lundi, janvier 09, 2006

مسارات الجزيرة ج3 العرب والحداثة الغربية

سماع الجزيرة
ShowMedia/showMedia.aspx?fileURL=/mritems/streams/2006/1/9/1_589446_1_13.wma
غليون.. العرب والحداثة الغربية ج3

مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيف الحلقة: برهان غليون/ أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون
تاريخ الحلقة: 9/1/2006
- الثقافة السياسية العربية- الحداثة من منظورها العربي
مالك التريكي: يرى مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في باريس برهان غليون أن المضمون الأساسي للتاريخ الحديث عند جميع الأمم هو انخراطها في عملية التحديث وسعيها الناجح أو المخفق إلى استيعاب الحداثة سواء من حيث هي وسائل إنتاج أم نظم سياسية أم قيم إنسانية ويعتقد برهان غليون أن المشكلات الأساسية في المجتمعات العربية أن هي ناجمة عن الأخذ بحداثة رثة استعمالية واستهلاكية ومن مظاهر هذه الحداثة الممسوخة أن الثقافة السياسية لدى الشعوب العربية قد أصبحت تُستَخدم عاملا تفسيريا بل وسلاحا تبريري لاستمرار الاستبداد وذلك بزعم أن الثقافة الشعبية لا تقتضي الحرية ولا تشعر أن بها حاجة إلى الديمقراطية.
الثقافة السياسية العربية
برهان غليون- أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون: هذا اللي بيدفع.. بيجعل بعض النخب الحاكمة تقول إنه أنتم تتحدثون هذه مطالب مثقفين، أنتم تريدون الحرية لكن شعبي يريد الخبز وهذا ليس خطأ الشعب.. القيم الرئيسية التي تحرك الشعوب العربية هي قيم لأنه يعيش في ظروف اقتصادية سيئة جدا هي ظروف مادية، الإنسان قبل ما يحلم بالحرية.. حرية التعبير وخاصة هو لا يعبر عن شيء وليس لديه شيء يعبر عنه بسبب أيضا فقر الثقافة وفقر التربية الثقافية والفكرية فصحيح أنه مطلب الحرية ليس مطلب أولي في الثقافة السياسية العربية كما هي موجودة اليوم على الأقل عند الرأي العام لكن أنا بدي أميَّز بين نوعين من الثقافة السياسية.. فيه ثقافة سياسية يعني مجموعة القيم العميقة التي تحرك الرأي العام، الإنسان العادي، العربي العادي وفيه ثقافة سياسية بمعنى الثقافة العالمة، الثقافة المنظمة، الثقافة الفكرية، الفكر السياسي اللي يحرك النخب..
مالك التريكي: ثقافة النخبة.
برهان غليون: وهذا له تأثير كبير لأنه يؤثر على السياسي، يؤثر على المناضل الإداري، يؤثر على النخبة اللي بدها تسيير البلاد فبالتأكيد أنه ثقافتنا السياسية على مستوى الرأي العام يعني العامة هي ثقافة مازالت كثير مرتبطة بخمس قرون من السيطرة أو أكثر من السيطرة السلطانية التي كانت تقوم على تعقيم الوعي السياسي عند الناس.. ممنوع حدا يتكلم بالسياسة وعلى كل لم يكن لم تكن السياسة موضوع شعبي في ذلك الوقت لكن كان فيه قهر للفرد وكان فيه تربية تمحو الشخصية وتنمية تمحو.. تربية تمحو الإرادة وتراهن على الاندماج الأعمى للفرد بالقبيلة بالعشيرة بالطائفة بالطريقة الصوفية فنحن ليس لدينا ثقافة فرد بمعنى أنه مشكلتنا الرئيسية عند العامة هو أننا ليس لدينا ثقافة فرد وعندما أقول ثقافة فرد ما بأحكي عن الأنانية والفردية مالها علاقة أيضا، فيه ناس يفكروا.. إطلاقا بهذا الموضوع، الفرد بمعنى كل إنسان يشعر كما قلت باحترام نفسه، بمسؤوليته، بكونه عضو فاعل ومشارك في مصير في الجماعة وهو ليس إمعة.. الفرد عكس ما نسميه باللغة العربية إمعة يعني تابع لغيره، يمشي وراء الآخرين ويقلدهم وليس له رأي ولا موقف.
مالك التريكي: والغريب أن هنالك حديثا مشهورا.. حديثا نبويا شريفا للرسول صلى الله عليه وسلم أنه ينصح أصحابه من المسلمين ألا يكون أحدكم كالإمعة.
برهان غليون: تماما ولكن المسلمين تحولوا بسبب النظم السلطانية القهرية اللي هي مبنية على القهر حقيقة وإلغاء التفكير النقدي وإلغاء الفردية إلى إمعات، يعني حولوا مجتمعات كاملة إلى إمعات ونحن نشاهد هذا يوميا أمام أعيننا اليوم كيف تحول النظم الراهنة الناس إلى إمعات، عندما أمنع الناس من التفكير، من التنظيم السياسي، من الكتابة، من التعبير عن الرأي، من المشاركة في وسائل الإعلام، عندما أفرض عليهم الصمت المطلق إذا كانوا مخالفين إلا إذا كانوا يريدون التصفيق للحاكم وللحزب الحاكم إلى آخره، عندما ألغي حتى منتديات صغيرة يجتمع فيها عشرات وأحيانا أقل من المثقفين في منزل وفي صالون أو منزل خاص من أجل تبادل الرأي حول ما يجري في البلاد.. عندما أمنع كل هذا أنا أحول الناس لإمعات، أطلب منهم ألا يفكروا.. أنتم ليس عليكم أن تفكروا.. هناك زعيم ملهم..
مالك التريكي: يتولى مسؤولية التفكير.
برهان غليون: هو يتولى التفكير ويتولى القيادة ويتولى العمل مكانكم وبالحقيقة نحن خلقنا شعوب ومجتمعات عاطلة فكريا ولأنها عاطلة فكريا وعاطلة سياسيا ستكون عاطلة عن العمل أيضا، نحن يعني نعيش أكثر الشعوب تعاني من البطالة.. العطالة والبطالة الاقتصادية اليوم لأنه قتلنا شعوبنا فعلا عندما قتلنا كل فرد، شعور كل فرد بذاته كفرد فاعل مسؤول حر قادر مشارك، هذه على المستوى العام ينبغي النقاش فيها على مستوى يعني الثقافة العامة موضوع أساسي يستحق التحليل والتفكير من قبل المثقفين، الآن على مستوى الثقافة العالمة اللي سميتها العالمة اللي هي الثقافة النظرية.. بالحقيقة حتى اليوم عندما يفكر الإنسان بالكتب التي.. السياسية التي تربي المجتمع والنخب على الديمقراطية أو على رؤية سياسية جديدة أو على مضمون القيم الحديثة السياسية.. قيم الحداثة السياسية، مهم نشوف في مؤلفات كثير يعني في بعض المؤلفات اللي هي تلخيص لأفكار غربية مفكرين غربيين لكن تفكير عميق من قِبلنا نحن كعرب بمسائلنا مش موجود والحقيقة الثقافة هي مرتبطة بالتجربة مثل البحث العلمي البحث العلمي ما ممكن أنا أخترع نظريات إذا ما كنت عم بقوم ببحث علمي ولا يمكن أن نخترع لثقافة سياسية نظرية حديثة عميقة إذا لم نمارس نحن تجربة ديمقراطية حديثة..
مالك التريكي: تراكمية.
برهان غليون: تراكمية وفقرنا بها الموضوع هو سبب فقرنا في الممارسة الديمقراطية أيضاً على مستوى مجتمعاتنا لذلك أنا أعتقد إنه هذه الصعوبة اللي تواجهنا واللي بتلقي مسؤولية كبيرة أكثر من أي يمكن منطقة أخرى على عاتق المثقفين الديمقراطيين واللي عندهم شعور بمصير يعني بدورهم في مساعدة مجتمعاتهن على التقدم، ربما تبدأ ثقافتنا السياسية اليوم.. نحن نبني ثقافة سياسية جديدة، ليس لدينا ثقافة سياسية نظرية حقيقة، لدينا الفقه السياسي القديم اللي لا يفيدنا اليوم في سيئ لكن ثقافتنا تبدأ اليوم الحديثة من نقد الاستبداد ونقد النظم الشمولية ونقد الممارسات القمعية القائمة في المجتمعات العربية وأعتقد إنه إذا كان في شيء حدث بالمجتمعات العربية في الخمسة عشر أو العشرين سنة الماضية وإيجابي ويستحق الذكر هو بروز وانبثاق هذه الروح النقدية العميقة.. هذا الفكر النقدي العميق فيما يتعلق بالوضع السياسي العربي، أعتقد إن هذا أكثر وجه إيجابي وبراق اليوم من الفكر العربي هو نقد تجربة الدكتاتورية لأنه عشناها ونحن نقدم الكثير في هذا الموضوع لأنه عشنا وعانينا وأنا لازلت مصر على أنه الفكر مرتبط بالمعاناة يعني ليس هناك فكر عميق بدون معاناة عميقة وأعتقد إن شعوبنا عانت..
مالك التريكي: الكثير.
برهان غليون: وربما ستعاني الكثير من القهر ونظم القهر الراهنة وهذه بداية بناء الفكر السياسي والثقافة السياسية العربية الحديثة.
مالك التريكي: ولذلك سميت أزمة الدولة العربية بمحنة الدولة العربية.. استعمال كلمة المحنة له مدلول وتتصور أن ما يُنتَج الآن فكرياً في هذا المجال.. مجال نقد الاستبداد سيؤدي إلى إنتاج نصوص تأسيسية يكون لها دور في تكوين الثقافة الشعبية مثلما كان مثلاً لجون ستيوارت ميل وكتابه الشهير (On Liberty) لتوماس بين وألكسيس دي توكفيل وتكوينهم للثقافة السياسية الشعبية في الديمقراطية الغربية.
برهان غليون: أنا أعتقد أن نقد الاستبداد يفتح مباشرة على مفاهيم جديدة هي المواطنية.. هي الحرية اللي تجاهلناها خلال فترة طويلة أو اعتبرناها قيم ثانوية على قيم السيادة الفرد، الشعور بأن هو سيد مصيره وليس إمعة وتابع، على مسالة الدستور، على مسألة القانون، على مسألة العقد الاجتماعي والعقد الوطني.. أنا أسميه العقد الوطني بمعنى مش فقط مسائل تتعلق (كلمة بلغة أجنبية) التقليدي مفهوم جديد، العقد الوطني بمعنى الرؤية الشاملة لمجموعة القيم التي ستحرك هذا المجتمع وتوحده فيما بينه.. فيما بين أفراده فأعتقد إنه نقد السياسي يفتح نقد النظم التسلطية.. يفتح مباشرة نحو بناء ثقافة سياسية إيجابية متعلقة بالديمقراطية والديمقراطية كما نفهمها نحن ونأصلها في ثقافتنا وفي تفكيرنا ولكن في هيك الأساس بتجربتنا من أجلها.. من أجل.. بتجربة النضال من أجل الديمقراطية ستولد نظرية الديمقراطية العربية، ليست لا تقليد للآخرين ولأن نظرية الديمقراطية العربية هي ليست كتالوج للمطالب الديمقراطية أو قائمة مطالب.. نظرية الديمقراطية العربية تعني نظرية إقامة الديمقراطية في وضع اسمه الشرق الأوسط للدول الغربية مصالح كبري فيه، موجود في صراع وطني عميق مع الإسرائيليين ومع أيضاً نظام شبة استعماري يحاول أن يسيطر عليه، مع ثقافة عامة ضعيفة فيما يتعلق بموضوع الحرية، مع نخب أيضاً لا تزال تعيش إلى حد كبير أقدامها مغروزة قدم في الماضي وقدم في الحاضر ولم تستوعب وتستبطن قيم الحداثة كلها، كيف سنحل جميع هذه المشاكل؟ إذا نجحنا في حل جميع هذه المشاكل نوجد نظرية في الديمقراطية العربية، هذه هي النظرية يعني كيف أبني الديمقراطية في هذا الوضع وهذه الظروف الجيوسياسية والسياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، أيضاً لازم ما ننسي دور الريع النفطي في تخريب الحياة السياسية وفي إطفاء وفي إعطاء الدولة أو النخبة الحاكمة قدرة استثنائية على شراء الناس وعلى استتباعهم وعلى بناء أجهزة قمع وسيطرة قوية جداً لسحق أي إرادة تحرر داخل هذه المجتمعات.
[فاصل إعلاني]
الحداثة من منظورها العربي
مالك التريكي: الريع النفطي بما أنك ذكرته هو مظهر من مظاهر الاقتصاد غير الإنتاجي الفسادي والإفسادي وله مظاهر كثيرة في مجتمعاتنا، هذا يندرج في إطار عدم القدرة على هضم الحداثة مما أنتج ما تسميه بالحداثة المشوهة وبقايا حداثة تقضي على إمكانية الدولة، أعمالك في السنوات الأخيرة تتركز على نقد الحداثة ليس من منظور غربي مثلما تُنقد الآن في نظريات ما بعد الحداثة وهذه الموضة والتقليعة لكن من منظور عربي.
"جوهر التحدي التاريخي الذي تواجهه المجتمعات وخاصة العربية هو استيعاب التقدم التكنولوجي والعلمي والأخلاقي الذي نشأ مع الحداثة"برهان غليون: يعني أنا برأيي إنه جوهر التحدي التاريخي اللي تواجهه المجتمعات كلها والمجتمعات العربية كجزء منها هو استيعاب التقدم التكنولوجي والعلمي والأخلاقي إلي نشأ مع الحداثة، استيعاب الحداثة واستبطان الحداثة هو إلي يجعلنا نكون داخل العصر وليس خارج العصر وليس على هامش العصر وإذا بقينا على هامش العصر فلأنه لم نستوعب المكتسبات العلمية والتقنية والأخلاقية والسياسية التي أتى بها العصر، الآن أنا قلت إنه من دراسة ما حصل حتى منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم واضح إنه نحن لم نفهم من الحداثة إلا الطابع الأداتي لها ما يقال الأداتي يعني كأدوات وحتى إذا بدنا نرجع لأسئلة الريع وتوفر الريع عندنا صار يصورنا صرنا نشوف الحداثة من منظور اللي يسموه باللغات الأجنبية (Gadgets) يعني هي شراء شغلات غريبة.
مالك التريكي: آخر مقتنيات التكنولوجيا الترفيهية.
برهان غليون: لكن عقلنا وقيمنا وسلوكنا وتفكيرنا يبقى مرتبط..
مالك التريكي: في القرون الغابرة..
برهان غليون: وليس في القرون الغابرة إنما متخبط بين الماضي والحاضر يا ريت بقي لأنه لو بقي كما كان فكر أجدادنا كان عنده حد أدنى من الاتساق، ما هو الحداثة المشوهة هي حداثة.. الحداثة الرثة أنا سميتها، هي حداثة لكن هي حثالة الحداثة يعني الحثالة باللغة اللي تبعنا العربية الفصحى تعني ما يتبقى في الكأس من..
مالك التريكي: من أسوأ ما بقى من المشروب أو..
برهان غليون: فهي فعلا نحن أخذنا أسوأ ما بقي ما يمكن أن تعطيه الحداثة الغربية سواء في مستوى السياسة.. مستوى السياسة أخذنا نظم حديثة من حيث المظهر فيها في برلمانات أحيانا حتى النظم الشمولية عندها برلمانات وعند إدارة حديثة وعندها.. وتستخدم التكنولوجيا الحديثة والكمبيوتر بالإدارة لكن ما تفتقد إليه هذه الدولة الحديثة اللي اسمها الحديثة هو علاقتها بالشعب هو إنه الشعب اللي بيحركها، روح الشعب ومبادرة الشعب ومسؤولية الشعب اللي وكل فرد فيه اللي بتحركها الدولة وبتجعلها تخدم مصالح المجتمع ككل هو المفقود فجعلنا هذه اسمها حداثة سياسية منحطة ورثة يعني أداتية فقط تُستَخدم للسيطرة على الشعب بدل أن تكون أداة في تحريره، على المستوى الاقتصادي ما هي نمط الحداثة الاقتصادية طبعا اليوم نحن اقتصادنا لم يعد اقتصاد زراعي تقليدي إطلاقا ولا ببلد عربي.. اقتصاد صناعي في حد أدنى من الصناعات تجاري..
مالك التريكي: خدمات.
برهان غليون: خدمات لكن كله اقتصاد ليس قائم إطلاقا على الإنتاج وعلى قيم العمل وتشجيع العمل وتكوين العمل بتأهيل العاملين من أجل زيادة الإنتاجية والدخول في المنافسة في السوق، نحن يقوم اقتصادنا أنا بأسميه اقتصاد (Speculative) بنقول نحن يعني..
مالك التريكي: مضاربي.
برهان غليون: على المضاربي، المضاربي بكل الميادين والثروات الحقيقة تنشأ بالمضاربي لا تنشأ بالإنتاج، ليس الغني اليوم يعني الملياردير هو اللي قام بصناعة أو أنشأ مصنع فيه إبداع تكنولوجي أو فيه سبق ما بالتنظيم وبالإدارة و(كلمة بلغة أجنبية) حتى جعل منه رائد في ميدان من الميادين وسمح لصاحبه إنه يراكم ثروة كبيرة.. هذا أقل شيء موجود ببلداننا العربية، الذي يراكم.. تراكم رأس المال الراهن ناشئ عن علاقة مع السلطة مباشرة ولذلك نشوف إنه أبناء المسؤولين هم الأغنى هم أصحاب الثروات، انتقلت الثروة خلال الأربعين السنة الماضية من الطبقات الإقطاعية التقليدية اللي استثمرت نفوذها بالأرض وبالدولة من أجل جني رأسمال استثمر قسم منه بالصناعة لرأسماليين إذا شئنا بين قوسين هم أبناء المسؤولين اللي نجحوا عن طريق نفوذهم في الدولة في أن يراكموا كل أو أن يعني يجنوا أرباح هائلة ليست تعبيرا لا عن نجاح تكنولوجي ولا نجاح إداري ولا بذل جهد استثنائي في نقل التكنولوجيا أو في العمل الصناعي، فهذا أيضا على المستوى الاقتصادي أنشأنا نظام قائم على رأسمالية المضاربة ولا يمكن أن يستمر إلا بقدر ما أن هناك ريع طبيعي نستطيع أن نبثه باستمرار في الاقتصاديات الملحية كما لو كان هناك مضخة.. يأتي الريع يدخل في الاقتصاد وبعض المسؤولين أو المرتبطين بالمسؤولين وليس فقط أبنائهم لكن أيضا المجموعات المرتبطة بالسلطة تجني أو تراكم رأسمال جديد، فليس هناك تقدم لا في التكنولوجيا ولا في الإنتاجية ومؤشرات المؤسسات الدولية بتدل على أنه العالم العربي يتراجع معدل نمو الإنتاجية يتراجع في العالم العربي بمعنى يتراجع أيضا التكوين.. التكوين العلمي والتأهيل المهني والتكنولوجي إلى آخره، فهذا هو نمط من الحداثة الرثة، اقتصاد حديث إلي يروح على أي بلد عربي بيشوف أنه نحن لا نختلف عن..
مالك التريكي: كل مظاهر الحداثة موجودة.
برهان غليون: لكن رثة، مدننا مدن حديثة، بناء حديث، لكن روح الشعب بالي بتسير البلديات وتنظم الأمور وتساعد المواطن وتخلق له فرص ليكون سعيد في المنطقة إلي هو عايش فيها غير موجود فالمدن أصبحت نوع من إلي يسموه هنا مدن صفيح حتى المدن الكبرى هي مدن صفيح لأنه مثل.
مالك التريكي: تريف المدن.
برهان غليون: تريف ما فيها روح ما فيها الصلة ما في مواطن فيها ناس كل واحد يبحث عن بوسائله الخاصة بطريقته الخاصة وحسب قوته عن مورد يعيش فيه والضعيف يموت في المدن.. يموت حتى إذا بده يشتري عنده دكان حاجة إذا كان طفل صغير ممكن ينتظر خمس ساعات لأنه الآخرين يجيؤوا ويدوسوا عليه ويمدوا أيدهم من فوق رأسه ويأخذوا وهذه حصلت مرتين ثلاثة حاولت إنه تنرفزت عشان أعطي درس إنه في طفل عم ينتظر صار له ساعتين وما حدا يشوفه ولا..
مالك التريكي: غريب أنك تذكر هيك لأن هذا يذكرني طبعا بقصة ربما ليس لها ارتباط مباشر لكن يذكرني بقصة النبي موسى عندما هجر مصر وذهب إلى مدين ووجدت أن هنالك فتاتين تريدان أن تسقياه ولا تستطيعان أن تسقياه لأن الراجل يأتون يستسقون من البئر ولا تستطيعان أن تستسقيان فسقى لهما موسى، لها معنى أخلاقي في مبدأ الحضارة.
برهان غليون: مبدأ القوة، مجتمعات قائمة على القوة يعني قائمة على مبدأ القوي يأكل الضعيف.
مالك التريكي: ولأن القوي يأكل الضعيف ما تفضلت به عن تجمع الثروات لدى النخبة الحاكمة وما يرتبط بها من شرائح اجتماعية في نقد للمسار التاريخي الغربي.. مسار الحداثة الغربية في المسار التاريخي الغربي كانت الطبقة البرجوازية الإنتاجية التي أنتجت الثروات هي وصلت عبر نخبتها السياسية والفكرية إلى السلطة بينما عندنا أصبح الوصول إلى السلطة هو مفتاح لإنتاج الثروة.
برهان غليون: هو وسيلة طبعا هناك الإنتاج والمصانع والاقتصاد الحي ونجاح الناس في الاقتصاد، ما هو كل المشروع الرأسمالي ناجم عن إنه كيف تنجح أنت اقتصاديا عشان يصير لك مكانة في المجتمع وبالتالي أيضا مكانة في السياسة ومعظم الرؤساء الأميركيين والمسؤولين الأميركيين أصلا آتين من مشاريع رأسمالية من مؤسسات رأسمالية، اللي أنا بدي أقوله إنه الحداثة الرثة شو؟ إنه هي أيضا.. وهذا ذكرته، ضد الحداثة بمعنى ضد القيم العميقة للحداثة، يعني هي المظهر اللي يُستَخدم من أجل تكريس شيء لا له علاقة لا بالقديم يعني ليس له علاقة بثقافتنا نحن لا نعيش فيه وهذا هو اللي أنا أريد أؤكد عليه، ليس له علاقة بثقافتنا وليس له علاقة بثقافة الحاضر عن غيرنا.
مالك التريكي: لكي نشرحها دكتور برهان غليون لكي نشرحها بمثال مثلا من أفكار الحداثة الأساسية هي التعاقد.. مفهوم التعاقدية وليس علاقات القربة مثلا أن الاقتصاد العصري يقوم على التعاقد القانوني وليس على علاقة القربة، نحن نقيم العلاقات القربة والعشائرية والقبلية مقام العلاقات التعاقدية على أساس أن ابن عمي أولى بهذه الوظيفة إذا كان لي مجال لكن أخلاقية التضامن القبلي والعشائري والأسري ليست موجودة مثلا بالمعنى الحقيقي.
برهان غليون: ليس هناك قيم مدنية لكن هناك قيم زبائنية ونحن نعيش على النظام الزبائني..
مالك التريكي: تبادل مصالح.
"الحداثة الرثة هي نقل لشروط حياة جديدة لكن دون محركها الروحي الداخلي الرئيسي، وهي تخلق قيما مضادة للقيم الحديثة"برهان غليون: من فترة طويلة لكن أنا اللي بدي أقوله إنه الحداثة الرثة هي نقل فعلا لشروط حياة جديدة لكن من دون محركها الروحي الداخلي الرئيسي وهي تخلق قيم مضادة للقيم الحديثة، يعني الدولة بدل ما تخلق مواطنيها الدولة الحديثة هدفها تخلق مواطنيها، فرد حر، كل شيء معمول من أجل إنه الفرد يصير سعيد وحر وينبسط بوجوده ويساهم ويشارك، الدولة عندنا صارت موجودة فقط لإلغاء الحرية، هذا الواحد بيشوفه وعشان هيك هي حداثة مضادة وليس فقط مشوهة ويختلف الوضع عن الوقت اللي كنا بعهد السلطان، السلطان كان الناس ما لهم علاقة بالسياسة يعشوا حياتهم إلى آخره لكن هون الدولة تتدخل في حياتهم الشخصية وتتدخل في أفكارهم وتكونهم مش الجامع هو اللي بيكونهم وكل شيخ يُكَوِّن التلاميذ وكما يشاء كما كان في الزوايا والكتاتيب، اليوم الدولة تُكوِّن كل الأفراد يعني في أداة قوية جدا خلقت ظاهرة جديدة.. الحداثة الرثة ولا الحداثة المضادة أنا أسميها، هي نمط جديد وليست لا تقليد للماضي ليست محافظة، نحن ليس في إطار المحافظة ولسنا في إطار الحداثة، هو شيء هجين يعني بنية حديثة جديدة بالأحرى تأخذ من الحداثة أدواتها من أجل أن تحقق عكس أهدافها..
مالك التريكي: لتمسخ..
برهان غليون: حداثة مسخ، هي حداثة مسخ، الدولة لا تنتج مواطنيها وحرية وإنما تنتج العكس، الدستور هو أداة للتسلط وليس أداة لضمان حقوق الأفراد، القانون هو وسيلة بأيد القوي من أجل لأنه بيحسن يرشي ويفسد من أجل أن يُخضِع الضعيف وليس كما هو بالأصل دفاع عن.. القانون هو لحماية الضعيف..
مالك التريكي: ليس حكم العقل بل حكم الطبيعة.
برهان غليون: وليس حكم العقل وإنما حكم القوة لأنه في الماضي كان في حكم الدين لم يكن تاريخ المجتمعات الإسلامية في الماضي يقوم على حكم القوة.. كان قائم على حكم الدين إلى حد كبير.
مالك التريكي: كرادع قوي.
برهان غليون: كرادع الناس مؤمنين والشيوخ والوجهاء والفقهاء يتدخلون في حياة الأفراد وفي كل حي وقرية ففي نظام له اتساقه وله منطقه.
مالك التريكي: معقوليته.
برهان غليون: معقوليته ومنطقه، الآن لا عدنا لنظام القوة، الحداثة المضادة هي حداثة قائمة على تكريس مبدأ القوة يعني مبدأ الطبيعة، مبدأ الضعيف ومبدأ التوحش لذلك أنا أقول إنه نحن ظاهرة من الظواهر المجتمعات اليوم تعيش شروط قريبة جدا من اللي كنا نسميه البربرية الهمجية يعني البربرية بمعنى الهمجية.. الهمجية ليست شيء قديم، الهمجية هي عدم قدرتك على السيطرة على قواعد عمل النظام الراهن حال يصير فيه تخبط واقتتال بدون أي ضابط.
مالك التريكي: يعني حالة الطبيعة التي تحدث عنها توماس هوبز في كتاب (Léviathan) الشهير.
برهان غليون: الإنسان ذئب للإنسان، كل إنسان ذئب للإنسان الآخر، يمكن هذه القاعدة لا تنطبق اليوم على أي مجتمع آخر غير المجتمع العربي، الفرد ذئب لأخيه الفرد الآخر، العربي ذئب لأخيه العربي وهذا ينطبق حتى على العلاقات بين الدول.
مالك التريكي: شكرا جزيلا دكتور برهان غليون على استضافتك لنا في بيتك الفارسي شكرا.
برهان غليون: شكرا.
المصدر:
الجزيرة

