samedi, septembre 29, 2012


رسالة الاسبوع

وحدتنا هي الأصل
يا أخوتي يا أبناء سورية الصامدين
في الوقت الذي كانت الجمعية العامة للامم المتحدة تجتمع وتناقش القضية السورية، صعد النظام القاتل من عنفه ضد المقاتلين والسكان الآمنين، من دون أن يصدر عن المجتمع الدولي اي رد فعل، سوى ما عرفناه من قبل من ادانة لفظية للمجازر، وإعلان عن مساعدات انسانية أو لوجستية، بالكاد تخفف من آلام شعبنا الصابر.
لقد كثف النظام في الأيام الماضية من هجوماته الوحشية على الأحياء والقرى، وزاد من استخدام المدفعية والطيران لدك المدن والارياف، وعبأ المزيد من ميليشياته وفرق الموت التي اعدها تحت إشراف الايرانيين، مؤملا أن يدفع قتل الأهالي والتنكيل بهم، وتدمير سكنهم، ووضعهم في شروط حياة غير محتملة، إلى التخلي عن المقاتلين او الانفصال عنهم، حتى يمكن عزل شبابنا الأبطال عن الشعب الحاضن لهم، وتسهيل حصارهم والقضاء عليهم. فهو لا يزال يعتقد أنه لم يخسر ولن يخسر، وأن لديه القوة الكافية لإخماد ثورتكم العظيمة، والعودة بنا إلى نظام العبودية والقهر والتعذيب والارهاب.
أمام هذا التوحش الجنوني لنظام لم يعد لديه ما يخسره سوى إجرامه وتفننه في أساليب القتل والتدمير والتنكيل بشعب كان ينتمي إليه، وأمام تخاذل العالم وعجزه عن الخروج بقرار جدي لوقف العنف ْالواقع على اهلنا منذ تسعة عشر شهرا، ليس لنا سوى اتحادنا نحن السوريين جميعا، مقاتلين ومدنيين، حضريين وريفيين، مسلمين ومسيحيين، أكثريات وأقليات، اسلاميين وغير اسلاميين، أصوليين وحداثيين، وتمتين تضامننا وتوحيد جهودنا من أجل وضع حد لهذا النظام الذي لم يقم ويستمر إلا لأنه نجح في زرع الفرقة والاختلاف بين السوريين وزج بعضهم في مواجهة البعض الآخر.
لقد سقط النظام في قلوبكم وعقولكم كما سقط في معظم الأرض السورية، لكن ما يجعله مستمرا وقادرا على القتل والتدمير هو التفرق الذي لا يزال يسم عملنا، نحن، المقاتلين وغير المقاتلين من الثوار، ويشتت جهودنا، وهو التنافس بين قياداتنا الذي يحرمنا من التنسيق والتعاون ورسم الخطط الكبرى اللازمة لحصار النظام وتفكيك أوصاله. لا تزال الكتائب والألوية تخوض معاركها الضارية في الاحياء والقرى والمدن من دون تنسيق مع القرى والاحياء والمدن الأخرى. وهذا يعني أن النظام، بالرغم من فقدانه السيطرة على الأرض، لا يزال يتحرك من خلال الطيران الحربي والقوات والاسلحة الثقيلة التي يحتفظ بها في المراكز الاساسية العسكرية، بحرية أكثر، وينتقل من منطقة إلى منطقة ويدمر منطقة بعد الأخرى.
ما نحتاج إليه حتى ننتصر ونوفر على شعبنا المزيد من الضحايا هو ان نحول الارض السورية بأكلمها إلى شبكة من التواصل بين مجموعاتنا الناشطة، السلمية والمقاتلة، نتحرك عليها بشكل متسق ومتكامل بينما نحول النظام وقواه العسكرية والسياسية إلى جزر معزولة غير قادرة على الحركة ولا التنسيق والاتساق. ولا يمكن لنا تحقيق ذلك إلا بتعميق شبكة التعاون والتواصل بين قواتنا، وهو ما يعني ان تكون لدينا قيادة موحدة على مستوى المناطق وعلى المستوى الوطني معا.
لقد شكل تكوين المجالس العسكرية خطوة مهمة على هذا الطريق. وكذلك يشكل تكوين القيادة المشتركة التي اعلن البارحة عنها، خطوة مهمة اخرى. لكن لا تزال هناك مسائل عديدة ينبغي حلها قبل أن تتحول المجالس إلى أطر تضم جميع الكتائب وتنسق جهودها، ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله للتقريب بين القيادات التي تعمل فعلا على الأرض، وكذلك بين القيادات المشتركة للجيش الحر والجيش الوطني الذي اعلن عنه في مرحلة سابقة أيضا. فلا ينبغي أن يبقى أي فصيل خارج دائرة التنسيق ولا أن يستمر التباعد بين القيادات العسكرية أو هدر القوى والطاقات في صفوف الضباط والجنود الراغبين في العمل والمشاركة. ولا يمكن أن نصل الى هذا الهدف من دون سن قواعد ومعايير ثابتة وموضوعية لا تتعلق بالأشخاص وتتجاوز الأشخاص.
وحتى نقلب المعادلة كي نتحرك بحرية على ارضنا ونمنع النظام من الحركة المتسقة، علينا ايضا تطبيق استراتجية اكثر ديناميكية قائمة على تشكيل مجموعات صغيرة ضاربة وقادرة على الحركة السريعة، تتواصل في ما بينها بشكل دائم، تكون مهمتها تقطيع أوصال القوات النظامية والشبيحة ومنعها من التواصل في ما بينها وضرب خطوط مواصلاتها وتثبيتها في مواقعها قبل القضاء عليها. وهو عكس ما نفعله اليوم حيث نكاد نتبادل المواقع مع النظام لنتركه يتحرك بحرية بينما نبقى نحن مثبتين في الأحياء والمدن.
ولا بد أخيرا من العناية بقضايا التجهيز والإمداد بصورة جدية. وهذا يتطلب بناء تحالفات دولية ثابتة وواضحة يمكننا الاعتماد عليها لتأمين السلاح والذخيرة في الوقت المناسب وبالكمية اللازمة. وهذا يتوقف ايضا على وجود قيادة عسكرية موحدة، تكون هي نفسها على اتفاق وتفاهم كاملين مع قيادة سياسية لا نزال نفتقدها بسبب وضعنا حساسياتنا وخلافاتنا السياسية والايديولوجية قبل مصالحنا الوطنية وفي مقدمها انتصار ثورة الكرامة والحرية.
باختصار لا ينبغي أن ننتظر الكثير من المجتمع الدولي للخلاص من الأوضاع التي قادتنا إليها سلطة إجرامية تتصرف كعصابة أكثر مما تتصرف كمركز قرار يتعلق بمصير دولة وشعب. بل إن مساعدة المجتمع الدولي لنا وتخليه عن انقسامه وتخاذله وعجزه وقطعه الكلي مع النظام رهن بتغيير موقفنا من أنفسنا وقضيتنا، وتجاوزنا لخلافاتنا ومخاوفنا بعضنا من البعض الآخر، بل أكاد أقول بشفائنا من أمراض طفولتنا السياسية .   

