رسالة النقد الاجتماعي تحليلات ودراسات في المجتمع والسياسة في العالم العربي والشرق الأوسط Burhan Ghalioun is presently a Professor of Political Sociology at the Universite La Sorbonne Nouvelle. He is the author of several authoritative books as well as over a hundred academic articles in various journals on political Islam, Arab political culture and state and society relations in the Arab World. https://www.facebook.com/BurhanGhalion
lundi, septembre 27, 2010
في مسؤولية النخب عن الحروب الطائفية
لا يزال الكفاح ضد الطائفية يشكل محور الأفكار التحررية التي تنادي بها الحركات القومية واليسارية التي ترى في استمرار وجودها عائقا رئيسيا امام تطور الولاءات الوطنية. ويقدم الوضع القائم في لبنان والعراق واليمن والنزاعات العنيفة التي شهدتها هذه المجتمعات ومجتمعات عربية عديدة أخرى في نظرهم نماذج حية للدور السلبي الذي تلعبه الطائفية في قطع الطريق على نشوء الدولة القومية وفي التمكين للاحتلال وسحب البساط من تحت أقدام الحركة الوطنية وفشل التحولات الديمقراطية.
لقد تحولت الطائفية في اللغة السياسية التقدمية العربية من ظاهرة تاريخية اجتماعية متحولة إلى لعنة أبدية وعاهة مجتمعية لا يعرف أحد كيف يمكن احتواء تأثيراتها السلبية ولا التخلص منها. وأصبح الخوف من تفجراتها المحتملة عقبة أمام تطور المناقشة السياسية نفسها. فهي فتنة نائمة لا سيطرة لنا عليها والحديث فيها بأي شكل جاء لا يمكن أن يكون إلا ايقاظا ملعونا لها وإطلاقا لبراكينها الكامنة. ولا يعادل الكره الذي تراكمه الثقافة السياسية العربية ضدها، بكل تياراتها اليسارية واليمينية، الاستبدادية والديمقراطية، سوى الخوف من التأمل الموضوعي فيها وفي أسباب بقائها وانتشارها. ولذلك قر السلوك العربي على نوع من الانفصام في السلوك السياسي إزاءها. وهكذا نجد الفرد الذي لا يكف عن إدانة الطائفية والتبرؤ من شرورها لا يتردد في أغلب الأحيان من الانصياع لقانونها والاندفاع في أحيان أخرى، بإرادته وأحيانا من دون إرادة، وراء رهانات وتلاعبات وحسابات طائفية لا حدود لها.
يخلق الحديث المتكرر عن الطائفية وعيا شقيا لدى المجتمعات العربية التي تشعر بأنها ضحية آلية عمياء جبارة تفرض عليها الانقسام بين عصبيات متنافرة وتغلق أمامها أبواب التحولات السياسية الديمقراطية والوطنية. وبقدر ما يفقد هذا الشعور الثقة المتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة التي تتبارى في اتهام بعضها البعض بإخفاء النوايا والرهانات الطائفية يزرع الشك واليأس عند المجتمع بأكمله بإمكانية التعايش داخل الوطن الواحد، بل بإمكانية بناء مثل هذا الوطن الذي يفترض التضامن والتكافل والتعاون بين جميع أفراده بقدر ما يجمعهم تحت سقف واحد ويفرض عليهم مصيرا مشتركا.
والواقع أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكا لمخاطر حقيقية وحتمية بقدر ما يعبر عن الكسل والبؤس الذين اتسم بهما الفكر القومي والوطني المحلي الذي اتجه في سعيه لإقامة دولة وطنية حديثة وإضفاء المشروعية السياسية عليها إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج بدل بناء مفهوم المواطنية والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط الممارسة القانونية لها، وبالتالي تأمين حرية أبنائها ومساواتهم. فقد سعت الدولة المحلية إلى التعويض عن غياب برنامج بناء المواطنية في مشروعها، أي عن غياب مشروع الدولة الوطنية الحديثة بالفعل عنها، بتضخيم الحديث عن الهوية والانتماءات الثقافية والتاريخية الأحادية. وكانت النتيجة توليد نزعة وطنية انصهارية صماء تتطابق مع مفهوم العصبية الطبيعية أكثر مما تعبر عن نشوء فكرة وطنية وشخصية سياسية حقيقية. وهكذا أصبح التعدد الطائفي الذي ينبغي أن ينظر إليه على أنه ثروة وطنية بدل أن يعاش كعاهة مجتمعية يبدو وكأنه نقمة إلهية أو طبيعية. وأصبح الوضع الاعتيادي الذي عرفته المجتمعات منذ قرون وبنت من حوله نظمها الأخلاقية الرئيسية بما تعبر عنه من قيم التعايش والتسامح التاريخية التي ميزت المجتمعات العربية والاسلامية، وضعا نشازا أو تعبيرا عما ينبغي تسميته الخطيئة الأصلية، يميز المجتمعات العربية ويفصلها عن المجتمعات الأخرى الطبيعية ويحط من قدرها وقيمتها الجوهرية.
والحال، ليس تعدد الطوائف ولا استمرار البنيات العشائرية هو السبب في تخلف بنية الدولة الوطنية العربية ولا هو المسؤول عن تعثر مشاريع الاندماج الوطني وتقدم مشاريع التحويل الديمقراطية. ولا يشكل كلاهما أي لعنة أبدية أو تاريخية. فجميع المجتمعات مكونة من جماعات متعددة ويمكن تخفيضها جميعا إلى مجموعة لا نهائية من الأقليات الثقافية والدينية والعرقية والمهنية والجنسانية والحضرية والريفية وغيرها. والمجتمعات الصناعية المتقدمة أكثر تعددية اليوم طائفيا وعرقيا من المجتمعات العربية. وما تتميز به مجتمعات الصين والهند وغيرها من المجتمعات الآسيوية عموما يفوق بما لا يقاس ما تعرفه المجتمعات العربية التي تبدو في هذا المنظور مجتمعات شديدة التجانس والأحادية الثقافية. وهذا التعدد الواسع في المجتمعات الأسيوية يعبر، بعكس ما هو شائع، عن درجة الازدهار الحضاري الذي عرفته هذه المجتمعات في الماضي. فهذا الازدهار الحضاري وما يرتبط به من نمو قيم التسامح والتعايش وما يتيحه من إمكانيات التفاعل والتبادل والتواصل بين الثقافات وما يفرزه من حريات فردية وجمعية هو الذي يدفع إلى نشوء التعددية بقدر ما يسمح بنشوء الهويات المتمايزة أي بالتغاير داخل المجتمع الواحد بين مجموعات الرأي والثقافة وكذلك بقدر ما يؤلف قوة جذب جبارة للجماعات البعيدة وبشكل خاص للجماعات المضطهدة والمقهورة في المناطق الأخرى "البدائية".
ولا حاجة للذهاب بعيدا لمعاينة هذه الديناميكية التاريخية الحضارية. فالعالم العربي هو اليوم أكبر منطقة طاردة للجماعات الأقلية المتميزة أو المغايرة سواء أكانت جماعات دينية أم جماعات عرقية أم جماعات رأي وثقافة سياسية ومعارضة. وجميع هؤلاء يقصدون الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية التي تستقطب القسم الأكبر من مهاجري جميع الجنسيات، بسبب ما يسود في هذه الدول من ازدهار اقتصادي وتسامح فكري وتنوع عقائدي. وهم يعززون من طابعها التعددي في الوقت الذي تنحو فيه المجتمعات العربية مثلها مثل المجتمعات المتأخرة الأخرى إلى التجانس وكبت التنوع والخوف من التعدد حتى داخل الطائفة أو الجماعة العرقية الواحدة. وليس هذا من علامات التقدم الحضاري ولا التشكل الوطني ولا التسامي الديني بأي حال. إن استقبال المهاجرين والجماعات المغايرة يعكس ثقة المجتمعات بنفسها، أي بثقافتها ومستقبلها وقدراتها على الدمج ومتانة مؤسساتها السياسية والاجتماعية، بينما يعبر طرد الأقليات بصورة واعية أو غير واعية عن استبداد القلق والشك وغياب الثقة بالنفس عند المجتمعات وتهافت مؤسساتها الدستورية والاقتصادية والاجتماعية. فكما أن لوجود أغلبية ثقافية أو دينية متجانسة دور كبير في خلق شعور بالاستقرار والاستمرارية والثبات عبر التاريخ وبالتالي لنشوء الدول ورسوخ الحضارة في منطقة من المناطق، تشكل الأقليات المنفتحة باستمرار على الخارج ،والعابرة عادة للبلدان، ناقلا استثنائيا للمكتسبات التقنية والعلمية والفكرية، وبالتالي حاملا رئيسيا لديناميكية التفاعل والتواصل بين الثقافات والحضارات.
باختصار، إن التعددية بكل وجوهها وأشكالها ليست خطأ تاريخيا ولا بنية نشازا ولكنها الأمر الطبيعي والشائع أيضا في أي مجتمع متمدن لا يمكن أن ينحدر في منطق انتظامه إلى مستوى منطق الأسرة أو العشيرة أو الطائفة الواحدة. وقد كانت الطوائف موجودة دائما في المجتمعات العربية، وستظل موجودة في المستقبل. وهي موجودة ايضا في بلدان عديدة تعيش في ظل نظم ديمقراطية. وهي لا تشكل، كما تبين ذلك تجربة الهند التي تعج باللغات والأقليات الدينية والعرقية على حد سواء، عائقا امام قيام نظام ديمقراطي. فهي تستطيع أن تتعايش معه وتجد التسويات الضرورية للحفاظ على ما تمثله من عصبيات محلية وما تمثله الدولة الديمقراطية من علاقات سياسية وطنية.
لا تتحول التعددية الطائفية الى مشكلة تهدد الديمقراطية كما تهدد الحياة الوطنية، حتى في الدول الاستبدادية، إلاعندما يتغلب الانتماء للطائفة او العشيرة على الانتماء للجماعة الوطنية أو يمحوه أو يتنازع معه ويصبح عائقا أمام التفاعل بين الأفراد والتعاون في ما بينهم في ما وراء الحصن الطائفي او الإتني. ولا يحصل ذلك إلا بسبب عجز النظام السياسي والقانوني العام عن استيعاب التعددية وإدارة التناقضات والاختلافات الاجتماعية. ولذلك أكثر ما تترسخ العصبيات الطائفية والعشائرية وتتحول إلى بديل للانتماء الوطني في ظل النظم الاستبدادية التي تقوم على نفي التعددية ولا تملك أي مفهوم او سياسة لاستيعابها وإدارتها بالطرق السلمية وتنزع إلى كبت الاختلافات والتمايزات بالقوة والقهر بدل التعامل السياسي والثقافي والاجتماعي معها. بيد أنه حتى في هذه الحالة من الصعب للتمايز المذهبي أو الإتني أن يتحول إلى عصبية مناقضة أو معادية للوطنية الجامعة، وبالتالي أن يحظى بقيمة تبادلية سياسية إلى جانب قيمته الاصلية كمكون لهويات خصوصية، من دون أن يحظى بدعم من قبل النخب الثقافية والسياسية التي تسعى إلى استخدامه كوسيلة للتعبئة السياسية في معركة التنافس من أجل السلطة المركزية أو سلطة الدولة. لذلك ينبغي التمييز أيضا بين المللية أو التنوع الديني والمذهبي كما عاشته البلاد الاسلامية خلال حقب طويلة ماضية، وبين الطائفية التي ولدت مع نشوء السياسة الحديثة وتطور مفهوم المشاركة الشعبية في انتخاب القيادات السياسية. فالعصبية الطائفية تتميز عن الشعور بالهوية المذهبية في أنها عصبية موجهة نحو هدف سياسي واضح لم يكن عند الأولى، وهو تعزيز فرص نخبها الخاصة في معركة السلطة السياسية المركزية التي ترتبط بنشوء الدولة الحديثة. فهذه النخب هي التي تشحن التمايز الطائفي والقبلي بمفاعيل ومدلولات سياسية وتستخدمه في النزاع على السلطة. ومن دون ذلك لا تنتج الاختلافات الثقافية والأقوامية نزاعات خاصة مختلفة عن النزاعات الاجتماعية العادية أو الطبيعية. فلا تشكل هذه الاختلافات ولا تنتج مشاعر أو انتماءات طائفية متضاربة من تلقاء نفسها، وليست هي التي تفسر ظهورها. فلا يتقدم الولاء الطائفي على الولاء للدولة، لا في الماضي ولا في الحاضر، بشكل تلقائي وعفوي. حتى يحصل ذلك لا بد من شحنه بقيم ومفاعيل ايديولوجية لتحقيق مآرب سياسية، وهذا ما تقوم به النخب الاجتماعية.
