mercredi, juin 02, 2010

نهاية الحرب الدولية على الارهاب

الاتحاد 2 يونيو 10

ربط الرئيس باراك أوباما، في خطابه الأخير (26 مايو 2010) الذي حدد فيه استراتيجية أمريكا الجديدة، بين إسقاط مذهب الحرب العالمية على الأرهاب والبحث عن تعاون دولي من أجل ايجاد حلول تسووية للنزاعات الدولية القائمة. فهي عناصر أو مذاهب ثلاثة مترابطة بالفعل، أعني نظرية الحرب على الارهاب، والانفراد بالأمر، أو احتكار القرار الدولي، ورفض الحلول الوسط والتسويات.

لا يعني ذلك أن عصرا جديدا من السلام والتعاون والتفاهم سوف يخلف عهد انفلات القوة وما شهده فيه العالم من خراب ودمار. لكنه يبشر بولادة أسلوب جديد، اكثر نجاعة وأقل كلفة في الصراع من أجل المصالح القومية وفي التعامل مع النزاعات الدولية. او هذا ما نأمله على الأٌقل. ولن يوقف المذهب الأمريكي الجديد الحروب العديدة الخارجية والداخلية التي أشعلتها نظرية الحرب الشاملة والعالمية على الارهاب، لا في أفغانستان والعراق ولا في غيرهما، كما أنه لن يقف حائلا دون اندلاع حروب جديدة. لكن هناك بالتاكيد فرق كبير بين السياسة المبنية على أولوية منطق الحرب، وتأمين كل شروط ربحها، مما برر ويبرر جميع المغامرات والانتهاكات الدولية والوطنية للقانون ولحقوق الانسان، والسياسة المقامة على أولوية منطق الديبلوماسية والتي تضع الحرب بوصفها الخيار الأخير لحسم النزاعات، لا يتم اللجوء إليها إلا بعد أن تستنفد الوسائل الأخرى. وفي هذه الحالة من الطبيعي أن يعاد تشغيل الدبلوماسية بطريقة جديدة أيضا، بحيث لا يكون همها الأول والوحيد تقريبا حشد القوى وتعبئة الرأي العام من أجل خوض الحروب على جميع الجبهات، وإنما بالعكس، نزع فتيل الحروب المحتملة والسعي لحشد القوى السياسية والمعنوية الدولية في سبيل التوصل إلى تسويات عادلة ومقبولة من جميع الاطراف المتنازعة.

ولذلك لا يكفي الإعلان عن إسقاط مذهب الحرب الدولية على الارهاب ليحدث التغيير. حتى يحصل التغيير ينبغي أولا أن تتغير الرؤية الأمريكية والعالمية أيضا لاستراتيجية الأمن نفسها، بحيث يمكن تجاوز مفهوم الأمن الوطني أو القومي، حتى لو كان أمن الدولة الاكبر، نحو مفهوم الأمن العالمي، الذي لا يمكن أن يقوم من دون ضمان الحقوق الأساسية لجميع الاطراف، ورفض المقاييس المزدوجة، والعمل الجدي الجماعي لتعزيز فرص وجود القانون الدولي. وهذا ما أرادت واشنطن ما قبل أوباما أن تتنكر له عندما أقرت مذهب الحرب ضد الارهاب. ولا يكفي من أجل الوصول إلى هذا الهدف الانتقال من الأمن القومي إلى مفهوم الأمن الاطلسي الذي لا يزال يشكل سقف التحول بالنسبة لمعظم الدول الصناعية، خاصة الاتحاد الأوروبي الذي يريد أن يلعب دورا أكبر في بلورة الاستراتيجية الغربية والمشاركة في القرار الدولي. وربما كان حل التكتل الأطلسي أو تغيير أهدافه وبنيته الخصوصية هو الإشارة الصحيحة إلى ولادة عهد لا تشكل القوة ولا التهديد باستخدامها ضد الأطراف الأضعف قاعدة العمل على صعيد العلاقات الدولية.

ولا يعني حل التكتل الاطلسي إلغاء أي قوة قادرة على التدخل لحسم النزاعات أو المشاركة في تطبيق القانون الدولي. بالعكس المطلوب الخروج من الاطلسية نحو العالمية، والسعي إلى تكوين تكتل يتجاوز التكتل الاطلسي الراهن ويسمح بنشوء قوة عسكرية دولية بالفعل، يمكن استخدامها لتطبيق القانون بعدالة وإنصاف وليس حسب ما تقتضيه مصالح الكتلة الاطلسية كما هو الحال اليوم. وكلاهما، مترابطان، أقصد تكوين قوة دولية لحفظ السلام والقانون بديلا للقوة الأطلسية، والعمل على تعزيز المجموعة الدولية بقانون دولي لا تزال تفتقر إليه.

حتى يحصل التغيير ينبغي أيضا أن يتغير رجال الدبلوماسية الذين عملوا خلال العقود الماضية كمستخدمين عند رؤساء الأركان وخادمين لسياسات الحرب والعنف والإكراه، واستبدالهم برجال سياسة وحكمة وعقل.

وحتى يكون التحول في اتجاه تفعيل منطق الدبلوماسية على حساب منطق الحرب مقنعا للرأي العام الدولي، ينبغي توجيه الموارد الغزيرة التي كانت موجهة للحرب وسباق التسلح ومراكمة القوة إلى أهداف ومناشط جديدة، سلمية، والتركيز بشكل اكبر على تطوير موارد الدول الفقيرة ومساعدتها على الخروج من تخلفها وفقرها واستنقاعها. فالابتعاد عن أفق الحرب، وبناء أسس السلام، يستدعيان العمل على إزالة الهوة المتزايدة التي تفصل ثلاثة ارباع البشرية عن الربع الوحيد الذي يحتكر اليوم معظم الموارد الإنسانية. وهو لا يتجسد في خريطة توزيع الموارد الجغرافية السياسية وإنما عبر خريطة التوزيع الاجتماعية التي تكاد تجعل من بعض النخب القليلة المسيطرة على مقاليد الأمور في البلدان الفقيرة امتدادا طبيعيا مباشرا للقوى المسيطرة العالمية على حساب الشعوب المستعبدة.

وحتى يقتنع الرأي العام الدولي، وفي مقدمه تلك الشعوب التي عانت منذ عقود، بل قرون من الغبن والظلم والعدوان، بصدق الدعوة إلى تقديم الدبلوماسية على الحرب، ينبغي على الدول الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، أن تحشد قواها بالفعل من أجل إغلاق ملف الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، سواء ما تعلق منها بحقوق الشعوب الجماعية أو حقوق الأفراد، وأن لا تسمح للنظم غير الديمقراطية وغير الشعبية القائمة بقوة القمع والارهاب أن تفسر العودة إلى الدبلوماسية في العلاقات الدولية بمثابة إطلاق يدها في استخدام العنف وخرق القانون داخل حدودها.

وأول المناطق التي ينبغي امتحان مباديء السياسة الأمريكية الجديدة فيها هي بالتأكيد، أو ينتظر أن تكون، منطقة الشرق الاوسط. حيث بلغت النزاعات وتضارب المصالح مستوى ليس له في الوقت الحاضر نظير في مناطق العالم الأخرى، سواء أكان الأمر يعني دول المنطقة في مواجهة الدول الكبرى، أو الدول الكبرى في موااجهة بعضها البعض. ومن هذه المصالح التي يتنازع الأقطاب الدوليون عليها: الهيمنة على منطقة متوسطية حساسة استراتيجيا، والتحكم بمصادر الطاقة الرئيسية المتوفرة للاستخدام والتصدير والتجارة في عالم اليوم ، والموقف من حل المسألة اليهودية التي شغلت أوربة والغرب خلال عقود بل قرون طويلة، وتحديد مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط وحدود توسعها ودورها فيه. وفي سياق هذه المصالح الاستراتيجية والجيوسياسية تدخل مسألة التنمية الاقتصادية والتقنية ومن ثم الاجتماعية لارتباطها بها. وهذا ما يفسر الضعف الملفت في حجم الاستثمارات الخارجية والداخلية المكرسة للبحث والتقنية والتنمية الصناعية والاجتماعية في العالم العربي، بالرغم من الثروة النفطية الكبيرة التي توفر موارد استثنائية لانطلاق ثورة صناعية وتقنية جدية فيها في عقد أو عقدين.

وبالنسبة للشعوب العربية، من الطبيعي أن تكون حقوق الفلسطينيين، كشعب وكأفراد، هي المادة الأولى في امتحان التوجهات الجديدة، وأن يتجسد ذلك، على الأقل في كف الدول الكبرى الأكثر تأثيرا في المنطقة عن سياسة النعامة التي مارستها حتى الآن تجاه الكارثة الإنسانية والسياسية والأخلاقية الحاصلة في فلسطين، ووقف مهزلة التغطية على تمويل سياسات الاحتلال والاستيطان الاسرائيلية بخطابات مكرورة حول حتمية التسوية السياسية وتاكيد الحق في دولتين في الوقت الذي يجعل تغيير الوقائع على الأرض من هذه الخطابات نفاقا فجا ومزعجا صعب الاحتمال.

mercredi, mai 19, 2010

الجابري فيلسوفا وفنانا وساحرا

الاتحاد 19 مايو 10

يرجع الفضل في تعرفي الشخصي على الجابري إلى الباهي محمد الذي كان شاعرا ومتحدثا وأديبا كبيرا، فقدناه هو أيضا منذ عقد ونيف ولا نزال نحيي سنويا ذكراه من خلال حلقة أصدقاء الباهي. كان الباهي صديقا حميما لنا، وكان قد عمل مع الجابري، قبل أن يقرر الإقامة في باريس، في حزب الاتحاد الاشتراكي، في التنظيم السياسي والصحافة. وكان الباهي يتصل بي حال وصول الجابري إلى باريس، فنلتقي في جلسات خاصة أو مع آخرين، نسمع إلى نكات الباهي وقصصه الشخصية المثيرة وأشعار الجاهلية. ونادرا ما كنا ندخل في نقاشات نظرية. وعندما كنا نتحدث بجدية فغالبا ما كنا نتناول المواضيع السياسية، وأوضاع البلاد العربية ومشاكلها وأحزانها. كان الجابري مقلا جدا في تناول موضوعات مشاريعه النظرية في الأحاديث العامة، كما كنت أنا. كنا نقرأ بعضنا باهتمام، لكن من قبيل الفضول والتعرف على ما يفكر فيه كلانا، مع الإدراك العميق بأننا نعمل في اتجاهين نظريين متباينين تماما، ولا يوجد هناك ما يجمع بين منهجينا في تناول مشاكل المجتمعات العربية الواحدة.

فقد اهتم الجابري بالتراث، وسعى من خلال تفكيكه وتركيبه وإعادة بنائه إلى أن يفهم مشاكل العالم العربي الراهنة، ويساهم في الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها مسألة تحولها التاريخي واندراجها في العصر، من منظور ما كان يبدو له نظرة عقلانية جديدة. بينما اتجهت أنا، بالعكس من ذلك، نحو تجربة الحداثة العربية ذاتها، واخترت العمل على التجربة والممارسة التاريخية المستمرة، أي تحليل الواقع الراهن، كمقدمة لإعادة بنائه في حقل السياسة، معتبرا أن التراث أصبح تراثا بالفعل، ولم يعد يشكل محددا رئيسيا لتحول هذا الواقع، ولا مفتاحا لفهم أي مستوى من مستوياته، بما في ذلك نماذج التدين القائمة. وبينما كان الجابري يشحذ أدواته النظرية والابستمولوجية لنقد التراث، كنت أبحث عن أدوات نظرية، أحيانا من خارج فكر الحداثة، لنقد ما سميته الحداثة الرثة، أي إجهاض مشروع الحداثة العربية. وكنت ولا أزال أنظر إلى عملية البحث عن أسباب هذا الإجهاض في التراث كما لو كانت نوعا من السحر الذي يفترض تحول الأوضاع انطلاقا من روح خالدة تقطنها وتتحكم بمسيرتها ومصيرها.