mercredi, janvier 04, 2006

موارد التسلطية العربية

الاتحاد 4 كانون الثاني 06
عشية انتهاء الحرب العربية الاسرائيلية عام 1973 كتبت في مجلة "مواقف" مقالا بعنوان عصر الحرب الأهلية، قلت فيه إن نهاية الحرب ضد إسرائيل سوف تكون فاتحة نزاعات عديدة بين الدول العربية وداخل كل دولة عربية على حد سواء. فقد كان يبدو لي أن النظم التي ولدت في حجر الفكرة القومية والوطنية قد تخلت عن كل التزاماتها في ما يتعلق بالبرنامج الوطني الداخلي حتى لم يبق هناك عامل آخر تستند إليه، أو يمكن أن تستند إليه الوحدة الضعيفة والشكلية للشعوب العربية، سوى التفاهم النسبي ضد إسرائيل. وكان يبدو لي أنه، مع تلاشي فعالية هذا العامل، بإعلان انتهاء حالة الحرب وتبني العرب، وعلى رأسهم الرئيس أنور السادات في ذلك الوقت، السلام كاستراتيجية نهائية، لم يبق هناك ما يمكن أن يوقف عملية فرط عقد الأمة العربية إذا لم تبادر النخب العربية إلى إعادة بناء الرابطة الوطنية والقومية على أسس أخرى، ايجابية، أي لا تنبع من التفاهم ضد آخر، وإنما من التعاون بين أبناء الوطن الواحد لتحقيق مشروع أكبر وأعظم من الحرب، أي من أجل إعادة بناء العلاقات الوطنية نفسها على أسس جديدة تضمن الاحترام والعدالة والمساواة بين جميع المواطنين وللجميع أيضا.
من هنا جاءت فكرة كتاب "بيان من أجل الديمقراطية" الذي صدر بعد سنتين من ذلك التاريخ ليشير، في إطار تفسير أزمة الحركة الوطنية/القومية في البلاد العربية، إلى حجم القطيعة التي نشأت بين النخب المحلية وبين الشعوب، وضرورة الخروج من الايديولوجيات الشمولية وتصحيح العلاقة مع المجتمع. هكذا بدت الديمقراطية لي كمخرج من أزمة الوطنية العربية واستباق لحقبة الحرب الأهلية. وكان وراء هذا التحول نحو بناء الداخل الوطني اعتقادي بأن التفاهم ضد إسرائيل قد كسر ولن يمكن إعادة إحياؤه، لأن اهتمامات النخب العربية الحاكمة قد تبدلت ومصالحها ترسخت. بل سيتحول الموقف من إسرائيل إلى منبع خلافات وتوترات ونزاعات عربية عربية، كما حصل بالضبط مع توقيع أنور السادات لاتفاقيات كمب ديفيد وانقسام العالم العربي النهائي وفرط التحالف العربي نهائيا بعد سنة من صدور "البيان".
ماذا نشاهد اليوم؟
لا تزال الحرب الأهلية مستمرة بأشكال مختلفة، ولا تزال المجتمعات العربية تفتقر لمقومات رابطة وطنية حقيقية، أي لا تزال أزمتها الداخلية مستفحلة، وهي التي تدفع أطرافا متعددة فيها إلى البحث عن حلول لهذه الأزمة في العودة إلى النماذج الدينية أو الانكفاء على الأطر التقليدية الطائفية والعشائرية بسبب غياب أفق البديل المواطني الحديث. ولا يزال هناك من يستخدم المقاومة الخارجية والصراع ضد إسرائيل والأمبريالية في سبيل تخليد علاقة الاستعمار الداخلي وإضفاء المشروعية على نمط السلطة الداخلية ذات الطبيعة الاستعمارية حتى لو كانت محلية، أي السلطة التي تدافع عن امتيازات ومصالح استثنائية لا قانونية، عن طريق السيطرة على الدولة وأجهزتها والتحكم بها وتحطيم إرادة المجتمعات وكسرها بالقوة في سبيل فرض الوصاية عليها وحرمانها من حقوقها الطبيعية في التعبير عن نفسها وإدارة شؤونها والمشاركة في صنع مصيرها بيدها. لا يزال هناك من يزين الاستبداد بين المثقفين العرب أنفسهم، ويدافع عن استمراره باسم الوقوف في وجه السيطرة الأجنبية، ولا يزال هناك سياسيون يمارسون الرقابة على الصحف والكتب والإذاعات والتلفزات وعلى ضمير الكتاب والمفكرين باسم النقاء الثقافي والوحدة الوطنية، ويعتبرون وجودهم في السلطة ضمانة لحماية الشعب من مخاطر الحريات الفكرية والمنافسات السياسية.
لكن، ليس للاستبداد المستمر في العالم العربي الآن ومنذ عقود، سبب واحد وحيد، وإنما أسباب ثلاثة متضافرة. الأول هو من دون شك المشكلة الاسرائيلية لما سببته من زعزعة لأسس التفكير السياسي والوطني وما أحدثته من ابتكار في استخدام العنف المنهجي المنظم للقضاء على المقاومات الوطنية وما لقنته للنخب العربية الحاكمة من دروس في كيفية كسر الإرادة الشعبية. فالقهر الإسرائيلي للعرب شعوبا ودولا معا هو الأساس العميق لنظام العنف الشامل الذي سيطر على العلاقات الاجتماعية العربية داخل البلدان منفردة وبين البلدان في ما بينها. ويشكل اليوم ضمان أمن إسرائيل وحماية مشروعها التوسعي سببا للإبقاء على النظم الاستبدادية المأزومة، بقدر ما يشكل ضعفها قاعدة لشل إرادة الشعوب العربية وتحييدها.
والثاني هو الدعم اللامشروط الذي قدمته الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة العربية لنظم العنف الجديدة المتكونة على منوال نظام العنف الإسرائيلي ومثاله. فكما قدم المجتمع الدولي، الذي صاغت شريعته هذه الدول نفسها، الدعم الكامل لاسرائيل في مشروعها لفرض نفسها بالقوة والعنف على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة جميعا، خلال أكثر من نصف قرن، قدم هذا المجتمع نفسه دعما لا يقل عنه شمولا لتلك النظم العربية التي استجابت لمصالحه وقبلت بالعمل ضمن استراتيجيته. وقد شكل هذا الدعم المزدوج وغير المشروط قاعدة موضوعية متينة للتفاهم العملي والتناغم الموضوعي بين العمف الاسرئيلي الموجه للشعوب العربية عموما والعنف الرسمي الموجه داخل كل مجتمع من قبل النخب الحاكمة إلى شعوبها. وخلق هذا العنف المضاعف وضعا استثنائيا في المنطقة أيا وضعا خارجا عن القانون أو معاد للقانون وللقيم الإنسانية. فأصبح العنف، بما يعنيه من قتل وسحل وتطهير عرقي وتمثيل واغتيال وإرهاب، من الأمور الطبيعية والعادية. ولم يعد هناك ما يردع أي طرف من الأطراف القادرة على ممارسة العنف، وفي مقدمها النخب الحاكمة التي تحولت إلى مافيات فعلية، عن استخدام القتل والإرهاب كأداة لممارسة الحكم وإلغاء السياسة لضمان استمرارها بصورة تلقائية.
لكن، وهذا هو السبب الثالث، ما كان من الممكن للاستبداد أن يصل إلى ما وصل إليه من قوة ونفوذ ومقدرة على التخريب والدمار من دون ثقافة الأنانية والاستقالة الأخلاقية والسياسية، والاستهتار بالمباديء والقيم الانسانية، والتعلق بالمصالح الشخصية والعائلية، وغياب الرؤية الجماعية والتاريخية التي سيطرت على المجتمعات العربية الخارجة لتوها من تحت السيطرة الاستعمارية، بعد قرون طويلة من التعقيم الاستبدادي العثماني. فهو ابن الثقافة العربية الضعيفة الراهنة المنقطعة عن منابعها الروحية والفكرية العميقة والمفتقرة في الوقت نفسه للمصادر العقلية النقدية، بمثل ما هو ابن نظام السيطرة شبه الاستعمارية، وربيب التفاهم مع المشاريع الصهيونية والتسهيل لقيام الدولة الاسرائيلية على أرض غريبة وبوسائل إرهابية. فكلاهما، الاستعمار والاستبداد يقتاتان من الحشيشة نفسها ويستخدمان الوسائل ذاتها: القتل والعنف المنفلت في حالة من غياب القانون والاستقالة الأدبية الداخلية والعالمية.
وما دام نظام الاستعمار والاستيطان معمولا به ومشرعا له عالميا في المنطقة العربية، لن يجد الاستبداد صعوبة تذكر في البحث عن حلفاء له فيها ومن خارجها. وسيجد في ثقافة الموت، بما تعنيه من استسهال للعنف من جهة واستبطان لقيم الإذعان والمسايرة والاستذلال والخوف وغياب لأسس الحياة الأخلاقية والقانونية من جهة ثانية، أسبابا كافية للاستمرار والإزدهار.

lundi, janvier 02, 2006

وحش الاستبداد

ملحق النهار 2 كانون الثاني 06

في سياق الرد الحماسي على العنف المنفلت والإبقاء على روح التفاؤل الإنساني، يعتقد البعض أن من الضروري التأكيد دائما على أن استخدام العنف لا مبرر له وانه خطأ يعكس جهل صاحبه. ذلك أن العنف لا يحل أي نزاع، وأن الطريق الوحيدة لإزالة الخلافات السياسية، أو لتحقيق المصالح الإقتصادية، إذا كانت هناك خلافات أو مصالح، هي طريق الحوار. ويقول آخرون إن عمليات القتل تعكس خواء جعبة فاعليها أو الموصين عليها، وانفلات الواقع من سيطرتهم، وسعيهم اليائس إلى الحفاظ على حد أدنى من الصدقية. ويقول طرف ثالث لا يعبر العنف المنفلت إلا عن الانهيار المعنوي لأنصاره وافتقارهم إلى جميع المعايير الأخلاقية والسياسية والقيم الإنسانية. بيد أن القاتل يستهزيء بهؤلاء جميعا، ويرد عليهم بضحكة مدوية ترتطم بكل الجدران، ليعم صداها أركان الدولة وقاعات مجلس الأمن ولجان التحقيق الدولية بأكملها. صرخة تقول: الحقوا بي إذا شئتم. ستتعبون كثيرا قبل أن تمسكوا بي. وما أن تغلقوا النافذة التي يدخل منها الموت، حتى تنفتح أمام أعينكم أبواب لا تحصى. ولعلكم تعترفون في النهاية بعجزكم، وتسلموا بأنه لا توجد إلا طريقا واحدة لوقف العنف هي القبول بالعنف نفسه والتعايش معه. القانون؟ إلعوبها مع غيري.
والقاتل على حق. ليس صحيحا أن القتل لا يفيد في شيء، أو أنه تعبير عن الجهل أو فقدان المنطق والعقل. ولو كان كذلك لما شعر بخطره أحد، ولا أدانه أصحاب القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الدينية. والعنف يغير مصائر شعوب وحضارات بأكملها. والقتل سلاح فتاك ليس بالنسبة للأفراد فحسب، ولكن بالنسبة للجماعات والمجتمعات أيضا. فهو وسيلة لردع الخصم أو الآخر ولي ذراعه، وإن أمكن لإخراجه كليا من ساحة المواجهة والمنافسة الفكرية أو السياسية. ومن الممكن إلغاء فكر بإلغاء شخص، ومن الممكن ترويع شعب بقتل قياداته بحيث يسهل بعد ذلك فرض القيادات المطلوبة عليه، ومن الممكن "تطهير" أرض بإبادة شعب وأخذ مكانه. هذا ما قامت به السلطات الاستعمارية في العديد من الحالات. وهو ما تقوم به الديكتاتوريات التي نجحت بالقتل وتعميم العنف في أن تحافظ على نفسها لعقود طويلة، في بقاع مختلفة من الأرض، وأن تستمر، طالما بقي قادتها على قيد الحياة، أو نجحوا في تجنب الاغتيال.
وفي العالم العربي، هذا ما فعلته ولا تزال تفعله إسرائيل منذ قيامها وحصولها على الدعم الاستثنائي من المجتمع الدولي، أي من الدول الكبرى التي تشكل الأركان الحقيقية لهذا المجتمع، وتقوم بدور الوصاية عليه. وبالقتل وحده نجحت القيادات الصهيونية الطامحة إلى إقامة وطن قومي صاف لليهود في فلسطين على أنقاض شعبها وبالرغم منه، في الانتصار على الفلسطينيين، وفرط عقد اجتماعهم، وتشريد أكثرهم وفرض الإذعان والخضوع على من بقي منهم تحت السيطرة الاسرائيلية. وليس المقصود بهذا الدعم ما حصلت عليه المنظمات المقاتلة اليهودية من عدة وعتاد، ولكن المقصود أكثر من ذلك بكثير، أي التغطية الأدبية، والتهريب من المسؤولية، وتجنيب القيادات الصهيونية المساءلة والمحاسبة ودفع الثمن عن الجرائم المكررة التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين، وفي أحيان كثيرة تحويل الضحايا أنفسهم إلى جلادين مسؤولين عن موتهم هم أنفسهم وتبرئة الجلادين من دم الضحية.
لكن في ما وراء إسرائيل وما حصلت عليه من تغطية وتبرئة من المسؤولية وتجنب العقاب، بسبب التعاطف الواسع الذي حظيت به الجماعات اليهودية التي تعرضت للمذابح النازية، تغطي عملية التهريب من المسؤولية والعقاب قائمة طويلة من الأشخاص والأحداث والأعمال التي شكلت قانون الحياة في المنطقة الشرق أوسطية خلال عقود طويلة ماضية. فالمجتمع الدولي نفسه الذي قدم لاسرائيل دعما لا مشروطا في مواجهتها مقاومة الشعب الفلسطيني ومطالبته بحقوقه، قدم دعما لامشروطا مماثلا للنخب العربية الحاكمة التي سايرت سياساته الإقليمية تجاه شعوبها وحركاتها المطالبة باحترام حقوقها ومصالحها الرئيسية. وقد شكل هذا الدعم المزدوج وغير المشروط قاعدة موضوعية متينة للتفاهم العملي والتعاون الفعلي بين اسرئيل والنخب العربية، وخلق وضعا استثنائيا في المنطقة خارج القانون أو معاد للقانون وللقيم الإنسانية. فأصبح العنف، بما يعنيه من تطهير عرقي وتمثيل واغتيال وإرهاب، من الأمور الطبيعية والعادية. ولم يعد هناك ما يردع أي طرف من الأطراف القادرة على ممارسة العنف، وفي مقدمها النخب الحاكمة التي تحولت إلى شبكات مصالح مافيوية، عن استخدام القتل والإرهاب كأداة لممارسة الحكم وإلغاء السياسة لضمان استمرارها بصورة تلقائية.
ومن هذا الدعم اللامشروط للنخب الديكتاتورية، وغض النظر المستمر عن العنف بأشكاله المختلفة، واستثناء المنطقة بأكملها من حكم القانون، في سبيل التشريع لاغتصاب الحقوق الفلسطينية، سيولد ويترعرع ويكبر وحش الاستبداد الرهيب الذي يخيم بظله اليوم على الشرق الأوسط بأكمله ويحوله إلى منطقة امتهان كرامة لإنسان بامتياز وانتهاك حقه في الحياة كما لم يحصل في أي وقت ولا يحصل في أي مكان.
لكن في ما وراء المثال الاسرائيلي، والدعم اللامشروط الذي قدمه الغرب الامبريالي للنظم المعادية لشعوبها والمفروضة عليها لخدمة المصالح الأجنبية، ما كان من الممكن لوحش الاستبداد أن ينمو ويصل إلى ما وصل إليه من قوة ونفوذ ومقدرة على التخريب والدمار من دون ما سيطر على المجتمعات والأفراد في البلاد العربية، الخارجة لتوها من تحت السيطرة الاستعمارية، بعد قرون طويلة من التعقيم الاستبدادي العثماني، من ثقافة الموت والأنانية والاستقالة الأخلاقية والسياسية، والاستهتار بالمباديء والقيم الكونية، والتعلق الدنيء بالمصالح الشخصية والعائلية، وغياب الرؤية الجماعية والتاريخية. فهو ابن الثقافة العربية الجديدة والضعيفة الفاقدة لمنابعها الروحية والمفتقرة في الوقت نفسه للمصادر العقلية النقدية، بمثل ما هو ابن نظام السيطرة شبه الاستعمارية، وربيب التفاهم مع المشاريع الصهيونية والتسهيل لقيام الدولة الاسرائيلية على أرض غريبة وبوسائل الترغيب والترهيب أيضا. فكلاهما، وحش الاستبداد ووحش الاستيطان والاستعمار يقتاتان من الحشيشة نفسها ويستخدمان الوسائل ذاتها: العنف المنفلت في حالة من غياب القانون والاستقالة الأدبية الداخلية والعالمية.
لم ينهزم الاستبداد بعد، ولم يطح به في أي موقع من المواقع العربية، لأن إسرائيل ومشروعها الاستيطاني الذي يشكل الضرع المغذي للاستبداد والمشتري الرئيسي له معا، لم يضعفا ولا فقدا المبادرة أيضا. ولا تزال الشعوب العربية أسرى نظامي العنف الموصوف هذين. وسيمر وقت طويل قبل أن يدرك الرأي العام العربي بأن الاستبداد ليس إلا الامتداد الحتمي والطبيعي للعنف الأصلي الاسرائيلي وأذرعه الضاربة أيضا. وأن تكسير هذه الأذرع هو المدخل الوحيد لتحجيم المشروع التوسعي الاستيطاني، قبل فرض العودة إلى مباديء الحق والقانون على المجتمع الاسرائيلي والمجتمع الدولي أيضا في منطقة الشرق الأوسط.
لا يزال العنف الممارس ضد الشعوب العربية وضد الأفراد مستمرا في العالم العربي لأنه لا يزال له مردود/ أو لا يزال من الممكن صرفه، بالرغم من كل الإدعاءات وتظاهرات البراءة والتخلي عن السياسات السابقة، في عواصم العالم الرئيسية. والذين يعتمدونه لغة للمخاطبة والحوار لا يفعلون ذلك إلا لأنهم على يقين من أنه لا يزال تجارة رابحة، ولا يزال هناك طلب كبير عليه، لأسباب متعددة، وبأشكاله المختلفة أيضا، من قبل أصحاب القوة والجبروت الذين كانوا لفترة طويلة المدربين والراعين المباشرين للقتلة. ولعل أهم هذه الطلبات يأتي اليوم من حاجة إسرائيل للأمن والسلام الذي لا تؤمنه لها سوى أنظمة استبدادية ليس لأصحابها هم سوى شل إرادة الشعوب التي يسيطرون عليها وليس لهذه الشعوب نفسها خيار سوى الصراع المستمر للتخلص من أنظمتها. هكذا يشكل الاستبداد والعنف المرافق له، بل المكون لجوهره، الوسيلة الرئيسية لتحييد المجتمعات العربية وإخضاعها لحاجات السيطرة الداخلية والخارجية. ولن يتوقف العنف والاستبداد الذي ينتجه إلا بقبول أولئك الذين زرعوا العنف ورعوه ولا يزالون يراهنون عليه بوضع حد لنظام السطو على مصالح الشعوب وحقوقها المشروعة، في المنطقة العربية وفي العالم أجمع.

