رسالة النقد الاجتماعي تحليلات ودراسات في المجتمع والسياسة في العالم العربي والشرق الأوسط Burhan Ghalioun is presently a Professor of Political Sociology at the Universite La Sorbonne Nouvelle. He is the author of several authoritative books as well as over a hundred academic articles in various journals on political Islam, Arab political culture and state and society relations in the Arab World. https://www.facebook.com/BurhanGhalion
mercredi, mai 19, 2010
الجابري فيلسوفا وفنانا
الجابري فيلسوفا وفنانا وساحرا
برهان غليون
يرجع الفضل في تعرفي الشخصي على الجابري إلى الباهي محمد الذي كان شاعرا ومتحدثا وأديبا كبيرا، فقدناه هو أيضا منذ عقد ونيف ولا نزال نحيي سنويا ذكراه من خلال حلقة أصدقاء الباهي. كان الباهي صديقا حميما لنا، وكان قد عمل مع الجابري، قبل أن يقرر الإقامة في باريس، في حزب الاتحاد الاشتراكي، في التنظيم السياسي والصحافة. وكان الباهي يتصل بي حال وصول الجابري إلى باريس، فنلتقي في جلسات خاصة أو مع آخرين، نسمع إلى نكات الباهي وقصصه الشخصية المثيرة وأشعار الجاهلية. ونادرا ما كنا ندخل في نقاشات نظرية. وعندما كنا نتحدث بجدية فغالبا ما كنا نتناول المواضيع السياسية، وأوضاع البلاد العربية ومشاكلها وأحزانها. كان الجابري مقلا جدا في تناول موضوعات مشاريعه النظرية في الأحاديث العامة، كما كنت أنا. كنا نقرأ بعضنا باهتمام، لكن من قبيل الفضول والتعرف على ما يفكر فيه كلانا، مع الإدراك العميق بأننا نعمل في اتجاهين نظريين متباينين تماما، ولا يوجد هناك ما يجمع بين منهجينا في تناول مشاكل المجتمعات العربية الواحدة.
فقد اهتم الجابري بالتراث، وسعى من خلال تفكيكه وتركيبه وإعادة بنائه إلى أن يفهم مشاكل العالم العربي الراهنة، ويساهم في الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها مسألة تحولها التاريخي واندراجها في العصر، من منظور ما كان يبدو له نظرة عقلانية جديدة. بينما اتجهت أنا، بالعكس من ذلك، نحو تجربة الحداثة العربية ذاتها، واخترت العمل على التجربة والممارسة التاريخية المستمرة، أي تحليل الواقع الراهن، كمقدمة لإعادة بنائه في حقل السياسة، معتبرا أن التراث أصبح تراثا بالفعل، ولم يعد يشكل محددا رئيسيا لتحول هذا الواقع، ولا مفتاحا لفهم أي مستوى من مستوياته، بما في ذلك نماذج التدين القائمة. وبينما كان الجابري يشحذ أدواته النظرية والابستمولوجية لنقد التراث، كنت أبحث عن أدوات نظرية، أحيانا من خارج فكر الحداثة، لنقد ما سميته الحداثة الرثة، أي إجهاض مشروع الحداثة العربية. وكنت ولا أزال أنظر إلى عملية البحث عن أسباب هذا الإجهاض في التراث كما لو كانت نوعا من السحر الذي يفترض تحول الأوضاع انطلاقا من روح خالدة تقطنها وتتحكم بمسيرتها ومصيرها.
وقد عبرت عن موقفي هذا في كتابي (اغتيال العقل) الذي كان رد فعلي المباشر على الجزء الأول من كتاب الجابري حول نقد العقل العربي. وعنيت ان لا أستخدم كلمة العرب لأنبه إلى أنه لا يوجد هناك عقل عربي وغربي، وإنما عقل أو لا عقل، وأن منهج النقد الذي يقوم على تفكيك الثقافة إلى عقول متميزة، تناقض بعضها بعضا، وما وصفه الجابري بالعرفانية والبيانية والبرهانية، يبطل وحدة الثقافة ويفقدها ديناميكيتها التي لا تقوم من دون هذا التوتر الدائم الكامن في تباين نظمها وأنساقها وتعددها. لكنني حرصت على أن يكون هذا النقد من خلال بناء منهج مقابل حاولت أن أركز فيه على الديناميكيات التاريخية والاجتماعية التي تحكم تطور الثقافة بما فيها استعادة التراث وتمثله، وبنية العقل وانقطاعاته التاريخية ووحدته واتساقه أيضا.
وقد اعتقدت ولا أزال أنه لا خيار لنا بين أمرين، إما أن نجعل من الفكر ثابتا يتطور بجدليته الداخلية، والعالم، أي الواقع المادي والتاريخي يدور من حوله، وينتظم على وقع انتظام العقل، أو أن نجعل من تناقضات الواقع وجدلياته المتعددة الأبعاد، ومن انتظاماته أيضا، محورا رئيسيا يشكل الفكر بعدا من أبعاده، يتأثر به ويؤثر فيه، أي أن نحول الفكر إلى بعد من أبعاد تجربة تاريخية حية ومعاشة فعلا للفرد وللمجتمعات معا.
لم أتعرض للجابري بعد اغتيال العقل أبدا. وهو نفسه لم يتعرض لأي نص كتبته بعد نقده العابر والخارجي لكتابي الأول (بيان من أجل الديمقراطية) والذي علق عليه، في كتابه (الخطاب العربي المعاصر)، قائلا : كيف يمكن الحديث في الديمقراطية قبل نقد العقل. ولم نكن قد تعارفنا بعد.
والواقع أنه بالرغم من صداقتنا الحميمة، كنا مدركين، كلانا، أننا نعمل في ورشات علمية مختلفة تماما، لكن اختلاف نظامي تفكرينا لم يكن يؤثر على علاقتنا الشخصية، كما لو اننا اتفقنا ضمنا على أن يجرب كل واحد من طرفه، او هكذا كان شعوري الشخصي. وما كان هناك مجال لحوار نظري في مثل هذه الحالة. فالجابري الذي كان يمسك بقوة بأدواته المنهجية، ولديه تصور جاهز وتقريبا كامل لما يريد عمله في تراث ثابت وناجز ينتظر مبضع جراح مكين، لم يكن معنيا بتشتيت ذهنه في أي نقاش مع الفكر الآخر. ما كان يريده هو إنجاز المشروع الضخم الذي كان يملأ فكره. هو يأخذ ما يحتاج إليه من هؤلاء وأولئك من الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، ليشيد بناءه الخاص به، يرتب غرفه حسب مخطط ارتسم في ذهنه، ويعين وظائف أقسامه، وأدوار رجالاته الذي لا يستقيم نظامه الفكري من دونها.
أما أنا فما كان مشروع تأويل التراث يعني لي شيئا، مهما كانت جدته أو أصالته. كنت أشعر أيضا أن ما يعنيني هو فهم التجربة الحية للبشر المتحركين أمامي على الأرض، وليس لما خلفه الأجداد والأسلاف من تجارب ومواريث.
هكذا، ركز الجابري على العمق التاريخي والتراثي لواقع العرب الحضاري، أو بالأحرى المفتقر للحضارة اليوم، وركزت أنا على كفاح العرب، كشعوب وطبقات وطوائف وجماعات مصالح وأفراد، كل في مكانه ومستواه، من أجل البقاء في الشروط التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، والتحديات التي يواجهها كل فاعل اجتماعي والردود التي يقوم بها متأثرا بموروثه الثقافي بالتاكيد، لكن بالتطلعات والآمال والحوافز الجديدة التي اكتسبها من ثقافة عصره أيضا. ومن الواضح أن النظرية، أي العقل، العربي إذا شئنا، لا يمكن أن تكون هنا جاهزة ولا مضمرة، لا في العقل ولا في الفعل. إنها تتبلور في الصراع، صراع كل فاعل اجتماعي من أجل البقاء والارتقاء، ولا يمكن أن تكون سوى محصلة تساوق مشاريع الفاعلين الأحياء أنفسهم. فالعقل واللاعقل، أي انسجام الفكر او عدم انسجامه هو انعكاس، غير آلي بالتأكيد، لانسجام الفعل الجمعي او تضارب عناصره. فهو لا يتبع الموروث الثقافي أو الروحي مهما كان وزنه، وإنما يعبر عن توافق مشاريع الفاعلين الباحثين عن إرضاء حاجاتهم والوفاء لتطلعاتهم وتعارضها. مما يعني أنه ليس هناك عقل جاهز، ولا عقلانية مجردة منفصلة عن المجتمعات التي تعيش في صراع دائم، بين عناصرها ومع غيرها، من أجل تأمين وسائل وجودها وديمومتها. المعرفة هي نفسها معركة لا تبنى إلا في الصراع ضد استراتيجيات التشويش والكذب والخداع والتضليل التي يمارسها الفاعلون الاجتماعيون واحدهم إزاء الآخر.
مقابل هذه المعرفة المشتتة والمجزأة، المنتزعة كل مرة بجهد خاص في فهم تجارب الفاعلين اللانهائية، وتحليل مشاريعهم الخاصة، وكشف نواياهم، في شروط وجودهم التاريخية والاجتماعية، وهذا قدر أي معرفة بحثية تجريبية، كان بإمكان الجابري أن يبني، انطلاقا من إعادة تأويل تراث ثابت وجاهز، معرفة تأملية على شكل نسق جامع ومانع، تظهر عبره المدنية العربية في صورة بنورامية، واحدة، شاملة وكاملة الاتساق، وتتحول بسرعة إلى مرآة يستطيع كل فرد أن يرى نفسه فيها ويتامل ذاته ويتواصل مع جميع أقرانه، ويتماهى معهم، من خارج الزمان والمكان والحاضر والماضي.
mardi, mai 04, 2010
اسلاموفوبيا
الاتحاد 5 مايو 10
يستخدم الكثير من المحللين الاسلاموفوبيا، أو الخوف المرضي من الاسلام، ليفسر السياسات الغربية المعادية للعرب، ليس داخل البلدان الغربية فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا. بل يبدو هذا الخوف في نظر الكثيرين وكأنه المسؤول الرئيسي عن الضغوط التي يتعرض لها العرب من قبل أوروبا والولايات المتحدة، والحروب التي استهدفتهم في العقود الأخيرة، وفي مقدمها الحربين الدوليتين ضد العراق عام 1991 وعام 2003، والحروب التي خاضها الغرب، بالتحالف مع اسرائيل، وبمساعدتها، في لبنان وفلسطين. كما أنه الدافع إلى إطلاق العديد من المبادرات السياسية والاقتصادية الجماعية، وآخرها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، بالإضافة إلى المبادرات الأوروبية الثنائية. وكلها تهدف إلى حث الحكومات العربية على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية لدرء مخاطر صعود الحركات الاسلامية السياسية، وإعادة هيكلة المنطقة لضمان استقرارها وازدهارها وتفاعلها مع العالم المحيط بها. وهناك من يستخدم هذا الخوف نفسه لتبرير السياسات الأمنية الاستثنائية الموجهة نحو العرب، بما في ذلك دعم حروب إسرائيل التوسعية، وتعميق التحالف وتعزيز الشراكة الاستراتيجية والسياسية معها.
وإلى هذا الخوف المرضي من الاسلام ترجع في نظر هؤلاء أيضا الحملات الإعلامية، ودخول العديد من الكتاب وقادة الرأي الغربيين في منافسة مفتوحة لتسويد صفحة الثقافة العربية والدين الاسلامي معا. ومنها التصريحات وإصدار القوانين التي ارتبطت بقضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية في الثمانينات، والتي استمرت عبر قضية الرسوم الكاريكاتورية التي تداولتها العديد من الصحف الغربية. والتي تعود اليوم في صورة أخرى عبر قانون منع البرقع الذي بدأ تطبيقه الشهر الماضي في فرنسا، وصادق عليه هذا الأسبوع البرلمان البلجيكي بانتظار أن يعمم مثيله في كل البلدان الأوروبية. وكان البابا ببنوا السادس عشر قد عبر، في محاضرته التي ألقاها في 26 سبتمبر 2006 والتي وصف فيها الاسلام بأنه رديف العنف أو مرتبط طبيعيا بالعنف، ولا يوجد من دونه، عن هذا الخوف المرضي من الاسلام والتشكيك في صدقية سلام المسلمين. وهذا ما تسعى اوريانا فلاشي في كتابها قوة العقل إلى تأكيده عندما تذكر بأن الرسول محمد (ص)، بعكس المسيح الذي توفي كما تقول على الصليب وموسى الذي رأي من بعيد أرض إسرائيل، زحف على رأس جيوشه فاتحا لتحقيق النصر. ولا تكتفي فلاشي بتقديم هذه الصورة القاسية والمشوهة للاسلام ورسوله فحسب، ولكنها تذهب أبعد من ذلك لتنتقد الغرب على ضعفه وتهاونه تجاه المسلمين، ولتحرض على الحرب وتطالب الغرب بالرد على العنف الاسلامي بعنف مماثل، مهددة بأن أوروبة سوف تسير إلى الانتحار إذا لم ترد على التحدي الاسلامي. ولم يتخلف عن مثل هذه التصريحات، ولو بلغة أكثر حذرا، العديد من رؤساء الدول الغربية الذين أطلقوا صرخات التحذير نفسها في أوقات مختلفة، من جورج دبليو بوش إلى فلادمير بوتين إلى سيليفيو برلسكوني إلى المستشارة ميركيل.