وقد عبرت عن موقفي هذا في كتابي (اغتيال العقل) الذي كان رد فعلي المباشر على الجزء الأول من كتاب الجابري حول نقد العقل العربي. وعنيت ان لا أستخدم كلمة العرب لأنبه إلى أنه لا يوجد هناك عقل عربي وغربي، وإنما عقل أو لا عقل، وأن منهج النقد الذي يقوم على تفكيك الثقافة إلى عقول متميزة، تناقض بعضها بعضا، وما وصفه الجابري بالعرفانية والبيانية والبرهانية، يبطل وحدة الثقافة ويفقدها ديناميكيتها التي لا تقوم من دون هذا التوتر الدائم الكامن في تباين نظمها وأنساقها وتعددها. لكنني حرصت على أن يكون هذا النقد من خلال بناء منهج مقابل حاولت أن أركز فيه على الديناميكيات التاريخية والاجتماعية التي تحكم تطور الثقافة بما فيها استعادة التراث وتمثله، وبنية العقل وانقطاعاته التاريخية ووحدته واتساقه أيضا.

وقد اعتقدت ولا أزال أنه لا خيار لنا بين أمرين، إما أن نجعل من الفكر ثابتا يتطور بجدليته الداخلية، والعالم، أي الواقع المادي والتاريخي يدور من حوله، وينتظم على وقع انتظام العقل، أو أن نجعل من تناقضات الواقع وجدلياته المتعددة الأبعاد، ومن انتظاماته أيضا، محورا رئيسيا يشكل الفكر بعدا من أبعاده، يتأثر به ويؤثر فيه، أي أن نحول الفكر إلى بعد من أبعاد تجربة تاريخية حية ومعاشة فعلا للفرد وللمجتمعات معا.

لم أتعرض للجابري بعد اغتيال العقل أبدا. وهو نفسه لم يتعرض لأي نص كتبته بعد نقده العابر والخارجي لكتابي الأول (بيان من أجل الديمقراطية) والذي علق عليه، في كتابه (الخطاب العربي المعاصر)، قائلا : كيف يمكن الحديث في الديمقراطية قبل نقد العقل. ولم نكن قد تعارفنا بعد.

والواقع أنه بالرغم من صداقتنا الحميمة، كنا مدركين، كلانا، أننا نعمل في ورشات علمية مختلفة تماما، لكن اختلاف نظامي تفكرينا لم يكن يؤثر على علاقتنا الشخصية، كما لو اننا اتفقنا ضمنا على أن يجرب كل واحد من طرفه، او هكذا كان شعوري الشخصي. وما كان هناك مجال لحوار نظري في مثل هذه الحالة. فالجابري الذي كان يمسك بقوة بأدواته المنهجية، ولديه تصور جاهز وتقريبا كامل لما يريد عمله في تراث ثابت وناجز ينتظر مبضع جراح مكين، لم يكن معنيا بتشتيت ذهنه في أي نقاش مع الفكر الآخر. ما كان يريده هو إنجاز المشروع الضخم الذي كان يملأ فكره. هو يأخذ ما يحتاج إليه من هؤلاء وأولئك من الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، ليشيد بناءه الخاص به، يرتب غرفه حسب مخطط ارتسم في ذهنه، ويعين وظائف أقسامه، وأدوار رجالاته الذي لا يستقيم نظامه الفكري من دونها.

أما أنا فما كان مشروع تأويل التراث يعني لي شيئا، مهما كانت جدته أو أصالته. كنت أشعر أيضا أن ما يعنيني هو فهم التجربة الحية للبشر المتحركين أمامي على الأرض، وليس لما خلفه الأجداد والأسلاف من تجارب ومواريث.

هكذا، ركز الجابري على العمق التاريخي والتراثي لواقع العرب الحضاري، أو بالأحرى المفتقر للحضارة اليوم، وركزت أنا على كفاح العرب، كشعوب وطبقات وطوائف وجماعات مصالح وأفراد، كل في مكانه ومستواه، من أجل البقاء في الشروط التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، والتحديات التي يواجهها كل فاعل اجتماعي والردود التي يقوم بها متأثرا بموروثه الثقافي بالتاكيد، لكن بالتطلعات والآمال والحوافز الجديدة التي اكتسبها من ثقافة عصره أيضا. ومن الواضح أن النظرية، أي العقل، العربي إذا شئنا، لا يمكن أن تكون هنا جاهزة ولا مضمرة، لا في العقل ولا في الفعل. إنها تتبلور في الصراع، صراع كل فاعل اجتماعي من أجل البقاء والارتقاء، ولا يمكن أن تكون سوى محصلة تساوق مشاريع الفاعلين الأحياء أنفسهم. فالعقل واللاعقل، أي انسجام الفكر او عدم انسجامه هو انعكاس، غير آلي بالتأكيد، لانسجام الفعل الجمعي او تضارب عناصره. فهو لا يتبع الموروث الثقافي أو الروحي مهما كان وزنه، وإنما يعبر عن توافق مشاريع الفاعلين الباحثين عن إرضاء حاجاتهم والوفاء لتطلعاتهم وتعارضها. مما يعني أنه ليس هناك عقل جاهز، ولا عقلانية مجردة منفصلة عن المجتمعات التي تعيش في صراع دائم، بين عناصرها ومع غيرها، من أجل تأمين وسائل وجودها وديمومتها. المعرفة هي نفسها معركة لا تبنى إلا في الصراع ضد استراتيجيات التشويش والكذب والخداع والتضليل التي يمارسها الفاعلون الاجتماعيون واحدهم إزاء الآخر.

مقابل هذه المعرفة المشتتة والمجزأة، المنتزعة كل مرة بجهد خاص في فهم تجارب الفاعلين اللانهائية، وتحليل مشاريعهم الخاصة، وكشف نواياهم، في شروط وجودهم التاريخية والاجتماعية، وهذا قدر أي معرفة بحثية تجريبية، كان بإمكان الجابري أن يبني، انطلاقا من إعادة تأويل تراث ثابت وجاهز، معرفة تأملية على شكل نسق جامع ومانع، تظهر عبره المدنية العربية في صورة بنورامية، واحدة، شاملة وكاملة الاتساق، وتتحول بسرعة إلى مرآة يستطيع كل فرد أن يرى نفسه فيها ويتامل ذاته ويتواصل مع جميع أقرانه، ويتماهى معهم، من خارج الزمان والمكان والحاضر والماضي.

بهذا المعنى، كان فكر الجابري بالتاكيد مكتفيا بذاته، لا يحتاج في نموه وتكامله إلى أي عنصر من خارجه، أو للتفاعل مع غيره، كما لو أنه صب صبة باطون واحدة. وهذه هي طبيعة الفكر الذي يتشكل كنسق متكامل. فهو يعيد بناء العالم من حوله، ولا يترك لك إلا أن تأخذ به كما هو أو تتركه. لكنه لا يتركك مع ذلك ساكنا، ولا تستطيع إلا أن تسحر بهذا البناء التأملي المعماري الشامخ، وباليد الماهرة التي صنعته، أي بالطريقة التي صاغ بها الجابري إشكالياته، والإجابات المنتظمة، المتواترة، الواثقة والمكتملة التي قدمها عن الأسئلة التي طرحها على نفسه عبر التراث وبمساعدته. ولعل أكثر ما ميز كتابات الجابري وعبر عنها هو هذا السحر الذي مارسته على كل من قرأه، وجعلت من الجابري من دون أي شك ايقونة الفكر العربي المعاصر بامتياز. وحتى أولئك الذين انقلبوا على الجابري وكرسوا جهدهم لتأليب الرأي العام عليه وتحطيم سمعته وصدقيته العلمية، لم ينكروا ما مارسه عليهم البناء الهرمي الشامخ للجابري، بتقطيعاته الداخلية، وتنويعاته الوظيفية، ومعانيه الفنية، وزخرفاته الأسلوبية واللغوية، من سحر لا ينفد. وليس هناك شك في أن القصر العظيم الشامخ الذي أشاده الجابري، في نقد العقل العربي، من بقايا الآثار الدارسة، برز، وسيبرز ربما لفترة طويلة، كحصن أمان واستقرار في صحراء من الرمل والخراب العميم. وداعا للجابري وتحية وفاء ومحبة من القلب.

الجابري فيلسوفا وفنانا

الجابري فيلسوفا وفنانا وساحرا

برهان غليون

يرجع الفضل في تعرفي الشخصي على الجابري إلى الباهي محمد الذي كان شاعرا ومتحدثا وأديبا كبيرا، فقدناه هو أيضا منذ عقد ونيف ولا نزال نحيي سنويا ذكراه من خلال حلقة أصدقاء الباهي. كان الباهي صديقا حميما لنا، وكان قد عمل مع الجابري، قبل أن يقرر الإقامة في باريس، في حزب الاتحاد الاشتراكي، في التنظيم السياسي والصحافة. وكان الباهي يتصل بي حال وصول الجابري إلى باريس، فنلتقي في جلسات خاصة أو مع آخرين، نسمع إلى نكات الباهي وقصصه الشخصية المثيرة وأشعار الجاهلية. ونادرا ما كنا ندخل في نقاشات نظرية. وعندما كنا نتحدث بجدية فغالبا ما كنا نتناول المواضيع السياسية، وأوضاع البلاد العربية ومشاكلها وأحزانها. كان الجابري مقلا جدا في تناول موضوعات مشاريعه النظرية في الأحاديث العامة، كما كنت أنا. كنا نقرأ بعضنا باهتمام، لكن من قبيل الفضول والتعرف على ما يفكر فيه كلانا، مع الإدراك العميق بأننا نعمل في اتجاهين نظريين متباينين تماما، ولا يوجد هناك ما يجمع بين منهجينا في تناول مشاكل المجتمعات العربية الواحدة.

فقد اهتم الجابري بالتراث، وسعى من خلال تفكيكه وتركيبه وإعادة بنائه إلى أن يفهم مشاكل العالم العربي الراهنة، ويساهم في الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها مسألة تحولها التاريخي واندراجها في العصر، من منظور ما كان يبدو له نظرة عقلانية جديدة. بينما اتجهت أنا، بالعكس من ذلك، نحو تجربة الحداثة العربية ذاتها، واخترت العمل على التجربة والممارسة التاريخية المستمرة، أي تحليل الواقع الراهن، كمقدمة لإعادة بنائه في حقل السياسة، معتبرا أن التراث أصبح تراثا بالفعل، ولم يعد يشكل محددا رئيسيا لتحول هذا الواقع، ولا مفتاحا لفهم أي مستوى من مستوياته، بما في ذلك نماذج التدين القائمة. وبينما كان الجابري يشحذ أدواته النظرية والابستمولوجية لنقد التراث، كنت أبحث عن أدوات نظرية، أحيانا من خارج فكر الحداثة، لنقد ما سميته الحداثة الرثة، أي إجهاض مشروع الحداثة العربية. وكنت ولا أزال أنظر إلى عملية البحث عن أسباب هذا الإجهاض في التراث كما لو كانت نوعا من السحر الذي يفترض تحول الأوضاع انطلاقا من روح خالدة تقطنها وتتحكم بمسيرتها ومصيرها.

وقد عبرت عن موقفي هذا في كتابي (اغتيال العقل) الذي كان رد فعلي المباشر على الجزء الأول من كتاب الجابري حول نقد العقل العربي. وعنيت ان لا أستخدم كلمة العرب لأنبه إلى أنه لا يوجد هناك عقل عربي وغربي، وإنما عقل أو لا عقل، وأن منهج النقد الذي يقوم على تفكيك الثقافة إلى عقول متميزة، تناقض بعضها بعضا، وما وصفه الجابري بالعرفانية والبيانية والبرهانية، يبطل وحدة الثقافة ويفقدها ديناميكيتها التي لا تقوم من دون هذا التوتر الدائم الكامن في تباين نظمها وأنساقها وتعددها. لكنني حرصت على أن يكون هذا النقد من خلال بناء منهج مقابل حاولت أن أركز فيه على الديناميكيات التاريخية والاجتماعية التي تحكم تطور الثقافة بما فيها استعادة التراث وتمثله، وبنية العقل وانقطاعاته التاريخية ووحدته واتساقه أيضا.

