dimanche, janvier 03, 2010

وضع العرب أسوأ مما تقوله التقارير الدولية

حوارات مركز الجزيرة للدراسات

3 جنفييه 2010

المحور الأول: العرب وجيرانهم

1. كيف تفسرون الحضور التركي المتنامي في المنطقة، بما في ذلك في الرقعة العربية ؟

غليون:

لأن تركيا اليوم دولة فاعلة. والدولة الفاعلة تجذب غيرها تماما كما يجلب النجاح الشهرة والجاه. وهكذا بعد عزلة طويلة عن محيطها، دفعتها إلى الالتصاق بالكتلة الغربية، قبل أن تتحول إلى حليف استراتيجي لاسرائيل، عادت تركيا إلى بيئتها الجيوسياسية الطبيعية وأخذت تلعب دورا متميزا في شؤونها السياسية والاستراتيجية والاقتصادية.

والسبب الذي جعل منها دولة فاعلة تجذب إليها الدول المحيطة بها أو المحتاجة لمساعدة أو دعم خارجيين، العربية منها وغير العربية، أنها نجحت في حل مشاكلها الداخلية، الثقافية والسياسية، ونجحت في سياستها الاقتصادية. فتركيا تحصد اليوم ثمرة الجهود التي بذلتها في العقدين الماضيين لإرساء أسس الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، الصناعية والتقنية والعلمية، ومن وراء ذلك مصالحة تركيا مع تاريخها وثقافة شعبها وتراثه. هكذا نجحت في تجنب وتجاوز الحرب الأهلية المعلنة أو الكامنة التي عاشتها وتعيشها البلدان العربية، بين الاسلامية والعلمانية والتي تمزق الرأي العام وتشتت النخب الثقافية والسياسية وتحرم المجتمعات من تكوين أي إجماع وطني، أو حتى أغلبية سياسية يمكن من خلالها إقامة نظام سياسي مستقر قائم على أسس ثابتة من الشرعية الدستورية. وهذا ما أنتج أول تجربة سياسية فريدة في المنطقة أمكن فيها لحكومة إسلامية تعبر عن تيار الأغلبية الشعبية أن تستلم الحكم في إطار دولة علمانية، أو مع القبول بحيادية الدولة من الناحية العقدية والفلسفية، ومن دون الصراع معها أو تهديد نظامها. ولم يتحقق ذلك إلا بفضل التنازلات المتبادلة التي قبل بها طرفي الصراع. فقد قبلت النخبة العسكرية التي نصبت نفسها منذ قيام الجمهورية عام 1924 حارسا على السيادة الوطنية إلى التسليم بالأمر الواقع وقبول الشرعية الانتخابية، كما لم يتردد قادة حزب الرفاه الذي اصطدم بالعسكريين، في التراجع عن العديد من مواقفهم، بل في إعادة بناء الحزب الاسلامي على أسس ليبرالية جديدة، وتغيير اسمه للحفاظ على الخيار الديمقراطي والاستمرار في تطبيق برنامج العمل الوطني، بينما نادرا ما تجد بين الاسلاميين العرب إلى اليوم من لا يسخر من الديمقراطية ويسفه العلمانية ويكفر القائلين بها. وليس هناك شك أن وراء هذه التنازلات المشتركة التي عبرت عن نضج النخب التركية يكمن تطور مفهوم المصالح الوطنية التركية، لا من حيث هي تعزيز لوضع النخبة العسكرية وتأكيد هيمنتها، أي لا من حيث هي عنتريات سيادية شكلية ومظهرية، وإنما كبحث عن فرص تحسين شروط حياة الأتراك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ومثلما نجحت تركيا في ايجاد طريقها لتحقيق الديمقراطية وما تعنيه من استقرار سياسي مشجع على المشاركة وبذل الجهد والاستثمار، نجحت أيضا في تحقيق وتائر تنمية صناعية واقتصادية مرتفعة ومنتظمة منذ ما يقارب العقدين. فتحولت إلى قوة إقليمية فعلية، اقتصادية وسياسية، وازنة في بيئتها. ونجحت أخيرا في تلقف الفرصة التاريخية وملء الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي نجم عن إخفاق القوى الإقليمية أو تراجع نفوذها، وفي طليعتها القوى الغربية التي أفقدها تخبطها في حروب العراق وموقفها في فلسطين صدقيتها، وضعف السياسة الخارجية الايرانية وتفكك العالم العربي نتيجة إخفاقه في تحقيق أي شكل من أشكال التكتل الاقتصادي أو السياسي وتشتت شمل دوله وأقطاره ودخولها جميعا في ازمات سياسية واقتصادية وأحيانا شاملة جعلتها تلهي بمشاكلها الداخلية وتعزف عن أي مشاريع عمل إقليمية.

هكذا بمقدار ما تبلور مشروع وطني تركي يتمحور حول السيادة والاستقلال والحفاظ على الديمقراطية وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع حداثة حقيقية، تطورت بموازاته سياسة إقليمية جديدة تهدف إلى خدمته. وبدأت أنقرة التي كانت أعظم حليف إقليمي عسكري وسياسي لاسرائيل خلال عقود طويلة سابقة تشعر بمسؤوليتها تجاه مشاكل المنطقة ونزاعاتها. فناهضت سياسات إدارة بوش العدوانية، واستفادت من علاقتها التقليدية بتل أبيب من أجل فك العزلة السورية والسعي إلى تحقيق تسوية تضمن عودة الجولان المحتل، وعبرت أكثر من مرة عن دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني واستعدادها للعب دور في أي تسوية سياسية. وأدانت الحرب الاسرائيلية الهمجية على غزة عام 2008. ولم يتردد وزير خارجيتها في زيارة غزة ثم في إلغاء أنقرة المناورات العسكرية المشتركة التي كانت تجري، مع الجيش الاسرائيلي، على حدود سورية الشمالية. ولا يترك زعماء تركيا العدالة والتنمية مناسبة من دون أن يظهروا اهتمامهم بمصير منطقتهم وحرصهم على المساعدة في بسط الاستقرار والسلام فيها. وهم يحققون بسبب ذلك مكاسب استراتيجية واقتصادية وسياسية وثقافية متواصلة لا تحلم بها أي من الدول العربية الرئيسية. فتركيا تحصد اليوم ثمار عملها لأنها عملت أولا ولأنها تظهر بالملموس التزامها بمنطقتها ومقدرتها على حمل المسؤولية، أي قبول بعض المخاطر والتضحيات لصالح تحقيق الاستقرار في منطقتها ومحيطها، بينما لا تكف الأقطار العربية عن تمنين بعضها البعض أي جهد تبذله هذه أو تلك لدعم قضية من القضايا القومي