ينبع الخوف من الاسلام والمسلمين في نظر المحللين من تواتر العنف الذي يبدو وكأنه يميز حياة المسلمين على جميع الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والدينية، والذي يعكس هو نفسه طبيعة القيم التي تنظم حياتهم، وتجعل منهم مجتمعات مختلفة في توجهاتها وقواعد سلوكها وأهدافها عن بقية مجتمعات العالم. ومن هنا يعتقد قسم كبير من الغربيين أن النزاع القائم بين العرب والغرب هو النتيجة الطبيعية والحتمية للتناقض العميق بين منظومة القيم القرسطوية الاسلامية ومنظومة القيم الغربية الحديثة المرتبطة بالحرية والمساواة والتسامح والتعددية.
هكذا أصبح الخوف والشعور بالخطر المرتبط به يشكلان اليوم منطلق أي تفكير بالمنطقة وأي موقف تجاه ما يجري فيها، بما في ذلك الموقف من الاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الانسان وإعاقة الديمقراطية ومشاكل التنمية والعلاقات الدولية.
والواقع ليس للاسلاموفوبيا علاقة كبيرة بالخوف. فهي تطلق على نوع من المخاوف المرضية التي لا تعبر عن وجود مخاطر حقيقية، ولا تشكل تعبيرا صحيحا وصادقا عنها، بمقدار ما هي تركيب ذهني يخلط بين وقائع وتخيلات ومسبقات ومشاعر متعددة، تشكل هي نفسها منبعا لتعزيز الخوف واختلاق التهديدات وتضخيمها. فهي لا تفسر الخوف من الاسلام ولكنها تستخدم هذا الخوف لتبرير سياسات تجد جذورها ومحركها في مكان آخر.
في هذا المنظور تنقلب الوقائع رأسا على عقب. فالاسلاموفوبيا تظهر العداء للآخر، وهنا العرب والمسلمين، بمثابة رد الفعل الطبيعي على عدوان قائم أو منتظر من قبل هؤلاء أنفسهم، وتلتقي في هذا المجال مع فكرة الحرب الاستباقية وتبررها. فهي تفترض أن أصحاب الثقافات الأخرى يكنون للغرب عداءا عميقا ودائما بسبب تناقض قيمهم الخاصة، النافية للعقل والتعددية والحرية، مع قيم الثقافة الغربية.
والحال، ليس ما يؤرق أعداء الغرب ويثير نقمتهم غرب الفنون أو غرب العلوم أو غرب التقنية. ولا هو غرب الصناعة ولا غرب التسلية ولكن غرب السياسة. ما يزعج خصوم الغرب وأعداؤه، وهم لا يقتصرون على العرب والمسلمين، ليس أخلاقيات مواطنيه وطبيعة علاقاتهم ومنظومات قيمهم، وإنما خياراته السياسية، الخارجية منها بشكل خاص، وتجسيداتها في شبكات السيطرة والتلاعب بمصير الشعوب الضعيفة، والتي تشكل هي نفسها العقبة الرئيسية أمام تملك هذه الشعوب وسائل الاندراج في العصر والمشاركة الايجابية في السياسات الدولية. وهي الأسباب ذاتها التي كانت ولا تزال توجه الأغلبية الواسعة من الرأي العام العالمي في البلاد المسماة نامية ضد الغرب ونماذج إدارته السيئة للشؤون الدولية، بما في ذلك قوى غربية واسعة وقفت ولا تزال ضد سياسات الحكومات الغربية الخارجية وحروبه المستمرة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حقل العلاقات الدولية الحديث. فما تأخذه الشعوب على هذه السياسات ليس الحداثة الفنية أو الأدبية أو العلمية أو التقنية أو الصناعية، بل ولا نماذج الحياة الغربية الاجتماعية، والقيم التي توجه سلوك أفراده، مهما تباينت هذه القيم مع القيم العربية أو الاسلامية، وإنما بالعكس، تلك الاستراتيجيات الهيمنية، الاستعمارية وشبه الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التي تحول بين الشعوب الفقيرة، أي غالبية سكان الأرض، والوصول إلى الموارد المادية واللامادية التي لا أمل لها في التحرر والتقدم والترقي من دونها.
من هنا، ليس هذا الخوف المسمى مرضيا مرضيا إلى الدرجة التي يفترض أنه كذلك. إنه يشكل هو نفسه ذريعة لتمرير اختيارات سياسية لا يمكن تبريرها في أي منطق أخلاقي، وبشكل خاص في منطق الأخلاق الانسانوية لعصر الأنوار لذي يمثل مرجعية الغرب الحديث الأساسية. ولا يمكن أن ننسى أن إسرائيل لا تكف عن اللعب بورقة الخوف منذ عقود لتضفي شرعية سياسية على خيارات عنصرية تجعل من الاحتلال والاستعمار تعلة لاغتصاب الأرض من أصحابها والاستيطان فيها، ضد جميع الأعراف الدولية والشرائع الدينية والأخلاقية.
mercredi, avril 07, 2010
العرب ومعركة تحجيم إسرائيل
الاتحاد 7 نيسان أفريل 10
لجدية التي يواجه بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما سياسة الاستيطان الاسرائيلي تشير إلى أن هناك فرصة جديدة للتقدم في الجهود العالمية للحد من معاملة إسرائيل كدولة استثنائية أو فوق القانون. وبصرف النظر عما إذا أدى ذلك إلى تسوية سياسية للنزاع العربي الاسرائيلي أم لا، تشكل هذه المعركة المقدمة الضرورية لمعركة عزل أسرائيل وتعرية سياساتها التوسعية. ولا ينبغي على العرب أن يبقوا في هذه المعركة مكتوفي الأيدي، وهم المعنيون الرئيسيون بها، بالرغم من أن تفجيرها لم يكن ثمرة مباشرة لجهودهم، ولا حتى بدافع اكتشاف التكتل الغربي، بما في ذلك الإدارة الديمقراطية في واشنطن، عدالة القضية الفلسطينية، ولا نتيجة أي شعور بالشفقة أو الرحمة على العرب والفلسطينيين، وإنما ببساطة بسبب الخوف على النظم السياسية الحليفة، والسعي إلى امتصاص نقمة الشعوب العربية، وإعادة بعض الصدقية للسياسة الغربية، والحيلولة دون أن تسقط المنطقة أكثر في حضن السياسة الايرانية، ومن ورائها في حضن الحركات الاسلامية والقومية "المتطرفة".
والمشكلة أن الرغبة الأمريكية الأوروبية المعلنة اليوم للحد من التواطؤ التاريخي الجائر مع تل أبيب من أجل تهدئة الاوضاع الشرق اوسطية جاءت في أحلك ظروف. فلم تكن إسرائيل اكثر تطرفا ومبالغة في مطالبها وأطماعها مما هي عليه الآن. بينما لا يكاد المراقب السياسي يرصد أي تغيير ايجابي مقبل على سياسة التنازع والمواجهة الداخلية بين الأطراف والفرق الفلسطينية المتنافسة.
أما العرب فقد خروجوا من صراعات العقد الماضي بإرث من التنازع والتفتت والتشكيك في عروبتهم، أي في ما يجمع بينهم أو يبرر تضامنهم وعملهم المشترك، يجعل أي مسعى للم شملهم ودفعهم إلى الحديث بصوت واحد، أو التصرف ككتلة او مجموعة متسقة على الساحة الدولية، بمثابة طلب المستحيل. فلم تقل نتائج صدمة انهيار الجبهة العربية مع كسر العراق، وتفكيك بنيته العسكرية والسياسية، على العالم العربي، عن تلك التي أعقبت خروج مصر من الإجماع العربي في الثمانينات، وتوقيع اتفاقيات كمب ديفيد، أعني فرط عقد أي اجماع عربي، قائم أو محتمل، وتقوقع الدول والنظم والمجتمعات على نفسها ومشاكلها الداخلية، وانسحابها من السياسة الدولية، وبالنتيجة انعدام هامش مبادرتها السياسية والاستراتيجية. فهي لا تزال منقسمة اليوم، كما كانت دائما، بين كتلتين كلتاهما تحميان ظهريهما بتحالفاتهما الخارجية، ولا أحد يراهن على قوته الذاتية. ولم يختف أي مشروع عمل عربي مشترك للمستقبل وتختفي أي إمكانية لصوغ أجندة عربية فحسب، وإنما اختفت أيضا أية مشاريع عمل داخلية، وأي قاسم مشترك وطني. وهذا ما يفسر ما نشاهده من تشابك بين النزاعات الداخلية الطائفية والإتنية والسياسية والنزاعات العربية العربية، وبينها وبين النزاعات الإقليمية والدولية.
هكذا تخيم على العرب حالة من الفوضى الفكرية والسياسية، ومن التفكك والتهلهل والضياع تجعل أكثرهم منشغلين بهمومهم الخاصة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطائفية والأتنية، من دون الإشارة إلى الهموم التوريثية التي تشكل هاجسا لأكثر من نظام. فجميع الأقطار العربية أو أهمها تعاني من اهتزازات وتشنجات وتهديدات بزعزعة داخلية لا أحد يعلم مدى عمقها ومآلاتها. وبمقدار ما استغلت الحكومات العربية أو جلها إخفاق مسار السلام ذريعة لتأجيل الاصلاح بكل معانيه وجوانبه، تجد نفسها اليوم ضحية الاحباطات المتراكمة وتصاعد الضغوط المادية والنفسية على الأفراد والجماعات، مع الافتقار لأي هامش مبادرة داخلية وخارجية حقيقية.
بالمقابل، يستدعي الحصول على نتائج واضحة في المعركة الجديدة الدائرة من حول تجميد الاستيطان اليهودي، او على الأقل تجنب أن تخرج إسرائيل من هذه المعركة بنجاح إعلامي ودبلوماسي، يظهر فيه العرب وكانهم غير جديين في التوصل إلى حل للنزاع أو غير قادرين عليه، أو غير متفقين في ما بينهم، أقول يستدعي تجنب خسارة جديدة مراجعة جدية للاستراتيجية العربية، وربما إعادة ترتيب الأولويات. وفي اعتقادي أن دعم جهود الإدارة الامريكية في تقليم أظافر الوحش الاستيطاني ومواجهة نفوذ اللوبي الاسرائيلي داخل الولايات المتحدة وخارجها، يستدعي اتخاذ مبادرات نشطة وجريئة لتغيير صورة العرب ووزنهم النوعي في السياسة الدولية نفسها، وذلك على ثلاث محاور رئيسية. محور إعادة بناء المجتمعات العربية من الداخل، وهذا ما يستدعي البدء بإصلاحات عميقة وشاملة، في ميادين السياسة والدولة والاقتصاد والإدارة والمجتمع، تعيد الثقة للشعوب العربية وفيها، وتحولها إلى رصيد في المواجهات المحتملة، وعامل من عوامل القوة الاستراتيجية، بدل أن تكون، كما هي عليه اليوم، عبئا إضافيا ومصدر قلق وخوف للحكومات والعالم. ومحور إعادة بناء التكتل العربي الاقليمي، وهو شرط أي رابطة جوار فعالة كتلك التي اقترحها امين جامعة الدول العربية. ولا مانع من أن يبتعد هذا التكتل في مفهومه عن مفهوم الوحدة العربية كما تصورها القوميون، ويأخذ شكل تحالف أو تآلف أو تجمع اقتصادي أو كونفيدرالية تجمع الدول العربية الرئيسية المعنية مباشرة. وأخيرا محور العلاقات الخارجية التي تستدعي ما ينبغي تسميته المصالحة مع العالم، وليس مع دول الجوار فحسب.
فالمناخ السائد في العالم العربي منذ الاستعمار وتجربته المريرة حتى العقود الستة الماضية، وبسبب المواقف الغربية المحابية لاسرائيل والمعادية لتطلعات العرب والمسلمين المشروعة، هو مناخ القطيعة، ومن ورائها الانكفاء على النفس والتطلع نحو الماضي، وإحياء الصداقات أو الوشائج القديمة. ومن المؤكد أن مثل هذا الموقف يزيد في عزلة العالم العربي وهشاشة وضعيته الاستراتيجية، ولا يفيد إلا السياسة الغربية الهيمنية التي تستخدم العدوان والتشهير لدفع العرب نحو المزيد من العزلة والانطواء على النفس والانسحاب من التنافس العالمي. والمقصود أن يعمل العالم العربي على الخروج من التهميش الذاتي الذي اختاره، وأن يسعى بجد، وبحركة متسقة وجماعية، على فك العزلة، وانتزاع مواقع قوية في قلب العالم الصناعي، وفي وسط الرأي العام الدولي، من دون خوف ومن دون شعور بالنقص. وهذا ما يحتاج إلى خوض حوار بناء، رسمي وأهلي، مع المجتمعات الغربية والشرقية معا.
في نظري، مهما كانت نوايا الإدارة الأمريكية حسنة تجاهنا، فلن نستطيع تطويق إسرائيل وفضح سياساتها التوسعية والعدوانية من دون أن نغير أولا من طبيعة العلاقات التي تربطنا بالعالم، والتي تعمل اليوم لغير صالح العرب، وتمنعنا من طرح أنفسنا كشريك شرعي وكامل العضوية في المفاوضات الدولية والنقاشات العالمية حول مستقبل الشؤون والسياسة الدولية.