samedi, septembre 22, 2012

لا حل ممكن مع الاسد وكل شيء ممكن من دونه



العودة الى الوطنية الجامعة 


بينما اكدت تصريحات العديد من المسؤولين الايرانيين رسميا تورط ايران في الحرب التي يشنها النظام الاسدي على الشعب السوري، ردا على مطالبته بنظام ديمقراطي يليق بتضحياته الماضية والحاضرة، وكان اخرها تصريح ممثل مرشد الثورة بان حرب الاسد هي اولا حرب ايران، قامت قوات امن النظام السوري باختطاف ثلاثة من قادة هيئة التنسيق الوطنية وعلى رأسهم
عبد العزيز الخير مسؤول العلاقات الخارجية فور عودتهم من زيارة للصين وقبل ان يجتازوا حدود مطار دمشق. 
هذه هي المشاركة الرئيسية للنظام في مؤتمر الانقاذ الذي دعت له بعض اطراف المعارضة السورية في الداخل. والرسالة اكثر من واضحة لؤلئك الذين لاتزال لديهم اوهام في قدرتهم على توريط النظام في حوار، عمل المستحيل لتقويض اسسه منذ بداية الحركة الاحتجاجية، ولايزال يبالغ في تصعيد العنف ومنهجة القتل والدمار ليقنع الجميع بانه يرفض اي تسوية سياسية و لا يقبل ولن يقبل بغير ما اعتاد عليه منذ نشأته، اي تابيد البقاء في السلطة كما يقول شعار انصاره ومواليه: الاسد الى الابد. والعلاقة واضحة بين التصريحات الايرانية التي تهدف الى تعزيز موقف النظام في وجه الشعب الثائر وبين عملية اختطاف قيادات في المعارضة ومن قبل في تجاوز النظام جميع الخطوط الحمر في استخدام القوة المدمرة وجميع الاسلحة المتوفرة لديه للقضاء على مايريد ان يصوره لنفسه وللعالم على انه حركة تمرد صغيرة او ارهاب. 
تختلف وجهات نظر اطراف المعارضة السورية حول العديد من النقاط ومن اهمها استعداد هذا النظام الآثم للدخول في اي حوار جدي يفضي، حتى على المدى الطويل، الى اي تغيير. وما حصل يؤكد ان مؤتمر الانقاذ المزعوم اصبح يحتاج هو نفسه، بوجود مثل هذا النظام الذي سممته ارادة القوة، الى انقاذ.
ليس هناك بين صفوف الشعب السوري، بما في ذلك اكثر الثوار رديكالية ولفظا للنظام، من يرفض طريق الانتقال السياسي او السلمي وتوفير الاف الضحايا على الشعب لو كان هناك فرص حقيقية لقيامه وللخروج من دوامة العنف التي يذهب ضحيتها سوريون من كل الاتجاهات والطوائف والديانات. لكن سياسة النظام لم تترك بصيص امل واحد. وكلما طرحت مبادرة عربية او دولية صعدت في حملة العنف والارهاب حتى وصلنا الى حالة يقف العالم باكمله مشدوها امامها: شعب يضحي بكل مالديه لإعلان حقه الطبيعي في الحرية ونظام لايتورع عن عن استخدام ابشع وسائل القتل والدمار والتهجير والتشريد لفرض ارادته عليه باسم الوطنية والحفاظ على الدولة وعلى القيم المدنية والعلمانية.
جميع النزاعات تنتهي لامحالة بالحوار، لكن بين اطراف وطنية تعترف بحقوق بعضها البعض ولا تقوم بما يهدد العيش المشترك في ما بينها، لكن ليس بين الضحية والجلاد ولا بين الشعب وقاتله. وللخائفين من سقوط النظام، مثلهم مثل الاخرين، كل الحقوق وفي مقدمها امنهم ومصالحهم وهويتهم. فهم جزء من الشعب ومصيرهم لا ينفصل عن مصيره. معهم لا يحق سوى الحوار لكن ليس مع رئيس أخرق لم يتردد في دفع شعبه الى الاقتتال وبلاده الى الدمار للحفاظ على سلطة لم يبق منها سوى الصغار والانتحار.
ليس لنا نحن السوريون مخرجا سوى في الاتحاد ضد من يفرقنا ويقسم صفوفنا ويدفع ابناءنا للاقتتال واحدهم ضد الاخر. ولا وحدة لنا ولا اتفاق بوجود الاسد لان استمراره نفسه في الحكم قائم على تقسيم السوريين وتمزيقً صفوفهم وبث الفتنة بين ظهرانيهم. وهذا هو الوضع اليوم. وبالعكس كل شيء ممكن برحيله. ورحيله بأي وسيلة حصل سيكون منطلق العودة الى الوطنية الجامعة واشارة الانطلاق لمسيرة المصالحة مع الذات التي طال انتظارها بعد نصف قرن من سياسات التمييز والتقسيم والتلاعب بمصالح المجتمع والجماعات على اختلاف منابتها واديانها.
ولا شيء يمنع ان يتم هذا المسار برعاية عربية شاملة وتحت اشراف دولي حتى تتعمق الثقة وتعود المياه الى مجاريها. ولا اعتقد ان العرب سوف يستكثرون ذلك او يضيقوا به ذرعا حتى لو اضطر الامر الى ارسال قوات عديدة لحفظ الامن والسلام في ربوع سورية الحبيبة، العزيزة على قلوبهم كما هي عزيزة على قلوبنا جميعا.

