vendredi, juin 10, 2005

المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث السوري

برنامج أكثر من رأي على الجزيرة الفضائية

/2005/6/10/

مقدم الحلقة: مالك التريكي
ضيوف الحلقة: - سامي الخيمي/ سفير سوريا لدى بريطانيا- برهان غليون/ مركز الدراسات الشرقية بجامعة السوربون- أيمن عبد النور/ رئيس تحرير نشرة كلنا شركاء
تاريخ الحلقة: 10/6/2005
- بروز قيادة جديدة وإصلاح أوضاع البعث- عوائق مكافحة الفساد في سوريا- اقتصاد السوق الاجتماعي واحتمالات الإصلاح- طبيعة الإصلاح السياسي السوري
مالك التريكي: السلام عليكم، لا يمكن لصيف دمشق عام 2005 أن يُوزَن سياسياً إلا بميزان ربيع دمشق عام 2000، أي أنه إذا صح أن التحرك نحو الإصلاح أو التطوير والتحديث هو تحرك داخلي نابع من حاجة أصيلة في الذات ولا علاقة له بالتطورات الإقليمية والضغوط الدولية إذا صح ذلك فإن نتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم الذي أُختتم أمس الخميس لا يصح أن تُقيَّم إلا بمعيار المطالب التي أعلنها المجتمع المدني منذ خمسة أعوام>
لاسيما في بيان المثقفين التسعة والتسعين وتشمل هذه المطالب إلغاء العمل بقانون الطوارئ الساري المفعول منذ أكثر من أربعين سنة والإفراج عن جميع سجناء الرأي وجميع السجناء السياسيين ووضع حد لاحتكار حزب البعث للحياة العامة ولدواليب الدولة والسماح بالتعددية السياسية دون إقصاء لأي تيار أو أي حزب والسماح بحرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وضمان استقلال القضاء استقلالا فعليا وكف أيدي المتنفذين الذين أثقلوا البلاد بالفساد والإفساد.
فما هو إذاً حُكم ربيع دمشق على صيفها؟ وهل من معنى فعلي على مستوى الممارسة السياسية لما يُسمى بتقاعد بعض رموز الحرس القديم وبروز وجوه جديدة تُحسب على تيار التجديد والإصلاح؟ وهل يمكن لسوريا أن تُعزز قدرتها على مجابهة النوايا الأميركية دون تحصين الجبهة الداخلية؟ وما هو السبيل لتحصين الجبهة الداخلية إن لم يكن بإطلاق جميع الحريات والانعتاق من منطق الدولة الحزبية التي يسد عليها الهوس الأمني كل الآفاق؟
هذه بعض من المسائل التي سيُعقد حولها الحوار مع ضيوفنا الكرام، من دمشق رئيس تحرير نشرة كلنا شركاء الإلكترونية السيد أيمن عبد النور وهنا في الأستوديو سعادة السفير السوري لدى المملكة المتحدة السيد سامي الخيمي، إضافة إلى الأستاذ في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة السوربون بباريس الدكتور برهان غليون، نستهل الحوار بعد الفاصل.
[فاصل إعلاني]
بروز قيادة جديدة وإصلاح أوضاع البعث
مالك التريكي: أهلا بكم من جديد أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي وحلقة اليوم مخصصة لنتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في سوريا ونتوجه بالسؤال إلى السيد سفير سوريا لدى المملكة المتحدة السيد سامي الخيمي، البارز في نتائج المؤتمر هو بروز قيادة جديدة لا يقل عن تسعة أعضاء من القيادة الجديدة وجوه جديدة، السؤال المنطقي هل الوجوه الجديدة تعني الدخول في سياسات جديدة فعليا أم هي مجرد وجوه جديدة فقط؟
"خرج المؤتمر القطري بتوصيات جديدة لم يسبق له إقرارها، ومن المفيد بروز قيادة جديدة تحمل برنامجا جديدا"سامي الخيميسامي الخيمي - السفير السوري لدى بريطانيا: يعني لا أحد يأتي بوجوه جديدة من حيث المبدأ إذا لم يكن المؤتمر ينوي تطبيق سياسة جديدة وأنا متفائل الحقيقة في أن القيادة الجديدة سوف تعمل على الأقل على تنفيذ توصيات المؤتمر وهي توصيات جديدة إذ لم يسبق لنا أن خرجت توصيات بهذا الشكل من مؤتمرات حزب البعث في الماضي، ففي رأيي أن يعني من المفيد النظر إلى القيادة الجديدة على أنها تحمل برنامجا جديداً.
مالك التريكي: الدكتور برهان غليون.
برهان غليون - مركز الدراسات الشرقية بجامعة السوربون: ربما من المفيد مثل ما عم بيقول سعادة السفير، بس أنا بدي أقول إنه بالحقيقة ما فيه شيء جديد كثير بالشيء اللي طلع أولا، بمعنى كل ما اقترحه المؤتمر كان مكتوب ومعروف وأُشيع قبل انعقاد المؤتمر فيما يتعلق بتقييد أو بتحديد عمل نطاق استخدام مادة قانون الطوارئ، فيما يتعلق بتعدد للأحزاب أو بصيغة ما لخلق تعددية حزبية وفيما يتعلق بمحاربة الفساد وهو برنامج قديم، كان البعثيون يقولون كان النظام يقول نحن عندنا تعددية عندما كانت المعارضة تطالب بالتعددية يقول انظروا نحن لسنا حزب واحد نحن لدينا جبهة أيضا وكانوا يقولون أيضا منذ خمس سنوات..
مالك التريكي [مقاطعاً]: تقصد الجبهة الوطنية التقدمية التي تضم تسعة أحزاب.
برهان غليون [متابعاً]: التقدمية الحاكمة، التآلف الحاكم وكانوا يقولون أيضا أن قوانين الطوارئ لن يُطبق سنتركه ولكن لن نطبقه والحال إنه في الخمس سنوات الماضية طُبق قانون الطوارئ كما لم يُطبق في أي فترة سابقة في تاريخ سوريا على كل حال وفي تاريخ البعث نفسه، الاعتقالات لا يقرأ الإنسان عن سوريا إلا أخبار الاعتقالات والإفراجات والاعتقالات والإفراجات.
ومن الاعتقالات الأخيرة الحقيقة هذا مشان الناس يعرفوا شو معنى قوانين الطوارئ قُتل أحد رجال الأمن في مسجد من المساجد في مدينة حِمص مسجد أبو زر وهو كان مشرف على أمن أو على الإشراف.. مراقبة المساجد واعتُقل.. واكتُشف من هو سلّم البوليس الأردني هرب الأردني القاتل وسلموه، لا يزال 16 طفل ومراهق معتقلين من أكثر من عدة أشهر ستة أو سبعة أشهر بدون ما يعرفوا أهلهن أي خبر عنهن على الإطلاق ولا شافوا المحامي ولا شافوا أهلهن ولا شافوا حدا هذا هو قانون الطوارئ، قانون الطوارئ يعني العسف المطلق، الشغلة الثالثة إنه الفساد، الفساد بدأ النظام السوري يتحدث بالفساد نظام البعث من 1976 من 1973 من حكومة الخلفاوي التي كان هدفها وبرنامجها الرئيسي هو بالضبط الفساد، عندما جاء الرئيس الجديد قبل أن يأتي برنامجه الرئيسي كان هو محاربة الفساد وبعد أن أتى برنامجه الرئيسي محاربة الفساد، طيب إذا أردنا فعلا أن نحارب الفساد لازم نطرح على أنفسنا ليه هالفساد ما حسينا نحاربه حتى الآن؟ شو هي العوائق اللي خليتنا ما نحسن ننجح في محاربته؟ أنا بأقول إذاً ما فيه شيء جديد لكن حتى بالشيء اللي خرج اللي ممكن يكون يُعبر عن رغبة حقيقية في إرضاء تيار إصلاحي داخل حزب البعث، أنا برأيي في محاولة لإرضاء التيار الإصلاحي داخل حزب البعث، لكن ليس لهذا علاقة إطلاقا بإصلاح الأوضاع السورية، هي نوع من إصلاح الأوضاع داخل حزب البعث، لكن حتى في هذا النطاق لازم نعرف الشيء التالي أولا حزب البعث العربي الاشتراكي ما هو اللي بيقرر سياسة سوريا بالرغم من إنه عنده المؤتمر القُطري حسب الدستور وهو حاكم..
مالك التريكي: مَن الذي يُقرر؟
برهان غليون: اللي بيقرر سياسة سوريا هي مجموعة المصالح الرئيسية التي.. سواء المصالح الاقتصادية أو أجهزة الأمن اللي والقوى العسكرية التي تمسك النظام وتسيطر على النظام، هي تستخدم الحزب كإطار لإضفاء المشروعية على قرارات تُتخذ سلفا وقرارات الحزب اقتراحات الحزب اتُّخذت سلفا وأُضفي عليها المشروعيات في إطار الحزب، إذاً عندما أقول ذلك أريد أن أقول إنه حتى هذه الاقتراحات لن تُطبق بالشكل التي اقتُرحت فيه، سوف يتم المساومة عليها من قِبل شبكات المصالح المتعددة، في شبكات أيضا داخل النظام متعددة ومتضاربة واللي الفاسد بده يدافع عن فساده والمستقل بده يدافع عن استقلاله فهيوصلوا حتى بهالأمور لحل وسط، يعني بمعنى هينزلوا السقف تماما.
مالك التريكي: في هذا الإطار بالضبط دكتور، في هذا الإطار بالضبط وأنا أتوجه بالسؤال لسعادة السفير في هذا الإطار سبقت انعقاد المؤتمر التوقعات وآمال كبيرة بدأت منذ خطاب الرئيس السوري يوم خمسة مارس أمام البرلمان بأن هذا المؤتمر سيكون نوعا من قفزة نوعية أو نقلة نوعية في الحياة العامة في سوريا، ثم هنالك نوعا من الجدل في الإعلام وانفتح الإعلام السوري على كثير من الأصوات وصارت حتى في التليفزيون نقاشات بين معارضين وممثلين للحكومة وأصوات مثقفين مستقين، كان هنالك نوع من الحركية التي رفعت سقف التوقعات، لكن بعد ذلك بقليل انخفض سقف التوقعات وظهرت ما يُسمى بالأصوات العقلانية التي تقول يجب ألا نبالغ في المطالب لأن ذلك سيصيب الشعب بخيبة أمل، هذا يندرج في صلب المنطق الذي ذكرت الذي هو منطق المساومة، الآن مسألة التوصيات عادة وهذا سؤال تقني ربما، عادة كيف المؤتمر ينتهي كل خمس سنوات ينتهي بإصدار توصيات ثم يُصار إلى تحويلها إلى مشاريع قوانين في البرلمان أم كيف يتم التنفيذ؟ ما هي الآليات؟
سامي الخيمي: يعني أنا أظن أريد فقط أن أُنبه إلى نقطة أساسية قبل أن أجيب على سؤالك وهي لو أن سوريا تُديرها المصالح لما كان عليها أي من أنواع الضغط اليوم لأن المصالح بطبيعة الحال لا تعرف مواقف سياسية وبالتالي ليس همها في خلق مواقف وطنية يمكن أن تسبب ضغوطا على بلد ما، فهذا يمكن أن يكون إثبات لجميع من يريد أن يعلم أن سوريا هي دولة عاقلة لديها قيادة سياسية وأن هذه الدولة شعبها عنده عدد من المتطلبات التي تنفذها الدولة والتي تنفذها القيادة وهذه المطالب هي مطالب وطنية وهذه المطالب تُسبب لسوريا كثيرا من الضغوط، لو أن المسألة فقط مسألة مصالح لما كان الأمر بهذا الشكل. بالنسبة لقضية التوقعات وسقف التوقعات أنت في الحقيقة على حق جزيء، فعدم رفع سقف التوقعات ليس سببه أننا لا نريد أن يصاب الشعب بإحباط وإلى آخره وإنما سببه أن طبيعة حزب البعث هو أنه حزب يُعطي توصيات، يعني هو ليس مسؤولا مباشرا عن التنفيذ بمعني أنه يقوم بطرح مجموعة من التوصيات، أي أنه يقول للجهاز التنفيذي إنني أنصحك بأن تأخذ هذه التوجهات وعليك أنت أن تقوم بالإجراءات تبعا لذلك، من هنا أنا أعود بالكلام حول ما قيل وأقول في..
مالك التريكي [مقاطعاً]: لكن المفروض.. أستسمحك سعادة السفير المفروض الآن أن هذا الأمر..
سامي الخيمي [متابعاً]: أصبح في يد الحكومة.
مالك التريكي: نعم حسب قول السيدة بثينة شعبان الناطقة باسم المؤتمر.
سامي الخيمي: تماما أصبح بيد الحكومة وبيد مجلس الشعب أو المجلس النيابي وعليهم في الحقيقة أن يسيروا في هذه الأمور جزئيا أو كليا، إذا ساروا جزئيا فهم لا يكونوا يُنفذون التوصيات وإذا ساروا بشكل كامل وإذا ساروا كليا فهم يكونوا قد نفذوا التوصيات.
مالك التريكي: لكن وأستسمحك مرة أخرى، لكن هنالك تداخل إلى حد الآن بين القيادة الحزبية وبين الحكومة، الأمر لم يتم الفصل فصلا تاما، لأن هنالك وزراء في وزارات السيادة لا تزال ممثلة في..
سامي الخيمي: لا شك في ذلك لكن عندما تأخذ الحكومة السورية قرارا معينا لا تقول إنني أُنفذ ما تقوله لي، يعني الحكومة حكومة مستقلة تأخذ قراراتها وذلك انسجاما عمليا مع ما يقرره الحزب حتى الآن. الآن نقول هل فعلا هبطت التوقعات؟ أنا لا أظن يعني إذا راعيتم وقرأتم بشكل عقلاني توصيات المؤتمر وإذا اعتبرناها فعلا أنها توصيات وليست أوامر تنفيذية فنرى في توصيات المؤتمر إبراز لدور الدولة الوطنية في فكر حزب البعث، يعني أنا لست بعثيا ولكنني أستطيع أن أتبين بأن..
مالك التريكي: ما الجديد في ذلك ما هو الجديد في ذلك؟
سامي الخيمي: الجديد في ذلك أنني أنا ما فهمته من ذلك أن التعامل بين الحكومة السورية وأي حكومة عربية لا يتم أو بلد عربي لا يتم إلا من خلال الحكومات ولا يتم التعامل مثلا بين حزب البعث وحزب البعث في بلد عربي آخر من خلال التنظيمات الحزبية يعني..
مالك التريكي: حزب البعث موجود في أي بلد عربي آخر باستثناء لبنان.
سامي الخيمي: كما وهو مستقل، افترض أن هناك حزب بعث في أي بلد عربي هو حزب بعث مستقل له سياسته الذاتية وعندما ينجح في الانتخابات أو ضمن النظام السياسي الذي يعيش فيه يستطيع أن يتعاون من الناحية السياسية مع حزب البعث في سوريا ولكن ليس هناك توجيها لحزب البعث في قطر عربي آخر أو في بلد عربي آخر، فهذا في الحقيقة فيه نقلة نوعية في طريقة عمل الحزب. هذا لا يعني على الإطلاق تخلي لا عن القومية العربية ولا تخلي عن الدور العربي للحزب، هذا يعني فقط أننا نحترم الدولة الوطنية، هناك أيضا..
مالك التريكي [مقاطعاً]: شكرا سعادة السفير، أسمع رأي السيد أيمن عبد النور وأعود إليك، أسمع رأي السيد أيمن عبد النور في دمشق رئيس تحرير مجلة كلنا شركاء الإلكترونية، سيد أيمن عبد النور هل تعتقد أن المؤتمر في توصياته قد وفى بالتوقعات الإصلاحية؟
أيمن عبد النور - رئيس تحرير نشرة كلنا شركاء: مساء للخير للصديقين في الأستوديو أولا، الحقيقة دائما خليني أنطلق من الكلمة التي قالها ذكرها السيد الرئيس عندما ذكر أمام مجلس الشعب القفزة الكبيرة، القفزة طبعا يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أنها تشمل جسم يضم اثنين مليون عضو وبالتالي اثنين مليون منتسب في حزب البعث عندما تطلب أن يُحققوا قفزة كبيرة بجسم يبقى مستمر وينتقل مع بعض ويحافظ على تماسكه من الطبيعي أن ما حصل ضمن هذا المعيار هو خطوة كبيرة حصلت القفزة الكبيرة، ليس كما ذكر الدكتور برهان غليون قبل قليل بأن ليس هناك أي شيء جديد وأن موضوع القضاء على الفساد ومحاربة الهدر وأن فصل الحزب عن السلطة جميعها وقد وردت في المؤتمرات السابقة، لكن أستطيع أن أُعدِّد عشرة قرارات جديدة تُطرح لأول مرة وتُتخذ في قرارات صادرة عن المؤتمر القُطري أولا إفساح المجال أمام قيادات شابة للتدرج وخلال.. لاحظنا لأول مرة أن من دخل القيادة القُطرية وبقي فقط دورة واحدة وهو ما يبث الأمل بروح الشباب الذين هم يُشكلون حوالي مليون عضو أقل من أربعين سنة عمرهم وهذه كافية لوحدها أن تُشكل طاقة كبيرة أيضا قانون توصية لإحداث قانون للأحزاب وهو أيضا جديد، أيضا لدراسة قانون انتخابات بدون لوائح سواء لمجلس الشعب أو لانتخابات الإدارة المحلية التي ستجري عام 2007، أيضا لأول مرة طرح إنهاء موضوع الأكراد وتطبيق قرارات التي ترتبت على إحصاء عام 1962، أيضا لأول مرة موضوع الاقتصاد وإنهاء موضوع الوارد في الدستور والطلب بتغير المادة 13 التي تنص أن اقتصاد السوق.. الاقتصاد في سوريا هو اقتصاد اشتراكي مخطط واستبدالها باقتصاد السوق مع المحافظة على الرعاية والدور الاجتماعي للدولة، أيضا بالدور التنظيمي لأول مرة تفعيل دور اللجنة المركزية التي كانت لا تجتمع نهائيا البارحة ركز السيد الرئيس في كلمته التي استمرت ثلاثة ساعات على أن تجتمع اللجنة المركزية وأن تتلقى جميع الطلبات من جميع قواعد الحزب التي تتناقش معها ومن ثم صياغة اقتراحات بشكل كل ستة أشهر والوصول إلى تفاعل كامل مع الجماهير وإرسال تلك التوجهات وهي توصيات ملزمة للحكومة وليست نصيحة للجهاز التنفيذي، هي توجهات وفقا للدستور أعلى السلطة سياسية، الحكومة هي الجهاز التنفيذي الذي يخضع لتوجيهات أعلى سلطة سياسية وبالتالي يمكن أن أعدد العشرات أيضا من الأمور الجديدة التي حصلت، يمكن خلال الحلقة أن نتحدث بالتفصيل عنها أكثر إذا رغبتم.
مالك التريكي: طبعا نحن سوف نتعرض للمحاور محاور الإصلاح الاقتصادي وفصل الحزب عن الدولة ومسألة السياسة الخارجية والتعامل مع الأحزاب التي تُعتبر خطوط حمراء بعد موجز الأنباء، بالنسبة للجناح هل تمثل أنت.. هل معلوماتي صحيحة هل تمثل ما يسمى بالجناح الإصلاحي في الحزب؟
أيمن عبد النور: الحقيقة الجميع هناك إجماع في أن يكون هناك إصلاح وهذا نتيجة رغبة وأيضا نتيجة حاجة ذاتية ضمن الحزب ذاته، بمعنى أنها ليست مفروضة من الخارج هناك حاجة ضمن الظروف الجديدة الإقليمية، لدينا أوروبا على حدودنا إذا تركيا بدأت مفاوضات الشراكة، لدينا أميركا على حدودنا أيضا، لدينا إسرائيل على حدودنا وبالتالي الظروف الدولية والعلاقات، توازن القوى الدولي والإقليمي اختلف، هناك واقع جديد من الطبيعي أن يلجأ الجميع إلى قراءة جديدة لأيدلوجيا الحزب لتطور أسلوب ممارسته، لفهم جديد لإمكانية عديد من الشعارات التي كان يرفعها الحزب أو التي الآن بعض منها ما زال صالح ويحتاج إلى تطوير وبعضها لم يعد صالح ولم يعد له وجود أصلا غير قابل للتنفيذ، لذلك هناك إجماع، المشكلة هي مستوى النضج يختلف بين الأفراد وفقا لاختلاف المستوى..
مالك التريكي [مقاطعاً]: إجماع وإصلاح داخل الحزب؟
أيمن عبد النور [متابعاً]: نعم طبعا هناك رغبة في الإصلاح داخل الحزب بحيث يكون هو النواة عندما يتماسك الحزب ويشكل جسم متماسك بنيوي كتلة واحدة يتخلص من هذا الترهل الكبير، من هذا الإحباط الذي ساد في عدد كبير من القواعد نتيجة بقاء عدد كبير من القيادات لفترات زمنية وبالتالي عدم التدرج وضخ أفكار ومبادرات جديدة في الحزب، الآن هذا كله يُفترض أن يكون قد انتهى من حيث بث دماء جديدة وإعطاء الأمل أن مبادرتك، عملك، نشاطك، نجاحك في ضمن الحزب وفي عملك الرسمي في ضمن جهاز الدولة هذا الذي يؤهلك أن ترتقي وهناك فرصة لأنه كل خمسة سنوات أو بشكل دائم ومستمر هناك انتخابات.
مالك التريكي: شكرا أستاذ أيمن عبد النور، سيداتي سادتي أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي والحلقة مخصصة لنتائج مؤتمر حزب البعث السوري الحاكم، سوف نعود بعد موجز الأنباء.