2. في مقابل هذا الصعود المتنامي للدور التركي يلاحظ تراجع مريع في الدور العربي بما في ذلك في مجاله الحيوي، فما السبب في ذلك؟

غليون:

هذه هي النتيجة الطبيعية أيضا لإخفاق العرب في إنجاز المهام الثلاث التي نجحت تركيا في أيجاد حل مناسب لها، ضمن لها الاستقرار والتقدم المضطرد والهامش الكبير من الاستقلال والمبادرة الخارجية. فبينما كانت تركيا تجرب وتطور سياسات جديدة تماما، داخل تركيا وتجاه المنطقة المحيطة بها، العربية وغير العربية، بقيت الأقطار العربية، وبلدانها المركزية في المقدمة، ندور في الحلقة المفرغة ذاتها، وتعجز عن الخروج من المآزق الفكرية والسياسية والاقتصادية التي وضعت نفسها فيها، وتهرب من متطلبات الاصلاح بإغلاق أشد لمنظومات الفكر وللنظم السياسية وللمبادرات الاقتصادية. وبالإضافة إلى الفخ الذي نصبناه لأنفسنا في الخمسينات والستينات حول الهوية القومية والهوية الوطنية والمفاضلة بينهما، وحول نمط الوحدة المطلوبة قومية مركزية أم اتحادات إقليمية، أدخلت النخب العربية المأزومة الرأي العام في فخ الاختيار بين الهوية الاسلامية والهوية العربية أو القطرية، وصار محور جهدنا موجه لتمييز الدولة الاسلامية عن الدولة العلمانية والعكس، أي للمماحكات النظرية والسياسية. ولا تزال النزاعات بين العلمانينن والاسلاميين تفتت، منذ أكثر من ثلاثة عقود، الجمهور العربي وتمنع من قيام أي إجماع وطني، أو أغلبية سياسية تسمح بإقامة نظام سياسي يحظى بالشرعية ويحسم نهائيا أزمة التداول على السلطة، أي الاتفاق على قاعدة واضحة، هي بالضرورة الديمقراطية. ولذلك بقي الحكم عندنا من حظ الأقوى والأكثر مقدرة على الغش والخداع والتفاهم مع القوى الخارجية. ولم يعد حتى الوصول إلى هذه القاعدة هو محور النقاش العربي في الشؤون السياسية وإنما أصبح في الأقطار العربية الجمهورية، والملكية أحيانا، يدور حول أحقية الأبناء في وراثة مناصب أبائهم وكيف يمكن الحيلولة دون تعميم نموذج ما أطلق عليه البعض اسم الجملكية، أي تحويل الجمهوريات إلى ملكيات وراثية. والحال أن نظمنا السياسية بدل أن تتقدم في اتجاه الديمقراطية كما حصل في تركيا تراجعت إلى نمط من السلطة السلطانية أو المملوكية التي لا تعنى لا بموضوع الشرعية ولا بالرد على حاجات تطور المجتمعات السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لقد همشت الدول العربية المركزية التي كان من الممكن أن تلعب دور استقطاب للدول الأصغر نفسها بمقدار ما راوحت في مكانها في القضايا المحورية، من قضية التنمية واستغلال فرص الاندماج الإقليمي، إلى قضية الديمقراطية وبناء إطار قانوني واضح لتداول السلطة وممارستها على جميع الأصعدة، إلى قضية التفاعل الايجابي مع حاجات محيطها وتقديم يد المساعدة للشعوب المنكوبة فيه، وفي مقدمها قضية الاحتلال للاراضي العربية، وتقرير مستقبل الشعب الفلسطيني..

ويكفي في هذا المجال أن نقارن على سبيل المثال بين خيارات السياسة الخارجية التركية، وقد ذكرنا أهمها فوق، وخيارات مصر ما بعد الناصرية، وهي الدولة العربية الأكبر والأم، لنعرف أسباب التفاوت في دور البلدين. وربما كان المفتاح لفهم الفارق الحاسم بين هذه الخيارات موقف كل من البلدين من المساومة على سياسته الإقليمية. فبينما حرصت مصر، لقاء تنازلات مستمرة عن مسؤولياتها الإقليمية، وهذا مطلب رئيسي أمريكي إسرائيلي، وتقوقعها على حدودها ومصالحها القطرية، على ضمان استمرار المعونة المالية الأمريكية التي حصلت عليها ثمن توقيعها اتفاقات كمب ديفيد وفرطها التحالف العربي، وهي لا تتجاوز ملياري دولار، رفض البرلمان التركي عرض الولايات المتحدة مبلغ عشرة مليارات دولار للسماح لها باستخدام أراضيها في حربها ضد العراق عام 2003 ، من دون أن تستطيع واشنطن التأثير على أنقرة أو ثنيها عن قرارها. وكان هذا الرفض تأكيدا لإرادة الاستقلال التركي الذي سيكون رأسمال أنقرة الرئيسي في مبادراتها الإقليمية في السنوات القليلة الماضية التي شهدت تصاعد دورها ونفوذها. لكن حتى عندما رفضت أن تساوم على استقلال قرارها، لم يمنعها هذا الموقف من الاستمرار في طلب الاندماج في الاتحاد الأوروبي والتعامل الايجابي مع الغرب عموما وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. بينما نحن نخضع للأمريكيين والغربيين عموما ونشتمهم في الوقت نفسه فنخسر على الجبهتين. والواقع أن من الصعب فصل خيار أنقرة الاستقلالي والسيادي عن الخيارات الديمقراطية الداخلية للنخبة السياسية التركية على مختلف مشاربها.