samedi, août 18, 2012

عيد مواساة جميع السوريين


يمر عيد الفطر على سورية الحبيبة هذا العام وشعبنا غارق في دمائه، يقتل ابناؤه وتذل نساؤه وتشرد اسره في اصقا المعمورة. وبينما يظل العالم مشدوها وعاجزا معا امام ما يجري من اغتيال شعب كامل، تستمر طائرات النظام الغاشم ومدفعيته ودباباته في قتل السوريين والتمثيل بجثامين شهدائهم وتدمير مدنهم وأحيائهم. فما يحصل في سورية اليوم من فصول القتل والتدمير والتنكيل لم يسبق له مثيل في اي نظام ديكتاتوري أو فاشي، بل ولا في اي نظام استعماري بغيض حتى من نموذج نظام التمييز العنصري الذي شهدته بعض الدول في الماضي. 
في هذه الايام العصيبة التي نعيشها سنجعل من هذا العيد مناسبة للتفكير بأبنائنا البررة الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل تحرر شعبهم من نير العبودية والترحم على أرواحهم الطاهرة والدعاء لابنائنا الجرحى بالشفاء ولاسرانا ومهجرينا بالفرج والعودة القريبة إلى اسرهم وذويهم. و هذه هي المناسبة أيضا لتجلي كرم السوريين وتعاطفهم مع بعضهم وتكاتف أطيافهم  على اختلاف اصولهم ومشاربهم وافكارهم، وتأكيد وحدتهم الراسخة في مواجهة أعداء الشعب وجلاديه من القتلة والمجرمين. 
 كل السوريين يعيشون هذا العيد في المعاناة والحرمان وفقدان بعض الاهل او افتقادهم. لكن عزيمة السوريين التي لاتفل وكبريائهم وتصميمهم على النصر لن تترك للطغاة  فرصة للنجاة، وسوف يكون عيد السوريين الحقيقي عيد الحرية عندما ستنهار جدران السجن الكبير الذي حبسنا فيه جميعا لعقود طويلة وتتكسر قيود العبودية والذل التي كبلت ابناء سورية البررة صغارا وكبارا، نساءا وأطفالا.
في هذه الايام الفضيلة مرتين، لما تمثله من قيم دينيه وما يتجلى فيها من روح التضحية والفداء نتعاهد ان نعمل جميعا بقلب واحد وفكر واحد وأمل واحد حتى نقتلع الطغيان من جذوره ونقيم دولة العدل والكرامة والحرية والمساواة التي لن يكون فيها لانسان الحق أو المقدرة على استعباد انسان آخر أو انتهاك حقوقه أو المس بكرامته أو  تركه لمصيره. والتكافل الانساني الارقى الذي تجلى خلال هذه الثورة، وكان الركن الرئيسي في قيامها واستمرارها، هو مضمون هويتنا الوطنية 
وعنوانها ومرجعها في الوقت نفسه.
وإنه بإذن الله لنصر قريب 