[موجز الأنباء]
عوائق مكافحة الفساد في سوريا
مالك التريكي: أهلا بكم من جديد إلى برنامج أكثر من رأي وأنتم.. وحلقة اليوم مخصصة لنتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في سوريا. وأتوجه بالسؤال إلى السيد الدكتور برهان غليون، أتينا إلى مسألة الفساد ولكن بطريقة غير مباشرة، هي مكافحة الفساد ثابتة من ثوابت الخطاب الرسمي للنظام السوري وأصبحت مرتبطة شخصيا بالرئيس السوري الجديد حتى من قَبل أن يتسلم القيادة، حسب رأيك العوائق ضد تنفيذ هذه السياسة هي عوائق هيكلية في صلب النظام السوري؟
"الفساد في السلطة قائم بسبب سيطرة الحزب الواحد على مفاصل الدولة حتى صارت مؤسساتها أداة في يد الحزب يحقق من خلالها مصالحه وبالتالي أداة في يد المجموعة الصغيرة التي تُحرك الحزب"برهان غليونبرهان غليون: هو يعني أنا ما بأتساءل بأقول بأُنبه إنه لم تُناقَش إطلاقا داخل هذا المؤتمر المفروض هي وظيفته أسباب تطور الفساد واستمراره وعناده بالرغم من كل الإجراءات اللي الحكومي أو السلطات حاولت تقاومه فيها، ليش ما في تساؤل؟ لأنه تساؤل حول أسباب الفساد وصلنا للموضوع الأساسي اللي السوريين عم يعانوا منه بدون يحكوا فيه هذا هو المخبأ بكل المؤتمر، اللي هو طبيعة تنظيم السلطة داخل البلد يعني النظام القائم على ماذا قائم؟ قائم على الخلط مباشرة والتوحيد بين حزب واحد ولو كان له شوية حلفاء لكن حزب واحد وبين الدولة.
وبالعكس أكثر من ذلك استبدال الدولة بالحزب الدولة كمؤسسات هي صارت أداة في يد الحزب وبالتالي أداة في يد مجموعة المصالح التي تُحرك الحزب، الحزب أيضا تحركه مصالح. الآن عندما أنا أقوم بنظام أخلق فيه إطار القيادة القُطرية، مسؤولية قيادة الحزب، تتحكم بالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، تُعيِّن القضاة كما تشاء وتُعيِّن.. وتحدد بالقوانين كما تشاء كما تفعل بالمؤتمر تقترح نُغير هذا القانون ولا نغير هذا القانون على أي أساس تقترح؟ هي القيادة تعطي لنفسها الحق كوصية على الشعب السوري ومع استبعاد الشعب السوري كله إنه نحن هيك بنشوف مليح الشعب السوري أما الشعب السوري ما له حق يحكي، فبده يقول نظام قائم على الاستبعاد المطلق لأي مشاورات شعبية، يعني لأي انتخابات جدية بيقول الشعب فيها رأيه، الاستبعاد النهائي لأية تعددية ولأي مراقبة تعددية فكرية وسياسية الناس تقول شو عم يجرى، الربط المطلق بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية بشكل إنه صاحب المصلحة اللي هو بالحُكم يستطيع أن يقرر ما يشاء وهو حقيقة ما يحصل، زائد السلطة البعثية خلينا نقول القيادة القُطرية بيدها أداة الدولة وبيدها المؤسسات التي أغرقتها بالبعثيين، مؤسسات الدولة مستعمرة للبعثية، إضافة لهالشيء بيدها أجهزة الأمن، أجهزة الأمن تُعيِّن ما تشاء وتُسيطر على ما تشاء بكل أنحاء سوريا ما في أي هامش حرية صغيرة للشعب السوري بالنقابات، بالمدارس الابتدائية، بالمدارس الثانوية كل القيادات حسب القانون اللي لم يُناقَش ولم يُغيَّر، حزب البعث قائد للدولة والمجتمع حسب هذا القانون جميع دوائر الدولة وجميع مناصب المسؤولية في أي ميدان كان من التعليم إلى الاقتصاد، إلى السياسة، إلى الدبلوماسية إلى.. إلى.. كله بيد البعثيين باستثناء طبعا أحيانا الاستفادة من بعض الخبرات عندما تكون الحاجة ضرورية أيضا لإعطاء وجه ثاني. إذاً كيف تريد لهذه الطبقة التي تملك كل السلطة وتدمجها ببعض وليس لديها رقيب ولا حسيب وتستطيع أن تُلغي القاضي اللي بيحكم ضدها وتغير القانون إذا ما مشي معها وتخلق القانون اللي بيتماشى مع مصالحها، كيف تريد لهؤلاء عندما يقضوا في الحكم أربعين سنة ولا ثلاثة وأربعين سنة أن لا يَفسدوا؟ قل لي حتى لو كانوا آلهة سيفسدوا لأنه متأكدين إنه ما حدا بيلاحقهم ومتأكدين إنه بيدهم السلطة ومتأكدين إنه في أي لحظة بيرفع واحد بينتقدهن واحد بيحطوه بالسجن وفي أي لحظة بينقدهن واحد بيحطوه بالسجن فهذا في قوة..
مالك التريكي [مقاطعاً]: طبيعة النظام يعني هي لا تُنتج إلا ممارسات؟
برهان غليون [متابعاً]: نظام الحزب الواحد والخلط بين الدولة والحزب والخلط بين جميع السلطات دمج جميع السلطات وإفلات.. إطلاق يد الأجهزة الأمنية من أجل ضبط المجتمع وتخفيض سقف الأمن إلى درجة ما عاد له معنى، يعني آخر قرار طلعته القيادة القُطرية فضيحة اللي بتقول فيه..
مالك التريكي: 67 حالة.
برهان غليون: إنه 67 حالة الذي..
مالك التريكي: لابد من تفسيرها لأنه هذه مفاجأة لكثير من الناس.
برهان غليون: شو معنى 67؟ إنه اللي بده يعمل حلاق لازم يأخذ موافقة الأمن، طبعا هذا معناتها إنه ما في قانون لأنه عادةً القانون هدفه إنه ينظم حياة ونشاطات السكان اللي بده يعمل تجارة بيروح حسب القانون إذا أخطأ القانون بيحاكموه، إذا أنا بأقول إنه المخابرات هي بتقرر معناتها ما في قانون، القانون ما بيقرر شيء معناتها الناس مش عايشين تحت سلطة قانون وإنما عايشين تحت سلطة مخابرات تحكم بدون قانون، يعني سلطة العسف والاعتباط المطلق، بقرار يعطوا لهذا رخصة ولهذا ما بيقرروا يعطوا رخصة، هذا هو جوهر الفساد مش فساد فقط بالسرقة، فساد.. المؤسسات نفسها ما عاد لها عمل، مؤسسات الدولة لا تعمل ما الذي حل محل مؤسسات الدولة؟
مالك التريكي: الأجهزة الأمنية.
برهان غليون: الأجهزة الأمنية من جهة وشبكات المصالح الولاءات، شبكات من الولاء، الولاء القبلي، العائلي المناطقي، الإقليمي إلى آخره.
مالك التريكي: ما قبل الدولة.
برهان غليون: ما قبل الدولة، حُيِّدت الدولة تماما وحُيِّد القانون وحُيِّد المجتمع وحُيِّد القضاء والناس عم يتصرفوا في بلد أنا بأقول بلد مزرعة بعثية بأي معنى مزرعة؟ مش للتشهير المزرعة بمعنى إنه أنا مالك هالأرض وأنا بأقرر شو لازم أعمل فيها، أنا البعثي ما أنت العامل عندي، أنت عامل عندي بأعطيك أجرتك وبيحصل أحصل لك شو.. إذا عملت مشكلة بأحسن لك شروط وجودك.
مالك التريكي: هو..
برهان غليون: لكن أنا صاحب المملكة أنا صاحب أنا ملكيتي المزرعة وأنا بأقرر شو فيها وما بأسأل عنك أنت شو رأيك لأنه أنت ما إنك صاحب.
مالك التريكي: هنا لمست عبارة ذكرها السيد الرئيس بشار الأسد في الخطاب الختامي الذي استغرق ثلاثة ساعات للمؤتمر قال إن طبعا ما زالت مبدأ أنه أن حزب البعث هو الحزب القيادي في الدولة والمجتمع ولكن الدولة ليست ملكا لحزب البعث وكأن..
برهان غليون: لأنه هو أدرك إنه الدولة حقيقة مثل حزب البعث وأنا بأقول للقانون هذا ثمانية رقم ثمانية اللي هو حزب البعث قائد للدولة والمجتمع هو بأقولها بسوريا (Taboo) هو قانون تمليك هو صك تمليك لسوريا كما هي وهاي هي المزرعة، صك تمليك لسوريا بمواردها وبشعبها لحزب البعث وللمتنفذين بحزب البعث.
مالك التريكي: سوف نأتي..
برهان غليون: هذا.. هاي القضية الرئيسية.
مالك التريكي: نعم.
برهان غليون: اللي نطوا عليها بالمؤتمر وقفزوا عليها وما حدا بيناقشها والباقي كله سامع..
مالك التريكي: سوف نأتي في محور فصل الحزب عن الدولة وأتوجه بالسؤال لسعادة السفير، مسألة الأجهزة الأمنية طبعا موجودة في أكثر الأنظمة العربية حتى أصبحت تُسمى الدولة العربية بالدولة الأمنية وهنالك كلام في الأدبيات السياسية عن الأمنوقراطية، سلطة الأمن وبصفة عامة صار الأمن موجود بشكل أمني (Present) في كل مكان، لكن الأمان بالنسبة للمواطن الموجود وهنا أُوَصِّف حالة عربية وليس الحالة سورية، لكن ما يُستغرَب أن المواطن البسيط عندما يريد أن يفتح فرن لبيع خبز، عندما يريد أن يقيم حفل زفاف، عندما يريد أن ينتسب لجامعة كان لابد أن يحصل على ترخيص من الأجهزة الأمنية، هنالك 67 حالة وحتى الصحفي الذي اللبناني الذي اغتيل أخيرا في لبنان..
برهان التريكي: سمير قصير.
مالك التريكي: سمير قصير كان آخر مقال له عن هذه الحالات الـ67 التي هي غريبة حتى بالمقاييس العربية، هل من تفسير؟
برهان غليون: حتى بالمقاييس السوفيتية.
مالك التريكي: السوفيتية نعم، هل من تفسير لذلك؟
سامي الخيمي: يعني أنا الحقيقة أجد أن هناك كثير من المبالغة في كل ما قيل.
برهان غليون: مبالغة؟
سامي الخيمي: الواقع أننا يجب ألا ننظر للخلف يجب أن ننظر للأمام، نحن هنا لنتحدث عن نتائج مؤتمر وَجّه بالإصلاح من جهة، فعلينا أن ننظر إلى التوصيات الإيجابية التي صدرت عن هذا المؤتمر وأن نُقيمها سواء أن كانت جيدة أو أقل من جيدة أو أفضل من جيدة، إذا كنا نريد باستمرار أن نعود إلى الماضي فهذا يعني من الصعب الجدال حوله، المسألة الواضحة في ذهني أن أولا مسألة الفساد، الفساد موجود في جميع أنحاء العالم، في الدول المتقدمة هو فساد محصور بالخاصة، في الدول المتخلفة هو فساد موزَّع بشكل أكبر وكلما ازدادت الدولة، دولة العالم الثالث، غِنى كلما زاد الفساد فيها وكلما ازدادت فقرا كلما انحصر الفساد فيها، عملية الفساد..
مالك التريكي [مقاطعاً]: أين توجد سوريا في هذا؟
سامي الخيمي [متابعاً]: يعني سوريا توجد على الغالب في موقع متوسط في مسألة الفساد وهذا الفساد الحقيقة يجب أن يُكافَح ولكن مكافحة الفساد ليست مسألة سهلة لأنه متغلغل في جميع المجتمعات وفي مجتمعنا أيضا هو متغلغل وأنت تجده تحت أشكال وأشكال..
مالك التريكي: هل توافق الدكتور برهان غليون أنه لم ما كان ليتغلغل لولا هذا التمازج والتماهي بين الحزب وبين الدولة وبين الأجهزة الأمنية، ليس هنالك فرق بين هذه الأطراف الثلاثة.
سامي الخيمي: طيب يا سيدي هناك دولة وهناك حزب وهناك أجهزة أمنية ليس هناك نفس الدولة ولا نفس الحزب ولا نفس الأجهزة الأمنية في جميع الدول العربية، هل تعرف دولة عربية لا يوجد فيها فساد أكثر من سوريا أو يساوي سوريا؟ يعني هل هناك دولة عربية استطاعت أن تضع حدا للفساد؟
مالك التريكي: لكن سوريا تتميز سعادة السفير بأن رئيسها هو الرئيس الوحيد الذي جعل من مكافحة الفساد ربما رمزا لعهده السياسي منذ البداية.
سامي الخيمي: لا ليس فقط ذلك في الحقيقة هو الرئيس ربما الوحيد الذي يملك نظرة حقيقية باتجاه الإصلاح والتقدم ويجب أن نعترف بذلك والشعب السوري هو أحد الشعوب المتقدمة في نظرته الاجتماعية والمتقدمة في نظرته إلى المنطقة وحقوق المنطقة ولذلك يُطالَب بواجبات أكثر ولذلك نحن نأمل أن تكون مكافحة الفساد مسألة متقدمة في سوريا ليس لأن الآخرين أفضل منا في هذا الموضوع ولكن لأننا نستحق وضعا أفضل من هذه الناحية يجب أن ننظر إلى الأمام، المؤتمر قال بتشديد قضية مكافحة الفساد وكلف القيادة الجديدة التي انتخبها بأن ترعى هذا الأمر وعليها أن تتابع هذا الموضوع، المؤتمر طالب بمراجعة قانون الطوارئ عندما نقول مراجعة فهذا يشمل كثير من الأشياء يمكن أن يُلغى قانون أنا لا أعرف يعني إنه من المبكر جدا أن نتصور ما سيجري، يمكن أن يُلغى أو يُعدل أو يُستبدل بقوانين أخرى أو يُحصر في ميدان معين، فمسألة المراجعة مسألة هامة جدا وطالب بها المؤتمر، المؤتمر طالب باقتصاد السوق هذا ليس.. خليني أكمل..
مالك التريكي: اقتصاد السوق..
سامي الخيمي: المسألة ليست مسألة بسيطة لأن الصناعيين السوريين لأن قضية الإصلاح الاقتصادي مسألة هامة جدا يعني نستطيع أن نصرخ صباح مساء بحرية الرأي ولكن عندما لا تكون الثروة موزعة بشكل جيد في المجتمع لا يعرف المجتمع كيف يمارس حرية الرأي، يصطدم ببعضه البعض، الإصلاح يتم على جميع المستويات في آن واحد، فالحكومة مثلا قبل المؤتمر وأثناء المؤتمر قامت بتمرير عديد من الإصلاحات كل المقترحات، كل المقترحات الصناعية التي قُدمت للحكومة في الشهرين الماضيين وُوفِق عليها مباشرة ومنها تشجيع الإنتاج وتخفيض الضرائب وتخفيض الجمارك وتحويل الأموال وتحويل الأرباح وإلى آخره، فهناك الحقيقة..
مالك التريكي [مقاطعاً]: هذه منتظرة من زمان تخفيف الضرائب منتظر منذ زمان، مثلا تخفيف الضرائب على توريد السيارات من 250% إلى 100% ليس شكل..
سامي الخيمي [متابعاً]: منتظر أو غير منتظر؟ هل هذا شيء إيجابي أو شيء غير إيجابي؟
مالك التريكي: أه طبعا.. طبعا.
سامي الخيمي: يعني هل كلما قامت هذه الدولة يعني هل سنصبح مثل الإدارة الأميركية، مهما فعلت سوريا.. مهما فعلت فهي متهمة بأنها لم تفعل يعني هذا غير معقول.
برهان غليون: يعني أنا بأتأمل..
سامي الخيمي: يعني على الأقل نحن كسوريين يجب أن ننظر إلى المسألة الإيجابية في توصيات المؤتمر بشكل إيجابي لأن على المجتمع أن يتعاون مع بعضه البعض من أجل الوصول إلى مجتمع متطور، يعني نحن نؤمن أن عملية الإصلاح والتطوير في سوريا يجب أن تجري بشكل هادئ وليس بشكل عراكي في كل الوقت.
مالك التريكي: طيب هذه المسألة سعادة السفير..
سامي الخيمي: أُذكرك أيضا أن المعارضة في سوريا مثلا حتى الآن حتى الآن وقلت ذلك للأستاذ برهان قبل أن نبدأ الحديث المعارضة حتى الآن في سوريا لا تملك برامج لأنها تشعر بأنها بعيدة عن الحكم ولذلك اكتفت حتى الآن بتوجيه النقد، يعني كلما أخطأت الحكومة في شيء أو لم تخطئ أو خلفناها في شيء فنحن ننتقد هذا الأمر، لكن إذا سألت أي معارض سوري ماذا تريد يقول لك أريد حرية الرأي، أريد حرية تشكيل الأحزاب، المؤتمر قرر حرية تشكيل الأحزاب لكن إذا سألت..
مالك التريكي: طبعا سوف نأتي لكن بشروط كثيرة على النموذج العربي أريد أن أسمع رأي..
سامي الخيمي: طيب يا سيدي إذا سألته أيضا ماذا تريد غير ذلك قبل أيمن.. معلش ماذا تريد غير ذلك ماذا تريد غير ذلك؟ هل لديك برنامج اقتصادي يقول لك لم أدرس ذلك بعد هذا..
برهان غليون [مقاطعاً]: هذا غير صحيح.. هذا غير صحيح كل الأحزاب عندها برامج سياسية سعادة السفير تستطيع أن تقول ما تشاء لأنك حر على التليفزيون لكن هذا غير صحيح كل أحزاب المعارضة عندها برامج؟ مش صحيح.
سامي الخيمي [متابعاً]: وين البرامج؟
برهان غليون: كلها أنت ما بتقرأ.
سامي الخيمي: قرأت برنامج واحد فقط هل قرأت غيره.
برهان غليون: هلا أقول لك..

اقتصاد السوق الاجتماعي واحتمالات الإصلاح
مالك التريكي: سيد أيمن عبد النور في دمشق انتقلنا من مسألة مكافحة الفساد إلى الإصلاح الاقتصادي والأمران مرتبطان، طبعا ما أقره المؤتمر التوصية هو انتهاج اقتصاد السوق الاجتماعي هذه لابد لها من تفسير خاصة أن ما يُعرف باقتصاد السوق الاجتماعي هو ما كانت تنتهجه ألمانيا الفدرالية قبل التوحيد فلابد من التفسير، ما هو بالضبط اقتصاد السوق الاجتماعي؟
أيمن عبد النور: لو سمحت لي بس أحب في قبل هذا الموضوع لأن هناك موضوع أهم أن أُعقب على ما ذكره الدكتور برهان غليون الذي يتميز مع جميع المثقفين المقيمين خارج سوريا بهذا الخطاب الحقيقة العاطفي المتماسك الذي يُدغدغ شعور المتلقي على جهاز التليفزيون، لكنه وجزء كبير منه صحيح لكن قبل عَقد من الزمن، اليوم أستطيع أن أرد على جميع تلك النقاط فعن موضوع نقطة الفساد أحد أهم التوصيات إحداث هيئة مستقلة لدراسة أسباب الفساد ومكافحته ومراقبة عدم انتشاره وتفعيل دور المراقبة الحزبية والحكومية على جميع أشكال وبؤر الفساد لأنه الفساد لا يُقضى عليه بمرسوم صغير يوقع طرح أيضا موضوع أن هناك حزب واحد..
مالك التريكي [مقاطعاً]: هل يتضمن ذلك المساءلة والمحاسبة والعقاب أستاذ أيمن؟
برهان غليون: لا وممن تتكون اللجنة من البعثيين وغيرهم وأصدقائهم..
"اقتصاد السوق الاجتماعي في سوريا يعني استخدام آليات اقتصاد السوق من أجل دمج الاقتصاد السوري في الاقتصاد العالمي مع المحافظة على الدور الاجتماعي للدولة "أيمن عبد النورأيمن عبد النور [متابعاً]: صحيح طبعا هذا تم التأكيد عليه في جميع اللجان الثلاث السياسة والاقتصادية والتنظيمية، أما بالنسبة إلى موضوع المراقبة الفكرية الذي طرحه الدكتور برهان تم طرح توصية لإحداث مجلس أعلى للإعلام يتبع السلطة التشريعية مستقل عن السلطة التنفيذية يضم كافة رؤساء تحرير الصحف من الرسمية والقطاع الخاص وبالتالي يكون مستقل ويراقب بشكل جدا ممتاز، طرح أيضا موضوع أن القُطرية أصبحت مستعمرة بعثية جميع مؤسسات الدولة لها، أؤكد أن سعادة السفير الذي بجانبه السفير السوري في لندن والسفير السوري في الولايات المتحدة أهم عاصمتين هما مستقلين ليسا أعضاء في حزب البعث وهناك كثير من أهم المناصب الآن في سوريا جميعها ليسوا أعضاء في حزب البعث والحكومة المقبلة التي ستُشكل خلال شهر في سوريا عدد الوزراء المستقلين الآن سبعة هناك ما يُشاع الآن سوف يتم مضاعفتهم بحدود بين 12 إلى 14 وزير من خارج حزب البعث.
أيضا طرح موضوع أجهزة الأمن أنها تُسيطر على ما تشاء حقيقة هناك دراسة جدا مهمة خلال أيام سوف يتم إعادة توزيع مكاتب في القيادة القُطرية وسوف يكون هناك قفزة في موضوع ضبط جميع أجهزة الأمن في سوريا تحت جهاز أو تحت إدارة موحدة للتعامل مع المواطن بشكل مباشر وخلال أيام يُفترض أن يتم الإعلان عنها. أيضا طرح موضوع شبكات الولاء، شبكات الولاء صحيح تُبنى بالتقادم الزمني من خلال بقاء أشخاص في مناصبهم لفترات طويلة وبالتالي مما يتيح لهم زرع أشخاص محسوبين أو أزلام لهم ليكون لهم الولاء فقط لهؤلاء الأشخاص ويبنون شبكات الولاء والفساد، الآن في ظل تغيير معظم أعضاء القيادة القطرية وتغييرات كبيرة في كافة الأجهزة الأمنية العام الماضي تغيرت جميع الأجهزة الأمنية وبالتالي تغيرت جميع الأشخاص الذين لهم شبكات الولاء التغيير المستمر أيضا في الحكومة يعني أنه لم يعد هناك من قد بقي في موقعه لفترات طويلة تسمح بتراكم شبكات الولاء كما ذكر. أما بخصوص موضوع اقتصاد السوق الاجتماعي كنت في ألمانيا بدعوى من وزارة الاقتصاد والعمل..
مالك التريكي [مقاطعاً]: من فضلك أستاذ أيمن لو نمر إلى مسألة الإصلاح الاقتصادي الآن.
أيمن عبد النور: أمضيت 15 يوم بشهر نيسان حقيقة اقتصاد السوق يعني اقتصاد السوق الاجتماعي وفقا لما ورد في التقرير الاقتصادي في سوريا يعني أن استخدام آليات اقتصاد السوق من أجل دمج الاقتصاد السوري في الاقتصاد العالمي مع المحافظة على الدور الاجتماعي للدولة من خلال رعايتها للثقافة، للصحة، للتربية، للتعليم العالي، لتخفيض رسوم القضاء وبالتالي المحافظة أيضا على ملكية القطاع العام الناجح أما القطاع العام الذي بعد أن يثبت فشله من خلال تغيير إداراته..
مالك التريكي: يعني لن تتم خصخصة أهم المؤسسات؟
أيمن عبد النور: ويثبت أن السبب الأساسي فيها هي الإدارات يمكن إيجاد أشكال مختلفة له للمحافظة على العمال وبالتالي سوف تبقى الدولة ترعى الجانب الفقير لأنه اقتصاد السوق دائما منحاز للأغنياء والجانب الأكبر من الأغنياء وهو نظام غير عادل، المطلوب إذاً وفقا للتوصيات الصادرة..
مالك التريكي: يعني يستقيم انتهاج السوق الاجتماعي مع المحافظة على شعار الاشتراكية الذي هو أحد الشعارات الثلاثة لحزب البعث.
أيمن عبد النور: الاشتراكية كلمة هي وعاء كبير لا تعني طبعا الشكل الماركسي أو اللينيني تعني العدالة الاجتماعية، تعني تكافؤ الفرص، تعني المساواة أمام القانون، تعنى تأمين الدولة فرص عمل بشكل أو خلق الآليات لدعم القطاع الخاص والقطاع العام لتأمين خلق زيادة في فرص العمل أمام المواطنين لأجل تخفيض معدلات البطالة، إذاً هذه كلها أيضا العمل على تغيير حتى ما يتعارض مع اقتصاد السوق الاجتماعي المادة 13 في الدستور، أيضا تغيير المواد في دستور حزب البعث العربي الاشتراكي التي تتعارض مع هذا التوجه، أيضا تم إلغاء مرسومين صادرين بالستينات يقضيان بمحاكمة مَن يقاوم مناهضة الأهداف الاشتراكية وإحالته إلى محكمة أمن الدولة أو مناهضة الثورة وأبعاد الاقتصاد الاشتراكي هذه تم إلغائها، بمعنى أن الفهم جديد لموضوع الاشتراكية حتى مفهوم صراع الطبقات تم استبداله بمفهوم تنافس الطبقات.
مالك التريكي: شكرا أستاذ أيمن عبد النور في دمشق، أتوجه بالسؤال للدكتور برهان غليون الوضع الاقتصادي في سوريا وضع صعب دخل الفرد السنوي لا يتجاوز ألف دولار، هنالك بين مائتين وخمسين ألف وثلاثمائة ألف شاب يفدون إلى سوق العمل كل عام الموارد، موارد الدولة أكثرها من النفط والنفط آيل إلى النضوب في حدود 12 سنة، صندوق النقد الدولي موقفه.. والبنك الدولي موقفهما من سوريا ليس جيدا بحكم موقف واشنطن، هل في وسع النظام أن يُركز على الإصلاح الاقتصادي فقط على ما يُسمى بانتهاج ما يسمى بالنموذج الصيني يعني الانغلاق السياسي مع الانفتاح الاقتصادي في مثل هذه الظروف؟
برهان غليون: لا هو هنا أيضا المسألة الجوهرية النظام بدأ بمفهوم الإصلاح الاقتصادي على الطريقة الصينية من خمسة سنوات على الأقل بمؤتمر قُطري ما عم بنقول بمؤتمر الحكم بمؤتمر قُطري يناقش ما هي العقبات التي وقفت أمام تطبيق النموذج ولماذا لم ينجح؟ لماذا لم تأتِ الاستثمارات؟ لماذا لم يتطور سوق العمل؟ لماذا إذا.. إلى آخره. السبب الحقيقي هو بنرجع كمان للنظام وبنرجع لطبيعة النظام كيف تريد للمستثمرين سواء كانوا السوريين أو الأجانب أن يأتوا ويستثمروا ببلد ما فيه أي ضمانات دستورية، في بلد ما فيه أي أفق ومستقبل حتى معروف كيف تتداول السلطة في مستقبل في بلد وصل إلى طريق مسدود مع الدول الكبرى ومقاطعة تقريبا من قِبل المجموعة العربية والمجموعة الدولية؟ ما فيش اقتصاد بدون سياسة، هلا بدي أرجع لبعض النقط لأنه الاقتصاد اسمه بالعصر الحديث هو الاقتصاد السياسي، ليه سموه اقتصاد سياسي؟ لأنه ميزوه عن الاقتصاد المنزلي، الاقتصاد التافه اللي كان القديم قبل ما يصير العالم رأسمالي وقالوا سياسي جوهره سياسي والمستثمرين ما لهم هن رؤوس أموال مجرد أموال المستثمرين هم بشر، لهم مصلحة ولهم أفق وبيفكروا سياسي وبدهن يشاركوا بالسلطة عشان يستثمروا، بدهن يعرفوا إنه هذا البلد شو بده يصير وبده يكون، ما بيصير إنه أنت تفكر تضحك على العالم يعني إنه أنا هنا مالك كل شيء أنا مالك المزرعة وأنتم بتيجوا تشتغلوا عندي وأنا بأستفيد منكن، ما حدا بيعمل.. هذا مو شغل طبقة رأسمالية هذا شغل الناس اللي فعلا عم يستفيدوا بالبلد واللي عم يستثمروا اللي هن اضرب واهرب، بمعنى إنه بيخدوا مصالح بسرعة مشان يُسرعوا الدولة، هلا بدي أرجع لبعض النقاط أنا ما قلت إنه المؤتمر باقتراحاته وتوصياته ما عمل شيء، أكيد عمل أكيد يعني أفضل من قبل، لكن أنا بأقول إنه اللي عملوا كإصلاح هو نوع من سقط العتب بيقولوا عندنا سقط عتب، يعني باللغة العربية سقط عتب، يعني عملنا من قريبه الأول الشيء اللي ممكن ما حدا يتهمنا إنه ما عملنا شيء لأنه إذا ما عملنا شيء كارثة تحت الضغوط الأجنبية والداخلية وإلى آخره، فعملنا شيء بنفس الوقت غامض بنحسن نلعب فيه بس تغيرت الأحوال بالطريقة اللي بتناسبنا، أنا هذا اللي خيفان منه لسببين، السبب الأول إنه لو كان هالشيء حصل من خمسة سنين أو من ست سنين بنقول لسه عندنا فضاء اليوم ما عندنا فضاء، سوريا ما بتحسن تضيع وقت كمان خمسة سنين، ضيعنا خمسة سنين اليوم نحن حساباتنا سريعة كثير، ما كافي لأنه في قنابل موقوتة اليوم على طريق سوريا، يعني بوجه الشعب السوري ثلاثة، القنبلة الأولى هي قنبلة اجتماعية حضرتك تحدثت عن حق وعكس ما قالوه الإخوان عن مسألة العدالة الاجتماعية ومسألة الفقر والبطالة اليوم الإحصاءات الاقتصادية المسؤولين بيقولوا في 20% من قوة العمل بالبطالة، منظمة العمل العربي بتقول في 30% باطلين عن العمل، البنك الدولي بيعطي رقم 37% كل واحد حسب المعايير اللي بيحطها 37% باطلين عن العمل، 5% من السكان بيستفيدوا من 50% من الدخل القومي، هذا ما حصل في إطار برجوازي ورأسمالي ونظام رأسمالي حصل في نظام اشتراكي ولذلك اللي بيحكي عن الاشتراكية عشان يدافع عن الفقراء والفلاحين بيشوف إنه عم يكذب على الشعب يعني لساته عم بيكذب. وأنا برأيي مشكلتنا مع الإخوان هي إنهن بدهم يظلوا يبيعوا أوهام للناس يعني بدون أي أفق نقدي يشوفوا مستقبل البلد، ما بيهمهم مستقبل البلد بيهمهم مستقبل الحزب، بيهمهم مستقبل النظام، نحن ما بيهمنا مستقبل النظام بيهمنا مستقبل البلد، فبدي أكمل إذا سمحت لأنه حكوا كثير بالموضوع، على المستوى الاجتماعي قلت في قنبلة اجتماعية، البطالة اليوم التقديرات المحلية بتقول مليون وكل سنة بينضاف لهم أكثر من مائتان ألف، مستوى الدخل مع الركود الاقتصادي مع انخفاض ريع النفطي اللي هو صار معروف، مع خروج العمال من لبنان، مع ذهاب سوق العراق إلى آخره، مع الحصار الاقتصادي اللي هيزيد لأنه الأميركان عم يقولوا بدهم يزيدوا الحصار معناتها فيه قنبلة اجتماعية موقوتة إذا ما أحسنا نقوم بعمل جبار عشان نطلق ديناميكية الاستثمار وخلق فرص العمل ما بتكفي الإصلاحات الجزئية، ما حد يجر حدا وإذا ما جريت حدا من هون لسنتين بنكون خسرنا خسارة كبيرة هاي على المستوى الاقتصادي، في قنبلة خطيرة جدا على المستوى الدولي اليوم سوريا وصلت بسبب دبلوماسية..
مالك التريكي [مقاطعاً]: أستأذنك دكتور برهان غليون لأن لنا فاصل، نأخذ الفاصل ونعود إلى المستوى.. النقطة هي هنالك قنبلة موقوتة على المستوى الدولي يعني حتى لا ننسى، سنكمل بعد فاصل سيداتي سادتي أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي وحلقة اليوم مخصصة لنتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في سوريا سوف نعود بعد الفاصل.
[فاصل إعلاني]
مالك التريكي: أهلا بكم من جديد سيداتي سادتي أنتم تشاهدون برنامج أكثر من رأي وحلقة اليوم مخصصة لنتائج مؤتمر حزب البعث الحاكم في سوريا، دكتور برهان غليون ذكرت ثلاثة مخاطر تواجه سوريا أتيت على تفسير القنبلة..
برهان غليون: سوريا القنبلة الثانية قنبلة وطنية خلينا نقول وطنية بمعنى تمس المصالح الوطنية العليا، سوريا مهددة رسميا وعلنا وبشكل يومي من قبل دولة عظمى هي الولايات المتحدة، أكبر أعظم دولة، بالمحاصرة وبالعقوبة ومتهمة بسياستها وكل يوم في تصريح أميركي لتهديد سوريا أوروبا..
مالك التريكي: آخرها قبل حوالي ساعة كان من الرئيس بوش.
برهان غليون: يوميا ضغوط مستمرة يوميا وناجحة إلى حد ما، بمعنى إنه الأوروبيين ماشيين مع الأميركان، العرب ماشيين مع الأميركان بعكس ما بيقول أي إنسان ثاني ساكتين وعم ينتظروا شو بيقولوا لهم للأميركان ثلاثة أرباعهم، إذاً في خطر حقيقي خارجي لأنه الأميركان قادرين إنه يضغطوا وقادرين يزيدوا العقوبات الاقتصادية مشان كمان يفجروا القنبلة الثانية وقادرين أيضا يتدخلوا تدخلات لزعزعة الاستقرار بمائة طريقة، فهذا بيخلق جو من التوتر العميق عند الناس، الشعب السوري وعند جميع طبقاته وعند المستثمرين، بمعنى أنه أنا ماني عرفان شو مستقبل هالبلد ما حدا بيستثمر بإطار بلد محاصَر وماشي ما حدا عرفان شو مستقبله هاي اثنين، القنبلة الثالثة هي بالحقيقة قنبلة انعدام ثقة الناس اليوم بالأمن، في تدهور حقيقي لمسألة الأمن من جهة الناس ما عاد شاعرين إنه الأوضاع مستقرة وإنه في خطر بالمستقبل ومن جهة ثانية بدل ما نخفف السلطة عنهن أجهزة القمع زادت من.. أجهزة المخابرات زادت من تدخلاتها، ففي خوف قلق زائد على المستقبل عند الشعب السوري يقابله ضغط أكثر وقمع أكثر من قبل المخابرات هذا هو المزيج الانفجاري، هذا اسمه مزيج انفجاري، أنا حاسس إنه أنت ما أعطتني شيء وأنا عم أختنق وبدل ما تسعدني إنه أتنفس بتضغط علي وبتضربني وبتحبسني وإلى آخره، فعم في ثلاثة قنابل المؤتمر القُطري كان لازم يجاوب عليها هذا اللي أنا عم بأقوله، اللي عم أقوله شو يعني بمعني كان لازم في إشارات قوية جدا لحتى تحسن تخرج من الوضع وتواجه التحديات اللي مش إنه بأقول أنا إنه عندكم وبنعمل لجنة مين حيشكل اللجنة حيشكلوا اللجنة البعثيين وحيشكلوها أنصارهم والناس التابعين والناس اللي بدهم يلاقي النظام إلى آخره شو هيستفيد من الكل إذا بدك تخرب شغلة شكل لها لجنة، بس بدي أقول اليوم ما عندها وقت سوريا تضيعه كمان عشرين سنة وتكتشف إنه خمسة سنين وإنه ما صار شيء، كان لازم رئيس الدولة بوصفه السلطة العليا للبلاد يعمل إعلان رسمي صريح أولا بإلغاء الحالة الاستثنائية اللي موجودة فيها سوريا من عام 1980 على الأقل، حالة منطق صراع بين النظام وبين المجتمع وتقييد مطلق للمجتمع، تقييده في جميع.. ما بتعمل شيء السلطة إلا عشان تقيد المجتمع فكريا وسياسيا ونقابيا، المجتمع مشلول شل النظام المجتمع للحفاظ على نفسه هذا كان له مسببات في الماضي اليوم إذا ظل المجتمع مشلول ما بيصير شيء، لازم يعمل إذا كان إشارة قوية باتجاه إسقاط نظام الوصايا البعثية هذا كان إلغاء القانون رقم ثمانية وإعلان الحريات العامة مثل إعلان عهد الأمان اللي حصل في الدولة العثمانية، كل المواطنين متساويين والبعثيين ليسوا أفضل من غير البعثيين وليس لهم امتيازات، عندما تُكرس الامتيازات بالدستور ليش المواطنين التانيين غير البعثيين أنصاف المواطنين أرباع مواطنين، ليش البعثيين بيحل لهم يعملوا مؤتمر يطنطن فيه العالم كله كل وسائل الإعلام والآخرين مضطرين إنه يروحوا يعملوا لقاءات بصالونات فردية ويضغط عليهم المخابرات وكل يوم تهددهم ويُمنعوا من حرياتهم، هاي.. لازم كان يعمل إشارة قوية للدول الكبرى وللدول العربية إنه سوريا مستعدة بطريقة ثانية لأنه تفتح مفاوضات حول كل المسائل إلى آخره، كان لازم يعمل إشارة قوية فيما يتعلق بمحاربة الفساد يقول تشكيل مجلس وطني مكون من جميع عناصر المعارضة والحكم لمراقبة الصفقات الدولية لمين عم تنعطى لمراقبة القوانين الاقتصادية وتطبيق القوانين إلى آخره، كان لازم يعمل إشارة قوية للمعارضة السورية يُبين إنه يحترم أطراف الشعب الأخرى ولو أقلية، لأنهن أقلية لأنهن مش أقوياء كان لازم يعطيهن إشارة قوية جدا وخاصة بيقول إنه بيقولوا إنه البعثيين عندهن مليونين إذا عندكن مليونين عاملوا المعارضة كأهل الذمة على الأقل مثل أهل الذمة، اعترفوا فيهن قولوا في معارضة ولا إشارة لمعارضة ولا إشارة لحوار ولا مد يد نحن حاكمون وسنبقى حاكمين وسنقضي عليكم.
مالك التريكي: دكتور تم حوار في هذه النقطة دكتور برهان لكن تم تصنيف المعارضة إلى معارضة وطنية ومعارضة غير وطنية وذكر..
برهان غليون: لكن بدون اعتراف.
مالك التريكي: وذُكر ولو أنه لم يذكر بالاسم وهنا سأسمع رأي الدكتور أيمن ذُكر أن المعارضة التي تستقوي بالخارج وذُكرت أسماء غير.. لا تُعتبر في.. ليست طرف في الإجماع الوطني لكن المقصود أظن زيادة على الأحزاب الكردية غير المعترف بها.
برهان غليون: إذا سمحت..
مالك التريكي: المقصود هو الإخوان المسلمون يعني هذا هو المخاطَب السياسي.
برهان غليون: طيب بس أكمل بهاي النقطة.
مالك التريكي: نعم.
برهان غليون: ليقل كان البيان يقول نمد أيدينا إلى المعارضة الوطنية وأننا مستعدين لفتح حوار مع الوطنية حد عم ينادي.. في حدا في سوريا بيؤمن بالمعارضة غير الوطنية، ثانيا هذا كمان شغلة.. الإخوان المسلمين القانون 49 اللي بيحكم بالإعدام هذا قانون بربري ما ممكن دولة ذات قانون وذات دستور وحديثة تقبل فيه، كل واحد بسبب انتمائه إلى حزب يعني بسبب أفكاره يحكم بالإعدام هذا هما نفسهم اللي البعثيين كانوا عم بيقولوا قبل المؤتمر إنه هيزيلوه لأنه شيء يعني فضيحة فلم يُزل هذا أيضا القانون.

