراتيجية معا. فبدل الخروج المنظم والواعي نحو استراتيجيات إقليمية وعالمية تحترم مصالح الشعوب ووشائج القربى التي تجمع بينها، كما كان عليه الحال في أوروبة، شهد العالم العربي خروجا تبعيا وإكراهيا معا مفروضا بالقوة السياسية والعسكرية كان من نتيجته تعريض المجتمعات للحروب والنزاعات الدموية، وانتزاع سيادة البلدان الفردية وإلحاقها بنظام الهيمنة الدولية الذي يستجيب لمصالح السيطرة الخارجية. فبقدر ما أخفقت البلدان العربية في التكيف إراديا مع حاجات العولمة الاستراتيجية، وجدت نفسها ضحية الاستراتيجيات البديلة أو المناوئة التي استخدمت معطيات العولمة ذاتها وحاجاتها من أجل فرض إعادة تركيب المنطقة من وجهة مصالحها الخاصة فحسب، أي إعادة فتح الحدود في ما بينها حسب حاجات الأجندة الأمريكية، حارمة المنطقة وبلدانها معا من الاستقلالية الاستراتيجية التي تضمن استقرار التوازنات الإقليمية بعيدا عن التدخلات الخارجية المستمرة والمفاجئة، كما تضمن المشاركة في القرارات الجماعية المتعلقة بمصير المنطقة ومصير شعوبها.
ويشكل هذا الاختراق الواسع للمنطقة من قبل الاستراتيجيات الدولية، وحرمان الدول من سيادتها واستقلال قرارها، تحديا كبيرا للمجتمعات العربية التي تطمح إلى الاستفادة من فرص العولمة في سبيل ترسيخ قاعدة الاستقرار وتحقيق التكتل الإقليمي من أجل التكامل وخلق شروط الازدهار لجميع السكان، لا في سبيل ضمان تدفق الموارد الطبيعية والبشرية والرساميل للخارج. وبالمقابل إن ما حصل بالفعل في إطار العولمة هو تدويل المنطقة من جهة وإخضاعها لحاجات الحرب العالمية ضد الارهاب التي أصبحت البوصلة الوحيدة للاستراتيجية الأمريكية العالمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وهي الحرب التي تدور رحاها بالدرجة الرئيسية في البلاد العربية وتتحول أكثر فأكثر إلى حرب الدول العربية والحكومات الرسمية ضد مجموعات الإرهاب التي تمثل هي نفسها تعبيرا عن الأزمة الخطيرة التي تعيشها حركة المواجهة العربية وما وصلت إليه من انسداد. فهي تتحول بشكل من الأشكال إلى حرب أهلية عربية إسلامية. ويشكل تجريد المنطقة العربية من مشروعها الخاص ووضعها تحت الوصاية، باسم الكفاح ضد الارهاب العالمي وتدمير أسلحة الدمار الشامل ونشر الأمن والديمقراطية، جزءا من أجندة العولمة الأمريكية، ويدخل في باب تدويل الأمن والسياسة العربيين.

لكن، لم يضمن تدويل قضايا الاستراتيجية والأمن الوطني في البلاد العربية المزيد من الأمن، ولا ساهم في تحقيق الاستقرار. لقد فجر بالأحرى الأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية والتي ساهمت الضغوط الغربية القوية والمتواصلة في تفاقمها والمد في أجلها، من خلال منع أي تكتل إقليمي استراتيجي عربي، والإبقاء على توازن قوة يخدم مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في اسرائيل، من دون أن يأخذ بأي اعتبار مصالح الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد العربية.
وهكذا كانت نتيجة هذه العولمة الاستراتيجية زيادة الانفاق العسكري لدى الدول العربية، لكن مع تفاقم سوء الأوضاع الأمنية، وتدهور قدرات الدول على الاحتفاظ باستقرارها وضمان الحد الأدنى من استقلال قراراتها الوطنية. مما يعني أن مزيدا من النفقات العسكرية قد قاد، بالعكس تماما مما ينتظر منه، إلى المزيد من التبعية والاختراقات الخارجية. فقد بلغت نسبة الانفاق العسكري لدول مينا بين 12-13% من الناتج المحلي بين 1995 و1999. هذا مع العلم أن بلدانا عربية عديدة تخفي حجم نفقاتها الدفاعية الحقيقي بسبب تحويل القطاع العسكري إلى قطاع اقتصادي حافل بالمؤسسات والشركات التي تشكل بؤرة للفساد ومصدر لتحقيق المغانم السريعة للنخب الحاكمة.