وقد اعتقدت ولا أزال أنه لا خيار لنا بين أمرين، إما أن نجعل من الفكر ثابتا يتطور بجدليته الداخلية، والعالم، أي الواقع المادي والتاريخي يدور من حوله، وينتظم على وقع انتظام العقل، أو أن نجعل من تناقضات الواقع وجدلياته المتعددة الأبعاد، ومن انتظاماته أيضا، محورا رئيسيا يشكل الفكر بعدا من أبعاده، يتأثر به ويؤثر فيه، أي أن نحول الفكر إلى بعد من أبعاد تجربة تاريخية حية ومعاشة فعلا للفرد وللمجتمعات معا.

لم أتعرض للجابري بعد اغتيال العقل أبدا. وهو نفسه لم يتعرض لأي نص كتبته بعد نقده العابر والخارجي لكتابي الأول (بيان من أجل الديمقراطية) والذي علق عليه، في كتابه (الخطاب العربي المعاصر)، قائلا : كيف يمكن الحديث في الديمقراطية قبل نقد العقل. ولم نكن قد تعارفنا بعد.

والواقع أنه بالرغم من صداقتنا الحميمة، كنا مدركين، كلانا، أننا نعمل في ورشات علمية مختلفة تماما، لكن اختلاف نظامي تفكرينا لم يكن يؤثر على علاقتنا الشخصية، كما لو اننا اتفقنا ضمنا على أن يجرب كل واحد من طرفه، او هكذا كان شعوري الشخصي. وما كان هناك مجال لحوار نظري في مثل هذه الحالة. فالجابري الذي كان يمسك بقوة بأدواته المنهجية، ولديه تصور جاهز وتقريبا كامل لما يريد عمله في تراث ثابت وناجز ينتظر مبضع جراح مكين، لم يكن معنيا بتشتيت ذهنه في أي نقاش مع الفكر الآخر. ما كان يريده هو إنجاز المشروع الضخم الذي كان يملأ فكره. هو يأخذ ما يحتاج إليه من هؤلاء وأولئك من الفلاسفة والفقهاء والمتكلمين، ليشيد بناءه الخاص به، يرتب غرفه حسب مخطط ارتسم في ذهنه، ويعين وظائف أقسامه، وأدوار رجالاته الذي لا يستقيم نظامه الفكري من دونها.

أما أنا فما كان مشروع تأويل التراث يعني لي شيئا، مهما كانت جدته أو أصالته. كنت أشعر أيضا أن ما يعنيني هو فهم التجربة الحية للبشر المتحركين أمامي على الأرض، وليس لما خلفه الأجداد والأسلاف من تجارب ومواريث.

هكذا، ركز الجابري على العمق التاريخي والتراثي لواقع العرب الحضاري، أو بالأحرى المفتقر للحضارة اليوم، وركزت أنا على كفاح العرب، كشعوب وطبقات وطوائف وجماعات مصالح وأفراد، كل في مكانه ومستواه، من أجل البقاء في الشروط التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، والتحديات التي يواجهها كل فاعل اجتماعي والردود التي يقوم بها متأثرا بموروثه الثقافي بالتاكيد، لكن بالتطلعات والآمال والحوافز الجديدة التي اكتسبها من ثقافة عصره أيضا. ومن الواضح أن النظرية، أي العقل، العربي إذا شئنا، لا يمكن أن تكون هنا جاهزة ولا مضمرة، لا في العقل ولا في الفعل. إنها تتبلور في الصراع، صراع كل فاعل اجتماعي من أجل البقاء والارتقاء، ولا يمكن أن تكون سوى محصلة تساوق مشاريع الفاعلين الأحياء أنفسهم. فالعقل واللاعقل، أي انسجام الفكر او عدم انسجامه هو انعكاس، غير آلي بالتأكيد، لانسجام الفعل الجمعي او تضارب عناصره. فهو لا يتبع الموروث الثقافي أو الروحي مهما كان وزنه، وإنما يعبر عن توافق مشاريع الفاعلين الباحثين عن إرضاء حاجاتهم والوفاء لتطلعاتهم وتعارضها. مما يعني أنه ليس هناك عقل جاهز، ولا عقلانية مجردة منفصلة عن المجتمعات التي تعيش في صراع دائم، بين عناصرها ومع غيرها، من أجل تأمين وسائل وجودها وديمومتها. المعرفة هي نفسها معركة لا تبنى إلا في الصراع ضد استراتيجيات التشويش والكذب والخداع والتضليل التي يمارسها الفاعلون الاجتماعيون واحدهم إزاء الآخر.

مقابل هذه المعرفة المشتتة والمجزأة، المنتزعة كل مرة بجهد خاص في فهم تجارب الفاعلين اللانهائية، وتحليل مشاريعهم الخاصة، وكشف نواياهم، في شروط وجودهم التاريخية والاجتماعية، وهذا قدر أي معرفة بحثية تجريبية، كان بإمكان الجابري أن يبني، انطلاقا من إعادة تأويل تراث ثابت وجاهز، معرفة تأملية على شكل نسق جامع ومانع، تظهر عبره المدنية العربية في صورة بنورامية، واحدة، شاملة وكاملة الاتساق، وتتحول بسرعة إلى مرآة يستطيع كل فرد أن يرى نفسه فيها ويتامل ذاته ويتواصل مع جميع أقرانه، ويتماهى معهم، من خارج الزمان والمكان والحاضر والماضي.

بهذا المعنى، كان فكر الجابري بالتاكيد مكتفيا بذاته، لا يحتاج في نموه وتكامله إلى أي عنصر من خارجه، أو للتفاعل مع غيره، كما لو أنه صب صبة باطون واحدة. وهذه هي طبيعة الفكر الذي يتشكل كنسق متكامل. فهو يعيد بناء العالم من حوله، ولا يترك لك إلا أن تأخذ به كما هو أو تتركه. لكنه لا يتركك مع ذلك ساكنا، ولا تستطيع إلا أن تسحر بهذا البناء التأملي المعماري الشامخ، وباليد الماهرة التي صنعته، أي بالطريقة التي صاغ بها الجابري إشكالياته، والإجابات المنتظمة، المتواترة، الواثقة والمكتملة التي قدمها عن الأسئلة التي طرحها على نفسه عبر التراث وبمساعدته. ولعل أكثر ما ميز كتابات الجابري وعبر عنها هو هذا السحر الذي مارسته على كل من قرأه، وجعلت من الجابري من دون أي شك ايقونة الفكر العربي المعاصر بامتياز. وحتى أولئك الذين انقلبوا على الجابري وكرسوا جهدهم لتأليب الرأي العام عليه وتحطيم سمعته وصدقيته العلمية، لم ينكروا ما مارسه عليهم البناء الهرمي الشامخ للجابري، بتقطيعاته الداخلية، وتنويعاته الوظيفية، ومعانيه الفنية، وزخرفاته الأسلوبية واللغوية، من سحر لا ينفد. وليس هناك شك في أن القصر العظيم الشامخ الذي أشاده الجابري، في نقد العقل العربي، من بقايا الآثار الدارسة، برز، وسيبرز ربما لفترة طويلة، كحصن أمان واستقرار في صحراء من الرمل والخراب العميم. وداعا للجابري وتحية وفاء ومحبة من القلب.

mardi, mai 04, 2010

اسلاموفوبيا

الاتحاد 5 مايو 10

يستخدم الكثير من المحللين الاسلاموفوبيا، أو الخوف المرضي من الاسلام، ليفسر السياسات الغربية المعادية للعرب، ليس داخل البلدان الغربية فحسب، وإنما على الصعيد العالمي أيضا. بل يبدو هذا الخوف في نظر الكثيرين وكأنه المسؤول الرئيسي عن الضغوط التي يتعرض لها العرب من قبل أوروبا والولايات المتحدة، والحروب التي استهدفتهم في العقود الأخيرة، وفي مقدمها الحربين الدوليتين ضد العراق عام 1991 وعام 2003، والحروب التي خاضها الغرب، بالتحالف مع اسرائيل، وبمساعدتها، في لبنان وفلسطين. كما أنه الدافع إلى إطلاق العديد من المبادرات السياسية والاقتصادية الجماعية، وآخرها مبادرة الشرق الأوسط الكبير، بالإضافة إلى المبادرات الأوروبية الثنائية. وكلها تهدف إلى حث الحكومات العربية على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية لدرء مخاطر صعود الحركات الاسلامية السياسية، وإعادة هيكلة المنطقة لضمان استقرارها وازدهارها وتفاعلها مع العالم المحيط بها. وهناك من يستخدم هذا الخوف نفسه لتبرير السياسات الأمنية الاستثنائية الموجهة نحو العرب، بما في ذلك دعم حروب إسرائيل التوسعية، وتعميق التحالف وتعزيز الشراكة الاستراتيجية والسياسية معها.

وإلى هذا الخوف المرضي من الاسلام ترجع في نظر هؤلاء أيضا الحملات الإعلامية، ودخول العديد من الكتاب وقادة الرأي الغربيين في منافسة مفتوحة لتسويد صفحة الثقافة العربية والدين الاسلامي معا. ومنها التصريحات وإصدار القوانين التي ارتبطت بقضية منع الحجاب في المدارس الفرنسية في الثمانينات، والتي استمرت عبر قضية الرسوم الكاريكاتورية التي تداولتها العديد من الصحف الغربية. والتي تعود اليوم في صورة أخرى عبر قانون منع البرقع الذي بدأ تطبيقه الشهر الماضي في فرنسا، وصادق عليه هذا الأسبوع البرلمان البلجيكي بانتظار أن يعمم مثيله في كل البلدان الأوروبية. وكان البابا ببنوا السادس عشر قد عبر، في محاضرته التي ألقاها في 26 سبتمبر 2006 والتي وصف فيها الاسلام بأنه رديف العنف أو مرتبط طبيعيا بالعنف، ولا يوجد من دونه، عن هذا الخوف المرضي من الاسلام والتشكيك في صدقية سلام المسلمين. وهذا ما تسعى اوريانا فلاشي في كتابها قوة العقل إلى تأكيده عندما تذكر بأن الرسول محمد (ص)، بعكس المسيح الذي توفي كما تقول على الصليب وموسى الذي رأي من بعيد أرض إسرائيل، زحف على رأس جيوشه فاتحا لتحقيق النصر. ولا تكتفي فلاشي بتقديم هذه الصورة القاسية والمشوهة للاسلام ورسوله فحسب، ولكنها تذهب أبعد من ذلك لتنتقد الغرب على ضعفه وتهاونه تجاه المسلمين، ولتحرض على الحرب وتطالب الغرب بالرد على العنف الاسلامي بعنف مماثل، مهددة بأن أوروبة سوف تسير إلى الانتحار إذا لم ترد على التحدي الاسلامي. ولم يتخلف عن مثل هذه التصريحات، ولو بلغة أكثر حذرا، العديد من رؤساء الدول الغربية الذين أطلقوا صرخات التحذير نفسها في أوقات مختلفة، من جورج دبليو بوش إلى فلادمير بوتين إلى سيليفيو برلسكوني إلى المستشارة ميركيل.

ينبع الخوف من الاسلام والمسلمين في نظر المحللين من تواتر العنف الذي يبدو وكأنه يميز حياة المسلمين على جميع الأصعدة، الاجتماعية والسياسية والدينية، والذي يعكس هو نفسه طبيعة القيم التي تنظم حياتهم، وتجعل منهم مجتمعات مختلفة في توجهاتها وقواعد سلوكها وأهدافها عن بقية مجتمعات العالم. ومن هنا يعتقد قسم كبير من الغربيين أن النزاع القائم بين العرب والغرب هو النتيجة الطبيعية والحتمية للتناقض العميق بين منظومة القيم القرسطوية الاسلامية ومنظومة القيم الغربية الحديثة المرتبطة بالحرية والمساواة والتسامح والتعددية.