ويخشى، إذا لم نفعل ذلك، وثابرنا على السلوك كما فعلنا في العقود الأربع الماضية، أن لا نحصد شيئا سوى المزيد من التراجع والانكفاء، حتى في ظل إدارة أمريكية تبدو أحرص اليوم من أي وقت سابق على إظهار صدقية التزامها بالمباديء السياسية والأخلاقية. إذ سيكون في مقدرة إسرائيل دائما أن تستفيد من غياب صدقية العرب الاستراتيجية، ووهن عزيمتهم الجمعية، والطابع الاستثنائي الفظ لنظمهم السياسية، وانقساماتهم التي لا تنتهي، كي تعلن كعادتها غياب المحاور أو الشريك الجدي، وتحملهم مسؤولية انعدام التقدم في طريق التسوية السياسية، ومن ثم تجنيب سياسة الاحتلال والاستيطان الانتقاد والإدانة الدولية.
mercredi, mars 24, 2010
الاستيطان جوهر المواجهة في فلسطين
الاتحاد 24 مارس 10
كان الاستيطان ولا يزال الجبهة الرئيسية للصراع الدائر منذ منتصف القرن الماضي في فلسطين، وذلك لأن إسرائيل ليست دولة عادية تتخاصم مع دول أخرى. بل بالعكس، لأن اسرائيل لم تكن في أي وقت دولة، ولا تزال غير قادرة على التفكير بنفسها والتصرف كدولة، بما يعنيه ذلك من بنية قانونية واعية ومستبطنة تحكم علاقاتها بداخلها، وتحولهم إلى مواطنين لا أبناء طائفة، كما تحكم علاقتها بخارجها، وتساعدها على النظر إلى هذا الخارج بوصفه دولا وشعوبا مماثلة لها الحق نفسه في الحماية والسيادة والحياة، لا حقل صيد خاص مفتوح لكل المطامع والشهوات.
ولدت اسرائيل وعاشت ولا تزال كمشروع اسيتطان، بما يعني هذا المشروع من غزو عسكري لإحلال سكان جدد محل سكان أصليين، وبالتالي انتزاع أراضيهم وإخراجهم منها ووضع اليد القانونية والسياسية والعسكرية عليها. وهذا ما يعكسه تاريخ اسرائيل الطويل منذ بناء اول مستوطنة يهودية في الارض الفلسطينية قبل أكثر من قرن. فليست إسرائيل التي عرفناها حتى إعلان استقلالها عام 1948، والتي لا نزال نعرفها إلى اليوم سوى هذه السلسلة الطويلة من عمليات الغزو والضم والإلحاق لرقع متزايدة من الأرض العربية المحيطة بها، مع تدمير حياة سكانها وتهجير ما يمكن تهجيره منهم وتشتيت شملهم وضرب الحصار العنصري، أو السياسي والاقتصادي، كما هو الحال في غزة اليوم، عليهم، لإجبارهم على القبول بالأمر الواقع والاستسلام.
يعني المشروع الاستيطاني، أي مشروع، أمرين لا يستطيع من دونهما البقاء ولا الاستمرار. الأول الحرب الدائمة، وإلا توقف وانهار، وأصبح على مجتمع المستوطنين أن يعيد النظر في أسلوب حياته وتفكيره بأكمله، أي في ثقافة الاستيطان ذاتها، ويواجه بجرآة مشاكل بناء الدولة والتعامل على أسس وقواعد قانونية وسياسية، مع المحيط الذي كان انكار حقوقه في أصل وجود المشروع نفسه نفسه. والثاني النزوع المتزايد إلى العنصرية، أي إلى الصفاء أو النقاء الديني أو العرقي، او العرقي الديني معا، وطرد العناصر المختلفة التي تبدو أكثر فأكثر نشازا، يهدد تماسك المجتمع الاسيتطاني وصلابته. ويزداد النزوع إلى هذا النقاء بموازاة تقدم الاستيطان ونجاحه في تحقيق أهدافه وتوسيع دائرة انتشاره وسيطرته، وذلك بمقدار ما يضاعف هذا التقدم من حجم المشاكل والتحديات التي يثيرها الاستيطان لدى المجتمعات التي يقوم على حسابها ومن خلال تفكيكها وكسرها، وتعاظم المقاومات التي تفرزها أيضا. وهذا ما يفسر المفارقة التي يعيشها أي مشروع استيطاني، أعني تفاقم شعور مجتمع المستوطنين بالخطر والتهديد والهشاشة في الوقت الذي لا يكف فيه عن تأكيد تفوقه الكاسح في ميدان القوة المادية والمقدرة على التدمير وزرع الخراب في المجتمع الضحية المحيط.
ومن هنا ليس أمام أي مشروع استيطان خيار آخر، ولا سياسة ممكنة، ترد على حاجات بقاء نظامه واستمراره سوى خيار الهرب إلى الأمام. فتوسيع دائرة الاستيطان يستدعي المزيد من المقاومة من قبل المجتمعات المشردة والمشتتة، ويجر المزيد من الحرب والاعتماد على الحرب للدفاع عن البؤرة الاستيطانية وتعزيز استقرارها وأمنها. والعكس أيضا صحيح، فتنامي القوة وتزايد الشعور بالتفوق العسكري يعزز منطق الاستيطان، بما يوحي به من أن المزيد من الاستيطان يعني تحقيق استقرار أكبر وديمومة أكثر للبؤرة الاستيطانية.
تشكل القارة الأمريكية، وأمريكا الشمالية بشكل خاص، لكن استراليا أيضا، مثالا واضحا لهذه الآلية التي قادت إلى القضاء شبه الكامل على الشعوب الهندوأمريكية وإحلال شعوب أخرى، وثقافات جديدة محلها. فلم تتحول البؤر الاستيطانية إلى دول قانونية إلا بعد أن قضت تماما على المجتمعات المحلية وأخضعت ما تبقى من مقاومتها، أي عندما تحققت لها السيطرة على قارة كاملة او ما يشبه ذلك. لكن لم يكن الحال كذلك في العديد من البلاد الأفريقية التي عرفت مشاريع استيطان مشابهة. ففي جنوب أفريقيا اضطر مجتمع المستوطنين البيض بعد ما يقارب ستة قرون من السيطرة المطلقة على بلاد واسعة، إلى الاستسلام والمفاوضة على إعادة تحديد دور المستوطنين ومكانتهم في المجتمع الجديد المختلط. وكان هذا نموذجا خاصا وإن لم يكن فريدا للخروج من منطق الحرب الاستيطانية اختلف كثيرا عن النموذج الامريكي. لكن في الجزائر التي كانت معدة أيضا لتكون مستوطنة بيضاء انتهت العملية بتفكيك المشروع الاستيطاني والانكفاء بعناصره ورجاله على البلد الاصلي فرنسا. وفي اعتقادي أن الصراع القائم اليوم في المشرق العربي لا يخرج عن هذا الإطار، أي تحديد مستقبل مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين ومحيطها العربي القريب.
ليس هناك شك بأنه ليس من الوارد، على الأقل في وجود المعطيات القائمة الإقليمية والعربية، التفكير في حل على الطريقة الجزائرية. وأقل من ذلك في حل على الطريقة الامريكية يمكن المجتمع الاستيطاني من القضاء على المجتمع العربي الفلسطيني وامتدادته، ويحقق سيطرته على قارة، ويتحول إلى دولة وأمة طبيعية أو عادية. فلا المعادلة السكانية ولا الثقافية والحضارية تعمل على المدى الطويل لصالح إسرائيل. وبالمثل، يرفض المستوطنون الاسرائيليون بشكل واضح وقاطع الحل الجنوب أفريقي لمأزق المشروع الاستيطاني، ولا يكفون عن رفض الاختلاط والتنوع الاتني، والتمسك بتأكيد هوية يهودية يزيد من التشبث بها الإحياء المستمر لذاكرة الإبادة الجماعية التي تعرض لها يهود ألمانيا النازية، والربط الذي أقامته الصهيونية بين العملية الاستيطانية والوفاء للعقيدة اليهودية أو استعادة الأرض المقدسة التوراتية، وكذلك القوة الاستثنائية، المعنوية والمادية والاستراتيجية، التي يوفرها لمشروعهم التضامن اليهودي العالمي العابر للحدود.
من هنا لا يزال الرأي العام الاسرائيلي واليهودي على العموم يرفض التفكير في مستقبل المشروع الاستيطاني، وأحيانا يرفض النظر إلى ما يواجهه من تحديات، ويعتقد أن توسيع الاستيطان وبناء جدران عازلة تحيد الفلسطينيين وتمنعهم من المقاومة، يمكن أن يضمن له النجاح في ما أخفق فيه مجتمع البيض الجنوب أفريقييين، أي الخروج من الازمة بحل على مثال نظام الفصل العنصري الذي ساد في جنوب أفريقيا قبل مانديلا، مع بعض التعديلات التي تجعله اكثر قدرة على الصمود والمقاومة. تشجع على هذا الاختيار المطابقة بين منطق الاستيطان والوفاء للعقيدة الدينية، وهذا ما يفسر تنامي وزن المتدينين وتماهي قضيتهم مع سياسة الاستيطان. وتغذي الثقة بنجاحه التعبئة القوية للجماعات اليهودية العالمية وراء إسرائيل، والتأييد الكبير الذي يحظى به من قبل الغرب الذي لا يزال القوة الضاربة الدولية. كما يعزز هذا الخيار تفكك الجبهة العربية وتضارب أطرافها، وانقسام الفلسطينيين أنفسهم وتضارب سياساتهم الداخلية والخارجية.
لن تتخلى إسرائيل، أي أغلبيتها الانتخابية، عن هذا الخيار إلا إذا أدركت بشكل واصح أن نظام التمييز العنصري طريق مسدود وليس حلا، وأن السير فيه لا يضمن أي امن وسلام، ولكنه يقود إلى تخليد الحرب بما تحمله من مأسي وآلام ومخاطر لا تهدد إسرائيل والعرب خاصة وإنما جميع الاطراف، بما فيها أطراف بعيدة عن المنطقة وفي محيطها.
قطع هذا الطريق وكسر منطقه، وهو ما يهدف إليه مشروع الدولتين، مسؤولية الأطراف جميعا: الغرب الذي تحتمي اسرائيل خلف تأييده أو صمته، والجماعات اليهودية التي تراهن تل أبيب على نفوذها الكبير في جميع أنحاء العالم، والعرب الذين يلهب ضعفهم وشلل إرادتهم حماس المستوطنين اليهود ويقوي متطرفيهم، والفلسطينيون الذين يغرون، بانقساماتهم وتفرق كلمتهم وتخبط قياداتهم، أعداءهم بهم، ويشجعون أصدقاءهم وأشقاءهم على التساهل في حقوقهم إن لم يكن التضحية بهم. هذا جوهر المواجهة القائمة اليوم في فلسطين وعليها.
mercredi, mars 10, 2010
مفاوضات السلام التي تضمر الحرب
الجزيرة نت 10 مارس 2010
لا أدري أي منطق سياسي أملى على وزراء الخارجية العرب موقفهم الجديد في إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، بعد أشهر من تأكيد رؤساء الدول العربية عدم التراجع عن شرط التجميد الكامل للاستيطان ووقف أعمال التهويد المستمرة للقدس والأراضي العربية الأخرى، بما فيهم رئيس السلطة الوطنية محمود عباس.
لم تكن خيبة العرب ثمرة رد فعل ظرفي على سلوك إسرائيلي جديد، ولكنها كانت ثمرة خبرة عقدين طويلين من المفاوضات، التي استغلها الاسرائيليون لتوسيع دائرة استيطانهم، وتعزيز سيطرتهم على الأراضي المحتلة، وإنهاك مقاومة الشعوب العربية، وتقسيمها، وزرع الفتنة بين قادتها وشعوبها.
وليست الخيبة هذه حكرا على العرب وحدهم. فلم يبق في العالم كله، حتى داخل إسرائيل، مراقب محايد واحد يؤمن بأن حكومة نتنياهو، حتى لا نقول جميع القوى السياسية في إسرائيل، تبحث بالفعل عن تسوية، مهما كان شكلها، أو أنها لا تستخدم المفاوضات للتغطية على عملية التوسيع المستمر والعلني للاستيطان وتهويد الأراضي العربية المحتلة، بانتظار الوقت الذي يمكن فيه وضع العرب أمام الامر الواقع، وإجبارهم على التسليم بواقع اسرائيل الكبرى، ربما، كما يحلم الأكثر تطرفا في إسرائيل، خلال ولاية نتنياهو نفسه. وهذا ما كان قد فهمه وعبر عنه المسؤولون العرب الذين لم يملوا من التاكيد على غياب إرادة السلام لدى الطرف الآخر.
وبالمثل، لم يعد هناك مراقب سياسي محايد، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي الحاكم في واشنطن، يعتقد بأن إدارة أوباما لا تزال، بعد الصفعة المهينة التي وجهتها لها حكومة نتنياهو برفضها الانصياع إلى قرار التجميد الكامل للاستيطان، قادرة على أن تقود مفاوضات سلام ناجعة ومثمرة في الشرق الأوسط تقود إلى إقامة تلك الدولة العتيدة، القابلة للحياة والمتواصلة الأراضي، التي تحدث عنها الرئيس الامريكي في عهد تفاؤله، واحتفائه بانتخابه رئيسا جديدا بالمعنى السياسي للكلمة، للولايات المتحدة الامريكية.