samedi, janvier 14, 2006

نهاية الاستبداد

ملحق النهار 2كانون الثاني 06

في سياق الرد الحماسي على العنف المنفلت والإبقاء على روح التفاؤل الإنساني، يعتقد البعض أن من الضروري التأكيد دائما على أن استخدام العنف لا مبرر له وانه خطأ يعكس جهل صاحبه. ذلك أن العنف لا يحل أي نزاع، وأن الطريق الوحيدة لإزالة الخلافات السياسية، أو لتحقيق المصالح الإقتصادية، إذا كانت هناك خلافات أو مصالح، هي طريق الحوار. ويقول آخرون إن عمليات القتل تعكس خواء جعبة فاعليها أو الموصين عليها، وانفلات الواقع من سيطرتهم، وسعيهم اليائس إلى الحفاظ على حد أدنى من الصدقية. ويقول طرف ثالث لا يعبر العنف المنفلت إلا عن الانهيار المعنوي لأنصاره وافتقارهم إلى جميع المعايير الأخلاقية والسياسية والقيم الإنسانية. بيد أن القاتل يستهزيء بهؤلاء جميعا، ويرد عليهم بضحكة مدوية ترتطم بكل الجدران، ليعم صداها أركان الدولة وقاعات مجلس الأمن ولجان التحقيق الدولية بأكملها. صرخة تقول: الحقوا بي إذا شئتم. ستتعبون كثيرا قبل أن تمسكوا بي. وما أن تغلقوا النافذة التي يدخل منها الموت، حتى تنفتح أمام أعينكم أبواب لا تحصى. ولعلكم تعترفون في النهاية بعجزكم، وتسلموا بأنه لا توجد إلا طريقا واحدة لوقف العنف هي القبول بالعنف نفسه والتعايش معه. القانون؟ إلعوبها مع غيري.
والقاتل على حق. ليس صحيحا أن القتل لا يفيد في شيء، أو أنه تعبير عن الجهل أو فقدان المنطق والعقل. ولو كان كذلك لما شعر بخطره أحد، ولا أدانه أصحاب القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الدينية. والعنف يغير مصائر شعوب وحضارات بأكملها. والقتل سلاح فتاك ليس بالنسبة للأفراد فحسب، ولكن بالنسبة للجماعات والمجتمعات أيضا. فهو وسيلة لردع الخصم أو الآخر ولي ذراعه، وإن أمكن لإخراجه كليا من ساحة المواجهة والمنافسة الفكرية أو السياسية. ومن الممكن إلغاء فكر بإلغاء شخص، ومن الممكن ترويع شعب بقتل قياداته بحيث يسهل بعد ذلك فرض القيادات المطلوبة عليه، ومن الممكن "تطهير" أرض بإبادة شعب وأخذ مكانه. هذا ما قامت به السلطات الاستعمارية في العديد من الحالات. وهو ما تقوم به الديكتاتوريات التي نجحت بالقتل وتعميم العنف في أن تحافظ على نفسها لعقود طويلة، في بقاع مختلفة من الأرض، وأن تستمر، طالما بقي قادتها على قيد الحياة، أو نجحوا في تجنب الاغتيال.
وفي العالم العربي، هذا ما فعلته ولا تزال تفعله إسرائيل منذ قيامها وحصولها على الدعم الاستثنائي من المجتمع الدولي، أي من الدول الكبرى التي تشكل الأركان الحقيقية لهذا المجتمع، وتقوم بدور الوصاية عليه. وبالقتل وحده نجحت القيادات الصهيونية الطامحة إلى إقامة وطن قومي صاف لليهود في فلسطين على أنقاض شعبها وبالرغم منه، في الانتصار على الفلسطينيين، وفرط عقد اجتماعهم، وتشريد أكثرهم وفرض الإذعان والخضوع على من بقي منهم تحت السيطرة الاسرائيلية. وليس المقصود بهذا الدعم ما حصلت عليه المنظمات المقاتلة اليهودية من عدة وعتاد، ولكن المقصود أكثر من ذلك بكثير، أي التغطية الأدبية، والتهريب من المسؤولية، وتجنيب القيادات الصهيونية المساءلة والمحاسبة ودفع الثمن عن الجرائم المكررة التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين، وفي أحيان كثيرة تحويل الضحايا أنفسهم إلى جلادين مسؤولين عن موتهم هم أنفسهم وتبرئة الجلادين من دم الضحية.