طبيعة الإصلاح السياسي السوري
مالك التريكي: هنا أسأل السيد أيمن عبد النور في هذا الإطار مسألة التعامل مع الإخوان المسلمين وهذا طبعا مشكلة مطروحة في كثير من البلدان العربية مثلا سُمِح الآن توصيات المؤتمر السماح بالتعددية الحزبية لكن على شرط عدم السماح بإنشاء أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو طائفي وهي وصفة طبعا لإعادة إنتاج النموذج العربي الذي يستبعد كثير من أطرافه الفاعلة وأغلبها الآن هي أطراف إسلامية، تم مثلا اعتقال قبل مدة اعتقال أعضاء في مجلس إدارة منتدى الأتاسي بسبب أن ضيف أحد ضيوفها السيد علي العبد الله أظن قرأ مجرد قرأ رسالة وجهها السيد صدر الدين البيانوني مراقب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا إلى هذا المنتدى، مجرد قراءة هذه الرسالة أودت به إلى السجن مع أعضاء آخرين، هل ترى أن الإصلاح السياسي في سوريا وصل إلى حد شجاعة الاعتراف بأن هنالك أطراف أخرى لابد من التعامل معها لأنها تشكل جزءاً من المجتمع السياسي السوري وأهمها جماعة الإخوان المسلمون؟
أيمن عبد النور: الحقيقة وردت جملة ترد على ما ذكره الدكتور برهان وردت في كلمة الرئيس الافتتاحية للمؤتمر الانفتاح على القوى الوطنية وهو ما يعني جميع القوى الموجودة سواء في سوريا أو خارجها من المعارضة الوطنية التي لا تستقوي بالخارج وتم تمييزها ضمن النقاشات التي جرت في المؤتمر مع مجموعتين، المجموعة الأولى وهي الأحزاب التي موجودة على الأرض وتعمل انطلاقا من أرض الولايات المتحدة إضافة لجماعة الإخوان المسلمون، الحقيقة هناك قانون مدني سُن في مجلس الشعب السوري عام 1980 قانون رقم 49 يَحظر الانتماء ويحكم بالإعدام على المنتسبين أو المتعاملين أو مُروِّجي نشاطات أو الذين ينشرون أفكار وبرامج ومنشورات الإخوان المسلمين وهذه هي المواد التي تم الاستناد عليها في اعتقال الكاتب علي العبد لله في منتدى الأتاسي، الآن يجب أن يُدرس كل قانون الأحزاب وبناء على خصوصية الشعب تلك الدولة التي تسُن ذلك القانون.
الحقيقة سوريا تضم مجموعة كبيرة جدا من الإثنيات ومن الطوائف ومن تحت الطوائف والأديان وبالتالي من الطبيعي أن يكون الأحزاب ذات هموم وطنية تَهُم الجميع أولا لا دينا غير إثنية، لا تكون عبارة عن تنقل هموم مثلا محافظة واحدة يجب أن تكون لها فروع منتشرة في جميع محافظات القطر الأربعة عشر، أيضا حتى يوجب أن تضم نساء أيضا لا يكون حزب رجالي كامل أو حزب نسائي وحتى يمكن أن يكون هناك حد أدنى من التواقيع مثلا عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف عضو للتأسيس من أجل إعطاء جدية أن هؤلاء جميعا المنتشرون..
مالك التريكي: أستاذ أيمن عبد النور أظنك لم تفهم سؤالي، سؤالي هو أن هنالك في كثير من الدول العربية وحلقة اليوم عن سوريا هنالك محاولة للقفز على الواقع والسياسة هي التعامل مع الواقع في أبسط تعريفاتها، الواقع السياسي العربي الآن يُفرز حركات إسلامية، الواقعية السياسية تفرض التعامل معها وإدخالها في النظام بحيث أن تكون الأجنحة التي تقبل التعامل مع النظام السياسي بطريقة سلمية تُدخل داخل النظام مما يسمح بصد الأجنحة العنيفة التي لا تؤمن بالحوار السلمي وبالعمل السياسي، جماعة الإخوان المسلمين تطورت خلال السنوات العشرين الماضية تنبذ العنف في مواقفها العالمية وحتى هنالك الآن حوار بينها وبين الحزب الشيوعي، يعني أن السيد صدر الدين البيانوني والسيد رياض الترك، الذي يوصف بأنه مانديلا سوريا، بينهما حوار إذا كان هنالك إمكان لحوار بين حزب شيوعي وبين حزب إسلامي لماذا لا تعترف القيادة السورية أو حزب البعث بهذا الواقع؟ حتى أوروبا الآن الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية تقبل التعامل مع الحركات الإسلامية.
أيمن عبد النور: نعم حضرتك ذكرت الجواب بسؤالك عندما قلت أن كيف يمكن أن يجتمع حزب شيوعي مع حزب إسلامي بهذه العقلية وبالتالي يعني هناك عقلية جمعت هذين العقلين وظروف ضغطت لهذا الاجتماع، الإخوان المسلمون في سوريا ليسوا من زمن طويل منذ الثمانينات وهناك حتى الآن مازال كثير من السوريون يذكرون ضحايا آبائهم وأخوتهم وأبنائهم وبالتالي هذا الموضوع ذو شجون في سوريا ووفقا لقرارات المؤتمر التي صدرت أن جماعة الإخوان هي خط أحمر لكن هذا لا يعني أن العمل السياسي مغلق أو مُسكَّر على أي تيار ديني منفتح يستوعب آخرين من أديان أخرى يكون لديه القدرة على نقل هموم وطنية وليست فقط هموم أو قضايا دينية، نقلها إلى الحكومة في نقاشاته أو من خلال تمثيله في مجلس الشعب. وبتصوري أن هناك الآن قوتين تعملان على الأرض في سوريا من أجل تأسيس أحزاب معتدلة ذات طابع ديني إسلامي معتدل لكنها ليست مقتصرة فقط على أعضائها من الإسلاميون لأن هذا أيضا يستجلب بالضرورة أن يكون الطوائف الأخرى أيضا أن تُشكل أحزابها المستقلة وبذلك يمكن القول يمكن أن يكون هناك..
مالك التريكي: شكرا أستاذ أيمن عبد النور في دمشق شكرا الآن أتينا إلى محور السياسة الخارجية، لأن هنالك نقاش حامي تم بين السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري وبين وزير الخارجية فاروق الشرع حول السياسة الخارجية وقيل أن السيد عبد الحليم خدام حكم على أداء الحكومة السورية في مجال السياسة الخارجية بأنه كان فاشلا، طبعا معروف أن السيد عبد الحليم خدام كان وزير للخارجية من عام 1972 حتى عام 1984 وكانت نقطة الارتكاز هي الأداء في لبنان، الملف اللبناني، قيادة حزب البعث والحكومة السورية يبدو أنها طوت الملف اللبناني منذ يوم خمسة مارس منذ خطاب الرئيس، لكن واشنطن لم تطوِ الملف والأمم المتحدة لم تطوِ الملف أمس كان كوفي عنان قال أن هنالك عناصر استخبارية سورية لا تزال موجودة في لبنان والبيت الأبيض اليوم قال نفس الشيء وحذّر سوريا من استمرار التدخل في لبنان، هل كانت السياسة الخارجية السورية فاشلة حقا بصفة عامة وفي لبنان بصفة خاصة؟
"يعود فقدان الدبلوماسية السورية لجل أوراقها في وقت سريع إلى غياب منطق الحوار السياسي واعتماد النظام على مبدأ القوة في التعامل مع الآخرين "برهان غليونبرهان غليون: يعني يكاد يعجب الإنسان بالحقيقة إنه كيف نجحت الدبلوماسية السورية في أن تفقد أوراقها ورصيدها خلال.. بالسرعة اللي فقدتها فيها وتفقد كل تحالفاتها كل حلفائها، حلفاؤها في لبنان فقدتهم وحلفاؤها في الغرب فقدتهم اللي يعني.. وأتحدث عن فرنسا وأوروبا اليوم أوروبا ضدها لم تُبقِ.. وحلفائها في الداخل فقدتهم المعارضة الوطنية حليفة للنظام بالمقارنة مع كل القوى الثانية اللي هن خايفين منها، أيضا فقدتهن لأنه ما عم بتعطي لحدا شيء السبب شو؟ السبب غياب منطق الحوار السياسة لأنه النظام ما قام على أساس مبادئ سياسية قام على أساس نحن هنا بالقوة والقوة أكدت إنه قادرين على أنه نبقى بالقوة وطبق هذا على المستوى الدولي، السياسة وقت اللي بده يدخل الواحد منطق السياسة والتعاون مع الآخرين والحلفاء بيدخل بمفاوضات، بمفاوضات يعني بيلاقي مصالح مشتركة بيبني المصالح المشتركة، تُبني المصالح المشتركة. الدبلوماسية السورية واللي ما بأعرف إذا كان المسؤول عنها هو من الشباب اللي لساتهن شباب هلا ولا من الحرس القديم ولا الحرس الجديد قامت على الاستفزاز، على الغطرسة لدولة صغيرة فقيرة ضعيفة ورّطوا شعب بمأزق اليوم كارثة، المأزق اللي وصّلوا فيه البلاد بالعزلة اللي وصلت إليها سوريا كارثة بالنسبة لأي مجتمع بأي شعب حطت على ظهرها، سوريا غير قادرة تحمل على ظهرها الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ومجلس الأمن والأمم المتحدة والدول العربية اللي عم تشتغل من تحتها أيضا مشان ترضي الأميركان ضد سوريا، كيف ما هو هذا العقل الجبار اللي نجح إنه يُبذر ويهدر أوراقه بها السرعة؟ أنا برأيي غياب أي قراءة موضوعية للأحداث وأنا بس بدي أذكر بالمستشارين بعض المستشارين وبعض الصحفيين أو الأساتذة اللي كانوا يتحدثوا باسم الحزب والنظام على التليفزيون دائما كانوا يتحدثوا كما لو كانت سوريا دولة عظمى ووزير الإعلام السابق مهدى دخل الله قال نحن الناس معجبين فينا كيف سوريا الصغيرة تقود سياسة دولة عظمى، هذا هو مصدر الخطأ أصل الخطأ والكارثة يعني كنا نتصرف كدولة عظمى لازم نتصرف كسوريا مش كدولة عظمى نحن لسنا دولة عظمى.
مالك التريكي: وبالضبط الآن واشنطن تريد أن تُحجم من دور سوريا والموقف الآن سعادة السفير الموقف الآن في أميركا أصبح لا يتحدث هذا باعتراف السيد فلنت ليفريت الذي يحضر الآن الذي كان عضوا في مجلس الأمن القومي الأميركي وحضر وقائع مؤتمر البعث أن التوجه الجديد الآن في الإدارة الأميركية لم يعد يتحدث عن تغير مسلك النظام السوري وإنما يتحدث عن (Regime Change) عن تغيير النظام السوري، طبعا النظام السوري ينادي منذ سنين الآن بأنه مستعد لحوار مع واشنطن على كل قضايا الخلاف، لكن أميركا تقول إنها غير معنية بالحوار مع سوريا وتقول للاتحاد للأوروبي لا تدخلوا حتى في مفاوضات شراكة مع سوريا، ما هو السبب ما هو سبب العزلة السورية الآن؟
سامي الخيمي: الدبلوماسية السورية تطالبك بأن تتركني أتكلم بشكل كاف.
مالك التريكي: تفضل.
سامي الخيمي: الحقيقة مسألة إنه دولة إنه سوريا دولة كبرى ودولة عظمى هذا الأمر قد يكون راود بعض الناس أيام كانت سوريا تستطيع أن تُقيم لنفسها دور إقليمي مهم وشعر السوريون بكثير من الفقر بأنهم يحاولون تنفيذ سياسة عربية ذات بُعد إقليمي، هذا الأمر انحصر تدريجيا لأن سوريا أدركت أن العالم قد تغير وأن ميزان القوى في العالم تغير وأن حائط برلين انهار وأن سوريا عادت دولة صغيرة ونحن نقول نحن دولة صغيرة وليست لدينا مطامح لدى أحد وليست لدينا مطامع لدى أحد، لكن لدينا حقوق وهذه الحقوق لا نستطيع أن نستغني عنها، لدينا أراضي محتلة اسمها الجولان قد يكون بعض العرب قد استعادوا أراضيهم، قد يكون بعض العرب لم يصلوا إلى حقوقهم بعد، الفلسطينيون لم يصلوا إلى حقوقهم بعد ولا إلى أدني حد من حقوقهم، السوريون لم يصلوا إلى حقوقهم بعد، يعني نحن لا يجب أن نتصور أن السوري يستطيع بهذه السهولة أن يستغني عن الفلسطيني، يعني هذا مفهوم قطري ضيق جدا عندما نقول أن السوري لا ينبغي أن يساعد الفلسطيني أو أن لا يساعد اللبناني على استعادة أراضيه طبعا ليس بالقوة المسلحة لكن على الأقل بالدعم السياسي، إذاً الدبلوماسية السورية إلى حد كبير مضطرة إلى اتخاذ عدد من المواقف الوطنية التي تحمي حقوق سوريا الآن حدث (Nine eleventh) حدث العمل الإرهابي في نيويورك.
مالك التريكي: التفجير.
سامي الخيمي: بعد هذا الحادث تغيرت السياسة الأميركية بشكل فادح في الحقيقة.
مالك التريكي: رغم أنكم تعاونتم والنظام السوري تعاون جدا في الجانب الأمني مع أميركا.
سامي الخيمي: بس خليك معي سيدي، الإدارة الأميركية لا تُحدد مطالب محددة من سوريا وواضحة السبب في الحقيقة ليس فقط قضية أن سوريا لم تحدد مدى الاستجابة إلى مطالبها ولكن الإدارة الأميركية نفسها هي مجموعة من المكونات وأنت تعلم ذلك يعني سوف أعد لك ويجب أن تتحمل..
مالك التريكي [مقاطعاً]: قبل أن تعد لي هنالك أربعة مطالب أميركية معروفة من سوريا الآن.
سامي الخيمي [متابعاً]: خليك معي بنرجع للمطالب هناك المحافظين وكارتيل للنفط، هناك الإدارة نفسها الرئيس ووزير الخارجية ونائب الرئيس ووزير الدفاع إلى آخره، هناك اللوبي الإنجيلي الصهيوني، هناك المحافظون الجدد وهناك اللوبي الإسرائيلي كل هذه المكونات لديها مطالب من سوريا ولكن كلا يُغني على ليلاه ولكل أولوياتهم عندما يأتي الأمر إلى سوريا تتجمع مطالب الجميع في مسألة جمع حسابي مباشر، يعني يطالبون بكل شيء مرة واحد، أحيانا وهذا مضحك الحقيقة في المطالبات أحيانا تُطالَب سوريا بأشياء مثلا ما يطلبه اللوبي الإسرائيلي هو نزع سلاح حزب الله، نزع سلاح المنظمات، استمرار الفتنة في العراق، شوف خليك معي بينما ما تطالب به الإدارة هو الهدوء في العراق يعني الرئيس بوش يريد الهدوء في العراق ويريد منع أي تسلل وإلى آخره، إذاً أتينا..
مالك التريكي [مقاطعاً]: هذا مفهوم..
برهان غليون [متابعاً]: السبب هو الأميركان.
مالك التريكي: المسألة هي أن السياسة الخارجية الدبلوماسية السورية متهمة بأنها أساءت قراءة التطورات الإقليمية هذا مفهوم طبعا.
سامي الخيمي: لا بالعكس.
مالك التريكي: مفهوم أميركا تستهدف سوريا ومفهوم أن الأهداف الأميركية تتقاطع مع الأهداف الإسرائيلية، هذا معروف لكن المسلك السوري في السياسة الخارجية لم يكن ذكيا؟
سامي الخيمي: يا سيدي المشكلة هذا.. يعني أنا أعتذر منك لكن بعض الإعلاميين وبعض المثقفين من واشنطن يطلون علينا دائما بهذه النظرية أن الدبلوماسية السورية لا تقرأ الوضع العالمي هذا خطأ، بالعكس الدبلوماسية السورية ترى جميع المكونات يعني مثلا المحافظين..
مالك التريكي: أدركنا الوقت يا سيدي.
سامي الخيمي: المحافظين الجدد الآن لن تدعني أتكلم بشيء كاف.
مالك التريكي: للأسف أدركنا وقت البرنامج كنت أتمنى لو كان أكثر من ذلك.
سامي الخيمي: المحافظون الجدد يريدون إعادة رسم الشرق الأوسط مهما فعلت لهم هم لن يُغيروا نظريتهم.
مالك التريكي: متفقون، آخر كلمة للدكتور برهان غليون.
برهان غليون: آخر كلمة وقت اللي بيكون..
مالك التريكي: انتهى وقت البرنامج دكتور آسف أعتذر، انتهى وقت البرنامج.
برهان غليون: بس ما معقول نختم الإصلاح بكلام غريب عن حق الأميركان.
مالك التريكي: سيداتي سادتي بهذا ينتهي برنامج أكثر من رأي لم يبقَ لي إلا أن أشكر سعادة السفير السوري لدى المملكة المتحدة السيد سامي الخيمي، إضافة إلى الأستاذ في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة السوربون الدكتور برهان غليون ومن دمشق كان معنا رئيس تحرير نشرة كلنا شركاء الإلكترونية السيد أيمن عبد النور وهذا مالك التريكي يحييكم من لندن دمتم في أمان الله.

mercredi, juin 08, 2005

المثقف كفاعل اجتماعي


مساهمة في ندوة المثقف والسياسة والاسلام
المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، دمشق 8-9 يونيو05