والسؤال الذي يطرح عندئذ هو ما الذي يفسر تفكك النخبة الوطنية في ظرف ما وانقسامها على أسس طائفية، بدل سعيها إلى تكوين نخبة وطنية واحدة، تعكس في وحدتها نفسها مشروع توحيد المجتمعات المتعددة الطوائف على أسس سياسية، أي تكوين رابطة وطنية؟ الجواب هو أنه لا توجد أسباب واحدة لتفكيك النخب الوطنية. قد يحصل هذا التفكيك نتيجة انهيار الدولة وسقوطها كما كان عليه الحال في أوروبة الشرقية بعد انهيار الشيوعية ونهاية عهد الوصاية السوفياتية. وقد يحصل بسبب ضعف الدولة وسهولة اختراقها من قبل القوى الخارجية دولا او جماعات دينية أو إتنية، كما هو الحال في لبنان، وقد يكون نتيجة نزوع نخبة خاصة إلى احتكار السلطة والقرار وحرمان النخب الأخرى من حقها في المشاركة أو الانتقاص الواضح من ممارسة هذا الحق، كما هو الحال في معظم الدول العربية التي تسيطر فيها نخبة قبلية أو عائلية أو مذهبية على القرار، بواجهة وطنية واحيانا من دون أي واجهة على الإطلاق.
والنتيجة أن آليات توحيد النخب الوطنية ودمجها في إطار واحد مرتبط هو ذاته بوجود مشروع بناء أمة ووطنية سياسية. وهذا المشروع لا يوجد من تلقاء نفسه ولا نعثر عليه في الطبيعة كما هو وإنما هو ثمرة جهد فكري وسياسي منظم لبناء علاقات الوحدة من قبل النخب أو اجزاء منها ومن قبل القادة الوطنيين الكبار. ولا يمكن ان يتقدم إلا بمقدار ما ينجح هؤلاء في تأسيس قواعد هذه الوحدة الوطنية، من أسس دستورية ومساواة قانوية ومشاركة فعلية لجميع أبناء الطوائف والعشائر على قدم المساواة،. فالمواطنية أو الوطنية المرتبطة بها هي الثمرة المباشرة للمشاركة في بناء الدولة المواطنية كمشروع مشترك لجميع النخب ومن جميع الطوائف والمذاهب. وأصل توحيد النخب المنحدرة من مناطق ومذاهب وبيئات اجتماعية مختلفة ومتعددة في كل البلدان، هو الاشتراك في هذا المشروع نفسه. فهي موحدة عليه ومن اجله وفيه.
والحال أن مثل هذه المشروع يصطدم في معظم الأقطار العربية بإرادة السيطرة التي تتجلى عند بعض الفئات الاجتماعية، عسكرية أو أمنية أو بيرقراطية أو مذهبية، وتدفعها، حتى عندما لا تكون ذات نزعة طائفية، إلى اللجوء إلى التعبئة الطائفية، او تقسيم الرأي العام إلى طوائف متناحرة على مبدأ فرق تسد، من أجل الاحتفاظ بالسلطة واحتكار القرار السياسي، وتجيير الدولة لخدمة مصالحها الخاصة. ويكفي للبرهان على ذلك معاينة ما حصل ويحصل في العراق من تفتيت متعمد بل تحطيم للنخبة الوطنية السياسية لحساب زعماء الطوائف والأحزاب الطائفية، ومن حروب دموية مصممة بصراحة لشحن العصبية الطائفية، والمطالبة العلنية لبعض الفرقاء باحتكار السلطة والاحتفاظ بها في يد نخبة طائفية ضد أخرى.
إذا دلت عملية تقويض الدولة هذه من الداخل على شيء، وهذا هو مضمون ما حصل للدولة العراقية، ولدولة ما بعد الاستقلال الوطنية عموما في العالم العربي، فإنها تد ل على هشاشة ركائز هذه الدولة الدستورية واهتزاز قاعدتها الاجتماعية من جهة وعدم نضج النخب السياسية أو تأخرها من جهة ثانية. من دون أن يعني ذلك نفي عوامل الاختراق الداخلية والخارجية. فمشروع بناء الدولة الوطنية بمعنى دولة المواطنية المتساوية والممارسة السياسية الشعبية، ليس مشروعا وطنيا معزولا تماما عما يجرى حوله وفي العالم. إنه جزء من المصير العالمي، وهو يخضع أيضا لصراعات وتوازنات القوة على الصعيد الإقليمي والدولي.
ولا أرى مخرجا من هذا المصير السياسي المؤلم للمجتمعات العربية سوى ظهور نخب سياسية تضع مشروع بناء الدولة قبل مصالح الطوائف والفئات الخاصة من جهة، وتقبل بأن لا تكون السلطة حكرا لها، ومبررا لتهميش النخب الأخرى أو أطرافا منها وتعطيل مبدأ تداول السلطة على أسس دستورية وقانونية من جهة ثانية، وتسعى إلى تعزيز استقلال قرارها عن الدول الأجنبية وتحصينه ضد الضغوطات والاختراقات الخارجية من جهة ثالثة.
mercredi, septembre 22, 2010
نصر أبو زيد وأركون ومعركة التجديد الديني
الاتحاد 22سبتمبر 10
اختطف الموت في الشهر المنصرم اثنين من أبرز مفكرينا المعاصرين، نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، بعد أن كان قد غيب، قبل أشهر، محمد عابد الجابري، أحد أشهر المفكرين العرب المعاصرين. وإذا كان ميل الجابري إلى الاعتدال وبحثه عن المصالحة بين العقل والدين، والحداثة والتراث، قد ضمن له نوعا من الحماية وفتح لفكره باب الانتشار كما لم يحصل لمؤلف قبله، فقد واجه كل من أبو زيد وأركون مقاومة قوية، واعتبرا من المفكرين الرديكاليين الذين تجرأوا على وضع الفكر الديني السائد ومعانيه على المشرحة، وسعيا إلى نشر مفاهيم جديدة حول الاسلام لم تحظ دائما برضى رجال الدين أو المفكرين الاسلاميين. وكما قادت العاصفة التي أثارها أبو زيد إلى إبعاده عن جامعة القاهرة ورحيله الطوعي إلى جامعات الغرب التي استقبلته بترحاب ، واجه أركون العديد من مواقف التشكيك والرفض في فرنسا والخارج، قبل أن يصبح بعد أحداث 11 سبتمبر الشارح الرئيسي لأزمة الاسلام في الجامعات الغربية.
اتهم فكر أبو زيد وأركون بالغموض والالتباس والبعد عن منطق الدين، وأخذ عليهما، وفي الواقع، على أكثر الباحثين العرب في الفكر الاسلامي، وفي التراث، فشلهما في التواصل مع أوسع جماهير المؤمنين، وعدم نجاحهم في نقل فكرهم إلى خارج الحلقات الضيقة للمثقفين الذين يشاركونهم طروحاتهم أو مشاعرهم ورؤيتهم الحديثة أو العقلية للدين، وبالتالي إخفاقهم في ممارسة أي تأثير فعلي على الجمهور الواسع، وفي ترجمة أفكارهم إلى حقائق عملية. ولا يزال الدعاة، التقليديين والمحدثين، هم الذين يحظون بولاء الجمهور وإصغائه، من دون الحديث عن النفوذ الكبير الذي يمارسه زعماء الاسلام السياسي على الشباب خصوصا، لكن ليس وحدهم. وينظر قسم كبير من الرأي العام إلى عجز الباحثين المجددين عن اختراق جدار العزلة المضروبة من حول فكرهم على أنه دليل قاطع على اغتراب هذا الفكر، وخطأ دعوته، وضعف أسسه الدينية، بل تناقضها مع روح الاسلام ومتطلبات الايمان الصحيح.
والحال ليس أبو زيد ولا أركون ولا غيرهم من العاملين في البحث في الدين والتراث اليوم مصلحين دينيين، ولكنهم علماء في العلوم الانسانية. وليس من عادة العلماء أن يكون لهم جمهور واسع من المؤمنين، ولا يبحثون غالبا عن هذا الجمهور، ذلك أن جمهورهم هو العلماء الآخرين العاملين في حقلهم. وحوارهم الرئيسي هو مع هؤلاء في سبيل تطوير المعرفة العلمية التي لا مقدرة للجمهور الواسع على اكتسابها أو النقاش فيها من دون تكوين أو تأهيل علمي مسبق. واتصالهم مع الجمهور الواسع يكون عادة من باب تقريب النظريات العلمية من الوعي العام، وتحسيسه بالمشكلات التي يثيرها البحث العلمي في مجال أو اكثر. لكن ليس أبدا في تحويل الجمهور إلى علماء أو في استنتاج مبدأ عقائدي أو أخلاقي جديد.
وما حصل في العقود القليلة الماضية هو نوع من الخلط بين مقام الباحث العلمي في الشأن الديني وبين الداعية المجدد في الدين. ونظر الكثير من الجمهور القاريء أو المشاهد إلى الباحثين وناقدي الفكر الديني كما لو كانوا بالفعل أصحاب دعوة دينية تجديدية، كما نظر هؤلاء لأنفسهم أيضا على أن بحثهم العلمي في الشأن الديني يهدف إلى تجديد فكر المسلمين وممارساتهم الدينية استنادا إلى معطيات البحث العلمي. ولا يكف أبو زيد في كتاباته عن الحديث عن ضرورة فهم الاسلام فهما علميا والانطلاق من البحث العلمي لتجديد رؤية المسلمين وإصلاح عقائدهم الدينية المتوارثة.