vendredi, août 17, 2012

الثورة السورية الكبرى امام تحدي الانتصار


الثورة السورية الكبرى أمام تحدي الانتصار
برهان غليون

١ـ ليست المصطلحات التي استخدمت ولا تزال تستخدم للتعبير عن الثورة السورية  بريئة ولاعفوية، ولكنها تعكس المصالح العميقة، واحيانا غير الواعية، لمستخدميها. ولا اريد ان اشير هنا الىمصطلح الحرب الاهلية او الطائفية التي تتردد منذ بداية الثورة، ولا عن العصابات ثم المجموعاتالارهابية التي يستخدمها النظام، والتي تعكس نكران الواقع وارادة الحرب المعلنة ضد الثورة،والسعي الى مواجهتها بكل الوسائل، فهذا امر بديهي اليوم ومعروف. لكنني اريد ان اشير الىاستخدام مصطلح المعارضة بوصفها الطرف المناقض للسلطة الذي درجت عليه الدبلوماسيةالدولية عموما ووسائل الاعلام الاجنبية والكثير من الاعلام العربي، والذي يغيب تماما مفهوم الثورةومنطقها ومفرداتها. وقد اوقع هذا الخلط بين الواقع والصورة الخاطئة المشكلة عنه اطرافا عديدةفي الخطا، وادخل مقارباتها او سياساتها في طريق مسدود، وحكم على خططها جميعا بالفشل،وفي مقدمها ما سمي بمبادرات الحوار بين السلطة والمعارضة من أجل انتقال سلمي للسلطة.فالاطراف الدولية التي اختصرت كل ما يحصل في سورية اليوم من احتجاج شعبي واسع النطاقبنشاط المعارضة بالمعنى السياسي والحزبي للكلمة، وجعلت من التفكير فيها وتحليل مواقفهاوالتشديد على عيوبها محور اهتمامها، انتهت الى تجاهل ديناميكيات الثورة التي تسيطر علىالارض وتتحكم بالتحولات والاحداث، وجعلت من توحيد المعارضة القليلة التأثير في الوقت الراهنلازمة يومية، فاخطات في فهم آليات التحول الجارية، ووجدت نفسها تدور في حلقة مفرغة. وهي لمتدرك ان انقسام المعارضة ذاته لا ينبع من الاختلاف السياسي أو الايديولوجي وإنما من علاقتهابقوى الثورة واحداثها ومن التنافس في ما بينها على اعطاء معنى لحدث الثورة الكبير أو أحياناكثيرة من استخدامها لتأمين مواقع في حركة التغيير تضمن لها في المستقبل الحصول علىمناصب قيادية. اما النظام الذي راهن على الانكار المطلق للثورة ومنطقها ورفض الاعتراف حتىبوجود المعارضة السياسية الكلاسيكية فقد تمسك بفكرة المؤامرة الارهابية ولم يبق له من افكارلمواجهة الوضع سوى فكرة الاستئصال بالقوة والعنف، كما حصل في الثمانينات من القرنالماضي في حماة، لكل ما يمت للثورة بصلة من تظاهرات أو احتجاجات مدنية أو مقاومات شعبية.والنتيجة مزيدا من الانفجار وتوسيع قاعدة الثورة وانتشارها في كل مكان بموزاة التصعيدالجنوني في العنف والممارسات الوحشية..
٢ـ هناك بالتأكيد معارضة سياسية في سورية مرتبطة اليوم اكثر فاكثر بالثورة لكنها لا تشكلالقوة المحركة فيها ولا يمكن ان تشكل مثل هذه القوة. إنها بالاحرى تابعة ولا يمكن إلا ان تكونكذلك للثورة بما تمثله من ديناميكية تاريخية فاعلة مرتبطة بزخك كتلة شعبية متفجرة تحركها روح لاتخمد من إرادة التحرر والتضحية والفداء، وهي وحدها من يملك زمام المبادرة على الارض.والفرق بين الثورة والمعارضة هو الفرق بين منطقين وديناميكيتين اجتماعيتين مختلفتين تماما. فلاتعمل المعارضة إلا بمنطق السياسة القائم هو نفسه على الحوار والتفاوض للوصول إلى تسوياتأو حلول وسط ترضي جزئيا على الأقل الاطراف المتنازعة. ومن دون هذا الحوار والتفاوض ليسللمعارضة اي امل في تحقيق شيء. ولذلك يرتبط نجاح المعارضة بالخبرة السياسية العمليةوبمقدرة القادة السياسيين ومهاراتهم في فن الحوار والمفاوضة والمناورة السياسية والتكتيكيةبشكل خاص. ولا يمكن لها ان تتقدم من دون خطط واضحة وبرامج مبلورة واهداف معروفةللجميع. فالسياسة هي فن الوصول إلى أهداف ممكنة بوسائل قانونية وشرعية اي سلمية. وهذايعني انها ممارسة واعية ومنظمة وعقلانية تتحقق ضمن نظام مستقر على مباديء وقواعد واضحةومعلومة.