فما الذي بقي للاختبار في النوايا السلمية الاسرائيلية ؟ وما صدقية الضمانات الأمريكية التي يشير وزراء الخارجية العرب إليها بعد تخاذل واشنطن وعودتها المذلة عن قراراتها أمام صمود حكومة نتنياهو واستمرارها في أعمال الاستفزاز التي لا تهدف إلى شيء آخر سوى تقويض المفاوضات وتفجيرها قبل أن تبدأ؟ وإذا كان لا بد من العودة لمجلس الامن، فلماذا الانتظار أربعة أشهر جديدة وإعطاء تل أبيب الفرصة لافتعال أحداث عنف ربما تقضي على ما تراكم للقضية الفلسطينية من رصيد عالمي حتى الآن؟ ثم ما قيمة نقل القضية إلى مجلس الامن، الآن أو بعد أشهر، إذا لم يكن هناك تفاهم مع بقية الدول الاعضاء على خطة واضحة، وعلى رأسها الدول أعضاء الرباعية الشهيرة التي لم تحرك ساكنا ضد مشاريع الاستيطان الاسرائيلي وتقويض عملية السلام خلال السنوات الطويلة الماضية؟ وما هي الضمانات التي حصل عليها العرب كي لا تستخدم واشنطن حق النقض في هذا المجلس؟ وحتى لو تحقق كل ذلك كما يشتهي العرب، ما قيمة موقف إدانة جديد لاسرائيل في مجلس الأمن إذا لم يكن مشفوعا بالمادة السابعة التي تفرض التطبيق بالقوة للقرارات الدولية؟ وفي هذه الحالة من يستطيع أن يفرض على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى استخدام قواتها لفرض السلام أو اقتسام الأرض ونزع الاحتلال عن فلسطين؟ هل هناك من يفكر فعلا أم أن كسب الوقت هو الهدف الوحيد المشترك بين الحكومات العربية والقيادة الاسرائيلية، الأولى لتجنب فكرة المواجهة والثانية لابتلاع المزيد من الأرض وفرض الامر الواقع.
يطرح أصحاب القرار الجديد الذي جمع أغلبية عربية كاسحة عدة حجج ومبررات وذرائع لتبرير موقفهم، او بالأحرى التراجع عن الموقف المتشدد السابق. من ذلك أن العرب والفلسطينيين تعرضوا ويتعرضون إلى ضغوط شديدة من قبل الأمريكيين والدول الغربية عامة، وأن السلطة الفلسطينية التي تعيش، وشعبها كذلك إلى حد كبير، على المنح والعطايا والمساعدات الدولية، لم تتوقف عن تلقي التهديدات بوقف هذه المعونات إذا لم تذعن لإرادة الدول المانحة. فليس لهذه المعونات غاية أخرى في نظر مانحيها سوى تشجيع عملية السلام، وأن رفض الفلسطينيين الدخول في مفاوضات سلام، مهما كانت شروطها، يعني إخلالهم بالعقد الذي يبرر مساعدتهم وإعطاء الحق للمانحين بوقف مد العون لهم. وفي هذه الحالة لن تتمكن السلطة الفلسطينية حتى من دفع مرتبات موظفيها، اما الشعب الفلسطيني الذي يفتقر لأي اقتصاد منتج فلن يجد ما يقيت أطفاله.
ومنها، أن إجهاض مبادرة أوباما التي لم يكن العرب يحلمون بمبادرة أفضل منها، والاعتراف بفشل المفاوضات السياسية، يضع العرب أمام لحظة حقيقة إستثنائية ويفتح الباب على المجهول. وما لم يعثرو على خيار يسمح لهم بمواجهة الضغوط الداخلية والإقليمية المتفاقمة، سيجدون أنفسهم بسرعة أمام موقف يصعب احتماله، من تهلهل السمعة وانهيار الصدقية السياسية. من هنا يبدو تجميد عملية السلام، وهو الاسم التجميلي لنكتة المفاوضات المستمرة منذ عقدين، أخطر في نظر الكثير من القادة العرب، من عدم تجميد الاستيطان، بل ربما من استمرار الاحتلال. فهذا التجميد يهدد، في غياب أي بديل آخر لمواجهة البعبع الاسرائيلي، بخلق فراغ كبير ستدخل منه لا محالة رياح حركات التطرف القومي الديني العاتية، وتستغله بعض الدول المعادية أو المنافسة لتوسيع دائرة نفوذها وتاثيرها داخل المجتمعات العربية وضد مصالحها.
وبالنسبة للعديد من الحكومات العربية، لا تنبع قيمة المفاوضات من نجاعتها أو احتمال نجاحها في استرجاع الحقوق الفلسطينية، وإنما من كونها الوسيلة الوحيدة لتجنب الحرب، والتفرغ لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل عند معظمهم اليوم المسألة المركزية. فكما صرح وزير الخارجية المصرية، أحمد أبو الغيط، مبررا القرار، التنمية والاستقرار والسلام هي الأهداف الرئيسية التي يضمن تحقيقها مصالح الأمة العربية للمستقبل، وأن الحرب لن تكون سوى دمارا شاملا لا يمكن تصوره.
لجميع هذه الأسباب والتفسيرات نصيب من الصحة والمعقولية لا شك. لكن ليس من المؤكد أن الجواب على التحديات التي تكشف عنها يكمن في دفن الرأس في الرمال، أو الاستسلام او التسليم بالهيمنة الاسرائيلية أو التعامل الضعيف معها. بل ربما كان العكس هو الصحيح.
فللحكومات العربية الحق في أن تعتبر أن التنمية والسلام والاستقرار، بصرف النظر عن طبيعة هذه التنمية ومنحى تراكم الثروات وأسلوب استهلاكها او هدرها، هي الأهداف الرئيسية التي ينبغي أن تحكم سياسة دول تعيش وضعا اجتماعيا وسياسيا لا تحسد عليه، وهي تستدعي بالفعل تجنب الحرب. ولديهم الحق أيضا في القول بأن الحرب ليست لعبة. وهي بالفعل ليست لعبة، وتكاليفها ستكون كارثية على العرب قبل الاسرائيليين. لكن من قال إن الضعف وإظهار الضعف والقبول بتقديم تنازلات متواصلة هو ضمانة لتجنب الحرب، لا تشجيعا للطرف الآخر على شنها أو الاستمرار فيها؟ وهل لما تقوم به إسرائيل في فلسطين اسم آخر غير الحرب، حتى لو كانت بوتيرة بطيئة يومية؟
ثم ألم تكن هذه هي السياسة المتخاذلة، التي اتبعتها أوربا لتهدئة الوحش النازي في الثلاثينيات من القرن الماضي، هي التي قادت الفهرر الألماني إلى تضخيم أطماعه إلى درجة اعتقد فيها أن أيا من الدول الأوروبية لن تكون قادرة على منع ألمانيا من اكتساح القارة والسيطرة عليها، بعد أن قبلت عواصمها الكبرى التضحية بالدول الصغيرة، الواحدة بعد الأخرى، لتبريد شهية الوحش النهم وتصبيره؟ ومن يجرؤ على القول بإن إسرائيل، وهي ذات شهية للتوسع لا ينكرها قادتها أنفسهم، لن تطمع في أراضي عربية أخرى، بين النيل والفرات بالفعل هذه المرة، إذا وجدت أنها نجحت في هضم المناطق العربية المحتلة، وفي ضبط مقاومات أبنائها من خلال جمعهم في معازل محاصرة ومحروسة، هي في الوقت نفسه مناطق سكنى ومعسكرات اعتقال جماعية؟ ومن يستطيع أن يؤكد، وحالة فساد النخب العربية على ما نراها ونقرأ عنها، أن إسرائيل او حلفاءها لن ينجحوا، من خلال التلاعب بزعامات المنطقة الصغيرة والموتورة، وتغذية حزازات بعضها الدينية والقومية والعشائرية والعائلية، ضد بعضها الآخر، وبالرهان على روح الانتهازية والوصولية والأنانية التي تميزها، وبالتعاون مع الطامحين الذين لا أمل لهم بالحكم من خلال قدراتهم الذاتية، في الابقاء على سيطرتها وإدارة امبرطوريتها الاستعمارية؟ وما هي التكاليف التي ستدفعها الشعوب العربية في تلك الحالة للقضاء على نظام العنصرية الاسرائيلية المتورمة ؟
وللحكومات العربية الحق أيضا في أن تخشى من أن يؤدي وقف المفاوضات أو إعلان إخفاقها النهائي إلى تفاقم التوتر داخل المجتمعات العربية بإضافة الخوف على المصير إلى بؤس شروط المعيشة وغياب أي حياة سياسية أو مدنية حقيقية، وأن يزيد من قدرة الدول الإقليمية، وفي مقدمها ايران الخمينية، على تعميق نفوذها وتدخلها في الشؤون العربية، السياسية والدينية، واستتخدام هذا النفوذ وذاك التدخل لتحسبن شروط مفاوضاتها حول مصالحها القومية مع الغرب. لكن هل الاستمرار في مفاوضات منتجة للاحباط والخيبة والتذمر وانعدام الأمن هو الذي سيحد فعلا من قدرة ايران على توسيع دائرة نفوذها، ويحمل الجمهور العربي إلى المزيد من الولاء للنظم العربية والايمان ببطولات قادتها أو إخلاصهم لقضاياها الدينية والقومية؟
ومن حق القادة الفلسطينيين أيضا أن يقولوا إن الممانعة، بمعنى الصمود أجيالا وعدم التفريط بحقوقنا، كما ذكرت الناطقة باسم الرئاسة السورية، تبدوا سهلة على نخب وسياسيين يعيشون في بلادهم المستقلة، ويملكون حرية الحركة والقرار والعيش بسلام، وأحيانا برفاهية يحسدهم عليها المحتلون أنفسهم، لكن ربما يحتاج الأمر، بالنسبة للفلسطينيين الذين يعانون الأمرين، يوميا، من أجل تأمين لقمة عيشهم، وينظرون إلى الأرض وهي تذوب تحت أقدامهم، ووطنهم يغور في ماء الاستعمار والاستيطان الزاحف، إلى حلول عملية وسريعة أكثر قليلا. فالحقوق لا توجد إلا عندما تمارس، وينبغي أن تمارس اليوم، لا أن ننظر إليها كصكوك ملكية نعض عليها بالنواجذ بانتظار حصول المعجزة التاريخية، بينما نستمر في قضاء العمر في الذل والهوان.
ومع ذلك هل للفلسطينيين حظ اكبر في الخروج من محنة الاحتلال من خلال إضفاء شرعية متجددة على مفاوضات هدفها الوحيد التغطية على الاستيطان، أم أن لهم مصلحة أكبر في دفع العرب وقيادتهم إلى تغيير قاعدة المفاوضات الفاسدة والمفسدة، والمشاركة في بناء خيار استراتيجي جديد يكون أكثر نجاعة في مواجهة الاحتلال؟ وما الذي سيفيده الفلسطينيون والعرب من تمديد هذا الوضع وتأجيل القرارات الأساسية التي ينبغي عليهم اتخاذها، والتي سيضطرون لاتخاذها بالتأكيد بعد فترة، لكن في شروط أقسى وأكثر كلفة؟ هل الهدف تمكين إسرائيل من تعزيز وضعها على الأرض، وتبرئة أمريكا وغيرها من الدول الكبرى من مسؤوليتهم وتخاذلهم أمام اللوبي الاسرائيلي، أم العمل على تعميق أزمة الثقة عند الشعوب العربية ،وتوسيع الهوة التي تفصلها عن حكوماتها، وتعظيم اليأس والقلق والنزوع إلى العنف لديها؟
بدل قرار تمديد المفاوضات التي فقدت مبرر وجودها بعد أن أثبتت عدم فاعليتها وجدواها خلال عقدين، كان المطلوب من الدول العربية، مباشرة بعد فشل مهمة جورج ميتشيل، وإصرار إسرائيل على مواصلة عمليات الاستيطان والتهويد، أولا رفض التراجع بأي ثمن عن قرارها بالتجميد الكامل للاستيطان ووقف عمليات التهويد جميعا واحترام امن وسلامة الفلسطينيين، كشرط لفتح مفاوضات سلام جديدة، وعلى أسس جديدة. وثانيا العودة مباشرة إلى مجلس الأمن لوضع الدول الكبرى، وعلى رأسها الرباعية المستقيلة عمليا أمام مسؤولياتها. وثالثا، اتخاذ إجراءات عملية مشتركة تظهر أن العرب لا يتسولون السلام من إسرائيل، وأن اختيارهم المفاوضات لا يعني تخليهم عن حقوقهم، وفي مقدمها حقهم في استخدام القوة، لاسترجاع الأراضي المحتلة، وأن اسرائيل بتقويضها مفاوضات السلام قد اختارت الحرب وهي تمارسها يوميا في فلسطين وما وراء حدودها.
لا يعني هذا إعلان الحرب ولا التشجيع عليها. فليس من بين الشعوب العربية من لم يجرب الحرب ويعيش ويلاتها ويعرف مآسيها. المقصود هو العكس تماما تجنبها. فليس هناك وسيلة أفضل لقطع الطريق على أنصار الحرب من الإعداد الجدي لها. وجهلنا بهذه القاعدة أو تغييبها عن فكرنا هما الذين يفسران تعرضنا المستمر لها منذ عقود. من هنا فإن مجلس الجامعة العربية، باتخاذه قرار التمديد لهذه المفاوضات، وبصرف النظر عما يقوله ويهدف إليه معكسر الممانعة، ومن وجهة نظر مصالح دول الاعتدال نفسها، قد ذهب في الاتجاه الخطأ. فبمقدار ما أكد عجز العرب وخوفهم أو عدم قدرتهم على التخلي عن نهجهم السابق الضعيف، وتبني منهج قوي، واتخاذ قرارات جرئية، زاد من اقتناع الاسرائيليين بنجاعة منطق القوة والقسوة والعدوان. وهذا ما يفسر تلاشي اليسار ومعسكر السلام والاعتدال داخل إسرائيل نفسها، والانزلاق المتزايد للجمهور الاسرائيلي إلى سياسة العنصرية المكشوفة والشرعنة العملية نظام التمييز العنصري. لذلك ليس من المبالغة القول بأن قرار مجلس الجامعة العربية قد قربنا من الحرب اكثر مما أبعدنا عنها، وأننا سنكون أقرب إليها بعد مرور الأشهر الأربعة القادمة مما نحن اليوم.