وفي اعتقادي، لم يخدم هذا الخلط قضية البحث العلمي في ميادين النشاطات الاجتماعية والانسانية، ولا ساهم في تطوير أي حركة تجديد ديني. فمبقدار ما أفقد الباحث العلمي مكانته بوصفه عامل معرفة، محايد عقائديا، وحوله إلى داعية لا يختلف، رغم جدة رؤيته أو عقلانية تأويلاته للدين، عن أي داعية آخر، أضعف موقف الباحثين الجدد وعرضهم لهجوم دائم من قبل منافسيهم أو خصومهم من رجال الدين التقليديين ودعاة الاسلام السياسيين الذين يشكل العمل بالدين رأسمالهم الأول. وقد أثار هذا الخلط الشك عند الجمهور العريض بالبحث العلمي في الدين وبنوايا الباحثين العلميين فيه، وأكثر من ذلك ، بنوايا دعوة التجديد الديني نفسها، بصرف النظر عن مرجعية أصحابها. ومقابل دعوات التجديد على أسس التفسير العقلي أو العلمي للنص الديني، التي ستفسر من قبل غالبية المؤمنين على أنها نقد للدين وعدوان عليه، ستبرز نزعة قوية عند أصحاب الولايات الدينية الفقهية والسياسية للدفاع عن التأويلات الأكثر إغراقا في الابتعاد عن العقل، واعتبار التشبث بنماذج السلف الصخرة القوية التي تحول دون زعزعة الايمان في عصر العواصف الفكرية والنزاعات الايديولوجية.
تبدو نتائج هذه المعركة واضحة اليوم في إخفاق مشاريع الاصلاح والتجديد الديني، والسيطرة المتزايدة لأصحاب الدعوة إلى الانكفاء على موقف الاقتداء، بدل استخدام منهج العقل في الدين، بل والتخلي عن أي مطلب عقلي في أي شأن من شؤون الحياة والمجتمعات، وفي العودة المظفرة للحجاب والبرقع والجلباب. وهي بارزة أيضا في نجاح رجال الدين والدعاة التقليديين والسلفيين في عزل الاصلاحيين والفكر الاصلاحي الديني عموما عن جمهور المؤمنين، وفي التشكيك بشرعية حديثهم في الدين، من خلال وسمهم بالعلمانيين، بل واتهام بعضهم في دينهم وإخلاصهم لمجتمعاتهم.
وليس من المستغرب أن يخسر الباحثون العلميون المعركة عندما ينتقلون من ميدان البحث العلمي، أي تقرير الواقع الديني كما هو، إلى ميدان التبشير بتأويل جديد للدين وتقرير ما هية الدين القويم. فهم أقوياء وأصحاب حجة في فهم آليات عمل الدين والايديولوجيات عموما، لكنهم ضعفاء في شرعية تحديد متطلبات الايمان الصحيح، وليس هذا من مهامهم، وليس لهم فيه أفضلية على منافسيهم من رجال الدين والمشتغلين عليه. فعلى خلاف هؤلاء، ليس لرجال العلم صلاحية معترف بها في توجيه العقائد وتقرير السليم والخاطيء منها، ولا يفيدهم منهجهم العلمي كثيرا في التقرب من جمهور المؤمنين، إن لم يشكل حائلا دون فهم المتدينين لأهدافهم وغاياتهم. فالدين هو قبل أي شيء آخر دعوة وليس علما، ولا يمكن للعلم أن يقدم حججا أقوى لصالح تأويل المجددين ضد التقليديين، وليس للعلم ما يقول في تقرير العقائد أو المسلمات الدينية.
لكن إذا كان التجديد الديني مطلبا بديهيا اليوم، في مواجهة طوفان التقليد والعودة إلى أقصى التأويلات تطرفا لمطالب الايمان القويم، ولم يكن للباحثين العلميين في الدين ما يؤهلهم للانتصار على خصومهم من أصحاب المحافظة والاقتداء، فكيف يكون الاصلاح، ومن هو المؤهل لنقل جمهور المؤمنين من تصورهم البالي لمقاصد الشريعة ومطالب الايمان إلى تصور جديد ينسجم مع متطلبات العصر الأخلاقية والمعنوية، ومن أين يولد التجديد أي، في النهاية، من هو الذي يملك الحق في تحديد ماهية الاسلام الصحيح والدين القويم، ولا بد من أن يكون لقوله وقعا حقيقيا على المؤمنين؟ هذا موضوع مقال قادم.
mercredi, septembre 15, 2010
الامبريالية ومستقبل الديمقراطية
في الاتحاد بعنوان "الديمقراطية :رؤية عالمية" 15 سبتمبر 10
قلت في مقال سابق إن نوعية الدول مرتبطة بموقعها على خريطة المنظومة العالمية الواحدة للدولة، وكذلك نصيب كل منها من موارد السلطة الرئيسية، أي من السيادة والموارد المادية واللامادية الضرورية لتحقيق الاندماج الداخلي وبناء الجماعة الوطنية وضمان حد أدنى من النمو والاستقرار.
فالنخب التي لا تملك في هذا النظام إلا قسطا ضئيلا من الموارد السياسية اللازمة لبناء الأمة وضمان حد أدنى من التنمية، تجد نفسها محصورة بين نارين، نار النظام الدولي الذي يسعى إلى استغلال تبعيتها لتجنيدها في خدمة أغراض السيادة العالمية، ونار المجتمعات التي تطلب منها الرد على حاجاتها السياسية، وتحقيق مفهومها بوصفها دولة الأمة والشعب، أو دولة قومية.
على هذا الأساس تتوزع الدول على أصناف أو طبقات مختلفة تماما في أسلوب اشتغالها ومصائرها، رغم تفاعلها في مابينها: تلك التي تفرض أجندتها السياسية على العالم أجمع، وتتصدى لمهام قيادة المنظومة الدولية، وتتصرف كما لو كانت مسؤولة عن المصائر العالمية، وتلك التي لا تملك شروط بقائها، وتخفق أحيانا في إعادة إنتاج ذاتها كدولة، فتصبح ، حسب المفاهيم السائدة، دولة فاشلة ودولة مفككة ومنحلة. وعلى هذا الأساس أيضا يتميز سلوك النخب، فيدفع الضعيفة والتابعة منها إلى الاستقلال عن شعوبها بمقدار ما يربط استقرارها واستمرارها بتلبية حاجات الدول المسيطرة ونيل رضاها، أي بشرعية خارجية، وتلك التي تستند في وجودها إلى نيل رضى شعوبها وتعتمد على الشرعية السياسية. والأخيرة وحدها مؤهلة كي تصبح دولة ديمقراطية أو دولة شعبها، أما الثانية فلا تصيره إلا بالتبعية.
وهذا ما يفسر تحول الدول، في أكثر مناطق العالم، إلى إداة لأسر الشعوب وقهرها عتلى نطاق واسع، بدأت آليته تترسخ بعد الحقبة الاستقلالية القصيرة، نهاية الحرب العالمية الثانية. كما يفسر نجاح نخب هذه البلدان في مصادرة موارد الشعوب ووضع يدها عليها، واستخدامها لتحقيق اندراجها في منظومة التجارة والسيادة الدولية على حساب تهمش شعوبها وإفقارها وتجويعها.
فبدل أن تكون الدولة إطارا لبناء الجماعة القومية وتوحيدها في نسق أمة متضامنة ومتكافلة، تحولت هنا إلى موضوع رهان أول، وفجرت، كما لم يحصل من قبل، حتى في الحقب القرسطوية، النزاعات بين الجماعات الدينية والإتنية والمذهبية، حتى ليكاد الصراع على الدولة يشكل مختصر تاريخ الشعوب التابعة السياسي، اليوم، ويلغي تماما معركة بناء الدولة ذاتها، أي الكفاح المشترك من أجل تأهيلها وتطويرها من الداخل وجعلها اكثر تطابقا مع إرادة الجماعة السياسية.
وأسبقية الصراع على الدولة، أي السيطرة عليها، بدل الصراع لتحويلها وتحقيق فكرتها هو الذي يفسر أيضا التطور المتفاوت والمتناقض في بلداننا لثقافة النخب التي استقلت بالدولة وحافظت على مظاهرها "العلمانية" أو شبه العلمانية التي تمكنها من التماهي مع النظام العالمي والانخراط فيه والتواصل معه، وثقافة الغالبية الشعبية التي انكفأت على القيم التقليدية وجعلت من التراث الديني مرجعيتها الرئيسية ، السياسية والأخلاقية والروحية، في مواجهة إقصائية النخب الحاكمة وحلفائها الدوليين معا.
ولعل خدعة التاريخ االحديث الأهم تكمن في أن تجريد الشعوب من حقوقها وإعادة توجيه آلة الدولة الحديثة التي يفترض أن تساهم في تحريرها، ضدها ، ومن أجل استعبادها، قد حصل في تلك البلدان التي نجحت فيها النخب، باسم المباديء الثورية والتغييرات الرديكالية، أي الحرية والسيادة القومية والعدالة الاشتراكية، في احتكار السلطة والقضاء الكامل على العناصر القانونية والسياسية والفكرية التي تهيكل المجتمعات، وتسمح لها بتوجيه مقاومة تضمن استقلاليتها للسلطة المركزية. ومن هذه العناصر احترام القانون والمؤسسات والرأي الآخر، وصون كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن. فباسم التغيير الجذري استباحت النخب الثورية كل المحرمات التي كانت الدول التعددية السابقة، "الرجعية"، مضطرة إلى مراعاتها. هكذا تبدو الشعوب التي انخرطت في الحركات الثورية الأكثر وعدا، والتي بذلت الكثير من أجلها، ضحية الدولة المنقوصة أكثر بكثير من تلك التي أخفقت في ثوراتها أو قبلت بالخضوع للسطة التقليدية.
فقد مكن ذلك النخب الجديدة الانقلابية من مصادرة ألة الدولة، بعد مصادرة الإرادة الشعبية ، واستخدامها لأغراض الاستقرار العالمي، أي لضمان التفاهم والتعاون بين النخب المحلية والدول الكبرى المسيطرة على النظام الدولي.
والقصد أن ظاهرة النظم التي نسميها عموما إستبدادية، من ديكتاتورية وسلطانية جديدة وفاشية مجددة، مما يسود حقبتنا الراهنة، هي وجه من وجوه الدولة المنقوصة أو المشوهة، وأن استمرارها لا يرتبط فقط بشروط بناء الدولة الداخلية ولا بإرادة النخب المحلية فحسب، ولكن جذوره تمتد عميقا في بنية نظام الدول العالمي، أي في التفاوت الصارخ في رصيد الدول كما تحدده هذه البنية العميقة، أو في ماكنا نطلق عليه في أدبيات القرن العشرين اسم الامبريالية. وأن موجات التحرر والقضاء على الاستبداد، حتى عندما تكون شعبية حقيقية، كما حصل في البلاد العربية واليوم في ايران، غالبا ما تتكسر على صخرة بنية نظام العلاقات الدولية ولا مساواتها العميقة بين الدول والشعوب. فينقلب حلم التحرر إلى كابوس استعباد واستبداد راسخين.
ويعكس تاريخ العديد من الدول التابعة تردد نخبها الدائم بين التمرد على النظام الدولي الذي غالبا ما يقود إلى العزلة والإفقار، فتكتسب اسم الدول المارقة، وبين الالتحاق بالدول الكبرى المسيطرة والتكيف مع حاجاتها الاستراتيجية والعمل تحت إشرافها، وهو ما يمنحها حق التنعم باسم الدول المعتدلة أو الحليفة.
مما يعني أن السعي إلى الديمقراطية، وما تتطلبه من تحويل بنية علاقات السلطة داخل المنظومة الوطنية، لا يمكن أن ينفصل عن السعي الموازي لتغيير بنية علاقات السلطة داخل المنظومة العالمية التي تؤسس للتفاوت بين الشعوب من حيث حظها من التقدم والاندراج في الدورات الحضارية التاريخية، بما فيها الدورة السياسية. وأن تعظيم فرص إدماج المجتمعات قوميا لا ينفصل أيضا عن النجاح في إدماج الدول والبلدان عالميا أو في منظومة السيادة العالمية. وأن أي استراتيجية وطنية للتحولات الديمقراطية، لا يمكن أن تستغني عن استراتيجية دولية لتحويل أو تغيير البنية الامبريالية التي تطبع النظام العالمي، ولا عن التحولات الأخرى الاستراتيجية والاقتصادية والإعلامية. إن الديمقراطية لم تعد مسألة وطنية محض، ولن تتقدم بوصفها مسألة وطنية، وإنما تتطلب عملا جماعيا عابرا للقوميات، في موازاة تطور عقيدة إنسانية تؤمن بالمساواة بين الشعوب والبلدان والمجتمعات.