وبالعكس، تشكل الثورة ظاهرة من نوع الظواهر الطبيعية التي لا تخضع لمعايير العقلانيةالسياسية العادية ولكنها تستمد هويتها من منطق اخر تماما هو منطق الانفجار. فهي ظاهرةموضوعية لا ترتبط بأي وعي نظري صوري أو أعداد مسبق أو مسار مخطط له، ولا يتحكم بها أيإدراك سياسي او غير سياسي. هي تعبير عن حالة استثنائية بكل المعاني، استثنائية فيمضمونها وفي شكلها معا. ولذلك لا توجد ثورة شبيهة بثورة اخرى وليس هناك نموذج واحدللثورات. وما يسيرها هو منطق داخلي عميق يستمد قوته ومعناه من منطق الانفعال العميق المرتبطبكتلة من العواطف والمشاعر والإدراكات المتناغمة والمتباينة، المتراكمة عبر التاريخ الاجتماعيلحقبة طويلة من الزمن. وهو منطق البركان الذي يتفجر فجأة وعندما يتفجر لا يستطيع احد انيقوده او يتحكم به. وتزداد روح الثورة اشتعالا بمقدار ما تواجه من مقاومة أو عوائق وليس العكس.ويقودها منطق التحدي الذي تدفعه المصاعب الى المزيد من التجذر والمغالاة والنزوع الى القضاءعلى كل من يقف في طريقها او تعتقد انه يفعل ذلك، حتى لو كان داخل صفوفها. فليس في الثورةمساومة ولا مهادنة ولا ترشيد للجهد أو اختصار للمسار. ليس للثورة اهداف مستقلة عنها وإنماهي نفسها الوسيلة والهدف من حيث هي تعبير عن التغيير والتحول الاعمق وتجسيد لانهيارالوضع القائم والانقلاب الشامل عليه. هي غاية ذاتها، وتحققها هو تحقق لهدفها في الوقت نفسه.
 في منطق الثورة ترمي الشعوب نفسها بكليتها وتضع مصيرها بأكمله في الرهان فإما النصر أوالموت. فالثورة من الظواهر الحدية التي تعني ان الاطراف ترمي بنفسها فيها بشكل كلي وشامللا توسط فيه ولا مساومة، ومن دون حساب او حتى من دون تفكير في العواقب او النتائج وفيالربح والخسارة .وهذا يعني ايضا انه لا مجال ولا مكان للهزيمة، للتراجع او للاستسلام والعودةإلى قانون العبودية والمهانة والإذلال. فالتضحية تقود في الثورة إلى مزيد من التضحية ومن دونحساب، والقتل الذي يستهدف الثوار لردعهم عن الاستمرار يجر إلى المزيد من القتل بمقدار مايصبح فاقد الطاقة الردعية والمعنى. وما شهدته الثورة السورية هو التصعيد المتبادل: في التضحيةوالتفاني من قبل الثوار من أجل الخلاص والتحرر من العبودية من جانب اول، وفي القتل المنظمالهادف لكسر ارادة التحرر والانعتاق من جانب آخر.
من هنا لا تنبثق الثورة من التأمل المسبق وإنما بالعكس من حالة تفقد فيها كل التنظيراتوالحسابات السياسية معناها سوى حساب كسر الطوق والخروج من الاسر والانتصار. ولو تأملالثوار في عواقب ثورتهم ومآلاتها ما كانوا رموا بانفسهم فيها. هناك قيمة واحدة تحرك كل الثوراتهي الحرية، ومنطق الثورة هو دائما التطلع الى الحرية التي تعني ايضا الخلاص من القهر، أوالموت. 
 ٣ ـ لم يبرز الاختلاف بقوة في البداية بين منطق الثورة السورية ومنطق المعارضة. فقد كانتالمعارضة في طريق مسدود وجاءت الثورة لتفتح امامها جميع الآفاق. وكما نظرت القوى الثائرةإلى المعارضة بوصفها امتدادا لها في الداخل الاجتماعي والخارج الدولي، رأت المعارضة فيالثورة بساط الريح الذي سيحملها إلى تحقيق برنامجها السياسي وأهدافها. لكن مع الوقت،وبموازاة تحول الثورة من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة، بدأ التميز يظهر بشكل اكبر بين منطقالثورة ومنطق المعارضة السياسية.
وقد اخذ هذا التمايز يعبر عن نفسه في البداية في المقابلة بين معارضة الداخل والخارج ثم فيالتباعد بين مواقف المعارضة نفسها، واستقلال طرف من المعارضة بالتمسك بالسلمية وتوجهاطراف اخرى نحو تبني خيار تسليح الثورة لمواجهة عدوانية النظام المتزايدة وهمجية سياساته.وهذا ما يفسر انهيار مواقع هيئة التنسيق التي لم تنجح في مواكبة التحول الداخلي للثورة وتعلقتبحلم السلمية الدائمة مهما كان الوضع.
لكن في ما بعد سوف يؤثر هذا التعارض بين منطق الثورة ومنطق السياسة على مكانة المجلسالوطني نفسه الذي اعلنته الثورة ممثلا لها في الفترة الاولى. وقد باءت محاولتي، كأول رءيسللمجلس، لرسم طريق وسط يؤلف بين منطق الثورة الذي لا يساوم ومنطق السياسة الذي يطمح إلىبناء معادلات وتوازنات داخلية، تخفف من احتمالات المواجهة الشاملة والتصعيد اللامحدودبإبقائها على هامش من المناورة السياسية ورفض القطيعة مع اطراف المجتمع المترددة ومعالمجتمع الدولي معا، بالفشل بسبب سد النظام الطريق امام اي حل سياسي واعتماده سياسةالاستئصال المطلق للثورة. وبهذا الفشل تم أيضا القضاء على اي امل في تحول المعارضةالسياسية إلى قيادة سياسية للثورة وبالتالي الى المواءمة بين الثورة والسياسة التي من دونها لايمكن وجود اي افق للخروج من المواجهة والتصعيد المستمرين من دون قاتل أو مقتول. فأماماستمرار النظام في نهج الحرب الشاملة الاستئصالية من الصعب للسياسة ان تؤمن لها مكانا فيدائرة الثورة التي تنزع هي ايضا إلى جعل التصعيد في العنف تجاه النظام خيارها الأول وترىفي اي مسعى لفتح طريق اخر غير المواجهة اضعافا لها امام آلة حرب نظامية لا تعرف إلا صناعةالموت والدمار.