vendredi, décembre 30, 2005

حِوَارٌ حول العولمة والتغيير السوري مع علاء عبد المولى

حِوَارٌ مع المفكّر السّوري د. برهان غليون
محمد علاء الدين عبد المولى
almoula62@hotmail.com الحوار المتمدن - العدد: 1415 - 2005 / 12 / 30
من نقد المكوّنات السوسيولوجية للإرهابِ إلى نقد العولمة إلى نقد الدولةحاوره: محمد علاء الدين عبد المولى (سورية)
برهان غليون من المفكرين الذين لا يحتاجون إلى تعريفٍ تقليديّ، فهو لمن يهتمّ بشأن الإنسان العربي والعقل العربي والديمقراطية وحقوق الإنسان ونقد الدين والدولة... يجب أن يكون اسماً حاضراً وبطريقة فاعلة تسهم في تقديم أطروحات تستقرىء اللحظة التاريخية التي تعصف بالإنسان، واضعا إياها في إطارها الاجتماعي الثقافي كونه باحثا وناقدا مختصا في علم الاجتماع الذي طوّر برهان غليون من آفاقه وهو في صدد الانشغال بالسياسة كموقف حضاريّ من الإنسان والمجتمع والدولة، وليس كمؤشّرٍ على نظام سياسي ما. السياسة التي يتصدى لها هي الروح العربية وقد تلفت تحت وطأة الاحتلال الفكري الداخلي قبل الخارجي، هي الحرية المفقودة عبر أمكنة الوطن العربي المشتت، والذي دفع من أجلها ثمنا واضحاً يعرفه أصحاب الشأن!.مؤلفاته تشهد على غنى الخطاب الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يشكل مجموع مكونات مشروعه الخاصّ. وهذا واضح من استعراضنا لبعض عنوانات كتبه التي شكلت محطات أساسية – في رأينا – في مساره الفكري. من هذه الكتب:(بيان من أجل الديمقراطية)(المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات)(اغتيال العقل)(نقد السياسة: الدولة والدين)(المحنة العربية: الدولة ضدّ الأمّة)... وله كتابان حواريّان نقديان مهمّان مع سمير أمين (حوار الدولة والدين)و(ثقافة العولمة وعولمة الثقافة)(العالم العربي أمام تحديات القرن 21). وقد صدر له كتابان يتضمن كل منهما حوارا مطولا معه...اعتدنا منذ سنوات أن نلتقي مع د. برهان غليون في مدينته حمص حيث ولد وغادرها في مطلع السبعينيات إلى باريس. وهو يشغل منذ عام 1990 رتبة أستاذ علم الاجتماع السياسي في السوربون حيث درس وتخرّج. إضافة إلى أنه حاليا مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في السوربون كذلك...في آخر زيارة له إلى سورية أتاح لنا إجراء هذا الحوار فكانت الأسئلة التالية:السؤال الأول:أبدأ معك من الموضوع الراهن والساخن (الإرهاب) وحتى لا نكرر أسئلة باتت معروفة هي وأجوبتها أودّ أن تعود بنا كأستاذ في علم الاجتماع (وعلم الاجتماع السياسي خصوصاً) إلى قراءة الأسباب الثقافية والمقدّمات النظرية لظاهرة الإرهاب. تلك الأسباب والمقدمات التي يمكن أن نراها كامنة في تاريخ وتراث أي ظاهرة دينيةٍ. خاصة حيث أننا نطالع في تراثنا الديني نصوصا ومواقف وعلاقات تحتاج إلى إشارات استفهام كثيرة في هذا الموضوع...د. برهان: لا ليس التاريخ القديم ولا الثقافة العربية والإسلامية الموروثة هما اللذان يفسران ظاهرة العنف التي تعرفها المجتمعات الإسلامية اليوم ومنذ عقود قليلة. العنف والإرهاب هما تعبيران عن انحلال منظومات القيم والمعايير والقواعد التي تشكل مدنية كل مجتمع. وتحت الضغط الشديد، المادي والمعنوي، بما في ذلك عنف الدولة أو القوى الأجنبية وما يتبع ذلك من انسداد الآفاق أمام الأفراد والجماعات، على مستوى الحياة اليومية أو العامة والجماعية، تتحلل النظم الاجتماعية وتفقد صدقيتها ويتحرر الأفراد والمجموعات منها أو بالأحرى ينخلعون عنها ولا يبقى هناك معايير للسلوك الجمعي والحفاظ على البقاء بعد انحلال منظومات القيم المجتمعية سوى معيار القوة المادية أي العنف. والإرهاب هو العنف المنفلت الذي يوجهه الأفراد إلى الأبرياء والمذنبين معا من دون تمييز.وليس لانحلال عرى المجتمعات العربية ونظمها القيمية أسباب واحدة ولكنها متعددة. أولها ما تعرضت له الثقافة العربية الإسلامية الموروثة والتقليدية من ضغوط قوية من قبل الثقافة ونظم القيم الحديثة أدى إلى تفجرها وانفراط عقدها، وهو ما نشهده كل يوم منذ قرن ونصف على الأقل. لكن هذا النمط الطويل المدى من الضغوط واكبته ضغوط اقتصادية وسياسية وقومية تاريخية ارتبطت بإخفاقات وهزائم وأشكال متعددة من العجز والمواجهة اليائسة للأجنبي كما واكبته ضغوط أحدث عهدا رافقت عملية توطين الدولة "الوطنية" العربية الجديدة لمرحلة ما بعد الاستقلال واتسمت بالاستخدام المفرط للعنف المادي والمعنوي على المجتمعات لإخضاعها لسيطرة النخب الجديدة ضعيفة المواهب والشرعية معا. لكن الحديث عن الشروط التاريخية، الجيوستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية العامة لانفلات المجتمعات العربية من أنماطها الثقافية القديمة لا يلغي أن للعنف الحديث ثقافته أو نسيجه الرمزي أيضا. لكن ليس لثقافة العنف الحديثة علاقة نسب ضرورية بالعنف القديم الذي كانت تزخر به المجتمعات العربية مثلها مثل جميع مجتمعات القرون الوسطى. إنه عنف جديد وهو يستخدم مصادر لتبرير نفسه مستمدة أيضا من الثقافة العربية أو الغربية الحديثة. إذا كان لا بد من إثارة تساؤل في هذا المجال فلا ينبغي أن يكون حول ارتباط العنف بالإسلام وإنما حول تحويل الإسلام، أعني تدين العرب، الذي اتسم حتى مطلع القرن العشرين بطابع الاتكالية والتسليم والخنوع، من "دين" تسليم واستسلام للقضاء والقدر، أو من الجبرية إلى الإرادوية والقدرية المفرطة التي تريد تغيير المجتمع والعالم بالقوة وتعلن الثورة عليه، بما فيه مجتمع الإسلام التقليدي وعالمه. إن العنف والإرهاب العربي الراهن لا يختلف بشيء عن العنف الذي أفرزته مجتمعات آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا مجددا طوال القرن الماضي. ومصدر العنف واحد هو تخبط المجتمعات التقليدية وتفكك نظمها القيمية تحت ضغط التحولات الدولية السريعة والساحقة أحيانا. وبالإضافة إلى هذا المصدر العام يستفيد العنف أيضا من الأوضاع الاستثنائية التي عاشتها المنطقة العربية في القرن الماضي والتي جعلتها تتخبط أيضا في معركة تحرير واستقلال متعثرة وغير مكتملة بالإضافة إلى تخبطها كغيرها في معركة استيعاب طفرة الحداثة وانفجاراتها المستمرة.السؤال الثاني:أسمح لنفسي أن أتمثّل بفكرة مستمدّةٍ من بعض المفكرين العرب وهي أن هناك إسلاماً نظرياً وإسلاماً تاريخياً. والنمط الثاني هو الإسلام النظريّ متجلّياً عبر الاشتراطات التاريخية، محكوماً بالظروف المختلفة المتقلبة... كيف يرى د. غليون الإسلام الآن ضمن هذه الثنائية بين النظرية والتاريخ الذي حول وأثر في مسار النظرية؟ هل يمكن الحديث عن إسلامٍ قادر على التكيّفِ مع العالم الحديث المتخم بالانفجارات المعرفية الهائلة وأشكال جديدة من أدوات الصراع. وأنت من تحدّثت في (حوار الدولة والدين) – بالاشتراك مع سمير أمين عن سقوط نظرية جمود الإسلام...د. برهان: لا الإسلام ولا أي دين آخر أو تراث حديث أو قديم يستطيع أن يتكيف مع الحداثة أي أن يملك مفاتيح فهمها واستيعابها والتعامل الايجابي معها بشكل جاهز ومسبق. بل لا يمكن حتى لثقافة القرن التاسع عشر الغربية أن تتكيف مع حداثة القرن الواحد والعشرين الراهنة. ونحن العرب أقرب اليوم إلى المجتمعات الغربية المعاصرة في تصوراتنا والقيم التي توجهنا وأنماط الآمال التي تحركنا من المجتمعات الغربية التي عاشت في القرن التاسع عشر.وقصدي أن كل ثقافة هي نمط من الحوافز والدوافع والآمال المحركة والمحفزة ومجموعة من التساؤلات والإجابات الجاهزة التي يقدمها كل جيل حسب ظروفه التاريخية ويحولها إلى نوع من الإشكاليات المغلقة على البيئة التاريخية التي ارتبطت بها. ولا يمكن لأي ثقافة إذا أخذت بهذا المعنى الساكن والمنجز أن تتكيف مع أي تحول كبير أو تجديد. إن الذي يتكيف ومطلوب منه أن يتكيف هي المجتمعات نفسها والأفراد. وبقدر تكيفهم ونجاحهم في انتزاع مكان ودور لهم في عالمهم الجديد يقومون بصورة لا شعورية بتكييف تراثهم الثقافي، أي بتحويل ثقافتهم التي كانوا يحيون بها سابقا إلى تراث منفصل نسبيا عنهم. وهو ما يمكنهم من النظر إليه على مسافة ما وبالتالي إعادة تأويله وتغيير أنماط تمفصل القيم والمعايير والمعاني التي يختزنها. الثقافة هي غير التراث ولا تولد إلا بالانفصال المستمر عنه. وثقافتنا الحديثة العربية تشكل قطيعة مع الثقافة العربية الكلاسيكية والوسيطة معا. وخير مثال على ذلك اللغة التي هي أهم عناصر الثقافة. فلغة العرب المسلمين بما تعنيه من ترتيب للألفاظ والمعاني وأساليب التعبير والإنشاء والخطاب والتواصل والإبداع شكلت قطيعة مع لغة العرب القدماء العاربين، تماما كما تشكل لغتنا الحديثة التي بدأت تتكون منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر قطيعة كاملة مع لغة الحقبة الإسلامية الوسيطة. ومن المؤكد أن أي عربي من القرن الثامن عشر سيجد صعوبة لا حدود لها في فهم لغتنا وفكرنا وفنوننا لو قدر له أن يبعث اليوم. ونحن أيضا لا نفهم ببساطة لا لغة ولا أذواق ولا آداب القرون الوسطى التي نسميها قرون الانحطاط احتقارا لها شكلا ومضمونا.السؤال الثالث:إذا كان سببُ انتشارِ الإسلامِ وتحوُّلهِ ((إلى وعاء لثقافة وحضارة جديدة هو بالضبط غياب النظرة القومية وهو ما سمح له بتجديد الشروط الجيوسياسية لإعادة بناء الدورة الحضارية الاقتصادية والثقافية)) كما تقول في أحد كتبك فهل يريد د. غليون الوصول إلى أن انتشار القوميات في العصر الحديث ثم اضمحلال الهوس القومي سيؤدي إلى أن يمتلك الإسلام من جديد شروط تحوّلهِ إلى ظاهرة تمتلك وتؤسس العالم بصورة مقنعة؟ هل هو قادر على ذلك من حيث المبدأ؟د. برهان: كل همي في كتاباتي عن الإسلام أن أحث القاريء على التمييز بين أمرين. الأول هو أنه لا يوجد شيء إسمه الإسلام ثابت وجامد يشكل ماهية خارج الزمان والمكان ويتصرف فينا ويسمح لنا أو لا يسمح لنا أن نتقدم، وإنما هناك تصورات وأساليب تدين بالإسلام تتفاوت حسب ثقافات الشعوب وتقاليدها وحسب مراحل التاريخ المختلفة ومتطلباتها. ومن الممكن تحت صفة الإسلام شمل سلوكات متناقضة جدا تتراوح بين روحانية الصوفية وتجردهم وهمجية المتشددين الإرهابيين وفظاعتهم. والأمر الثاني هو أنه لا ينبغي لنا أن نخلط بين الإسلام كدين أي كعقيدة وعبادة، وهو ما يؤلف النواة الأصلية والثابتة للدين ويحفظ وحدته واستمراره، والإسلام كثقافة، أي كمنظومة من الأسئلة والأجوبة التي تبلورها حضارة ما في حقبة ما حول نفسها وتشكل من خلالها ذهنية الجماعة وانتظامها الأخلاقي والسياسي. الثقافة تتغير بسرعة ومن دون أن يعي الناس أنفسهم ذلك، وتتغير حتى عندما يتعلق الأمر بالدين، كما يدل على ذلك تعدد التأويلات والتفسيرات والمذاهب الاعتقادية في الدين الواحد. لكن النواة العقدية العبادية ثابتة لا تتغير تقريبا وإذا تغيرت كثيرا حدث الخروج من الدين أو تبديله. سؤالك ينبغي أن يكون إذن: هل تستطيع مجتمعات العرب الراهنة بثقافتها الحديثة الخاصة المشوهة وغير المكتملة وأساليب تدينها المتباينة والمتخبطة القائمة أن تستوعب العالم الحديث وتسير بمواكبة حركة تطوره وتجدده وتقدمه؟ الجواب لا بالتأكيد. ولذلك نحن لا نقوم بشيء اليوم غير نقد ثقافتنا وتصوراتنا الدينية وأساليب عيشنا وحكمنا وإنتاجنا وعملنا. نحن نعرف أن نمط ثقافتنا الراهن الذي يملي علينا سلوكاتنا المتعثرة غير صالح لمساعدتنا على دخول العصر. لكن رمي الأمر على الاسلام كما لو كان عاملا ثابتا قائما خارج عنا هو هرب من مسؤولية مواجهة ثقافتنا الحديثة نفسها التي صغناها، إسلاميين وغير إسلاميين، مصلحين ومستغربين، تابعين وأصاليين، خلال القرن ونصف القرن الماضي. السؤال الرابع:سبقَ وناقشتم بعمقٍ انتقالَ (الطوبى) الإسلامية من كونها طوبى تتغذى منها الجماهير الملتحقة بها إلى كونها طوبى الحرية والعدالة والمساواة والاشتراكية... إلى آخر القيم النبيلة التي تريدون رؤيتها في الطوبى الإسلامية... لماذا قد يتشكّل لدى القارىء إحساسٌ بأن د. غليون يستند في فكرته هذه ـ بشكلٍ أو بآخر - إلى نظرية اشتراكية الإسلام (لا سيّما أفكار الشيخ مصطفى السباعي) التي سادت إبان غزو الاشتراكية الشيوعية أو القومية لمجتمعاتنا؟ هل أنت مؤمن حقاً بأن بعض سياسات الإسلام الاقتصادية (الزّكاة ، الخُمْس) هي مداخل حقيقية محتمَلَةٌ للحديث عن اشتراكية الإسلام؟د. برهان: لا أدري من أين أتاك هذا التصور. لست من الداعين لاشتراكية الإسلام ولا من المتأثرين بها ولست من الذين يقفون ضدها أو ينكرونها. فكما ذكرت ليس هناك من يستطيع أن يقول بالمطلق وبالتأكيد: أصحاب هذا التأويل مخطئون وأصحاب التأويل الآخر مصيبون. إن الإسلام هو هذه التأويلات المتعددة والخصبة التي تدفع إليها الثقافة الحديثة، أي الحاجة إلى تمثل قيم العصر وأفكاره ومفاهيمه وإعادة تأصيلها أو بنائها في فضاء الثقافة المحلية العربية أو الإسلامية. ليس الإسلام هو الحل تماما كما أن الماركسية ليست الحل والقومية ليست الحل والليبرالية ليست الحل. وإذا كانت النظم القومية قد أوصلتنا إلى ما نعرفه من إفلاس وأوصلت النظم الماركسية والشيوعية الدول السوفييتية وغيرها إلى ما شهدته من نكسات وانهيارات فذلك بالضبط لأنها اعتقدت أن الحلول موجودة في الإيديولوجية لا في الإنسان، أي لأنها حولت الثقافة إلى دين والعقل إلى أداة لخدمة السلطة. وهو ما قاد النظم الإسلاموية الأقرب عهدا بنا إلى المأزق ذاته في أفغانستان والسودان وإيران. وعندما أقول أن الحلول موجودة لدى الإنسان فأنا أقصد العقل النقدي والوعي الحي المتيقظ والمرتد باستمرار على نفسه وعلى التجربة. فالإنسان هو الذي يصنع بوعيه الإيديولوجيات وهو الذي يستطيع أن يتحرر منها كما يستطيع أن يحبس نفسه فيها. والمطلوب اليوم هو تحرير الوعي والتحرر من الإيديولوجيات. وهذا ما نسميه اليوم بالعقل النقدي الذي ينبغي أن يحل محل العقل الإيديولوجي الوثوقي. وهو أيضا أساس الحرية.السؤال الخامس:أعتقد أن نظرية العولمة التي باتت شغل المفكرين والاقتصاديين والساسة في هذا الوقت ما هي إلاّ خلاصة نظريات بشرية عبر آلاف السنوات حيث يمكن الزعم أن كلّ نظرية فكرية أو عقائدية دينية كانت تنزعُ بصورة بديهية إلى الانتشار عالميا عبر امتلاك العالم وصياغته وفق استراتيجيتها ومصالحها... (انتقال المسيحية إلى دين عالمي على يد بولس ـ انتشار الإسلام في أصقاع الأرض ـ الماركسية ـ والآن النظام الليبرالي المتطور والمتزامن مع نظام السوق) ألا ترون أن كثيراً من أشكال نقد العولمة الآن هي تعبير عن مخاوف من هيمنة نمط من العولمة على نمطٍ آخر، وليس نقدا باحثاً عن خلاص حقيقي للبشر؟ أي أنها حربٌ بين (عولمات تتصارع على امتلاك العالم). وهذا ما قد نراه أسباباً خفية للحرب بين عولمة إسلامية وعولمة أمريكية... على ماذا يتحارب هؤلاء؟