هكذا أصبح الخوف والشعور بالخطر المرتبط به يشكلان اليوم منطلق أي تفكير بالمنطقة وأي موقف تجاه ما يجري فيها، بما في ذلك الموقف من الاحتلال والاستيطان وانتهاك حقوق الانسان وإعاقة الديمقراطية ومشاكل التنمية والعلاقات الدولية.

والواقع ليس للاسلاموفوبيا علاقة كبيرة بالخوف. فهي تطلق على نوع من المخاوف المرضية التي لا تعبر عن وجود مخاطر حقيقية، ولا تشكل تعبيرا صحيحا وصادقا عنها، بمقدار ما هي تركيب ذهني يخلط بين وقائع وتخيلات ومسبقات ومشاعر متعددة، تشكل هي نفسها منبعا لتعزيز الخوف واختلاق التهديدات وتضخيمها. فهي لا تفسر الخوف من الاسلام ولكنها تستخدم هذا الخوف لتبرير سياسات تجد جذورها ومحركها في مكان آخر.

في هذا المنظور تنقلب الوقائع رأسا على عقب. فالاسلاموفوبيا تظهر العداء للآخر، وهنا العرب والمسلمين، بمثابة رد الفعل الطبيعي على عدوان قائم أو منتظر من قبل هؤلاء أنفسهم، وتلتقي في هذا المجال مع فكرة الحرب الاستباقية وتبررها. فهي تفترض أن أصحاب الثقافات الأخرى يكنون للغرب عداءا عميقا ودائما بسبب تناقض قيمهم الخاصة، النافية للعقل والتعددية والحرية، مع قيم الثقافة الغربية.

والحال، ليس ما يؤرق أعداء الغرب ويثير نقمتهم غرب الفنون أو غرب العلوم أو غرب التقنية. ولا هو غرب الصناعة ولا غرب التسلية ولكن غرب السياسة. ما يزعج خصوم الغرب وأعداؤه، وهم لا يقتصرون على العرب والمسلمين، ليس أخلاقيات مواطنيه وطبيعة علاقاتهم ومنظومات قيمهم، وإنما خياراته السياسية، الخارجية منها بشكل خاص، وتجسيداتها في شبكات السيطرة والتلاعب بمصير الشعوب الضعيفة، والتي تشكل هي نفسها العقبة الرئيسية أمام تملك هذه الشعوب وسائل الاندراج في العصر والمشاركة الايجابية في السياسات الدولية. وهي الأسباب ذاتها التي كانت ولا تزال توجه الأغلبية الواسعة من الرأي العام العالمي في البلاد المسماة نامية ضد الغرب ونماذج إدارته السيئة للشؤون الدولية، بما في ذلك قوى غربية واسعة وقفت ولا تزال ضد سياسات الحكومات الغربية الخارجية وحروبه المستمرة التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حقل العلاقات الدولية الحديث. فما تأخذه الشعوب على هذه السياسات ليس الحداثة الفنية أو الأدبية أو العلمية أو التقنية أو الصناعية، بل ولا نماذج الحياة الغربية الاجتماعية، والقيم التي توجه سلوك أفراده، مهما تباينت هذه القيم مع القيم العربية أو الاسلامية، وإنما بالعكس، تلك الاستراتيجيات الهيمنية، الاستعمارية وشبه الاستعمارية وما بعد الاستعمارية التي تحول بين الشعوب الفقيرة، أي غالبية سكان الأرض، والوصول إلى الموارد المادية واللامادية التي لا أمل لها في التحرر والتقدم والترقي من دونها.

من هنا، ليس هذا الخوف المسمى مرضيا مرضيا إلى الدرجة التي يفترض أنه كذلك. إنه يشكل هو نفسه ذريعة لتمرير اختيارات سياسية لا يمكن تبريرها في أي منطق أخلاقي، وبشكل خاص في منطق الأخلاق الانسانوية لعصر الأنوار لذي يمثل مرجعية الغرب الحديث الأساسية. ولا يمكن أن ننسى أن إسرائيل لا تكف عن اللعب بورقة الخوف منذ عقود لتضفي شرعية سياسية على خيارات عنصرية تجعل من الاحتلال والاستعمار تعلة لاغتصاب الأرض من أصحابها والاستيطان فيها، ضد جميع الأعراف الدولية والشرائع الدينية والأخلاقية.

mercredi, avril 07, 2010

العرب ومعركة تحجيم إسرائيل

الاتحاد 7 نيسان أفريل 10

لجدية التي يواجه بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما سياسة الاستيطان الاسرائيلي تشير إلى أن هناك فرصة جديدة للتقدم في الجهود العالمية للحد من معاملة إسرائيل كدولة استثنائية أو فوق القانون. وبصرف النظر عما إذا أدى ذلك إلى تسوية سياسية للنزاع العربي الاسرائيلي أم لا، تشكل هذه المعركة المقدمة الضرورية لمعركة عزل أسرائيل وتعرية سياساتها التوسعية. ولا ينبغي على العرب أن يبقوا في هذه المعركة مكتوفي الأيدي، وهم المعنيون الرئيسيون بها، بالرغم من أن تفجيرها لم يكن ثمرة مباشرة لجهودهم، ولا حتى بدافع اكتشاف التكتل الغربي، بما في ذلك الإدارة الديمقراطية في واشنطن، عدالة القضية الفلسطينية، ولا نتيجة أي شعور بالشفقة أو الرحمة على العرب والفلسطينيين، وإنما ببساطة بسبب الخوف على النظم السياسية الحليفة، والسعي إلى امتصاص نقمة الشعوب العربية، وإعادة بعض الصدقية للسياسة الغربية، والحيلولة دون أن تسقط المنطقة أكثر في حضن السياسة الايرانية، ومن ورائها في حضن الحركات الاسلامية والقومية "المتطرفة".

والمشكلة أن الرغبة الأمريكية الأوروبية المعلنة اليوم للحد من التواطؤ التاريخي الجائر مع تل أبيب من أجل تهدئة الاوضاع الشرق اوسطية جاءت في أحلك ظروف. فلم تكن إسرائيل اكثر تطرفا ومبالغة في مطالبها وأطماعها مما هي عليه الآن. بينما لا يكاد المراقب السياسي يرصد أي تغيير ايجابي مقبل على سياسة التنازع والمواجهة الداخلية بين الأطراف والفرق الفلسطينية المتنافسة.

أما العرب فقد خروجوا من صراعات العقد الماضي بإرث من التنازع والتفتت والتشكيك في عروبتهم، أي في ما يجمع بينهم أو يبرر تضامنهم وعملهم المشترك، يجعل أي مسعى للم شملهم ودفعهم إلى الحديث بصوت واحد، أو التصرف ككتلة او مجموعة متسقة على الساحة الدولية، بمثابة طلب المستحيل. فلم تقل نتائج صدمة انهيار الجبهة العربية مع كسر العراق، وتفكيك بنيته العسكرية والسياسية، على العالم العربي، عن تلك التي أعقبت خروج مصر من الإجماع العربي في الثمانينات، وتوقيع اتفاقيات كمب ديفيد، أعني فرط عقد أي اجماع عربي، قائم أو محتمل، وتقوقع الدول والنظم والمجتمعات على نفسها ومشاكلها الداخلية، وانسحابها من السياسة الدولية، وبالنتيجة انعدام هامش مبادرتها السياسية والاستراتيجية. فهي لا تزال منقسمة اليوم، كما كانت دائما، بين كتلتين كلتاهما تحميان ظهريهما بتحالفاتهما الخارجية، ولا أحد يراهن على قوته الذاتية. ولم يختف أي مشروع عمل عربي مشترك للمستقبل وتختفي أي إمكانية لصوغ أجندة عربية فحسب، وإنما اختفت أيضا أية مشاريع عمل داخلية، وأي قاسم مشترك وطني. وهذا ما يفسر ما نشاهده من تشابك بين النزاعات الداخلية الطائفية والإتنية والسياسية والنزاعات العربية العربية، وبينها وبين النزاعات الإقليمية والدولية.

هكذا تخيم على العرب حالة من الفوضى الفكرية والسياسية، ومن التفكك والتهلهل والضياع تجعل أكثرهم منشغلين بهمومهم الخاصة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطائفية والأتنية، من دون الإشارة إلى الهموم التوريثية التي تشكل هاجسا لأكثر من نظام. فجميع الأقطار العربية أو أهمها تعاني من اهتزازات وتشنجات وتهديدات بزعزعة داخلية لا أحد يعلم مدى عمقها ومآلاتها. وبمقدار ما استغلت الحكومات العربية أو جلها إخفاق مسار السلام ذريعة لتأجيل الاصلاح بكل معانيه وجوانبه، تجد نفسها اليوم ضحية الاحباطات المتراكمة وتصاعد الضغوط المادية والنفسية على الأفراد والجماعات، مع الافتقار لأي هامش مبادرة داخلية وخارجية حقيقية.

بالمقابل، يستدعي الحصول على نتائج واضحة في المعركة الجديدة الدائرة من حول تجميد الاستيطان اليهودي، او على الأقل تجنب أن تخرج إسرائيل من هذه المعركة بنجاح إعلامي ودبلوماسي، يظهر فيه العرب وكانهم غير جديين في التوصل إلى حل للنزاع أو غير قادرين عليه، أو غير متفقين في ما بينهم، أقول يستدعي تجنب خسارة جديدة مراجعة جدية للاستراتيجية العربية، وربما إعادة ترتيب الأولويات. وفي اعتقادي أن دعم جهود الإدارة الامريكية في تقليم أظافر الوحش الاستيطاني ومواجهة نفوذ اللوبي الاسرائيلي داخل الولايات المتحدة وخارجها، يستدعي اتخاذ مبادرات نشطة وجريئة لتغيير صورة العرب ووزنهم النوعي في السياسة الدولية نفسها، وذلك على ثلاث محاور رئيسية. محور إعادة بناء المجتمعات العربية من الداخل، وهذا ما يستدعي البدء بإصلاحات عميقة وشاملة، في ميادين السياسة والدولة والاقتصاد والإدارة والمجتمع، تعيد الثقة للشعوب العربية وفيها، وتحولها إلى رصيد في المواجهات المحتملة، وعامل من عوامل القوة الاستراتيجية، بدل أن تكون، كما هي عليه اليوم، عبئا إضافيا ومصدر قلق وخوف للحكومات والعالم. ومحور إعادة بناء التكتل العربي الاقليمي، وهو شرط أي رابطة جوار فعالة كتلك التي اقترحها امين جامعة الدول العربية. ولا مانع من أن يبتعد هذا التكتل في مفهومه عن مفهوم الوحدة العربية كما تصورها القوميون، ويأخذ شكل تحالف أو تآلف أو تجمع اقتصادي أو كونفيدرالية تجمع الدول العربية الرئيسية المعنية مباشرة. وأخيرا محور العلاقات الخارجية التي تستدعي ما ينبغي تسميته المصالحة مع العالم، وليس مع دول الجوار فحسب.

فالمناخ السائد في العالم العربي منذ الاستعمار وتجربته المريرة حتى العقود الستة الماضية، وبسبب المواقف الغربية المحابية لاسرائيل والمعادية لتطلعات العرب والمسلمين المشروعة، هو مناخ القطيعة، ومن ورائها الانكفاء على النفس والتطلع نحو الماضي، وإحياء الصداقات أو الوشائج القديمة. ومن المؤكد أن مثل هذا الموقف يزيد في عزلة العالم العربي وهشاشة وضعيته الاستراتيجية، ولا يفيد إلا السياسة الغربية الهيمنية التي تستخدم العدوان والتشهير لدفع العرب نحو المزيد من العزلة والانطواء على النفس والانسحاب من التنافس العالمي. والمقصود أن يعمل العالم العربي على الخروج من التهميش الذاتي الذي اختاره، وأن يسعى بجد، وبحركة متسقة وجماعية، على فك العزلة، وانتزاع مواقع قوية في قلب العالم الصناعي، وفي وسط الرأي العام الدولي، من دون خوف ومن دون شعور بالنقص. وهذا ما يحتاج إلى خوض حوار بناء، رسمي وأهلي، مع المجتمعات الغربية والشرقية معا.