٤ ـ يقود هذا الوضع الذي يجمع بين اقتراب النصر على النظام وفي الوقت نفسه الخوف منالفوضى بسبب غياب القيادة السياسية ـ والقيادة ليست مجرد رؤية لسورية المستقبل، وانما مركزالقرار الذي يقود تطبيق هذه الرؤية ويضمن تحقيقها ويحظى في الوقت نفسه بثقة الثوار اولا لكنبقية اطياف الشعب ايضا ـ اقول يقود هذا الوضع إلى نوع من القلق على مصير الثورة من جهة منقبل الشعب والثوار، في الداخل، كما يقود هذا الفراغ السياسي إلى مخاوف كبيرة على مستقبلالاستقرار في سورية والمنطقة ايضا، في الخارج الدولي. فالشعب والثوار الذين يريدون منالثورة أن تحقق لهم اهدافهم في التحرر وبناء سورية جديدة ديمقراطية مدنية تعددية تساوي بينجميع مواطنيها وتضمن حقوقهم وفي مقدمها حقهم في الحياة أي في الأمن والأمان، يخشون أنيؤدي غياب مثل هذه القيادة التي تضبط وقع الثورة وتوجه خطاها وتحظى بثقة الثوار وتأييدهموبالتالي وحدة التوجه والقرار، إلى وضعية تسود فيها الفوضى وتتصارع فيها  القوى الثورية علىاقتسام النفوذ أو المواقع أو يسود فيها الانتقام بعد السقوط الحتمي القريب للنظام، ويتضاعفهذا القلق وذاك الخوف اضعافا عندما يتعلق الامر بثورة مسلحة وبجيش تحرير مكون من كتائب لاتحصى ولا تخضع في تنظيم صفوفها لأي هيكلية عسكرية نظامية او سياسية. وبالمثل، لا يطمئنغياب  قيادة سياسية واضحة تحظى بثقة الثوار والشعب ولها الحد المطلوب من المصداقي المجتمعالدولي، بما في ذلك اصدقاء سورية، انتشار السلاح على نطاق واسع في بلد يحتل موقعااستراتيجيا وجيوسياسيا خطيرا في منطقة ذات خطورة استثنائية. وترى في ذلك مؤشرا كبيراعلى الفوضى العارمة التي سوف تعم بعد سقوط الاسد عندما لن تجد البلاد اي مركز قرار واضحيجمع الناس ويضمن احترام الكتائب المسلحة للقانون وتعاونها والتزامها.
يشكل هذا الوضع في نظري التحدي الاكبر للثورة السورية التي توشك على الانتصار.   ويولدهذا الوضع شعورا خطيرا بأن مرحلة مابعد السقوط يمكن أن تكون اقسى وتطرح مشاكل علىالبلاد اكبر مما هو الحال اليوم حيث لم يعد للنظام اي نفوذ في اي ميدان لكن وجوده الشكلييساعد على توحيد قوى الثورة والمقاومة المسلحة ضده ويضمن القليل من الاستقرار وضبط النفس.
 بالتأكيد لم تساهم الضغوط العنيفة التي مارسها النظام على المعارضة في دفع الاخيرة إلىالتعاون والتواصل مع قوى الثورة بما يمكنها من مد جسور الثقة المتبادلة والعمل المشترك والتفكيرالمشتركين. كما ان حرمان الدول الصديقة المعارضة من الموارد الضرورية لبناء الثقة مع الثوار لعبايضا دورا كبيرا في استمرار القطيعة وتفريغ المعارضة السياسية من صدقيتها امام الثواروالشعب.
لكن من جهة اخرى لا يستطيع احد ان يخلق قيادة سياسية حسب إرادته. وما تقوم به الدولالصديقة لسورية أو التي تطلق على نفسها هذا الاسم من من مناورات ومساعي كاريكاتوريةلتوحيد المعارضة او ابراز وحدتها الشكلية لتزويدها ببعض الصدقية والمشروعية في مواجهة الرأيالعام السوري والعالمي لن يفضي إلى شيء. وما تقوم به بعض كتائب الثورة في الداخل منانشاء غطاءات سياسية بديلا لما تسميه المعارضة الخارجية لا قيمة له أيضا ولن يقود إلى ملء فراغالقيادة السياسية الذي تعاني منه الثورة السورية في الداخل والخارج.
 ٥ـ بغياب قيادة سياسية تملك رؤية نظرية وعملية واضحة وتحظى باجماع الناس وقبولهم،وبالتالي تملك نفوذا كبيرا عليهم لتوجيه خطاهم ونيل تعاونهم وضمان وحدتهم، مما لم تسمح لهاالظروف بالنشوء، وتجنبا للرغبة في تركيب قيادة اصطناعية لن تحظى بأي من محددات القيادة، لاأجد بديلا عن تنفيذ مجموعة من الاجراءات العملية والتنظيمية الممكنة والتي تضمن تطمين الرأيالعام السوري والدولي وتقليل مخاطر ما بعد السقوط إلى ابعد حد بانتظار ان تنبثق عن ذلك، وهذاليس مستبعدا، فرصة لولادة الثقة الدافعة هي نفسها لبلورة ولاء ونشوء روح قيادية ايضا عندالشعب والنخبة السياسية معا. من أهم هذه الإجراءات التنظيمية:
 ـ العمل على بناء هيكلية ولو مبسطة لكتائب الجيش الحر نتجاوز فيها التشتت والانقسام، وذلك منخلال دفع الكتائب المتواجدة في كل محافظة إلى الانضواء تحت راية قيادة واحدة في مجلسعسكري، يضم ممثلين عنها ويجري فيه التشاور في كل ما يتعلق بالتخطيط للعمليات في المحافظةوتوزيع الموارد المالية وغير المالية. وفي خطوة لاحقة يمكن تشكيل قيادة موحدة من ممثلي جميعالمجالس العسكرية في المحافظات. وهو ما سعينا إلى أطلاق حركته في الاسابيع الماضية. لكن منالمهم ان يتحقق هذا الهدف تحت اشراف قيادة سياسية سورية حتى يكون له الأثر الذي نريده فيما يتعلق بتعزيز شروط بروز مثل هذه القيادة للثورة. وقد اكتشفنا ان الدول الصديقة بدأت العملعلى المشروع ذاته بموازاتن وبعيدا عنا. ويشكل هذا إجهاضا لفرص نشوء قيادة سياسية سورية،ويحتاج إلى معالجة سريعة حتى لا تخرج قوة الثورة السورية المسلحة الرئيسية عن اشرافالسوريين انفسهم ونفوذهم.
ـ العمل بنشاط على توحيد المصادر التي تغذي كتائب الجيش الحر والمقاومة، وتوحيد معاييرالتمويل والتسليح. من دون ذلك سنجد انفسنا امام تشكيل ميليشيات خاصة سوف تخضع شئنا امابينا في القريب لإرادة مموليها، وفي وضع تزداد فيه شروط الحياة قساوة سيزيد احتمال تحولالميليشيات إلى مشاريع تحقيق مصالح واهداف خاصة. وهذا يتطلب ان تتوجه جميع التبرعاتالمالية والعينية الى قيادة سياسية سورية هي التي تتكفل بتوزيعها على الكتائب.
ـ الاستفادة من القوة العسكرية النظامية المنشقة سواء بإلحاقها بالمجالس العسكرية المشكلة فيالمحافظات أو من خلال تشكيل ألوية نظامية وطنية خاصة تتحول إلى قطب موحد أو مركزاستقطاب الكتائب الأخرى والمقاومين بما تتمتع به من تنظيم ومزايا ميدانية، ويكون من السهلتوجيهها ودمجها في المستقبل في الجيش الوطني وتحويلها إلى نواة للقوات المسلحة الوطنيةالباقية المعاد تشكيلها.
ـ السعي إلى انبثاق لجنة مبادرة وطنية تضم اهم الرموز الوطنية المشهود لها بالنزاهة والعدالةوالاستقلال والتي تحظى بحد كبير من التوافق، على ان تقبل هذه الرموز التي لن تتجاوز ربمااصابع اليد بالالتزام بعدم التقدم لاي منصب سياسي، على الاقل خلال المرحلة من الان إلى ساعةتنظيم اول انتخابات رسمية قانونية، وبالعمل سوية في كل الظروف ومهما كان الحال كمجموعةمتحدة ومتضامنة وضامنة لمصالح الوطن والشعب العليا، والتجرد عن اي مصلحة خاصة أوشخصية، بما في ذلك دعم طرف سياسي أو اجتماعي أو مذهبي ضد آخر أو شخص مقابلشخص آخر. وأن تتعهد بتطبيق العهد الوطني الذي قبلت به جميع اطياف المعارضة، وباحترامحقوق السوريين المتساوية جميعا والدفاع عنها في كل الظروف. وستشكل هذه اللجنة نوعا منالمرجعية الوطنية التي تسهر على وحدة الوطن والشعب واستقلال القرار الوطني وعلى ضمانالاستقرار وخلق الثقة بترفعها على التنافس السياسي ووضعها نفسها على مسافة واحدة منجميع الأطراف الشعبية وتمسكها الوحيد بالاجندة الوطنية العامة وصياغتها لها مقابل الاجنداتالخاصة التي ستفرزها القوى السياسية والاجتماعية المختلفة والمتعددة.
تعمل هذه اللجنة كلجنة حكماء او عقلاء وتقوم بالمصالحة بين الأطراف الشعبية والثورية والتوسطبينها لتجنب التوترات والانقسامات أو تجاوزها، كما تقوم بالمشاورات الضرورية لاستصدار توافقشعبي عام حول أي قرار خطير يتعلق بالمصير العام.
ـ تشكيل حكومة مؤقتة، بعد مشاروات تقوم بها لجنة المبادرة الوطنية، تأخذ مكانها كحكومة ظلتضمن وجود سلطة جاهزة لاستلام مؤسسات الدولة وتسييرها حال سقوط النظام، وتقضي علىمخاوف انتشار الفوضى في الساعات الأولى من انهيار الوضع الراهن، وتساهم في تطمينالمجتمع الدولي على مرحلة مابعد السقوط وتؤمن الغطاء  السياسي الضروري على الصعيدالدولي لاقصاء ممثلي النظام في الدول والمنظمات الدولية والحلول محله، وتمثل  منذ الآن الدولةالسورية الجديدة وسياسدتها ووحدتها واستقلالها.