1- مثقف الحداثة

خلال أكثر من قرن ونصف، لم يكف المثقفون العرب، الاصلاحيون الاسلاميون منهم والعلمانيون القوميون أو الماركسيون عن التفكير في الهوة التي تفصل المجتمعات العربية عن المجتمعات الأوروبية الصناعية سواء على صعيد أوضاعها العامة والفردية أو على مستوى مسلكها في التنظيم السياسي والاجتماعي أو اختلافها في درجات التقدم المادي والعلمي والتقني والأخلاقي. وقد وجدت الانتلجنسيا العربية في إشكالية التقدم والتأخر التاريخية شبكة من المفاهيم الأساسية التي ستعتمدها عموما بصرف النظر عن تنوعاتها الايديولوجية لفهم الواقع والتأثير فيه. وقد ساعدت هذه المقاربة التاريخية على حل مسألتين أساسيتين. المسألة الأولى تقديم تفسير عقلاني لهذه الهوة مستمد من رؤية تطورية كونية تدرج المجتمع العربي في سياق التاريخ العالمي وتشرح في الوقت نفسه أسباب اختلافه عن المجتمعات المتقدمة والأمراض التي يعاني منها، فتظهر أن المسألة مسألة تأخر وجمود وفتور وانحطاط أي مسألة تأخر زمني فحسب لا علاقة لها بالثقافة أو بالدين أو بالماهية. والمسألة الثانية بلورة سريعة وسهلة لحلول واستجابات قابلة للتحقيق مستمدة من نماذج المجتمعات المتقدمة التي "سبقت" المجتمعات العربية في مسيرة التقدم التاريخية للخروج من هذا التخلف أو للقضاء عليه.
وبحسب الزاوية التي نظر إليها المثقفون لموضوع التقدم التاريخي أو التي ركزوا عليها ستولد مذاهب متعددة في فلسفة التغيير والتحويل التاريخي للمجتمع العربي ينبع التباين في ما بينها من الاختلاف على تحليل الأسباب الرئيسية للتأخر وبالتالي من تحديد طبيعة المهام المحورية التي ينبغي التركيز عليها للوصول إلى الهدف المنشود: تحرير الديناميكية التاريخية داخل المجتمعات العربية وفتح الطريق أمام حركة التاريخ وتسريع هذه الحركة إذا أمكن.
فالذين ركزوا في تحليلهم لأسباب التأخر على منظومة القيم العقلية، الفكرية والأخلاقية ووجدوا في العلم القائم على التجربة ومفهوم السببية العامل الأول للتقدم التاريخي شددوا على مظاهر الجمود الفكري وما تبعها من تجميد الاجتهاد الديني وسيطرة المنطق الخرافي فكونوا تيار السلفية الجديدة أو الاصلاحية الاسلامية العقلانية التي وجدت في إطلاق حركة الاجتهاد والتقريب بين منظومة القيم الفكرية والأخلاقية الحديثة والتقليدية الطريق الرئيسي لتجاوز الفوات الحضاري والعودة إلى الاندراج في الصيرورة التاريخية العامة للمعرفة العلمية. وقدمت هذه المقاربة للمجتمعات العربية، على مفترق القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فرصة كبيرة لإعادة اكتشاف التراث العربي والاسلامي ونفض الغبار عنه بالمعنين، بمعنى إخراجه من النسيان ومعنى تجديد معانيه ووظائفه معا لتثميره في معركة التقدم والالتحاق بركب الحضارة الانسانية العام.
والذين ركزوا في تحليلهم لأسباب الجمود والتأخر على مثالب السلطة الشخصية الاستبدادية التي ميزت الدولة أو السلطنة العثمانية لقرون طويلة وجدوا في بناء الأمة بمعانيها الحديثة المختلفة، من حيث هي أخلاقيات جديدة تحكم تكوين الاجتماع السياسي وتجعل منه ثمرة لتعاقد بين أفراد أحرار ومتساوين، ومن حيث هي بناء لدولة المؤسسات الحديثة التي تجسد السيادة القومية تجاه مختلف عوامل سلب الإرادة الخارجية والداخلية، المحور الرئيس للعمل في سبيل الخروج من التأخر وتحقيق أهداف التقدم التاريخية. وكان لهذه المدرسة الفضل الأكبر في توجيه الوعي العربي نحو معالجة مسائل الحياة السياسية الحديثة واستيعاب معانيها بما تتضمنه من رؤى دستورية وتجديد في معنى ومضمون الحرية الشخصية المدنية والسياسية وتطوير مفهوم الدولة وعلاقتها بالجماعة الوطنية وفي نشر مفهوم للسلطة القانونية التي تعتمد في وجودها على وجود العلاقات المؤسسية وما تعنيه من تحديد دقيق للصلاحيات والمسؤوليات في مقابل السلطة القائمة على شبكة علاقات التبعية الشخصية والولاءات العائلية أو الطائفية أو العشائرية. وفي هذه المقاربة السياسية للتأخر تم تجديد المفاهيم الأساسية للسياسة وتوليد أو توالد النماذج المتعددة للفكرة والحركة القومية والوطنية التي جعلت من بناء الدولة القومية أو إعادة بنائها محور جهد المثقفين والسياسيين العرب لعقود طويلة تبدأ من عشرينات القرن التاسع عشر حتى سبعينياته أي ما يعادل نصف قرن. وجميع المناقشات التي ستشهدها هذه الحقبة سوف تدور حول تحرير الجماعة الوطنية من الهيمنة الأجنبية والفئات والطبقات الاجتماعية من قيود القرون الوسطى وملكوت الضرورة وتحرير الأفراد من عصبيات الماضي وتقاليده.
أما الذين نظروا لأوضاع العالم العربي والهوة التي تفصله عن المجتمعات الحديثة من زاوية الفعالية والانتاج ومراكمة القدرة والقوة فقد مالوا بفكرهم نحو تأكيد أسبقية العوامل العلمية والتقنية وجعلوا من الثورة الصناعية والتنمية الاقتصادية وبناء القاعدة التقنية المهمة الرئيسية للخلاص من الحقبة التقليدية. وهذا ما سوف تقدمه بشكل أساسي الترجمة العربية للماركسية التي زودتهم بالأدوات النظرية والرؤى العملية للتحويل الاقتصادي والاجتماعي وتبديل الشروط المادية لمعيشة المجتمعات العربية. وقد ألهمت هذه الفلسفة، بصرف النظر عن الأشكال التي أثرت بها في وعي الفاعلين الاجتماعيين العرب، الجزء الأكبر من السياسات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي طبقت في العالم العربي منذ الستينات والتي نقلت هذا العالم من نموذج المجتمعات الزراعية إلى نموذج المجتمعات الصناعية بالرغم من كل ما تميز به هذا النموذج ولا يزال يتميز به من رثاثة وضعف وعدم اتساق وتفاوت أيضا.

عبرت مجموعة هذه اللحظات المتعاقبة عن الرؤى المختلفة والمتضافرة وأحيانا المتداخلة التي طورتها المجتمعات العربية لمقاربة مسألة الحداثة والاندراج فيها. كما عبرت عن الدور الحاسم الذي لعبه المثقفون العرب أيضا في بناء البيئة الفكرية أو الحاضنة النظرية لتمثل هذه الحداثة واستيعاب معانيها وطبيعة المهام التاريخية التي يتوجب تحقيقها على طريق الاندراج فيها في الوقت نفسه. وقد ارتبط دور المثقف العربي الجمعي ومكانته، أي دوره لا من حيث هو منشيء للمعاني ولكن من حيث هو فاعل اجتماعي أو نخبة متميزة أو انتليجنسيا تساهم في بناء المصائر العمومية، بتكوين هذه الحاضنة الفكرية التي يشكل وجودها شرطا ضروريا لخلق الأمل وفتح الآفاق وتحديد الوجهة وتوفير الحوافز النفسية التي تدفع إلى العمل وبذل الجهد وتساعد على بلورة الاجماع والتعاون بين الأفراد، أي بناء ما نسميه بالايديولوجية الاجتماعية. فبعث الثقة بامتلاك وعي حقيقي أو ناجع بالواقع وترسيخ الأمل بالقدرة على تغييره هما شرطان ضروريان لشحذ الإرادة وإطلاق الممارسة الجمعية ورفع قيمة الاستثمار ومردوده معا في المشاريع التاريخية.
وقد تعزز موقع المثقفين العرب كفريق اجتماعي في المجتمع ومكانته في السياسة والسلطة معا في موازاة نجاحهم في بلورة هذه الحاضنة الفكرية التي قدمت من خلال هذه اللحظات الثلاث التأسيسية رؤية ايجابية للعالم والتاريخ معا وأرست لدى الرأي العام وعيا قويا بأن التخلف أمر عرضي وأن التقدم ممكن ومن وراء ذلك أن التقدم تاريخي وحتمي. فنظر إلى المثقف كما لو كان نبي المجتمع الجديد وحامل أسراره ومفتق معانيه. وزاد الطلب عليه للمشاركة في بناء الأحزاب السياسية وتكوينها وقيادتها وفي تحمل المسؤوليات العمومية. ولا تزال آثار هذه المعاملة التفضيلية قائمة إلى اليوم عبر مراهنة الجمهور العام المستمرة على الثقافة وحامليها لإخراج الأمة العربية من الهوة التي وضعتها فيها القيادات البيرقراطية والتقنوقراطية ورجال المال والأعمال.

2- من مثقف الحداثة إلى مثقف الهوية

قلت إن مثقف الحداثة قد سيطر على حقبة كاملة من حياة العرب الفكرية والسياسية منذ عصر اليقظة إلى منتصف القرن الماضي. لكن الأمر قد اختلف كثيرا منذ وصول مسيرة الحداثة العربية إلى الطريق المسدود الذي نعرفه والذي يؤكده انحسار الجهد التحديثي على جميع محاوره لصالح نقيضه. وهذا ما يشير إليه انتصار السلفية التقليدية والمفرطة في النزعة المحافظة على الإصلاحية الاسلامية العقلانية التي تبلورت في بداية القرن الماضي ونجاح نظام الطغيان في حل عرى الجماعات الوطنية التي نشأت في مرحلة الصراع ضد الاستبداد ونجاح العصبيات القبلية والاتنية والطائفية العائدة في ركابه في اغتيال روح الوطنية والقومية التي غذتها مرحلة طويلة من الكفاح من أجل الاستقلال والسيادة وكانت تنتظر تكريس نفسها في دولة العدالة والحرية والمساواة. وهو ما يشير إليه أيضا انهيار القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية للاندراج في الحركة الكونية للحداثة وتكوين رأس المال المادي والمعرفي اللازم لتثبيت أسس العقلانية والوطنية وترسيخها في أرض الواقع. وهو ما يكرسه الانتصار الكاسح في جميع البلاد العربية لرأسمالية المضاربة والتوزيع على رأسمالية الإنتاج والتجديد والابداع.
فبقدر ما ارتبط دور المثقف الحديث بالحداثة وكان ثمرة لديناميكتها أيضا سيقود وصول مشروع الحداثة العربية إلى طريق مسدود إلى تحلل المثقفين وانهيارهم كقوة اجتماعية ونخبة متميزة وإلى خروجهم بالتالي من لعبة السياسة لا بمعنى الصراع على السلطة ولكن بمعنى المشاركة الفعالة، اعتمادا على رأسمالهم الخصوصي، في بناء السلطة العامة والاشراف على بلورة توجهاتها الايديولوجية عبر الممارسة التاريخية. بل إن التشكيك في أهلية المثقفين وأهلية الثقافة نفسها في رفد حركة التغيير التاريخية بأي قيمة ايجابية قد فاض عن حدوده بعد الثمانينات ليضع مسألة الحداثة العربية أو إمكانية تحديث العالم العربي وإدراجه في المنظومة العالمية للحداثة موضع الشك والسؤال، بما في ذلك لدى قطاعات واسعة ومتزايدة من الجمهور العربي نفسه. وبينما ركز المراقبون الأجانب على عدم قابلية الاسلام - الذي نظروا إليه كروح ثابتة متلبسة بالمجتمعات - للتأقلم مع الحداثة وقيمها، تشبثت النخب العربية الحاكمة ولا تزال، منسجمة في ذلك مع مناخ الانكفاء على النفس المتزايد، بفكرة الخصوصية الماهوية التي لا ترى مجالا لأي مقاربة تاريخية إنسانية مشتركة. بل إن الأمر قد تجاوز ذلك كله نحو وضع فكرة الحداثة نفسها، في الشرق وفي الغرب، موضع السؤال ومعها جميع الطروحات والرؤى الفكرية التي غذتها وعملت على بنائها وفي مقدمها إشكالية التقدم والتأخر التاريخية التي نسجت عليها.
هكذا بدأت مرحلة تشتت المثقفين المحدثين وضياعهم وانفراط عقدهم والتحاق القسم الأكبر منهم كأفراد خاصين بأصحاب السلطة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية بهدف زيادة المنافع والرزق. وانسحاب البعض الآخر بعيدا عن العمل والتفكير العام نحو الانجاز المهني وأخيرا انخراط القسم الاكثر شقاءا في الوعي وتعذيبا للضمير وانشغالا بالمصير الجمعي في حركات الاحتجاج السياسي العنيفة التي نشأت وتطورت في العقود الثلاث الماضية، بل واختيار قطاعات واسعة منها، بالخصوص أجيالها الجديدة والشابة، طريق الانتحار التاريخي عبر الالتحاق بما نسميه اليوم بالاسلاموية الجهادية أو المغالية. لقد كان هذا الاختيار ولا يزال تعبيرا صريحا عن خيبة الأمل بمشاريع الاصلاح الحديثة التي أخفقت أو لم تر النور والتخلي في سياق ذلك عن كل الطروحات التي انبنت عليها الحداثة العربية، بما فيها السلفية الإصلاحية والوطنية القومية والتقانوية الرديكالية التي طورها المثقفون في القرن الماضي واتخذوا منها منارة لإضفاء المشروعية على التغيير وتأكيد حتميته وقابليته التاريخية معا.
ويرتبط هذا التحلل والانهيار للانتليجنسيا العربية بمفارقتين كبيرتين. الأولى أن تراجع دور المثقفين قد حدث بعد انتصار الأحزاب التي كانت بالدرجة الأولى أحزاب المثقفين وصنيعتهم، أعني الأحزاب القومية والاشتراكية. فقد انتزعت المبادرة منهم قوى جديدة سوف تنشأ في إطار الثوروية التقنية المرتبطة ببناء ما سمي بالقاعدة الاقتصادية والصناعية نفسها. والمفارقة الثانية أن تغييب المثقفين واستبعادهم واضطهادهم معا لمنعهم من القيام بأي دور في الحياة العامة قد جاء على يد تلك السلطات والنظم نفسها التي ما كانت لتقوم من دون مساهمة المثقفين وكفاحهم، أي على يد مثقفين غيروا من رسالتهم وأصبحوا، من بيرقراطيين إلى عسكريين إلى قادة أجهزة الأمن،الحماة الرئيسيين للسلطة والنظام ودولة العسف وغياب القانون.
بانهيار مشروع الحداثة العربية وتراجع فرص إنقاذه سوف تبدأ حقبة الانقلاب السياسي والفكري الذي سيقود المجتمعات العربية، تحت تأثير ما سمي بالصحوة الاسلامية، وما رافقها من انتشار الحماسة الدينية الموضوعة في مواجهة العقلانية واستفحال السلطة الاستبدادية وسيطرة العصبيات الجمعية البدائية، إلى الأزمة التاريخية الطاحنة التي تتخبط فيها منذ ربع قرن البلاد العربية. وستشهد المجتمعات العربية في سياق هذا الانقلاب على مشروع الحداثة موجة من الشك العميق في مشروعية سؤال التقدم نفسه وإمكانية التغيير. وسيترك السؤال التاريخي الذي كان في جوهر تكون المثقفين العرب كفاعل تاريخي، كوعي وكممارسة جمعية معا، أعني سؤال التأخر والتقدم، مكانه لسؤال الهوية الذي سيحتل ساحة الوعي العام منتزعا الرؤية العربية من إطار النزعة الإنسانية والكونية ليزرعها في تربة الخصوصية. وسيغير هذا السؤال الجديد طبيعة المقاربة النظرية كما سيؤثر على تعيين المهام التاريخية المرتبطة بالمبادرة الجمعية وتحديدها، وسبدفع بالتالي إلى إعادة صياغة مجموع المواقف النظرية والايديولوجية العربية في إطار الإشكالية الجديدة، إشكالية الهوية والآخرية.
الاسلاموية الجديدة الخارجة من أنقاض الحداثة العربية والمرتدة عليها هي التي ستأخذ على عاتقها مسؤولية التعبير عن هذه الإشكالية وصياغة المهام التاريخية المرتبطة بتحقيقها. وفي موازاة تعاظم نفوذها في المجتمعات العربية سيتبلور المثقف الاسلامي الجديد بمعنى الانتلجنسيا الاسلامية وستظهر معه وبفضله الحركات والأحزاب الاسلامية التي ستجعل من تأكيد الخصوصية ومكافحة "التلوث" بالأفكار والقيم الغربية والعودة إلى قانون الشريعة الدينية برنامجا كاملا للحياة الوطنية وتكنس على طريقها كل ما كانت قد أنجزته الاصلاحية الاسلامية من تقارب بين قيم العصر وقيم الدين. كما ستتراجع في السياق نفسه الأفكار الليبرالية التي استلهمتها النخبة المثقفة الحديثة سابقا في سعيها لبناء المواطنة والدولة الدستورية والأمة الحديثة قبل أن تغيب نهائيا لصالح التأكيد على المركزية القومية المستندة إلى تأكيد الخصائص الإتنية وعلى محورية السلطة والدولة التسلطية. وستفقد المقاربة التقنية والعلمية التي ألهمت الثورة الصناعية والاجتماعية مكانها أيضا لصالح سياسات التكيف مع السوق العالمية كما ستفقد الطبقات البيرقراطية الرسمية التي ربطت مصيرها بتسريع وتائر التنمية موقعها لصالح صعود شبكات المصالح الخصوصية وسيطرة فئات الأعمال الطفيلية والريعية التي لا تملك مشروعا اقتصاديا ولا سياسيا لا طبقيا ولا من باب أولى وطنيا.
لم يعد الهم الأول والشاغل الرئيسي للفكر والممارسة العربيين في هذه الحقبة استدراك ما أضاعه العرب من التقدم العلمي والتقني خلال قرون الانحطاط وإنما تأكيد مبدأ نحن نحن وهم هم، أي مبدأ التمايز والخصوصية والاستقلال الحضاري. ولذلك سيكون هم الاسلاموية الدائم إثبات حضارتنا في وجه حضارتهم وتاريخنا في وجه تاريخهم وثقافتنا في وجه ثقافتهم. إي إلغاء الكونية أو النزعة الإنسانية التي كانت في أصول نشوء المثقف الحديث كحامل لوعي تاريخي مفارق ولمشروع تحويل اجتماعي إنساني مشارك في عملية التحول الحضاري العامة. إن جوهر منطق وممارسة الاسلاموية الجديدة هو : لا تقدم ممكن ولا أمل في تعاون إنساني من أجل التقدم أو الخروج من مأزق التقدم ولا تاريخ مشترك إنساني يفتح الواحد على الآخر ولكن هناك فقط حتمية الاختيار بين استمرار في الوجود يفترض ويستدعي تأكيد الخصوصية بكل تفاصيلها وعلى جميع المستويات، بما فيها العلمية، أو القبول بالموت والذوبان في الآخر أو التسليم له. وفي هذه الحالة لن يبقى هناك مطلب يفوق مطلب المقاومة والدفاع عن النفس من خلال التمسك بالهوية والذود عن الذاتية.
في هذا السياق الجديد سوف تبدو الدعوة إلى الاستمرار في استيعاب الحداثة أو منجزاتها أكثر فأكثر كدعوة للتخلي عن الهوية العربية والقبول بالاستلاب. إن تحرير الثقافة العربية من الروافد الأجنبية والمغالاة في رفع جدران الحماية الذاتية ستصبح من المهام التاريخية الأساسية للمثقف الاسلاموي الجديد في سعيه إلى تحصين الذات والداخل وضمان نقاء الحضارة والثقافة العربيتين. ومن هنا سيأخذ الاسلام موقعه الجديد كمحور لإعادة بناء الهوية ومورد للمعاني والمفاهيم الضرورية لصيانة الذات الحضارية وضمان سماتها الأصيلة والأصلية وتأكيد استقلالها وتاريخيتها الخاصة معا.
في إطار هذه الإشكالية الجديدة التي ستتخذ شكل المفاضلة بين الحضارات كأنماط متميزة ومتباينة بل متعارضة أحيانا للتفكير وللحياة، ستفقد المفاهيم التاريخانية مركزيتها في تفسير الاختلاف القائم والملاحظ بين أنماط حياة العرب والغربيين لتحل محلها المفاهيم المستقاة من الانتربولوجية الثقافية وصراع الحضارات والنزعات الجيوسياسية. كما ستفقد الايديولوجية العربية والثقافة التي تتغذى منها ملامحها الكونية التي كانت تعزز فكرة حتمية اندراج العرب، وإن بشكل متأخر زمنيا، في التاريخ الكوني للإنسانية، سواء ما تعلق منها بنظريات وحدة العقلانية أو التكوين القومي الحديث أو تعميم نماذج الانتاج والتقنية الصناعية، لتحل محلها مفاهيم إسلامية المعرفة والأمة الاسلامية والاقتصاد الاسلامي وكل ما يساهم في إظهار الفروق العميقة بل والقطيعة بين الذوات الحضارية.


3- مثقف الديمقراطية:

تندرج أزمة المثقفين العرب، بجناحهم العلماني وجناحهم الاسلاموي معا في إطار الأزمة التاريخية الشاملة التي تضرب الاجتماع العربي بأكمله. وهي الأزمة التي يعبر عنها الإخفاق المزدوج لمشروع الحداثة والبناء الوطني الذي كان موضوع استثمار تاريخي طويل عند المثقفين المحدثين ولمشروع إعادة تأسيس الهوية وتثبيتها على أسس إسلامية في مواجهة الهيمنة الغربية الذي انشغل به المثقفون الاسلامويون. وليس لهذه الأزمة علاقة ضرورية بالقيم التي يدافع عنها هذان الفريقان ولا بطبيعة المهام التي نذرا أنفسهما لها. إن جذورها تضرب عميقا في البنى والعلاقات الجوسياسية والجيواستراتيجية التي حكمت ولا تزال تحكم مشروع الحداثة العربية وتحدد آفاق تطوره المعنوية والمادية معا. بل ليست القطيعة التي تؤسس للفكر العربي الراهن وتفصل بين ضفتيه ومحوريه سوى الصدى المباشر لغياب آفاق التحول التاريخي الفعلية في المنطقة العربية. ولن تكون هناك إمكانية للخروج من الأزمة الفكرية التي تكرس انقسام النخبة المثقفة وتهميشها وانعدام فعاليتها المجتمعية من دون أن تتحقق تغييرات أساسية في الظروف العامة تخلق فرصا جديدة للتقدم وتسمح بإعادة إطلاق المبادرة التاريخية في المجتمعات العربية وتوفر الأدوات والعناصر المادية والمعنوية اللازمة لتسريع وتيرة التنمية الحضارية. ولا يبشر الهجوم العالمي الكاسح على المنطقة الشرق أوسطية اليوم في نظري بمثل هذا الانفتاح القريب كما لا يبشر به أيضا تدهور الأوضاع الإقليمية والوطنية التي تشير إلى استمرار النزاعات الداخلية وتجددها وتفكك النظم الحاكمة وفسادها وتهافتها معا. وهو ما يعزز احتمال سيادة طروحات الانكفاء على الذات والتمسك بالثوابت وتعميق النزعة الإجماعية والتوافقية في كل بلد ضد ما يبدو كتهديدات جدية للهوية والاستقلال الجماعي. ولا يزال من غير الممكن حصول طفرة تزيد من احتمال تحول الاسلاموية العربية وتطورها على منوال التطور الذي سمح لحزب العدالة التركي بتجاوز الحواجز العقلية والدينية التقليدية والقبول بالسلطة كوسيلة لإدارة الشؤون العامة في شروط الاكراهات التاريخية وبالتعامل مع الواقع والتكيف معه، مع التخلي عن أي رؤية تاريخية مسيانية أو خلاصية.
وبالرغم من العودة الرائعة للفكر النقدي في عموم البلاد العربية لا يزال من المبكر الحديث عن طفرة في الوعي العربي العام تقوده إلى استعادة زمام المبادرة العقلية والحضارية من جديد قبل أن ينجح المثقفون في هضم صدمة الإخفاق التاريخي الذي ساهموا فيه ومن دون نقد التجربة الماضية والخروج منها بدروس ومعرفة بطبيعة الاختيارات الأساسية التي تحتاج إليها إعادة بناء الرؤية التاريخية وإنارة مسار النشاط الجمعي القادم. وهو ما يعني النجاح في بلورة مشروع تاريخي للتقدم العربي المنشود، إذا كان التقدم لا يزال هدفا ممكنا وقائما.
وسيتحتم في هذه الحالة العمل على إعادة تعريف معنى التقدم: هل هو تجاوز للتأخر بالمقارنة مع البلدان الصناعية أو التكنوعلمية وبالتالي استدراك ما لم يتم إنجازه من مهام بوسائل مختلفة ليبرالية أو دولوية أم هو اندراج في الدورة الأخلاقية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية للحضارة الانسانية الراهنة.
وفي هذه الحالة كيف يكون الاندراج وما مضمونه وما هي استراتيجياته ووسائله. أليس من الممكن الافتراض بأن سبب فشل التجربة الماضية للقرنين السابقين، أي التقدم عن طريق إصلاح الدين أو إصلاح الدولة (الملكية الدستورية) أو إصلاح العلاقات الجيوسياسية (الوحدة العربية)أو إصلاح المجتمع (الاشتراكية والمجتمع المدني) كامن بالضبط في تصور التقدم استدراكا للتأخر وتجاوزا له لا شقا لطريق جديدة تسمح، انطلاقا من المعطيات المحلية لكن حسب مباديء كونية وعامة، بإعادة البناء المجتمعي الشامل في مستوياته المختلفة الاخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ هل يمكن تجاوز "التخلف" من دون إعادة تأسيس فلسفة "التقدم"؟ وهل لا يزال هذا الزوج من المفاهيم مناسبا لطرح موضوع التحول المجتمعي في العالم العربي وفي غيره من البلاد؟ باختصار، هل المسألة مسألة تجاوز واستدراك أم هي مسألة إعادة بناء مجتمع كامل خرب ومتآكل، بصرف النظر عن أي مقارنة مع أي جماعة أخرى. وفي هذه الحالة سنجد أنفسنا أمام أسئلة جديدة سمحت لنا إشكالية استدراك التأخر، بالمنطور الاصلاحي الديني أو الليبرالي وبالمنظور الرديكالي الثوري الماركسي أو القومي، بالتهرب منها وتأجيلها وهاهي تعيد طرح نفسها علينا أكثر قوة من قبل: أي ثقافة وأي أخلاقية وأي دين وأي دولة وأي سياسة وأي قومية وأي علاقة بالمجموعة الانسانية، أي حضارة وأي طريق ومنهج لاستيعابها؟ باختصار، أي حداثة للعالم العربي أو أي حداثة عربية؟