في نظري، مهما كانت نوايا الإدارة الأمريكية حسنة تجاهنا، فلن نستطيع تطويق إسرائيل وفضح سياساتها التوسعية والعدوانية من دون أن نغير أولا من طبيعة العلاقات التي تربطنا بالعالم، والتي تعمل اليوم لغير صالح العرب، وتمنعنا من طرح أنفسنا كشريك شرعي وكامل العضوية في المفاوضات الدولية والنقاشات العالمية حول مستقبل الشؤون والسياسة الدولية.

ويخشى، إذا لم نفعل ذلك، وثابرنا على السلوك كما فعلنا في العقود الأربع الماضية، أن لا نحصد شيئا سوى المزيد من التراجع والانكفاء، حتى في ظل إدارة أمريكية تبدو أحرص اليوم من أي وقت سابق على إظهار صدقية التزامها بالمباديء السياسية والأخلاقية. إذ سيكون في مقدرة إسرائيل دائما أن تستفيد من غياب صدقية العرب الاستراتيجية، ووهن عزيمتهم الجمعية، والطابع الاستثنائي الفظ لنظمهم السياسية، وانقساماتهم التي لا تنتهي، كي تعلن كعادتها غياب المحاور أو الشريك الجدي، وتحملهم مسؤولية انعدام التقدم في طريق التسوية السياسية، ومن ثم تجنيب سياسة الاحتلال والاستيطان الانتقاد والإدانة الدولية.

mercredi, mars 24, 2010

الاستيطان جوهر المواجهة في فلسطين

الاتحاد 24 مارس 10

كان الاستيطان ولا يزال الجبهة الرئيسية للصراع الدائر منذ منتصف القرن الماضي في فلسطين، وذلك لأن إسرائيل ليست دولة عادية تتخاصم مع دول أخرى. بل بالعكس، لأن اسرائيل لم تكن في أي وقت دولة، ولا تزال غير قادرة على التفكير بنفسها والتصرف كدولة، بما يعنيه ذلك من بنية قانونية واعية ومستبطنة تحكم علاقاتها بداخلها، وتحولهم إلى مواطنين لا أبناء طائفة، كما تحكم علاقتها بخارجها، وتساعدها على النظر إلى هذا الخارج بوصفه دولا وشعوبا مماثلة لها الحق نفسه في الحماية والسيادة والحياة، لا حقل صيد خاص مفتوح لكل المطامع والشهوات.

ولدت اسرائيل وعاشت ولا تزال كمشروع اسيتطان، بما يعني هذا المشروع من غزو عسكري لإحلال سكان جدد محل سكان أصليين، وبالتالي انتزاع أراضيهم وإخراجهم منها ووضع اليد القانونية والسياسية والعسكرية عليها. وهذا ما يعكسه تاريخ اسرائيل الطويل منذ بناء اول مستوطنة يهودية في الارض الفلسطينية قبل أكثر من قرن. فليست إسرائيل التي عرفناها حتى إعلان استقلالها عام 1948، والتي لا نزال نعرفها إلى اليوم سوى هذه السلسلة الطويلة من عمليات الغزو والضم والإلحاق لرقع متزايدة من الأرض العربية المحيطة بها، مع تدمير حياة سكانها وتهجير ما يمكن تهجيره منهم وتشتيت شملهم وضرب الحصار العنصري، أو السياسي والاقتصادي، كما هو الحال في غزة اليوم، عليهم، لإجبارهم على القبول بالأمر الواقع والاستسلام.

يعني المشروع الاستيطاني، أي مشروع، أمرين لا يستطيع من دونهما البقاء ولا الاستمرار. الأول الحرب الدائمة، وإلا توقف وانهار، وأصبح على مجتمع المستوطنين أن يعيد النظر في أسلوب حياته وتفكيره بأكمله، أي في ثقافة الاستيطان ذاتها، ويواجه بجرآة مشاكل بناء الدولة والتعامل على أسس وقواعد قانونية وسياسية، مع المحيط الذي كان انكار حقوقه في أصل وجود المشروع نفسه نفسه. والثاني النزوع المتزايد إلى العنصرية، أي إلى الصفاء أو النقاء الديني أو العرقي، او العرقي الديني معا، وطرد العناصر المختلفة التي تبدو أكثر فأكثر نشازا، يهدد تماسك المجتمع الاسيتطاني وصلابته. ويزداد النزوع إلى هذا النقاء بموازاة تقدم الاستيطان ونجاحه في تحقيق أهدافه وتوسيع دائرة انتشاره وسيطرته، وذلك بمقدار ما يضاعف هذا التقدم من حجم المشاكل والتحديات التي يثيرها الاستيطان لدى المجتمعات التي يقوم على حسابها ومن خلال تفكيكها وكسرها، وتعاظم المقاومات التي تفرزها أيضا. وهذا ما يفسر المفارقة التي يعيشها أي مشروع استيطاني، أعني تفاقم شعور مجتمع المستوطنين بالخطر والتهديد والهشاشة في الوقت الذي لا يكف فيه عن تأكيد تفوقه الكاسح في ميدان القوة المادية والمقدرة على التدمير وزرع الخراب في المجتمع الضحية المحيط.

ومن هنا ليس أمام أي مشروع استيطان خيار آخر، ولا سياسة ممكنة، ترد على حاجات بقاء نظامه واستمراره سوى خيار الهرب إلى الأمام. فتوسيع دائرة الاستيطان يستدعي المزيد من المقاومة من قبل المجتمعات المشردة والمشتتة، ويجر المزيد من الحرب والاعتماد على الحرب للدفاع عن البؤرة الاستيطانية وتعزيز استقرارها وأمنها. والعكس أيضا صحيح، فتنامي القوة وتزايد الشعور بالتفوق العسكري يعزز منطق الاستيطان، بما يوحي به من أن المزيد من الاستيطان يعني تحقيق استقرار أكبر وديمومة أكثر للبؤرة الاستيطانية.

تشكل القارة الأمريكية، وأمريكا الشمالية بشكل خاص، لكن استراليا أيضا، مثالا واضحا لهذه الآلية التي قادت إلى القضاء شبه الكامل على الشعوب الهندوأمريكية وإحلال شعوب أخرى، وثقافات جديدة محلها. فلم تتحول البؤر الاستيطانية إلى دول قانونية إلا بعد أن قضت تماما على المجتمعات المحلية وأخضعت ما تبقى من مقاومتها، أي عندما تحققت لها السيطرة على قارة كاملة او ما يشبه ذلك. لكن لم يكن الحال كذلك في العديد من البلاد الأفريقية التي عرفت مشاريع استيطان مشابهة. ففي جنوب أفريقيا اضطر مجتمع المستوطنين البيض بعد ما يقارب ستة قرون من السيطرة المطلقة على بلاد واسعة، إلى الاستسلام والمفاوضة على إعادة تحديد دور المستوطنين ومكانتهم في المجتمع الجديد المختلط. وكان هذا نموذجا خاصا وإن لم يكن فريدا للخروج من منطق الحرب الاستيطانية اختلف كثيرا عن النموذج الامريكي. لكن في الجزائر التي كانت معدة أيضا لتكون مستوطنة بيضاء انتهت العملية بتفكيك المشروع الاستيطاني والانكفاء بعناصره ورجاله على البلد الاصلي فرنسا. وفي اعتقادي أن الصراع القائم اليوم في المشرق العربي لا يخرج عن هذا الإطار، أي تحديد مستقبل مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين ومحيطها العربي القريب.

ليس هناك شك بأنه ليس من الوارد، على الأقل في وجود المعطيات القائمة الإقليمية والعربية، التفكير في حل على الطريقة الجزائرية. وأقل من ذلك في حل على الطريقة الامريكية يمكن المجتمع الاستيطاني من القضاء على المجتمع العربي الفلسطيني وامتدادته، ويحقق سيطرته على قارة، ويتحول إلى دولة وأمة طبيعية أو عادية. فلا المعادلة السكانية ولا الثقافية والحضارية تعمل على المدى الطويل لصالح إسرائيل. وبالمثل، يرفض المستوطنون الاسرائيليون بشكل واضح وقاطع الحل الجنوب أفريقي لمأزق المشروع الاستيطاني، ولا يكفون عن رفض الاختلاط والتنوع الاتني، والتمسك بتأكيد هوية يهودية يزيد من التشبث بها الإحياء المستمر لذاكرة الإبادة الجماعية التي تعرض لها يهود ألمانيا النازية، والربط الذي أقامته الصهيونية بين العملية الاستيطانية والوفاء للعقيدة اليهودية أو استعادة الأرض المقدسة التوراتية، وكذلك القوة الاستثنائية، المعنوية والمادية والاستراتيجية، التي يوفرها لمشروعهم التضامن اليهودي العالمي العابر للحدود.

من هنا لا يزال الرأي العام الاسرائيلي واليهودي على العموم يرفض التفكير في مستقبل المشروع الاستيطاني، وأحيانا يرفض النظر إلى ما يواجهه من تحديات، ويعتقد أن توسيع الاستيطان وبناء جدران عازلة تحيد الفلسطينيين وتمنعهم من المقاومة، يمكن أن يضمن له النجاح في ما أخفق فيه مجتمع البيض الجنوب أفريقييين، أي الخروج من الازمة بحل على مثال نظام الفصل العنصري الذي ساد في جنوب أفريقيا قبل مانديلا، مع بعض التعديلات التي تجعله اكثر قدرة على الصمود والمقاومة. تشجع على هذا الاختيار المطابقة بين منطق الاستيطان والوفاء للعقيدة الدينية، وهذا ما يفسر تنامي وزن المتدينين وتماهي قضيتهم مع سياسة الاستيطان. وتغذي الثقة بنجاحه التعبئة القوية للجماعات اليهودية العالمية وراء إسرائيل، والتأييد الكبير الذي يحظى به من قبل الغرب الذي لا يزال القوة الضاربة الدولية. كما يعزز هذا الخيار تفكك الجبهة العربية وتضارب أطرافها، وانقسام الفلسطينيين أنفسهم وتضارب سياساتهم الداخلية والخارجية.

لن تتخلى إسرائيل، أي أغلبيتها الانتخابية، عن هذا الخيار إلا إذا أدركت بشكل واصح أن نظام التمييز العنصري طريق مسدود وليس حلا، وأن السير فيه لا يضمن أي امن وسلام، ولكنه يقود إلى تخليد الحرب بما تحمله من مأسي وآلام ومخاطر لا تهدد إسرائيل والعرب خاصة وإنما جميع الاطراف، بما فيها أطراف بعيدة عن المنطقة وفي محيطها.

قطع هذا الطريق وكسر منطقه، وهو ما يهدف إليه مشروع الدولتين، مسؤولية الأطراف جميعا: الغرب الذي تحتمي اسرائيل خلف تأييده أو صمته، والجماعات اليهودية التي تراهن تل أبيب على نفوذها الكبير في جميع أنحاء العالم، والعرب الذين يلهب ضعفهم وشلل إرادتهم حماس المستوطنين اليهود ويقوي متطرفيهم، والفلسطينيون الذين يغرون، بانقساماتهم وتفرق كلمتهم وتخبط قياداتهم، أعداءهم بهم، ويشجعون أصدقاءهم وأشقاءهم على التساهل في حقوقهم إن لم يكن التضحية بهم. هذا جوهر المواجهة القائمة اليوم في فلسطين وعليها.

mercredi, mars 10, 2010

مفاوضات السلام التي تضمر الحرب

الجزيرة نت 10 مارس 2010

لا أدري أي منطق سياسي أملى على وزراء الخارجية العرب موقفهم الجديد في إعادة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، بعد أشهر من تأكيد رؤساء الدول العربية عدم التراجع عن شرط التجميد الكامل للاستيطان ووقف أعمال التهويد المستمرة للقدس والأراضي العربية الأخرى، بما فيهم رئيس السلطة الوطنية محمود عباس.