لن تحل هذه الإجراءات التي هي في متناول اليد مسألة غياب القيادة السياسية التي جعلتالبعض من الثوار انفسهم يصفون ثورتنا باليتيمة. لكنها، بالإضافة إلى تعبئة الحراك الثوريوالرأي العام عموما حول شعارات الثورة التي لا تعني اسقاط النظام فحسب إنما في الوقت نفسهبناء الدولة الجديدة وتأهيل القوى الثورية والشعب أيضا للدخول في مناخ وسياق هذه الدولةالديمقراطية المدنية التعددية القادمة، سوف تلعب بالتأكيد دورا كبير في تخفيف الاحتقاناتوالتوترات  وتطمين السوريين، من ثوار واهالي، على مستقبلهم، وتزيل قسما كبيرا من المخاوفالتي تنتابهم اليوم بسبب حالة التشتت وغياب التأطير وغياب القيادة الموحدة التي تحظى بالثقةوبسبب سياسات الدول الصديقة التي تثير الريبة أيضا وتزيد من التوتر بسبب تأكيدها هي نفسهاعلى المخاوف من المستقبل بعد سقوط النظام أو تصوير هذا السقوط كما لو كان مصدرا للقلقولتفجر مشاكل لا قبل لأحد في ضبطها بما في ذلك احتمال تفتت البلاد وانتشار معمم للفوضىوالعنف. وآمل ان يكون بيننا من العقلاء ما يكفي لتجنب دفع الناس إلى الإحباط والشعور بالخوففي الوقت ذاته الذي بدأت فيه معالم الانتصار تلوح في الأفق واصبح النصر قاب قوسيين أوأدنى.
وفي النهاية، مهما كان الحال، انني على يقين من أن الشعب السوري سيظهر، في الوقت المناسبواللحظة الحاسمة، كما أظهر خلال الأشهر السبعة عشر السابقة، أنه شعب عظيم وخلاق، قادرعلى تجاوز نفسه والارتفاع إلى مستوى المسؤولية الوطنية والأخلاقية والانسانية، ووضع كلالخلافات والحزازات والمخاوف والاحقاد جانبا من أجل بناء الوطن  الذي حلم به لعقود، وطنالحرية وكرامة الانسان والفرد ووطن العدالة والأخوة والمساواة. وسوف ينتصر عنده لا محالة كلما هو نقيض لنظام الموت والخراب الهالك: العقل على الجنون، والوعي على الجهل، والمحبة علىالبغضاء، والتضامن على الانانية، والتسامح على الانتقام. هذا هو الشعب السوري وهذه هيثقافة سورية التاريخية. وهي أيضا وسوف تبقى ثقافة سورية المستقبل ومضمون هويتها الواحدةالمتعددة معا.

باريس 14 ايار 2012