لكن في ما وراء إسرائيل وما حصلت عليه من تغطية وتبرئة من المسؤولية وتجنب العقاب، بسبب التعاطف الواسع الذي حظيت به الجماعات اليهودية التي تعرضت للمذابح النازية، تغطي عملية التهريب من المسؤولية والعقاب قائمة طويلة من الأشخاص والأحداث والأعمال التي شكلت قانون الحياة في المنطقة الشرق أوسطية خلال عقود طويلة ماضية. فالمجتمع الدولي نفسه الذي قدم لاسرائيل دعما لا مشروطا في مواجهتها مقاومة الشعب الفلسطيني ومطالبته بحقوقه، قدم دعما لامشروطا مماثلا للنخب العربية الحاكمة التي سايرت سياساته الإقليمية تجاه شعوبها وحركاتها المطالبة باحترام حقوقها ومصالحها الرئيسية. وقد شكل هذا الدعم المزدوج وغير المشروط قاعدة موضوعية متينة للتفاهم العملي والتعاون الفعلي بين اسرئيل والنخب العربية، وخلق وضعا استثنائيا في المنطقة خارج القانون أو معاد للقانون وللقيم الإنسانية. فأصبح العنف، بما يعنيه من تطهير عرقي وتمثيل واغتيال وإرهاب، من الأمور الطبيعية والعادية. ولم يعد هناك ما يردع أي طرف من الأطراف القادرة على ممارسة العنف، وفي مقدمها النخب الحاكمة التي تحولت إلى شبكات مصالح مافيوية، عن استخدام القتل والإرهاب كأداة لممارسة الحكم وإلغاء السياسة لضمان استمرارها بصورة تلقائية.
ومن هذا الدعم اللامشروط للنخب الديكتاتورية، وغض النظر المستمر عن العنف بأشكاله المختلفة، واستثناء المنطقة بأكملها من حكم القانون، في سبيل التشريع لاغتصاب الحقوق الفلسطينية، سيولد ويترعرع ويكبر وحش الاستبداد الرهيب الذي يخيم بظله اليوم على الشرق الأوسط بأكمله ويحوله إلى منطقة امتهان كرامة لإنسان بامتياز وانتهاك حقه في الحياة كما لم يحصل في أي وقت ولا يحصل في أي مكان.
لكن في ما وراء المثال الاسرائيلي، والدعم اللامشروط الذي قدمه الغرب الامبريالي للنظم المعادية لشعوبها والمفروضة عليها لخدمة المصالح الأجنبية، ما كان من الممكن لوحش الاستبداد أن ينمو ويصل إلى ما وصل إليه من قوة ونفوذ ومقدرة على التخريب والدمار من دون ما سيطر على المجتمعات والأفراد في البلاد العربية، الخارجة لتوها من تحت السيطرة الاستعمارية، بعد قرون طويلة من التعقيم الاستبدادي العثماني، من ثقافة الموت والأنانية والاستقالة الأخلاقية والسياسية، والاستهتار بالمباديء والقيم الكونية، والتعلق الدنيء بالمصالح الشخصية والعائلية، وغياب الرؤية الجماعية والتاريخية. فهو ابن الثقافة العربية الجديدة والضعيفة الفاقدة لمنابعها الروحية والمفتقرة في الوقت نفسه للمصادر العقلية النقدية، بمثل ما هو ابن نظام السيطرة شبه الاستعمارية، وربيب التفاهم مع المشاريع الصهيونية والتسهيل لقيام الدولة الاسرائيلية على أرض غريبة وبوسائل الترغيب والترهيب أيضا. فكلاهما، وحش الاستبداد ووحش الاستيطان والاستعمار يقتاتان من الحشيشة نفسها ويستخدمان الوسائل ذاتها: العنف المنفلت في حالة من غياب القانون والاستقالة الأدبية الداخلية والعالمية.