ليس هناك إذن أي سر في تراجع دور الدول العربية الرئيسية التي كان يعول عليها لإعادة بناء المنطقة العربية وإدماجها، مثل مصر والسعودية وسورية وغيرها، وانحسار نفوذها جميعا في المنطقة، ما خلا ما تحقق بالقوة والقهر، وفي المقابل تقدم تركيا وتنامي دورها في الشرق الأوسط والعالم العربي خاصة. فمعظم الدول العربية اختارت التفريط بالاستقلال والسيادة للحفاظ على دعم الولايات المتحدة وأوروبة لنظمها ا لسياسية أو لحق أبنائها في توريث السلطة، وأدارت ظهرها للديمقراطية في سبيل تأكيد استقرار خادع تساوي بينه وتخليد الوضع القائم بالقوة، لتنتهي إلى إرساء تقاليد شبه امبرطورية. وبدل العمل على توفير شروط الارتقاء بمستوى حياة السكان الثقافي والعلمي وتحسين شروط معيشتهم وإرساء أسس المجتمع الصناعي الحديث، قبلت النخب السائدة بسيطرة اقتصاد زبوني قائم على الاحتكار والمضاربة وتقاسم المنافع بين أقلية اجتماعية محدودة على حساب سعادة الأغلبية ومستقبل أبنائها، وهو نقيض مشروع الحداثة وعكسه. واختارت أخيرا، دعما لهذا المشروع السلطاني، سياسات سيادية مريضة لا تعني في الواقع سوى الانفصال عن محيطها العربي ورفض تحمل أي مسؤولية في ضمان مستقبل المنطقة ومستقبل أبنائها. ولا يزال التبرؤ من العروبة أو شتمها نغمة سائدة لدى أكثر من نخبة عربية سائدة تريد التنكر لالتزاماتها ومسؤوليتها والتفاهم من وراء ظهر الأقطار الأخرى لتحقيق مصالح آنية. والنتيجة لا تزال الشعوب العربية نعيش في أطر النظم ذاتها التي قامت في الستينات والتي عرفت درجات متفاوتة من الانحطاط والاهتلاك، بينما لم ننجح في تحقيق أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية أو علمية أو تقنية. كل قطر يعيش في أزمة داخلية تمنعه من التفكير في ما وراء مسائل حماية السلطة وتأمين ديمومتها وشحذ شوكتها في مواجهة المخاطر الحاضرة والقادمة معا، ولا أحد يفكر منها بشيء آخر.

3. وما هي نظرتكم للعلاقات العربية الإيرانية؟ وهل إيران صديق يعتمد عليه أم أنها عدو يخشى منه؟

غليون:

ايران دولة أساسية في الشرق الأوسط، تتمتع بموارد مادية ومعنوية كبيرة، وتحظى بنخب سياسية أكثر نضجا والتزاما بالمصالح القومية من نظيراتها العربية. ومن الطبيعي أن تدفع بها الثورة الاسلامية التي وضعتها على طريق الاستقلال عن الهيمنة الأمريكية إلى الطموح إلى لعب دور متزايد في المنطقة. والمشكلة لا تكمن في نظري في وجود أجندة قومية أيرانية ولا في إرادة التوسع والنفوذ التي تحركها نحو البلاد المحيطة، وفي مقدمها نحو البطن الرخو الذي تمثله البلاد العربية التي أصبحت تفتقر إلى عمود فقري بسبب إخفاقها في إقامة أي شكل من أشكال الاتحاد أو التعاون المنتج في ما بينها. فهذا هو الأمر الطبيعي الذي يسم سلوك جميع الدول القومية.

لكن بالرغم من ذلك كان من الممكن أن تكون إيران الاسلامية ظهيرا كبيرا للعرب في مقاومتهم للسياسات الاستعمارية وشبه الاستعمارية ومشاريع الاستيطان والتوسع الصهيونية. إلا أن مواقف ايران التي تصب في صالح العرب قد تحولت إلى وسيلة إضافية لتعميق الانقسام العربي بمقدار ما فشل العرب في فهمها والتعامل الايجابي معها من وجهة نظر عربية. فبسبب افتقار العرب لأجندة قومية أو إقليمية، حتى في مواجهة عدوان الدولة الصهيونية وحروبها، ظهرت السياسة الايرانية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني كما لو كانت وسيلة ضغط كبيرة على بعض الدول العربية اليائسة أو المنسحبة والمنكفئة على نفسها، بينما وجدت دول عربية أخرى في التحالف معها وسيلة لتعزيز موقفها تجاه نظيراتها العربيات وتحديهم والمزاودة عليهم.

باختصار، إن سيطرة الانقسامات والحروب داخل الصف العربي وبين أقطاره وغياب أي أجندة قومية عربية مشتركة، لم يمنعا العرب ققط من الاستفادة من رصيد الدولة الايرانية الذي صب في صالحهم بعد أن كان في حساب الدولة الصهيونية، وإنما حولا هذا الرصيد الايجابي ذاته إلى لغم يفخخ بشكل أكبر العلاقات العربية العربية ويغذي الحروب الدائمة في ما بينها. وليست ايران هي المسؤولة عن ذلك إنما الدول العربية: المعتدلة التي صارت ترى في السياسات الايرانية الجديدة احراجا لها بعد تخليها عن فكرة المواجهة مع إسرائيل ومراهنتها الاستراتيجية على المفاوضات السياسية، والممانعة التي استخدمت الرصيد الايراني لتزيد في أوراق ضغطها على البلاد العربية الاخرى لتحقيق مصالح سياسية ضيقة. وهذا ما عمق الشرخ القائم بين المحاور العربية وأراح إسرائيل وجعلها تتفرغ للقضاء على القضية الفلسطينية ومستقبل شعبها في ظل الحرب العربية العربية التي أصبحت العلاقات مع ايران أحد أهم محاورها وجبهاتها.

هذا يعني لن تصبح ايران وسياساتها المعادية لإسرائيل والغرب رصيدا للقضية الفلسطينية والعربية إلا عندما يتفاهم العرب على أجندة واحدة في القضايا الإقليمية ويكفوا جميعا عن استخدام ايران كفزاعة أو كقوة حليفة، في صراعاتهم الداخلية، الأهلية والمابين عربية.