لم تكن خيبة العرب ثمرة رد فعل ظرفي على سلوك إسرائيلي جديد، ولكنها كانت ثمرة خبرة عقدين طويلين من المفاوضات، التي استغلها الاسرائيليون لتوسيع دائرة استيطانهم، وتعزيز سيطرتهم على الأراضي المحتلة، وإنهاك مقاومة الشعوب العربية، وتقسيمها، وزرع الفتنة بين قادتها وشعوبها.

وليست الخيبة هذه حكرا على العرب وحدهم. فلم يبق في العالم كله، حتى داخل إسرائيل، مراقب محايد واحد يؤمن بأن حكومة نتنياهو، حتى لا نقول جميع القوى السياسية في إسرائيل، تبحث بالفعل عن تسوية، مهما كان شكلها، أو أنها لا تستخدم المفاوضات للتغطية على عملية التوسيع المستمر والعلني للاستيطان وتهويد الأراضي العربية المحتلة، بانتظار الوقت الذي يمكن فيه وضع العرب أمام الامر الواقع، وإجبارهم على التسليم بواقع اسرائيل الكبرى، ربما، كما يحلم الأكثر تطرفا في إسرائيل، خلال ولاية نتنياهو نفسه. وهذا ما كان قد فهمه وعبر عنه المسؤولون العرب الذين لم يملوا من التاكيد على غياب إرادة السلام لدى الطرف الآخر.

وبالمثل، لم يعد هناك مراقب سياسي محايد، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي الحاكم في واشنطن، يعتقد بأن إدارة أوباما لا تزال، بعد الصفعة المهينة التي وجهتها لها حكومة نتنياهو برفضها الانصياع إلى قرار التجميد الكامل للاستيطان، قادرة على أن تقود مفاوضات سلام ناجعة ومثمرة في الشرق الأوسط تقود إلى إقامة تلك الدولة العتيدة، القابلة للحياة والمتواصلة الأراضي، التي تحدث عنها الرئيس الامريكي في عهد تفاؤله، واحتفائه بانتخابه رئيسا جديدا بالمعنى السياسي للكلمة، للولايات المتحدة الامريكية.

فما الذي بقي للاختبار في النوايا السلمية الاسرائيلية ؟ وما صدقية الضمانات الأمريكية التي يشير وزراء الخارجية العرب إليها بعد تخاذل واشنطن وعودتها المذلة عن قراراتها أمام صمود حكومة نتنياهو واستمرارها في أعمال الاستفزاز التي لا تهدف إلى شيء آخر سوى تقويض المفاوضات وتفجيرها قبل أن تبدأ؟ وإذا كان لا بد من العودة لمجلس الامن، فلماذا الانتظار أربعة أشهر جديدة وإعطاء تل أبيب الفرصة لافتعال أحداث عنف ربما تقضي على ما تراكم للقضية الفلسطينية من رصيد عالمي حتى الآن؟ ثم ما قيمة نقل القضية إلى مجلس الامن، الآن أو بعد أشهر، إذا لم يكن هناك تفاهم مع بقية الدول الاعضاء على خطة واضحة، وعلى رأسها الدول أعضاء الرباعية الشهيرة التي لم تحرك ساكنا ضد مشاريع الاستيطان الاسرائيلي وتقويض عملية السلام خلال السنوات الطويلة الماضية؟ وما هي الضمانات التي حصل عليها العرب كي لا تستخدم واشنطن حق النقض في هذا المجلس؟ وحتى لو تحقق كل ذلك كما يشتهي العرب، ما قيمة موقف إدانة جديد لاسرائيل في مجلس الأمن إذا لم يكن مشفوعا بالمادة السابعة التي تفرض التطبيق بالقوة للقرارات الدولية؟ وفي هذه الحالة من يستطيع أن يفرض على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الكبرى استخدام قواتها لفرض السلام أو اقتسام الأرض ونزع الاحتلال عن فلسطين؟ هل هناك من يفكر فعلا أم أن كسب الوقت هو الهدف الوحيد المشترك بين الحكومات العربية والقيادة الاسرائيلية، الأولى لتجنب فكرة المواجهة والثانية لابتلاع المزيد من الأرض وفرض الامر الواقع.

يطرح أصحاب القرار الجديد الذي جمع أغلبية عربية كاسحة عدة حجج ومبررات وذرائع لتبرير موقفهم، او بالأحرى التراجع عن الموقف المتشدد السابق. من ذلك أن العرب والفلسطينيين تعرضوا ويتعرضون إلى ضغوط شديدة من قبل الأمريكيين والدول الغربية عامة، وأن السلطة الفلسطينية التي تعيش، وشعبها كذلك إلى حد كبير، على المنح والعطايا والمساعدات الدولية، لم تتوقف عن تلقي التهديدات بوقف هذه المعونات إذا لم تذعن لإرادة الدول المانحة. فليس لهذه المعونات غاية أخرى في نظر مانحيها سوى تشجيع عملية السلام، وأن رفض الفلسطينيين الدخول في مفاوضات سلام، مهما كانت شروطها، يعني إخلالهم بالعقد الذي يبرر مساعدتهم وإعطاء الحق للمانحين بوقف مد العون لهم. وفي هذه الحالة لن تتمكن السلطة الفلسطينية حتى من دفع مرتبات موظفيها، اما الشعب الفلسطيني الذي يفتقر لأي اقتصاد منتج فلن يجد ما يقيت أطفاله.

ومنها، أن إجهاض مبادرة أوباما التي لم يكن العرب يحلمون بمبادرة أفضل منها، والاعتراف بفشل المفاوضات السياسية، يضع العرب أمام لحظة حقيقة إستثنائية ويفتح الباب على المجهول. وما لم يعثرو على خيار يسمح لهم بمواجهة الضغوط الداخلية والإقليمية المتفاقمة، سيجدون أنفسهم بسرعة أمام موقف يصعب احتماله، من تهلهل السمعة وانهيار الصدقية السياسية. من هنا يبدو تجميد عملية السلام، وهو الاسم التجميلي لنكتة المفاوضات المستمرة منذ عقدين، أخطر في نظر الكثير من القادة العرب، من عدم تجميد الاستيطان، بل ربما من استمرار الاحتلال. فهذا التجميد يهدد، في غياب أي بديل آخر لمواجهة البعبع الاسرائيلي، بخلق فراغ كبير ستدخل منه لا محالة رياح حركات التطرف القومي الديني العاتية، وتستغله بعض الدول المعادية أو المنافسة لتوسيع دائرة نفوذها وتاثيرها داخل المجتمعات العربية وضد مصالحها.

وبالنسبة للعديد من الحكومات العربية، لا تنبع قيمة المفاوضات من نجاعتها أو احتمال نجاحها في استرجاع الحقوق الفلسطينية، وإنما من كونها الوسيلة الوحيدة لتجنب الحرب، والتفرغ لقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل عند معظمهم اليوم المسألة المركزية. فكما صرح وزير الخارجية المصرية، أحمد أبو الغيط، مبررا القرار، التنمية والاستقرار والسلام هي الأهداف الرئيسية التي يضمن تحقيقها مصالح الأمة العربية للمستقبل، وأن الحرب لن تكون سوى دمارا شاملا لا يمكن تصوره.

لجميع هذه الأسباب والتفسيرات نصيب من الصحة والمعقولية لا شك. لكن ليس من المؤكد أن الجواب على التحديات التي تكشف عنها يكمن في دفن الرأس في الرمال، أو الاستسلام او التسليم بالهيمنة الاسرائيلية أو التعامل الضعيف معها. بل ربما كان العكس هو الصحيح.

فللحكومات العربية الحق في أن تعتبر أن التنمية والسلام والاستقرار، بصرف النظر عن طبيعة هذه التنمية ومنحى تراكم الثروات وأسلوب استهلاكها او هدرها، هي الأهداف الرئيسية التي ينبغي أن تحكم سياسة دول تعيش وضعا اجتماعيا وسياسيا لا تحسد عليه، وهي تستدعي بالفعل تجنب الحرب. ولديهم الحق أيضا في القول بأن الحرب ليست لعبة. وهي بالفعل ليست لعبة، وتكاليفها ستكون كارثية على العرب قبل الاسرائيليين. لكن من قال إن الضعف وإظهار الضعف والقبول بتقديم تنازلات متواصلة هو ضمانة لتجنب الحرب، لا تشجيعا للطرف الآخر على شنها أو الاستمرار فيها؟ وهل لما تقوم به إسرائيل في فلسطين اسم آخر غير الحرب، حتى لو كانت بوتيرة بطيئة يومية؟

ثم ألم تكن هذه هي السياسة المتخاذلة، التي اتبعتها أوربا لتهدئة الوحش النازي في الثلاثينيات من القرن الماضي، هي التي قادت الفهرر الألماني إلى تضخيم أطماعه إلى درجة اعتقد فيها أن أيا من الدول الأوروبية لن تكون قادرة على منع ألمانيا من اكتساح القارة والسيطرة عليها، بعد أن قبلت عواصمها الكبرى التضحية بالدول الصغيرة، الواحدة بعد الأخرى، لتبريد شهية الوحش النهم وتصبيره؟ ومن يجرؤ على القول بإن إسرائيل، وهي ذات شهية للتوسع لا ينكرها قادتها أنفسهم، لن تطمع في أراضي عربية أخرى، بين النيل والفرات بالفعل هذه المرة، إذا وجدت أنها نجحت في هضم المناطق العربية المحتلة، وفي ضبط مقاومات أبنائها من خلال جمعهم في معازل محاصرة ومحروسة، هي في الوقت نفسه مناطق سكنى ومعسكرات اعتقال جماعية؟ ومن يستطيع أن يؤكد، وحالة فساد النخب العربية على ما نراها ونقرأ عنها، أن إسرائيل او حلفاءها لن ينجحوا، من خلال التلاعب بزعامات المنطقة الصغيرة والموتورة، وتغذية حزازات بعضها الدينية والقومية والعشائرية والعائلية، ضد بعضها الآخر، وبالرهان على روح الانتهازية والوصولية والأنانية التي تميزها، وبالتعاون مع الطامحين الذين لا أمل لهم بالحكم من خلال قدراتهم الذاتية، في الابقاء على سيطرتها وإدارة امبرطوريتها الاستعمارية؟ وما هي التكاليف التي ستدفعها الشعوب العربية في تلك الحالة للقضاء على نظام العنصرية الاسرائيلية المتورمة ؟

وللحكومات العربية الحق أيضا في أن تخشى من أن يؤدي وقف المفاوضات أو إعلان إخفاقها النهائي إلى تفاقم التوتر داخل المجتمعات العربية بإضافة الخوف على المصير إلى بؤس شروط المعيشة وغياب أي حياة سياسية أو مدنية حقيقية، وأن يزيد من قدرة الدول الإقليمية، وفي مقدمها ايران الخمينية، على تعميق نفوذها وتدخلها في الشؤون العربية، السياسية والدينية، واستتخدام هذا النفوذ وذاك التدخل لتحسبن شروط مفاوضاتها حول مصالحها القومية مع الغرب. لكن هل الاستمرار في مفاوضات منتجة للاحباط والخيبة والتذمر وانعدام الأمن هو الذي سيحد فعلا من قدرة ايران على توسيع دائرة نفوذها، ويحمل الجمهور العربي إلى المزيد من الولاء للنظم العربية والايمان ببطولات قادتها أو إخلاصهم لقضاياها الدينية والقومية؟

ومن حق القادة الفلسطينيين أيضا أن يقولوا إن الممانعة، بمعنى الصمود أجيالا وعدم التفريط بحقوقنا، كما ذكرت الناطقة باسم الرئاسة السورية، تبدوا سهلة على نخب وسياسيين يعيشون في بلادهم المستقلة، ويملكون حرية الحركة والقرار والعيش بسلام، وأحيانا برفاهية يحسدهم عليها المحتلون أنفسهم، لكن ربما يحتاج الأمر، بالنسبة للفلسطينيين الذين يعانون الأمرين، يوميا، من أجل تأمين لقمة عيشهم، وينظرون إلى الأرض وهي تذوب تحت أقدامهم، ووطنهم يغور في ماء الاستعمار والاستيطان الزاحف، إلى حلول عملية وسريعة أكثر قليلا. فالحقوق لا توجد إلا عندما تمارس، وينبغي أن تمارس اليوم، لا أن ننظر إليها كصكوك ملكية نعض عليها بالنواجذ بانتظار حصول المعجزة التاريخية، بينما نستمر في قضاء العمر في الذل والهوان.