التاريخ يكرر نفسه، قال الفيلسوف الألماني هيجل عن حق. في المرة الأولى على شكل مأساة وفي الثانية على شكل مهزلة، رد عليه ماركس معلقا. لكن قد تكون المهزلة أكثر ايلاما من المأساة نفسها، أضاف إليهما ماركوز، صاحب كتاب "إنسان البعد الواحد". لا أدري في أي مقام من هذه المقامات يندرج وضعنا نحن؟
mercredi, février 24, 2010
محنة العراق بين الطائفية والضحالة السياسية
وغالبا ما تكون الضحية الرئيسية لتقليص الإنفاق الحكومي في الميادين الأخرى لصالح تنمية وسائل الأمن هي ميادين النشاطات التي لا تعطي فائدة ومردودا مباشرين وسريعين. فلا شك أن رشوة الزبائن والمقربين تبدو ذات نجاعة أكبر في منظور هذا الوضع السياسي القائم على مبدأ التنازع على البقاء لا على مبدأ تنمية المنافع المتبادلة لجميع السكان، من أي استثمارات علمية أو ثقافية.
ومن الطبيعي أن تكون قطاعات الثقافة والمعرفة والبحث العلمي هي القطاعات التي تتعرض قبل غيرها إلى الإهمال سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث تخصيص الاستثمارات المادية. وهذا ما يفسر، أكثر من العوامل الاقتصادية نفسها، ضعف الاستثمار في البحث وتخبط السياسات التعليمية وضآلة الاستثمارات الثقافية وأحيانا انعدامها. ويكفي لإدراك نتائج هذا الوضع مقارنة حصة المخصصات للبحث العلمي في البلاد العربية مع مثيلاتها في العالم الصناعي - بل حتى في البلدان النامية نفسها من الناتج المحلي. إذ لا يتجاوز نصيب البحث العلمي والتقني في البلاد العربية سوى 2 بالألف من الناتج المحلي مقابل ما يزيد عن 2 بالمئة بالنسبة لمعظم الدول الصناعية ( تتراوح النسبة بين 2.5%- 5.00%). وبالإضافة إلى ذلك، يأتي 89% من الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية من مصادر حكومية، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3% فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة عن 50%. التقرير الثاني للأمم المتحدة عن التنمية الانسانية في المنطقة العربية 2002
فلا يحرم الفقر الغالبية العظمى من الجمهور من القدرة على النفاذ إلى المعرفة والثقافة فحسب ولكن التدهور المستمر في قيمة مرتبات وأجور العاملين في حقول المعرفة من تعليم وعلم وبحث وتجديد يدفع قسما كبيرا من المعلمين والأساتذة إلى التخلي عن مسؤولياتهم وعدم الوفاء بالتزاماتهم مفضلين استخدام المؤسسات العلمية والتعليمية في سبيل تكوين زبائن لهم وإجبار طلبة العلم على دفع دروس خصوصية كشرط لنجاحهم في الامتحان. مما يشكل بداية فوضوية لعملية تخصيص التعليم والدراسة. بل إن ضعف المرتبات قد جعل بعض المدرسين في بعض الجامعات العربية يقايضون نجاح الطلبة في مادتهم الخاصة بمبالغ معلومة من المال. كما أدى ضعف المرتبات التي يتقاضاها رجال العلم والتعليم إلى تنمية استعدادات عميقة لدى الأطر المكونة العلمية والتقنية إلى الهجرة والبحث في بلاد أخرى عن وسيلة للعيش الكريم. ويكاد العالم العربي يشكل اليوم الخزان الأكبر لأصحاب الكفاءات والمهارات المرشحين للهجرة الدولية بالمقارنة مع جميع المجتمعات الاخرى الكبيرة.
ولا ينجم عن ذلك فقر في الأطر العلمية والتقنية مستمر بالرغم من النفقات المتزايدة في التعليم فحسب، ولا قصور في إنتاج المعارف الضرورية للتسيير الاقتصادي والإداري ولكن، أكثر من ذلك، تراجع إن لم نقل انعدام الطلب الاجتماعي نفسه على المعرفة. فالمعلمون والأساتذة والمدرسون والباحثون والمبدعون على اختلاف أنواعهم لا يملكون بمرتباتهم الضئيلة القدرة على اقتناء منتجات المعرفة ووسائل اكتسابها أو الاستقاء منها، سواء أكان ذلك على شكل شراء السلع المعرفية كالكتب والموسوعات والمؤلفات العلمية، أو على شكل مشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية، أو على شكل اشتراكات في دوريات علمية ومعرفية مختلفة. بل إن معظم العاملين في الحقول المعرفية يضطرون في البلاد العربية إلى القيام بأعمال لا تتعلق باختصاصاتهم الأصلية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.
وتعمل الإدارة البيرقراطية المرتبطة بالحكم المطلق وانعدام المساءلة والمحاسبة السياسيين والتي سيطرت على الإدارة الاقتصادية العربية لعقود طويلة ولا تزال، في البلدان التي كانت تتبع اقتصاد التخطيط وتلك التي كانت تنتمي للاقتصاد الحر، على إضعاف الطلب الاقتصادي على المعرفة والتجديد العلمي والتقني بقدر ما تدعم اقتصاد المضاربة الذي يستفيد من الصلات الخاصة التي تقوم بين الإدارة ورجال الأعمال لفرض منطق الاحتكار. وحتى عندما توجد قوانين تسمح ببعض المنافسة، كما هو الحال اليوم بعد تطبيق مشاريع التعديل الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والانفتاح، فإن فساد النظم المجتمعية والسياسية الذي يتجلى في التفاهم العميق بين النخب السياسية ونخب رجال المال والأعمال يقود إلى تكوين شبكات مصالح قوية تتقاسم المنافع والمصالح في ما بينها على الطريقة المافيوزية. وفي غياب المنافسة النزيهة بين الشركات المنتجة لا يبقى هناك سبب لتنمية الطلب على الخبرة والتقانة، إذ تبقى العلاقات العامة والزبائنية بين رجال الأعمال ورجال السلطة أكثر فائدة من تحقيق أي تقدم في الانتاجية أو في الإدارة الاقتصادية.
ومما يضاعف من أثر هذه الإدارة البيرقراطية على التنمية المعرفية وفرة الموارد الريعية وارتفاع نصيبها في الناتج القومي وفي تغذية ميزانيات الدول معا نتيجة الاعتماد المتزايد على تصدير المواد الأولية واستغلال الثروات الطبيعية. فهي تشجع على استسهال استيراد الخبرة والتقنيات الجاهزة بدل العمل على إنتاجها. كما تشجع على تفضيل الخبرة والتقنيات الأجنبية الجاهزة على التقنيات المحلية التي تحتاج إلى الرعاية والاستثمار الأولى.
هذا هو الثمن الكبير الذي تدفعه المجتمعات العربية نتيجة التمسك بنظم إكراهية وبيرقراطية معا. وإلى هذه النظم يرجع نشوء ما يسميه التقرير بالفجوة المعرفية المتوسعة التي يعرفها العالم العربي بالمقارنة مع التقدم العلمي والتقني في العالم أجمع. وهي فجوة تتجلى في نقص الانتاج العلمي والتقني وتخلف بنيات الانتاج الصناعي والاقتصادي عموما وتدهور إنتاجية العمل وتراجع العائد العام من الاستثمارات. وإليها يرجع أيضا غياب البحث العلمي الناجع وفساد نظم التكوين والتأهيل العلمي والتقني، وفي موازاة ذلك ضياع مفهوم الاتقان نفسه والعمل حسب أصول واضحة أو تغييبه داخل المؤسسات والدوائر الاقتصادية والإدارية، والقبول بمفهوم غير مهني وغير احترافي قائم على مبدأ: مشيها اليوم وغدا نرى، في تسيير الأمور والحفاظ على الأوضاع القائمة. ولا يعني ذلك كله في الواقع سوى قتل روح المبادرة والتجديد والإبداع والتحسيين عند جميع العاملين وداخل المجتمع بأسره.
ويبين نصيب الصادرات عالية التقنية من مجمل الصادرات العربية الموقع الأدنى الذي تحتله منطقة " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، بين مناطق العالم، بما في ذلك مجمل البلدان منخفضة الدخل، في كلا نسبة الصادرات المصنعة (مؤشر على مدى غلبة المواد الأولية في الناتج الاقتصادي) ونسبة صادرات التقانة العالية (مؤشر على مدى كثافة المعرفة في الناتج الاقتصادي).
كما تؤكد المؤشرات الخاصة بعدد براءات الاختراع المسجلة من قبل البلدان العربية ونسبة إنتاج الكتب في العالم العربي درجة التخلف العلمي والتقني للعالم العربي بالمقارنة مع بقية بلاد العالم وموقعه الهامشي في الثورة العلمية والتقنية الراهنة سواء من حيث الانتاج والمشاركة في السوق الواسعة التي تخلقها والتي تشكل أهم سوق متطورة ونشيطة اليوم في الاقتصاد العالمي أو من حيث المشاركة العلمية والفكرية والابداعية. فلا تزيد البراءات المسجلة في أهم وأكبر دولة عربية، مصر، عن 77 براءة خلال الفترة 1980 – 2000 في حين تبلغ في كورية 16328للفترة ذاتها. ولا يتجاوز إنتاج الكتب في البلاد العربية 1,1 من الانتاج العالمي في حين يعد العالم العربي 5 بالمئة من سكان العالم. مع العلم أن نسبة كبيرة من هذا الانتاج مكرسة للكتب الدينية والتراثية.
بيد أن الأثر السلبي الأكبر لفجوة المعرفة لا يظهر للأسف في ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فحسب وإنما يظهر بشكل أكبر وأخطر في عحز البلاد العربية عن إنتاج وسائل دفاعاتها وحمايتها في وجه الاعتداءات والضغوط الخارجية ويحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة في أخطر مواجهة يتقرر فيها مصير المنطقة، أعني المواجهة العربية الاسرائيلية
ومن الطبيعي أن تكون قطاعات الثقافة والمعرفة والبحث العلمي هي القطاعات التي تتعرض قبل غيرها إلى الإهمال سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث تخصيص الاستثمارات المادية. وهذا ما يفسر، أكثر من العوامل الاقتصادية نفسها، ضعف الاستثمار في البحث وتخبط السياسات التعليمية وضآلة الاستثمارات الثقافية وأحيانا انعدامها. ويكفي لإدراك نتائج هذا الوضع مقارنة حصة المخصصات للبحث العلمي في البلاد العربية مع مثيلاتها في العالم الصناعي - بل حتى في البلدان النامية نفسها من الناتج المحلي. إذ لا يتجاوز نصيب البحث العلمي والتقني في البلاد العربية سوى 2 بالألف من الناتج المحلي مقابل ما يزيد عن 2 بالمئة بالنسبة لمعظم الدول الصناعية ( تتراوح النسبة بين 2.5%- 5.00%). وبالإضافة إلى ذلك، يأتي 89% من الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية من مصادر حكومية، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3% فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة عن 50%. التقرير الثاني للأمم المتحدة عن التنمية الانسانية في المنطقة العربية 2002
ولا ينجم عن ذلك فقر في الأطر العلمية والتقنية مستمر بالرغم من النفقات المتزايدة في التعليم فحسب، ولا قصور في إنتاج المعارف الضرورية للتسيير الاقتصادي والإداري ولكن، أكثر من ذلك، تراجع إن لم نقل انعدام الطلب الاجتماعي نفسه على المعرفة. فالمعلمون والأساتذة والمدرسون والباحثون والمبدعون على اختلاف أنواعهم لا يملكون بمرتباتهم الضئيلة القدرة على اقتناء منتجات المعرفة ووسائل اكتسابها أو الاستقاء منها، سواء أكان ذلك على شكل شراء السلع المعرفية كالكتب والموسوعات والمؤلفات العلمية، أو على شكل مشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية، أو على شكل اشتراكات في دوريات علمية ومعرفية مختلفة. بل إن معظم العاملين في الحقول المعرفية يضطرون في البلاد العربية إلى القيام بأعمال لا تتعلق باختصاصاتهم الأصلية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.
وتعمل الإدارة البيرقراطية المرتبطة بالحكم المطلق وانعدام المساءلة والمحاسبة السياسيين والتي سيطرت على الإدارة الاقتصادية العربية لعقود طويلة ولا تزال، في البلدان التي كانت تتبع اقتصاد التخطيط وتلك التي كانت تنتمي للاقتصاد الحر، على إضعاف الطلب الاقتصادي على المعرفة والتجديد العلمي والتقني بقدر ما تدعم اقتصاد المضاربة الذي يستفيد من الصلات الخاصة التي تقوم بين الإدارة ورجال الأعمال لفرض منطق الاحتكار. وحتى عندما توجد قوانين تسمح ببعض المنافسة، كما هو الحال اليوم بعد تطبيق مشاريع التعديل الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والانفتاح، فإن فساد النظم المجتمعية والسياسية الذي يتجلى في التفاهم العميق بين النخب السياسية ونخب رجال المال والأعمال يقود إلى تكوين شبكات مصالح قوية تتقاسم المنافع والمصالح في ما بينها على الطريقة المافيوزية. وفي غياب المنافسة النزيهة بين الشركات المنتجة لا يبقى هناك سبب لتنمية الطلب على الخبرة والتقانة، إذ تبقى العلاقات العامة والزبائنية بين رجال الأعمال ورجال السلطة أكثر فائدة من تحقيق أي تقدم في الانتاجية أو في الإدارة الاقتصادية.