لم ينهزم الاستبداد بعد، ولم يطح به في أي موقع من المواقع العربية، لأن إسرائيل ومشروعها الاستيطاني الذي يشكل الضرع المغذي للاستبداد والمشتري الرئيسي له معا، لم يضعفا ولا فقدا المبادرة أيضا. ولا تزال الشعوب العربية أسرى نظامي العنف الموصوف هذين. وسيمر وقت طويل قبل أن يدرك الرأي العام العربي بأن الاستبداد ليس إلا الامتداد الحتمي والطبيعي للعنف الأصلي الاسرائيلي وأذرعه الضاربة أيضا. وأن تكسير هذه الأذرع هو المدخل الوحيد لتحجيم المشروع التوسعي الاستيطاني، قبل فرض العودة إلى مباديء الحق والقانون على المجتمع الاسرائيلي والمجتمع الدولي أيضا في منطقة الشرق الأوسط.
لا يزال العنف الممارس ضد الشعوب العربية وضد الأفراد مستمرا في العالم العربي لأنه لا يزال له مردود/ أو لا يزال من الممكن صرفه، بالرغم من كل الإدعاءات وتظاهرات البراءة والتخلي عن السياسات السابقة، في عواصم العالم الرئيسية. والذين يعتمدونه لغة للمخاطبة والحوار لا يفعلون ذلك إلا لأنهم على يقين من أنه لا يزال تجارة رابحة، ولا يزال هناك طلب كبير عليه، لأسباب متعددة، وبأشكاله المختلفة أيضا، من قبل أصحاب القوة والجبروت الذين كانوا لفترة طويلة المدربين والراعين المباشرين للقتلة. ولعل أهم هذه الطلبات يأتي اليوم من حاجة إسرائيل للأمن والسلام الذي لا تؤمنه لها سوى أنظمة استبدادية ليس لأصحابها هم سوى شل إرادة الشعوب التي يسيطرون عليها وليس لهذه الشعوب نفسها خيار سوى الصراع المستمر للتخلص من أنظمتها. هكذا يشكل الاستبداد والعنف المرافق له، بل المكون لجوهره، الوسيلة الرئيسية لتحييد المجتمعات العربية وإخضاعها لحاجات السيطرة الداخلية والخارجية. ولن يتوقف العنف والاستبداد الذي ينتجه إلا بقبول أولئك الذين زرعوا العنف ورعوه ولا يزالون يراهنون عليه بوضع حد لنظام السطو على مصالح الشعوب وحقوقها المشروعة، في المنطقة العربية وفي العالم أجمع.

mercredi, janvier 11, 2006

في جذور الأزمة الوطنية العربية

الوطن 10 كانون الثاني 06

ذكرت في مقال سابق أن الفكرة الوطنية، والحركة التي ارتبطت بها، قد نشأت في العالم العربي، وفي سورية بشكل أكبر، في سياق الكفاح من أجل الاستقلال ضد القوى الاستعمارية. وتطابق مفهومها أيضا مع الحفاظ على هذا الاستقلال وتحقيق الأجندة المرتبطة به. ولا تختلف هذه النشأة عما حدث مع جميع القوميات والدول الوطنية العديدة التي ولدت في الكفاح ضد عدو خارجي، وليس بالضرورة ضد سلطة قهرية استبدادية داخلية. لكن، بعكس ما حصل في معظم البلاد الأخرى، لم تمثل الحقبة الوطنية المرتبطة بالاتحاد ضد عدو خارجي، إلا فترة بسيطة شكلت مدخلا نحو حقبة التأسيس الوطني الداخلية، أي حقبة بناء العلاقة الوطنية الجديدة التي تعيد إخضاع الدولة للمجتمع والجماعة لقانون المساواة والندية، والتي تكون سمة المجتمعات الوطنية. أما في المنطقة العربية فلم تنته معركة الصراع ضد النفوذ أو السيطرة الأجنبية مع نيل الاستقلال ولكنها استمرت بعده بصورة أقسى، وكرست حقبة ما بعد الاستقلال مفهوم وطنية المواجهة أكثر مما ساعدت على فتح آفاق جديدة للانتقال نحو مفهوم ايجابي يؤسس للحريات الفردية ولدولة المؤسسات القانونية. ويرجع ذلك لسببين رئيسيين: تفتت العالم العربي وضعف دوله من جهة وقوة المصالح الاستراتيجية، النفطية والجيوسياسية والسياسية للدول الكبرى بها. كما كان لقيام إسرائيل، والحرب المستمرة التي فجرتها حركتها الاستيطانية، دورا كبيرا ومتواصلا أيضا في ترسيخ المضمون الخارجي الذي تبلور في حقبة الصراع ضد الاحتلال للوطنية.