هذه هي الأسئلة كما هي التحديات المطروحة على المجتمعات العربية والتي يتوقف على المثقفين في العقود القادمة توفير الاجابات المتسقة والعقلانية عنها للحصول على موقع في خريطة السلطة الاجتماعية واستعادة دور الريادة والمبادرة التي كانت للمثقف منذ بداية النهضة العربية.
لكن نستطيع منذ الآن أن نقول لتأكيد تفاؤل فعلي لا مصطنع إن انخراط المثقفين الراهن أو بعضهم في السنوات الماضية وبشكل أكبر فأكبر اليوم، إلى جانب الشعوب في معركة انتزاع الحقوق المدنية والسياسية، أي في مسيرة التحولات الديمقراطية العميقة، في إطار الهيئات المدنية والسياسية معا، وإن كان لا يقدم مثل هذه الإجابات المنتظرة بعد، إلا أنه يشكل المدخل الضروري الذي يعيد المثقف إلى مجتمعه ويمكنه من استعادة دوره في توجيه المسيرة العامة بقدر ما يسمح للمثقفين بالانخراط في الممارسة العملية ويقدم لهم فرصة الالتقاء في المعركة الواحدة من أجل الحرية والاستقلال عن الوصاية السياسية والأبوية معا. ومن هنا تمثل المشاركة في معركة الديمقراطية المفتوحة في البلاد العربية خشبة الخلاص الرئيسية اليوم إن لم نقل الوحيدة لخروج المثقفين كفاعل اجتماعي من نفق الهزيمة والاحتقار والهامشية للالتحاق بقاطرة التحول التاريخية العتيدة. وبقدر ما تساهم هذه المعركة في تحقيق التغيير واستعادة المبادرة في استيعاب الحداثة وتوطينها تمهد الأرض لتجاوز القطيعة بين الاسلاموية والعلمانوية وتهيؤ للخروج معا من فقر المقاربة التاريخانية وسحرية المقاربة الثقافوية ورؤيتها الحضاروية الرخيصة معا.

mercredi, mai 25, 2005

في معنى قيادة حزب واحد للدولة والمجتمع

الاتحاد 25 مايو 05
تشير المعلومات التي تسربها الأوساط البعثية المسؤولة عن الإعداد اللمؤتمر القطري الخامس لحزب البعث إلى رغبة القيادة القطرية في أن تبقي على المادة الثامنة من الدستور التي تؤكد على دور حزب البعث الحاكم كقائد للدولة والمجتمع. وتعتقد القيادة القطرية كما يبدو بأن الاحتفاظ بهذه المادة يشكل ضمانة لعدم خروج الأمور عن السيطرة أو لمنع تعريض النظام القائم للخطر.
والسؤال المطروح بالضبط اليوم هو التالي: هل ينعقد مؤتمر حزب البعث - الحاكم في سورية منذ 43 عاما من دون انقطاع - تحت شعار تعزيز وسائل الحفاظ على النظام أم تحت شعار تغيير النظام وتعديله بما يسمح بامتصاص التوترات العميقة التي تهدده بالتفكك والانهيار ويخلق للسوريين الشروط السياسية والاجتماعية التي تمكنهم من الرد على التحديات الخارجية الخطيرة والمعلنة القريبة؟
فإذا كان الهدف الأول هو جوهر ما سيناقشه المؤتمر يصبح من الخطأ بالفعل التخلي عن هذه المادة التي تحصر القيادة السياسية، من دون تحديد في الزمان والمجال، بحزب البعث وتجعل منه الوصي الرسمي على شؤون المجتمع والدولة السورييين. وفي هذه الحالة سيكون من الضروري والمكمل أيضا لهذه المادة الإبقاء على قوانين الطواريء والأحكام العرفية وسلطة أجهزة الأمن المطلقة وغير الخاضعة لقانون، أي كل ما اعتمد عليه النظام حتى الآن للاستمرار وما كان بإمكانه البقاء حتى اليوم من دونه.
لكن ربما كان من المفيد في هذه المناسبة إن لم نقل من الواجب الوطني والإنساني، تذكير أعضاء القيادة القطرية بما يمكن أن ينجم عن اتخاذ مثل هذا القرار من مخاطر كبيرة ربما لا تقل عن تلك التي نجمت عن قرار التمديد غير الصائب لرئيس الجمهورية اللبنانية.
فأولا لا يحصل تمديد العمل بقاعدة النص بالدستور على قيادة البعث للدولة والمجتمع وما تعنيه من تجديد الحكم بإلغاء الحياة السياسية السورية في مناخ التعبئة القديمة ضد الرجعية والأمبريالية والصهيونية ولكن بالعكس. إنه يحصل في ظرف تراكمت فيه الهزائم والإخفاقات الخارجية والداخلية وفقدت فيه المنظومة البعثية الحاكمة كل ما كانت تملكه من صدقية حتى تطابق اسمها مع الفشل والإفلاس على جميع الأصعدة الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية والثقافية والإعلامية وصارت رديفا، في ذاكرة سكان البلاد والرأي العام العربي عموما، لإنتاج الفقر والبطالة والامية والتقهر العلمي والتقني وتفجير النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية والقطيعة والعزلة عن البيئة العربية وتصاعد حجم الضغوط والتدخلات الأجنبية واستعداء القوى الدولية المجاني.
وثانيا، مع تراجع أفكار الثورة ومشروعيتها التاريخية، لم يعد ما حصل في سورية في 8 آذار 1963 يظهر كحركة طبيعية في إطار الصراع والتنافس بين القوى السياسية القومية وغير القومية ولكن كمصادرة رسمية وعلنية لإرادة الشعب السوري وسيادته وأن أي حياة سياسية لم تستقم ولن تستقيم قبل إعادة السيادة داخل سورية للشعب الذي انتزعت منه بالقوة العسكرية. وكل ما قيل حول الثورة والاشتراكية وتوزيع الثروة في سياق السعي لإضفاء شرعية تاريخية على هذه المصادرة للإرادة والسيادة الشعبية يكذبه واقع حال أولئك الذين باسم الثورة والوطنية والقومية غيروا أوضاعهم الاجتماعية من النقيض إلى النقيض فأبعدوا الطبقة المالكة القديمة عن مواقعها وصاروا هم الطبقة المالكة الحقيقية.
وثالثا أظهرت التجربة التاريخية الطويلة للسوريين أن إخضاع المجتمع بأكمله لنظام يدمج بين جميع السلطات ويقدمها خالية من أي قيد لفئة أو لحزب واحد يحكمها ويتحكم بها وبمواردها كيف ما يشاء لم يحقق مباديء الثورة البعثية في الوحدة والحرية والاشتراكية ولكنه قاد ببساطة إلى تحويل البلاد إلى مزرعة عبودية بمثل ما عزز لدى الحاكمين الشعور المقابل بالألوهية التي ولدت ولا تزال تولد إلى اليوم سلطة مطلقة تعسفية وقمعية كانت الباب المفتوح على مصراعيه لتعميم الفساد والرشوة الرسمية المنظمة وتدمير الشعور بالمسؤولية وتخريب مؤسسات الدولة والمجتمع المدني معا. وكان كل ذلك من الأسباب الرئيسية للتدهور المقارن والمطلق الذي عرفته البلاد على جميع المستويات التعليمية والإدارية والاقتصادية والتقنية والوطنية.
ورابعا مع تآكل شرعية النظام الثورية وهلاك الفكرة الثورية نفسها التي سند عليها البعث حركته الانقلابية لم يعد النص في الدستور على أن حزب من الاحزاب هو قائد للمجتمع والدولة يعني مجرد تمكين السلطة الجديدة من السيطرة على الموقف ودحر القوى المنافسة لها في المعركة السياسية وإنما تحول إلى إلغاء شرعي للدستور نفسه ومن وراء ذلك إلى وضع الأساس غير القانوني وغير الشرعي لتكوين طبقة حاكمة طفيلية، جاهلة تأهيلا ومنحطة أخلاقا وجانحة سياسيا واجتماعيا معا، ومدفوعة بالضرورة إلى الوقوف ضد المجتمع والعداء له. فالنص على هذه المادة يشكل انتهاكا لروح الدستور الجمهوري لأنه يشرع بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث للتمييز الرسمي السياسي والاجتماعي والاخلاقي بين أبناء الوطن الواحد فيؤهل أصحاب عقيدة ومذهب وحزب للقيادة بالولادة ويحرم الآخرين منها لمجرد عدم انتمائهم إلى الحزب الحاكم. وإذا كان هناك مبدأ قامت عليه المجتمعات والدساتير الحديثة أي الجمهوريات فهو بالضبط مبدأ المساواة في القانون وأمام القانون. ولو أدرك البعثيون المخلصون مدى الإساءة التي يقومون بها بتأييدهم مثل هذا الوضع لبلدهم ومجتمعهم وتمثلوا الحد الأدنى من معاني الوطنية لأعلنوا جميعا انسحابهم من الحزب أو تحقيق المساواة التامة بينهم وبين مواطنيهم على جميع المستويات. والمساواة تعني الفرص المتساوية والحظوظ المتساوية في التنافس أمام جميع المناصب والمسؤوليات. وهو، أي النص على القيادة للحزب الحاكم بالدستور، أساس لتكوين نخبة منحطة أخلاقيا واجتماعيا لأنه ليس للتمييز أمام القانون إلا مضمونا واحدا هو إغراق الموالين والمنتسبين للحزب والسلطة بالامتيازات على حساب مواطنيهم الآخرين. وليست الامتيازات مادية فحسب ولكن معنوية وسياسية واجتماعية. والذي يقبل بالامتيازات على حساب الآخرين ويعتقد أنها أمر طبيعي يستحقه بسبب الولاء أو الانتماء لا بسبب الإنتاج والإبداع والإضافة الايجابية الناجمة عن الكفاءة والمهارة والمؤهلات فهو يقبل بسرقة الآخرين وانتهاك حقوقهم والسير عليها لتحقيق مآربه ومصالحه الخاصة. فهو لا مبدأ عنده ولا مثال. إن ما يهمه هو مراكمة المغانم والمكاسب والمناصب والسيارات والشقق والمكاتب كما هو معروف عن كبار المسؤولين وأبنائهم وزوجاتهم وأحفادهم في كل أنظمة الحكم التمييزية. وهو مصدر للجنوح الأخلاقي وللجريمة لأن النخبة التي تعرف أنها تنعم بالامتيازات التي لا ينعم بها غيرها وتعرف أنها تنعم بها ليس بسبب كفاءتها ومهارتها واستحقاقها القانوني ولكن بسبب ولائها وتبعيتها ورضى المسؤولين عنها تشعر بالسليقة أن محافظتها عليها لا يمكن أن تتحقق إلا بخرق القانون ومحاربة المواطنين الآخرين وإنكار حقوقهم والاستعداء عليهم بذريعة أنهم حاقدون أو معادون للثورة أو النظام أو مهددون للوحدة الوطنية أو متعاملون مع القوى الأجنبية. وباحتكارها الوطنية وهي تخونها كل يوم في سلوكها الاجتماعي والسياسي والثقافي، أي في قبولها التميز والتمييز وتبريرها نظام الامتيازات المفجر للمجتمعات لا تعمل النخبة الحاكمة في مثل هذه النظم إلا على تدمير أسس الوطنية ومشاعر الانتماء الوطني الحقيقي. ولهذا نجد أكثر من نصف السكان لا يفكرون إلا في هجرة أوطانهم والهرب منها بقدر ما يشعرون أنه لاحقوق لهم فيها وأنهم أولاد الجارية وعليهم تقع واجبات خدمة أبناء الست.
وهذا يعني أخيرا أن النص بالدستور على قيادة الحزب الواحد للدولة والمجتمع يعني خراب الدولة والمجتمع والحزب الحاكم معا. وقد حصل ذلك بالفعل في سياق مصادرة الحزب للدولة والدولة للمجتمع والأجهزة للحزب في ظل إنقلاب عسكري لم تدعمه لاثورة شعبية ولا انفجارات اهلية باستثناء تلك التي فجرتها مصادرة إرادة الشعب والاستهتار بحقوقه واستقلاله.
أعتقد أنه آن الأوان، وأملي أن يدرك ذلك أعضاء القيادة في حزب البعث أو على الأقل الإصلاحيين منهم، بأن الآوان قد آن للمصارحة والكلام الصادق. فلا يمكن لدولة ولا لمجتمع أن يقوما من عثارهما بالكذب على النفس والغش. كفى اعتقالات يومية بالجملية وملاحقات وتنكيل ومحاكمة أناس ابرياء، سابقا باسم الحفاظ على الثورة والدفاع عن الاشتراكية، واليوم باسم الاستقرار ودرء المخاطر الخارجية والحفاظ على الوحدة الوطنية التي مزقتها امتيازات النخبة المكرسة بالدستور والتي تحولت بسبب هذا التكريس بالذات إلى نخبة بدائية متخلفة عقليا وسياسيا وإنسانيا معا ومفتقرة للمفاهيم الأساسية بل للمشاعر الضرورية لقيام حياة اجتماعية وسياسية وثقافية على أدنى مستوى كان. لقد أنشأ هذا النظام نخبة مفترسة تعتقد أن كل ما تراه أمامها ملك لها وأن لها كل الحقوق وليس عليها أي واجبات وأن الشعب وجد لخدمتها والتمجيد بحمدها.
لن يمكن تطوير حزب البعث وتحويله من آلة مفترسة كما هو عليه اليوم للدولة والمجتمع إلى منظمة سياسية قادرة على العمل الايجابي والمشاركة في إعادة بناء الحياة السياسية التي خربتها عقود طويلة من الطغيان والسيطرة الهمجية من دون إزالة هذه المادة من الدستور وقطع جذور الفكرة الكامنة وراءها، أعني التمديد الأبدي وبالوسائل الاستثنائية واللاقانونية لسلطة تضع نفسها فوق القانون وتعتبر القانون والدستور أداة من الأدوات الشرعية والمشروعة التي تستخدمها لتكريس نفسها وخدمة مصالحها، أي لسلطة تتنافي مع قيم لوطنية والإنسانية معا.

mercredi, mai 18, 2005

مستقبل الجامعة العربية

بمناسبة مرور ستين عاما على تأسيس جامعة الدول العربية
محاضرة ألقيت في 18 مايو 2005 في منتدى الصحافة الأجنبية في باريس

مناقشة شأن الجامعة العربية، كالعديد من موضوعات الوضع العربي الراهن، يطرح مسألة صعبة على أي متحدث في الوقت الراهن، وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بوسط أجنبي. فترى المرء في حيرة من أمره :هل يعبر عن حقيقة تفكيره مع المغامرة بذرع اليأس أو تسويد الصورة العربية أكثر مما هي سوداء في الخارج أم يقول نصف الحقيقة أو يداور فيها فيخون نفسه وجمهوره معا. لكن سفير الجامعة العربية في باريس أنقذني هذه المرة عندما بدأ حديثه بالاعتراف بإفلاس الجامعة وكنت أريد الحديث بالأحرى عن الإخفاق لا أكثر.

والواقع أن هناك مشاعر متناقضة تتنازع النخب الثقافية والسياسية وقطاعات الرأي العام الأخرى إزاء الجامعة العربية. فبالرغم من خيبة الأمل التي سببتها عقود طويلة من الإخفاق وعدم الانجاز والدوران في حلقة مفرغة هناك خوف كبير لدى الأغلبية الواسعة من الرأي العام العربي من التضحية بالمنظمة التي أصبحت تمثل التعبير الوحيد المتبقي عن وشائج القربى التي تجمع بين الشعوب العربية والملجأ الأخير لمشاعر التضامن والاتحاد التي هزت الجماهير العربية لأكثر من قرن ماض ووجهت خياراتها السياسية. وبالرغم من تزايد الاقتناع اليوم لدى الجمهور العربي الواسع بانعدام فاعليتها واليأس من قابليتها للإصلاح والتجديد إلا أن التمسك بها لا يزال يمثل تعبيرا عن التمسك بحلم العروبة وخياراتها في مواجهة القوى الدولية التي تطمح صراحة إلى تحطيم هذا الحلم وإلحاق الأقطار العربية بالمشاريع الاقليمية الجديدة ذات الطابع الاستعماري أو شبه الاستعماري.
لكن هذه المشاعر المتناقضة لا ينبغي أن تمنعنا من التحليل الموضوعي لعمل هذه المنظمة التي تحتل المكان الأول في ترتيب العلاقات بين الدول العربية وإنجازاتها في العقود الست الماضية. ولا ينبغي أن يكون الهدف من هذا التحليل إظهار نقائص الجامعة العربية أو بالعكس الدفاع عن إنجازاتها وإنما استخلاص الدروس التي تساعد على تحسين أدائها مهما كانت الأسباب التي حدت من فاعليتها ونشاطها ومنعتها من تحقيق الآمال التي وضعتها المجتمعات العربية فيها. ثم إن تاريخ الجامعة العربية ليس خاليا تماما من الإنجازات التي يحق للأمانة العامة أن تركز عليها، سواء ما تعلق منها بالانجازات الاقتصادية مثل إطلاق منطقة التجارة العربية الحرة أو بعض صناديق التنمية العربية أو السياسية مثل المساهمة في حل بعض النزاعات العربية العربية وعلى رأسها النزاع الاهلي اللبناني الذي لاشك في أن اتفاقية الطائف قد ساهمت مساهمة كبيرة في وضع حد نهائي له أو ما تعلق منها بالمشاريع الثقافية والتعليمية التي تختص بها المنظمة العربية للثقافة والعلوم.

يحق بالفعل للمدافعين عنها، ومعظمهم من الناشئين بين الأوساط القومية التقليدية التي انكفأت على الجامعة وحاولت أن تطورها كتعويض عن انحسار الحركة القومية العربية، التشكيك في هدف الدعوات التي تبالغ في النظرة السلبية لها والتساؤل بحق عما إذا كان مصير العالم العربي سيكون أفضل لو لم تقم منظمة الجامعة العربية أو لو تم حلها وتدميرها. كما يحق لهم المراهنة على إصلاحها وتفعيلها وعمل كل ما بوسعهم في سبيل تحويلها إلى منظمة إقليمية تعكس آمال العرب وتطلعاتهم إلى تاكيد هويتهم المشتركة وتأكيد وشائج القربى التاريخية والجغرافية التي تجمعهم والدفاع عن مصالحهم القومية. وتزداد مشروعية هذا الموقف اليوم أكثر من أي وقت آخر في مواجهة ما تتعرض له الأقطار العربية وفكرة التضامن العربي نفسها من تهديدات خارجية يشكل حل الجامعة العربية أو تفريغها من مضمونها كرمز لهوية جامعة أحد موضوعات رهانها الأساسية وهو سياسة رسمية ومعلنه لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية الراهنة التي لا ترى فيها مشروع منظمة إقليمية ذات اهداف ايجابية مثلها مثل بقية المنظمات الدولية الموجود بقدر ما تنظر إليها كتحالف سلبي يهدف إلى محاصرة الدولة الاسرائيلية ومنعها من تأكيد استقرارها والانتماء النهائي إلى المنطقة الشرق أوسطية. ومن هنا تسعى واشنطن إلى استبدالها بمنظمة إقليمية لاتكون فيها للعروبة الكلمة الاولى أو لا تكون هويتها مستمدة من وحدة الهوية والمشاعر والتاريخ ولكن من وحدة السوق الاقتصادية وما يمكن أن تقدمه لخدمة اهداف الاستراتيجية الأمريكية العالمية. إن الشرق أوسطية التي تطرح اليوم كبديل عن الجامعة أو الوحدة العربية هي الاستراتيجية الجديدة التي تتبعها الولايات المتحدة على سبيبل إخضاع سياسة الأقطار العربية ومصالحها لمصالح السيطرة العالمية ومتطلباتها وتوظيفها مع مواردها البشرية والاقتصادية في صراعها من أجل إعادة تأهيل نفسها ونظام سيطرتها الاستعماري أو شبه الاستعماري ومن ضمنه تأهيل إسرائيل أيضا أي ضمان توسعها وامنها واستقرارها وتفوقها كجزء من نظام السيطرة الجديد.
ليس هناك أي شك إذن في ان الجامعة العربية مستهدفة من قبل القوى الدولية وبعض القوى المحلية أيضا، كما أن قسما متزايدا من الرأي العام العربي بدأ يميل إلى التخلي عن الجامعة والتضحية بها نتيجة خيبة الأمل الطويلة بإصلاحها. لكن ما هو مستهدف في الواقع ليس الجامعة العربية نفسها وإنما فكرة التضامن والعمل العربي المشترك واحتمال الاندماج العربي الذي يفتح آفاق التنمية المشتركة ومن ورائها تعزيز وترسيخ الهوية العربية كهوية مسيطرة في المنطقة المشرقية التي تريد الدول الغربية أن تبقى منظقة نفوذ وسيطرة خارجية لما تتمتع به من مزايا استراتيجية. فهي تطمح إلى تفريغ المنطقة العربية من أي منظومة جيوستراتيجية خاصة وتسعى إلى تفكيك عرى التضامن في ما بين أقطار العالم العربي في سبيل أن تملأ هي نفسها هذا الفراغ وكي ما يمكنها هي نفسها أن تحتل موقع المنسق بين جميع الدول والأقطار والمنظم لعلاقاتها الإقليمية في ما بينها، أي موقع السيطرة الجيوستراتيجية الإقليمية. وليس الدفاع عن الجامعة العربية كما هي أو مهما كان تركيبها وفعاليتها هو الذي يسمح بإنقاذ الرهان الاستراتيجي العربي المتمثل في أن يبقى العرب أو ان يصبحوا في المستقبل المنسقون للعلاقات في ما بينهم والمنظمون لأمنهم والمحددون لأجندتهم الوطنية والإقليمية. إن إنقاذ حلم العرب في ان يكونوا أسياد في منطقتهم وعلى أرضهم او على الأقل في أن يكونوا طرفا فاعلا ومؤثرا في تقرير مصيرهم والدفاع عن أمنهم وتحديد اهدافهم وخياراتهم المتعلقة بضمان مستقبل أبنائهم لا يتوقف على الدفاع عن الجامعة العربية مهما كانت وكيف ما كانت ولكن في تحويل الجامعة العربية إلى أداة فعالة وفاعلة في تنسيق العمل العربي وتوحيد الأجندة ووسائل العمل السياسية والاقتصادية والاستراتيجية العربية. وهذا التحويل بوصفه وسيلة لإعادة تفعيل الجامعة هو الذي يبرر الانتقاد الذي يحق للعرب أيضا أن يوجهوه لجامعتهم مهما كانت قوة هذا الانتقاد أو صراحته.
وفي هذا المجال، ليس من المبالغة القول إنه إذا كان تاريخ الجامعة العربية لا يخلو من الانجازات إلا أن جصيلة العمل العربي المشترك العام كانت سلبية تماما، بل إن قسما كبيرا من هذه الانجازات كان يمكن أن يحصل مع وجود الجامعة أو من دونه كما هو الحال في جميع مناطق العالم الأخرى. ومقياس هذه الحصيلة هو حجم الإنجازات بالمقارنة مع الإمكانيات والفرص المتاحة. فقد كان من المتوقع لمنظمة إقليمية تضم بلدانا تنتمي إلى ثقافة واحدة وتحركها قوى شعبية عريضة تنادي بالتقارب والوحدة وتعلن انتماءها الواحد من دون أن تبذل الحكومات أي جهد لإقناعها بذلك كما هو الحال في المناطق الأخرى أن تتطور المبادلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية بشكل واسع بما يدفع نحو اندماج إقليمي قوي يفتح آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة وأن تتحقق أهداف التعاون بصورة أسرع بكثير مما تحقق في بقية بلدان العالم التي لا تملك ثقافة مشتركة ولا وشائج قربى تاريخية وحضارية متماثلة. لكن واقع الجامعة العربية يشهد بغير ذلك تماما. فالجامعة العربية التي تعد أقدم منظمة إقليمية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية بقيت هي نفسها ولم تتطور تقريبا لا في بنياتها ولا في قواعد عملها ولا في الأهداف التي تسعى إليها منذ نشوئها عام 1945. وقد منيت جميع الإصلاحات التي اقترحتها عليها بعض الدول وسكرتاريتها الخاصة منذ الثمانينات من القرن الماضي حتى الآن بالفشل بالرغم من وجود مشروعات جاهزة منذ عقود لتطوير عملها وتحسين أدائها وتغيير هياكلها. وينطبق الأمر نفسه على نشاطات هذه المنظمة القديمة.
فعلى المستوى الاقتصادي لم تتغير نسبة التجارة البينية منذ إنشائها حتى الآن ولم تزد عن 8 إلى 10 بالمئة بالرغم من تخفيض الرسوم الجمركية بمعدل 60 بالمئة وإنشاء هيئة لدعم المبادلات التجارية بين البلدان العربية. وبالمثل لا يزيد حجم الاستثمارات العربية البينية بعد مرور ستين عاما على تأسيس الجامعة العربية عن 4.5 من حجم استثماراتها الخارجية في العالم. بينما لا تتجاوز الاستثمارات الأجنبية في بلدان الجامعة العربية كلها عن 2% من الاستثمارات العربية في الخارج. ولا يزيد حجم التجارة العربية جميعا عن 3% من حجم التجارة العالمية.
وليست الانجازات بأفضل من ذلك على الصعيد السياسي. فبعكس ما توحي به بيانات الجامعة وأعضائها معا، ربما كانت المنطقة العربية من أكثر المناطق تدويلا في العالم. فالدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هي التي تتدخل لضبط النزاعات التي تولد بين أطرافها المختلفة وعلى تدخلها يتوقف ضبط هذه النزاعات أو حلها وليس على تدخل الجامعة العربية. ولم تفلح الجامعة في أي فترة في التقليل من مصادر هذه النزاعات أو من الحد من اندلاعها. بل يمكن القول أن هذه النزاعات تفاقمت وتضاعفت بموازاة نمو الجامعة العربية وأصبحت اليوم أكثر حدة وانتشارا مما كانت في السنوات الأولى لقيام المنظمة العربية. ومن هذه النزاعات ما ارتبط بأسباب سياسية وايديولوجية كتلك التي طبعت الحقبة الأولى لمرحلة ما بعد الاستقلال عبر الصراع بين القوى التقدمية والقوى المحافظة العربية، ومنها ما ارتبط بالخلافات حول الحدود ومنها ما كان نتيجة الصراع على احتلال مركز القيادة أو الزعامة العربية ومنها ما كان له علاقة بالصراع على اقتسام بعض الموارد الاقتصادية والمنجمية أو تحسين موقع بعض البلدان من الناحية الجيوستراتيجية.
والأمر مشابه لذلك على مستوى العلاقات الثقافية. فبالكاد نجحت المنظمة العربية للعلوم والثقافة في الاحتفاظ بحد أدنى من التنسيق بين الدول العربية في أمور تطوير اللغة ورصد التطور في المصطلحات والمفردات العلمية. لكنها أخفقت إخفاقا مشهودا في بناء أي هيئة للتعاون والتنسيق في مجالات البحث العلمي والتقني وتطوير وتوحيد مناهج التربية والتعليم الأساسية وبناء قواعد مشتركة للمعلومات داخل شبكة الانترنيت أو خارجها وإقامة مؤسسة فاعلة لتأهيل الأطر والمهارات التقنية والعلمية وبناء دار للترجمة العلمية لا غنى عنها لنجاح أي مشروع تنمية علمية وتقنية.
لم يعد هذا الإخفاق سرا على أحد ولا مفاجأة لأحد. وقد طرح أسئلة كثيرة ومستمرة منذ عقود على النخب السياسية والثقافية العربية. وقد اهتمت أمانة الجامعة نفسها لفترة طويلة بهذه المسألة وسعت إلى إشراك العديد من الباحثين في التأمل فيها وتقديم الحلول والمقترحات الكفيلة بمعالجتها. وقدم الباحثون وخبراء الجامعة أنفسهم ولا يزالون يقدمون أفكارا واقتراحات عديدة لتجاوز الوضع المؤسف الذي تعيشه الجامعة وتطويرها بما يؤهلها لمواجهة التحديات المتزايدة التي تواجهها بلدانها. وآخر هذه المشروعات ما طرحه الأمين العام الحالي للجامعة السيد عمرو موسى في مؤتمر القمة الذي عقد عام 2004 . لكن السؤال الجديد أو الجدير بالطرح هو ما هي الأسباب التي أدت إلى إخفاق الجامعة وما هي العوائق التي تحول دون إصلاحها أو التي تؤخر إصلاحها وهل هناك أمل في مثل هذا الإصلاح؟