ومع ذلك هل للفلسطينيين حظ اكبر في الخروج من محنة الاحتلال من خلال إضفاء شرعية متجددة على مفاوضات هدفها الوحيد التغطية على الاستيطان، أم أن لهم مصلحة أكبر في دفع العرب وقيادتهم إلى تغيير قاعدة المفاوضات الفاسدة والمفسدة، والمشاركة في بناء خيار استراتيجي جديد يكون أكثر نجاعة في مواجهة الاحتلال؟ وما الذي سيفيده الفلسطينيون والعرب من تمديد هذا الوضع وتأجيل القرارات الأساسية التي ينبغي عليهم اتخاذها، والتي سيضطرون لاتخاذها بالتأكيد بعد فترة، لكن في شروط أقسى وأكثر كلفة؟ هل الهدف تمكين إسرائيل من تعزيز وضعها على الأرض، وتبرئة أمريكا وغيرها من الدول الكبرى من مسؤوليتهم وتخاذلهم أمام اللوبي الاسرائيلي، أم العمل على تعميق أزمة الثقة عند الشعوب العربية ،وتوسيع الهوة التي تفصلها عن حكوماتها، وتعظيم اليأس والقلق والنزوع إلى العنف لديها؟

بدل قرار تمديد المفاوضات التي فقدت مبرر وجودها بعد أن أثبتت عدم فاعليتها وجدواها خلال عقدين، كان المطلوب من الدول العربية، مباشرة بعد فشل مهمة جورج ميتشيل، وإصرار إسرائيل على مواصلة عمليات الاستيطان والتهويد، أولا رفض التراجع بأي ثمن عن قرارها بالتجميد الكامل للاستيطان ووقف عمليات التهويد جميعا واحترام امن وسلامة الفلسطينيين، كشرط لفتح مفاوضات سلام جديدة، وعلى أسس جديدة. وثانيا العودة مباشرة إلى مجلس الأمن لوضع الدول الكبرى، وعلى رأسها الرباعية المستقيلة عمليا أمام مسؤولياتها. وثالثا، اتخاذ إجراءات عملية مشتركة تظهر أن العرب لا يتسولون السلام من إسرائيل، وأن اختيارهم المفاوضات لا يعني تخليهم عن حقوقهم، وفي مقدمها حقهم في استخدام القوة، لاسترجاع الأراضي المحتلة، وأن اسرائيل بتقويضها مفاوضات السلام قد اختارت الحرب وهي تمارسها يوميا في فلسطين وما وراء حدودها.

لا يعني هذا إعلان الحرب ولا التشجيع عليها. فليس من بين الشعوب العربية من لم يجرب الحرب ويعيش ويلاتها ويعرف مآسيها. المقصود هو العكس تماما تجنبها. فليس هناك وسيلة أفضل لقطع الطريق على أنصار الحرب من الإعداد الجدي لها. وجهلنا بهذه القاعدة أو تغييبها عن فكرنا هما الذين يفسران تعرضنا المستمر لها منذ عقود. من هنا فإن مجلس الجامعة العربية، باتخاذه قرار التمديد لهذه المفاوضات، وبصرف النظر عما يقوله ويهدف إليه معكسر الممانعة، ومن وجهة نظر مصالح دول الاعتدال نفسها، قد ذهب في الاتجاه الخطأ. فبمقدار ما أكد عجز العرب وخوفهم أو عدم قدرتهم على التخلي عن نهجهم السابق الضعيف، وتبني منهج قوي، واتخاذ قرارات جرئية، زاد من اقتناع الاسرائيليين بنجاعة منطق القوة والقسوة والعدوان. وهذا ما يفسر تلاشي اليسار ومعسكر السلام والاعتدال داخل إسرائيل نفسها، والانزلاق المتزايد للجمهور الاسرائيلي إلى سياسة العنصرية المكشوفة والشرعنة العملية نظام التمييز العنصري. لذلك ليس من المبالغة القول بأن قرار مجلس الجامعة العربية قد قربنا من الحرب اكثر مما أبعدنا عنها، وأننا سنكون أقرب إليها بعد مرور الأشهر الأربعة القادمة مما نحن اليوم.

التاريخ يكرر نفسه، قال الفيلسوف الألماني هيجل عن حق. في المرة الأولى على شكل مأساة وفي الثانية على شكل مهزلة، رد عليه ماركس معلقا. لكن قد تكون المهزلة أكثر ايلاما من المأساة نفسها، أضاف إليهما ماركوز، صاحب كتاب "إنسان البعد الواحد". لا أدري في أي مقام من هذه المقامات يندرج وضعنا نحن؟

mercredi, février 24, 2010

محنة العراق بين الطائفية والضحالة السياسية

وغالبا ما تكون الضحية الرئيسية لتقليص الإنفاق الحكومي في الميادين الأخرى لصالح تنمية وسائل الأمن هي ميادين النشاطات التي لا تعطي فائدة ومردودا مباشرين وسريعين. فلا شك أن رشوة الزبائن والمقربين تبدو ذات نجاعة أكبر في منظور هذا الوضع السياسي القائم على مبدأ التنازع على البقاء لا على مبدأ تنمية المنافع المتبادلة لجميع السكان، من أي استثمارات علمية أو ثقافية.

ومن الطبيعي أن تكون قطاعات الثقافة والمعرفة والبحث العلمي هي القطاعات التي تتعرض قبل غيرها إلى الإهمال سواء من حيث الاهتمام السياسي أو من حيث تخصيص الاستثمارات المادية. وهذا ما يفسر، أكثر من العوامل الاقتصادية نفسها، ضعف الاستثمار في البحث وتخبط السياسات التعليمية وضآلة الاستثمارات الثقافية وأحيانا انعدامها. ويكفي لإدراك نتائج هذا الوضع مقارنة حصة المخصصات للبحث العلمي في البلاد العربية مع مثيلاتها في العالم الصناعي - بل حتى في البلدان النامية نفسها من الناتج المحلي. إذ لا يتجاوز نصيب البحث العلمي والتقني في البلاد العربية سوى 2 بالألف من الناتج المحلي مقابل ما يزيد عن 2 بالمئة بالنسبة لمعظم الدول الصناعية ( تتراوح النسبة بين 2.5%- 5.00%). وبالإضافة إلى ذلك، يأتي 89% من الإنفاق على البحث والتطوير في البلدان العربية من مصادر حكومية، ولا تخصص القطاعات الإنتاجية والخدمية سوى 3% فقط من هذه المصادر، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة عن 50%. التقرير الثاني للأمم المتحدة عن التنمية الانسانية في المنطقة العربية 2002

فلا يحرم الفقر الغالبية العظمى من الجمهور من القدرة على النفاذ إلى المعرفة والثقافة فحسب ولكن التدهور المستمر في قيمة مرتبات وأجور العاملين في حقول المعرفة من تعليم وعلم وبحث وتجديد يدفع قسما كبيرا من المعلمين والأساتذة إلى التخلي عن مسؤولياتهم وعدم الوفاء بالتزاماتهم مفضلين استخدام المؤسسات العلمية والتعليمية في سبيل تكوين زبائن لهم وإجبار طلبة العلم على دفع دروس خصوصية كشرط لنجاحهم في الامتحان. مما يشكل بداية فوضوية لعملية تخصيص التعليم والدراسة. بل إن ضعف المرتبات قد جعل بعض المدرسين في بعض الجامعات العربية يقايضون نجاح الطلبة في مادتهم الخاصة بمبالغ معلومة من المال. كما أدى ضعف المرتبات التي يتقاضاها رجال العلم والتعليم إلى تنمية استعدادات عميقة لدى الأطر المكونة العلمية والتقنية إلى الهجرة والبحث في بلاد أخرى عن وسيلة للعيش الكريم. ويكاد العالم العربي يشكل اليوم الخزان الأكبر لأصحاب الكفاءات والمهارات المرشحين للهجرة الدولية بالمقارنة مع جميع المجتمعات الاخرى الكبيرة.

ولا ينجم عن ذلك فقر في الأطر العلمية والتقنية مستمر بالرغم من النفقات المتزايدة في التعليم فحسب، ولا قصور في إنتاج المعارف الضرورية للتسيير الاقتصادي والإداري ولكن، أكثر من ذلك، تراجع إن لم نقل انعدام الطلب الاجتماعي نفسه على المعرفة. فالمعلمون والأساتذة والمدرسون والباحثون والمبدعون على اختلاف أنواعهم لا يملكون بمرتباتهم الضئيلة القدرة على اقتناء منتجات المعرفة ووسائل اكتسابها أو الاستقاء منها، سواء أكان ذلك على شكل شراء السلع المعرفية كالكتب والموسوعات والمؤلفات العلمية، أو على شكل مشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية، أو على شكل اشتراكات في دوريات علمية ومعرفية مختلفة. بل إن معظم العاملين في الحقول المعرفية يضطرون في البلاد العربية إلى القيام بأعمال لا تتعلق باختصاصاتهم الأصلية في سبيل تأمين الحد الأدنى من متطلبات حياتهم اليومية.

وتعمل الإدارة البيرقراطية المرتبطة بالحكم المطلق وانعدام المساءلة والمحاسبة السياسيين والتي سيطرت على الإدارة الاقتصادية العربية لعقود طويلة ولا تزال، في البلدان التي كانت تتبع اقتصاد التخطيط وتلك التي كانت تنتمي للاقتصاد الحر، على إضعاف الطلب الاقتصادي على المعرفة والتجديد العلمي والتقني بقدر ما تدعم اقتصاد المضاربة الذي يستفيد من الصلات الخاصة التي تقوم بين الإدارة ورجال الأعمال لفرض منطق الاحتكار. وحتى عندما توجد قوانين تسمح ببعض المنافسة، كما هو الحال اليوم بعد تطبيق مشاريع التعديل الهيكلي والاصلاح الاقتصادي والانفتاح، فإن فساد النظم المجتمعية والسياسية الذي يتجلى في التفاهم العميق بين النخب السياسية ونخب رجال المال والأعمال يقود إلى تكوين شبكات مصالح قوية تتقاسم المنافع والمصالح في ما بينها على الطريقة المافيوزية. وفي غياب المنافسة النزيهة بين الشركات المنتجة لا يبقى هناك سبب لتنمية الطلب على الخبرة والتقانة، إذ تبقى العلاقات العامة والزبائنية بين رجال الأعمال ورجال السلطة أكثر فائدة من تحقيق أي تقدم في الانتاجية أو في الإدارة الاقتصادية.