د. برهان: لا ليست العولمة قصة مخاوف وليست قديمة قدم التاريخ ولا هي بنت صراع الثقافات والعولمات. سأعطيك مثالا يقرب المسألة أكثر من وعي القراء. كان العالم يعيش في مناطق متباعدة تفصلها مسافات لا تستطيع وسائل النقل عبورها بسهولة وسرعة. وبعضها كان يعيش في عزلة. لذلك عندما كانت تتطور التجديدات والإبداعات التقنية والسياسية والنظرية في منطقة كانت بحاجة إلى فترة زمنية طويلة حتى تعم البشرية. لذلك كان زمن الحضارات التقليدية زمن بطيء وطويل معا. نشأت الثورة الزراعية الأولى مثلا في بلاد المشرق في الألف الخامس قبل الميلاد وبقيت البشرية تعيش اللحظة الحضارية نفسها حتى القرون الوسطى ونشوء الثورة الصناعية. كان انتقال التجديدات يأخذ زمنا طويلا ولا يسمح بتوحيد مصير المجتمعات ودمجها في نظام عالمي واحد. اليوم عندما تولد تقنية جديدة في أي مجال تجد طريقها إلى المجتمعات الأخرى ويمكن الحصول عليها في اليوم ذاته تقريبا. لم تعد البشرية تعيش في زمن واحد فحسب كما كان الحال في الماضي ولكنها أصبحت تعيش في زمن فوري. كل تحول في العالم مفتوح على العالم بأجمعه وله آثار عليه. كان من الممكن في الامبرطوريات السابقة الوسيطية أن تخوض الدولة حربا على إحدى جبهاتها من دون أن يدرى طرفها الآخر بها، أما اليوم فقد حركت انتخابات رئيس الجمهورية اللبنانية الصغيرة المنظومة الدولية بأكملها واستدعت قرارا من مجلس الأمن. هذه هي العولمة. الكل يعيش مع الكل في مركب واحد وفي اللحظة ذاتها ومن دون قدرة على العزلة والابتعاد.ولذلك ليس من الصحيح الحديث عن عولمة إسلامية وغير إسلامية. فليست العولمة كلمة فارغة. إنها حقيقة موضوعية مرتبطة بالثورة التقنية والعلمية الراهنة وهي تضمن سيطرة من يقود هذه الثورة على المصائر العالمية. ومن هنا ليست هناك عولمات متصارعة وإنما هناك عولمة واحدة باستراتيجيات مختلفة وهناك داخلها أطراف معولمة فاعلة وأطراف معولمة (بفتح اللام) هي اليوم نحن. هناك بالمقابل عولمة وهناك مناهضة العولمة من قبل الأطراف التي تخشى منها على استقرارها أو ترفض الخضوع لقوانينها أو تتضرر مصالحها منها. وحركات الإسلام الراديكالي المحارب هي شكل من الأشكال اليمينية لمناهضة العولمة كما أن المنتدى الاجتماعي العالمي هو شكل من الأشكال اليسارية لمناهضة العولمة ذاتها. والذي يميز حركة المناهضة اليمينية عن حركة المناهضة اليسارية هي نوعية القيم التي توجه مناهضي العولمة وبالتالي الاتجاهات التي يريدون لها أن تكتسبها والأهداف التي يسعون من أجل تحقيقها في نضالهم ضد العولمة.السؤال السادس:تميز د. غليون بين عولمة رجعيةٍ وعولمةٍ أخرى يسارية اجتماعية تحررية. مع أنك تعتبر العولمة ظاهرة حتمية... وفي مكان آخر تتحدث عن يمينٍ فاشيّ ويمين بيروقراطي... ألا يشتمّ القارىء أننا بهذه التقسيمات لم نخرج في العمق من تصنيفٍ تقليديّ ذي منشأ أيديولوجي بحت بمعناه البائد(يمين – يسار – يمين اليسار – يمين اليمين ـ يسار اليمين ...الخ) ما تعليقك إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه أمام دولة القانون التي تدعو – وندعو إليها – يقف الجميع باعتبارهم مواطنين قبل خضوعهم للتصنيف (يمين – يسار وما بينهما) فالحقوق والواجبات والمسؤوليات لا يحدّدها يمين ولا يسار... د. برهان: بالفعل أنا أعتقد أن للعولمة قاعدة موضوعية هي الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات التي عملت على دمج العالم وتكثيف التواصل بين أطرافه. لكن العولمة ليست مجرد قاعدة موضوعية. إنها تشمل أيضا الكيفية التي تسخر فيها القوى الدولية والاجتماعية والشركات الكبرى، أي الفاعلون الدوليون هذه القاعدة ويستفيدون منها. فقوى الرأسمالية الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات تريد أن تستفيد من هذا التواصل والاتصال المكثفين من أجل خلق سوق عالمية واسعة مفتوحة لتبادل السلع والبضائع وبالتالي تطوير المبادلات التجارية وزيادة القدرة على الإنتاج وتراكم رأس المال والأرباح. وهو ما نسميه العولمة على الطريقة الرأسمالية أو العولمة النيوليبرالية. وبالمقابل هناك إمكانية للاستفادة من حركة الاندماج الموسع لزيادة فرص التنمية الاجتماعية والاقتصادية في العالم أجمع، وهو ما يحتاج إلى سياسات لا تستسلم لمنطق الربح والسوق ولكنها تضع ضوابط له بحيث لا يتحول تكوين السوق العالمية إلى وسيلة لإعادة تركيز الاستثمارات والثروات لصالح بعض البلدان وبعض الشرائح الاجتماعية على حساب البلدان والشرائح الأخرى. فالعولمة الديمقراطية تريد أن تستفيد من علاقات الاندماج لتؤكد وحدة المصير العالمي وبالتالي ضرورة الاستثمار أيضا في التكافل والتضامن الدوليين. وهذه مسألة تتعلق أيضا بالاختيارات العقائدية والأخلاقية. وأعود هنا لأقول أننا لا ينبغي أن نقع ضحايا تصنيم المفاهيم. ينبغي دائما أن نبحث في نواحي المفهوم لنرى الفرق بين الاستخدامات المتعددة والمعاني المختلفة التي يتضمنها. ويعني اليمين اليوم في نظري التسليم لقوانين وقوى السوق والطبيعة بينما يعني اليسار بالنسبة لي تدخل الإنسان الفاعل والواعي، من منطلق أنه مصدر لوعي ومنبع لقيم أخلاقية، لإعادة التوازن وتصحيح الاختلالات التي تقود إليها القوى الطبيعية وواقع الممارسة الاقتصادية الرأسمالية القائمة على مبدأ تعظيم الربح. وبالمثل، إن الاعتراف بوجود يمين ويسار وتيارات متعددة عقائدية لا يلغي وحدة المواطنية ولكنه بالعكس أساسها. وتنعدم المواطنية ونقع في الشمولية منذ اللحظة التي نرفض فيها الاعتراف بالاختلافات في الرؤى والمصالح ونربط المواطنية بالتماهي السديمي للجميع مع نموذج مجرد للوطنية اللفظية كما هو سائد عندنا للأسف. إن دولة القانون هي دولة مساواة الجميع أمام القانون لا دولة إلغاء الاختلافات الفكرية والاجتماعية والمادية بالقانون. فالمواطنية تخص علاقة الأفراد مع الدولة، لكن علاقات الأفراد في ما بينهم ومع العالم والطبيعة وما وراء الطبيعة تتجاوز الدولة بما لا يقاس. وهي التي تجعل منهم بشرا مختلفين ومتماثلين قبل أن يكونوا مواطنين. المواطنية لا تتحدد باليمين واليسار أو بأي انتماء عقائدي كان. هذا هو المبدأ. لكن سيكون خطيراً جدا أن تعني إلغاء اليمين واليسار والاعتقادات المختلفة فهذا يعني نفي حرية الرأي والتفكير وتحويل المواطنية إلى عقيدة بديلة عن جميع العقائد الأخرى. وهي ليست كذلك ولا قيمه لها إلا لأنها تضمن التعددية الفكرية والسياسية.السؤال السابع:في كتابك الحواريّ (الاختيار الديمقراطي في سورية) تعلن أن المعارضة السورية التي تستمدّ قيمها من أفكار الاشتراكية حتى قبل أن تعيد تأسيس نفسها وتجدد شبابها هي الوحيدة التي لا تزال تحمل راية الفكر الإنساني وقيم المساواة والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان.يلاحظ هنا أمران: الأول تبنيك لمعارضةٍ ترتكز على الاشتراكية في هذا الوقت من التاريخ تحديداً. ماالذي نجده بعد في تاريخ الاشتراكية من طاقات قادرة على أن تكون محرّكا ملهماً لمعارضة تريد بديلا سياسياً لنظام تاجر بالاشتراكية حتى اعتصر شعبه وثرواته باسم (أهدافنا) و(المجتمع الاشتراكي الموحّد والدفاع عنه) وبقية شعاراتنا الصباحية؟ وما الذي يضمن ألاّ تعيد أيةُ اشتراكية المأساةَ نفسها؟ الأمر الثاني: رؤيتك لهذه المعارضة بأنها الوحيد التي تفعل ذلك هل يعني عدم وجود معارضة لا تؤمن بالاشتراكية وإذا وجدت فأنتم غير مؤمنين بها؟ أليس هذا نوعا من تنميط تفكير المعارضة في نسق فكري معين دون سواه؟د. برهان: أمام تفسخ نظم الحكم التسلطية العربية تنمو أشكال متعددة من المعارضات. فمنها الجهادية (البن لادنية) ومنها الإسلامية المعتدلة ومنها الليبرالية ومنها النيوليبرالية ومنها المرتبطة بأمريكا، ومنها المراهنة على ثورة شعبية عمالية ومنها المعارضة القومية ومنها المعارضة التي أطلقت عليها اسم الديمقراطية. والإعلان عن الانتماء لأي واحدة من هذه المعارضات لا يعني نزع اسم المعارضة عن التيارات الأخرى ولا رفض شرعيتها. إن من الطبيعي أن يختار الفرد نمط المعارضة التي يعتقد أنها تقدم الحلول الأنجع للمشاكل السياسية والاجتماعية والوطنية عموما. لكن لا يمنع الاعتراف بشرعية المعارضات الأخرى من نقدها. هكذا تسير الحياة السياسية. أنا أعترف بأن وراء المعارضات الأخرى وجهة نظر ينبغي احترامها، لكنني أسعى إلى أن أقنع الرأي العام بما أعتقد أنه وجهة نظر أكثر تكاملا وصوابا. ومن دون ذلك لا يمكن أن توجد في أي بلد لا حياة فكرية ولا سياسية. فالاعتراف بالاختلاف شرط للنقاش والحوار لا بديل عنه ولا ينبغي أن يكون سببا أو ذريعة لمصادرته.وفي الكتاب الذي ذكرت كان هدفي المساهمة في بلورة المفاهيم ومنظومات القيم والاختيارات التي تساعد على بناء معارضة ديمقراطية واجتماعية، أي معنية بالشأن الاجتماعي وبتحرير الناس جميعا وليس فئة منهم فقط في العالم العربي وفي سورية خاصة لاعتقادي بأنها الأنجع. هذه وجهة نظر يمكن أن تسود ويمكن أن تبقى أقلية. لا يغير ذلك من تمسكي بها أو من اعتقادي بأنها الأصلح. وتمسكي بها لا يشكل مصادرة على رأي أحد. والمواطن يختار ما يعتقد هو أيضا أنه الأصلح بين وجهات نظر عديدة مطروحة عليه. ويمكن أن يرفضها جميعا.واستخدام النظم المتفسخة لشعارات الحرية والوحدة والاشتراكية وابتذالها لها لا يعني بالضرورة أنه لم يعد لهذه الشعارات وما تشير إليه قيمة وينبغي التخلي عنها. إنها لم تستخدمها كشعارات لنيل الشرعية إلا لأنها تدرك أن وراء تحقيقها مصالح اجتماعية كبيرة. ونحن لا ينبغي أن نرمي الوليد مع ماء الولادة. وإذا تحدثنا عن إخفاق الأنظمة التسلطية وفسادها فذلك بالضبط من معيار أنها لم تنجز الشعارات والمهام التي انطوت عليها: لا الحرية ولا الاشتراكية بمعنى العدالة الاجتماعية ولا الوحدة أو التكتل والاندماج الاقتصادي العربي.السؤال الثامن:ذكرت مرة بأن العالم العربي لم تنشأ فيه بعد حروب دينية بالمعنى الحرفي للكلمة وذلك في كتابك (المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات). الآن كيف تقرؤون واقع العراق بعد الاحتلال من هذه زاوية اللجوء إلى المرجعيات الدينية والإثنية لتخطيط مسار التاريخ والمستقبل ضمن فراغ الحياة من فاعليات مهمّة بديلة؟ ألم يؤدّ ذلك إلى نشوء حرب دينية بمعنى ما؟د. برهان: ذكرت ذلك في الكتاب في معرض تفسير الظروف التي جعلت ظهور مفهوم العلمانية متأخراً وضعيفاً في الثقافة العربية. لكن القول بأن العالم العربي لم تنشأ فيه حرب دينية في القرون الوسطى مقارنة بأوروبة لا يعني أنه لن تنشأ فيه ولا يمكن أن تنشأ فيه أبدا. فالمجتمعات العربية ليست محصنة بالطبيعة ضد أي مرض أو انحراف أو كارثة. ومع ذلك لا أعتقد أن ما نعيشه اليوم في العراق هو حرب دينية بين سنة وشيعة. هناك تمايزات وتنافسات طائفية طبيعية على السلطة. لكن ليس هناك حرب دينية. وأعتقد على جميع الأحوال أن التاريخ تجاوز مرحلة الحرب الدينية لأن الإيمان الديني أو العبادة لم تعد هي محرك الصراع الأقوى بين البشر أفرادا ومجتمعات. والصراع الطائفي في نظري ليس حربا دينية ولكنه حرب دنيوية هدفها اقتسام الثروة والسلطة لا نشر الدعوة والعقيدة ولا الموت في سبيل الله. والحروب والنزاعات الطائفية موجودة عندنا بالتأكيد. لكنها لا علاقة لها بما ذكرت في الكتاب عن الحروب الدينية. إنها جزء من الحروب السياسية الحديثة أو شكل من أشكالها المقنعة والمراوغة.السؤال التاسع:بعد سقوط التمثال (بدلا من استخدام تعبير سقوط بغداد) كيف تحلل ما جرى من زاوية تآكل نظام سياسي قومي بعثي يريد في (مكان آخر) أن يتمسّك بآخر ما يمكن من نقاط ارتكاز واهية؟ وما سبب هذا الامتناع على التغير فيما تبقى من نظام قومي ربما لم يمتلك القدرة على قراءة اللحظة الراهنة المصيرية؟ وأين أصبحت فكرة (الدولة ـ الأمة) في هذه اللحظة الغامضة من تاريخنا؟ د. برهان: ليس النظام البعثي في أي بلد تجسيدا لمفهوم الدولة الأمة. وزواله أو تفسخه وفساده لا يعكس فساد هذا المفهوم ولا بالضرورة مفهوم القومية حتى لو نسب نفسه للفكر القومي. إن الدولة الأمة مفهوم حديث لم تعرفه المجتمعات العربية لأنه لم توجد عندنا دولة أمة ولكن دولة العشيرة أو الطائفة أو الطبقة أو الحزب. وهو ما أشرت إليه في كتاب المحنة العربية، الدولة ضد الأمة.أما مقاومة التغيير التي يبديها النظام البعثي فهي نتيجة طبيعية لتوازن المصالح الذي نشأ على أثر استقرار السلطة لأربعة عقود بين يدي النخبة نفسها وانعدام أي آليات تداول عليها أو مراقبتها أو محاسبتها أو تقييدها. ومن الطبيعي أن يرفض أصحاب هذه النظم والمستفيدون منها، وهم طبقة واسعة اليوم، التنازل عن سلطة تجعل منهم آلهة بالمعنى الحرفي للكلمة وتخولهم جميع الحقوق على شعوبهم، أي تضع تحت تصرفهم ملايين من العبيد الذين يعملون لحسابهم ليل نهار ولا يطلبون منهم شيئا غير قوتهم وقوت أبنائهم. لماذا تريد لهؤلاء أن يكونوا مع التغيير أو أن يتعاملوا بمفهومه ويعرفون معناه. إن المحافظة والجمود والتشبث بالمواقع واستنساخ الرؤساء واجترار الألفاظ والكلمات والشعارات نفسها هو سياسة قائمة بذاتها لإعادة إنتاج الوضع القائم في الذهن والواقع معا. السؤال الحقيقي هو لماذا لا يخرج العبيد عن صمتهم ولا يثورون على شرطهم غير الإنساني وغير التاريخي معا.محمد علاء الدين عبد المولى

مفاوضات هونكغ كونغ ومأزق العولمة الليبرالية

الوطن30 ديسمبر 06

بدأت في هونغ كونغ منذ الخامس عشر من الشهر الجاري أعمال المؤتمر الوزاري السادس لمنظمة التجارة الدولية بحضور ممثلين عن 149 دولة عضو من بينها 11 دولة عربية. ومن الواضح، كما ذكر جوزيف ستيغليتز، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد العام 2001 ومؤلف كتاب «تجارة عادلة للجميع»، «ان الدول النامية، والدول العربية من بينها، ليست في موقع جيد لعقد صفقة تجارية رابحة مع الدول الكبرى الصناعية». فلا يمكن للمفاوضات التعددية المستمرة منذ سنوات طويلة أن تخفي واقع أن خريطة توزيع القوة والقرار في حقل العلاقات الدولية تعمل لصالح الدول الصناعية الكبرى وتحرم البلدان والمجتمعات الصغيرة من أي قدرة على التأثير على صوغ برنامج العولمة الراهنة. وبالرغم من أن سيطرة الدول الصناعية الرئيسية على المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة التجارة العالمية، ناهيك عن الأمم المتحدة، لم تعد سيطرة مطلقة، وهي في سبيلها إلى التراجع، إلا أن ترهل الكتل الدولية التقليدية التي كانت تعبر عن مصالح الدول النامية، كحركة باندونغ وعدم الانحياز ومجموعة 77، والوحدة العربية والوحدة الأفريقية وغيرها من التجمعات الإقليمية، بالاضافة إلى تشتت رأي البلدان الصغيرة وحاجتها الماسة إلى معونات الدول الأخرى، تمنع المجتمعات الفقيرة من بلورة استراتيجية عولمية بديلة عن الاستراتيجية الليبرالية السائدة التي تستجيب لمصالح الدول الصناعية الرئيسية. وغياب مثل هذه التكتلات العالمية الكبرى المجسدة لمصالح المجتمعات الفقيرة والقادرة على بلورة أجندة عولمية بديلة هو الذي يحكم على مفاوضات منظمة التجارة العالمية بالفشل في التوصل إلى حلول جديدة وتمديد العمل بالصيغ التقليدية التي تفتح أسواق الدول الكبرى على مصراعيها أمام انتقال الرساميل والخبرات والعقول المبدعة والبضائع والخدمات التجارية وتغلقها أمام انتقال اليد العاملة والمنتجات الصناعية والزراعية للدول النامية.