4. مكانة العرب في الكثير من التقارير المتعلقة بالتنمية الاقتصادية أو البحث العلمي كتقرير التنمية الإنسانية العربية مثلا هي مكانة متدنية إلى أقصى حد فهل تعطي هذه التقارير صورة دقيقة عن الأوضاع العربية أم أنها تميل إلى الانتقاء والمبالغة كما يقول البعض ؟ وإن كان تشخيصها دقيقا فما سبب هذا الفشل العربي؟

غليون:

ليست التقارير مهما بلغت من الدقة تصويرا طبق الأصل للواقع، وليس هذا هو مطلوب منها. إنها تقدم مؤشرات مبنية على وقائع نسبية، لكن صادقة أيضا بمقدار ما يعتمد في رسمها على طرائق الرصد والملاحظة والتحليل العلمية. وفي اعتقادي أن الاتجاهات التي تدل عليها هذا التقارير وتبينها المؤشرات التي استخدمت فيها صحيحة وليست مبالغا فيها. بل انا أعتقد أن وضع العالم العربي أسوأ مما تقوله التقارير، لأن الكثير من التقارير التي تهتم كثيرا بالأرقام الإحصائية تبقى على السطح ولا تستطيع أن تنفذ إلى الديناميكيات العميقة التي تعمل داخل المجتمعات. وفي نظري إن أزمة المجتمعات العربية تتجاوز حاصل جمع الازمات الاقتصادية والسياسية والوطنية والفكرية، وتمتد في العمق إلى الأساس الذي تقوم عليه، أي إلى ما يجمع بين أفرادها ويحولهم من غبار أو ذرات متجاورة إلى عضوية حية ويجعل لهم قلبا وإرادة ووعي يسيرونهم ويوجهونهم ويوحدونهم فيصبح بإمكانهم عندئذ بلورة سياسات ووضع خطط للمستقبل ومواجهة التحديات وحل الأزمات والمشاركة في تقرير مصيرهم. هذه اللحمة او الاسمنت الذي يجمع ذرات الأفراد بعضها إلى بعض ويؤلف منها مجتمعا حيا متضامنا ومتفاعلا وفاعلا، أي منتجا ومبدعا، تكاد تكون اليوم غير موجودة أو هي في طريق الانحلال نهائيا تاركة الأفراد من دون سند ولا رؤية ولا مقدرة على التوجه في الواقع والمستقبل. هذا يعني أن الأزمة سوف تستمر وتتفاقم، ومعها الأرقام والمؤشرات التي لا يستطيع التقرير رصد احتمالات نموها وزيادة سوئها. وأنا لا أعتقد أن هناك حل في الأفق المنظور للفوضى الفكرية والعقيدية التي تعيشها الشعوب العربية، ولا لنظام الحكم والإدارة المبني على القهر والإخضاع ومحو الشخصية، بما تعنيه من وعي وإرادة مستقلين، ولا لتجاوز اقتصاد رأسمالية المضاربة العائلية أو شبه المافيوية وهدر الموارد وتوزيعها على المحاسيب والأقارب، وما ينتجه من تدهور مضطرد في مستوى معيشة السكان وأسلوب حياتهم وقيمهم وأفكارهم وعقائدهم.

وفي اعتقادي أيضا أن السبب الرئيسي لهذا الوضع الذي وصلت إليه المجتمعات العربية هو الانحطاط الرهيب الذي أصاب النخب الاجتماعية، والسائدة منها بشكل خاص، نتيجة عقود طويلة من سياسة العسف وتقييد الحريات والحجر على التفكير وتخريب العقول وحكم الشعوب بالتخويف والإرهاب، وإكراهها على الانكفاء على ما يشبه الأوكار التي حلت محل الأوطان. وهو ما ساهمت فيه قوى متعددة، عربية واجنبية، كان لها ولا يزال مصلحة في تهميش الشعوب العربية وإخماد جذوة تفكيرها وكفاحها، وإعادتها، كما قيل أثناء الحرب الأمريكية العراقية، إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية. وليس ضمان وجود إسرائيل وتوسعها وتأمينها على نفسها ومستقبلها بعيدا عن هذا الذي جرى ولا يزال يجري. وقد حصل ما يشبه ذلك في المرحلة الأولى من تأسيس إسرائيل حيث كان غض النظر عن قيام إسرائيل واستيطانها هو الثمن الرئيس لتكريس النخب في مواقع الحكم وتأمينها على نفسها واستقرارها.

لكن جميع ما ذكرت لا يغير من واقع أن المسؤولية السياسية في استمرار التدهور في شروط حياة المجتمعات العربية ومواقعها الإقليمية والدولية تقع قبل أي فرد آخر على النخب العربية الحاكمة. فهي التي تحافظ على الوضع القائم وتدافع عن إعادة إنتاجه وتقمع أي فكرة أو حركة تهدده أو تسعى لتغييره، ضمانا لمصالحها الخاصة وحماية لها.

5. لقد راهن النظام الرسمي العربي على ما أسماه بإستراتيجية السلام واليوم يقر بأن هذا الخيار قد وصل إلى مأزق على نحو ما صرح بذلك الأمين العام الجامعة العربية مرات عدة، فما هي الخيارات المتاحة أمامه اليوم؟

غليون

هذه هي إحدى التحديات التي يواجهها هذا الذي تسميه نظاما وهو لم يعد كذلك، وإنما أصبح فوضى فالتة، ولا احد فيه يشعر بمسؤولية عن شيء ولا بالتزام بقضية، أعني تحدي غياب أي اختيار آخر. فقد وضعت الحكومات العربية نفسها، منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 الذي قبلت فيه بتقديم تنازلات استراتيجية ومبدئية، وأقرت فيه بأن حرب اكتوبر 1973 هي الحرب الأخيرة مع إسرائيل، ولن يكون هناك حل للنزاع إلا بالمفاوضات، أقول وضعت نفسها في طريق ملغومة، إن لم يكن في فخ، وتركت لإسرائيل الحرية في أن تطبقه عليها. وهو ما لم تتردد هذه في فعله برفضها أي صيغة من صيغ السلام واستمرارها في عملية الاستيطان التي تكاد تقضي على أي أمل بإقامة دولة فلسطينية. ومن ينظر إلى الوراء في تاريخ العقود الماضية يرى حقيقة ما حصل وما سيحصل في المستقبل. فبينما تخلى العرب عن سلاح الحرب، أي في الواقع عن التهديد بالحرب، وهي وسيلة الضغط الوحيدة لتحقيق السلام، لم تكف إسرائيل عن شن الحروب في لبنان وفلسطين وكل قطر يتحدى إرادتها التوسعية. والنتيجة أن إسرائيل استفردت بحق شن الحرب بعد أن ألزمت العرب أو ألزموا أنفسهم بالتخلي عن سلاحهم، وأجبرت العرب على التفاوض من دون سلاح وتحت ضربات سلاح الخصم.