ومما يضاعف من أثر هذه الإدارة البيرقراطية على التنمية المعرفية وفرة الموارد الريعية وارتفاع نصيبها في الناتج القومي وفي تغذية ميزانيات الدول معا نتيجة الاعتماد المتزايد على تصدير المواد الأولية واستغلال الثروات الطبيعية. فهي تشجع على استسهال استيراد الخبرة والتقنيات الجاهزة بدل العمل على إنتاجها. كما تشجع على تفضيل الخبرة والتقنيات الأجنبية الجاهزة على التقنيات المحلية التي تحتاج إلى الرعاية والاستثمار الأولى.
هذا هو الثمن الكبير الذي تدفعه المجتمعات العربية نتيجة التمسك بنظم إكراهية وبيرقراطية معا. وإلى هذه النظم يرجع نشوء ما يسميه التقرير بالفجوة المعرفية المتوسعة التي يعرفها العالم العربي بالمقارنة مع التقدم العلمي والتقني في العالم أجمع. وهي فجوة تتجلى في نقص الانتاج العلمي والتقني وتخلف بنيات الانتاج الصناعي والاقتصادي عموما وتدهور إنتاجية العمل وتراجع العائد العام من الاستثمارات. وإليها يرجع أيضا غياب البحث العلمي الناجع وفساد نظم التكوين والتأهيل العلمي والتقني، وفي موازاة ذلك ضياع مفهوم الاتقان نفسه والعمل حسب أصول واضحة أو تغييبه داخل المؤسسات والدوائر الاقتصادية والإدارية، والقبول بمفهوم غير مهني وغير احترافي قائم على مبدأ: مشيها اليوم وغدا نرى، في تسيير الأمور والحفاظ على الأوضاع القائمة. ولا يعني ذلك كله في الواقع سوى قتل روح المبادرة والتجديد والإبداع والتحسيين عند جميع العاملين وداخل المجتمع بأسره.
ويبين نصيب الصادرات عالية التقنية من مجمل الصادرات العربية الموقع الأدنى الذي تحتله منطقة " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، بين مناطق العالم، بما في ذلك مجمل البلدان منخفضة الدخل، في كلا نسبة الصادرات المصنعة (مؤشر على مدى غلبة المواد الأولية في الناتج الاقتصادي) ونسبة صادرات التقانة العالية (مؤشر على مدى كثافة المعرفة في الناتج الاقتصادي).
كما تؤكد المؤشرات الخاصة بعدد براءات الاختراع المسجلة من قبل البلدان العربية ونسبة إنتاج الكتب في العالم العربي درجة التخلف العلمي والتقني للعالم العربي بالمقارنة مع بقية بلاد العالم وموقعه الهامشي في الثورة العلمية والتقنية الراهنة سواء من حيث الانتاج والمشاركة في السوق الواسعة التي تخلقها والتي تشكل أهم سوق متطورة ونشيطة اليوم في الاقتصاد العالمي أو من حيث المشاركة العلمية والفكرية والابداعية. فلا تزيد البراءات المسجلة في أهم وأكبر دولة عربية، مصر، عن 77 براءة خلال الفترة 1980 – 2000 في حين تبلغ في كورية 16328للفترة ذاتها. ولا يتجاوز إنتاج الكتب في البلاد العربية 1,1 من الانتاج العالمي في حين يعد العالم العربي 5 بالمئة من سكان العالم. مع العلم أن نسبة كبيرة من هذا الانتاج مكرسة للكتب الدينية والتراثية.
بيد أن الأثر السلبي الأكبر لفجوة المعرفة لا يظهر للأسف في ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فحسب وإنما يظهر بشكل أكبر وأخطر في عحز البلاد العربية عن إنتاج وسائل دفاعاتها وحمايتها في وجه الاعتداءات والضغوط الخارجية ويحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة في أخطر مواجهة يتقرر فيها مصير المنطقة، أعني المواجهة العربية الاسرائيلية
mardi, février 16, 2010
غليون من نقد الحداثة إلى نقد الإسلاموية
من الحداثة إلى الإسلاموية: على رغم قول غليون «ليس معنى هذا أن التحديث خاطئ بحد ذاته» فإن سلسلة استدلالاته تذهب أحياناً بهذا الاتجاه، فهو يحمل على فاعليات التحديث ذاتها ومظاهرها التقنية والأيديولوجية برمتها، محملاً إياها مسؤولية بروز الإسلام السياسي حركياً وفكرياً. فهو يعتبر أن التحديث قسّم المجتمعات العربية إلى مجتمعين وثقافتين متنافرين، وهما على تنافرهما ذاك، توحدهما هيمنة روح العصبوية على سلوكهما، «فإن الثقافتين العصرية والتقليدية تلتقيان على تقديس القيم ذاتها على رغم اختلاف أشكالها: التعصب والقطيعة والترداد الطقوسي للأفكار والأقوال، والانغلاق، وفقدان روح الإبداع لحلول جديدة وروح الحوار... ورفض حرية التعبير والتفكير، والميل الدائم للقمع، والأمل بمحاربة الديكتاتورية والتسلط بديكتاتورية وتسلط جديدين»، وبالتالي إن الحقيقة التي تكمن وراء بروز الحركة الإسلامية وشعاراتها ومفاهيمها هو الصراع السياسي على السلطة، فالناس لا يتنازعون في هذا السياق على تعيين حقيقة الإسلام، بل إن هذه النخبة تعلقت بالإسلام لتستخدمه سلاحاً يعينها في صراعها على السلطة مع النخبة الحاكمة المستبدة المبرقعة بأيديولوجية حداثية وعلمانية، وان هذا لا يعفيها إن وصلت إلى السلطة من الرضوخ لمفاهيم الحكم المعاصرة، وإلّا أدخلت البلاد في دورة جديدة من الاستبداد، إذ ليس للإسلاميين أو غيرهم من مهرب من التفكير في النظام السياسي اليوم انطلاقاً من مفاهيم العصر، وإن لم يفعلوا ذلك تحولوا، كما هو حاصل مع طالبان أفغانستان، إلى أناس خارجين عن العصر».
نقد فكرة (الدولة الإسلامية) ودولة تطبيق الشريعة
من هنا فإن غليون لا يعتبر شعار (الدولة الإسلامية - وتطبيق الشريعة) سوى تفسير حديث تغذيه مشكلات الإسلاميين الراهنة، فعلى رأي غليون «لم يفكر الإسلام... بالدولة، ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله، لكن الدولة كانت، من دون شك، أحد منتجاته الجانبية الحتمية... وليس من قبيل الصدفة تجاهل القرآن لها، وكلمة الدولة الإسلامية نفسها كلمة مبتدعة حديثة تعبر عن تأثير الفكر الإسلامي المعاصر الشديد بالفكر الحديث السائد.
كما ان طرح الإسلاميين لمفهوم (الدولة الإسلامية) لا يتسق مع تاريخ التجربة السياسية العربية الإسلامية، فالدولة السلطانية التي سادت بعد الفترة القصيرة للخلافة النبوية، لم تتعامل مع (الشريعة) أو القواعد الفقهية إلّا بما يتسق ومصالحها، وشهدت طوال تاريخها هيمنة السلطة السياسية على الهيئة الدينية، ولم يدّعِ أحد من الحكام طوال هذا التاريخ صلته بالوحي أو عصمته، أما في العصر الحديث، فلا يمكن بناء دولة حديثة على أساس الانتماء الديني ومجرد الشراكة في الإيمان، إذ إن منطق الإيمان القائم على أسبقية الولاء للجماعة وتطبيق شريعتها وتقاليدها وعرفها، لا يمكن إلّا أن يُفسد منطق الانتماء إلى الدولة أو للرابطة السياسية القائمة على أسبقية التعاقد بين أفراد أحرار ومتساوين، يجمع بينهم العقد الذي تواضعوا عليه وبالتالي الولاء للقانون...».
دولة الشريعة أم دولة القانون؟
وترتبط رهانات شعار الدولة الإسلامية بشكل رئيس بإقامة السلطة الإسلامية، أي سيطرة الحزب الإسلامي، وتطبيق الشريعة، وينطوي هذا الشعار على اعتقاد الإسلاميين الجازم «بأن أحكام الشريعة واضحة وصريحة، ولا تحتاج سوى للإرادة السياسية لتطبيقها»، بينما الممارسة - بنظر غليون - تبيِّن أن السلاطين لا تعنِي لهم الشريعة «أكثر من الاسترشاد بآراء الفقهاء ولم يكن هذا يمنعهم من تطبيق إجراءات وقوانين غير مستقاة مباشرة من الكتاب والسنة»، على رغم أن تطبيق الشريعة لم يكن موضعاً للاعتراض كحاله اليوم. كما أن الدولة الإسلامية السلطانية التقليدية، وعلى رغم تطبيقها أحكام الشريعة، فإن هذا التطبيق لم يمنعها «من أن تكون دولة تعسفية». أما في التجربة المعاصرة فإن شعار تطبيق الشريعة يضفي على الشريعة طابعاً مقدساً، كما يؤدي إلى وضع اجتهاد الفقهاء على مستوى الأحكام الدينية النصّية المقدسة، مع العلم أن أحكام الشريعة، هي بالأساس القواعد القانونية والتشريعية التي استنبطها الفقهاء، وهم بشر غير مقدسين.
ويعتقد غليون، أن ما يطلبه الفكر الإسلامي اليوم، لا يختلف عما طرحه الفقهاء قديماً من ضرورة إلزام الإمام بالشريعة، اعتقاداً منهم أن في هذا الإلزام بناء للدولة الإسلامية. والحال أن هذا لا يحل مشكلة الدولة التي لا تتعلق بنوعية القوانين والشرائع التي تلتزم بها السلطة، بقدر ما يتعلق بتحديد وسائل ممارسة السلطة التي تملك القوة الضاربة. فنظرية السلطة ليست نظرية في الأخلاق ومنظومة القيم الدينية وغير الدينية، ولكنها نظرية في قواعد استخدام القوة، وفي آليات استخدامها. أما في ما يتعلق بالحساب النهائي فهو من شأن الله، ومتروك له، ولا يمكن سلطة مدنية يمارسها بشر أن تخلط نفسها بسلطة الله، أو تدعي تطبيق حسابه.
فعند غليون، أن الدولة ليست ملك أي دين، إنها ملك مواطنيها، أي الناس الذين يشتركون في بنائها والقادرين على بنائها كدولة مواطنيها، أي كدولة للحرية والمشاركة والمساواة والعدالة، وأن الدولة لم تعد في أي بقعة من العالم دولة المسلمين أو المسيحيين أو البوذيين، ولو أن سمة الثقافة الإسلامية أو المسيحية أو البوذية لا بد من أن تظهر عليها، وتنعكس على قوانينها. فالدولة إما أن تكون في العصر الحديث دولة مواطنيها على مختلف اعتقاداتهم وأصولهم وتأويلاتهم الدينية وغير الدينية، أو لا تكون دولة على الإطلاق، وتتحول بسرعة إلى عصبة منظمة تتحكم بمواطنيها، وبالتالي لن ننجح في أن نجعل الدولة دولتنا فعلاً، كمواطنين أحرار، ما لم نقبل جميعاً بمبدأ الحرية كقاعدة لبناء حياتنا السياسية المشتركة، وتكون دولة مواطنيها جميعاً، وأن بداية الطريق لذلك «هي تجاوز إشكالية بناء الدولة الإسلامية التي سيطرت على عقل المسلمين خلال القرن الماضي بأكمله».
* كاتب سوري
mercredi, février 10, 2010
ساعة الحقيقة وإرادة الحرب
الاتحاد 10 شباط فبراير 10
يوم الأحد، في الثاني من فبراير 2010، وفي الوقت الذي كان الجيش الاسرائيلي يقوم بمناورات في النقب، قيل أنها تحاكي هجوما على الأراضي السورية، حذر وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك من خطر نشوب "حرب شاملة" بين اسرائيل وسوريا اذا لم يتوصل البلدان الى تسوية سياسية بينهما.
وفي 4 من الشهر نفسه، أي بعد ثلاثة أيام، أعلن وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان، ردا على تصريحات مسؤولين سوريين، أن على سورية أن تقبل سلاما مع إسرائيل من دون المطالبة بالجولان، مهددا بأن أي حرب جديدة لن تعني هزيمة سورية وإنما أكثر من ذلك إطاحة نظام حكمها. وقال إنه لا يمكن التسامح مع أقوال وزير الخارجية السورية الذي رد ردا سلبيا على دعوة وزير الدفاع الاسرائيلي باراك لتوقيع اتفاقية سلام مع سورية. وختم حديثه بالقول إن تساهل سورية مع الارهاب يجعلها عضوا في محور الشر. ولم ينس ليبرمان في المناسبة أن يؤكد للفلسطينيين، "فياض" و"أبو مازن"، أن رفضهم الدخول مباشرة في المفاوضات لن يحرمهم من الحصول على دولة في غضون سنتين وإنما سوف يجعلهم يخسرون السيطرة على "يهودا والسامرة" كما حصل لهم مع غزة.