لكن ليست السياسات الانتقائية في مجال فتح الأسواق وبناء السوق العالمية هي التحدي الوحيد الذي يواجهه الدول النامية في المفاوضات الدولية التي تسيطر عليها الأجندة الليبرالية. فلا يقل تحديا عن ذلك الرؤية المبتورة لعملية بناء هذه السوق نفسها والتي تفصل مسألة تحرير التجارة العالمية عن أي مسألة اجتماعية وسياسية وثقافية من منظور أسبقية المنطق الاقتصادي في إعادة تنظيم العلاقات الدولية، وقدرته على تحقيق الانسجام الطبيعي والتلقائي بين مصالح الجماعات والشعوب. وهو ما يتجلى في المطالبة بتعميم سياسات التخصيص والاصلاحات الهيكلية التي تتوافق وجذب الاستثمارات وتنشيط حركة التجارة الدولية. والواقع أن السياسة والمجتمع هما في قلب برنامج العولمة وتحرير التجارة وتأكيد أولوية الاصلاحات الاقتصادية الهيكلية. فلا تنطوي عملية فتح الأسواق أو توحيدها على الصعيد العالمي على إعادة هيكلة شكلية للاقتصادات الوطنية فحسب، ولكنها تعمل على إعادة بناء حقل العلاقات الدولية وصيغة توزيع القوة والثروة العالمية بمثل ما يعمل على إعادة بناء المعادلة الاجتماعية داخل الحدود الخاصة بكل بلد.
وإذا كان تطبيق برنامج العولمة الليبرالية يهدد في البلدان الصناعية بفقدان فرص العمل بصورة مضطردة، كما بينت الدراسات الحديثة في الاتحاد الأوروبي، الذي فقد في العام الماضي وحده ما يقارب مليون فرصة عمل، وسيفقد ربما أكثر منها في العام القادم، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع معدل البطالة، وتنامي في حركات الاحتجاج والانفجار الاجتماعي، فهو يهدد في البلدان الضعيفة بتفكيك المجتمع والدولة معا. وباستثناء عدد محدود جدا من البلدان التي تسمح لها مواردها الاستثنائية كبلدان الخليج العربي أو حجم سوقها الهائل مثل الصين بجذب الاستثمارات أو المحافظة عليها وتأمين فرص عمل جديدة، تقود السياسات الليبرالية الجديدة إلى تراجع خطير في القدرة على خلق مناصب العمل وبالتالي إلى تزايد الفقر والبطالة إلى درجات يمكن أن تهدد النسيج الاجتماعي نفسه. وبقدر ما تقلص الأجندة الجديدة من دور الدولة ومن مواردها أيضا وتساهم في تعميق اتجاهات الفساد داخل النخب الحاكمة المقطوعة عن مجتمعاتها، تهدد بإلغاء المكتسبات الاجتماعية الكبيرة الماضية التي لم تكن الدولة الوطنية إلا عنوانها، والتي كان هدفها إخضاع الرأسمالية الاقتصادية إلى ضوابط يحددها مفهوم الوطنية نفسه، بما يعنيه من الحفاظ على التضامن والانسجام المجتمعي الداخلي وتأكيد الحريات الفردية والجمعية وإقامة العدالة القانونية. فمن الواضح أن الانخراط في سياسات العولمة الليبرالية، يفترض التخلي التدريجي عن هذه الأجندة، سواء بسبب حاجات التكيف مع السياسات العالمية المفروضة في إطار مبدأ المنافسة الحرة والشفافية ومنع تدخل الدولة في الشؤون العامة، أو بسبب افتقار الدولة للموارد التي تؤهلها للعب مثل هذا الدور. ومن هنا، وفي موازاة تقلص دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتعليمي، تدخل المجتمعات تحت التأثير المباشر لمنطق العولمة الخارجي وتحكم على المجتمعات والفئات الاجتماعية انطلاقا من قدرتها على التعامل مع هذا المنطق والسيطرة عليه. ومن الطبيعي أن تكون الدول الأقوى والأكبر والفئات الاجتماعية الأكثر تحكما بالموارد هي نفسها التي تستفيد من هذه العولمة، بينما يدين الانفتاح الواسع جميع المجتمعات والدول والفئات الأخرى التي تفتقر إلى الموارد والواقع والشروط التي تمكنها من التعامل الايجابي مع تحديات العولمة.

والواقع أن العولمة الليبرالية تنشيء مجتمعا رأسماليا على مستوى العالم، لكن من دون أجندة اجتماعية وسياسية شبيهة بأجندة الدولة "الوطنية"، أي من دون ايجاد فكر التضامن والآليات السياسية التي تضبط نشاط هذا المجتمع وتشذب تجاوزاته وتفرض عليه معايير إنسانية، كما كانت تفعل الدولة الوطنية في عصر الرأسمالية الكلاسيكية. فلا ينبع التحدي الكبير الذي تثيره العولمة الليبرالية من إضعاف الدولة الوطنية نفسها، ولكن من غياب الأجندة الاجتماعية التي كانت تمثلها والتي جعلت منها حجر الأساس في تنظيم المجتمعات والنظام الدولي معا في الحقبة الطويلة السابقة، كما سمحت للرأسمالية أن تتحول إلى نظام اجتماعي قابل للحياة. فقد استمدت الدولة الوطنية المكانة المركزية التي كانت تحتلها في النظام الاجتماعي العام، وربحت شرعيتها في وجه التنظيمات ما قبل الوطنية، من تنفيذها أجندة وطنية ساهمت بالفعل في تحقيق الانسجام النسبي بين الأفراد، بقدر ما نجحت البرامج التي ارتبطت بها في تأكيد التواصل بين الجماعة والدولة وهو التواصل الذي شكل جوهر الوطنية في الحقبة الماضية.
ولذلك يبدو لي أنه سيكون من الصعب لمؤتمر هونغ كونغ الوزاري لمنظمة التجارة العالمية أن يتغلب على المأزق الذي وصلت إليه مفاوضات دورة الدوحة الماضية. فالضغوط التي تولدها العولمة الليبرالية على المجتمعات النامية لا تقل قوة عن الضغوط التي تولدها على سوق العمل في البلدان الصناعية. مما يحرم الطرفين من أي هامش ويدفع في اتجاه التشدد والتصلب المتبادل. لكن مهما كانت نتيجة هذه المفاوضات أيضا، لن تزيد المناقشات الجارية إلا في تعميق الشكوك في صلاحية الأجندة الراهنة للعولمة الاقتصادية، عند الرأي العام العالمي وعند القيادات أيضا. ولن يستطيع دعاة العولمة الراهنة الاستمرار في سياستهم الانفتاحية والتغلب على المقاومات المتنامية لنتائج العولمة ما لم ينجحوا في التوصل إلى رؤية جديدة تربط بين عملية تحرير التجارة وآليات حماية العمل وحقوق العمال والحفاظ على الحد الأدنى من العدالة والانصاف في توزيع ثمرات النمو الاقتصادي الذي تساهم فيه، بين الفئات الاجتماعية وبين المجتمعات أيضا. ومن الصعب التفكير بأي تنازلات جدية من قبل الدول الصناعية ما لم تنجح البلدان النامية في إعادة تنظيم نفسها سياسيا وإقليميا بما يمكنها من تحقيق شروط أفضل للمشاركة في صياغة أجندة العولمة ووضع حد لابتزاز القوة الذي تمارسه عليها الدول الصناعية لقبول شروط اتفاقات تجارية مجحفة.

lundi, décembre 26, 2005

برنامج مسارات على الجزيرة حلقة 1

سماع الجزيرة
ShowMedia/showMedia.aspxfileURL=/mritems/streams/
2005/12/26/1_586886_1_13.wma
برامج القناة
:
مسارات
برهان غليون.. النظام السياسي العربي ج1
مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيف الحلقة: برهان غليون/ مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون
تاريخ الحلقة: 26/12/2005
- جذور المعرفة الأولى
- من الصوفية إلى الفلسفة.. ثقافة التمرد

مالك التريكي: إذا كانت أسماء الكثير من الكتاب والمفكرين لا تصير معروفة لدى جمهور القراء والمثقفين إلا بعد أعوام طويلة من النشر والإنتاج فإن اسم الدكتور برهان غليون لمع بدون مقدمات في منتصف السبعينيات منذ صدور كتابه الأول بيان من أجل الديمقراطية ومنذئذ ظلت الجدارة الفكرية لبرهان غليون الذي صار فيما بعد أستاذ لعلم الاجتماع السياسي في جامعة السربون ومديرا لمركز دراسات الشرق المعاصر في باريس ظلت جدارته الفكرية تتأكد باستمرار عبر إنتاج غزير تناول مختلف أوجه الأزمة التاريخية التي يعانيها الوطن العربي نتيجة إخفاقه في جميع مشاريعه التحديثية وبما أن الوجه الأبرز لهذه الأزمة يتعلق بالنظام السياسي الفردي الذي رعى هذا التحديث فإن برهان غليون قد ركز معظم أعماله على تحليل ظاهرة الدولة العربية الحديثة التي يعرفها بأنها مصدرا للقدرة اللامتناهية على إنتاج السلطة بدل أن تكون مصدراً للحريات الفردية والعامة وقد مضى برهان غليون في فك آليات انقلاب الدولة العربية ضد شعبها وفي تبيان التنافي بين منطق الدولة الريعية أو الدولة الزبائنية وبين شروط المواطنية إلى حد يمكن معه القول بأن برهان غليون قد كاد يضطجع بمفرده بجميع أعباء التخصص الجراحي في تشريح جثة النظام السياسي العربي، على أن مسار برهان غليون الفكري الذي جعل منه أحد أبرز المفكرين في مجال النقد الجذري للعطالة السياسية العربية قد بدأ كأصل لما تكون البدايات الواعدة أصالة في بيئة شعبية سورية نشّأته على قيم حب المعرفة والإقبال الواعي والحر على المصير.
جذور المعرفة الأولى
برهان غليون- أستاذ علم الاجتماع السياسي- ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بفرنسا: أنا بأعتقد أنه مدين بقسط كبير من تكويني بالضبط للتربية العائلية للجو العائلي اللي كان موجود، يعني أنا منحدر من عائلة ليست غنية ماليا أو يعني بالعكس أوضاعها بسيطة إنما غنية كثيراً من الناحية الفكرية والخيالية يعني أنا أتذكر مثلا أول شخص أتذكره يمكن اليوم اللي هي ستي.. جدتي اللي كانت اللي عمرت 115 عام وكانت تعرف الإمبراطورية التركية بهذا الوقت وكانت زارت تركيا وحافظة تقريبا قصص لألف ليلة وليلة جميعا إذا ما أكثر منا ويعني أتذكر هذه الروايات المستمرة اللي كانت تروي لنا إياها واللي كانت مؤثرة فعلا وهي كانت بطلة على كل حال من الناس اللي ناضلوا لتحرير سوريا وأخذت جوائز وفقدت ناس من أخواتها فكانت شخصية أسطورية يعني هي نفسها كانت شخصية أسطورية، أتذكر أيضا والدي كان شخصية استثنائية بأمرين أولا كونه متدين وورع جدا وبنفس الوقت اللي نسميهم اليوم اللبرالي يعني ما عنده أي.. ما يحاول بأي شكل من الأشكال أنه يضغط كان على أولاده ولا يجبرهم على عمل شيء بما في ذلك ما يتعلق بالدين كان يقول ببساطة أنا هنا لفترة طويلة أنصحكم لكن أنتم اللي ستتحملون المسؤولية على عملكم، والدتي كانت يعني أيضا عندها نوع من اللي نسميه يعني السكينة والهدوء..
مالك التريكي[مقاطعاً]: الطمأنينة..
برهان غليون [متابعاً]: والطمأنينة والعطف الحقيقي يعني خلق جو كثير غني وبالنسبة لطفل، بالحقيقة أنه اللي بتذكره من الفترة أتذكر فترة غنى خيالي كثير وفترة تربية مبنية على مبدأين لليوم أنا أعتقد أنه مازالوا صالحين للتربية هو فكرة الاحترام المتبادل الاحترام للطفل الصغير حتى اللي عمره سنتين وثلاثة كنا نشعر بأن نحن محترمين وحطوا فينا هذا الشعور إن نحن محترمين وهكذا يصير يحترم الواحد غيره ويصير يتعامل مع الآخرين فعلاً على مستوى نوع من العلاقات السلمية وبنفس الوقت التفاعلية وتبادلية وتواصل، المبدأ الثاني اللي اليوم أنا أقول له كمان وأطبقه على أولادي هو مبدأ المسؤولية يعني وهذا كان والدي كثير بالرغم من أنه هو إنسان لم يتعلم كان يتيماً ولم يتعلم لكن كان دائماً يذاكر للأولاد ويأخذهم لمواقف لكي يقوموا بمسؤولياتهم مبدأ المسؤولية يعني أنت اللي تعمل أنت اللي لازم تفكر بمستقبلك أنت اللي لازم تقرر شو تعمل أنت قادر إنك تعمل أنت.. كان هو يشتغل أحياناً بالتجارة وبعدين اشتغل طبعاً بالخيول الخيول الأصيلة يعني الخيول العربية وكان هاوي للخيول ومحترف أيضاً من أحد يعني الفرسان المشهورين بالمدينة، فكان ونحن صغار عمرنا يمكن أربع سنين وخمس سنين يحطنا على الحصان اللي كان الناس تخاف منه طبعاً ويقول ما في أي مشكلة إنه واثق إنه ما فيه ما سيكون أي مشكلة أنا نفسي كنت أركب الخيل بالسبع سنين يعني كنت آخذ حصان أصيل وأطلع وما كان عنده أي شعور ما كان يشعرنا إن نحن غير قادريين ولا غير كفء أنه نعمل أي شيء يخطر على بالنا وبأعتقد إنه كان لهذا التفكير لهذا النمط من التربية تأثير كبير علينا في المستقبل على جميع أبنائه إضافة إلى التمسك ومحبة هائلة بقضية العلم بمسألة العلم والتعليم هو حُرم عنده كان شعور عن هو حُرِم لأسباب خارجة عن طاقته من التعليم فكان كل استمارة الحقيقي..
مالك التريكي: بتعليم أبنائه..
برهان غليون: بأبنائه بالتعليم وتشجيع على التعليم بس تشجيع مش مثلما يعملوا اليوم بالهدايا والإفساد وإنما بالعكس يعني بتأكيد المسؤولية وبتأكيد أهمية..
مالك التريكي: قيمة المعرفة..
برهان غليون: قيمة المعرفة فيبقى بأتصور إن هذه القيم الأساسية اللي كانت يعني ذات تأثير كبير على تكويني على الأقل بالفترة الأولى يعني أنا طلعت من فترة.. من هذه الفترة فترة الطفولة أفهم إنه ممكن يكون فيه دين وممكن يكون فيه تسامح وممكن يكون فيه فقر وممكن يكون فيه غنى كبير أيضاً فكري وخيالي ورمزي إضافة إنه نحن يعني دائماً كانوا يذكروا إنه العلاقة مع الجماعة علاقة الأسرة مع الأهل الآخرين وأيضاً الانتماء.. نحن عندنا يعتقدوا إنهم منحدرين من الطائيين من قبيلة طائي الشهيرة فأيضاً قيمة الكرم كانت متمثلة يعني والدي كان الآن تذكرت فاتح من هاديك الفترة ونحن أطفال صغار منزول يسموه يعني مضافي من أجل تكريس قيمة الكرم إنه هو ابن هذه القبيلة اللي كانت مشهورة بالكرم واللي يستقبلوا الناس في البيوت ويستقبلوا الناس في المضيفة فتعلمنا من البداية على هذا التعامل يعني الكريم إذا شئت..
مالك التريكي: مكارم الأخلاق..
برهان غليون: مع الناس ومع المجتمع اللي كون يعني كان طبقة أولى من هذا التكوين الشعوري خليني أقول أنا اللي كان مهم جداً أعتقد إن أنا مدين كثير لهذه التربية مدين كثير للست لجدتي ولأبي ولأمي يعني بأحييهم بهذه المناسبة.
مالك التريكي: بالنسبة للقراءات الأولى لابد أن القراءات الأولى كان لها دور في توجيهك توجيه معين نحو اختيارك الأكاديمي فيما بعد؟
برهان غليون: أنا بدأت بالحقيقة يعني هذه فترة الطفولة كانت فتره هدوء وتمعن وسكينة كما قلت لكن فترة المراهقة كانت فترة شوي مضطربة يعني مضطربة بمعنى ثورية عندي شعور كثير ثقة بالذات وعندي شعور بأنه لازم أقوم بدور ما لازم أعمل شيء فنحن بدأنا كشباب صغار بأول الإعدادية نقرض نقرأ الشعر وأنا قرأت بالحقيقة بدأنا بالشعر الحديث تمرداً أيضاً لكن قرأنا المعلقات وكل الشعر القديم كنا نفكر إن هذا ضروري لاكتساب الطاقة الشعرية لكن موقفنا كان مع الشعر الحديث طبعاً بدر شاكر السياب نازك الملائكة كلهم عبد الصبور كل الشعراء الحديثين..
مالك التريكي: البياتي..
برهان غليون: أدونيس طبعاً ويوسف الخال والبياتي وكلهم كنا يعني كان غذاؤنا خلال فترة المراهقة الأولى والإعدادية، هذه الفترة كتبت شعر ونشرت في بعض الصحافة السورية بعض القصائد أيضاً يعني يمكن بسن 12 13 14 عم نحكي، بعدين صار عندي فترة بالعكس انتقلت من الشعر كما لو إنه صار عندي شعور إنه محدودة إمكانية الشعر إنه يقدم لك قدرة على التواصل مع المجتمع اللي هو حاجة أخرى فدخلت بدورة يعني فكرية كثير متأثرة بالصوفية وصرت أقرأ كثير لمتصوفة العرب والمسلمين والإيرانيين لكن تأثرت بشكل رئيسي بالحقيقة بشخصيتين شخصية ابن العربي وشخصية الحلاج والكتاب اللي كان عمله ماسينيون الشهير عن مأساة الحلاج كانت تؤثر فينا كثير لكن الفلسفة الصوفية اللي أكثر شيء انطبعت بذاكرتي هي فلسفة ابن العربي لأنة فيها كثير إنسانية فيها كثير نزعة إنسانية وتوحيد بين كل القيم السامية المرتبطة بالدين الإسلامي وبالله إلى آخره مع الإنسان نفسه ودفع الإنسان إلى أن يكون إنسان كامل فكرة الإنسان الكامل كانت فكرة طبعا مهمة جدا أنا أعتقد بهذه الفلسفة والناس اللي ما يحسوا بأهمية التراث أتصور أنا مفيد كثير يرجعوا أنه يشوفوا الفكر الصوفي فكر غني جدا لكن إذا فُهِم كتأمل في حقيقة الإنسان وليس كتصوف يعني كهروب من الالتزامات ومن الواقع لكن الفكر الصوفي الكلاسيكي العربي كان يعني له تأثير كبير ولا يزال بنظري أحد الموارد الرئيسية لفكري أحد.. ما عاد أقرأ كثير اليوم التصوف لكن لازلت..
مالك التريكي: باقي مورد لتغذيتك الفكرية..
برهان غليون: تماماً.
[فاصل إعلاني]
من الصوفية إلى الفلسفة.. ثقافة التمرد
مالك التريكي: هل كان الانتقال من الاهتمام بالصوفية إلى الاهتمام بالفلسفة انتقال طبيعي طبعاً؟
"الصوفية نقلتني بشكل طبيعي إلى الفلسفة والفلسفة الغربية بشكل خاص لأن التراث الصوفي واسع جدا ويصعب على الفرد أن يستمر فيه"برهان غليون: الصوفية نقلتني بشكل طبيعي إلى الفلسفة والفلسفة الغربية بشكل خاص لأنه في النهاية التراث الصوفي طبعا هو واسع جدا لكن صعب أن الواحد يستمر فيه ويخدمه بحاجة بعد فترة محددة يعرف كل مفاهيمه والموضوعات الرئيسية ويعيشه يعني إذا لم يرد يصير صوفي هو نفسه يخرج يعمق تجربته طبعا يريد يتنقل أنا باعتقادي إجباري يريد يتنقل نحو الفلسفة اللي بتفتح آفاق أوسع بكثير لفهم مش فقط التجربة الخاصة بالإنسان وعلاقاته مع الكون وعلاقته مع ربه إنما الفلسفة بتفتح آفاق أخرى لفهم ما يجرى في العالم والسياسي والاقتصاد والأخلاق..
مالك التريكي [مقاطعاً]: المسائل الكلية..
برهان غليون [متابعاً]: والمسائل الكلية فانتقلت بشكل طبيعي بالحياة مضبوط للفلسفة وكنت مهتم كثير تقريبا قرأت كل ما كان مترجم، نحن كان عندنا بسوريا مشكلة أنه خاص أنا راح أحكي في فترة ما زلنا في المراهقة كان عندنا مشكلة اللغات الأجنبية لغات ضعيفة فكنا نعتمد على..
مالك التريكي: الترجمات..
برهان غليون: الترجمات العربية ولم تكن كلها يعنى..
مالك التريكي: المستوى المطلوب..
برهان غليون: مفهومة تماما ففي فترة بدأت أفكر أن لازم اخرج لبره وقت اللي صرت أشعر أن ما أقرأه باللغة العربية لم يعد كافي حتى تستمر في تكوين رؤية واضحة للمشكلات اللي عم تطرحها الفلسفة واللي عم تنطرح بالكتب اللي نقرأها..
مالك التريكي: ما هي القراءات التي انطبعت في ذهنك ولا تزال لها موقع خاص القراءات الفلسفية في ذلك الوقت؟
برهان غليون: يعني من الكتب اللي قرأناها أول شيء في هذه الفترة كنا نقرأ كل.. وكان فيه ترجمة كبيرة لكتب الوجودية سارتر وكل وألبير كامي وكل الفلاسفة الوجوديين بما فيهم كيركغارد وإلى آخره يعني كل ما تُرجم في هذا الميدان كنا نقرأه ونتلقفه ولكن إلى جانب ذلك أنا من الناس اللي لا زالت تتذكر كثير ارتباط فيهم يعني بأشعر بارتباط فيهم وبالكتب اللي قرأت عنهم باللغة العربية قرأنا نيتشه هكذا تكلم زرادشت بترجمة جميلة جداً بعدها قرأتها بالفرنسية لكن الترجمة العربية فعلاً ترجمة جميلة جداً.
مالك التركي: هو الغريب أنك ذكرت أنك هكذا تكلم زرادشت كان له هذا الكتاب بالضبط ليس نيتشه بصفة عامة لكن كتاب نيتشه هكذا تكلم زرادشت كان له دور كبير على المثقفين العرب منذ فتره أدباء المهجر ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران يثنون على هذا الكتاب ثناءً كبيراً حسب رأيك لماذا له هذه الأهمية؟
برهان غليون: أنا أعتقد أن أنه الآن وقت الفكر بهذه الفترة أعتقد أنه هو يعني بعمقه كتاب تمردي يعني تمرد على الأخلاق التقليدية تمرد على الإنسان على الشرط العادي للإنسان طموح لا..
مالك التركي: تجاوز..
برهان غليون: تجاوز التجاوز ونحن قرأناه على كل حال أعتقد أن جيلنا قرأناه قرأ نيتشه كما قرأ الوجوديين أيضاً وسارتر وكامي بوصفهم دليل لتجربة التمرد على مجتمع كنا نظن أنه تقليدي جامد طبعاً..
مالك التركي: مجتمع اتفاق الأخلاق..
برهان غليون: تماماً فكنا نحن شباب صغار طموحنا أنه نطلع من مجتمع يشكل قفص لأنه ما عم يتحرك هو عم يتحرك لكن إحنا شعورنا كان أنه ما عم يتحرك وعايش خارج التاريخ فيه شعور كان أنه عايش خارج التاريخ أفكار الناس وقيمهم وتقاليدهم وسلوكهم، الآن شو اللي خلانا نشعر أنه ما كنا نقرأ فقط الفلسفة يعني أنا عم بتذكر عم تذكرني كنا نقرأ الروايات كلها وأنا أعتقد هذا أثر كثير ويؤثر اليوم في تكوين أي فرد عربي أنت تقرأ الأدب الأوروبي والأدب الأميركي فوكنر وغيره إلى آخره وهمنغواي مش بهذه الأيام هم اللي سائدين ويترجم كل كتبهم كنت تعيش عالم هذا كان يدفعنا لنعيش في عالم آخر أيضاً يعني نحن أنا أقول لهم نحن ما جئنا على الغرب من عالم شرقي لعالم غربي ما نعرفه نحن جئنا على غرب نعرفه ربما أكثر من الشرق يعني أجيالنا جاءت على الغرب عايشته بمخيلته قبل ما تشوفه على أرض الواقع ذلك ما أحد يشعر أنه غريب وقت ما بييجي بالعكس يشعر حاله ببلده فهذا كمان جزء من المشاكل التناقضات التي بتعيشها الثقافة العرب ويعيشها الفرد العربي المثقف اللي يدخل بباب الثقافة وينفتح على ثقافة العصر، فأنا أعتقد أنه بين الروايات وبين المفكرين إلى قرأناهم من نيتشه شوبنهاور شبنغلر بهذه الأيام بتذكر كانط كان مترجم له عدة كتب عدة كتب لكون ميتافيزيقا الأخلاق متذكر أن الكتب أن الكتب اللي كنا نقرأها يعني العقل المحض نقد العقل نقل العقل المحض أيضاً ترجموا إلى العربية..
مالك التركي: نقد العقل ونقد العقل العملي..
برهان غليون: طبعاً هذه الأوقات يرجع الواحد للتفكير بيشوفوا شو كان الواحد مشوش لأنه كان يقرأ من هنا ومن هونا..
مالك التركي: من كل الاتجاهات..
برهان غليون: وبدون ضبط علمي يعني ما فيه أساتذة كبار يوجهك ويخليك تعرف شو معنى شو الفرق بين فلان وفلان فكنا نشوفها كلها كفلسفة ونأخذ طبعاً ما يتفق مع ميولنا كشباب متمردين لكن مضمون قراءاتنا كان أعتقد وترجمتنا للقراءات كان أهم شئ تأويلنا لما نقرأه وأنه إعادة بناء التمرد على المجتمع وإعادة بناء المجتمع على أسس أخرى ما في شك أن الشاب العربي يولد عم أحكي بالستينات وعنده شعور دلوقتي أنه يتعلم يدخل في الثقافة أنه فيه فارق كبير بين مجتمعاتنا بين العالم وبين الزمن وبين العصر وتعقده كثير مشكلته أنه كيف بأيدينا نصير بقلب العصر وبأعتقد أنه لليوم إحنا ما نعمل شيء ثاني أنا نفسي على كل حال حتى وأن ندرس المجتمعات العربية اليوم لا نفعل شيء آخر كيف نضع مجتمعاتنا في قلب العصر بين ما هي تبدو وكأنها..
مالك التركي: خارج العصر..
برهان غليون: على هامشه أو خارجه أو عم تتخبط للالتحاق بالعصر.
مالك التركي: الاقتضاء الفكري والأخلاقي هو اقتضاء إرادة الفعل على المستوى الفردي وعلي المستوي الاجتماعي والتلمس الطريق بأي وسيلة كانت في قراءات متجهة اتجاه غير منظم؟
برهان غليون: تماماً وهذا اللي نقلنا أيضاً نفس الفكرة اللي عم أقولها هي حب التمرد والتغيير والتمرد ليس يعني التمرد لم نكن عدميين بالحقيقة كنا متمردين لكن اتجاه إيجابي في اتجاه التغيير والتصحيح والتحديث إذا شئنا نريد مجتمع نريد إنسان مثلما كنا نشوف بالروايات اللي نقرأها الغربية عنده شخصية عنده شعور بالمسؤولية..
مالك التركي: إيجابي..
برهان غليون: آخذ مسؤولية على نفسه إلي آخره على عاتقه قادر أنه يفعل مقابل الكسل والجمود والتسليم والطمأنينة الفارغة إلى آخره وهذا اللي يوجهنا بعدين وأنا أعتقد أنه بهذه الفترة توجهنا نحو الماركسية، الماركسية بدت لنا في اكتشافنا للماركسية بعد ما قرأنا المؤلفات اللي هي فيها نوع من الحديث عن الغربي اكتشفنا الماركسية اكتشاف كما لو أنه اكتشاف للنظرية المثلى في للتمرد على المجتمع وتغيير المجتمع يعني هي النموذج الأمثل أولا في تحليل يبدو علمي وكان يسمى علمي طبعا لكن له كل الصفات العلمية لمشاكل المجتمعات الراهنة ولا ينطبق فقط وله طابع كوني لا ينطبق على المجتمعات العربية بالعكس ينطبق على كل العالم لأنه العالم كله بحاجة للتغيير وإنه شروط التغيير موجودة ولكن الإنسان أيضا لازم يستثمر هو نفسه بمسؤوليته الخاصة وبنضاله الخاص وبشغله الخاص وبجهده الخاص حتى يحصل التغيير، فالماركسية بدت لنا في ذلك الوقت كأنها يعني دين الخلاص من التخلف إذا شئنا وبدأت تتبلور عندنا أفكار التخلف طبعا وإنه نحن مجتمعات متخلفة كنا نقرأ كل الأدبيات اللي كانت تطلع بها الموضوع، هذا الجو اللي انتقلنا فيه من الثانوية إذا شئت إلى الجامعة اللي أنا درست بالجامعة الفلسفة وكان في بجامعة دمشق قسم اسمه الفلسفة والعلوم الاجتماعية دمجوا الفلسفة والعلوم الاجتماعية وكان عندنا أساتذة يعني محترمين قسم منهم كان محترم وأيضا يعني مع طلابهم كانوا إيجابيين يعني يبنوا علاقات إيجابية يعني أتذكر منهم لازم نذكرهم بالخير يعني أنطون مقدسي..
مالك التريكي: توفي أخيرا..
برهان غليون: وكان يعني من الناس اللي.. وأنا بأعتقد إنه أهم أستاذ فلسفة غربية كان موجود ويوناني كان علّم في جامعة دمشق حتى معرفتي أنا على كل حال وكان فيه بديع الكسم كمان كان أستاذ درسنا هيغل وبعض الفلسفة الغربية وكان فيه اليافي.. عبد الكريم اليافي اللي لا زال أظن حي يرزق يستحق إذا صارت فرصة إنه تعمل معه أيضا لقاء، فكان عندنا مجموعة من الأساتذة فعلا وآخرين كان عندنا مجموعة من الأساتذة حببونا أيضا بالفلسفة بشكل آخر لأنه كانوا محترمين وأشعرونا بأنه بأهمية إنه الواحد ينخرط في هذا الميدان، كانت تجربة على كل حال بالنسبة لي أنا القسم لكن أيضا اكتشفت بقسم الفلسفة والعلوم الاجتماعية إذا بدك الاهتمامات الاجتماعية يعني اللي أنا بقيت الحقيقة بين الفلسفة وعلم الاجتماع.
مالك التريكي: وهذا كان.. هذه النقطة التي كنت أريد الوصول إليها هو الانتقال من الفلسفة كحقل العام إلى التخصص في مجال علم الاجتماع وبالضبط تخصص داخل التخصص هو علم الاجتماع السياسي لابد أنه كان يلبي حاجة مركبة في وجدانك هي فهم الأمور الكلية لكن مع ضرورة الفعل الاجتماعي؟
برهان غليون: يعني بأعتقد اللي نقلنا هو طبعا ميول أساسية إنه مثل ما قلت فكرة التغيير مرتبطة بفكرة العمل داخل المجتمع وعلى المجتمع يعني مش فلسفة فقط فيه مرتبطة تفكير وعمل وأنا بأعتقد إن الماركسية أعطتنا مفتاح كثير لها الشيء..
مالك التريكي: تفكير وتغيير..
برهان غليون: إنه جملة ماركس الشهيرة كانت مؤثرة إن الفلاسفة لم يعملوا حتى الآن على فهم العالم والمطلوب تغييره وكانت مؤثرة هذه الجملة وبأعتقد إنه مهمة..
مالك التريكي: من أهم مقولات الفلسفة طبعا..
برهان غليون: وإن تغييره يفترض التفكير طبعا لكن التفكير بدون أفق التغيير يظل تفكير تأملي نظري فهذا الماركسية هي اللي نقلتنا لعلم الاجتماع ولعلم الاجتماع السياسي طبعا بدأنا بتلك الفترة إنه هو مرتبط جدا بتغيير السلطة لأن الفكرة الماركسية في هذا الوقت مع التوسير ومع غيره ومع كل الفلاسفة الجدد كانت مرتبطة بفكر السلطة والتسلط والنظام والسيطرة ونظام السيطرة وغرامشي أيضا اللي تعلمنا منه أفكار أساسية فكنا نشوف إنه التحول الاجتماعي مرتبط أول شيء بمن يملك السلطة وهذه المقولة المثلى..
مالك التريكي: الممثلة للإنتاج..
برهان غليون: من يحكم من يسيطر الطبقة الحاكمة والمسيطرة والنظم الاجتماعية طبعا وأنا وقت جئت إلى هنا اخترت أيضا من أجل.. عندما قدمت إلى فرنسا يعني سجلت مع واحد أحد الأساتذة نيكوس بولنزاس اللي كان عم يشتغل بشكل أساسي بموضوع السلطة والقوى الاجتماعية ونظرية الدولة فكل هذا.. وكان نجم صاعد نيكوس بولنزاس بتلك الفترة..
مالك التريكي: بفترة من الفترات كان نجم بالمعنى الصحيح..
برهان غليون: أهم نجم كان بموضوع الرؤية الماركسية الجديدة أو المتجددة شبه البنيوية الديناميكية أنا برأيي مهمة، فهذا الشيء كله وجهنا يعني نحو أن ندرس المجتمعات لكن ندرسها أيضا نركز خلال دراستنا للمجتمعات على مسائل السياسة ومسائل السلطة والدولة والقوى الاجتماعية والفاعلين الاجتماعيين طبعا يعني هذه تأثيرات بأتصور ماركسية غرامشي، بولنزاس وناس آخرين اشتغلوا على هذا الموضوع.
المصدر:
الجزيرة