إذن أمام هذا اللانظام، حيث كل يهرب بنفسه وينسحب من المسؤولية، ليس هناك خيارات. كما أن هذا اللانظام لا يبحث عنها أصلا. فهو مسلم بما يحصل ولا يهمه ماذا ستفعل إسرائيل في فلسطين. لقد اسقطها في نظري من الحساب واعتبرها منذ سنوات من جملة الخسائر والمفقودات.

الخيارات لا توجد إلا بتجاوزه والخروج من الحرب العربية البينية والتقدم، كما فعلت البلدان المجاورة، نحو إعادة بناء الوطنية العربية، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من إعادة اعتبار للفرد المواطن، وللدولة وللاقتصاد، ومن إحياء قيم المسؤولية السياسية والمدنية التي لا تقوم من دون احترامها والدفاع عنها جماعة مدنية وسياسية.

المحور الثاني: الدولة والمقاومة

1. يثير الوضع الفلسطيني والحالة اللبنانية كذلك علاقة الدولة بالمقاومة الكثير من التساؤلات حول صلة المقاومة بالمساومة السياسية فهل هناك تناقض بين الأمرين؟ وأيهما الأقدر على القيام بالتزامات القضية الفلسطينية واستحقاقاتها أهو الطرف المقاوم أم الطرف المفاوض?

غليون:

مأساتنا تنبع بالضبط من فصل حركة المقاومة عن بعدها السياسي وعملية المفاوضات السياسة عن المقاومة. فالمقاومة من دون أفق مفتوح للحل، وبالتالي لقبول تسويات ولو مرحلية، وهو ما يضمنه الاستعداد للتفاوض، تصبح من قبيل العبث والاقتتال من دون جدوى ولا نتيجة واضحة أو محتملة. والسياسة أو التفاوض السياسي من دون مقاومة حقيقية واستعداد للتضحية يتحول لا محالة إلى مساومة، ولا يستطيع ان ينتج إلا تنازلات بعد تنازلات. فالفصل بين المقاومة أو قطعها عن السياسة والسياسة المنزوعة من أي مقاومة لا تحرم كليهما من تحقيق أي نتائج فحسب، وهذا ما تعيشه القضية الفلسطينية منذ عقود، وإنما ينقل الحرب من جبهة العدو إلى الجبهة الداخلية. وهذا هو معنى النزاع الراهن والمستديم بين حماس وفتح أو بالاحرى ما يسمى السلطة الفلسطينية.

كلاهما إذن عبث وطريق مسدود. وكلاهما متخلفان عن وعي الشاعر العربي الذي أنشد منذ قرون: الرأي قبل شجاعة الشجعان هو اول ولها المكان الثاني. والرأي يعني هنا السياسة أو الحكمة السياسية، وتعني الشجاعة الاستعداد للتضحية ولو بالنفس. وشعب فلسطين والشعوب العربية غنية بالإثنين معا، لكن ضيق صدرالنخب وقصر نفسها وغياب بعد النظر، والخوف من الفشل واستبدال رد الفعل الآني بالفعل الطويل النفس والمتأني، والبحث عن الانتصارات الرمزية السريعة في إطار الصراع على السلطة ومن أجل البقاء في إطار حصار لا إنساني ومتوحش، كل ذلك أفقدنا جميعا البصيرة وجعلنا نرى ماءا قريبا حيث لا يوجد غير السراب.

2. ما هو الرد المناسب على تكريس الهيمنة الأمريكية في المنطقة وسعيها إلى القضاء على أية مقاومة تقف أو يمكن أن تقف في وجهها، وما هي الخيارات المتاحة امام العرب؟

غليون:

كدت أقول أن الهيمنة الأمريكية قد انتهت، أو هي في طريقها إلى الانتهاء بعد حرب العراق وأفغانستان والازمة المالية الكبرى، لولا أنني خشيت أن يساء فهم هذا الكلام من قبل التفكير البسيط والمبسط. لكن إذا كانت هذه الهيمنة لا تزال موجودة فليس ذلك بسبب ما تتمتع به واشنطن من قوة قهر وردع وإقناع وإنما بسبب الطلب المحلي المتنامي عليها. فقد خسرت الولايات المتحدة معركة الهيمنة العالمية، بخسارتها معركة السيطرة الأحادية على الشرق الأوسط، وقبلت بأن تدخل شريكة للقوى الأخرى في إدارة شؤون المنطقة، بما في ذلك قوى إقليمية محلية. وهي تتخبط في أفغانستان ولا تعرف كيف تنسحب من دون إراقة ماء الوجه من العراق. وكما انها لم تنجح في فرض إرادتها في بلد صغير كلبنان لنزع سلاح حزب الله، فشلت أيضا في حصار بلد فقير وضعيف ومحدود الموارد كسورية. ولم تستطع إدارة بوش المتهورة أن تفعل شيئا أمام رفض البرلمان التركي السماح لقواتها باستخدام الأراضي التركية، بالرغم من أن أنقرة عضو في حلف شمال الأطلسي. وهاهو رئيس الوزراء الاسرائيلي يتحدى الإدارة الامريكية ويرفض الإذعان لضغوطها بشان تجميد الاستيطان، ولا تجد وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، مخرجا لهذا التحدي إلا في لحس تصريحات رئيسها وسحب شرط تجميد المستوطنات. أما في ايران فتجد واشنطن نفسها أمام لا خيار سوى التمديد في المفاوضات أملا في أن تقبل طهران مع الوقت بتسوية في مسالة إنتاج الطاقة النووية.

كل هذا يدل على أن الهيمنة الامريكية في مرحلة أفول وأفول سريع. والمشكلة أنه لا توجد عند العرب قوة، تتحلى بحد أدنى من الصدقية الاستراتيجية والسياسية والأخلاقية، يمكن أن تملأ الفراغ الذي يتركه أفولها. وهذا ما يفسر الصعود المستمر والسريع للنفوذ الايراني ثم التركي في العالم العربي. وما تبقى لواشنطن من هيمنة يرجع الفضل الرئيسي فيه إلى إرادة النخب العربية. فمعظمها حتى لا نقول جميعها تشعر بأن كفالة أمريكا ضرورية لها اليوم أكثر من أي أي شيء آخر لضمان استقرار الأنظمة وأمنها، ولتزويدها، بسبب ما تعاني منه من اهتلاك وإفلاس شاملين، بحد أدنى من الصدقية السياسية والاستراتيجية في مواجهة الدول الصاعدة في المنطقة، وهي ايران وتركيا وإسرائيل. ونتيجة الكساح الذي فرض على نخبها، أصبح دعم الولايات المتحدة أيضا أمل أي معارضة محلية تتعرض لبطش الأنظمة وقهرها.