لا يعني هذا أنه لا يمكن العمل داخل حدود الدولة الوطنية لإحداث تحويلات وإصلاحات ذات طابع ديمقراطي. كما أنه لا يعني أن مثل هذه الإصلاحات ليست ممكنة. بالعكس، هذا هو المطلوب والمنشود. لكن ينبغي على العاملين في هذا الميدان أن يدركوا أن نشاطهم لا ينفصل عن سياقه العالمي، وأن حصيلة نضالاتهم مرتبطة أخيرا، أي على المدى البعيد، بتحول بنية النظام العالمي ذاته، وأن انعزالهم أو عزلهم عن العالم يشكل إحدى أهم استراتيجيات حماية الاستبداد واستمراره.
لكنه يعني أيضا، في ما وراء ذلك كله، أن الديمقراطية لن تستقر في بلد ما إلا بمقدار ما تزداد، داخل النظام الدولي نفسه، ومن خلال تحويله، فرص تعميم قيم الحرية والمساواة والدولة القانونية، وتجاوزها نطاق نادي الدول الصناعية الراهن أو أدماج جميع الدول تدريجا في هذا النادي ذاته.
samedi, septembre 04, 2010
منطق الجمود وإنكار السيادة
الاتحاد 11 آب أغسطس 10
قلت في مقال سابق إن فشل الحركة التحررية التي أعقبت، في خمسينيات القرن الماضي، نشوء الإدارة الحديثة على يد السلطة الاستعمارية، قد أنتج -في الكثير من البلاد العربية التي شهدت اندفاعة قوية نحو الحداثة- ثورة مضادة عملت على إعادة ترجمة العلاقات الاجتماعية الحديثة بين النخبة والشعب على ضوء النموذج التقليدي الذي يفصل بشكل قاطع بين "الخاصة"، وهي نمط من استقراطية الوجهاء والأعيان التي أنتجها غياب الدولة المركزية القوية، وبين "العامة" المحرومة من أي مقام. فعادت الأوضاع السياسية إلى سابق عهدها بين تابع ومتبوع. ولم يكن من المتوقع -في هذه الشروط- أن تتطور روح وطنية تدفع إلى المعاملة المتساوية للأفراد ولا إلى تنمية ملكة المشاركة في الحياة العامة، أو الاهتمام بالشأن العام عند الغالبية الساحقة من السكان. وربما سيطرت أكثر من السابق روح الاتكالية والتسليم للقوة والقبول بالأمر الواقع كما لو كان قدراً محتوماً.
| |||
mercredi, août 25, 2010
النظام الدولي و"طبقات" الدول أو في عقم الدولة وبؤسها
وإذا أردنا التبسيط قلنا على شاكلة مؤلفينا القدماء أن هناك طبقات دول كما كان هناك طبقات شعراء. فهناك ، داخل هذه البنية الدامجة للجميع في منظومة واحدة، طبقة الدول السيدة التي تتمتع بدرجة كبيرة، ولو نسبية، من االمركزية أو الاندماج الداخلي الوطني ومن السيادة، وطبقة الدول التابعة أو الناقصة السيادة والاندماج الوطني إلى حد كبير أو صغير، وهناك أخيرا طبقة من الدول الفاقدة تماما لأي درجة من تمركز السلطة (الوطنية) والسيادة . وكل من هذه الطبقات محكومة بقوانين تطورها الخاصة,لا ينبغي أن نفهم من ذلك أن طبقات الدول، المرتبطة بالمواقع التي تحتلها في فضاء النظام الدولي العام، ثابتة أوجامدة. بالعكس إنها في تحول وتبدل مستمرين، بطيء أحيانا وسريع أحيانا أخرى، على نمط التحولات التي تعرفها الخريطة الجيولوجية من تقارب القارات وابتعادها وولادة الهزات والزلازل والانهدامات وتلاشيها. وهي الظروف التي تسمح للفاعلين الواعين، أي للنخب، التي تنجح في استغلال فرص ااختلال التوازن الظرفي أو البعيد المدى، لتغيير مصير بلدانها أو تحسين مواقعها على خريطة التحولات الدولية وطبيعة اندراجها في البنية العالمية.
والمقصود أن الدولة، ليست كيانا قائما بذاته، ولا يمكن أن يفهم تحولها وتطورها بمعزل عن علاقاتها مع الدول الأخرى في إطار النظام الدولي الذي يحكم مسار الدول جميعا، بما في ذلك الدول الكبرى التي تستمد كبرها والدرجة العالية من تمركزها واندماجها الداخلي وسيادتها العالمية، من علاقتها مع من هو تحتها، أي من قدرتها على تحويل غيرها إلى أضعف منها، والحفاظ على علاقات التفوق والسيطرة بوسائل مادية ومعنوية معا. فقوة البعض هي ثمرة ضعف البعض الآخر. والصراع على الاحتفاظ بالسيطرة أو على مواقع السيطرة هو الدافع للاستثمار في التفوق المادي والتقني والعلمي معا بين الدول.وتترتب على هذه الفرضية التي ترى في الدولة جزءا من بنية دولية بالأساس حتى في ما يتعلق بوجودها، لا تجسيدا مباشرا لإرادة شعبية ، ولا تعبيرا عن خصائص أو إمكانيات المجتمعات المدنية أو الثقافات المحلية، نتائج عديدة. أولها وأهمها أن الدول، بعكس ما تشيعه النظرية السياسية السائدة، لا يمكن أن تتطور بطريقة واحدة، ولا تنطوي بنياتها أو أنماط بنياتها الخاصة جميعا على بذور التطور ذاته وفي مقدمه فرص تكوين أمة. وثانيها أن الدول ليست إلا جزئيا، وفي البلاد الكبرى ذات الاستقلالية الواسعة، تعبير عن إرادة سكانها وتحقيقا لتوازنات داخلية، أما في معظم أصقاع الأرض فهي تابعة في تطورها وفرص نضجها وتحقق مفهومها لإرادة الدول الكبرى ، وهي أحيانا ليست إلا أداة خارجية، تستخدمها هذه الدول ، بصورة غير مباشرة، من خلال التفاهم مع النخب المحلية، لكن أحيانا بصورة مباشرة، من دون تفاهم لتحقيق أغراضها. بينما لا تملك القدرة على التحول إلى ديمقراطية حقيقية إلا تلك الدول التي تتمتع بقسط كبير من السيادة يعطي لإرادة شعبها المشتركة الأثر الأكبر في تحديد سياساتها الداخلية.
وثالثها وجود تناقض بنيوي بين منطق اشتغال الدولة ومنطق اشتغال المجتمع، وهو ما تعبر عنه النظرية السياسية بالتمييز بين "ريزون ديتا" (منطق الدولة)، الذي تضعه دائما في موقع الأسبقية لكونه مرتبط بمتطلبات الحفاظ على وجود الدولة ذاته، وإرادة الأمة وحرياتها التي هي مصدر شرعية الدولة. وهذا التناقض، الذي يزداد أو ينقص حسب الطبقة التي تنتمي لها الدولة، إلى أن يبلغ أقصاه في البلدان الضعيفة التابعة ويحرم الدولة نفسها من الوجود كدولة أمة ويحولها إلى وكالة خصوصية للنظام العالمي، أو يقضي عليها تماما بسبب الفوضى والنزاعات الدائمة وعدم الاستقرار، هو الذي يفسر ما نعرفه من علاقات عداء وتناقض صارخ أحيانا، في بعض الدول التابعة الصغيرة، بين الحكومات والنخب السائدة التي تعرف أنها لا تضمن مصالحها إلا بالتفاهم مع الدول الكبرى المسيطرة من جهة، والشعوب التي تنزع، من منطق الحرية والاستقلال والسيادة الذي يقوم عليه رسميا النظام العالمي للدولة، إلى تعريف مصالحها الوطنية، بصرف النظر عن ضغط العلاقات الدولية ومحتواها. حتى لتبدو أغلب حكومات البلدان الصغيرة في نظر شعوبها حكومات أجنبية أو "خائنة"، وهي تتردد بالفعل بين موقف التبعية والالتحاق، أو كما نقول اليوم الاعتدال، لتضمن دعم الدول الكبرى، وموقف التمرد ورد الفعل الذي ينطوي عليه النزوع المبالغ فيه للاستقلال وتأكيد السيادة المستحيلة. ويسرى هذا الوضع اليوم جزئيا على بعض الحكومات الاوروبية الوطنية التي تحتاج كي يستقيم أمرها أن توفق بين الإرادة الشعبية الداخلية وحاجات الاندماج أو الاتساق الأوروبي على مستوى سلطة القرار الاتحادية التي يحركها منطق مستقل عن منطق المصالح الوطنية الخاصة بالاعضاء المكونة لها.قد تنجح بعض الدول في انتزاع قسط كبير من السيادة والاستقلال في حقبة ما نتيجة اضطراب يحصل في علاقات القوة داخل النظام العالمي للدول، كما حصل بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب النكسة التي شهدتها السيطرة الغربية، والأوروبية خصوصا، بعد الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية، ومن قبلها الحرب العالمية الأولى، والنزاعات العنيفة التي احتلت النصف الأول من القرن العشرين بين الدول الكبرى. لكن سرعان ما نجحت الدول المسيطرة بنيويا، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في امتصاص هامش المبادرة الذي منحته الثورات الوطنية وحركات التحرر من الاستعمار للشعوب والدول الجديدة. وما لبثت بعد زوال الحرب الباردة، وانهيار القوة المناوئة للنظام، حتى أعادت سيطرتها الكاملة، الاقتصادية والسياسية والثقافية على هذه الشعوب، لدرجة زالت فيها من الوجود أو تكاد حركة عدم الانحياز التي كانت تجمع بينها خلال حقبة الاستقلالات القصيرة التي ستبدو في ما بعد وكانها بالفعل حقبة استثنائية مسروقة من التاريخ لا جزءا لا يتجزأ منه.
وفي منطقتنا بدأت الدولة، بوصفها عنصرا في منظومة دولية، تنمي هذا التعارض بين منطق السيادة الشعبية والسيادة الدولية منذ الاستقلال، بل حتى في عصر الوصاية الأجنبية، بالرغم من خضوعها في تلك الحقبة لنظم تعددية ودستورية انتخابية. وهذا هو الذي يفسر الانقلابات الداخلية التي عرفتها هذه الدول والنزاع الذي ميز علاقات النخب المحلية في ما بينها. وكان له دور كبير في إضعاف شرعية النظم الليبرالية نفسها.