لا يعتقد أحد أن مثل هذه المناورات العسكرية والسياسية والخطابية تحمل خطر تفجير نزاع أو اندلاع حرب. والسبب أن إسرائيل التي تواصل تهويد الضفة الغربية والقدس بصورة منهجية، وفي مأمن من أي نقد أو اعتراض، بعد أن أحبطت مبادرة الرئيس الأمريكي لإعادة إطلاق مفاوضات التسوية السياسية من جديد، ليس لها أي مصلحة في قلب الطاولة الآن. أما العرب فهم في عالم آخر تماما، وفي حالة من التفكك والترهل والانقسام تمنعهم حتى من التفكير في ما يحصل في منطقتهم أو على مستواها العام، وأي خروج من الهجوع القطبي المسمى استراتيجية سلام يحتاج إلى سنوات من العمل المضني للم شتات العرب والتوفيق بينهم وبث الحياة فيهم وإقناعهم بوجودهم كطرف سياسي أو عسكري قادر على التفكير والتقرير والمبادرة الجماعية. بينما ليس من الوارد ولا الممكن ولا المحتمل أن يفكر أي طرف منهم على حدة باستراتيجية مواجهة منفردة مع إسرائيل، وليس لأي منهم مصلحة في ذلك. أما الكتلة الغربية، الأمريكية الأوروبية، التي لا تزال تحتكر القرار الدولي في ما يسمى بالشرق الأوسط وتصوغ أجندة المنطقة السياسية، فهي أبعد الأطراف عن الرغبة في التورط في الحرب. وربما لم يكن هناك هدف آخر للانتشار العكسري الواسع الذي قامت به واشنطن في الشهر الماضي في المنطقة سوى قطع الطريق على احتمال نشوء أي توتر أو نزاع أو حرب. وقد فسره العديد من المحللين الاستراتيجيين عن حق بأنه تعبير عن تسليم الولايات المتحدة بالأمر الواقع الذري الايراني، وأن ما تفعله لا يعدو أن يكون تطمينا لحلفائها وسعيا إلى بناء حد أدنى من التوازن الاستراتيجي مع ايران.
إذن ليس هناك بالتأكيد حرب قريبة عربية اسرائيلية. لكن كل ما تقوم به إسرائيل منذ استلام نتنياهو السلطة في تل أبيب هو في المقابل تاكيد لإرادة الحرب.
وبالرغم من محاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأخيرة طمأنة سورية بعد تصريحات وزير خارجيته النارية، ودعواته المتكررة للاسد من أجل استئناف المفاوضات، وعدم الكلل من تأكيد سعي اسرائيل للسلام والمفاوضات مع دمشق من دون شروط، لم يقم وزير الخارجية الاسرائيلية إلا بالتعبير بصوت عال عما يفكر فيه القادة الاسرائيليون الحاليون، وربما أغلبية النخبة الاسرائيلية، بصوت منخفض حتى لا يسمعهم أحد. فجوهر السياسة الاسرائيلية كان ولا يزال، هضم الأراضي المحتلة في فلسطين وسورية معا، أما الحديث عن السلام والمفاوضات فهي وسيلة لكسب الوقت وتخدير الرأي العام العالمي.
وليست تصريحات ليبرمان هي التي فضحت ذلك وإنما أفعال القادة الاسرائيليين جميعا من كاديميين وليكوديين. يكفي من أجل إدراك ذلك التدقيق في مسار التفاوض العربي الاسرائيلي المستمر من دون ثمرة منذ عقدين. فكلما وصلت المفاوضات إلى نقطة حاسمة وأعتقد الجميع أن الهدف أصبح في متناول اليد، لا يعدم الاسرائيليون وسيلة لإجهاضها أو دفعها إلى الانهيار. أما هذه المرة التي بدا فيها رئيس الدولة الكبرى الحامية لاسرائيل والمنافحة عنها حاسما في بحثه عن الخروج بنتيجة من المفاوضات، عمل الاسرائيليون المستحيل من أجل تقويض انمبادرة من الأساس. ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي ضرورة وقف الاستيطان نشرت الحكومة الاسرائيلية خططا جديدة لتوسيع الاسيتطان في القدس والضفة الغربية. وكلما حاول الامريكيون والاوروبيون رتق الخرق عاد الاسرائيليون لتوسيعه بمبادرات مناقضة. وفي الوقت الذي لا يكف فيه الأوروبيون والأمريكيون عن العمل لإطلاق مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة بهدف تشجيع دمشق على الابتعاد عن طهران، لم يجد الاسرائيليون أفضل من تنظيم مناورات عسكرية تمثل هجوما على سورية ثم التهجم على الرئيس السوري نفسه وتهديده لقطع الطريق على أي أمل في بعث مفاوضات السلام.
في اعتقادي أن مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهذه هي حسنتها الرئيسية، أوصلت المفاوضات العربية الاسرائيلية إلى نهاية المطاف عندما أعلن أكبر مسؤول أمريكي أنه يريد لهذه المفاوضات أن تحرز نتيجة ملموسة وتنتهي بولادة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وقد وجدت إسرائيل نفسها أمام تحد حقيقي هو الاختيار أخيرا، وبعد مماطلة وتهرب داما عقودا، بين الالتزام بخوض مفاوضات سياسية جدية أو تمديد الوضع القائم، فاختارت من دون تردد وبغطرسة أساءت لأعظم حلفائها، الحل الأخير. ومعنى هذا الخيار، كما عبر عن ذلك ليبرمان عن حق، أن تل أبيب لن تقبل بتسوية تعيد بموجبها الأراضي العربية المحتلة لأصحابها، لا الجولان ولا الأراضي الفلسطينية.
في هذه الحالة لم تبق تل أبيب للعرب خيارا إلا القبول بالاستسلام أو الاستعداد للحرب. فبقاؤهم مكتوفي اليدين بينما تواصل اسرائيل تهويد الاراضي والقضاء على أمل استعادتها بالطرق السياسية، يعني بوضوح تسليمهم بالأمر الواقع، أي بإملاء إسرائيل إرادتها على المنطقة والتحكم بعد ذلك بكل ما يجري فيها، بما في ذلك تعيين الأنظمة وتغييرها، كما عبر عن ذلك من دون تورية ليبرمان. وثمن القبول بمثل هذا الإملاء سيكون أكبر بكثير، ليس بالنسبة للسلطات والنظم التي تحتل إسرائيل أراضيها فحسب، ولكن للدول العربية بأكملها، بل ولدول المنطقة الأخرى غير العربية، من أي حرب. ولأن إسرائيل تعرف أنها توجه اليوم تحديا للعرب لا يمكن السكوت عنه، فهي معنية، لردعهم عن التفكير بأي تراجع عن خياراتهم السابقة كرد فعل، بأن تسمعهم قعقعة السلاح وجاهزيتها العليا للقتال في أي وقت.
وأخشى أن لا يكون قد بقي للدول العربية، بعد تقويض إسرائيل أسس أي محادثات سلمية، خيار آخر، إذا أرادوا الحفاظ على صدقيتهم وهيبة سلطاتهم، أمام أنفسهم وشعوبهم والرأي العام العالمي، ولم يقبلوا التسليم لاسرائيل باحتكار قرار المنطقة وتحديد اجندتها، سوى العودة الأليمة للحرب. وأنا أعرف أن مثل هذا الخيار لا يقل، في حالتهم اليوم، مرارة عن تجرع كأس السم.
jeudi, février 04, 2010
أفكار لمؤتمر الثقافة العربية
في نظري ليست أزمة الثقافة العربية الراهنة إلا جزءا من أزمة الحداثة أو، بشكل أدق، التعبير عن إخفاق مشروع إدخال العالم العربي ومجتمعاته في دائرة الحداثة الفاعلة والمنتجة وتركه، بسبب ذلك، في ما يشبه الفراغ المعياري والايديولوجي والاستراتيجي أيضا، عرضة لكل الهزات والصدمات والمفاجآت.
من هنا، لا تستطيع الثقافة الراهنة، ولن تستطيع، في العالم العربي كما هو الحال في بقية بلاد العالم، أن تقدم من تلقاء نفسها الردود الايجابية والخلاقة المنتظرة على التحديات التي تواجهها اليوم جميع ثقافات العالم، وبشكل خاص الثقافات الضعيفة التي لم تشارك كثيرا في بناء الحداثة الفكرية والمادية معا: تحدي اكتساب المعرفة الابداعية العلمية والتقنية والأدبية والفنية والدينية، وتحدي التأسيس الفكري والأخلاقي للمواطنة الديمقراطية، وتحدي تجاوز الخصوصية للمشاركة الفعالة في بناء الكونية أو العالمية الانسانية الجديدة. إن مثل هذه الردود تتوقف على قدرة المجتمعات والنخب التي توجهها وتقودها على الاستثمار المتجدد في الثقافة وتدعيم وظيفتها وتعزيز مكانتها الاجتماعية.
وأرى أن هناك ثلاث محاور رئيسية لا بد من العمل عليها لإنقاذ مشروع الحداثة العربية المجهض، وهو في جوهره مشروع ثقافي بامتياز:
الأول محور اللغة واللسانيات. فلا تزال الدول العربية تفتقر حتى اليوم إلى سياسة جدية للتعامل مع اللسان العربي، من حيث العمل على تحديثه وتبسيطه ليواكب العصر ويقارع في مجال اللغات العلمية والتقنية الألسن المنافسة، ويستجيب لحركة الابداع العلمي المستمر، ومن حيث تسهيل استيعابه من قبل الناطقين به بالسرعة والكفاءة الكافيتين حتى يصبح أداة تواصل عامة قوية ولغة معرفة وثقافة عليا متسقة معا. وبالرغم من العمليات الواسعة التي تمت لتعريب التعليم في جميع المستويات، بما فيها المستوى الجامعي، في معظم البلاد العربية، لا يزال اللسان العربي يفتقر إلى مرصد للمصطلحات العلمية، وآلية للتدقيق فيها والتحقق منها وتعميم استخدامها من قبل المستعملين لها. كما لا يزال العالم العربي يفتقر لأي بنية أكاديمية موحدة لرعاية الشؤون اللغوية التي هي بالضرورة مشتركة، مما يساهم في ضياع اللسان، وتشويش متزايد في لغة المصطلحات، وإعاقة ولادة لغات علمية منسجمة. ولا تزال أكثر الدول العربية تتردد بين التعريب الشامل والاستخدام المكثف للغات الأجنبية. وقد غيرت بعض الدول خياراتها أكثر من مرة منذ الاستقلال. ويزداد المشهد اللغوي اليوم تشوشا مع انتشار ظاهرة الجامعات الخاصة التي تستخدم اللسان الأجنبي، وبشكل أكبر مع تبني بعض الدول اللسان الانكليزي أو الفرنسي كلغة رسمية في الإدارة أو الشركات الخاصة. والحال لا ثقافة مستقلة ومبدعة من دون لغة مستقلة وواضحة.
والثاني محور التعليم والبحث العلمي المرتبطة به. فبالرغم من الجهود الاستثنائية التي بذلتها الدول العربية لتوسيع دائرة المستفيدين من هذه الخدمة الاجتماعية الكبرى إلا أن الاهتمام بتحسين نوعية التعليم وربطه بمسائل التكوين المهني والتعليم المستمر والتأهيل الاجتماعي بقي ضعيفا جدا إن لم نقل معدوما. وربما كان السبب الرئيسي لذلك كامن في غياب أهداف واضحة ومحددة للتربية والتعليم في جميع مراحلهما وانفصالهما عن عالم العمل والانتاج والاهتمام الاجتماعي. وهكذا لم تنجح الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها الدول العربية في هذا القطاع، من تجنيب الدول العربية التبعية شبه الكاملة في تأمين حاجاتها المعرفية للخارج. فهي لا تزال تستورد الخبرة الفنية والتقنية بكثافة، ولا تزال تعتمد، منذ أكثر من قرن، في تكوين الاطر العلمية والفنية والتقنية المتقدمة، على ايفاد البعثات إلى الدول الأجنبية، كما لا تزال تعتمد في إعداد البرامج التعليمية على المناهج المصاغة لمجتمعات أخرى.
ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يصعب نشوء تقاليد علمية راسخة، أو أن تثمر الجهود الكثيفة عن تكون قطب مستقل للتطور العلمي والتقني يملك ديناميات نموه الداخلية. فكما يظل العلماء والتقنيون منقطعين واحدهم عن الآخر وغير قادرين على التواصل والتعاون بسبب تباين مناهج تكوينهم واختلاف ألسنتهم ولغات اختصاصهم ومرجعياتهم وموارد بحوثهم، تظل ابداعاتهم مرتبطة باستمرار بتبعيتهم لمصادر تكوينهم وإلهامهم. وبقدر ما يمنع هذا التباين في مناهج تلقي العلم والتبعية المتواصلة والمباشرة لمناهله الأجنبية من التواصل والنمو العمودي للمعرفة، يمنع من نشوء بيئة علمية محلية مستقلة أو ذات حد أدنى من الاستقلالية، قادرة على صهر المعارف والخبرات المتباينة المستمدة من مصادر وثقافات أخرى، وتحويلها إلى معرفة محلية، وتكييفها مع حاجات المجتمع المحلي وأولوياته. فالأطر العلمية من فنيين علماء ومفكرين ومبدعين تبقى مشتتة ومتباعدة، تعيش كل فئة منها في مناخ المجتمع الذي استمدت منه معرفتها, ولا تنجح في ايجاد ما يجمع بينها. وهي تظل أيضا بسبب هذا الارتباط بالذات غريبة عن ديناميات مجتمعها وغير قادرة على التأقلم مع حاجاته والرد على طلباته. كما تبقى المعرفة التي تملكها مشتتة وغريبة في معظم الوقت عن المجتمع الذي تعيش فيه. وبقدر ما تفتقر لمرجعية واحدة محلية، تظل الأوساط العلمية مرتبطة بمرجعيات خارجية تجعلها غير قادرة على التفاعل مع بعضها البعض ومع بيئتها الجديدة بصورة إبداعية.