هكذا صارت هيمنة واشنطن نتيجة أوضاعنا المريضة في البلاد العربية عنصرا أساسيا من عناصر توازن النظام في كل بلد عربي واستقراره. ولو لم توجد حقا لكان على العرب إيجادها، وهم يشترونها بأثمان باهظة أيضا. يكفي لإدراك ذلك مقارنة سلوك تركيا وايران واسرائيل وسلوك حكوماتنا تجاه واشنطن وتجاهنا نحن الشعوب العربية.

والقصد أن المشلكة اليوم ليست في الهيمنة الامريكية وإنما في النظم العربية التي تستدعي هذه الهيمنة وتطلبها، بمقدار ما أصبحت تفتقر، بسبب خياراتها السياسية والاستراتيجية الخاطئة منذ عقود، لأسباب الحياة الطبيعية والشرعية الدستورية. وإذا لم ننجح في معالجة أزمتنا العربية التاريخية، والخروج منها نحو آفاق جديدة، ستكون الفوضى هي الثمرة الوحيدة لإخفاقنا في بناء مجتمعاتنا، ولن يكون للاستقلال نفسه في هذه الحالة ولا للوطنية والقومية أي قمية ومعنى، وستتحول المقاومات والمساومات جميعا إلى استراتيجيات خاصة للصراع على السلطة والموارد في عالم عربي يفتقر لأي رؤية أو مشروع رؤية وطنية

المحور الثالث: العرب والغرب:

1. كيف ترون موازين القوى في المنطقة العربية اليوم بعد مأزق الاحتلال الأمريكي للعراق وبوادر إخفاق مماثل في أفغانستان؟ فهل نحن نشهد مقدمات تراجع دور القوة الأمريكية في الشرق الأوسط؟

غليون:

نعم نحن نشهد ذلك وهذا ما ذكرته للتو. لكن ليس لصالحنا بالضرورة. فتراجع الأمريكيين وانحسار نفوذ الغرب في بلادنا ومنطقتنا يستحث قوى أخرى، من خارج المنطقة وداخلها على ملء الفراغ والحلول محله، طالما أننا غير قادرين، بسبب ما وصفت من أوضاعنا حتى الآن، الاستراتيجية والسياسية والمعنوية، على الارتقاء إلى مستوى القوى الإقليمية المؤثرة، أي طالما لم نبلغ بعد سن الرشد في مواضيع السلطة والسيادة ونتحول إلى فاعل تاريخي. وإذا استمرت أوضاعنا على تدهورها، سوف نتحسر على الهيمنة الامريكية لأن سياسات القوى الصاعدة تجاهنا لن تكون أرحم منها ولا أكثر رأفة بنا واحتراما لمصالحنا.

2. في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما ووعوده والآمال العربية والإسلامية المعلقة على تلك الوعود، هل ترون أن باستطاعة أوباما أن يحقق سبقا لم يصدر عن رئيس أمريكي قبله فيما يتعلق بالسلام العربي الإسرائيلي أم أنها مجرد وعود انتخابية؟

غليون:

كان هذا أملا ضائعا. لقد أظهرت الوقائع أن النظام أقوى من الفرد، وإرادة أوباما لا تستطيع أن تتغلب على عطالة النظام والإدارة الأمريكيين، المتصلين اتصالا عميقا بقوى مؤيدة لإسرائيل وحريصة على أمنها وتوسعها. ونحن العرب لم نساعد أوباما، ولا ساعده الاوروبيون الذين أصبح موقفهم بعد وصول نيقولا سيركوزي للسلطة أكثر تأييدا لاسرائيل من الإدارة الامريكية الجديدة. فلم يقف هؤلاء معه لبناء موقف صارم من حكومة نتنياهو. اما العرب فقد قدموا مبادرتهم العتيدة للسلام وكفى الله المؤمنين القتال. في هذه الحالة لا أرى مبررا كي تكون الإدارة الامريكية ملكية أكثر من الملك. على العرب أولا أن يظهروا استعدادا لتغيير استراتيجيتهم والعودة إلى منطق العلاقات الدولية الطبيعي، أي استخدام القوة او التهديد باستخدامها، وقبول حد ادنى من المخاطر والتضحيات المحتملة، حتى يمكن ثني عزيمة إسرائيل وتحسيسها أن مبادرة السلام خطوة جدية، وأن لرفضها تكلفة على إسرائيل ومن يدعمها من الدول الغربية وغير الغربية أن يقدرها ويتحملها. وإلا فلا يمثل ما نقوم به خطة سلام ولا سياسة ولا استراتيجية.

3. كيف تنظرون إلى الشراكة المتوسطية (الأوروبية –الشرق أوسطية) ولصالح من هذه الشراكة: الأوروبين ومعهم إسرائيل أم لصالح العرب؟

غليون:

ما قلته عن ايران يصلح أيضا لموضوع الشراكة الاوروبية المتوسطية. فأوروبة كايران قوة مجاورة، ولا يمكن لنا أن نتجاهلها ولا يمكنها أن تتجاهلنا، خاصة في عصر الانفتاح العالمي الراهن. ومن الطبيعي أن تكون بيننا علاقات متعددة وأن تتبلور خطط طويلة المدى للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي والسياسي. واتفاقيات الشراكة القائمة لا تصل إلى هذا المستوى الذي نطمح إليه. إنها كناية عن برنامج بسيط للمساعدات الاقتصادية يهدف إلى تحسين علاقات أوروبة بجوارها، وإذا أمكن الحصول على أداة للضغط على هذا الجوار، عندما تتطلب ذلك المصالح الأاوروبية، خاصة في مسائل مثل الهجرة والتعاون الدولي وحقوق الانسان. بيد أن أوروبة تدرك أنها لن تستطيع أن تشتري الدول العربية المتوسطية بمليارات محدودة، ولا أن تربطها بها، وأن لهذه الدول مصالح وإمكانية للتعامل مع تكتلات عالمية أخرى تخطب ودها، كالولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها من الدول الصاعدة. وكان بإمكان مثل هذه المساعدة الاوروبية أن تكون مفيدة لو أصبحت جزءا من مساعدات عالمية متعددة من جهة، وصبت في مجال عربي متفاهم ومتعاون من جهة ثانية وقادر على التصرف كطرف وفاعل دولي مدرك لمسؤولياتها من جهة ثانية. في الوضع العربي المتفسخ الراهن أخشى أن لا تكون حصيلة الشراكة الأوروبية المتوسطية سوى تشجيع الأنظمة على الاستمرار في المنهج السائد، وتأخير زمن استعادة الوعي العربي بضرورة تجاوز الوضعية المأساوية التي خلفتها نزاعات القرن الماضي، وإعطاء أوروبة ورقة ضغط مجانية للمشاركة في صوغ السياسات الإقليمية.