2 - لماذا لم يمكن إصلاح الجامعة العربية

قلت في مقال سابق أن الجامعة العربية تشكل اليوم موضوع صراع قوي بين أنصارها وأعدائها وأن هذا الصراع يجري في سياق دولي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى إعادة صوغ المنطقة الشرق اوسطية من الناحية الجيوسياسية على أسس جديدة تنحو إلى تهميش فكرة القومية أو الوحدة أو الهوية العربية السائدة لصالح بناء نظام تسيطر عليه علاقات السوق والمبادلات التجارية ويخضع في هياكله الإقليمية إلى حاجات تحقيق السيطرة الامريكية الجيواستراتيجية في الشرق الاوسط والعالم اجمع. وقلت كذلك أن مستقبل الجامعة العربية مرتبط بقدرة العرب على إصلاحها حتى تتحول إلى إطار قانوني ودبلوماسي فاعل وفعال في التقريب بين البلدان العربية وتعزيز تضامنها وتوحيد سياساتها ودمج أسواقها وتكثيف مبادلاتها التجارية. لكن لن يكون مثل هذا الاصلاح ممكنا من دون معرفة المشاكل المطروحة والأسباب التي حالت او التي لا تزال تحول دون نجاح المنظمة العربية الاقليمية.
هناك في نظري ثلاثة عوامل رئيسية تفسر تعثر جامعة الدول العربية وعجزها عن تحقيق الآمال التي علقها العرب عليها والوظائف الجديدة التي يسعون إلى ايكالها لها من دون نتيجة تذكر حتى الآن.
العامل الأول يتعلق بتاريخ نشوئها والسياق الذي تكونت فيه والاهداف التي اوكلت لها بالفعل وحددت إلى حد كبير بنيتها الأساسية التي لا تزال قائمة حتى اليوم والتي أخفقت جميع محاولات تجاوزها. فمنذ خروج البلدان العربية من الحقبة الاستعمارية التقليدية اخذت تتبلور في الحقل السياسي العربي أجندتان أو برنامجان متناقضان تماما ومتنافسان في ما يتعلق بالرؤية الجيوستراتيجية العربية. البرنامج الاول تركز عليه الحركة القومية التي تنظر إلى وجود الدول العربية الناشئة بعد انحسار السلطة الاستعمارية كتكريس لعملية التقسيم اللاشرعية التي قامت بها السلطات المحتلة، ومثالها الساطع التقسيمات التي نشأت حسب اتفاقيات سايكس بيكو الشهيرة التي عكست تقاسم الشرق العربي بين الفرنسيين والبريطانيين كمناطق نفوذ، وتنظر إلى تجاوزها وحلها في دولة قومية عربية واحدة تزيل آثار التقسيم الاستعماري وتعيد توحيد المنطقة العربية. ومن الجانب الآخر أجندة وبرنامج الحكومات والقوى الجديدة الناشئة في إطار الاستقلال التي كانت تنزع بشكل تلقائي إلى تكريس الدول الجديدة المستقلة كحقائق نهائية أو شبه نهائية وتاكيد الهوية المحلية المرتبطة بها.
فمن المعروف أن إحدى القوى المحركة والدافعة الأساسية لحركة الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية وضد الهيمنة الخارجية كانت، ولا تزال في الواقع، فكرة الوحدة العربية أو الانتماء لأمة واحدة والرهان على تحقيق هذه الوحدة وتأكيد الهوية المشتركة التي تقف وراءها في سبيل ضمان قدر أكبر من الكرامة والسيادة والاستقلال. وقبل أن تتحول الفكرة العربية إلى حركة شعبية وأهلية مناوئة او بالأحرى نازعة إلى مناوئة النظم والحكومات الجديدة الناشئة لكن مع توقع صعودها، وفي سياق تأمين الحكومات العربية المستقلة أو شبه المستقلة المؤيدة للغرب وضمان استقرارها في المستقبل تبلورت في الأوساط الدبلوماسية الرسمية فكرة إقامة رابطة للدول العربية تستجيب لما عبر عنه أنتوني ايدن وزير خارجية بريطانيا في تصريح له (29 مايو 1941) بآمال العرب في الوحدة وما عاد إلى التذكير به ثانية أمام مجلس العموم البريطاني (24 فبراير 1943). وهكذا انطلقت بمبادرة من رئيس وزراء مصر مصطفى نحاس باشا مسيرة بناء الجامعة التي بدأت بالتوقيع على بروتوكول الاسكندرية عام 1944 كوثيقة أولى للجامعة التي ستتأسس في العام التالي. وقد حسم النقاش على طبيعة الجامعة بين وجهتي نظر ترى إحداهما ضرورة إنشاء اتحاد الدول العربية بينما تميل الثانية إلى إنشاء رابطة أقل طموحا تكتفي بمهام التنسيق في سياسات الدول. وهي الوجهة التي ستتغلب في النهاية والتي ستحدد مصير جامعة الدول واهدافها المحدودة. فبعكس ما يعتقد الرأي العام الحالي لم يكن هدف الرابطة التي تكونت في الخمسينات ايجاد اداة قانونية وسياسية تدفع نحو دمج البلدان العربية وتوحيد سياساتها لتعزيز استقلالها جميعا وزيادة فرص تنميتها الاقتصادية بقدر ما كان الهدف تكريس الوضع الجيوستراتيجي التي خلفته الحقبة الاستعمارية وتأمين استمرار تبعية المنطقة عموما وكل دولة مستقلة شكليا فيها للسياسات الغربية وبشكل خاص للسياسة البريطانية. وهذا واضح من نص برتوكول الاسكندرية الذي يجعل من استقلال وسيادة الدول الهدف الأول لها ولا يتحدث عن دمج او توحيد وإنما عن تنسيق وتعاون وتوثيق للصلات بين الدول. وهو واضح أيضا في قواعد عمل الجامعة التي تؤكد على أن قراراتها تتخذ بالاجماع وليس بالأغلبية كما ان هذه القرارات ليست ملزمة إلا في حالة النزاع بين دول. وفي النهاية يمكن القول إن بنية الجامعة لم تكن تؤهلها للعب دور تفعيل الحياة العربية المشتركة أو الدفع في اتجاه بناء مصالح مشتركة وإنما لتقوم بدور ملتقى عام يسمح للحكومات والزعماء العرب بالتفاهم والتنسيق والمساومة وعقد الصفقات في ما بينهم. أي أن الجامعة العربية في الصيغة التي ولدت فيها لم تؤسس لتحقيق الاتحاد أو الاندماج العربي بقدر ما أسست لمنع قيام مثل هذا الاتحاد ولتكريس التقسيم الذي حصل لضمان مناطق النفوذ الثابتة للأطراف الغربية وتأمين الحكومات التابعة لها ضد مخاطر تطور الحركة الشعبية المعارضة والمعادية للغرب ومخاطر النزاعات المحتملة بين الحكومات العربية الجديدة وما يمكن أن تؤدي إليه من إضعاف الاستقرار.
وليس هناك شك في أن هذا التكوين الأصلي أو البنيوي الذي ميزها منذ تأسيسها يشكل أحد العوامل الأساسية التي تفسر إخفاق الجامعة العربية، او بالأحرى عجزها عن تحقيق ما يتطلع إليه الرأي العام العربي بأغلبيته. وإذا لم يتم التركيز على هذا العامل في الماضي، حتى لدى اولئك الذين انتقدوا الجامعة العربية، فذلك لأن الجامعة قد تعرضت بسرعة للتحدي الفلسطيني الخطير واضطرت إلى أن تتخذ مواقف تتناقض مع اهدافها حتى لو بقيت هذه المواقف إعلامية. وهذا ما عبر عنه توقيع ميثاق الدفاع العربي المشترك عام 1952 وبقاؤه في الوقت نفسه حبرا على ورق. كما أن ديناميكيات الصراع السياسي والإقليمي داخل المنطقة العربية سوف تدفع إلى تهميش هذه الجامعة نفسها مع توجه الأنظار نحو الحركة القومية العربية الشعبية أو الشعبوية الصاعدة التي ستصبح محط آمال العرب في تحقيق الأهداف التي كان من الممكن أن ترتبط بتكوين الجامعة. وفي ظل صعود الناصرية كأقوى تعبير تاريخي عن الحركة القومية الشعبية العربية سوف يخفت مفهوم الجامعة تماما لصالح مفهوم الوحدة العربية الاندماجية. ولن يكون من الصعب على قيادة الحركة القومية في تلك الفترة من استخدام الجامعة نفسها كأداة من أدوات عملها الإقليمي والدولي أو من تحييدها إذا وجدت أن من الصعب عليها الاستفادة منها.
أما العامل الثاني فيتعلق بغياب الإرادة السياسية عند الدول العربية. فإذا كان من المسلم به أن البنية الأساسية للجامعة قد ارتبطت بحقبة النفوذ البريطاني وبحاجات الأنظمة العربية التابعة لتكريس التقسيمات الاستعمارية إلا أن أحدا لم يمنع العرب في ما بعد، خاصة بعد الانهيار الذي تعرض له النظام الإقليمي شبه الاستعماري الذي خلفه البريطانيون في المنطقة على إثر حرب السويس عام 1956 وانتصار الحركة القومية من إعادة النظر في بنية الجامعة وإصلاحها لتستجيب بشكل أفضل لحاجات السياسة والاستراتيجية العربية. وقد أصبحت الحاجة إلى منظمة إقليمية فاعلة حادة بشكل خاص بعد فشل مشروع الوحدة العربية الاندماجية وتراجع الحركة القومية الشعبية واعتراف القيادة الناصرية نفسها بهذا الفشل والابتعاد نهائيا عن فكرة الوحدة العربية القومية. وزاد من هذه الحدة تفاقم مخاطر السياسة الاسرائيلية التوسعية وتهديدها لاستقرار الدول بعد نجاحها منذ 1967 في انتزاع أجزاء إضافية من الأرض العربية واحتلالها وتكريسها لتوسيع الرقعة الاستيطانية اليهودية. وقد عبرت هذه الحاجة الماسة لتفعيل الجامعة عن نفسها عام 1970 من خلال التوقيع على السوق العربية المشتركة ثم عام 1980 من خلال ميثاق العمل العربي. وإذا بقيت هذه الاتفاقيات والمواثيق من دون تنفيذ و لم يحصل إصلاح لبنية الجامعة العربية بالرغم من تراجع الحركة القومية المنافسة وتزايد التهديدات الاسرائيلية وتفاقم المخاطر التي تضعف صدقية الدول العربية فذلك لأن هذه الدول او بالأحرى الحكومات والنظم والقوى التي حكمتها لم تكن تملك الإرادة، جميعها أو أكثرها، لإقرار إصلاحات جدية تخرج الجامعة من حالة الشلل التي ولدت فيها وتحولها من أداة لتكريس التشتت العربي وضمان بقائه إلى أداة لتحقيق التنمية العربية المشتركة وتأمين وسائل الدفاع ضد التحديات الاستراتيجية الخطيرة والمتعددة.
ولغياب هذه الإرادة في نظري سبب أساسي مشترك هو حرص كل نظام على أن يحل المشاكل ويواجه التحديات الواحدة بنفسه وبتعامله الخاص مع الدول الحليفة الخارجية واحيانا على حساب الدول العربية الأخرى وضدها إذا دعت الحاجة، أي حرصه على إرضاء القوى الدولية التي يعتمد عليها في حماية نفسه و إرساء استقراره. وهذا ما يشير إلى مسألتين: غياب مفهوم الدولة والمؤسسات لصالح مفهوم العصبيات وشبكات المصالح والتكتلات الزبونية الحاكمة وما يعنيه ذلك أيضا من ضعف الشعور بالمصالح العمومية والبعيدة. وكذلك انعدام الثقة بين هده الفئات الحاكمة في مختلف البلدان. ولعل تجربة الحركة القومية الشعبوية التي شكلت تهديدا حقيقيا للأنظمة القائمة في مرحلة الستينات قد خلفت عند النخب السياسية العربية الحاكمة عقدة خوف عميقة تجاه كل ما يتعلق بفكرة الوحدة العربية او يشير إليها او يدفع إلى الاقتراب منها مثلما خلفت عقدة الخوف من الحركة الشعبية ودفعت العديد منها إلى التمسك بصيغ مغلقة ومتحجرة للسيطرة السياسية بعيدة كل البعد عن مفاهيم السياسة العصرية. وبالرغم من أن خطر الوحدة على الطريقة الناصرية وبدفع مما سمي في تلك الفترة بالقوى الثورية الانقلابية قد زال تماما، مع تبني تلك القوى نفسها أو ما بقي منها على قيد الحياة استراتيجية العمل من داخل الجامعة العربية واعتمادا عليها للتقريب بين الدول العربية، إلا أن النخب السياسية الرسمية بقيت مترددة في إصلاح الجامعة العربية وبث روح جديدة فيها. وبدلا من أن تستفيد من تراجع الحركة الشعبوية في سبيل وضع مشروعها للتقارب والاندماج موضع التطبيق وتظهر قدرتها على تقديم حلول ولو جزئية للمشاكل الاستراتيجية الخطيرة التي تواجهها الجماعة العربية وفي مقدمها مشكلة التوسع والغطرسة الاسرائيليتين ومشكلة التنمية والتعاون الإقليمي، بقيت أمينة لخياراتها السابقة المعادية لأي شكل من أشكال الوحدة أو الاتحاد واعتبرت أي تفعيل جدي لاتفاقيات العمل العربي المشترك بمثابة تقليص من سيادتها وتهديد لسيطرتها المطلقة ومصدر خطر على استقرار نظامها السياسي. وكانت النتيجة خسارة رهان بناء الدولة سواء أكانت من النمط القومي أو من النمط القطري.

أما العامل الثالث فهو مرتبط بموقف الدول الغربية. فقد نظرت دول اوروبة الغربية التي تحتفظ بمصالح استراتيجية كبرى في المنطقة باستمرار بعين الشك إلى كل مشروع يهدف إلى تجميع القوى في جنوب المتوسط منذ محاولة محمد علي باشا في منتصف القرن التاسع عشر حتى يومنا الحاضر. وكانت ترى في تحقيق أي نوع من التجمع أو الاندماج بداية القضاء على نفوذها ومصالحها. وقد جاء رد فعلها على المحاولة الناصرية معبرا بشكل لا تردد فيه عن هذا الموقف الثابت كما برهن على ذلك العدوان الثلاثي على مصر أو ماسمي بحرب القناة عام 1956. وبعد تبني الولايات المتحدة يصورة مماثلة للدولة الاسرائيلية وبرنامجها التوسعي والأمني أصبح الوقوف ضد مشاريع التقارب العربية والعمل ضدها بوصفها أداة في يد السياسة التحررية المعادية للهيمنة الغربية وللتوسع الاسرائيلي سمة عامة للسياسات والاستراتيجيات الأطلسية عامة في المنطقة. وهكذا تم التخطيط لحرب 1967 كي تكون الضربة القاتلة لحركة القومية العربية الناصرية التي نظرت الدول الغربية إليها كمحاولة من قبل مصر والعرب لبناء إمبرطورية إسلامية جديدة على الحدود الجنوبية لاوروبة وانتزاع ما تبقى لهذه الأخيرة من مواقع ومناطق نفوذ في منطقة من أكثر المناطق حساسية استراتيجية في العالم. ووسم عبد الناصر في تلك الفترة بالنزعة القومية العنصرية ولم يتردد المثقفون والسياسيون الغربيون بتشبيهه بهتلر وتعبئة الرأي العام العالمي والعربي ضد الحركة التي يقودها والاهداف التي كان يسعى إليها. ويأتي مشروع الشرق الأوسط الموسع الجديد كتكملة لسياسة منع العرب من تكوين كتلة موحدة ومستقلة ودفعهم إلى الاندراج في السوق العالمية من منطلق واقعهم الراهن كدول ضعيفة وفقيرة وتابعة يمكن بسهولة التهامها وتوظيفها ضمن الاستراتيجيات الدولية.
لكن هل يعني ذلك أن مشروع التكتل العربي قد فقد مقوماته الموضوعية وأنه لم هناك لا حاجة ولا أمل في إصلاح الجامعة العربية ؟

3- مستقبل التكتل العربي

تتزايد الأسئلة في وسط الرأي العام العربي والعالمي معا حول مصير جامعة الدول العربية في عامها الستين. وبينما يعتقد البعض أن الجامعة العربية انتهت مثلها مثل فكرة الوحدة العربية بل فكرة العروبة والهوية العربية ذاتها مع تقدم مسار العولمة وانفتاح المجتمعات العربية على بقية بلاد وثقافات العالم وانهيار النظم الشمولية التي استخدمت الفكرة العربية أو نشأت في موازاتها وواكبت انتشارها، يعتقد البعض الآخر في العديد من الأوساط الصناعية والتجارية المتوسطة بأن الفرصة قد حانت الآن لإعادة إصلاح الجامعة وان هذا الإصلاح لم يكن في أي فترة على مرمى اليد مثل ما هو عليه اليوم. فهل يمكن إصلاح الجامعة العربية بالفعل بالرغم مما أصابها من ترهل وافتقار للصدقية وهل تهيأت الظروف التي تسمح بهذا الإصلاح، أو بمعنى آخر، هل أصبحت عملية التقارب والاندماج العربية، على أي مستوى ومن أي درجة او نوع كانت، ممكنة تاريخيا، موضوعيا وذاتيا معا؟
الجواب على هذا السؤال الجوهري يتطلب الإجابة الايجابية على الأسئلة التي تتعلق بمصير العوامل الثلاث التي شكلت العقبات الرئيسية امام تقدم العمل العربي المشترك وبالتالي إدانة الجامعة العربية بالجمود والفشل. الأول الذي يمس البيئة الجيوسياسية العامة في المنطقة يمكن صياغته على النحو التالي: هل أثبت النظام الإقليمي شبه الاستعماري القائم على -تكريس التفتيت الجغراسي للمنطقة و- الحفاظ على تبعيتها من خلال انماط معينة من الحكم والنخب الحاكمة و- إقصاء شعوبها عن القرار السياسي فيها وتهميشها، أقول هل أثبت هذا النظام فشله وسقطت ورقته أم أنه لا يزال قائما ولا يزال هناك من يسعى إلى إبقائه والحفاظ عليه؟ والثاني هل بزغت إرادة عربية قوية عند النخب الحاكمة في اتجاه توسيع دائرة التعاون وتطوير ادوات العمل العربي المشترك بهدف تحقيق المنافع الوطنية، وهل تغيرت طبيعة هذه النخب بما يسمح بالتفكير بهذه المصالح وجعلها مقدمة على المصالح الخاصة واستخدام الدولة اداة للسيطرة الفئوية؟ والثالث هل تبدلت مواقف الدول الغربية التي كانت رافضة لفكرة التجمع والتكتل العربي وأصبحت تنظر بعين الرضى عن مثل هذا التجمع لسبب أو آخر، وهل هناك تقارب في مواقفها او اتفاق بينها عليها؟

لاشك أن البيئة الجيوسياسية الشرق أوسطية قد تغيرت في سياق تغير البيئة الدولية العامة. وبعد خروج المنطقة من منطق الحرب الباردة هناك فرص لنشوء ديناميكيات جديدة لإعادة صياغتها. ومن ضمن مشاريع إعادة الصياغة هذه في سياق إعادة بناء النظام الإقليمي شبه الاستعماري، ولكن هذه المرة على حسب حاجات مشروع السيطرة الأمريكية العالمية. ومن بينها أيضا مشروع الشراكة المتوسطية الضعيف لكن القائم. ومنها أخيرا بوادر مشروع إصلاح الجامعة العربية الذي تقوده بعد الدول العربية المتضررة من الاجتياح الخارجي للإقليم وزوال أي هامش مبادرة مستقلة لدوله العربية. فأمام تصاعد التحديات الاسرائيلية والدولية وتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية العالمية في سياق العولمة وتزايد مطالبة الدول الكبرى بالانفتاح الاقتصادي والتحرير السياسي بدأت النظم العربية تدرك شيئا فشيئا أهمية التعاون والاتفاق على سياسة مشتركة في ما بينها. واكتشفت وهي تحاول درء المخاطر المتصاعدة المحيقة بها وجود الجامعة العربية وإمكانية استخدامها كأداة للعمل المشترك السياسي والأمني الذي يمكنها من أن تحتفظ بدور لها في تقرير شؤون منطقتها التي بدأت الولايات المتحدة تنظر إليها كمسرح لإعادة صوغ الخريطة الجيوسياسية ومنطلق لنشر الاستراتيجية العالمية الجديدة. وهكذا بدأت فكرة إصلاح الجامعة العربية التي بقيت من دون تغيير يذكر خلال العقود الطويلة الماضية تصعد إلى مقدمة الأجندة السياسية لعدد من الدول العربية الكبرى المهددة بأن تفقد دورها ومكانتها امام التدخلات الخارجية المتنامية وتفرض عليها مستويات من التبعية لا تختلف عن تلك التي فرضت من قبل على الدويلات الصغيرة التي وضعت نفسها منذ بداية التسعينات تحت الحماية الأجنبية من خلال اتفاقات امنية تبدو متساوية لكنها تخفي حقيقة التسليم بمسائل الأمن والاستراتيجية الكبرى للدول الغربية. وقد بدأ الحديث في إصلاح الجامعة العربية منذ التسعينات لكنه لم يتحول إلى مشروع واضح لتعديل هياكل الجامعة العربية وإعادة تحديد أهدافها إلا في السنتين الاخيرتين وبموازاة البحث عن بدائل للحلول الاندماجية التي يطرحها التحالف الغربي على المنطقة ويقصد منها إلى تأهيل إسرائيل إقليميا من جهة وفتح المنطقة على العوالم غير العربية الفارسية والتركية والباكستانية بهدف حل هويتها الخاصة وتذويبها مع المطالب والتطلعات التي ترتبط بها في إطار اقتصادي وسياسي يقطع الطريق نهائيا على احتمال عودة الحركة الوطنية والشعبية العربية المعادية للغرب والمنافحة عن السيادة والاستقلال الناجزين والتنمية المستقلة.
وقد قدمت الامانة العامة للجامعة اعتمادا على عمل الخبراء مشروعا متكاملا للاصلاح يشمل إنشاء برلمان عربي يشكل مصدر بلورة التشريعات الخاصة بها ومحكمة عدل دولية وهيئة متابعة تنفيذ قرارات الجامعة وإصلاح آلية التصويت داخل الجامعة ومشروع تكوين مجلس أمن شبيه بمجلس الأمن الدولي لكن على مستوى المنطقة العربية ومجلس قومي للثقافة العربية ومصرف عربي للتنمية. قد ناقشت قمة القاهرة والجزائر عام 2004 ثم 2005 هذا المشروع وأقرت في جلستها الأخيرة إنشاء البرلمان العربي ووعدت بالموافقة على ملاحق التعديلات الأخرى في جلسات قادمة بعد تدقيقها من قبل الخبراء المعتمدين لديها. وقد بينت الاجتماعات والنقاشات الدائرة حول هذا الموضوع أن غياب الإرادة السياسية الذي كان عاملا رئيسيا في تعويق العمل العربي لإصلاح الجامعة لا يزال قائما بالرغم من وجود قوة دفع جديدة نتيجة خوف بعض الحكومات من ترك الساحة الإقليمية الجيوسياسية فارغة تماما امام الولايات المتحدة وإسرائيل لتعيدا بناء العلاقات الدولية في المنطقة حسب رغبتهما. وهذا بعني أن الأمر لم يحسم بعد. لكن بالمقابل إذا لم تتشكل بعد إرادة عربية جامعة لبناء نظام إقليمي عربي وبالتالي لإصلاح الجامعة العربية حتى تتحول من اداة للتغطية على العمل القطري المستقل والمنافس إلى وسيلة لتنسيق الجهود وتطوير القوى والمصالح المشتركة للشعوب العربية فإن هناك اليوم على الأقل جزءا من التكنوقراطية العربية التي أصبحت مقتنعة تماما بأنه لا توجد أي إمكانية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية من دون توحيد جهود البلدان العربية والتنسيق بين سياساتها.
أما في ما يتعلق بموقف الدول الكبرى التي كانت مناوئة لأي مشروع تكتل عربي يستبعد إسرائيل ويشكل تهديدا لها او يهدد بالقضاء على مناطق النفوذ والمصالح الغربية فالأمر لا يختلف عما حصل داخل مجموعة الدول العربية نفسها. فبعد زوال الوهم الغربي حول القوة العربية والانكشاف الكبير للموقف العربي وللعجز الذي يميزه أصبح الخوف من زعزعة الاستقرار وتفجر الحروب الأهلية والنزاعات الدامية وما يمكن أن تسببه من هجرات بشرية تهدد استقرار الدول الأخرى الصناعية يشكل دافعا أكبر لدى الدول الأوروبية خاصة، لكن حتى في غيرها، للنظر بشكل أقل عداءا لسياسات التقارب والتعاون العربية. لكن سواء أتعلق الأمر بالولايات المتحدة أو بالاتحاد الأوروبي لا ينفصل هذا القبول المبدئي عن شرطين لايزال من الصعب على الدول العربية القبول بهما أو تلبيتهما من دون تحمل أضرار باهظة سياسية وجيوسياسية معا. الأول تحقيق التعاون العربي من دون المس بمصالح إسرائيل واستقرارها في الوقت الذي تتبنى فيه تل أبيب أشد سياستها التوسعية عنفا وعدوانية. والثاني عدم المس بالمصالح الأطلسية وربما بالتفاهم مع الكتلة الأوروبية الأمريكية لا في مواجهتها. ويمكن القول باختصار إن التغير الذي حصل في البيئة الجيوسياسية وفي مواقف الأطراف الدولية معا يفتح من الآفاق بقدر ما يفرض من التحديات وأن إقامة نظام عربي أو إصلاح النظام القائم ليس أمرا معطى ولا مسلم به ولكنه يتوقف على قدرة الدول العربية الراعية لهذا الاصلاح على العمل الجدي والسريع لتحقيق تقدم ملموس في الاندماج العربي وبالتالي على إقناع الدول العربية المترددة بالانخراط في مشروع عربي يواجه منافسات حادة من قبل قوى كبرى. كما يتوقف أيضا على النجاح في الوقت نفسه في احتواء المشاريع الاخرى المنافسة أو على الأقل تحييدها. فليس من الضروري أن يطرح المشروع العربي في مواجهة مع المشاريع الأمريكية والاوروبية إنما المهم أن يكون متميزا عنها وأن يملك ديناميكته الخاصة والمستقلة.
وهذا يعني في نظري أن الأمل في إصلاح الجامعة العربية ومن ورائها في بناء إطار للعمل العربي المشترك وربما لإقامة تكتل عربي فاعل أصبح أكثر من ضروري لمواجهة مشاكل الامن والاستقرار والتنمية في الأقطار العربية جميعا متوقف على التقدم على مسارين متوازيين: مسار التحويل الديمقراطي للنظم العربية بما يسمح لمفهوم المصلحة العامة والسعي لتحسين مستوى حياة السكان ورفاهيتهم والتفكير بمستقبلهم أن يتقدم على منطق السعي النخبوي لتعظيم المنافع الخاصة والثاني مسار التفاهم مع القوى الدولية والتحالف الأطلسي بشكل خاص الذي لا يزال يلعب الدول الأول في تكوين سياسات النخب الحاكمة في معظم الأقطار العربية سواء بسبب ما يستطيع أن يمارسه من ضغوط عليها أو بسبب ما يتمتع به من مواقع استثنائية وحاسمة في اتخاذ القرار "الوطني" في بعضها الآخر.
والمهم ان مستقبل الوحدة العربية من أي شكل كانت متوقف على النجاح في اكتشاف طريق ثالث يقع بين طريق الوحدة الاندماجية التي دافعت عنها وعملت في سبيلها من دون نتيجة تذكر حتى الآن الحركة القومية الشعبية وطريق الوحدة الرمزية أو الشكلية الفارغة من أي مضمون باستثناء التغطية على السياسات القطرية المتنافسة وإضفاء الشرعية عليها التي مارستها الحكومات العربية حتى الآن تحت راية الجامعة العربية ومن ورائها. وليس مهما الشكل الذي سيكتسيه العمل العربي التكتلي القادم، اكان باسم الجامعة العربية المصلحة وعبر إصلاحها او باسم أي تكتل آخر شبيه باتحاد فدرالي او كونفدرالي مادام الهدف هو بناء آليات حقيقية لتثوير قنوات التفاعل والتواصل والتبادل الاقتصادية والثقافية والسياسية والاجتماعية على طريق التوصل إلى بناء كيان عربي مندمج وقوة إقتصادية إقليمية.