بيد أن مقدرة الدولة على مقاومة الإرادة الشعبية وتجاوز النزاعات الداخلية بين النخب السائدة سوف تتضاعف مرات عندما ستتخلص هذه الدولة من النظم والتقاليد التعددية الدستورية، وتفرض نظام الحزب الواحد. ففي مثل هذه الحالة سوف تتحول الدولة إلى لاعب مستقل تماما عن المجتمع، وتدخل مباشرة في لعبة النظام العالمي للدول. وستصبح وظيفتها الرئيسية إخضاع شعوبها بالقوة والعنف لصالح أجندة عالمية، وبالتالي السعي إلى التفاهم مع الدول الكبرى بدل العمل على اكتساب الشعبية من أجل الحفاظ على الوضع القائم وضمان استقرار النظام واستمرار النخب الحاكمة في السلطة والحكم. وسيتسع هامش مبادرة النخب الحاكمة في مواجهة شعوبها بمقدار كسبها التأييد من الخارج وتحسين علاقاتها به وتقاسم المنافع معه. ولن يخفف من ذلك تبني النخب عقائديات اشتراكية أو قومية، بل سوف يعززه بقدر ما يموه منطق العلاقة الجديدة ويبرر الانفراد بالسلطة والقرار.
تشكل الدولة إذن جزءا من بنية سياسية عالمية واحدة، هي التي تحدد طبقتها بين الدول، وتخضعها، بوصفها عضوا في منظومة دولية متفاعلة ومتضامنة، لقواعد عمل لا تستطيع أن تتجاوزها، وإذا تجاوزتها دخلت في منطق العصيان، وألبت ضدها النظام الدولي بأكمله، وعلى رأسه الدول الكبرى المسيطرة لتي تسهر عليه، وتدافع عنه دفاعا عن مكانتها وموقعها وامتيازاتها.
mercredi, août 11, 2010
منطق الجمود وإنكار السيادة
الاتحاد 11 أغسطس 2010
قلت في مقال سابق إن فشل الحركة التحررية التي أعقبت، في خمسينيات القرن الماضي، نشوء الإدارة الحديثة على يد السلطة الاستعمارية، قد أنتج -في الكثير من البلاد العربية التي شهدت اندفاعة قوية نحو الحداثة- ثورة مضادة عملت على إعادة ترجمة العلاقات الاجتماعية الحديثة بين النخبة والشعب على ضوء النموذج التقليدي الذي يفصل بشكل قاطع بين "الخاصة"، وهي نمط من استقراطية الوجهاء والأعيان التي أنتجها غياب الدولة المركزية القوية، وبين "العامة" المحرومة من أي مقام. فعادت الأوضاع السياسية إلى سابق عهدها بين تابع ومتبوع. ولم يكن من المتوقع -في هذه الشروط- أن تتطور روح وطنية تدفع إلى المعاملة المتساوية للأفراد ولا إلى تنمية ملكة المشاركة في الحياة العامة، أو الاهتمام بالشأن العام عند الغالبية الساحقة من السكان. وربما سيطرت أكثر من السابق روح الاتكالية والتسليم للقوة والقبول بالأمر الواقع كما لو كان قدراً محتوماً.
لكن غياب التقاليد السياسية الحديثة وانسحاب الشعب من الساحة السياسية وتخليه عن روح المسؤولية وشعوره بأن مشاكل السلطة والإدارة ميداناً خاصاً بشريحة اجتماعية وليست ميداناً يشارك فيه العموم... لم يمنع وجود أفراد نجحوا -سواء عن طريق الثقافة أو الاحتكاك بالغرب- في تمثل قيم الحداثة السياسية متشبثين بحقهم في المشاركة في حياة مجتمعاتهم العامة.
وقد كان للنظم السياسية المطلقة التي نشأت عقب الثورة "القومية"، الدور الأكبر في قتل هذه النواة التحررية من القوى الصاعدة، وتجريد المجتمعات منها في ما يشبه عملية التعقيم السياسي التي تستخدم، إلى جانب وسائل الردع والتهميش وشل الإرادة، آلية الحرب الوقائية المستمرة والهادفة إلى قتل أي روح استقلالية ناشئة، وخنق أي قوى اجتماعية جديدة نازعة إلى التفكير من أفق العمومية وبلورة مشاريع وسياسات "قومية".
وقد ساعد على هذا أن الأغلبية الساحقة من النخب الحاكمة استلمت السلطة بوسائل السيطرة المباشرة. وقد استمرت في الإمساك بمقاليد السلطة نتيجة اعتمادها مشروعية تاريخية لم يعد النظر فيها ولا يسمح بإعادة النظر أو بتجديد أصولها. والنخب التي لم تعتمد في صعودها إلى سدة الحكم، ولا في تجديدها لنفسها في السلطة، على استشارة المواطنين، ولا تزال ترفض طرح وجودها وبقائها في السلطة، لا بل سياساتها اليومية، لأي اقتراع أو استفتاء، لا يمكن أن تقبل بمبدأ المساءلة والاعتراض، وبالأحرى أن تربط استمرارها في السلطة بمصادقة الرأي العام. ومن الصعب أن تساهم بنية سلطة سياسية قائمة على إنكار السيادة الشعبية وعلى اعتماد مبدأ الأمر الواقع كقاعدة للتعامل السياسي، في التشجيع على التعددية ونمو القوى الديمقراطية. وفي هذا السياق يعني القبول بوجود قوى سياسية مشروعة في الساحة السياسية التراجع عن منطق الوصاية الذي يحكم تفكير النخب السائدة وممارستها، والاعتراف بوجود حقوق للأفراد، وبأن السلطة مسألة اجتماعية لا واقعة طبيعية ولا مرتبة دينية، وبالتالي يمكن طرح سياساتها وأساس البقاء فيها وطريقة ممارستها للنقاش والتفاوض عليها ومن حولها.
وربما كان أفضل اسم يطلق على هذه النظم السياسية العربية ويعبر عن طبيعتها العميقة هو حكم الغلبة، أي السلطة التي لا يتحقق استمرارها إلا بفضل الشوكة والقوة المادية والعسكرية المسلطة، وما تنتجه من أثر مادي ومعنوي على الأفراد، من دون السؤال عن رأي الأغلبية الاجتماعية أو الانشغال بقبولها أو رفضها. فهي نظم سلطة الأمر الواقع. ومن الصعب على سلطة الأمر الواقع أن تطور أي تفكير في التعددية أو أن تدرك مضمون ومعنى التحولات الديمقراطية كتجسيد لإرادة جمعية، بل أن تقدر على تنمية أي شعور بالمسؤولية العمومية عند الحاكمين والمحكومين.
كما أنه من الصعب عليها أن تتطور وتتبدل وتغير نفسها أو تخرج من تقاليدها. فهي لا تتغير إلا بالانهيار من الداخل أو بفعل عوامل خارجية. وأفضل ما يجسد غياب منطق التحول والتطور والتغير فيها هو الثبات الأسطوري الذي ينبغي أن يحظى به ممثلها الأول وزعيمها. فرؤساء الجمهوريات في النظم السياسية العربية لا يتغيرون، ولا يقبل منطق النظام تغييرهم أو تبديلهم. وإذا ماتوا دفع النظام تلقائياً أحد أبنائهم ليحل محلهم، حتى صار التوريث أحد موضوعات الجدال الرئيسية في فكرنا وممارستنا السياسية.
وهذا الحلول بالمعنى الحرفي للكملة هو البرهان على انعدام أي منطق للتغير والتحول والتطور داخل النظام، والتأكيد على ما يلفه من هوس الثبات والاستمرار والاستقرار.
وبالعكس، تخضع النظم السياسية المستندة إلى منطق الاستشارات الشعبية، حتى لو كانت ناقصة أو مزورة في بعض الأحيان، لتغيرات تدريجية، لأنها تكون حساسة لتنامي الضغوط الاجتماعية. بل إن النظم السياسية لا تتطور في الواقع إلا بقدر ما تتضمن اعترافاً، ولو جزئياً في البدء، بشرعية هذه الضغوط وفائدتها في تعديل النظم وإصلاحها أو دفعها للإصلاح، وأهمية المساءلة والمحاسبة، أي بسيادة الشعب وصدور السلطة عنه وحقه في نقلها أو تحويلها، أي بقدر ما ترفض مبدأ قدسية الزعيم وملكية السلطة أو الأهلية الخاصة بالحكم.
أما في البلاد العربية فغالباً ما تعكس الاستشارات، على ندرتها وتعدد شروطها، إرادة الناس أو تعبر بالفعل عن رغباتهم. بل إن الخضوع لهذه الرغبات يبدو للحاكمين والنخب عموماً كما لو كان من قبيل تسليم الأمر، أي السياسة، للجهلة والأميين. ولم تعد هناك حاجة حتى للتغطية الظاهرية على قرارات وسياسات جاهزة الصنع لا يطلب من الشعب سوى التصويت عليها. وفي كثير من الحالات تكون نسبة المصوتين في الانتخابات وعدد الأصوات مقررين مسبقاً قبل بدء الاستشارات الشكلية.
وفي هذه الحالة، أعني غياب التغيير وغياب المشاركة وتقادم النظم، ليس من المستغرب أن يكون تاريخنا السياسي للحقبة الحديثة الماضية مسرحاً لتناوب حركات التمرد وعمليات القمع المنظم والاضطهاد، وتعزيز أحدهما للآخر. وهو تناوب يعكس الآفاق المسدودة للتغيير. أما في الوقت الراهن، ونتيجة تلاقي مصالح النخب القائمة والدول الكبرى في حفظ الاستقرار، وتأمين إسرائيل والدفاع عن تفوقها الاستراتيجي وهيمنتها الإقليمية، فقد تجاوز الأمر ذلك وأصبح تاريخنا الحقيقي هو تاريخ التعايش الدائم وفي الزمن الواحد لحركات التمرد وعمليات القهر معاً ودعم أحدهما الآخر.
samedi, août 07, 2010
مرض نقص المناعة العربي
الوطن 7 آب 10
تحت ضغط النكسات العسكرية والسياسية التي شهدتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج د. بوش اضطرت واشنطن إلى نبذ نظرية الحرب الاستباقية وحتمية تغيير النظم العربية، وتبني سياسة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والحوار والشراكة الاقتصادية مع العالم العربي والاسلامي. وهذا ما أعلنه الرئيس الجديد فور توليه الرئاسة.
وأمام هذا التغيير وجدت إسرائيل نفسها في وضع جديد يكاد يجردها من وظيفتها التاريخية كرأس حربة في الحرب غير المعلنة لتطويع المشرق العربي وإخضاعه لأهداف السياسة الغربية. فلا تحتاج السياسة الجديدة التي تهدف إلى درء مخاطر تصاعد النفوذ الايراني ونمو الحركات المتطرفة، إلى دولة متخصصة بتأديب الدول المحيطة ، وإنما إلى إسرائيل جديدة أيضا قادرة على التعاون مع الغرب من أجل الحفاظ على الحد الأدني من الاستقرار المهدد في منطقة حيوية بالنسبة للمجتمعات الصناعية. وربما إلى تعزيز قدرات الدول العربية الحليفة، العسكرية والسياسية لتمكينها، من مواجهة تيارات الاحتجاج والتمرد العاتية، الدينية والإتنية.
لم تعن السياسة الجديدة تغيرا في الموقف من المصالح العربية الأساسية، وإنما التراجع نحو خطوط دفاعية أكثر قدرة على حماية مصالح الغرب الاستراتيجية. وليست خطوط الدفاع الأنجع هذه سوى إعادة تكليف الدول العربية بتحقيق الاستقرار والأمن في بلدانها، أو على الأقل المشاركة فيهما، بعد أن سعت سياسة الرئيس الأمريكي السابق إلى نزع الوكالة عنها، والعمل على تغيير سلوكها والإطاحة ببعضها ، والأخذ بزمام الأمور مباشرة في الإقليم لتأمين الأمن والاستقرار بالتعاون مع إسرائيل وتعزيز دورها العسكري والاستراتيجي.