ومن أنقاض الوطنيات المحلية التي انهارت تحت الضغوط الخارجية القوية وأخفقت في الحفاظ على استقلال الدول الفتية، أو في إعطاء هذا الاستقلال مضمونا أكثر من شكلي، ولدت القومية العربية التي عبرت عن نشوء وطنية جامعة، لا تختلف في الهدف والمضمون عن سابقتها، ولكنها ترمي إلى تحسين شروط الشعوب العربية جميعا في مواجهة التدخلات الاجنبية والرد عليها. وقد عكست "الوطنية" القومية الجديدة التي استعادت، لكن بصورة أكثر اتساقا وقوة، فكرة الوحدة الوطنية في مواجهة المخاطر الخارجية، حاجة المجتمعات العربية التي سئمت من الوصاية أو شبه الوصاية الأجنبية، إلى توسيع إطار المقاومة والعمل، عبر حدود الدول العربية ومن ورائها، في سبيل تعزيز قدراتها وزيادة فرص نجاحها في الحصول إلى استقلالها الناجز والفعلي. ومن هنا أصبحت الوحدة العربية الشعار المركزي للحركة القومية العربية، بقدر ما ظهرت هذه الوحدة على أنها الأداة الرئيسية والضرورية لتطبيق الأجندة السياسية المتمحورة حول القضاء على الاستعمار والصهيونية، والوقوف في وجه الأحلاف العسكرية المفروضة ومواجهة الضغوط، الاقتصادية والسياسية والثقافية للدول الغربية.
والواقع أن الفكرة القومية لم تغير في الغاية الرئيسية للحركات الوطنية الماضية ولا حادت عنه، ولكنها جاءت باستراتيجية ووسائل عمل وإمكانيات أكثر نجاعة وشمولا. ولذلك نجحت بسهولة في جب ما قبلها من الوطنيات لصالح تأسيس وطنية عربية جامعة كان لها صدى شعبيا لا مثيل له لدى جماهير البلدان العربية. وبقدر ما حظيت الحركة القومية بزعامة كارزمية واستفادت من انتشارها الواسع في كل الأقطار العربية، شكلت بالفعل خطرا كبيرا على مراكز النفوذ الغربية المتغلغلة في المنطقة، وهددت العديد من مواقعها التاريخية. وبعد أن حررت الجمهور العربي من مشاعر الضعة والمذلة والخنوع والاستسلام للتفوق الغربي، استحدثت ثقافة قومية كان لها دور كبير في ايقاظ مشاعر السيادة والكرامة الكامنة وتفجيرها عند ملايين العرب. وهكذا نجحت هذه الحركة في فتح جبهة واسعة للتحرر من النفوذ الأجنبي شملت المنطقة العربية برمتها وخلال عقود طويلة.
في هذا السياق حصل التطابق بين اهداف هذه الحركة القومية والأجندة الوطنية الخاصة بكل قطر من الأقطار العربية، فصار التكتل من حول الزعامة الناصرية والمشاركة في أجندة الصراع لتحقيق السيادة العربية وضرب مواقع النفوذ الغربي هو معيار الوطنية عند الشعوب على المستوى القطري والقومي معا. ووسمت النظم التي رفضت تكييف سياساتها مع هذه الأهداف، أو التي لم تتعامل بايجابية مع أجندة الصراع ضد قوى السيطرة الأجنبية، من قبل هذه الشعوب نفسها، باللاوطنية إن لم تتهم بالخيانة. وصارت تصفية القواعد العسكرية وتأميم الشركات الأجنبية وإقامة مؤسسات وسياسات تعزيز الاستقلال والسيادة العربية، على مستوى المنطقة ككل وداخل كل دولة عربية، مقياس الولاء للوطنية، بينما أصبح ينظر لأي شكل من أشكال التحالف، بل التعاون مع القوى الغربية، بمثابة خروج على الإجماع العربي الوطني.