المحور الرابع: العروبة والإسلام

1. ذهبتم في بعض كتاباتكم إلى القول إن العرب اليوم يغتالون فكرة الدولة ويفرغونها من مضمونها، وهو أمر يهددنا بالعودة إلى القرون الوسطى، أو بولادة قرون وسطى جديدة. فلما ذا وصلنا إلى هذا المستوى؟

غليون:

نحن لم نعرف الدولة بالمعنى الحديث للكملة لاننا عشنا قرونا طويلة في ظل سلطنة او خلافة أو إمبرطورية، وهي التي تقدم لنا نموذج الجماعة السياسية. وهو نموذج فقير تقوم السلطة فيه على العنف والشوكة والرهبة وادعاء حماية الدين، وفي الغالب يتم فيه تداول السلطة من خلال الاستيلاء بالقوة العسكرية، حتى عندما يتعلق الأمر بنظم ملكية وراثية بسبب تنازع الأبناء والأحفاد وغياب التقاليد المؤسسية. ولا يساعد مثل هذا النموذج الذي لا يزال مزروعا في المخيال الجمعي عندنا، على تمثل معنى الدولة في العصر الحديث وقيم الاجتماع السياسي الوطني وأهدافه وغاياته. لذلك بدل أن يعمل استنبات النمط الحديث للدولة، بما يعنيه من مركزة السلطة واحتكار العنف وشعبنة السياسة أو تعميمها، على تعزيز فرص انعتاقنا وتحرير أفرادنا وتنمية ملكاتنا السياسية في المشاركة والمناظرة والإنضاج الجماعي للقرارات المتعلقة بالشان العام، أقول بدل ذلك، تحولت الدولة إلى أكبر وسيلة استلاب لنا، وصارت القيد الرئيسي الذي يقف أمام طموحات مجتمعاتنا ونيلها حقوقها وحرياتها. فهي اليوم أداة القهر والتشليح والإذلال الجماعي عندنا، والصراع من حولها يمسخ جميع النشاطات المدنية الاخرى ويفرغها من قيمتها، ويجعل من رجل السلطة، لا من المنتجين والمبدعين والمضحين بعرقهم وجهدهم، الشخصية الرئيسية في حياتنا الفكرية والسياسية والاقتصادية، بمقدار ما يحول هذه الشخصية إلى شخصية أمنية، ويجعل من تطوير وسائل القمع والقهر والإرهاب والتخويف والتعذيب، محور نشاط الدولة ورجالها، حتى صار التحكم بالأفراد وتقييد حرياتهم وإخضاعهم لإرادة خارجية عنهم غاية حكمنا والمضمون الرئيسي لإداراتنا السياسية. ولن نخرج من هذا الوضع الذي هو عودة من نوع جديد لقيم القرون الوسطى حين كانت المجتمعات في خدمة الملوك والسلطان وتحت رحمتهم، وحياة الفرد لا تعني شيئا، وكل فرد يقف عاريا امام رجل السلطة، من دون حماية سياسية أو قانونية، أقول، لن نخرج من هذا الوضع إلا عندما ننجح في السيطرة على هذه الآلة الوحشية، أي عندما نحول الدولة إلى دولة مجتمعها تخضع له وتستمد منه القوة والوجود والشرعية والتوجية السياسي. وليس هناك طريق آخر لتأهيل الدولة وأنسنتها وقومنتها بالفعل سوى استيعاب مفهومها والتحكم بها والاندراج فيها وتغيير برنامج عملها.

لكن حتى يتحقق ذلك ينبغي أن نتحول نحن انفسنا، الخاضعين لتلاعب الدولة الراهنة وقهرها وإرهابها، إلى مجتمع وشعب يتحلى بقيم وأفكار ويخضع في علاقاته فيما بين أعضائه، إلى معايير ثابتة وواضحة، أخلاقية وإنسانية. هذا هو مصيرنا، وهو ايضا محتوى معركتنا الحقيقية للعقود القليلة القادمة.

2. في بعض ما نشر لكم حول الهوية العربية تحللون مفهوما ربما يكون من ابتكاركم وهو "عروبة المستقبل" فهل للقارئ أن يعرف ما ذا تقصدون بهذا المصطلح؟

عروبة المستقبل تعني أنه لا ينبغي علينا أن ننظر إلى مسالة العروبة، من حث هي هوية أو دعوة إلى الوحدة القومية، من منظار الماضي والتراث، وما تركه لنا الأجداد من وشائج قربى ناجزة، وإنما من منظار المستقبل، أي من منظار ما يمكن أن يقدمه لنا القول بهوية عربية ووحدة سياسية جامعة من أدوات ووسائل وأطر تفيدنا في مواجهة تحديات الحاضرالمفتوح وضمان اندراجنا في التاريخ. فهي صحيحة بمقدار ما تساعدنا على العبور نحو المستقبل، وتحقيق حداثتنا المنتظرة، لا بدلالتها على الماضي ولا بما يمكنها أن تقدمه لنا للاحتفاظ بهذا الماضي أو استمرار الوفاء له أو الانتماء إليه. بهذا المعنى لا ينبغي أن ننظر إلى الدعوة العربية على أنها تكريسا لقرابة قائمة، ولا ينبغي أن تكون كذلك. ولا يشكل الاشتراك في التراث مبررا كافيا لتبني أي هوية او وحدة سياسة. بل قد تكون القرابة، من دون مشروع للمستقبل، غير ذات قيمة ولا فائدة، وأحيانا مصدرا للمنازعات الدائمة على الزعامة والمواقع التمثيلية، كما يدل على ذلك واقعنا العربي اليوم. وقد أثبتت التجربة التاريخية، تجربتنا، أن دعوة العروبة القائمة على وحدة الثقافة والتراث لم تشفع لأحد ولا أوصلت العرب إلى أي مكان. بالمقابل يمكن للعروبة أن تكون قاطرة رئيسية لدفع المجتمعات العربية نحو التفاهم والتلاقي والتعاون والطموح إذا كانت دعوة مستقبلية وارتبط تحقيقها بتاكيد قيم ومباديء وقواعد عمل إنسانية مرغوبة ومنشودة، وبالنجاح في الارتقاء بمشاركتنا في تقدم الحضارة وتعزيز حضورنا في التاريخ، تاريخ الأمم والشعوب، والعلم والثقافة والتقنية والصناعة.