mercredi, mai 11, 2005

المعارضة السورية في الامتحان


الاتحاد 11 مايو 2005

في مواجهة الإعلان عن نوايا الإصلاح التي عبر عنها خطاب رئيس البلاد الجديد عام 2000 ، وكرد عليها، أطلقت المعارضة السورية منذ بداية عام 2000 شعار الحوار الوطني. وكان الهدف من هذا الشعار تطمين القوى الحاكمة أو الكثير منها على مواقعها بهدف الوصول إلى مصالحة وطنية تطوي صفحة الماضي الأليم لتبدأ صفحة جديدة على أسس مختلفة. وقد عبرت سياسة اليد الممدودة التي يمثلها هذا الشعار عن ايجابية المعارضة السورية تجاه العهد الجديد واستجابتها لما أظهره من رغبة إصلاحية واستعدادها لتجاوز ما تحملته في الماضي من أجل نقل سورية من دون عنف نحو الحالة الطبيعية. ولم تكن المعارضة مخطئة في ذلك فقد كان هناك العديد من العوامل التي تسمح بمثل هذا الانفتاح وتجعله احتمالا واردا كما تجعل من رفضه خطأ يمكن أن يقود إلى إجهاض احتمال التغيير السلمي ومن وراء ذلك إلى تشجيع خيار العودة إلى العنف الذي لفظه المجتمع السوري منذ فترة طويلة بعد كارثة أحداث 1980. ولم يكن من المستغرب إذن أن تكون فكرة الحوار الوطني، عبر مؤتمر أو من دونه، هي الفكرة التي طغت على كل شعارات القوى السياسية السورية وفكرها خلال السنتين الأوليتين من عمر العهد الجديد.
لكن بعد مرور خمس سنوات اختبرت خلالها المعارضة حقيقة النوايا الرسمية ودفعت فيها بعشرات المعتلقلين إلى السجن اختلفت الأوضاع كثيرا. فلم يعد التمسك بهذا الشعار يعكس في نظر الرأي العام إبراز تصميم المعارضة على تجنيب البلاد مخاطر المواجهة العنيفة التي يمكن أن تقود إلى زعزعة الاستقرار وتعريض البلاد لهزات هي في غنى عنها، وإنما أصبح يشير بشكل أكبر إلى إخفاق هذه المعارضة في تحقيق أي إنجاز وإلى دورانها في حلقة مفرغة وافتقارها لأي استراتيجية عملية لخوض معركة الديمقراطية التي تنادي بها سوى النقيق على النظام واستنفار مشاعره الوطنية.
والواقع ان المعارضة السورية تعاني من الأمراض نفسها التي يعاني منها النظام. فهي مثله لا تزال تعيش في عالم آخر ينتمي هو أيضا إلى مناخ حقبة الحرب الباردة. وقد أخفقت مثله أيضا في فهم مغزى التحولات الكبيرة التي حصلت على الصعيد الجيوسياسي والجيوثقافي كما أخفقت في استيعاب دروسها للانتقال بوسائل التفكير والعمل والممارسة إلى آفاق وأنماط جديدة تتفق ومشاعر الجمهور العربي الراهن ومتطلباته وأساليب عمله وتفكيره. ومن هنا فهي لا تزال تستخدم، مثل النظام الذي تخضع له أيضا، أساليب عمل بالية وتحلم ببناء الأحزاب على الطريقة القديمة وتتخبط بسبب ذلك في مشاكل الانقسام الفكري والتنظيمي. وهذا ما يفسر ما تعيشه من انعدام التفاهم ونقص القدرة على المبادرة والتخبط في الخيارات المتاحة أو عدم الوضوح فيها كما يفسر ما يحيق بها من فشل وما تعاني منه من عزلة مستمرة عن الرأي العام ومن الانفصال عن جمهورها الواسع.
لقد كان من الصعب فعلا على المعارضة أن تنجح في استقطاب الجمهور ونيل ثقته بينما لا تظهر هي نفسها أي قدرة على شق طريق آخر غير العمل مع النظام وعليه في سبيل تحقيق التغيير المنشود. فلا يعني هذا الاصرار على العمل من داخل النظام ومعه سوى اعتراف المعارضة بصورة غير مباشرة بانعدام الخيارات البديلة عندها واستخدامها شعارات الحوار المكرورة للتغطية على هذا الفراغ. ومن الطبيعي أن لا يقود مثل هذا الموقف إلى شيء آخر سوى تعزز شعور الرأي العام، لكن أيضا أنصار النظام، بهامشية المعارضة من جهة وبمركزية السلطة وتفوقها الساحق من الجهة الثانية. لقد حكمت المعارضة على نفسها بأن تظل رهينة العلاقة الثنائية التي تربطها بالنظام وأن لا تستطيع الخروج من الشرنقة التي وضعت نفسها فيها، أي من العزلة العميقة وربما المتزايدة التي تميز علاقتها مع جمهورها الذي ينتظر قيادة حقيقية لبدء مسيرة التحولات الديمقراطية الفعلية. فمما لا شك فيه أن الاستخدام المستمر لهذا الشعار خلال السنين الخمس الماضية من دون أي مردود بل ولا وعد من قبل النظام بقبول هذه الفكرة قد قضى على صدقية المعارضة بقدر ما أظهرها أمام الرأي العام وكأنها تركض وراء سراب دون ماء، في الوقت نفسه الذي جعل من المراهنة على النظام، بالرغم من كل ما أدت إليه سياساته على المستوى الوطني والاقتصادي والاجتماعي والانساني، الأفق الوحيد المفتوح كما لو لم يكن هناك بديل آخر سوى النظام لكن مع التعديل والانفتاح. وبالإجمال، بقدر ما أبرز هذ الموقف عدم نضج المعارضة وطفولية تفكيرها وبين كم هي عاجزة عن بناء استراتيجية تغيير مستقلة عن السلطة وكم هي مفتقرة لمشروع خاص بها يميزها عن مشروع النظام القائم ، ساهم في تعزيز استراتيجية السلطة القائمة على كسب الوقت.

إن مؤتمر الحوار الوطني بالمعنى الذي تطرحه المعارضة منذ خمس سنوات، أي كإطار للتفاهم بين قوى المعارضة والنظام القائم، يمثل في نظري هدية لا تقدر بثمن للحكم القائم. وغطرسة السلطة وحدها هي التي منعت أصحابه إلى الآن من تلقفه. ولو حظيت بقدر أفضل من الذكاء لقفزت عليه بأقصى السرعة في سبيل توريط المعارضة في حوار لا يقود ولا يمكن أن يقود في ظروف السيطرة الشاملة للحزب الحاكم إلى شيء آخر سوى احتواء المعارضة والسعي إلى فرض تسوية ضعيفة عليها تسمح باستخدامها كورقة في المواجهة الخارجية المفروضة عليها. وكان بإمكان مثل هذا الحوار لو جاء نتيجة مبادرة السلطة أن يشكل مناسبة كبيرة لتجديد شرعية النظام القائم وتكريسها مقابل تنازلات سطحية لا تتعدى كثيرا عملية توسيع وتحسين صيغة الجبهة التقدمية للحفاظ في النهاية على الوضع القائم كما هو.

ليس هناك شك في أن حالة المعارضة لا تزال هي النقطة الأضعف في عملية التحول الديمقراطي المطروحة اليوم على جدول العمل السياسي السوري. والمصدر الرئيسي لهذا الضعف لا ينبع من صمت الشارع ولا غياب اهتمام الرأي العام بقضايا السياسة والتغيير، كما يحلو للعديد من أطرافها أن يردد، ولكن من غياب الخط السياسي والاستراتيجية الناجعة والمقنعة في التغيير. فلو أرادت المعارضة أن تتحول بالفعل إلى معارضة وان تستقطب حركة التغيير العميقة المتصاعدة بدل أن تتركها ضحية أوهام الرهان على القوى الخارجية او على تحولات النظام الداخلية، فقد كان ينبغي عليها أن تفكر في طريقة عمل مختلفة تماما عن تلك التي اتبعتها حتى الآن، أعني أن تعمل على بلورة استراتيجية مستقلة ليست مرتهنة كليا كما هو الحال الآن للإرادة الطيبة لطبقة حاكمة لم تتردد في السخرية من فكرة التغيير وتداول السلطة خلال أكثر من أربعين عاما ولم تكف عن تأكيدها على رفض مبدأ الحوار وإصرارها على الانفراد بالسلطة حتى في أكثر الظروف خطرا على مستقبل البلاد. وكان المطلوب حينئذ فتح الحوار بكل أشكاله وصوره مع الجمهور الواسع والتفاهم مع المجتمع والتفاعل مع قضاياه وتعبئته وتنظيمه. ولا يمكن لمثل هذا الحوار الثاني أن ينطلق ويستقيم ما لم تظهر المعارضة، في طبيعة الشعارات التي ترفعها ونوعها، استقلالا حقيقيا وتصميما فعليا وإرادة قوية واستعدادا كبيرا أيضا لتقديم التضحيات من أجل التغيير. وهو ما يتعارض مباشرة مع التثبت على شعار واحد والتذكير، كلما تفاقم الخطر الداخلي أو الخارجي، بضرورة الحوار والمناشدة بالتغيير حرصا على المصالح الوطنية ورغبة في تحسين شروط الحياة الاجتماعية. إن درء المخاطر الخارجية والحيلولة دون مخاطر الانفجارات والانهيارات الداخلية التي قد تستدعي التدخلات الأجنبية يقتضي التخلي عن وهم التغيير بالشعارات والخطابات من أجل الانخراط في العمل الجدي على تكوين أوسع تآلف ممكن من القوى والتيارات والهيئات الشعبية والوطنية المستقلة التي تشكل الأداة الضرورية لأي تغيير، بل لأي إصلاح داخل النظام نفسه. فوجود هذه القوة هو الشرط الضروري أيضا للفرز داخل النظام بين القوى الاصلاحية والقوى المحافظة المعادية لأي إصلاح. فإذا كان للإصلاح من داخل الأنظمة العربية القائمة من معضلة فهي بالضبط غياب التمييز داخلها بين التيارات الإصلاحية والمحافظة بل ضياع الإصلاحيين أنفسهم واختلاط وعيهم وخور إرادتهم تحت ضغط قوى العطالة التاريخية وغياب قوى الضغط المحلية الحقيقية.

dimanche, mai 01, 2005

التغيير الديمقراطي في سورية

موقع الرأي 1 مايو ‏2005‏‏
تفخر هيئة تحرير موقع " الرأي " الذي يشرف عليه الحزب الشيوعي السوري( المكتب السياسي) بدعوتكم للمساهمة معنا في إنجاز محور صحفي بعنوان " التغيير الديمقراطي في سورية ، كما يراه القادة السياسيون وأصحاب الرأي والرؤية " .
تشمل المساهمة عدداً كبيراً من السياسيين المعارضين والمثقفين الدين يساهمون في حركة الإحياء السياسي الديمقراطي والمدني التي تشهدها البلاد منذ سنوات .
نأمل مساهمتكم عبر الإجابة على الأسئلة الموحدة التالية :

1- كيف تقيمون نضوج أسباب التغيير في سورية ؟
2- كيف تنظرون إلى علاقة الداخل والخارج في هذا التغيير ؟
3- كيف ترون جاهزية المعارضة ( شعبياً وسياسياً ) للدخول في هذه العملية ؟ وأين يكمن قصورها إن وجد؟
4- ما الأدوات والوسائل التي ترجحون اعتمادها من أجل التغيير ؟
5- هل يشكل" المؤتمر القطري" القادم برأيكم محط أمل لقرارات جدية بهذا الاتجاه ؟ ولماذا ؟
6- يبدو أن الاستبداد لا يريد أن يرحل ، ما النتائج المترتبة على استمراره أكثر ؟
7- كيف ترون صورة " سورية المستقبل " ؟ وأين موقعها اليوم بين الحلم والواقع ؟

تنشر الآراء تباعاً على موقعنا " الرأي " ، آملين أن تشكل مرجعاً لوجهة نظر المعارضة السورية على اختلاف أشكالها وتعبيراتها وانتماءاتها في التغيير الديمقراطي المنشود .
نرجو أن تصلنا الإجابة خلال أسبوع على بريد الموقع أو باليد . شاكرين سلفاً مساهمتكم الهامة في بلورة رؤية لمستقبل سورية الديمقراطية .
العنوان :
Fax : 6825224
e-mail : arraee@arraee.com

" هيئة التحرير "


1- أسباب التغير
ثلاث أسباب للتفاؤل:

هناك ثلاثة عوامل تعمل لصالح التغيير السياسي والديمقراطي منه بشكل خاص في سورية وعموما في العالم العربي الذي بقي بعيدا عن موجة التحول الديمقراطي الكبيرة التي أعقبت سقوط جدار برلين وانهيار التكتل السوفييتي. العامل الأول هو إفلاس النظم الاستبدادية والشمولية والديكتاتورية عموما في المنطقة العربية كما هو الحال في غيرها من المناطق وظهور النتائج الوخيمة والمدمرة لسياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية معا. وهذا الإفلاس وما يرتبط به من زوال الأوهام التي كانت معلقة عليها، يشكل عامل تدمير مستمر للأسس التي كانت تقوم عليها شرعيتها السياسية أو ما تبقى من هذه الشرعية في الوقت ذاته الذي يدينها بانعدام الصدقية ويجعلها تلجأ للحفاظ على بقائها إلى مختلف أساليب الكذب الفاقع والمراوغة والخداع والازدواجية والاحتيال كما يتجلى ذلك في خطابات وأحاديث مسؤوليها.
والعامل الثاني هو تبدل البيئة الدولية الجيوسياسية والفكرية معا بدءا من زوال مناخ الحرب الباردة الذي ألغى التنافس العدائي بين القوى العظمى وحاجتها في سبيل كسب الدول الزبونة المؤيدة لها إلى التساهل مع الحكومات الصديقة أو الحليفة وانتهاءا بما أحدثه هجوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 من اهتزاز في ثقة الولايات المتحدة بالنظم العربية الحليفة التي كانت تراهن عليها للحفاظ على مصالحها الحيوية والاستراتيجية في الشرق الأوسط وفي العالم عموما. وبعد الضياع الواضح والتردد في تحديد مصادر الخطر الرئيسية على هذه المصالح يبدو أن الرأي العام الغربي الرسمي قد بدأ يأخذ بالأطروحة التي لم نكف عن الدفاع عنها في السنوات الماضية والتي تقول بإن حكم الاستبداد والطغيان والارهاب الداخلي ليس هو السد الحقيقي ضد تفجر حركات العنف والارهاب الشرق أوسطية وامتداداتها في الدول الغربية بقدر ما هو الحاضنة الحقيقية لهذا العنف والسبب الأول في تفجره ونموه وانتشاره.
وهكذا نشهد اليوم إحلال خطاب الديمقراطية ونشر الحرية عند المسؤولين الأمريكيين والغربيين عموما محل الخطاب الذي ساد لأكثر من سنتين بعد أحداث 11 سبتمبر عن الحرب العالمية الصليبية على الارهاب. ولم يعد يمر يوم من دون أن يجد الرئيس الأمريكي الفرصة كي يردد أمام الصحافة أو الرأي العام تعلقه بمثل الحرية وحربه التي لا هوادة فيها ضد نظم القهر والاستبداد في العالم العربي وعلى امتداد الكرة الأرضية. ومهما كانت صدقية هذا الخطاب وبصرف النظر عن النوايا يشكل الالتزام العلني بالدفاع عن الحرية والديمقراطية في العالم والاعتراف بخطأ السياسات القديمة القائمة على تعزيز النظم الاستبدادية شرخا كبيرا في نظام القهر الذي يتخذ أكثر فأكثر صفة النظام العالمي الواحد أو المتضامن حتى لو تركز في مناطق معينة من العالم. فلم يكن من الممكن لأي نظام استبدادي البقاء حتى اليوم في العالم العربي وغيره لو لم يحظ بالدعم المادي وبالتغطية الواسعة السياسية والاستراتيجية والإعلامية الدولية.
والعامل الثالث هو انبعاث المطالب الاجتماعية وانتعاش المجتمع المدني في العالم العربي بموازاة تقهقر أوضاع النظم السياسية الاستبدادية وتبدل البيئة الدولية وانتشار الوعي بأهمية الديمقراطية وبقيم المواطنية لدى أوساط متزايدة من المثقفين ونشطاء المجتمع السياسي ومن ثم بعث المجتمع المدني بعد فترة طويلة من الضياع والصمت والاستسلام للقدر نتيجة غياب الآفاق والفرص المفتوحة. ولا شك أنه كان ولا يزال لوسائل الاتصال الجديدة التي أدخلتها ثورة المعلوماتية وشبكة الانترنت والإعلام الفضائي دورا كبيرا في هذا الانتشار السريع للقيم والأفكار الجديدة وفي تنامي الشعور بأن المجتمعات العربية جزء لا يتجزأ من عالم واحد وتصاعد وتيرة الطلب على الانخراط في هذا العالم والمشاركة في معايير الحضارة المدنية الصاعدة.
هذه العوامل الثلاثة هي التي تكمن اليوم وراء ما ينبغي تسميته الموجة الرابعة من التحول الديمقراطي والتي يشكل العالم العربي بؤرتها الرئيسية. وليس هناك شك في أن مسألة التحول الديمقراطي والانتقال من نظم واحدية استبدادية مغلقة نحو نظم تعددية تنزع نحو الديمقراطية هي التي ستحتل القسم الأكبر من السنوات الخمس أو العشر القادمة في البلاد العربية. وإذا لم تعد الدول الأطلسية التي تتمتع بنفوذ أساسي في المنطقة الشرق أوسطية إلى سياسة تعزيز النظم الاستبدادية كما كانت عليه سياستها التقليدية في المنطقة ولم تستخدم خطاب الحرية كوسيلة لتعزيز دورها في تقرير مصير البلاد العربية وفي إضفاء الشرعية على تدخلاتها المباشرة أو غير المباشرة في شؤونها الداخلية خاصة في تكريس الاحتلال والاستيطان اليهودي في فلسطين، يمكن لهذا التحول أن يحصل بوتيرة أسرع وأن تنتج عنه أوضاع تسمح بسهولة في إعادة بناء الحياة السياسية العربية على أسس جديدة تساهم في تحقيق حد كبير من الاستقرار وإطلاق عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية.

2- علاقة الداخل بالخارج:
أكثر عضوية مما نظن

هل صحيح كما قال الرئيس بوش في خطابه في الثالث عشر من أبريل 05 أن سقوط تمثال صدام حسين والنظام العراقي كان بالنسبة للعالم العربي بمثابة سقوط جدار برلين في أوروبة الذي سمح للبلدان الشيوعية وشبه الشيوعية التحرر من النظم الشمولية، وبالتالي هل كان التدخل العسكري الخارجي في العراق كما يؤكد الأمريكيون هو أساس الديناميكية الديمقراطية الجديدة التي تفجرت في العالم العربي بعد طول انتظار؟ من حق الرئيس الأمريكي أن يبحث عن شرعية متأخرة لغزوته العراقية التي أثارت ولا تزال الكثير من الاعتراض والاحتجاج بسبب ما تتعرض له من مصاعب وانكشاف انعدام مبرراتها بعد أن تبين خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل التي كانت إزالتها هي الهدف الرئيسي لها. لكن الحقيقة غير ذلك تماما.
فبالعكس مما يردده الرئيس الأمريكي، لم تعزز الحرب الأمريكية على العراق التوجه العربي نحو الديمقراطية ولكنها أخرته وجمدته لفترة لأنها زرعت الشك في محتوى التحولات الديمقراطية العربية وغاياتها وأوحت للرأي العام المتردد أصلا بسبب الخوف أو عدم الثقة بالنفس أن ما تدعيه النظم الاستبدادية من أن مشروع الديمقراطية هو بالأصل خيار خارجي مرتبط بالهيمنة الأجنبية وبعودة النظم الاستعمارية. وقد أصاب هذا الاختلاط الرأي العام العربي بالشلل بقدر ما قسمه وصدع الوعي الديمقراطي العربي. ولم تستعد الدعوة الديمقراطية التي انطلقت منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين ديناميكيتها إلا بعد أن تأكدت من أن مشروع الاحتلال الأمريكي للعراق قد باء بالفشل وأن مشروع الديمقراطية ليس مشروعا داخليا فحسب كما أظهرت ذلك المشاركة الواسعة في انتخابات فبراير وإنما هو أكثر من ذلك مشروع لا يتناقض بالضرورة مع برنامج الوطنية العراقية والعربية نفسها.
إن الذي دعا الأمريكيين إلى تبني الديمقراطية هو إدراكهم بأن حصان النظم الاستبدادية الذي ربطوا نفوذهم في الشرق الأوسط به خلال نصف قرن قد فقد السباق بل هو في طريقه لأن يلفظ النفس الأخير وأنهم إذا أرادوا الحفاظ على مواقعهم ودورهم ومصالحهم في المنطقة فلا بد لهم من أن ينقلوا البندقية من كتف إلى كتف آخر وأن يستبقوا الأحداث وينتزعوا هم أنفسهم زمام المبادرة في مسألة التحول الديمقراطي. فلن يقدم لهم هذا الموقف فرصة لا تفوت لركب موجة الديمقراطية والتحكم بها فحسب وإنما أكثر من ذلك تبرئة أنفسهم من خطايا الدعم الكامل وغير المشروط الذي قدموه خلال العقود الخمس الماضية لنظم الطغيان والإرهاب المحلية من دون أن يتذكروا لحظة مباديء الحرية والتعددية وتقرير المصير أو أن يشعروا بأي شكل من أشكال التعاطف مع الشعوب العربية أو التأثر بمعاناتها وآلامها.
لكن مهما كان الدافع إليه، يشكل هذا التبدل في الموقف السياسي والفكري الأمريكي إذا صدق واستمر عاملا حاسما في خلق ظروف ما أسميه مرحلة تفكيك النظم الشمولية والانتقال إلى التعددية في العالم العربي. وإذا كانت التعددية مدخلا لا مهرب منه لولوج الديمقراطية إلا أنها ليست متطابقة معها، ومن الممكن وجود تعدديات سياسية خالية من أي قيمة أو ديناميكية ديمقراطية وقائمة على تلاعب القوى الخارجية أو شبكات المصالح ومافيات المال بأصوات الناخبين ومصائرهم معا. لكن من الممكن إذا تغير هذا الموقف الامريكي من التعددية أن نعود بسهولة إلى الوضع الذي سمح لأنظمة الطغيان أن تستمر بمأمن من أي خطر، أي إلى نشوء شروط عقد صفقة جديدة بين النظم الاستبدادية والهيمنة الاستعمارية أو شبه الاستعمارية التي سمحت للعنف الأعمى المسلط على الشعوب أن يستشري بعيدا عن رقابة الرأي العام الدولي. لكن حتى لو حصل ذلك فلن تكون النتائج هذه المرة من النوع ذاته الذي ساد في الماضي ولكن تفجيرا للمجتمعات التي فقدت القدرة على الاحتمال وفتح الباب أمام حقبة طويلة من الاضطرابات وأعمال العنف الداخلية والخارجية.