والثالث محور الثقافة بالمعنى الضيق للكلمة، أي من حيث هي نشاطات إبداعية، تتجسد في الفنون والآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية وتعنى بتكوين نمط التفكير وحدود المعاني والدلالات التي تجمع بين أفراد المجتمع وتقرب بينهم رغم اختلاف مذاهبهم وعقائدهم. وبناء ثقافة الابداع والتجديد الروحي والفكري مهمة أصعب بكثير من مهام تحديث اللسان وتبسيطه، وتطوير البحث العلمي والتقني. وهي لا تنفصل عن عموم السياسات الاجتماعية والاقتصادية، أي عن نمط التنمية نفسه، في أبعاده السياسية والاقتصادية والروحية. فبقدر ما تكون التنمية ذات رؤية إنسانية أو متمحورة حول الانسان وطامحة إلى تعزيز مكانة الفرد وحرياته وقدراته الابداعية تكون الحاجة أكبر لزيادة الاستثمار في الثقافة وتحويل التنمية نفسها إلى تنمية ثقافية. وبالعكس، بقدر ما تتنكر التنمية للانسان وتركز هدفها على تحقيق الربح التجاري أو بناء القوة الأمنية والتفوق فيها تزول الأهمية النسبية للثقافة ويقل الاهتمام بها ومن ورائها بقيم العقل والحرية والقانون والسلام. وهذا يعني أن الثقافة ليست هي التي تفسر تراجع الوعي الانساني في العالم العربي ولكن إهمال هذه الثقافة وضعف الاستثمار فيها. فلا يمكن لأي ثقافة أن تساهم في التنمية الانسانية وتساهم في تطوير قيم والسلام والعدل والحرية ما لم تتمتع هي نفسها بفرص تنميتها الخاصة.
إن نظم القهر والاستبداد والتمييز بين الجماعات وإقصاء بعضها لصالح البعض الآخر، مثلها مثل نظم احتكار الموارد الوطنية من قبل فئات محدودة وحرمان الأغلبية الاجتماعية منها، وكذلك نظم الاقتصاد القائم على المضاربة والتوزيع المجحف للثروة، لا تستطيع أن تستمر من دون أن تفرض ثقافتها القائمة على نفي الانسان والاستهتار بمصيره وحرمانه من الحريات والحقوق الأساسية التي لا مكان لإبداع أو إنتاج علمي أو تطور أخلاقي من دونها.
وعلى العموم، يشكل غياب سياسات ثقافية وعلمية متسقة، وافتقار العملية التعليمية لأهداف واضحة، وركاكة ثقافة النخبة العليا، أي ثقافة السلطة والإدراة والقيادة، وتخبط السياسات اللغوية وعدم نجاعتها وسيطرة مناخ الاستهلاك الثقافي الرمزي والتعويضي على الانتاج الثقافي وعلى المشاركة الثقافية والعلمية في النشاطات والفعاليات العالمية، وبحث النخب الحاكمة عن المشروعية في نوع من التعبئة الايديولوجية الوطنية والقومية الرخيصة والشكلية تعويضا عن الافتقار للشرعية السياسية، كل ذلك يشكل عوامل رئيسية في إعاقة نمو وتراكم المعرفة العلمية والتقنية ويساهم في تعميم مشاعر الاضطهاد وثقافة الأنانية، ويغذي عند الجميع مشاعر الخوف والانكفاء على الذات والتشكيك بالعالم. فكل هذا يتعارض بالتأكيد مع بناء نظم ثقافية حية، مرضية، وناجعة. ولا يمكن لمثل هذه الثقافة، التي تستحق اسم ثقافة التخلف، أن تشجع على التعلم والتجدد، ولا أن تدفع إلى البحث والمعرفة ولا أن تعمق التفكير المبدع في القضايا الكثيرة المطروحة على أي مشروع يهدف إلى استعادة روح النهضة، سواء أكانت قضايا دينية أم علمية أم اجتماعية أم سياسية أم عالمية إنسانية. النهوض بالثقافة العربية، لغة وأدوات معرفة وفكرا وضميرا هو ما يشكل، كما يبدو لي، موضوع مؤتمر القمة الثقافية القادم ومحور نقاشاته.
lundi, janvier 25, 2010
طريق السياسة المسدود
الاتحاد 27 يناير 10
وصل النقاش الدائر حول الدولة منذ أكثر من ثلاثة عقود في العالم العربي إلى طريق مسدود، لسببين غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه، والمطابقة المتزايدة في ذهن الرأي العام، في السياق الاستعماري وما بعد الاستعماري لظهورها، بين الدولة والهوية الجمعية، الدينية أو الإتنية أو الثقافية.
هكذا، عندما يتحدث الاسلامي المعاصرعن دولة إسلامية فهو يقصد في الواقع ما تسميه الأدبيات الفقهية الكلاسيكة، الإمامة. وهي تعنى بشروط تنصيب قائد الجماعة المسلمة، صفاته وطريقة اختياره، وحقوقه على الرعية وحقوق الرعية عليه. وليس لهذه الدولة المجسدة لنظرية الإمامة، أو بلفظ آخر الخلافة، والتي تتعلق بسلطة الامر، أي بتعيين من يستحق احتكار القرار العمومي، أي علاقة في الواقع بالدولة المؤسسة التي يتحدث عنها الليبرالي أو المتأثر بالفكر الليبرالي في عصرنا، والتي تنبع فكرتها أساسا من معارضة احتكار القرار العمومي من قبل فرد مهما كان. فالفكر الليبرالي يرى غاية الدولة في حفظ الحريات الفردية، ويعتقد أن حفظ هذه الحريات لا يتحقق إلا بفصل السلطات، وأن هذا الفصل هو أساس قيام بنية مؤسسية ترفع الدولة عن أهواء الأشخاص الذين يتقلدون مناصب القرار والمسؤولية فيها، وتمكن الأفراد من المشاركة في القرارات العمومية والولاء لقانون الجماعة، وتزيد بالتالي من نجاعة السلطة العامة واستقرارها وديمومتها. فهي نظام لاتخاذ القرار العمومي يجمع بالضرورة بين سلطة مركزية منتخبة ومجتمع يخضع لها بمقدار ما يشرف عليها ويضبطها ويخضعها لقيمه ومعاييره وحاجاته. وهذا ما دفع إلى تسميتها في النظرية الحديثة بالدولة الأمة التي تستمد السلطة فيها سيادتها من الشعب ولا تستمر إلا بفضل الشرعية التي تؤمنها لها الانتخابات أو الاستشارات الدورية. وبمقدار ما تجسد الدولة هنا إرادة المجتمع، وتعبر عن خياراته الممثلة في الأغلبية، فهي تنظر إلى نفسها على أنها دولة المجتمع، والمسؤولة الأولى عن تنظيم شؤونه وضمان حقوقه، والتنسيق بين المصالح المتباينة فيه، وتحقيق غاياته لا غايات فئة أو طبقة أو نخبة خاصة منه، سواء أكانت نخبة دينية أو ارستقراطية أو قبلية أو حزبية.
ويختلف الأمر عن ذلك عند أصحاب النظرية الماركسية الكلاسيكية التي ترى في الدولة أداة منفصلة بالضرورة عن المجتمع وقائمة فوقه تكاد وظيفتها تقتصر على إعادة إنتاج السيطرة الطبقية، وبالتالي إخضاع الطبقات الدنيا للطبقة السائدة والمالكة. وهذا ما يجعل من الدولة في نظر هؤلاء التعبير عن الاستلاب السياسي الذي تعيشه المجتمعات ما قبل الشيوعية، الناجم هو نفسه عن الانقسام الطبقي الذي يمثل البنية الأساسية للمجتمعات حتى وقتنا الراهن. والسياسة ليست في هذا المنظور شيئا آخر سوى تحقيق الدولة لوظيفتها، أي إخضاع طبقة لطبقة أخرى وتعزيز سيطرتها عليها. وهو ما قاد إلى دولة الحزب الواحد وديكتاتورية البروليتاريا الشهيرة، التي قامت وترسخت، في البلدان التي انتصرت فيها هذه الفلسفة، بالرغم من تركيز الماركسيين على أن التحرر الانساني، الفردي والجماعي، مربوط بتلاشي الدولة أو انطفائها. وقد عبر ماركس عن ذلك بجملة مشهورة يقول فيها إن نهاية حقبة الانقسام الطبقي داخل المجتمعات سوف تشهد ولادة تنظيم اجتماعي تحل فيه إدارة الأشياء محل حكم الأشخاص. فالإدارة ترتبط بتنظيم شؤون المجتمعات المادية أما الحكومة فهي تعمل على إعادة إنتاج انقساماتهم الطبقية، أي سيطرة طبقة على طبقة أخرى، من خلال تنظيمات تتجاوز الأشياء وتدخل في شؤون الأفراد والأشخاص العيانيين.
وأكثر من ذلك، هناك اليوم من يعتقد أن وجود الدولة نفسه لم يعد ضروريا من أجل قيام مجتمعات إنسانية منظمة ومتسقة ومنتجة، ومن الممكن، بل والضروري، كما يرى ديفيد فريدمان، استبدالها بوكالات خاصة تقدم خدماتها "السياسية" للأفراد، تماما كما يحصل في الخدمات والمنتجات الأخرى التي يتعامل بها السوق. ولا يبتعد فكر فريدمان الفوضوي الجذور كثيرا في الواقع عما نادت به بعض أطروحات اليمين النيوليبرالي، التي سيطرت في العقود الماضية، قبل الازمة المالية الكبرى، والتي نزعت إلى تجريد الدولة من وظائفها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وتعميم علاقات السوق على جميع أنواع الخدمات من قضاء وبريد وشرطة وأمن. وكان الانتربولوجي الفرنسي بيير كلاستر قد بين، في سياق آخر، أن الدولة ليست ضرورية لوجود السياسة، وأن غيابها، من حيث هي سلطة مركزية مهيمنة، وتراتب للسلطات، ومؤسسة متميزة ومنفصلة عن المجتمع، لا يفضي بالضرورة، كما بينت دراسته لمجتمع الاسكيمو، إلى غياب وظيفة التنظيم والتنسيق والتفاعل والتوحيد داخل المجتمع، ولا يترك هذا الأخير في فوضى عارمة.
ثم إن كثيرا من الدول التي نعرفها والتي ظهرت في الخمسين سنة الماضية أو أكثر، على أثر انحسار الموجة الاستعمارية، ليست جميعا دولا بمعنى واحد، حتى لو أنها استلهمت غالبا النظرية الليبرالية الشائعة. فالقليل منها من يقترب من النموذج النظري أو يسير في اتجاه تحقيق مشروع الدولة الحديثة. أما غالبيتها فليست في الواقع دول إلا بمعنى مجازي، أو شكلي. فهي إما ناقصة التكوين أو غير منجزة أو غير مستكملة لشروطها، وقسم كبير منها يسمى اليوم دولا مجهضة أو فاشلة.
لا يكفي الحديث إذن عن الدولة ولا الاعتداد بوجود سلطة مركزية موحدة وقاهرة. وإذا أردنا التقدم خطوة ولو صغيرة، على طريق حل أكبر قضية تقسم رأينا العام وتشتته اليوم، لا بد من تحديد طبيعة الدولة التي نتحدث عنها عندما نضع وجها لوجه ما نسميه أو يسميه بعضنا اليوم دولة إسلامية في مقابل دولة حديثة، أو دولة قومية أحادية الفكر والسلطة مقابل دولة ديمقراطية. وإذا كنا نقصد بالدولة مجرد وجود سلطة مركزية تنجح في إخضاع المجتمع لأمرها، بصرف النظر عن الوسائل المستخدمة، أي مهما كانت بدائية هذه الوسائل، وبصرف النظر عن رأي الأفراد وإرادتهم، فلن يكون هناك فرق بين الدولة السلطانية التي سيطرت على تاريخنا الماضي، وشكلت جزءا أساسيا من تراثنا السياسي بالفعل، وبين الدولة الحديثة الوطنية أو المواطنية. لكن في هذه الحالة سنظل ندور في حلقة مفرغة ولن نصل إلى أي نتيجة. والأمر يختلف عندما نعني بالدولة تلك المؤسسة الجامعة، التي أنتجت مفهوما جديدا للسياسة في العالم الحديث، وكانت إطارا لتكوين أمم هي اليوم في طليعة الشعوب الناجحة والمنتجة والمبدعة، أعني الدولة التي تقوم فيها السلطة على مشاركة جميع أعضاء الشعب، وتعمل لصالحهم، وتستمد شرعيتها من رضاهم وقبولهم وتأييدهم. وهو ما يستدعي وجود مجتمع سياسي مكون من مواطنين أحرار ومتساوين هم أدوات السياسة وغايتها. في هذه الحالة ينبغي أن نقبل أن دولة الحرية والاستقلال والتقدم والانتاج لا يمكن أن تقوم من دون أفراد أحرار، مستقلين في الرأي وفي السياسة، مكونين ومؤهلين للعمل والانتاج والابداع، أي من دون غرس قيم الحرية والسيادة والعمل والمسؤولية. مما يساوي في بلادنا ثورة ثقافية جديدة. وهذا ما نهرب منه غالبا، للأسف، من وراء شعارات دينية أو قومية أو ديمقراطية تكاد تكون ألفاظا فارغة.