ولم تعن السياسة الجديدة أيضا التخلي عن إسرائيل أو التضحية بها وإنما دفعها إلى لعب دور أكثر ايجابية، وإخضاع استراتيجيتها التوسعية بشكل أكبر لأجندة السياسة الغربية. مما يتطلب من حكومات إسرائيل التقليل من استعراض القوة ومن اللجوء المتكرر إليها ، وبشكل خاص تجميد مشروعها الاستيطاني الذي أصبح مصدر استفزاز دائم وتقويض لصدقية الحكومات العربية.
باختصار، كانت السياسة الأمريكية والغربية الجديدة تحلم، من خلال العودة إلى التحالف مع النظم العربية القائمة وتقريبها منها، بما في ذلك النظم التي لديها مشاكل معها، في أن تستعيد سيطرتها على المنطقة، بعد زعزعة النظام الإقليمي الذي أقامته في المرحلة السابقة، وكانت قوة اسرائيل وتفوقها ونشاطيتها الحربية ركنه الرئيسي. وهي تامل في أن تنجح في تكوين جبهة عربية متراصة تقف ضد "زعزعة الاستقرار" والصعود الايراني المتواصل. ومن الحتمي ان مثل هذا المشروع لا يمكن تحقيقه مع استمرار تسليط اسرائيل كوكيل أعمال مفوض في المنطقة. وبالمثل، أن إضفاء أي حد من الصدقية على هذه السياسية يتطلب كبح جماح إسرائيل وتحديد حجم أطماعها في التوسع الإقليمي الاستيطاني. وهكذا عادت قضية حل النزاع العربي الاسرائيلي إلى مقدمة المسرح بعد غياب طويل.
للذفاع عن دورها التقليدي، شكلت إسرائيل مع اللوبيات المقربة منها جبهة متراصة وفاعلة لإجبار الرئيس أوباما على التراجع عن أهدافه أو حرمانه من وسائل تحقيقها. وتدل الشروط التي أعلن فيها استئناف مفاوضات التسوية السياسية الفلسطينية الاسرائيلية إلى أن مقاومتها قد ثمرت. واضطر الرئيس اوباما إلى التراجع عن وعوده التي كان قد قدمها للعرب.
بالمقابل تراجعت الجامعة العربية عن شروطها التي أعلنتها على لسان أمينها العام، والتي نصت على أنه لا عودة للمفاوضات من دون وقف الاستيطان والحصول على ضمانات بجدية الدورة الجديدة منها، وقبلت بالتغطية السياسية على دخول الفلسطينيين في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل من دون أي إطار زمني أو سياسي واضح.
كنا نعتقد أن إسرائيل ستجد نفسها أخيرا في مأزق وستضطر للقبول بشروط واشنطن أو على الأقل ببعضها، وأن الموقف العربي كان الأقوى، بسبب الاتفاق العربي، والتردي الكبير الذي حصل لصورة اسرائيل وسمعتها بعد نشر تقرير غولدستون، ثم أكثر من ذلك هجومها على اسطول الحرية المتوجه إلى غزة وانكشاف جريمة حصارها للقطاع للرأي العام العالمي. فما الذي حدث حتى انقلبت الأمور رأسا على عقب، وقبلنا بخسارة الجولة الأولى من المفاوضات، وهي الأهم، لأنها تتعلق بشروط سيرها وإدارتها؟
جميعنا نعرف أن لاسرائيل لوبيا قويا في واشنطن، وأن هذا اللوبي قد عمل المستحيل للي عنق أوباما وثنيه عن قراره بدعم مفاوضات تفضي إلى إقامة دولتين كحل نهائي لما يسمى أزمة الشرق الأوسط. وهناك من يشير إلى أن الجامعة العربية قد تلقت رسائل تطمينية من الرئيس الأمريكي شجعتها على المضي في المفاوضات المباشرة من دون شروط. لكن هناك أيضا إشارات متكررة إلى التهديدات التي تعرض لها الفلسطينيون ومخاطر رفضهم الانصياع إلى مطالب الحكومة الأمريكية ، واحتمال تخلي الإدارة عن دعم الفلسطينيين في هذه المرحلة وتركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم.
كل هذا صحيح لكنه لا يفسر وحده نجاح نتنياهو في ثني الإدارة الأمريكية عن سياستها ؟
الصحيح أيضا أن إسرائيل عملت كل ما بوسعها، لتحويل الموقف الذي كان لغير صالحها، وجر العواصم الدولية في النهاية، وفي مقدمها واشنطن، إلى القبول بشروطها. وليس ما قامت به في واشنطن عن طريق لوبياتها هو الأهم في نظري ولكن ما حاكته من مناورات في المنطقة هددت بزعزعة استقرارها، وكان آخر فصوله ما نشرته صحافتها عن مضمون القرار الظني للمحكمة الدولية، وما أحدثته من ضجيج حول احتمال نشوب حرب في المنطقة أو تجدد الفتنة والحرب الطائفية في لبنان. وقد ابتلع العرب الطعم، فكادت الفتنة تشتعل بالفعل، مما دفع القادة إلى قمة بيروت لتطمين الأطراف القلقة وتهدئتها. وأمام هذا الوضع صار القبول بالتنازل في شروط التفاوض حول التسوية الإقليمية، عند العرب، وربما بالنسبة لإدارة أوباما أيضا، أهون الشرين أمام مخاطر زعزعة الاستقرار الإقليمي الذي كان ولا يزال السلاح الأمضى لاسرائيل. مما يعني أن جوهر الضعف في الموقف العربي هو نقص المناعة الدائم وربما الكامل في المنظومة العربية بأكملها.
mercredi, juillet 28, 2010
في ضعف القوى الديمقراطية العربية
الاتحاد 28 يوليو 10 بعنوان " الديمقراطية والممارسات التمييزية"
يثير ضعف قوى الديمقراطية والتغيير الاجتماعي في البلاد العربية تساؤلات مستمرة حول مصير المجتمعات العربية في ميادين البحث الدولية. وبعد التفاؤل الذي أثارته الفورة الاصلاحية والديمقراطية في مطلع الألفية الثالثة، وساهمت به تقارير التنمية الإنسانية للمنطقة العربية التي عمل عليها مثقفون عرب من كل الأنحاء، تسود منذ سنوات موجة من اليأس والقنوط، وربما التسليم بأن أفق التحول السياسي في العالم العربي يكاد يكون معدوما، وإذا وجد ففي حدود ما يمكن أن يتفضل به نظام تسلطي، يأمل البعض أن يقوده شعوره بالقوة، بعد انهيار مشروع الشرق الأوسط الكبير وفشل الحرب الأمريكية العراقية، إلى التخفيف من قبضته الأمنية وحساسيته المفرطة تجاه التعددية الفكرية والسياسية.
ولعل أبرز النقاط التي تدفع الباحثين إلى الشك بمستقبل التحول السياسي والاصلاح في البلاد العربية الضعف الواضح في قوى التغيير وهشاشة هيكلتها السياسية والفكرية. وكثيرا ما يبالغ هؤلاء في وضع اللوم على المجتمعات العربية نفسها، أو بالأحرى على الثقافة الاسلامية لتفسير ذلك. والحال أن هذه المجتمعات وتلك الثقافة ليست منفصلة عن الأوضاع التي تعيشها هذه المجتمعات ضمن المنظومة الدولية القائمة ، وهي ليست نسخة طبق الأصل عن التراث الذي كان من دون شك بعيدا في قيمه عن قيم الديمقراطية كما نفهمها اليوم، لكنه لم يكن في ذلك مختلفا أبدا عن تراث أي مجتمعات قرسطوية أخرى.
لفهم ضعف قوى الديمقراطية في معركة التحول والتغيير الاجتماعيين من جهة وقوة حركات التمرد الإتنية والطائفية والدينية من جهة ثانية، وتفسير كيف يعيد النظام القائم إنتاج نفسه ويتغلب على الأزمات العميقة التي تهدده، ينبغي التركيز في نظري على مجموعتين من العوامل الموضوعية والكشف عن الترابط والتفاعل فيما بينهما ·
المجموعة الأولى تتعلق بصيرورة المجتمع السياسي نفسه وبتكوين الرأي العام والثقافة الحديثين والنظم السياسية، وهو جزء من التطور التاريخي للمجتمع عموما ، انطلاقا من موارده الخاصة واعتمادا عليها، سواء كانت تراثا ثقافيا أو موقعا جيوستراتيجيا أو موارد طبيعية، أي التراث كما نظرنا إليه نحن الحديثين، لا كما هو بالمطلق، ولا كما نظر إليه أسلافنا· والثانية تتعلق ببنية الدولة وطبيعة عملها كما تكونت في إطار منظومة دولية مندمجة، رغم التناقضات والنزاعات، وعبرها، أي كجزء من نظام عالمي تحكمه مجموعة من القواعد الثابتة نسبيا التي يسعى علماء العلاقات الدولية إلى دراستها واكتناه مضمونها.
تشير العوامل المتعلقة بولادة المجتمع السياسي الحديث وصيرورته إلى الممارسات والأنماط الثقافية والاجتماعية والإدارية والحقوقية التي تبلورت خلال حقبة الانتقال، فأنشأت الاطار العام الذي تتحدد فيه علاقات الناس الجمعية، ونوعية الفاعلين المختلفين وتصوراتهم لأدوارهم ونفسياتهم، واختياراتهم السائدة، والتطلعات الخاصة التي تحركهم ·
وللاختصار يمكن القول أن ما يسم هذه الممارسات القائمة في أغلب البلاد العربية اليوم ويشكل طابعها المميز بالمقارنة مع ما يماثلها في أكثر المجتمعات الديمقراطية هو أنها أعادت ترجمة العلاقة الحديثة بين النخب الاجتماعية والشعب، وما تتضمنه من توزيع متنوع للمسؤوليات وللمهام ومساواة قانونية وأخلاقية معا، على ضوء النموذج التقليدي الذي يفصل بشكل قطعي بين مرتبة الأعيان والوجهاء التي تحظى بكل الحقوق والسلطات ومرتبة العامة المحرومة من أي اعتبار. فتكاد البنيات الطبقية تتحول هنا إلى بنيات أصنافية ثابتة أو طوائف مغلقة على نفسها. فالمكانة الاجتماعية لا تنبع هنا من المسؤولية والكفاءة والاختصاص وإنما من الهوية الاجتماعية. وليس من السهل لمن ولد في طبقة فقيرة أن يخالط المراتب الحاضنة للنبالة والشرف إلا نادرا وكمكافأة على خدمات استثنائية. وحتى عندما تحصل الانقلابات الاجتماعية وتتسلم فئات من أصول دنيا مقاليد الامور فإنها سرعان ما تعيد بناء نمط المراتبية الارستقراطي السابق، وربما بصورة أكثر حدة وقطعية. والنتيجة هي نشوء مجتمع مقتقر للحراك الاجتماعي والتفاعل بين المناطق والطبقات، إلا ما يحصل نتيجة ثورة تقلب المراتبية القائمة وتعيد توزيع الأدوار والمواقع على النمط ذاته لكن بصورة معاكسة. فتحول السادة إلى عبيد والعبيد إلى سادة. وهذا ما يقطع الطريق على صيرورة تكون الأمة الحديثة، بما تعنيه من مساواة بين الأفراد وتكافؤ فرص الوصول إلى مناصب المسؤولية.