ومما يضاعف من أثر هذه الإدارة البيرقراطية على التنمية المعرفية وفرة الموارد الريعية وارتفاع نصيبها في الناتج القومي وفي تغذية ميزانيات الدول معا نتيجة الاعتماد المتزايد على تصدير المواد الأولية واستغلال الثروات الطبيعية. فهي تشجع على استسهال استيراد الخبرة والتقنيات الجاهزة بدل العمل على إنتاجها. كما تشجع على تفضيل الخبرة والتقنيات الأجنبية الجاهزة على التقنيات المحلية التي تحتاج إلى الرعاية والاستثمار الأولى.
هذا هو الثمن الكبير الذي تدفعه المجتمعات العربية نتيجة التمسك بنظم إكراهية وبيرقراطية معا. وإلى هذه النظم يرجع نشوء ما يسميه التقرير بالفجوة المعرفية المتوسعة التي يعرفها العالم العربي بالمقارنة مع التقدم العلمي والتقني في العالم أجمع. وهي فجوة تتجلى في نقص الانتاج العلمي والتقني وتخلف بنيات الانتاج الصناعي والاقتصادي عموما وتدهور إنتاجية العمل وتراجع العائد العام من الاستثمارات. وإليها يرجع أيضا غياب البحث العلمي الناجع وفساد نظم التكوين والتأهيل العلمي والتقني، وفي موازاة ذلك ضياع مفهوم الاتقان نفسه والعمل حسب أصول واضحة أو تغييبه داخل المؤسسات والدوائر الاقتصادية والإدارية، والقبول بمفهوم غير مهني وغير احترافي قائم على مبدأ: مشيها اليوم وغدا نرى، في تسيير الأمور والحفاظ على الأوضاع القائمة. ولا يعني ذلك كله في الواقع سوى قتل روح المبادرة والتجديد والإبداع والتحسيين عند جميع العاملين وداخل المجتمع بأسره.

ويبين نصيب الصادرات عالية التقنية من مجمل الصادرات العربية الموقع الأدنى الذي تحتله منطقة " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، بين مناطق العالم، بما في ذلك مجمل البلدان منخفضة الدخل، في كلا نسبة الصادرات المصنعة (مؤشر على مدى غلبة المواد الأولية في الناتج الاقتصادي) ونسبة صادرات التقانة العالية (مؤشر على مدى كثافة المعرفة في الناتج الاقتصادي).

كما تؤكد المؤشرات الخاصة بعدد براءات الاختراع المسجلة من قبل البلدان العربية ونسبة إنتاج الكتب في العالم العربي درجة التخلف العلمي والتقني للعالم العربي بالمقارنة مع بقية بلاد العالم وموقعه الهامشي في الثورة العلمية والتقنية الراهنة سواء من حيث الانتاج والمشاركة في السوق الواسعة التي تخلقها والتي تشكل أهم سوق متطورة ونشيطة اليوم في الاقتصاد العالمي أو من حيث المشاركة العلمية والفكرية والابداعية. فلا تزيد البراءات المسجلة في أهم وأكبر دولة عربية، مصر، عن 77 براءة خلال الفترة 1980 – 2000 في حين تبلغ في كورية 16328للفترة ذاتها. ولا يتجاوز إنتاج الكتب في البلاد العربية 1,1 من الانتاج العالمي في حين يعد العالم العربي 5 بالمئة من سكان العالم. مع العلم أن نسبة كبيرة من هذا الانتاج مكرسة للكتب الدينية والتراثية.

بيد أن الأثر السلبي الأكبر لفجوة المعرفة لا يظهر للأسف في ضعف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فحسب وإنما يظهر بشكل أكبر وأخطر في عحز البلاد العربية عن إنتاج وسائل دفاعاتها وحمايتها في وجه الاعتداءات والضغوط الخارجية ويحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة في أخطر مواجهة يتقرر فيها مصير المنطقة، أعني المواجهة العربية الاسرائيلية

mardi, février 16, 2010

غليون من نقد الحداثة إلى نقد الإسلاموية

mercredi, février 10, 2010

ساعة الحقيقة وإرادة الحرب

الاتحاد 10 شباط فبراير 10

يوم الأحد، في الثاني من فبراير 2010، وفي الوقت الذي كان الجيش الاسرائيلي يقوم بمناورات في النقب، قيل أنها تحاكي هجوما على الأراضي السورية، حذر وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك من خطر نشوب "حرب شاملة" بين اسرائيل وسوريا اذا لم يتوصل البلدان الى تسوية سياسية بينهما.

وفي 4 من الشهر نفسه، أي بعد ثلاثة أيام، أعلن وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان، ردا على تصريحات مسؤولين سوريين، أن على سورية أن تقبل سلاما مع إسرائيل من دون المطالبة بالجولان، مهددا بأن أي حرب جديدة لن تعني هزيمة سورية وإنما أكثر من ذلك إطاحة نظام حكمها. وقال إنه لا يمكن التسامح مع أقوال وزير الخارجية السورية الذي رد ردا سلبيا على دعوة وزير الدفاع الاسرائيلي باراك لتوقيع اتفاقية سلام مع سورية. وختم حديثه بالقول إن تساهل سورية مع الارهاب يجعلها عضوا في محور الشر. ولم ينس ليبرمان في المناسبة أن يؤكد للفلسطينيين، "فياض" و"أبو مازن"، أن رفضهم الدخول مباشرة في المفاوضات لن يحرمهم من الحصول على دولة في غضون سنتين وإنما سوف يجعلهم يخسرون السيطرة على "يهودا والسامرة" كما حصل لهم مع غزة.

لا يعتقد أحد أن مثل هذه المناورات العسكرية والسياسية والخطابية تحمل خطر تفجير نزاع أو اندلاع حرب. والسبب أن إسرائيل التي تواصل تهويد الضفة الغربية والقدس بصورة منهجية، وفي مأمن من أي نقد أو اعتراض، بعد أن أحبطت مبادرة الرئيس الأمريكي لإعادة إطلاق مفاوضات التسوية السياسية من جديد، ليس لها أي مصلحة في قلب الطاولة الآن. أما العرب فهم في عالم آخر تماما، وفي حالة من التفكك والترهل والانقسام تمنعهم حتى من التفكير في ما يحصل في منطقتهم أو على مستواها العام، وأي خروج من الهجوع القطبي المسمى استراتيجية سلام يحتاج إلى سنوات من العمل المضني للم شتات العرب والتوفيق بينهم وبث الحياة فيهم وإقناعهم بوجودهم كطرف سياسي أو عسكري قادر على التفكير والتقرير والمبادرة الجماعية. بينما ليس من الوارد ولا الممكن ولا المحتمل أن يفكر أي طرف منهم على حدة باستراتيجية مواجهة منفردة مع إسرائيل، وليس لأي منهم مصلحة في ذلك. أما الكتلة الغربية، الأمريكية الأوروبية، التي لا تزال تحتكر القرار الدولي في ما يسمى بالشرق الأوسط وتصوغ أجندة المنطقة السياسية، فهي أبعد الأطراف عن الرغبة في التورط في الحرب. وربما لم يكن هناك هدف آخر للانتشار العكسري الواسع الذي قامت به واشنطن في الشهر الماضي في المنطقة سوى قطع الطريق على احتمال نشوء أي توتر أو نزاع أو حرب. وقد فسره العديد من المحللين الاستراتيجيين عن حق بأنه تعبير عن تسليم الولايات المتحدة بالأمر الواقع الذري الايراني، وأن ما تفعله لا يعدو أن يكون تطمينا لحلفائها وسعيا إلى بناء حد أدنى من التوازن الاستراتيجي مع ايران.

إذن ليس هناك بالتأكيد حرب قريبة عربية اسرائيلية. لكن كل ما تقوم به إسرائيل منذ استلام نتنياهو السلطة في تل أبيب هو في المقابل تاكيد لإرادة الحرب.

وبالرغم من محاولة رئيس الوزراء الاسرائيلي الأخيرة طمأنة سورية بعد تصريحات وزير خارجيته النارية، ودعواته المتكررة للاسد من أجل استئناف المفاوضات، وعدم الكلل من تأكيد سعي اسرائيل للسلام والمفاوضات مع دمشق من دون شروط، لم يقم وزير الخارجية الاسرائيلية إلا بالتعبير بصوت عال عما يفكر فيه القادة الاسرائيليون الحاليون، وربما أغلبية النخبة الاسرائيلية، بصوت منخفض حتى لا يسمعهم أحد. فجوهر السياسة الاسرائيلية كان ولا يزال، هضم الأراضي المحتلة في فلسطين وسورية معا، أما الحديث عن السلام والمفاوضات فهي وسيلة لكسب الوقت وتخدير الرأي العام العالمي.

وليست تصريحات ليبرمان هي التي فضحت ذلك وإنما أفعال القادة الاسرائيليين جميعا من كاديميين وليكوديين. يكفي من أجل إدراك ذلك التدقيق في مسار التفاوض العربي الاسرائيلي المستمر من دون ثمرة منذ عقدين. فكلما وصلت المفاوضات إلى نقطة حاسمة وأعتقد الجميع أن الهدف أصبح في متناول اليد، لا يعدم الاسرائيليون وسيلة لإجهاضها أو دفعها إلى الانهيار. أما هذه المرة التي بدا فيها رئيس الدولة الكبرى الحامية لاسرائيل والمنافحة عنها حاسما في بحثه عن الخروج بنتيجة من المفاوضات، عمل الاسرائيليون المستحيل من أجل تقويض انمبادرة من الأساس. ففي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي ضرورة وقف الاستيطان نشرت الحكومة الاسرائيلية خططا جديدة لتوسيع الاسيتطان في القدس والضفة الغربية. وكلما حاول الامريكيون والاوروبيون رتق الخرق عاد الاسرائيليون لتوسيعه بمبادرات مناقضة. وفي الوقت الذي لا يكف فيه الأوروبيون والأمريكيون عن العمل لإطلاق مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة بهدف تشجيع دمشق على الابتعاد عن طهران، لم يجد الاسرائيليون أفضل من تنظيم مناورات عسكرية تمثل هجوما على سورية ثم التهجم على الرئيس السوري نفسه وتهديده لقطع الطريق على أي أمل في بعث مفاوضات السلام.

في اعتقادي أن مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهذه هي حسنتها الرئيسية، أوصلت المفاوضات العربية الاسرائيلية إلى نهاية المطاف عندما أعلن أكبر مسؤول أمريكي أنه يريد لهذه المفاوضات أن تحرز نتيجة ملموسة وتنتهي بولادة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وقد وجدت إسرائيل نفسها أمام تحد حقيقي هو الاختيار أخيرا، وبعد مماطلة وتهرب داما عقودا، بين الالتزام بخوض مفاوضات سياسية جدية أو تمديد الوضع القائم، فاختارت من دون تردد وبغطرسة أساءت لأعظم حلفائها، الحل الأخير. ومعنى هذا الخيار، كما عبر عن ذلك ليبرمان عن حق، أن تل أبيب لن تقبل بتسوية تعيد بموجبها الأراضي العربية المحتلة لأصحابها، لا الجولان ولا الأراضي الفلسطينية.

في هذه الحالة لم تبق تل أبيب للعرب خيارا إلا القبول بالاستسلام أو الاستعداد للحرب. فبقاؤهم مكتوفي اليدين بينما تواصل اسرائيل تهويد الاراضي والقضاء على أمل استعادتها بالطرق السياسية، يعني بوضوح تسليمهم بالأمر الواقع، أي بإملاء إسرائيل إرادتها على المنطقة والتحكم بعد ذلك بكل ما يجري فيها، بما في ذلك تعيين الأنظمة وتغييرها، كما عبر عن ذلك من دون تورية ليبرمان. وثمن القبول بمثل هذا الإملاء سيكون أكبر بكثير، ليس بالنسبة للسلطات والنظم التي تحتل إسرائيل أراضيها فحسب، ولكن للدول العربية بأكملها، بل ولدول المنطقة الأخرى غير العربية، من أي حرب. ولأن إسرائيل تعرف أنها توجه اليوم تحديا للعرب لا يمكن السكوت عنه، فهي معنية، لردعهم عن التفكير بأي تراجع عن خياراتهم السابقة كرد فعل، بأن تسمعهم قعقعة السلاح وجاهزيتها العليا للقتال في أي وقت.

وأخشى أن لا يكون قد بقي للدول العربية، بعد تقويض إسرائيل أسس أي محادثات سلمية، خيار آخر، إذا أرادوا الحفاظ على صدقيتهم وهيبة سلطاتهم، أمام أنفسهم وشعوبهم والرأي العام العالمي، ولم يقبلوا التسليم لاسرائيل باحتكار قرار المنطقة وتحديد اجندتها، سوى العودة الأليمة للحرب. وأنا أعرف أن مثل هذا الخيار لا يقل، في حالتهم اليوم، مرارة عن تجرع كأس السم.