vendredi, décembre 23, 2005

الخروج الكارثي للعالم العربي من الحقبة الوطنية

الجزيرة نت 23 ديسمبر 05
شهدت البلاد العربية في حقبة ما بعد الاستقلال، في إطار التوازن الجديد للقوى الذي أفرزه انهيار النظام الاستعماري القديم، تحولات قوية وايجابية في ميادين تأكيد هامش مناورة استراتيجية كبيرة إقليمية عزز السيادة الوطنية لدولها، كما شهدت ترسيخ الهوية الثقافية بعد قرون من التردد والتوتر بين العصبيات المحلية والولاءات الدينية والفكرة الوطنية، وأرست دعائم دولة ومؤسسات حديثة منفتحة على المشاركة الشعبية، سواء أجاء ذلك عن طريق المشاركة الانتخابية أو الانخراط في الحركات التجديدية الانقلابية، وساهمت من خلال خططها التنموية الهادفة في خلق قاعدة اقتصاد صناعي حديث، كانت البلدان العربية تفتقر إليه، بالإضافة إلى الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها في ميدان الخدمات الاجتماعية الصحية والتعليمية والإنسانية الأخرى. ومجموع هذه الانجازات جعلت من هذه الحقبة تبدو وكأنها استعادة لمجهود النهضة العربية التي بدأت منذ القرن التاسع عشر وموجة ثانية من موجات التحديث التي نقلت العالم العربي من حالة الهامشية والركود والخضوع للأجنبي إلى حالة التحول والتغير السريع والشراكة العالمية. ولذلك بدا الجهد المتواصل والمتنوع الذي عرفته الدول العربية في مجال التحديث في ذلك الوقت وكأنه مشروع النهضة الثانية الذي قادته مصر الناصرية بعد مشروع التحديث الأول الذي كان لمصر أيضا قصب السبق فيه.

وهكذا ارتبطت هذه الحقبة الوطنية بتجربة انفعالية جماعية قوية من الصعب محوها من الذاكرة التاريخية، مع ما رافقها من معارك النهضة الفكرية والحداثة والاستقلال والانتصار على السيطرة الأجبنية وإثبات القدرة على الفعل والمشاركة في المصائر العالمية وتأكيد السيادة والإرادة الحرة في النفوس. وكما أصبح التمسك بذكرى هذه التجربة العاطفية والسياسية الفريدة في التاريخ الاجتماعي العربي، تعبيرا عن التمسك بالهوية، أصبح التخلي عنها تنكرا للذات واستسلاما للقوى الأجنبية التي حالت دون تحقيق برنامجها وطموحاتها. ومما يساعد على التمسك بها الاعتقاد القوي بأن إخفاقها كان نتيجة تآمر الدول الكبرى وأن التخلي عنها يعني أيضا التسليم بالإخفاق التاريخي والتنكر لعقود طويلة من العمل الجماعي المستمر في سبيل الحرية والاستقلال والسيادة والكرامة العربية. ومن هنا شكلت المكانة الرمزية الخاصة التي مثلتها الفكرة الوطنية/القومية في بناء تاريخ العرب الحديث ومجتمعاتهم الخارجة من مناخ القرون الوسطى العامل الأول في حرمانهم من إدراك التحولات العالمية السائرة إلى تجاوز مفهوم الوطنية والقومية معا. ويشكل استمرار محورة المناظرة السياسية في الفكر العربي حول مسألة القومية والقطرية، لوقت قريب، التعبير الواضح عن هذا التغريز الذي منع هذا الفكر نفسه من الالتقاء مع موجة الديمقراطية وأفكار المجتمع المدني التي ازدهرت في المناطق الأخرى منذ السبعينات.
لكن ما تركته تلك التجربة من ذكرى ايجابية تلهم الرأي العام العربي وربما ستظل تلهمه لعقود طويلة ليس العامل الوحيد الذي يفسر عجز المجتمعات العربية عن إدراك التحولات العالمية وبلورة استراتيجية ما بعد وطنية ناجعة للرد على حاجات الحقبة العولمية. فمما لا شك فيه أن المنطقة العربية قد تعرضت لضغوط استثنائية خارجية، أمريكية أوروبية بالدرجة الأولى في سبيل ثنيها عن مشاريع التكتل والتكامل والاتحاد بل عن التعاون الاقتصادي الجاد والمثمر. وقد ساهم وجود الاحتياطات النفطية الكبيرة والرخيصة والوفيرة معا، كما ساهم التعاطف الغربي الواسع مع إسرائيل، والموقع الجيوسياسي المتميز للعالم العربي بين القارات الثلاث، في تعميق هذه الضغوط وتنويع التدخلات الخارجية للتحكم بمصير المنطقة ككل ومنعها من الخروج من تحت السيطرة الغربية. وقد كان لهذه التدخلات دورا كبيرا في تحطيم آمال العرب الوحدوية، وفي ما بعد في تدعيم قيام نظم تسلطية تهدف إلى عزل المجتمعات وتقييد حركتها وإحكام السيطرة عليها. وأصبح الحفاظ على التجزئة العربية شرطا أساسيا من شروط بقاء الأنظمة ومن وراء ذلك استقرار النظام الإقليمي نفسه. مما يعني أن ضمان المصالح الاستراتيجية الأطلسية الأوروبية الأمريكية قد أصبح حاجزا حقيقيا أمام امكانية التفكير والعمل على تجاوز الحدود الوطنية القائمة. وهكذا انتقلت المنطقة من نفي مشروعية الدول القائمة بوصفها من مخلفات الحقبة الاستعمارية إلى التأكيد المرضي واللاعقلاني على سيادة هذه الدول نفسها واعتبار التعاون نفسه حدا منها أو تهديدا لها.
وأخيرا لا يمكن فصل هذا العجز عن الخروج الطبيعي من استراتيجيات الحقبة الوطنية عن تحولات النظم السياسية، وحاجات النخب الحاكمة المتزايدة، في علاقتها مع الدولة وحاجاتها للاحتفاظ بسيطرتها السياسية في ظروف انحسار الوطنية، إلى مصادر للشرعية، مهما كانت هذه المصادر واهية أو زائفة. فمما لا شك فيه أنه كان لهذه النخب ولا يزال دور كبير في المحافظة على الايديولوجية الوطنية حية مع تحويرها بحيث تتطابق مع سلطة الدولة والولاء لها بصرف النظر عن سياساتها وتشكل تعويضا عن تحقيق البرامج التي ترد على تطور الحاجات الاجتماعية.
لقد استخدم الخطاب القومي، والمكانة الرمزية الخاصة التي مثلتها الفكرة الوطنية/القومية في بناء تاريخ العرب الحديث ومجتمعاتهم، لتبرير استمرار سيطرة النخب الاجتماعية بما فيها تلك التي لم يكن لها علاقة بالحركة الوطنية/القومية العربية. فلا شك في أن هذه الفكرة المركزية بالنسبة للثقافة السياسية العربية الحديثة لا تزال، بالرغم من كل الانتقادات التي وجهت ولا تزال توجه لها، خاصة في العقود القليلة الماضية، على ضوء الانحطاط الذي أصاب الدول التي جسدتها، تمثل في المخيلة والذاكرة الاجتماعية، المصدر الوحيد لقيم سياسية تحظى بالكثير من الشرعية. ولا يمكن تصور عمل وطني خارج إطار الدولة الوطنية ولا من باب أولى في مواجهتها. وبقدر ما سهل هذا الموقع المتميز للدولة داخل الفكرة الوطنية استقلال نخب السلطة عن المجتمع ومصادرتها للسلطة العمومية واستخدامها لخدمة مصالح خاصة وإفساد الحياة الوطنية، حرم المجتمع الحديث من أي نقطة ارتكاز مستقلة وتركه معلقا في الفراغ يتردد كالوتر المشدود بين العودة إلى أطر التضامنات التقليدية العشائرية والطائفية والتعلق بالدولة المارقة، بالمعنى الصحيح هنا للكلمة، وبالوطنية التي تحولت ذكرى لها، كتعلق الغريق بقشة.
وهكذا حول التركيز على الدولة كسلطة مركزية جامعة، في سياق غياب حياة سياسية حقيقية، الوطنية إلى حجاب أو تميمة تخفي عودة الشياطين الطائفية والعشائرية القديمة وتعمل على طردها. ويشكل العزف على وتر الوطنية/القومية المنفصلة عن الواقع والمتحولة إلى حجاب أداة فعالة في يد الأنظمة المنفصلة عن مجتمعاتها لتجييش الجمهور وتعبئته ضد المعارضة وضد الضغوط الخارجية ودفعه إلى الالتفاف حول أنظمة ونخب فقدت كليا النجاعة والشرعية السياسية معا. لقد أصبحت الوطنية سوطا تستخدمه النخب المأزومة والفاقدة لأي علاقة مع شعوبها لإدامة سيطرتها اللاشرعية.