يعني الحراك الاجتماعي الذي هو السمة الرئيسية للمجتمع السياسي الحديث (أي القومي) أن الكفاءة هي التي تحدد المكانة الاجتماعية، أو الهوية الطبقية، وبالتالي تفتح مجال الانتقال من المرتبة الأدنى إلى المرتبة الأعلى، وبالعكس، الهوية الطبقية، أو الاعتبار الاجتماعي الناجم من الانتماء إلى مرتبة معينة هو الذي يحدد آفاق ترقي الأفراد واحتمالات تأهيلهم المهني والفني. فبدل الحراك نجد هنا إعادة إنتاج للمراتبية الاجتماعية وإدانة للأفراد بالانخراط في المصير المرسوم لهم بالولادة. وهذا ما يحول دون نشوء ممارسات جماعية واجتماعية حديثة تبرز التفاعل بين النخبة والقاعدة، مما لا يقوم من دون المساواة القانونية والأخلاقية، ومن دون التحقق من اشتغال آلية صعود أبناء الشعب أنفسهم نحو القمة. وبغياب هذا التفاعل الهيكلي الذي يسم المجتمع الحديث ويشكل مصدر تطوره وتقدم القيم المدنية والاجتماعية، يحل التعايش بين الطبقات الثابتة أو الطوائف، وينشأ في موازاة هذا التعايش نمطا من تقسيم العمل الاجتماعي تتطابق فيه المهنة مع الهوية الطائفية.
تبقى العلاقات الاجتماعية في هذا النمط بالضرورة محكومة بمنطق خضوع الأدنى للأعلى ووضع النظام الاجتماعي برمته في خدمة النخب الاجتماعية وإرضاء حاجاتها. ولا ينطبق هذا الأمر على النخب السياسية التي تسعى إلى تعزيز سلطتها وضمان البقاء إلى أطول فترة ممكنة في موقع الحكم·، وإنما بشكل مماثل على النخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. لذلك ليس لأصحاب المناصب العليا في أي ميدان هما وعملا سوى منع الطامحين من الطبقات الأضعف من الصعود وترك مواقعهم "الطبيعية". وأول آليات هذا المنع أو استراتيجياته تشويه صورة الطبقات الشعبية وتصويرها كما لو كانت ذات هوية ثابتة منحطة أو سلبية تليق بالمكانة الاجتماعية الضعيفة والثابتة التي تحتلها ولا تستحق الخروج منها.
وبالمقابل لا تنظر النخب السائدة في هذا النمط من العلاقات الاجتماعية إلى مواقعها المتميزة في النظام الاجتماعي بوصفها ثمرة الكفاءة أو الاحتراف وإنما نتيجة طبيعية لهوية وخصائص جمعية، تميز الطبقة المغلقة أو الطائفة التي تنتمي إليها وتبرر احتكارها لمناصب المسؤولية. وهي تطلب أن ينظر إلى مواقعها باعتبارها حقائق طبيعية شبه بيولوجية ، ثابتة ودائمة، تماما كما أن الشمس والقمر حقائق أو ظواهر قائمة وغير مطروحة للنقاش، ولا يمكن أن توجه إليها أي مساءلة أو اعتراض. وفي مثل هذه الحالة ليس من الطبيعي أن ترفض هذه النخب، أن يطرح سلوكها أو أسلوب عملها وبالأحرى بقاءها في مناصب المسؤولية، على النقاش، وإنما أن تتعرض لأي نوع من المساءلة أو المحاسبة الشعبية. والنخب التي اعتادت استعمال الشعب مطية للوصول إلى أهدافها الخاصة وتكريس تفوقها وسيطرتها الدائمة، لا تستطيع مهما كان خطابها أن تولي أي اعتبار لتنظيم الشعب وتأهيله وتدريبه على المبادرة والمشاركة والعمل العمومي وتحمل المسؤولية.
mercredi, juillet 14, 2010
إسرائيل على خطى الابارتايد
الاتحاد 14 يونيو 10
الصراع الذي يدور الآن في الشرق الأوسط ، والذي تشكل إسرائيل محوره ، لا يتعلق بوجود إسرائيل، ولا بضمان أمنها وسلامتها وازدهارها أيضا. فللا تكف الدول الغربية عن تأكيد ذلك إلى درجة الملل. كما أن اتفاقات التجارة والتعاون العلمي والتقني، والمساعدات والمعونات المالية المنتظمة التي تقدمها لها هذه الدول في الميادين المدنية والعسكرية، لا تترك ادنى شك في ذلك. ما هو موضوع الصراع والنزاع والتفاوض اليوم، في نظر العالم أجمع، وبشكل خاص على مستوى الرأي العام الواسع، هو مكانة إسرائيل ودورها أو بالأحرى وظيفتها في المنطقة.
فقد بدأ عدد متزايد من الحكومات والمنظمات الانسانية الدولية والرأي العام في التعبير عن نفاذ صبره من وضع إسرائيل نفسها فوق القانون، ومن مواصلة سياسات توسعية واستيطانية تهدد حياة السكان الفلسطينيين وتزيد في مأساتهم التاريخية، ومن استسهال الضغط على الزناد وشن الحروب والهجمات الوحشية على القرى والمدن والتجمعات المدنية كلما لاحت لقادة تل أبيب في الأفق ملامح ضغوط خارجية تطلب منهم تعديل موقفهم أو تلطيفه في التعامل مع قضايا الحرب والسلام والتسوية الإقليمية. وآخرها العودة عن تجميد الاستيطان في الضفة والبدء بتنفيذ مشروع هدم 22 منزلا في حي سيوان المقدسي ، بينما لا تزال إسرائيل ترفض القبول بوفد تحقيق دولي في جريمة الهجوم على أسطول الحرية الموجه لفك حصار غزة.
مر دور إسرائيل الإقليمي بحقبتين رئيسيتين. الأولى واكبت نشأتها في المشرق العربي تحت رعاية الامبرطورية البريطانية منذ بداية القرن العشرين. وهو الدور الذي كرسته اتفاقيات سايكس بيكو وكان تجسيدا حيا لها، أعني فصل مصر عن آسيا العربية وقطع الطريق على قيام دولة عربية موحدة على أنقاض الدولة العثمانية في المنطقة الشرق أوسطية، مما يضمن إبقاء المنطقة تحت النفوذ الغربي الكامل، والبريطاني بشكل خاص، ويؤمن، من خلال السيطرة المباشرة على موقعها الجيوستراتيجي الحساس ، استقرار النفوذ البريطاني في مصر والهند، ثم في ما بعد، أي بعد زوال الاحتلال البريطاني للقطرين الكبيرين، السيطرة على منابع الطاقة النفطية الوفيرة، بالإضافة إلى استرضاء الجاليات اليهودية وحشد طاقاتها وراء السياسة البريطانية في النزاعات الأوروبية العنيفة التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين.
لكن حرب السويس عام 1956، بمقدار ما أدت إلى إنهاء نموذج الاستعمار التقليدي البريطاني والفرنسي، وبروز نمط جديد من الهيمنة السياسية والاقتصادية، بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والشركات الصناعية العملاقة، أنهت هذا الدور، إنما لصالح دور أكبر وأقوى. فقد تحولت إسرائيل، في ظل التحالف الجديد من خط دفاع أول عن النفوذ الغربي من خلال احتلال فلسطين نفسها كفعل استعماري أول، والحفاظ على الأوضاع والتوازنات التقليدية، إلى فاعل وشريك رئيسي في مشروع الهيمنة الإمبريالية. فأصبحت سيفا مسلطا على العرب. وتحولت إسرائيل في هذه المرحلة، بالاتفاق مع الغرب والتعاون معه، إلى قاعدة عسكرية أو شبه عسكرية، قائمة في أرض المكان، تمارس الضغط والتهديد والحرب النشطة والمستمرة الرامية إلى إكراه الدول العربية على الالتحاق بالغرب وقبولها العمل ضمن أجندته العالمية، ودفعها نحو الالتزام بالمصالح الاستراتيجية وأحيانا السياسية الأمريكية ، في مواجهة شعوبها المتطلعة إلى الاستقلال والتنمية والتعاون والتكتل.
وعززت الحرب الباردة، التي انعكست في العالم العربي في شكل صراع بين قوى المحافظة القريبة من الغرب أو المراهنة على دعمه، وقوى التحرر والتقدم المتطلعة إلى دعم الاتحاد السوفييتي، وظيفة إسرائيل العدوانية هذه بشكل مضطرد وزادت من أهميتها في الاستراتيجية الغربية.
وفي إطار تحقيق هذه الوظيفة نشط الغرب في إعادة تسليح إسرائيل وتعزيز قدراتها العسكرية الهجومية. ولم يوفر وسيلة لرفع كفاءة قواتها الاستراتيجية وتزويدها بأحدث التقنيات، بما في ذلك التقنية النووية التي كانت من بين الدول القليلة التي حصلت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن تعداد سكانها يتجاوز ثلاثة ملايين نسمة. كما لو يوفر وسيلة من أجل تعزيز نفوذها السياسي والمعنوي في العالم، فساهم في إبراز صورتها كدولة بريئة لأنها دولة ضحايا النازية الأبرياء، وجعل منها، كما أصبح مكرسا في الخطاب الغربي، واحة للتقدم والازدهار والديمقراطية في صحراء التخلف الاقتصادي والتأخر الاجتماعي وسيطرة النظم الأبوية والقبلية العربية.
وقد نجحت إسرائيل في أداء مهمتها التاريخية نجاحا باهرا. وكان انتصارها في معركة تحييد العرب وشل مقاومتهم أكبر مما كانت تتصوره هي نفسها، وأكثر مما كان يتوقعه منها حلفاؤها الغربيون أيضا. فقد رسخت الاحتلال في فلسطين، وثبتت حدود اتفاقيات سايكس بيكو الاستعمارية، وضمنت استقرار الأنظمة القريبة من الغرب، وشتت قوى العالم العربي وحطمتها، وقطعت عليها طريق التحرر والوحدة والتنمية. لقد نجحت في القضاء على أحلام المشرق العربي وآماله جميعا. هكذا يجد العالم العربي نفسه اليوم، بعد اكثر من نصف قرن من المقاومة العنيدة والصراع والنزاع الذي لعبت فيه إسرائيل دورا محوريا لصالح تجديد نظام ا لسيطرة الامبريالية، أي تجريد شعوب المنطقة من استقلالها وضرب إرادتها الحرة وفرض أجندة خارجية عليها، أكثر تمزقا وأكثر فقرا وأكثر عجزا وأقل مبادرة مما كان عليه قبل نصف قرن.
كان نجاح إسرائيل في القيام بوظيفتها الجديدة مثار إعجاب كبير من قبل حلفائها الغربيين بل والعالم أجمع. وحصدت منه الصهيونية نتائج كبيرة. فبعد أن حققت بتحالفها مع الاستعمارية البريطانية بناء دولتها المستقلة، تمكنت بفضل هذا النجاح من أن تعزز موقعها داخل التحالف الغربي، فأصبحت درة هذاالتحالف في المشرق ومحظيته. وكاد أو يكاد تعبير بعض قادة الدول الغربية، على مختلف مستوياتهم، عن حبهم لاسرائيل وتمسحهم بأعتابها ودفاعهم عنها يتفوق على التعبير عن حبهم لبلدانهم وتمسكهم بمصالح شعوبهم. وعن جدارة، ذلك أن إسرائيل أنجزت للغرب، ولنفسها بالطبع، بمهمة لم تكن هناك أي قوة قادرة على القيام بها من خارج المنطقة، مهما علت وعظم شأنها.