وفي سياق هذه الوطنية العربية الصاعدة تطورت أيضا أجندة وطنية داخلية اكتست طابعا شعبويا قويا، وجمعت بين إدماج النخب الاجتماعية، وبشكل خاص المنبثقة من أصول ريفية، في الحياة الوطنية والسياسية، وتطبيق برنامج إصلاحات داخلية، اقتصادية واجتماعية، اتسمت بسمة الاشتراكية وعملت على إعادة توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة.
بيد أن هذه الوطنية العربية الجديدة الجامعة، التي سيطرت عليها الصفة الشعبوية التي تقوم على تعبئة الجمهور العريض وراء قيادة تاريخية كارزمية، على حساب بناء مؤسسات الدولة السياسية والقانونية، لم تنجح في تحقيق هدفها في الوحدة العربية التي تشكل الرافعة الرئيسية للتخلص من الهيمنة الأجنبية. وبدل أن تنجح في القضاء على نظام السيطرة الخارجية سقطت هي نفسها تحت ضربات النفوذ الاستعماري الغربي المعشعش في المنطقة، وأخذت بالانحسار منذ حرب حزيران يونيو 19967، لتخلف وراءها حركة شعبية ضائعة وقيادات حائرة لم تلبث حتى تفككت وتفسخت أمام إغراءات السلطة المطلقة الموروثة والضغوط الخارجية. وبانهيار التحالف الاجتماعي الذي كان يقف وراء تحقيقها، فقدت الأجندة الوطنية القومية حاملها التاريخي وبدأت هي نفسها بالذوبان والانحلال. وكان من علائم ذلك الطلاق المتنامي بين الأجندة القطرية والأجندة القومية الوطنية، والانفصال المتزايد بين برنامج المواجهة الخارجية وبرنامج الاصلاحات الاجتماعية الداخلية. وشيئا فشيئا حلت الاستراتيجيات القطرية محل الاستراتيجية العربية القومية، كما تخلت النخب الحاكمة عن السياسات الشعبوية، بالرغم من استمرارها في تزيين سياساتها القطرية بأوشحة قومية وشعارات شعبية فارغة من أي مضمون.

وبموازاة انهيار الحركة القومية وتراجع الحركة الشعبية، ستبرز بقوة بيرقراطية الدولة لتصبح القوة الاجتماعية والسياسية الرئيسية التي يستند إليها النظام، وتستولي بسرعة على مقاليد السلطة وعلى مؤسسات الدولة ومواردها. وفي هذا السياق لتفكك الحركة القومية الشعبية، وصعود بيرقراطية الدولة، وانحسار الفكرة الوطنية وتشتت برنامجها، ستولد آلية الانفصال المتزايد بين الدولة والمجتمع، واستقلال كل واحد منهما بنفسه. وهو ما أسس لبداية أزمة الوطنية العربية بنموذجها القطري القديم ونموذجها القومي السابق معا. فلم يعد لدى الدولة البيرقراطية الجديدة أي برنامج لتوحيد الجماعة الوطنية أو المساهمة في توحيدها وتجاوز تناقضاتها، باستثناء برنامج الحفاظ على الوضع القائم وإعادة إنتاج المصالح الحاكمة والسائدة كما رست عليه الحال في الحقبة السابقة. وسيطرة هذا البرنامج الجديد للحفاظ على الوضع القائم هو الذي يفسر كيف تحول محور نشاط النظم الحاكمة نحو بناء الأجهزة الأمنية والتثمير فيها وتوسيع صلاحياتها حتى قضت على الحركة الشعبية كليا، وحلت محلها كقاعدة للحكم، ولم تلبث حتى أكلت الدولة نفسها ومؤسساتها.