3- جاهزية المعارضة:
نكتة الحوار والمؤتمر الوطني وضعف فكري وسياسي محير

تشكل المعارضة من دون شك العامل الأضعف في عملية التحول الديمقراطي المطروحة اليوم على جدول العمل السياسي السوري. فبالرغم من التطور الدراماتيكي في الأحداث بعد اغتيال الحريري وبروز موضوع التغيير السياسي في سورية على رأس جدول الأعمال السورية والعربية والدولية لا تظهر المعارضة الكلاسيكية السورية حتى الآن مع الأسف أية جاهزية لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية السياسية. فلا تزال تهوم في عالم الخيال وتحلم بالديمقراطية التي تريد أن تقدم لها على طبق من فضة وتطمح، عن طريق ما تسميه بالمؤتمر الوطني، إلى تفاهم مع القوى الحاكمة حول مسائل فتح النظام أو تغييره بدل أن تفكر ببناء جبهة المعارضة الديمقراطية التي تشكل وحدها أداة ثابتة لتحقيق التحولات الديمقراطية سواء أجاءت هذه التحولات نتيجة تصدع النظام وانقسامه أو نتيجة انهياره وتحلل قواه المختلفة. ولا تزال هذه المعارضة تعاني أيضا من الناحية السياسية من التخبط والانقسام وضعف التنظيم والعزلة الكبيرة عن الجمهور الواسع. وتعاني المعارضة من الأمراض نفسها التي يعاني منها النظام في الواقع، أعني أنها لاتزال مثله تعيش في عالم آخر ينتمي هو أيضا إلى مناخ حقبة الحرب الباردة ولم تستبطن التحولات الكبيرة التي حصلت على الصعيد الجيوسياسي والجيوثقافي وتستوعب دروسها للانتقال بوسائل التفكير والعمل والممارسة إلى آفاق وأنماط جديدة تتفق ومشاعر الجمهور العربي الراهن ومتطلباته وأساليب عمله وتفكيره. ومن هنا فهي لا تزال تستخدم أساليب عمل بالية وتحلم ببناء الأحزاب على الطريقة القديمة وتتخبط بسبب ذلك في مشاكل الانقسام الفكري والتنظيمي. مما يفسر ما تعيشه من انعدام التفاهم ونقص القدرة على المبادرة والتخبط في الخيارات المتاحة أو عدم الوضوح فيها.
ومن الصعب لأي محلل موضوعي أن يفهم تكتيكاتها التي صبت ولا تزل تصب في طاحونة النظام وتساعد على بقائه ووحدته. فلا يعني مطالبتها المتكررة للسلطة بالمشاركة في عقد مؤتمر وطني إلا استمرارها في الرهان على النظام القائم والعمل كما لو كان هو محور عملية التغيير القادمة. ولا يمكن لمثل هذا التكتيك إلا أن يعزز شعور الرأي العام بهامشية المعارضة من جهة وبمركزية النظام من الجهة الثانية وأن يغلق أمام المعارضة جميع آفاق الخروج من العلاقة الثنائية التي تربطها بالنظام ومن الشرنقة التي وضعت نفسها فيها وهو يعزلها بشكل متزايد عن جمهورها العريض الذي ينتظر قيادة حقيقية لبدء مسيرة التحولات الديمقراطية الفعلية. والواقع لا أستطيع أن أفهم ماذا تنتظره المعارضة الداعية منذ سنوات إلى مؤتمر وطني للحوار من نظام لم يظهر لها سوى الاحتقار والازدراء ويرفض منذ سنوات أن يتعامل معها من خارج وسائل القمع المخابراتية؟ وكيف يمكن للمعارضة أن تقنع نفسها بجدية مثل هذا الحوار مع السلطة لترتيب أوضاع البيت الداخلي كما تقول هي في مواجهة المخاطر الخارجية في الوقت الذي لا يرى أصحاب النظام وسيلة للتعامل معها أفضل من تلك التي استخدموها ويستخدمونها لكسر اعتصام آذار أمام القصر العدلي للمطالبة بإلغاء القوانين العرفية وحالة الطواريء المسلطة منذ أكثر من أربعين عاما على رقاب البلاد والعباد.
إن فكرة مؤتمر الحوار الوطني هي أكبر هدية يمكن للمعارضة أن تقدمها للنظام. وغطرسة أصحاب هذا النظام وقادته هي وحدها التي منعتهم من تلقفها وإحراج المعارضة وفرض التسوية من مواقع هامشية عليها. فما الذي يمكن أن يقود إليه مؤتمر حوار وطني يجمع بين السلطة والمعارضة اليوم سوى تكريس شرعية النظام القائم وتوسيع وتحسين صيغة الجبهة التقدمية الحاكمة والاستمرار في عزل المعارضة عن جمهورها الواسع الذي يئس من التلاعب والوعود الكاذبة والتغيير الشكلي في الأشخاص والقوانين للحفاظ في النهاية على الوضع نفسه وعلى السيطرة الأحادية والكلية للفئة الحاكمة والمالكة نفسها. إن شعار مؤتمر الحوار الوطني قد عطل عمل المعارضة خلال السنين الخمس الماضية وأفقدها صدقيتها بقدر ما أظهرها أمام الرأي العام وكأنها تركض وراء سراب دون ماء، في الوقت نفسه الذي أضفى على النظام الشرعية بما تضمنه من الاعتراف به كطرف وطني أو شريك محتمل في مشروع وطني وغسله من جميع ذنوبه وعواقب سياساته التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه. لقد ساعد هذا الشعار في دعم استراتيجية النظام القائمة على كسب الوقت بقدر ما أبرز عدم نضج المعارضة وطفولية تفكيرها وبين كم هي عاجزة عن بناء استراتيجية تغيير مستقلة عن السلطة وكم هي مفتقرة لمشروع خاص بها يميزها عن مشروع النظام القائم. لقد أظهرها وكأن كل همها هو الدخول في النظام والعمل تحت جناحه وجناح أصحابه.

4- احتمالات التغيير
الانقلاب الأبيض أو الانفجار:

إذا لم تطرأ تغيرات سريعة على سلوك المعارضة السورية في الأشهر القادمة فليس من المستبعد أن يتخذ التغيير طابع الثورة من الداخل أو الانقلاب الأبيض الذي تسعى فيه فئة داخل النظام بالتفاهم مع الولايات المتحدة إلى التخلص من الأجنحة المترددة وإعادة توزيع الأوراق بما يسمح لها بإدخال قوى جديدة للحقل السياسي وتوسيع دائرة المشاركة في النظام مع تعديل قواعد عمله وإقرار التعددية الشكلية التي تخدم استمرار المصالح الطفيلية القائمة أو جزءا منها.
والمطلوب من أجل تجنب هذا التحول الانقلابي الشكلي ( بما يعنيه من تعزيز الاتجاه نحو تحولات ديمقراطية حقيقية تعيد إدماج الشعب في العملية السياسية وتدفع إلى إعادة تنظيم الحياة العمومية على مباديء تقديم المصلحة العامة والمحاسبة والمسؤولية) تحرير المعارضة السورية من المفاهيم والممارسات والتجارب التي ارتهنت لها خلال العقود والسنين الماضية والارتقاء بعملها إلى مستوى القوة الفاعلة والقائدة لعملية التحول التي هي بالأساس عملية مجتمعية مفتوحة لمشاركة جميع أبناء المجتمع وليست حكرا على رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو النظم السياسية. ويستدعي ذلك من المعارضة العمل السريع على تكوين إئتلاف واسع يضم إلى جانب القوى والتجمعات السياسية المعروفة هيئات المجتمع المدني الناشطة على أرضية التغيير الديمقراطي واحترام حقوق الانسان كما يستدعي إبراز تميز خياراتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاستراتيجية أيضا عن خيارات النظام القائم.
وهذا يعني أن على المعارضة التفكير في استراتيجية عمل مغايرة لا تسعى إلى التغيير من خلال التفاوض مع النظام الذي أظهر بما فيه الكفاية رفضه للحوار والتفاوض خلال أكثر من أربعين عاما وإصراره على الانفراد بالسلطة حتى لو سمح لبعض الفئات بالمشاركة في بعض فتاتها، ولكن من خلال الحوار مع الجمهور الشعبي الواسع والتفاهم معه والتفاعل مع قضاياه وتعبئته وتنظيمه. وهذا يتطلب رفع شعارات تظهر استقلال المعارضة عن السلطة وتصميمها على التغيير وايمانها بهذا التغيير وبالقيم التي تدافع عنها واستعداداها لتقديم التضحيات في سبيل تحقيق أهدافها جميعا. وفي هذه الحالة ليس ما تحتاج إليه هو التذكير كلما تفاقم الخطر الداخلي أو الخارجي بضرورة الحوار الوطني الذي يوحي بإرادة المصالحة والتفاهم مع النظام ولكن بالعكس العمل على تكوين جبهة المعارضة الوطنية وترميم الشروخ القائمة في ما بين أطرافها وتذليل الصعوبات الفكرية والسياسية التي تحول دونها. ولا يمكن تحقيق ذلك أيضا من دون تبني شعارات واضحة وصحيحة تلف من حولها عناصر المعارضة الكلاسيكية والجديدة وتقدم للجمهور وللرأي العام السوري الذي أبعد بالترهيب والترغيب عن السياسة أفقا واضحا للعمل من أجل التغيير وايمانا حقيقيا بإمكانية تحقيقه.
وإذا كنا نرفض التغيير من الخارج كما نرفض التغيير عن طريق العنف فالشعار الوحيد الذي ينبغي رفعه والهدف الوحيد الذي ينبغي الوصول إليه هو فرض انتخابات نزيهة وشفافة تنبثق عنها حكومة تمثيلية تكون مهامها إعداد الدستور الجديد وقيادة مرحلة الانتقال نحو حياة ديمقراطية سليمة تشارك فيها جميع الأحزاب والقوى الاجتماعية والسياسية بما في ذلك حزب البعث نفسه على قدم المساواة مع الأحزاب الأخرى.
وكل ما عدا ذلك من شعارات مرفوعة اليوم حول المؤتمر الوطني والحوار الوطني التي تهدف إلى إحراج النظام في مسألة الإصلاح و التغيير سوف تنقلب وهي تنقلب على المعارضة بقدر ما تغذي الوهم بإمكانية الإصلاح من داخل النظام وتعطل التفكير في دفع المجتمع نفسه إلى أخذ مسؤولية التغيير على عاتقه والانخراط في معركة الإصلاح مع المعارضة أو من دونها. فلا يمكن لمثل هذا الشعار في نظري إلا أن يصب في طاحونة النظام. فإذا كانت المعارضة نفسها تراهن عليه وتنتظر مبادرته لإشراكها في جهود الإصلاح فما بالك بالرأي العام المعبد عن السياسة والمفتقر لأي تنظيم؟
إن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا مع تغيير النظام، أي مع تغيير قواعد ممارسة السلطة التي اعتمدت، منذ انقلاب آذار 1963، على تطبيق صيغة حكم الحزب الواحد وانفراده بالسلطة وتسيير البلاد والمجتمع معا بأوامر إدارية وعسكرية وأمنية، مهما تعددت الواجهات الشكلية. وهذا يعني أن الاصلاح يبدأ بتحرير الدولة من السيطرة الحزبية الفئوية، وضمان استقلال مؤسساتها تجاه أي حزب أو فئة حاكمين، الآن وفي المستقبل. وإصلاح السلطة وتبديل قواعد عملها في اتجاه تكريس التعددية والديمقراطية يبدأ بانتخابات نزيهة وشفافة تعكس بشكل سليم وفعلي إرادة المجتمع وتنوع مصالحه وتوجهاته واختياراته المختلفة. وخروج حزب البعث المسبق من الحكم ضروري لتحريره من استلاب السلطة وشرط لا غنى عنه لنجاح عملية إعادة تأهيل أعضائه الذين حولتهم السلطة المطلقة والمكرسة بالدستور خلال عقود طويلة من دون إرادتهم إلى أدوات في يد آلة حكم قهري غشيمة وغاشمة بقدر ما سمحت لهم بممارسة سلطة بعيدة عن أي مساءلة أو محاسبة وطنية سياسية أو أخلاقية، وبالتالي لإعداده للمشاركة الايجابية في الدولة الديمقراطية القادمة.
إن الاستمرار في نهج استجداء الحكم للحصول على جلسة حوار يفرض فيها بمزاوداته المعروفة بالوطنية جدول أعمال النظام المتمحور حول البقاء في السلطة بأي ثمن ومهما كانت عواقب السياسات التي يتبعها لحماية مصالح شبكاته المختلفة يعني إلغاء أفق التفكير ببناء حركة التغيير الديمقراطي الواسعة التي ينبغي أن تضم إلى جانب قوى المعارضة الكلاسيكية المنظمة جميع هيئات ومنظمات المجتمع المدني الناشئة وقطاعات الرأي العام المتعددة المطالبة بالتغيير خارج النظام وداخله أيضا. وبالعكس أن النجاح في بناء هذا التفاهم الديمقراطي الواسع هو الطريق الوحيد لفرض التنازلات السياسية والاجتماعية الحقيقية على فئات قليلة تماهت مع الحكم وطابقت دورها مع وظائفه وكرست نفسها مالكة أبدية للدولة والمجتمع.
وبالمثل، كما أن استمرار توجه المعارضة إلى مخاطبة الحكم بدل مخاطبة الرأي العام والمجتمع يجسد ما تعيشه هذه المعارضة من ضياع استراتيجي فإن تجاهلها للعالم الخارجي وتنكرها لضرورة الحوار مع أطرافه المختلفة وتعففها في البحث عن حلفاء لها ولقضيتها من بين القوى العربية الرسمية والشعبية وبين القوى الدولية، في الولايات المتحدة وأوروبة أيضا، يعكس استسلامها وتسليمها بالعجز ويهدد بترك المجال مفتوحا أمام صعود دور القوى الأجنبية في إحداث التغيير وتنامي قوة المنظمات التي ترتبط بها في الداخل والخارج على حساب تبلور وتعاظم وزن القوى الوطنية الداخلية. إن التردد في التوجه بقوة نحو المجتمع الدولي والحوار مع أطرافه وفئاته وقطاعات رأيه العام المتعددة والمختلفة لصالح الاستمرار في الرهان على تغير النظام من الداخل ورفض الانخراط في عملية السياسة الخارجية وتركها حكرا كاملا على النظام وتجاهل أهمية التحالفات مع القوى الصديقة أو المؤيدة للتغيير الديمقراطي وللمطالب الوطنية السورية يضعف الثقة بالمعارضة ولا يطمئن الرأي العام، لا في سورية ولا في العالم العربي ولا في العالم عموما على مستقبل التحولات السورية. إنه يثير الشك بقدرتها على الانجاز ويبعد الجمهور الواسع والقوى الدولية أيضا عن المراهنة عليها من أجل التغيير ويقدم لها الدليل على أن المعارضة السورية لا تزال خائفة من ممارسة المعارضة ولا تزال تحلم بالمشاركة في السلطة من خارج النظام أو من داخله أكثر مما تعنى بتغييره.

5- المؤتمر القطري:
تكريس الوصاية على الدولة والشعب

أكبر إساءة للمعارضة وللشعب السوري أن يفكر النظام باستيلاد الإصلاح من داخل التنظيم ذاته الذي قاد إلى الخراب العام والذي يعترف أصحابه أنفسهم أنه بحاجة إلى إصلاح. وسبب هذه الإساءة أن الحكم وأصحابه لا يزالون يتصرفون كما لو أن حكم الحزب الراهن هو قدر سورية وأنه يختصر بوجوده وأفكاره واختياراته الشعب السوري كله، يحل محله ويتكلم باسمه ويعمل وكيلا عنه. إن ربط الاصلاح القادم بمؤتمر الحزب هو إهانة للمجتمع السوري بقدر ما هو تعبير عن استمرار إرادة تغييبه باسم الاصلاح كما تم تغييبه من قبل باسم الثورة أو باسم النضال ضد الإمبريالية والصهيونية. فما هي قيمة هذا الشعب الذي رهن مصيره كاملا وللأبد بمجموعة من الحاكمين الذين لم يظهروا حتى الآن نجاحا في أي ميدان من ميدان السياسة أو الإدارة ولم ينجحوا بعد عقود من الحديث المكرور في التصحيح والتغيير والاصلاح والتطوير في صوغ أي برنامج أو أجندة أو أي مسودة مشروع يستحق هذا الاسم في إصلاح أي قطاع من القطاعات التي أصابها الخراب بفضل السياسات العشوائيه واللامسؤولة التي استمرت عقودا طويلة.
إن تكليف الحزب الحاكم ببلورة مشروع الإصلاح هو تأكيد لاستمرار نهج التمييز بين المواطنين واغتصاب حقوق الشعب من قبل حزب واحد وتكريس الوصاية الأبوبة على المجتمع.
يعدون الشعب بأن المؤتمر ربما يقر مبدأ إصدار قانون للأحزاب. وعلى الأغلب سيفعل ذلك لأنه ليس لديه اختيارات أخرى لقطع الطريق على الضغوط الخارجية ووضع حد للانتقادات التي توجه إليه كنظام قائم على التسلط والانفراد بالسلطة من قبل الحزب الواحد. لكن أي تعددية يمكن أن تصمد امام ما ينبغي تسميته بالاستعمار الرسمي الشامل للدولة ومؤسساتها من قبل الحزب وأجهزته وممثليه وما ينجم عن ذلك من تفريغ الدولة نفسها من مضمونها واستخدام أدواتها القانونية والأمنية والمادية والإعلامية لخدمة حزب واحد وسلطة برهنت خلال العقود الماضية أنها لا ترى غير مصالحها الخاصة ومصالح أفرادها وشبكات زبائنها ولا تملك أي مفهوم لمعنى المصالح العامة والعليا وليس لديها أي إحساس بوجود جماعة وطنية أو سياسية تستحق السؤال أو الحوار أو المشاورة حتى لا نتحدث عن المشاركة، اللهم إلا عند الحاجة إلى تكريس السلطة المفروضة بالقوة من خلال استفتاءات شكلية يراد لها أن تكون مصدرا لشرعية شعبية. هاهو النظام المصري لا يزال مستمرا في السياسة التسلطية ذاتها منذ عقود تحت سيطرة الحزب الوطني واستبداده وانفراد رئيسه بالسلطة المطلقة بل ونزوعه إلى توريث ابنه بالرغم من وجود قانون التعددية الحزبية ووجود صحافة معارضة نقدية قوية أيضا. إن المؤسسات السياسة ليست في مثل هذه الأنظمة إطار إنتاج السلطة وممارستها على الإطلاق. فهي ليست إلا قشرة رقيقة تغطي على المؤسسات التي تمارس بالفعل السلطة وتديرها وتتحكم بها كما تتحكم بالمجتمع والأفراد والمنظمات التي تتعامل بها عن طريق الضغط والتلاعب والتحييد والترغيب والترهيب، أعني المؤسسات الأمنية المدنية والعسكرية المتحالفة مع مؤسسة الرئاسة ذات الصلاحيات والسلطات الاستثنائية. وهكذا تتحول السياسية إلى مجرد لعبة لتمضية الوقت وإلهاء المثقفين النقديين والتغطية على السلطة المطلقة التي تمارسها الأجهزة التي لا تخضع لأي مراقبة أو مساءلة حقيقية لا في البرلمان المضمون لصالح السلطة القائمة ولا خارجه.
يعدون أيضا بتغيير القادة وتشجيع جيل جديد شاب على الحلول محل الجيل القديم المحافظ. ماذا يحمل مثل هذا التغيير في الواقع العملي؟ لا شيء على الإطلاق بل ربما حمل سلبيات أكثر من الايجابيات. يشهد على ذلك ما حصل خلال السنوات القليلة الماضية من تغييرات شملت العديد من المواقع في الرئاسة والإدارة والإعلام.
ليست حكومة الجمهورية السورية أو لا ينبغي أن تكون رهينة بقرارات فريق خاص أو فئة من قطاعات الرأي السورية بعثية كانت أو غير بعثيه ولا ينبغي أن تربط برنامج عملها بها. فهذا يعني أنها ليست ذات سيادة وأن السيادة هي ملك فئة محددة من الرأي العام. وبناء الإصلاح السوري على قرار حزب سياسي يدمر الأسس السياسية للإصلاح لأنه يرهنه بمصالح فئة خاصة من المجتمع ويسيء إليه. إذا كانت هناك نية حقيقية في الاصلاح فينبغي أن تعلنها الحكومة للشعب وتطرح برنامجها للاصلاح وتفتح حوارا حوله مع جميع أبناء الشعب الذي ستطلب منه المشاركة في تحقيق هذا البرنامج وفي بذل التضحيات لإنجاحه بما فيهم البعثيون.

6- ثمن استمرار النظام القائم
الموت تحت الأنقاض:

ماذا سيحصل إذا رفض نظام الوصاية الحزبية وتغييب الشعب والإخضاع بالقوة وتقييد الحريات والاستهتار بمعنى الحق والقانون أن يرحل؟
الجواب أن ما سيحصل هو ما نعيشه منذ سنوات طويلة قبل ظهور العهد الجديد وبعده، أي التراجع المستمر على جميع الجبهات الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والمعنوية وربما الانهيار. فلا يستطيع أحد أن ينكر أننا أضعف اليوم في موقفنا تجاه إسرائيل مما كنا عليه منذ عقد أو عقدين ونكاد لا نملك خيارا واحدا لمواجهة احتلال اسرائيل لأراضينا وتكريس استيطانها لها وزرعها بالمستعمرات. ونحن في وضع إقتصادي أسوأ اليوم، بالرغم من جميع القوانين والاصلاحات التي قمنا بها في السنين الماضية، فقد تخلينا عن اقتصادنا المخطط ولكننا لم ننجح في بناء اقتصاد سوق نشيط، واستثماراتنا الخاصة، المحلية منها والأجنبية في تراجع مستمر. ومواردنا تتناقص في حين تتزايد نفقاتنا مع الركود الاقتصادي ومتطلبات الاندماج في السوق العالمية. ولا يزال معدل تزايد السكان عندنا أعلى من معدل نمونا الاقتصادي مما يعني تدهورا مستمرا في مستويات المعيشة وشروطها بالنسبة للأغلبية الساحقة من السكان. وهذا يعني تزايد التوترات ومخاطر انفجار النزاعات في المستقبل القريب. ونحن في وضع اجتماعي أكثر سوءا بما لا يقاس مما كنا عليه في العقد الماضي إذ تبلغ نسبة السكان الذين يعيشون على حافة الفقر 60 بالمئة بينما تبلغ نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 30 بالمئة في حين يبلغ معدل البطالة حسب إحصاءات المنظمة العربية للعمل 30 بالمئة من القوة العاملة. وهو معدل مؤهل للارتفاع لأن الركود الاقتصادي لا يسمح بامتصاص أكثر من 10 بالمئة من 250 ألف شخص من الداخلين الجدد كل عام إلى سوق العمل. ونحن في وضع أسوأ أيضا من الناحية السياسية. فالنظام الأحادي الذي خضعنا له خلال عقود طويلة ماضية بدأ يتعرض لتحديات وضغوطات داخلية وخارجية زعزعت استقراره ولم يعد قادرا على احتواء قوى وتيارات الاحتجاج المتنامية والتي ستتفجر بسرعة في الأشهر والسنوات القادمة. فبدل أن يستفيد من السنوات الهادئة الماضية من أجل تطوير القنوات التي تسمح باستيعاب مطالب الاحتجاج والرد عليها استعدادا للطوفان القادم فضل، لقصر نظر القائمين عليه، أن يستمر في التشديد على القوى الجديدة و إغلاق جميع المنافذ أمامها بما فيها تلك المنتديات الفكرية البسيطة وراهن على تعزيز الإجراءات الأمنية وتجهيز فرق التدخل السريعة. وروحنا المعنوية الفردية والجماعية أسوأ اليوم من أي فترة ماضية فقد فقدنا الايمان بقدرة نظامنا على مواجهة التحديات والرد على المشكلات المستعصية ولكننا لا نثق بأي قوة داخلية قادرة على التغيير والاصلاح وأصبح أكثرنا ينتظر رحمة ربانية أو يراهن على تدخل القوى الدولية لمساعدتنا على حسم أمورنا. إننا فاقدين للثقة بقادتنا وبأنفسنا معا ويائسين من قدرتنا على التعامل الايجابي مع أي قوى أخرى عربية أم أجنبية.

7- سورية المستقبل
لن نحصد إلا ما زرعناه

سورية المستقبل ليست سرا. أنها مرهونة بعمل السوريين وذكائهم وقدرتهم على التفاهم لفكفكة الفخ الذي نصبناه لأنفسنا في السنين الطويلة الماضية والذي نجد أنفسنا اليوم رهائنه وضحاياه في الوقت نفسه. وهذا الفخ هو الاستسلام والتسليم لقائد ملهم أو لحزب طليعي ثوري بمقاليد أمورنا وتحميله المسؤولية جميعا مكاننا، أي تخلي الحاكم والمحكوم فينا عن واجبه الوطني والمواطني، الاول نتيجة سوء استخدام المسؤولية والثاني نتيجة الاستقالة السياسية والانسحاب من الشأن العام وانطواء كل فرد على مصالحه الخاصة والشخصية حتى لم يبق هناك مكان لا لفكرة وطنية ولا لمسؤولية جماعية. وهذا هو السبب في خراب أهم ما لدينا ولدى أي مجتمع آخر على الأرض أي الوطنية كروح وكمؤسسات وكقوى سياسية وكخيارات استراتيجية. ولا مستقبل لنا ولسورية التي هي نحن إن لم ننجح في معالجة خراب الوطنية هذا وفي إعادة بناء ذاتنا أو وعينا ودولتنا ومؤسساتنا وقوانا السياسية وخياراتنا الاستراتيجية على أسس تسمح لجميع الأفراد بالمشاركة وتعزز شعورهم بالانتماء إلى جماعة واحدة متضامنة ومتعاونة تحكمها مباديء أخلاقية من عدالة ومساواة وحرية ولا تعيش نهبا للأهواء الخاصة وللمصالح الأنانية ولا تخضع لقانون القوة الغاشمة "الطبيعية". فإذا نجحنا في ذلك نتحول إلى طرف يمكنه التفاوض مع أطراف أخرى والتعاون معها من أجل تنمية إنسانية لا يمكن أن تكون اليوم إلا إقليمية. وإذا أخفقنا سنفقد الثقة أكثر بأنفسنا ويفقد الشركاء المحتملون أيضا الثقة بنا وبقدرتنا على العيش حسب معايير الحياة الإنسانية الطبيعية، وسنتحول إلى حقل تجارب ومنافسات بين جميع الأطراف العربية وغير العربية التي تستطيع أن تستفيد من الموقع الذي نعيش عليه لتحسين مواقعها وشروط مفاوضاتها الإقليمية والدولية. إن مستقبلنا رهن بقدرتنا على إعادة بناء ثقتنا نحن أولا بأنفسنا وإعادة بناء ثقة الآخرين بنا كمجتمع إنساني نشيط وفاعل ويستحق أن يكون شريكا موثوقا في حضارة تتجه أكثر فأكثر إلى تكون كونية. وأنا لا أشك لحظة في أنه من وراء الأنقاض التي نرتطم بها اليوم وتنهال على رؤوسنا مع انهيار النظام وبالرغم منها تختمر روح مقاومة لا تنفذ لكل أشكال واحتمالات الانحدار نحو البربرية التي فرضت علينا، وأن سورية حرة وديمقراطية ملك جميع أبناءها ومصدر اعتزازهم سوف تظره بأسرع مما نعتقد من تحت الأنقاض و لن تتأخر كثيرا قبل أن ترى النور.