حالت هذه العوامل الثلاثة: هوس الوطنية والسيطرة الإقليمية شبه الاستعمارية واستراتيجياتها المناوئة للتكتل على أسس قومية، وحاجات النخب المقطوعة عن شعوبها، إلى تصنيع وطنية مركزة حول سلطة الدولة المركزية، ومقدسة لها بوصفها روح الوطنية وأساسها، دون العالم العربي وإدراك تحولات القوى العالمية وتوفير شروط الخروج المنظم من الحقبة الوطنية نحو التكتلات الإقليمية التي تشكل الشرط اللازم للدخول في حقبة التفاعل والتواصل والانخراط في المجتمع العالمي الناشيء. ومما فاقم من أثر هذه العوامل وزاد في تعقيدها أن التطلع إلى أفق العالمية، بل حتى إلى الفكرة الإقليمية، قد بقي يمر، في خطط الدول الكبرى المتنفذة في المنطقة، بالتخلي عن الفكرة العربية والقبول بالفكرة الاستيطانية الاسرائيلية. بمعنى آخر إن الانعتاق من الفكرة الوطنية والانتقال إلى الفكرة العالمية الضرورية لاكتشاف فرص التحولات العولمية لا يواجهان عقبة نفسية وفكرية وسياسية فحسب، وإنما غياب الشروط الجيوستراتيجية التي تسمح بتعويض التضامن الوطني والقومي العربي بتضامن إقليمي أو عالمي محتمل مقابل. وهو ما يشير بالفعل إلى انسداد أفق الإقليمية والعالمية الحقيقية أمام المجتمعات العربية. وهكذا ارتبط التركيز على الأفق الوطني الذي لا يزال يطبع العالم العربي حتى اليوم، في مواجهة تطورات لم يعد الإطار الوطني ناجع في التكيف معها، بغياب آفاق الخروج من الحقبة الوطنية وانعدام شروط الإغلاق السليم لملفاتها التي لا تزال ملتهبة، وفي مقدمها ملف الاستيطان اليهودي في فلسطين. وحل محل الانفتاح العالمي المطلوب نزعة قوية للإنغلاق على الذات، والمراهنة على تمديد الحقبة الوطنية وحلولها التقليدية. وبقدر ما يترك هذا التخبط المستمر في استراتيجيات الحقبة الوطنية وقضاياها المجتمعات العربية أكثر فأكثر عارية أمام إرادة الهيكلة الدولية الخارجية التي تنظر إلى العالم العربي كما لو كان آخر قلاع الرجعية المستعصية على قيم الحداثة الثانية، يسمح للنظم الاستبدادية الفاسدة بأن تستخدم أعلام الوطنية التي تحولت إلى شعارات فارغة قناعا للتغطية على إخفاقاتها وأداة لقمع المعارضات وحركات الاحتجاج الاجتماعية النامية والانقسامات الناشئة في قلب النظم نفسها، في سبيل الحفاظ على المصالح الضيقة القائمة وقطع الطريق على أي تغيير أو إصلاح. وعلى هامش هذه التدخل وذاك الاستبداد تنمو استراتيجيات الارهاب الداخلية والخارجية كرد فريد ويائس على الاستعمار والاستبداد، وتتحول إلى قنبلة موقوتة لتفجير ما تبقى من المجتمعات العربية.

samedi, décembre 17, 2005

الاصلاح في سورية الكتاب خير جليس


الإصلاح في سوريا
برنامج الكتاب خير جليس مع الجزيرة

مقدم الحلقة: خالد الحروب
ضيفا الحلقة: - برهان غليون/ مدير مركز دراسات الشرق المعاصر - باريس- سمير العيطة/ مدير مجلة ليموند دبلوماتيك - باريس
تاريخ الحلقة: 17/12/2005
- اغتيال الحريري.. نقطة التحول- تداعيات سيطرة حزب البعث على الحكم السوري
خالد الحروب: مشاهديّ الكرام أهلا ومرحبا بكم إلى هذه الحلقة من برنامج الكتاب خير جليس، بين أيدينا اليوم أربعة كتب كالعادة، نمر على الثلاثة الأولى منها بشكل موجز ونتوقف عند الرابع بالنقاش والتحليل، الكتاب الأول عنوانه طموحات إمبريالية.. حوارات مع نعوم تشومسكي حول عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، هذا الكتاب يحتوي على تسعة حوارات مطولة مع تشومسكي حول شؤون العالم الحالية وعلينا أن نقول إن صدور الكتاب قد تزامن مع استفتاء نظمته مجلة بروسبكت البريطانية الرصينة حول أهم مائة مفكر في العالم وقد تصدر تشومسكي القائمة، المهم نقرأ في هذا الكتاب أفكار تشومسكي المعروفة الناقدة للسياسة الأميركية الإمبريالية في العالم لكن هذه المرة في ضوء ما تلا من أحداث بعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول، ينتقد عقيدة ما يسميه النيات الطيبة التي يزعم المحافظون الجدد أنهم يتبنونها وبناءً عليها يشنون الحروب ويدافع بحرارة عن فكرة إمكانية خلق عالم أفضل من العالم الذي نعيش فيه وبأن ذلك في مقدور البشرية وليس حلما طوباويا، الكتاب الثاني الذي بين أيدينا عنوانه الأونروا.. وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بين مأساة التاريخ وملهاة الحلول للباحث الفلسطيني صلاح صالح عبد ربه، هذا الكتاب بحث أكاديمي شامل حول تاريخ الأونروا وحول حقبة تأسيسها المرافقة لنشوء مأساة اللاجئين الفلسطينيين ثم تطورها والمسارات التي اندرجت فيها، يعالج الجوانب السياسية والوظيفية والقانونية للأونروا ويتابع المراحل التي مرت فيها وصولا إلى الوقت الحاضر والمهم أنه ينخرط في النقاش الدائر حول مستقبل الأونروا والنظرة المتباينة إزائها فإسرائيل تريد إلغاءها بكونها الشاهد الحي على ديمومة مشكلة اللاجئين وحق العودة والولايات المتحدة تكاد تتبنى نفس الموقف فيما يتشبث بها الفلسطينيون، أما الكتاب الثالث فعنوانه خيار إيران النووي.. سعي طهران لامتلاك القنبلة الذرية وهو من تأليف الكاتب الجنوب إفريقي إل جي فينتر، يتابع الكتاب تفاصيل الجهود الإيرانية لامتلاك السلاح النووي ويستعرض العلاقات الخفية التي أقامها الإيرانيون بنجاح مع كوريا الشمالية وجنوب إفريقيا وروسيا والصين بهدف الاستفادة من خبراتهم في مجال تصنيع الطاقة النووية كما يتوقف بتوسع عند البعد الإسرائيلي في مسألة إيران والقنبلة النووية مقدما رؤية منحازة للرؤية الأميركية الرسمية في هذا الكتاب والفصل المخصص للبُعد الإسرائيلي ربما كان أكثر فصول الكتاب إثارة لأنه يحتوي على معلومات حول العمليات الاستخباراتية الخارجية لإيران لغايات مشروعها النووي، أما الكتاب الرابع الذي سوف نناقشه مع ضيوفنا هنا في الأستوديو فعنوانه الإصلاح في سوريا بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية وهو كتاب مشترك ساهم فيه عدد من الباحثين وحرره وأعده للنشر الباحث السوري رضوان زيادة، تناقش الأبحاث الواردة في الكتاب مسألة الإصلاح السياسي والاقتصادي في سوريا مع تركيز خاص على سنوات حكم الرئيس بشار الأسد، هل يمكن القيام بالإصلاحات المرجوة وفي نفس الوقت الحفاظ على الاستقرار في سوريا؟ وألن تنسف الإصلاحات التي يطالب بها هذا الكتاب كل أسس النظام الاقتصادي والسياسي القائم؟ أستضيف في الأستوديو اثنين من الباحثين المشاركين في الكتاب الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس فأهلا وسهلا به، أهلا وسهلا دكتور برهان.
برهان غليون- مدير مركز دراسات الشرق المعاصر- باريس: أهلا فيك.
خالد الحروب: وكذلك الأستاذ سمير العيطة الباحث الاقتصادي والإداري ومدير مجلة (Le monde deplomatiqe) العربية أو باللغة العربية في باريس أيضا فأهلا وسهلا به، أهلا وسهلا أستاذ سمير.
سمير العيطة- مدير مجلة (Le monde deplomatiqe) العربية- باريس: أهلا بك.

اغتيال الحريري.. نقطة التحول
خالد الحروب: دكتور برهان سؤالي الأول ربما قد يتردد على ألسنة كثير من المشاهدين، لماذا التركيز على سوريا الآن وكل العالم الآن أميركا والغرب يركز عليها؟ هل نحن أيضا نركز على ذلك؟ هل هذا هو وقت الحديث عن الإصلاح في سوريا سواء في هذا الكتاب أم غيره؟
"المشاكل التي تعاني منها سوريا لم تعالج بعد، ما فتح المجال لدول أجنبية بالتدخل في شؤونها الداخلية"برهان غليونبرهان غليون: يعني الجواب هو أولا إنه سوريا بتهمنا.. إذا ركزنا على سوريا فلأنها بتهمنا وبتهم السوريين ونحن أيضا سوريين والسبب الثاني إنه سوريا تعاني بالحقيقة من مشاكل يعترف بها الجميع الآن وسبب كونها أصبحت أيضا محور اهتمام دولي هو أن المشاكل التي تعاني منها لم تجد الحل وسمحت لدول أخرى أجنبية بالتدخل في شؤون سوريا يعني هدفنا كان بالأساس من الاهتمام بسوريا هو أن ندفع عن سوريا احتمال أن تورطها المشاكل التي تعيش فيها وعدم قدرة السلطات القائمة على حل هذه المشاكل، تورطها في أوضاع تهدد سيادتها وتهدد ربما استقرارها أيضا.
خالد الحروب: نعم، سمير أيضا نفس السؤال حتى.. نحن أيضا نشعر بشرعية مناقشة هذا الكتاب وهذه المسألة في ظرف حساس جدا بالنسبة لسوريا، ألم يكن بالإمكان تأجيل الحديث عن الإصلاح حتى تمر هذه الزوبعة وتمر الأزمة التي الآن تحيط بسوريا؟
سمير العيطة: سأضحك.. المقالات التي كُتبت.. كتبت في أول سنة 2003، الكتاب ليس حديثا وكان ضمن ظروف لا تتعلق بما يحدث اليوم في سوريا وأريد أن أشكر الأستاذ رضوان على الجهود التي بذلها ليجمع كل هذه النصوص من الناحية السياسية الاقتصادية الاجتماعية لإعطاء صورة كنا في هذه المرحلة.. كان النقاش الدائر في سوريا كان على موضوع التوصيف، ما توصيف المرحلة الحالية؟ ما توصيف المشاكل التي نتجت عن المرحلة السابقة؟ وما توصيف الأهداف والبرامج؟ هذا موضوع الكتاب.. الكتاب مُنع دخوله في سوريا، أنتم طلبتونا اليوم لنتحدث عنه الكتاب كان يجب أن يصدر في 2003.
خالد الحروب: نعم لأنه صدر حديثاً أيضا.. على كل حال إذا بدأنا بالفصول، برهان أنت كتبت الفصل الأول فصل مثير وعنوانه الرأسمالية العشائرية، أيضا في سياق الإصلاح وكيف تحولت ما تسميه أنت رأسمالية الدولة الاحتكارية إلى رأسمالية عشائرية تقريبا أو بشيء من هذا القبيل، المصطلح ربما مثير يعني.. ما الذي تقصده؟ ما هي الأطروحة الأساسية في البحث؟
برهان غليون: يعني أنت بتعرف أنه مسألة الإصلاح انطرحت على الحكومة وعلى حزب البعث الحاكم كما انطرحت على المثقفين والشعب، إذاً كانت مسألة معترف فيها من قِبل الجميع، طبعا اليوم كلنا بنشعر أنه فشل الإصلاح بسوريا أو فشل الخط اللي كنا ندفع فيه للإصلاح كان فيه رؤيتين للإصلاح من شان أوصل للجواب على السؤال، الرؤية الأولى بتقول إنه النظام ككل نظام مليح ما فيه مشاكل كثيرة النظام ككل يعني النظام السياسي والاقتصادي والخيارات الاستراتيجية كل ما أتى به النظام من ثلاثين سنة أو عندما تكون في السبعينيات لا يزال سليما إنما ترهل قليلا مؤسساته بحاجة لتحديث بحاجة لبث دماء جديدة كوادر جديدة ولذلك جاءت بعض الكوادر بالفعل بثت بشكل جديد والقضية هي قضية تحديث انحكى عن التحديث وقضية تطوير وقضية يعني إدارة أفضل إذا شئنا هذه الرؤية اللي اتمسك فيها الحزب واتمسكت فيها الدولة واتمسك فيها الرئيس وقالوا إذاً لا ينبغي أن نفكر في النظام وإنما ينبغي أن نحسن من أداء النظام، الرؤية الثانية اللي كانت مسيطرة على قسم كبير من المثقفين ومازالت واللي بينت في النهاية أن هي صح كانت تقول إن هذا النظام من الناحية الاقتصادية أداؤه الاقتصادي وأداؤه الإداري والفساد الناجم عنه والتخبط الحاصل حتى في السياسة الخارجية ليس أمورا ثانوية وإنما هي.. أو منفصلة عن طبيعة ممارسة السلطة ككل عن قواعد السلطة اللي هي سلطة فردية سلطة محتكرة من قِبل حزب البعث سلطة محتكرة من قبل بيروقراطية صغيرة لم تتغير من وقت اللي تكون النظام حتى اليوم من قبل قيادة قطرية لا تسأل ولا..
خالد الحروب: برهان سوف أعود يعني هادول الرؤيتين واضحين الآن، سوف أعود لك إلى مسألة الرأسمالية العشائرية لكن دعني أسأل سمير حول هادول الرؤيتين حول توصيف مرحلة على الأقل الأربع سنوات أو الخمس سنوات التي مضت، البعض يقول إن الإصلاح فشل مثلما سمعنا من الدكتور برهان، البعض يقول إنه كان مازال على الطريق يعني أيضا هناك بحوث في الكتاب تقول إنه هناك كان ريموند مثلا يكتب في الكتاب أنه كان هناك قدر من النجاحات خلال أربع سنوات.. الخمس سنوات الماضية فأولا حتى نتفق على التوصيف ما توصيفك إصلاحيا للحقبة التي مرت هذه؟
سمير العيطة: للإجابة على هذا السؤال يجب تعريف ماذا نريد من الإصلاح؟ كنت أقول لك أنه كان لدينا مشكلة مع الخطاب الرسمي على توصيف المرحلة التي سبقت مثلا خفضت منذ أزمة.. الأزمة المالية في سوريا سنة 1986 خفضت سوريا الحكومة السورية ميزانيتها من 50% من الناتج إلى 30% من الناتج، لا تعترف بهذا الشيء أنها قررت قرارا سياسيا أن تخفض هذا الشيء.. هذا الشيء استمر خمسة عشر سنة كان له إيجابيته ولا كان له سلبياته الكبيرة، اليوم نحن نعيش بتردٍ تعليمي.. تردٍ داخلي اعترف.. اعترفت بها الحكم في السنة الأخيرة ولكن المعركة حتى سنة 2003 كانت لا تعترف بالمعوقات بالمشاكل التي كانت قبلها، أساس المشكلة في هذا الموضوع هو هروب عبر تشريع الاستمرارية يعني خلال الفترة الأولى بين 2000 و2004 كان هروب أن لا مشكلة من الفترة السابقة ولكن في الحقيقة اعترفت الحكومة.. فيه نص أخير صدر بأول 2005 لهيئة تخطيط الدولة اعترفت بعد كل هذه النقاشات مثلا أن الفترة بين 1996 لحد آخر 2003 هي سنوات ضائعة في الإصلاح في سوريا هذا ليس نحن الذي نقوله هذه وثيقة رسمية سوريا التي تقولها.
خالد الحروب: سمير أسألك عن بعض ما ورد في الفصل الذي أنت ذكرته والآن أيضا يعني حتى منها ننطلق إلى الفصل الأول والذي يليه تقول مثلا أن هناك كان تقدما ولو جزئيا ولو نسبيا.. فيه تحسن في الاقتصاد السوري وأن مثلا نسبة الموجودات الخارجية لسوريا تعتبر ثالث دولة عربية حتى ضمن مع دول الخليج متضمنة في هذا التدريج وأن هناك مدى استقرار لسعر الصرف العملة فهناك نوع من التقدم ولو أنه نسبي وأن الصورة التي يرسمها المثقفون السوريون عن الوضع هي صورة قاتمة وأحيانا راديكالية وحدية لا تصف الواقع؟
سمير العيطة: الأشياء ليست أبيض وأسود الأشياء هي تحليل لماذا حصل، لنعود مثلا إلى الموجودات الخارجية، تجمعت موجودات خارجية رسمية في سوريا هذه الموجودات وصلت الآن تقريبا حجمها لحجم الناتج المحلي الإجمالي وهذا شيء بكل المعايير استثنائي ولكن من الناحية الأخرى هذا الشيء.. وجود النفط هذا بفضل الريع النفطي أخر الإصلاح عند.. كان لك أزمة مالية عند 1986 هذه الأزمة المالية كان توجه إما أن تقوم بإصلاح هيكلي أساسي أو أن لا تقوم بإصلاح، قاموا بالإصلاح من ناحية الموازنة جمعوا الموجودات الخارجية ولكن من ناحية هيكلة الاقتصاد عمل الاقتصاد مثلا قانون التجارة يناقش من 1972 حتى الآن اللي هو حرية العمل التجاري وتنظيم العمل التجاري البسيط في سوريا لم ينتج إلى اليوم كانت هذه المنَّة النفطية هروبا من الإصلاح..
خالد الحروب: نعم، خلينا نرجع إلى مسألة المصطلح، برهان اللي هي الانتقال إلى الرأسمالية العشائرية وأنه حصل انفتاح جزئي اقتصادي لكن لم يحصل انفتاح سياسي فهذا كان هذا أحد الأسباب التي...
برهان غليون: فاللي قلته أنا تبنّى النظام إذاً فكرة الإصلاح اللي سماه حسب النموذج الصيني، بمعنى أنه نحن بنعمل إصلاح اقتصادي انفتاح سوق.. اقتصاد سوق ونوع من الانفتاح الليبرالي لكن بنفس الوقت بنسكَّر سياسيا يعني بنحتفظ بكل السلطة في يد الحزب الحاكم وهذا اللي عبر عنه الاحتفاظ بقوانين الطوارئ والمادة 8 من الدستور اللي بتنص على أنه حزب البعث قائد للسلطة وللمجتمع، إذاً لا توزيع للسلطة لا إعادة نظر في ممارسة السلطة ولكن إعادة نظر في القوانين الاقتصادية وأصدروا بالفعل قوانين اقتصادية مهمة في اتجاه تحديث الاقتصاد أو نقله نحو اقتصاد انفتاح، الآن شو حصل مع وجود انفتاح اقتصادي لكن سلطة مسيطرة عليها من قبل طبقة بيروقراطية مقيمة في الدولة وفي مؤسساتها ومستخدمة للسلطة من أربعين سنة ومترابطة عائليا وأسريا، ماذا حصل؟ حصل أنه لم ننتقل إلى اقتصاد سوق، لم ننتقل إلى رأسمالية يتنافس فيها الناس حسب كفاءاتهم أصحاب المشاريع وأصحاب الرأسمالية حسب كفاءاتهم وقدرتهم على بناء مؤسسات منتجة وفعالة وإنما ما حصل فيها أنه الملكية العامة اللي كانت هي يعني مسيطرة على البلد تحولت إلى.. عن طريق الثروة والسطو على المال العام والسرقة تحولت إلى يد أبناء جيل جديد أو الجيل الثاني من المسؤولين ونشأت علاقة جديدة أيضا بين الرأسمال الجديد اللي هو أصبح خاص وبين السياسة تمنع من أنه شو فعلا رأسمالية اقتصادية منتجة وتدفع نحو نشوء سميتها رأسمالية عشائرية بمعنى رأسمالية زبونية قائمة على الترابط العميق بين السلطة وبين الثروة أنا بأربح مش لأنه منتج لأنه مسيطر على مواقع السلطة وأستطيع أن آخذ الصفقات وأسطو على الصفقات المُدرة للربح وبالتالي ما خُلقت أنا في الحياة لم أطلق الاقتصاد وإنما بالعكس خلقت طبقة أكثر انغلاقا مالكا لرأس المال.
خالد الحروب: شكرا برهان، بعد توقف قصير سوف نتحدث عن حدود الإصلاح السوري، هل إمكانياته.. يعني هل هو ممكن ولاَّ غير ممكن كما يقول تحديدا رضوان زيادة في الفصل الذي كتبه، مشاهديّ الكرام نتواصل معكم بعد هذا الفاصل القصير.
[فاصل إعلاني]
تداعيات سيطرة حزب البعث على الحكم السوري
خالد الحروب: مشاهديّ الكرام مرحبا بكم مرة ثانية نواصل معكم نقاش كتاب اليوم الإصلاح في سوريا، أستاذ سمير إذا انتقلنا إلى الفصل الذي كتبه رضوان زيادة هنا حدود الإصلاح السوري هل هو ممكن أم غير ممكن ويتحدث حديثا طويلا تحليليا بدأ بحقبة حافظ الأسد ثم الآن بشار الأسد ويصل إلى خلاصة ربما تكون خلافية لكنها مهمة يقول إنه من أجل تحقيق الإصلاح لابد من تقديم قرابين كثيرة أولها حزب البعث وثانيا الدستور الذي ينص على أن الحكم يجب أن يكون بيد حزب البعث، ما رأيك؟
سمير العيطة: موضوع واضح يعني أنت لا تستطيع باختصار أن تضع الفعالية الاقتصادية بيد من ناحية الفعالية للقطاع الخاص دون أن تشارك هذه فعالية القطاع الخاص في الحكم بشكل عام ولا تستطيع من ناحية أخرى أن تتبنى سياسة اجتماعية.. أحد الأشياء التي الآن تتحدث عليها هي أن السياسة التي كانت ماضية كانت غير اجتماعية أهم شيء باقتصاد السوق الاجتماعي ليس اقتصاد السوق هي الناحية الاجتماعية وكما تطرحه الوثائق الرسمية اليوم يجب على الفئات الاجتماعية أن تشارك هذا الشيء من ضمن وجود حزب البعث لا تستطيع أن تأتي برئيس وزراء حتى حسب مؤتمر البعث الإصلاحي الذي جرى في حزيران إلا بعثي أنت سكَّرت الطريق.
خالد الحروب: لكن هذا الطلب برهان يعني.. هذا الطلب طلب عمليا انتحار سياسي من النظام القائم، أنت تقول له يجب أن تنهي حزب البعث وتنهي الدستور تنهي مقومات وجود النظام السياسي القائم تحت مزاعم الإصلاح وهذا أمر شبه مستحيل؟
برهان غليون: نحن لا نقول ذلك، نقول الإصلاح بحاجة أول شيء لتغيير معنى السلطة.. السلطة مش غنيمة السلطة مسؤولية، هذا لم يحصل الإصلاح بحاجة إلى قوة إصلاحية منظمة، النظام لم يفرز ولا البعث فرز أي قوة إصلاحية ما بنعرف إذا فيه تيار إصلاحي منظم ولاَّ لا، الإصلاح بحاجة فعلا إلى علاقات كويسة مع الطبقات اللي بدها تقوم بالاستثمار وبالتالي بدها مشاركة ما أحسن يعملوه، الإصلاح بحاجة إلى علاقات كويسة مع الدول الصناعية اللي بدها تقدم لنا شوية خدمات مساعدات استثمارات هذا ما حصل، الحقيقة أنه الإصلاح انتهى قبل حتى الأحداث الأخيرة لكن اليوم مع الأحداث الأخيرة اللي بنعرفها سوريا محاصرة النظام متهم بتورطه بجريمة كبيرة في الداخل الثقة مفقودة في الداخل وفي الخارج نحس أنه مرحلة الإصلاح انتهت على كل حال لأنه ما عاد فيه إمكانية للتفكير فيها، الآن نحن في مرحلة التغيير في مرحلة كان فرصة ضيعنا فرص الإصلاح خمس سنين كان عندنا إمكانية أن نعمل فيهم إصلاح، الآن انتهت القصة الآن لا يمكن إصلاح الأوضاع في سوريا وهي أوضاع سيئة وبحاجة إلى إصلاح حقيقي إلا بتغيير النظام ليس بمعنى تغيير الأشخاص هذا دائما بيفكروا النظام يعني أنه نحن عم نستبعد ناس تغيير طريقة ممارسة السلطة وطريقة تعامل الحكومة والدولة مع الناس وعمل المؤسسات ودور المؤسسات.
خالد الحروب: هذا كلام جميل برهان لكن هنا أيضا فيه فصل في الكتاب نفسه الدكتور لقي صافي يكتب أنه هذا كلام التغيير.. المطالبة بالتغيير حتى عند المعارضة بما فيها المثقفين ليس عندهم برنامج ويقول أحيانا ويذكر اسمك في الواقع يقول إنه يتصف الخطاب الذي يقدمه هؤلاء وخاصة حركة السلم الاجتماعي ومنهم عارف دليلة والمفكر السوري المغترب برهان غليون يتصف بالموقف الحدي الداعي للإصلاح الشامل من دون ما يقدم بديل واضح للمعارضة؟
برهان غليون: نحن قدمنا.. أنا بالندوة اللي صارت بـ2001 بسبتمبر 2001 بمنتدى رياض سيف كان الاقتراح هو بوجود الرئيس الراحل اللي كان الحالي اللي هو كان عم يوعد بالإصلاح بتصير فيه انتخابات ديمقراطية تنجم عندنا نزيهة تنجم عندنا جمعية تأسيسية تعيد بناء الدستور تعيد تكوين الدستور وبلورة الدستور بنقاش عام ونفتح حقبة جديدة، هذا عمل يعني يعاد اليوم كما قال ضياء الدرب في آخر مداخلة له وهذا مهم جداً ردا على من يقول إن ليس لدينا مشاريع، نحن لدينا مشاريع لكن ليست مشاريع لإصلاح حزب البعث الحاكم وإنما إصلاح النظام بمعنى العودة إلى الشعب السوري، يقول رياض الدرب في آخر تصريح وهذا مهم كثير إنه فيه إمكان اليوم إذا بدنا نعمل تغيير حقيقي بتقدم الحكومة.. لأنة وصلت لطريق مسدود بتقدم الحكومة استقالتها تماماً ويستلم رئيس البرلمان الرئاسي لفترة انتقالية يكوَّن خلالها حكومة ائتلاف وطني تضم جميع الأطراف ويدعو إلى انتخابات جمعية تأسيسية تعيد صياغة الدستور وتنطلق.. وينطلق نظام جديد هذا لا يلغي الاستقرار هناك الجيش يكون ضماني للاستقرار ما حدا بيمسه ولا بيمس مؤسساته ولا أي شخص يمس بالمؤسسات باستثناء أصحاب المسؤولية السياسية فأنت.. بأعتقد بالعكس هذه الصيغة تسمح لسوريا بالانتخاب بشكل طبيعي.. وآلية عملية.
خالد الحروب: لكن هناك مسألة أخرى أسال سمير عنها وهي هنا في الفصل الذي كتبة ريمون هاري بوش أكاديمي في بريطانيا حول الإصلاح في سوريا في ظل الوضع الإقليمي والدولي وأن سوريا هي بعد العراق على جدول المحافظين الجدد وهذه هي المسألة الأهم يجب أن ننظر إلى الموضوع من زاوية السياسات الدولية، الخطر الذي يحيط بسوريا أكبر بكثير من الإصلاح الداخلي وهو هنا تقريبا في كل فصل بالكاد يتعرض للمسألة الداخلية.. يتعرض لها لكن بشكل.. ما رأيك في هذه المقاربة دائماً.. المقاربة من الخارج؟
"عندما وقع الكونغرس الأميركي قانون معاقبة سوريا، ركضت دمشق إلى توقيع الشراكة الأوروبية"سمير العيطةسمير العيطة: واضح بشكل بسيط سأعود .. سأجيبك عن السؤال الذي قبل هذا، ليس فقط المعارضة ليست لديها برنامج الحكومة أيضا ليس لديها برنامج واضح، سأعطيك بالنسبة للموضوع الإقليمي مثالا هاما هو موضوع الشراكة الأوروبية، سوريا وقَّعت برشلونة منذ 1995 حتى 2003 كان التوجه العام الحكومي هو المماطلة اللانهائية عندما وقَّع الكونغرس الأميركي قانون معاقبة سوريا ركضت سوريا إلى توقيع الشراكة الأوروبية، أنت موجود في وضع دولي صعب وداخلي تريد أن توجِد علاقات جيدة مع أوروبا, مع تركيا لم تحدث هذه الأشياء إلا تحت الضغط لم يكن هناك برنامج استقرائي من الأصل يجد مكاناً لسوريا في العالم.. هذا الذي جرى.
برهان غليون: لكن في المقابل بأعتقد إن المعارضة اليوم عندها برنامج.. برنامج التغيير الديمقراطي برنامج تغيير النظام نحو نظام ديمقراطي تعددي يسمح للشعب أن يبلور السياسات.. المعارضة ليس من حق المعارضة ككل وهي ليست.. لا يمكن أن تكون متفقة على برنامج واحد وإلا ما فيه تعددية نرجع من نظام الحزب الواحد إلى نظام الحزب الواحد, المعارضة لا تقول لدينا برنامج واحد تقول لدينا برنامج وطني للتغيير لكن فيما بعد التغيير الشعب يقرر بالانتخابات ما هو البرنامج الصالح لإدارة السياسة في البلاد؟ هل هو برنامج الحركة الديمقراطي؟ هل هو برنامج البعث السابق لأنة ها يدخل في المنافسات, هل هو برنامج اشتراكي..
خالد الحروب: أيضا عن جهود.. وأيضاً سمير يمكن أن تعلق على نفس المسألة لأنة يعني التعليق على ما ذكرت أن النظام ليس عنده برنامج ليس عنده جهود هنا في الفصل الذي كتبة سمير سعيفان.. فيه سرد للجان الإصلاح في أواخر العام 2000 لجنة ال18 لجنة ال35 واللجنة الوزارية وهي كلها لجان متخصصة مهنية وبيروقراطية حاولت أن تضع برامج تعديل وتبديل.. سمير.
برهان غليون: صحيح.. صحيح.. سمير عنده معرفة في هذه الناحية.
سمير العيطة: في هذه الناحية مثلاً لجان ال18 كانت جيدة بمعنى أنها خلقت بين مختلف الاختصاصيين نوع من النقاش ولكن لم يعطل هذا العمل ليصل إلى برنامج فعليا فشل النقاش، أنا لا أتفق مع الأستاذ برهان على نقطة واحدة هي أنة لم يبذل الجهد لا من طرف الحكومة ولا من طرف المعارضة للنقاش بشكل تفصيلي على بعض النقاط التي سيخرج فيها خلاف في المستقبل بين هذا الطرف الذي اليوم معارض وهذا الطرف الذي اليوم منظومة ضمن الدولة عندما هناك أشياء ستفرز إفرازات أخرى لنقاشات دقيقة.. نحن لسنا بوضع منتج برنامج اشتراكياً مع نقطة 1234 ولا برنامج يمينياً للنقطة 1234 يلتزم فيها مَن يقدم هذا البرنامج ويحاسب عليه وفي تداول هذا هو الوضع المثالي، اللجان لم تعطِ شيئا فشلت لم تتحول من حراك نقاش لجنة إلى برنامج حكومة تحاسب عليه.
خالد الحروب: نعم, أسألك سيد برهان عن مسألة اللجان وأنت ذكرت أيضا في الفصل الذي كتبته قلت إن هذا التغيير الذي يريد النظام أن يحافظ على وجوده من خلال هذه الإجراءات التجميلية هذا ليس تغييرا وأيضا سردت هذه اللجان وقلت إن هذه اللجان كانت عملية غير مكتملة.. لكن بإيجاز في دقيقة.
برهان غليون: لا إنه بالتأكيد الأسباب الحقيقية لفشل الإصلاح هي إنه لم ينظر إلى الإصلاح كوسيلة لتغيير الأوضاع بسوريا إنما نُظر إليه كوسيلة لتعزيز موقع النظام ودعم النظام بهذه الحالة صار تجميلي بالضرورة لأنه نحن لا نريد توزيع الثروة ولا توزيع السلطة من جديد ولا إعادة إطلاق قوى اجتماعية جديدة نحن نخاف وأقصد الذين يريدون أن يصلحوا يخافوا من نشوء طبقة برجوازية مثلاً يكون لها وزن ودور بالحياة السياسية بالبلد فبدهن إنه يكون الطبقة الرأسمالية يكونوا قريبين من أبناء الطبقة الحاكمة حتى يظلوا مسيطرين بالحالة الليبرالية وبالحالة الاشتراكية.
خالد الحروب: شكرا جزيلاً لإتاحة الوقت لنا وشكراً لكم مشاهدينا الكرام، لقد كنا معكم في نقاش كتاب الإصلاح في سوريا بين السياسات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية والذي هو كتاب من تأليف مشترك حضره الباحث السوري رضوان زيادة وأشكر ضيفينا هنا في الأستوديو وهما مؤلفين مشتركين في الكتاب أيضاً الدكتور برهان غليون مدير مركز دراسات الشرق المعاصر وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس فشكراً جزيلاً أستاذ برهان وكذلك أشكر أستاذ سمير العيطة الباحث الاقتصادي والإداري ومدير مجلة (Le monde deplomatiqe) باللغة العربية في باريس وإلى أن نلقاكم في الأسبوع المقبل هذه تحيات مُعد البرنامج الزميل عبد المعطل جعبة وتحياتي خالد الحروب ودمتم بألف خير.
المصدر:
الجزيرة