وغير هذا النجاح ، الذي جعل من إسرائيل، بفضل المعونات الهائلة والرعاية الغربيتين، القوة الاستراتيجية الأولى في المنطقة، من نظرة إسرائيل والاسرائيليين لأنفسهم وعلاقتهم بمحيطهم، فولدت فكرة إسرائيل الكبرى كمشروع جاهز للتنفيذ، أي مشروع الاستيطان أو الاستعمار الاستيطاني. وانبعث من جديد لدى قادة إسرائيل حلم الصهيونية الأولى في جمع يهود العالم في فلسطين. فصار جلب المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي والحبشة وغيرها، وبناء المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة، محور السياسة الاسرائيلية لعقود. وكانت حرب 1967 فاتحة هذه السياسة الاسرائيلية الجديدة التي أصبح التوسع الإقليمي أو الجغرافي هدفها الأول. ولن تمض سنوات قليلة حتى نشأت إلى جانب إسرائيل 1948 إسرائيل استيطانية جديدة في ضواحي القدس ومدن الضفة والجولان.
لكن هذه الحقبة التي جندت فيها اسرائيل نفسها حصان الرهان الرئيسي للسياسة الغربية في المنطقة انتهت أو تكاد مع زوال الحرب الباردة من جهة، وزعزعة نظام الشرق الأوسط الاستعماري وشبه الاستعماري تحت ضغط التحولات الإقليمية والجمود والفوضى والحرب الدائمة من جهة ثانية، وإخفاق الإدارة الجمهورية السابقة بقيادة جورج دبليو بوش في حربها العالمية ضد الإرهاب التي سعت من خلالها إلى استعادة المبادرة وإعادة بناء نظام السيطرة الاستعمارية في الشرق الأوسط انطلاقا من العراق.
ففي أوج عظمتها وانتصارها، تشعر اسرائيل اليوم بهشاشة الأسس التي تقوم عليها قوتها المستعارة. وتظهر السياسات الغربية الجديدة لما بعد فشل حرب العراق، وأفغانستان، ومن ورائها الحرب على الإرهاب، أن إسرائيل تعيش اليوم ازمة فقدانها وظيفتها الاستراتيجية التي حولتها من أداة في يد الاستعمار البريطاني إلى شريك في التحالف الغربي ضد العالم العربي في الستينات، وجعلت منها بالمناسبة ذاتها محور سياسات الشرق الأوسط لعقود طويلة. وفي سياق ذلك، تدخل إسرائيل أكثر فأكثر في نفق المواجهة غير المنتظرة مع الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية. وهي تشعر اليوم بأنها محاصرة، وأن الغرب الذي مكنها من أن تطبق على الفريسة العربية هو الذي يطلب منها الآن التخلي عنها.
فإسرائيل التي قدمت للغرب خدمة لا تقدر بثمن بتحطميها العالم العربي وإحباط مطامح شعوبه وآمالها، كانت تعتقد أنها ضمنت تماما مشروعها الاستيطاني الرامي إلى ضم الأراضي الفلسطينية والعربية وتهويدها، تحت غطاء مفاوضات سياسية ماراتونية لا تفضي إلى نتيجة، وأن غض الغرب نظره، كما حصل حتى الآن عن حركة الاستيطان الزاحف ليس مسألة مفروغ منها فحسب وإنما هو التزام أخلاقي ورد للجميل. ومن هنا يعيش الرأي الاسرائيلي اليوم حالة إحباط عميق، ويتهم طلب الغربيين وقف الاستيطان أو تجميده، بعد أن صرفوا النظر عنه لعقود طويلة، بالخيانة والنفاق.
لا يرجع الخلاف الناشب اليوم بين الغرب، حكومات ورأيا عاما معا، إلى رغبته في التخلي عنها بعد أن استخدمها لتحقيق أهدافه، كما يعتقد الكثير من المحللين الاسرائيليين، وإنما يرجع إلى تراجع مواقع الغرب نفسه في الشرق الأوسط، على أثر المغامرة المدمرة التي قامت بها واشنطن في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، والتي كان أحد أهدافها الرئيسية أو ربما الأولى حماية إسرائيل وتأمين مستقبلها. وقد أملت تل أبيب أن تخرج منها شريكا شرعيا ومعترفا به لواشنطن في حكم المنطقة وصياغة أجندتها الأمنية والسياسية والاقتصادية.
لكن حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر، واضطرت الولايات المتحدة، تحت ضغط الهزيمة العسكرية والسياسية والأخلاقية غير المعلنة في العراق إلى تغيير سياستها كليا في المنطقة. وهذا ما عبر عنه تصويت الناخب الأمريكي لباراك أوباما وايصاله إلى السلطة، وما سوف يعلن عنه الرئيس الجديد صراحة من رغبة في إعادة بناء العلاقات العربية والاسلامية-الأمريكية على أسس جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والحوار والشراكة الاقتصادية.
ويعتقد الغربيون، أمريكيين واوروبيين، أن هذه السياسة هي الوحيدة القادرة على أنقاذ ما يمكن أنقاذه من المصالح الغربية ومواقع النفوذ، بعد الإخفاق في حرب العراق التي كانت تهدف إلى منع انهيار نظام الشرق الأوسط الغربي، وإعادة السيطرة على المنطقة والتحكم في أجندتها ومصيرها لعقود طويلة قادمة، باسم القضاء على الارهاب والعنف ونشر الديمقراطية واحترام الحقوق الانسانية.
ومن الطبيعي أن يجر انهيار نظام الشرق الأوسط بعد الفشل في إنقاذه، تغيير السياسة الغربية، وفي إطارها أيضا تغيير وظيفة إسرائيل ودورها في هذه السياسة. فلم يعد المطلوب منها في السياسة الجديدة التي تهدف على تطمين الحكومات العربية وتعزيز قدراتها العسكرية والسياسية تجاه تيارات الاحتجاج والتمرد العاتية، إسلامية وشعبية ديمقراطية، أن تكون كلب الحراسة الشرس والمجنون الذي لا يسأل عن احد، كما حصل حتى الآن، وإنما بالعكس تطمين الأنظمة الإقليمية ومراعاة ظروفها. ولا يعني هذا التخلي عن إسرائيل أو التضحية بها وإنما دفعها إلى لعب دور أكثر ايجابية والتقليل من الرهان على قوتها العسكرية وإبراز تفوقها الكاسح على الدول العربية وبالأحرى اعتمادها مفتاح المنطقة الاستراتيجي، أو وكيلا للغرب مطلق الصلاحية في أرض مستعمرة. وبالمثل لا تعني السياسة الجديدة تغيرا في الموقف من المصالح العربية الأساسية، أعني مصالح الشعوب والمجتمعات، وإنما التراجع نحو خطوط دفاعية أكثر نجاعة في الدفاع عما تبقى من مصالح الغرب الاستراتيجية. وليست خطوط الدفاع الأنجع هذه سوى إعادة تجنيد الأنظمة العربية ووضعها على سرج الحصان، وتوكيلها لحفظ الامن، بدل الإطاحة بها أو زعزعة استقرارها كما كان يحلم المحافظون الجدد بهدف اجتياح المنطقة وتوكيل إسرائيل وصية على مصيرها.
باختصار، تحلم السياسة الأمريكية والغربية الجديدة في أن تستعيد جزءا من سيطرتها على المنطقة بعد زعزعة النظام الإقليمي الذي أقامته في المرحلة السابقة، وكانت قوة اسرائيل وتفوقها ونشاطيتها الحربية ركنه الرئيسي، من خلال العودة إلى التحالف مع النظم العربية القائمة وتقريبها منها، بما في ذلك النظم التي لديها مشاكل معها. وهي تامل في أن تنجح في تكوين جبهة متراصة منها تقف ضد الصعود الايراني. ومن الحتمي ان مثل هذا المشروع لا يمكن تحقيقه مع استمرار تسليط اسرائيل ككلب حراسة شرس وقتال في المنطقة، وأن إضفاء أي حد من الصدقية على هذه السياسية يتطلب كبح جماح إسرائيل ووضع حد لأطماعها في التوسع الإقليمي الاستيطاني.
وبالمقابل تسعى اسرائيل من أجل الحفاظ على سياستها القومية المتطرفة ومشروعها الاستيطاني إلى المحافظة على دورها ككلب حراسة شرس ومفيد للغرب والعالم أجمع. من هنا تضخيمها للخطر الايراني وتركيزها على الإرهاب والحركة الاسلامية وحرصها على إظهار تهلهل النظم والحكومات العربية وعدم قدرتها على ضبط الأوضاع.
ويكاد وضع إسرائيل اليوم أن يكون مشابها لوضع جنوب أفريقيا العنصرية قبل انهيار النظام العنصري. فبعد أن كان هذا النظام الحليف الأوثق للغرب في سياسته الاستعمارية القديمة، دخل في تناقض عميق مع الغرب نفسه عندما أصر على الاستقلال بمشروعه العنصري الخاص، ولم يقنجح في إعادة تأهيل نفسه لمواكبة التحولات العميقة التي حصلت في أفريقيا وقادت إلى انهيار النظام الاستعماري القديم وولادة سياسات السيطرة غير المباشرة المراهنة على تجنيد النخب المحلية والتعاون معها وجذبها نحو الغرب، سياسة ومصالح وثقافة معا.
بالتاكيد سيقول الاسرائيليون إنه ليس من العدالة أن يكون ضحايا النازية، كما يحبون تسمية أنفسهم، هم الذين يقدمون التضحية الأكبر لاستعادة نفوذ الغرب في العالم العربي والاسلامي أو وقف انهيار مواقعه ونفوذه. فقد اعتادت خلال العقود الطويلة الماضبة على أن تتقاسم الغنائم لكن ليس الغرائم. بيد أن الوضع لم يعد يسمح
للغرب بمثل هذا الكرم الذي عود إسرائيل عليه. وهو يواجه في الشرق مخاطر ولادة نظام إقليمي جديد قائم على تعاون دول المنطقة وتفاهمها، خاصة بعد الانعطاف العميق المغزى للسياسة التركية في اتجاه الجنوب. مما يجعل حلم الغرب بالابقاء على نموذج سيطرته شبه الاستعماري في المنطقة صعب المنال.
وهو يدرك على كل حال أن إسرائيل ما كانت قادرة على أن تصل إلى ما وصلت إليه من قوة وازدهار وتفوق لولا رعاية الغرب ودعمه. فهل كان من الممكن تصور قيام إسرائيل نفسها والحفاظ على بقائها خارج سياق هذه الاستراتيجية، وهل تستطيع إسرائيل أن تعيش فعلا من دون الغرب أو بالانفصال عنه؟ هذا مالا يحتاج إلى جواب لأن الجواب قدمه قبل ما يقارب العقدين نظام جنوب أفريقيا العنصري نفسه.
فكما ذهب نظام جنوب افريقيا العنصري بسبب رفضه الخروج من شرنقته ومواكبة التحولات الدولية والإقليمية الأفريقية، تبدو إسرائيل اليوم هي الثانية ضحية فصام العظمة التي تعيشه، والذي يقطع صلتها تماما بالواقع، وسعيها إلى تمديد عصر الحرب الباردة والتشبث الأعمى بالحرب العالمية على الإرهاب التي رفعها اليمين الأمريكي المتطرف، وكانت السبب الرئيسي في الإجهاز على نظام السيطرة الغربية في المنطقة.