mercredi, décembre 14, 2005

في أسباب أزمة المجتمع المدني في البلاد العربية

الوطن ديسمبر 05

يكاد المجتمع المدني في المجتمعات العربية يدين في وجوده بشكل رئيسي لما نسميه ظاهرة العولمة، من حيث ما تنطوي عليه من انتشار للأفكار والمكتسبات عبر الحدود أو من حيث ما ترتبط به من تطور في تقنية الاتصالات الجديدة. فهي التي قدمت له الإطار النظري والوسائل التي مكنته من الحصول على حد أدنى من حيز الاستقلال عن النظم القائمة. فليس من المبالغة القول، إن المجتمع المدني، الذي لا يزال يبدو دخيلا على المجتمع العربي، هو هبة شبكة الانترنيت. فهي التي تحتضنه وتقدم له المكان الافتراضي بعد أن حرمته السلطات من المكان الحقيقي. لكن بقدر ما يدين هذا المجتمع في وجوده للعولمة يعيش أيضا عيوب المجتمع المعتمد على العلاقات الخارجية.
لا يعني ذلك أنه صنيعة خارجية ولا تعبيرا عن حاجة ثانوية، ولكنه يعني أن وجوده لم يكن ممكنا من دون تجاوز الحدود الوطنية، وفي ماوراء ذلك، من دون حد أدنى من الالتقاء بين مصالح القوى العولمية الخارجية وقوى الطبقات الوسطى والقطاعات النشيطة الداخلية التي لا تزال تملك عناصر الارتباط بالعالم والحضارة والتفتح على الفضاءات الخارجية. فهو ثمرة العولمة الحقيقية. لكن ضموره وتبعيته للموارد الخارجية المادية والسياسية تظهر أيضا حدود العولمة العربية وفقرها.
ولعل ذروة التلاقي بين التحول المجتمعي الايجابي المعبر عن ديناميكيات تطور المجتمع المحلي بالتوازي مع نشوء المجتمع العالمي، بما يضمره من تفاعل وتضامن بين قطاعات الرأي العام العالمية، تتجسد في الهيئات والجمعيات المدنية المرتبطة بحركة تحرر المرأة. فقد حصلت هنا طفرة حقيقية جعلت من الحركة النسوية نموذجا ناجحا للمجتمع المدني العربي بل ربما النموذج الوحيد الناجع والناجح. في حين بقيت حركات مثل حقوق الانسان والمنتديات الفكرية ضعيفة ومعزولة وغريبة إلى حد كبير عن مجتمعها بالرغم من زيادة لجوء الجمهور لها. فمن الواضح هنا أنه لا يوجد توافق كبير بين الطلبات المحلية وحاجات نمو المجتمع العالمي. فحقوق الانسان لا تثير اهتمام القوى العولمية إلا بقدر ما يمكن أن تستخدم كأدواة للضغط الجزئي في سبيل تحقيق أهداف خارجة عنها.
في هذ الإطار ينبغي تحليل التخلف الشديد الذي يميز أحوال المجتمع المدني العربي، باستثناء الحركة النسوية، بالمقارنة مع التطور المذهل الذي حصل لهذا المجتمع في عصر العولمة، والذي يشكل بالفعل أحد المحاور الرئيسية التي يتم من خلالها تجاوز الاستراتيجيات الوطنية نحو استراتيجيات عالمية، كما يتم ضبط التحولات الاقتصادية المعتمدة على إعطاء الأسبقية لمنطق السوق وإخضاعها لمعايير وقيم وغايات إجتماعية وإنسانية.
فليس من الممكن الفصل بين تخلف هذا المجتمع المدني والصعوبات التي واجهتها المجتمعات ولا تزال في الخروج من نموذج النظم التسلطية. ففي جميع البلدان العربية ووجهت فكرة المجتمع المدني ونشاطاته بحذر وتشكيك كبيرين. يتجلى هذا الاتجاه في طبيعة القوانين التي أنتجتها السلطات العربية في هذا الميدان والتي حرصت القوانين المتعلقة بتكوين الجمعيات في البلاد العربية على الحد من حقوق الأفراد في تكوين الجمعيات وإخضاع هذه الجمعيات إذا نشأت إلى شروط تعجيزية وموافقات أمنية مسبقة، والتضييق عليها لمنعها من التواصل مع أفراد المجتمع أو التأثير فيهم. كما حرصت أن تحرم هذه الجمعيات من إمكانيات الاستفادة من موارد لا تستطيع السيطرة عليها أو التحكم بها واستسهال توجيه التهم السياسية لقادتها بالتعامل مع الخارج أو بالفساد للحد من قدرتها على الحركة.

وتدفع الآثار السلبية لتطبيق برامج التحرير الاقتصادي وما ينجم عنها من آثار سلبية، وبالتالي الخوف من تنامي الحركات الاحتجاجية، واحتمال استخدامها لهيئات المجتمع المدني كإطار لإعادة بناء الشرعية السياسية، النخب القائمة إلى التمسك بشكل أكبر بالسيطرة البيرقراطية ووضع كل ما في مقدورها من العقبات أمام نشوء مجتمع مدني حي وفاعل. لا بل إن الكثير من النخب العربية قد نظر إلى المجتمع المدني على أنه بدعة تخريبية تختفي وراءها المعارضة السياسية واتهمه قسم منها بأنه صناعة أمريكية. وهكذا لم يواكب تقدم مسار العولمة هنا تزايد عدد مؤسسات المجتمع المدني وانتشار فكرتها ونشاطاتها في النسيج الاجتماعي كله، وفي سياقها توسيع دائرة المشاركة الشعبية في إدارة الشؤون العمومية التي كانت محور التنمية الاجتماعية في العديد من المجتمعات الصناعية، وإنما ترافق بتعزيز السيطرة الرسمية واكتساحها لكل السلطات السياسية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والأبوية معا. وتم التعويض عن نقص المؤسسات المدنية بالنمو الملفت في عدد الأجهزة الأمنية ودوائر المخابرات السياسية والعسكرية ومكاتبها وفروعها، وفي تعدد مناحي اختصاصاتها ونشاطاتها، التي تقلص دورها تماما في ميدان الأمن الوطني إن لم تكن هجرته لصالح التدخل اليومي والمباشر في شؤون الأفراد والجماعات والمؤسسات والشركات الخاصة والعامة على حد سواء. وقد استفردت في بعض الحالات بالقرار وأخذت على عاتقها القيام مكان الشعب أو البرلمان في تعيين المسؤولين من أدنى مرتبة إدارية إلى أعلى سلطة سياسية ومتابعة مسيرتهم ومراقبتهم، فجعلت مصير الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلم وكل نشاطات المجتمع معلقا بقرار الأجهزة السرية التي تحولت هي نفسها، في غياب القانون، ومع الصلاحيات اللامحدودة التي استحوذت عليها، إلى ميليشيات خاصة أو ما يشبه الميليشيات الخاصة التي تتصرف كدولة داخل الدولة، ولا تعترف بأي قاعدة سلوك أو قانون غير قانون تخليد سيطرتها وتعميمها على كافة شؤون المجتمع.

لكن، في ما وراء التدخلات المباشرة من قبل السلطة السياسية للحد من نمو المجتمع المدني، لا شك أيضا أن تفكيك الدولة الوطنية وانحلالها لصالح دولة الأجهزة الأمنية والمصالح الخاصة الفئوية قد حرم المجتمعات من نقطة الارتكاز الضرورية لبناء هياكل ومؤسسات من طبيعة مدنية، أي قائمة على الشراكة بين مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. فزوال الدولة الوطنية قد حطم قاعدة المواطنية وإمكانية التعامل على أسس قانونية سياسية عقلانية لحساب عودة أشكال التعاون والتواصل القديمة ما قبل السياسية. وبموازاة تراجع النخب والنظم الحاكمة عن الأجندة الوطنية وانكفائها على برنامج إثرائها الخاص والشخصي، ومع تراجع صدقية العقد الوطني الضمني والشك المتزايد بنجاعة الفكرة الوطنية، حصل تراجع تدريجي، لكن قوي ومتواصل، للقاعدة الشعبية العريضة عن القيم الوطنية لصالح إحياء مصادر الألفة وقيم التضامن وهياكل القرابة الاجتماعية القديمة التي سيطرت في حقبة ما قبل الوطنية.
وكما وظفت النخب الجديدة الدولة نفسها كإطار لتنظيم نفسها والدفاع عن مصالحها المتعددة، تحولت الأطر العشائرية والطائفية والعائلية المستعادة إلى أدوات لبناء الهوية الخاصة وإحياء التضامنات الاجتماعية التي ستوظفها الفئات المختلفة في معركة الدفاع عن مصالح تصبح، هي أيضا، أكثر فأكثر، مصالح فئوية، عشائرية أو طائفية أو مذهبية أو أصنافية. وهكذا ستتراجع قدرة المجتمعات على التفكير بمفاهيم ومقاييس عصرية في ما يجري من تحولات تاريخية لتعود إلى الصدارة مفاهيم ونظريات المؤامرات الخارجية والحروب الدينية. وتتضائل الهياكل والمؤسسات المدنية الحديثة، في العدد والوزن والقوة والنشاط، أمام الانتشار الواسع للمؤسسات والهيئات الخيرية والاجتماعية التي أطلق عليها الباحثون إسم المجتمع الأهلي لتمييزها عن جمعيات المجتمع المدني الحديثة. ولا يوازي غنى هذه الجمعيات التي تعتمد في بنائها المباديء والقيم والأعراف والتقاليد الدينية والعرفية، وتستمد مصادرها المالية الكبيرة من المساهمات الشعبية الداخلية ذات السمة الدينية، من زكاة وصدقة وتبرعات أهلية، سوى فقر الجمعيات المدنية الحديثة وبؤسها واعتمادها الكلي تقريبا على المعونات الخارجية المقدمة من قبل مؤسسات المجتمع المدني العالمية.
تضع هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية منظمات المجتمع المدني في حالة هشاشة كبيرة. فهي تعيش في حالة عزلة نسبية عن المجتمع ولا يتجاوز نشاطها الشرائح المثقفة وقطاعات محدودة من الطبقة الوسطى. ويتسم معظمها بالطابع الشللي وأحيانا العائلي والافتقار للهياكل التنظيمية السليمة والخبرة العملية والقدرة على توفير التمويل الذاتي. وتشكل العديد منها واجهات للربح وتحقيق مصالح شخصية أو أداة في يد بعض القوى السياسية أو الاقتصادية أو الطائفية أو الأقوامية. ويفتقر الكثير منها كذلك للشفافية وتسيطر عليه عقلية السيطرة الفردية وغياب التقاليد الجمعوية والديمقراطية.
وهي بشكل عام ضعيفة الصلة بالمجتمع الذي تعمل فيه ولا تزال بعيدة عن أن ترد على حاجات الاندراج في العولمة المدنية.