3. الواضح اليوم أن الدولة العربية تعاني أزمة مريعة إن على صعيد التنمية أو السياسية والثقافة، فضلا عن الانقسامات العرقية والطائفية التي باتت تعصف بها، فهل هذا ناتج عن فشل دولة التجزئة العربية، وهل هذا يطرح أولوية مشروع الوحدة العربية مجددا؟

غليون:

هذا ناتح كما ذكرت عن فشل الدولة نفسها وإفساد مفهومها وتحويلها إلى أداة للسيطرة الخاصة ولتحقيق مصالح آنية ضيقة أيضا، في كل قطر وعلى صعيد السياسة ما بين القطرية. ولا يرجع هذا الفشل إلى الدولة نفسها أو إلى نموذجها، وإنما إلى الذين استخدموا الدولة وقاموا بتسييرها وإدارتها، أي إلى نخبنا السياسية التي هي جزء من نخبنا الاجتماعية عموما. وفي اعتقادي أننا كنا ولا نزال مستهلكين ومستعجلين على قطف الثمار، ومفتقرين للنظرة التاريخية البعيدة، ولمعاني الحياة السياسية والمسؤولية العمومية. الدولة سيطرت علينا ومسخت مجتمعاتنا بسبب ما ميز هذه المجتمعات من فقر أخلاقي وضعف في الرصيد السياسي والاجتماعي، وبالتالي بسبب الافتقار للنخب القادرة على الارتقاء بسلوكها داخل الدولة إلى مستوى الفعل الأخلاقي والسياسية الوطني وتجاوز إغراءات المصالح الفردية والخصوصية والمحسوبيات البلدية التقليدية. والمثل الشعبي يقول الموس في يد الجبان يجرح.

4. ذهبتم في بعض كتاباتكم إلى أن تاريخنا العربي يشكل ثقلا لا يمكن التحرر منه إلا في حالات الثورات الحماسية الكبرى التي تفجر الوعي الماضي، وتنشئ وعيا جديدا بالفعل. فلماذا علاقتنا بتاريخنا تبدو متأزمة إلى هذا الحد؟ ولماذا هذه الرغبة في تأسيس "القطيعة" مع الماضي؟

غليون:

ليس تاريخنا هو الذي يشكل ثقلا كبيرا علينا وإنما أي تاريخ. التاريخ يحد ذاته عطالة او عامل عطالة، أي تثبيت واستمرار وضمانة لإعادة إنتاج النظم والأوضاع كما كانت. لذلك يحتاج التجديد في النظم والأفكار وأساليب العمل والانتاج إلى قطيعة، أي إلى ابتعاد وانفصال، لهذا الحد أو ذاك، عن النماذج والقيم والأفكار وأساليب العمل الموروثة والشائعة والمتبعة، وإلا لن يكون هناك أي جديد. والتجرؤ على القطيعة مع الماضي تحتاج إلى قوة معنوية وأخلاقية ونفسية كبيرة، ومقدرة على مواجهة المخاطر وتحمل المسؤوليات، ومواجهة روح المحافظة الطبيعية وعدوان المحافظين. ولا تتحقق هذه الإمكانية على مستوى الجماعات إلا في فترات حماس استثنائية، كما يبرز ذلك تاريخ النبوة وتاريخ الفتوح المدهشة التي قادها رجال لم يخرجوا من صحرائهم أو من مدنهم الصحراوية، فصاروا فاتحين متميزين وملوكا معظمين.

لكن القطيعة لا تحصل مع التاريخ ولا ضده وإنما تحصل داخل التاريخ، وتبقى لذلك محتفظة بعناصر أساسية فيه. ففكر الاسلام شكل قطيعة مع فكر الجاهلية، لكنه استخدم الشعوب نفسها والشخصيات نفسها واماكن العبادة نفسها وأعاد تأويلها وتفسيرها وتحميلها بالمعاني والقيم والأفكار والدعوات الجديدة. وفكر النهضة العربية الحديثة مثل قطيعة مع الفكر العربي والإسلامي السائد في القرن التاسع عشر، لكنه لم يقطع مع التاريخ العربي وإنما استعاده في صيغة أخرى. فاكتشف مفكرين وفلاسفة وأدباء كانوا قد نسيوا، وفي مقدمهم ابن خلدون الذي كرس رائدا لعلم الاجتماع العالمي، وابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين الذين عرفوا بمنزعهم العقلي، بالإضافة إلى كتاب ألف ليلة وليلة الذي لن يمل العالم الحديث من ترجمته والتأمل فيه. القطيعة داخل التاريخ لا تعني القطيعة مع التراث ولا مع الماضي، فالماضي يبقى، لكنه يتحول إلى تاريخ ماض نهائيا، أو يدخل في بناء التاريخ الحديث. وقديما قيل من لا قديم له ليس له جديد، والعكس صحيح.

mercredi, décembre 30, 2009

حول غزة ومصر وسياسات العزل العربية

الاتحاد 30 ديسمبر 09

في اليوم الثاني لتوقيع دمشق وأنقرة على اتفاق فتح الحدود بين الطرفين، والسماح لمواطني البلدين بالسفر من دون تأشيرة دخول، تكريسا لمجموعة من الاتفاقات الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين، بادرني بعض الأصدقاء المصريين اثناء مؤتمر علمي كنا نشارك فيه معا في أحد العواصم الخليجية بسؤال : ماذا يجري في الشرق بين سورية وتركيا، وأين تتجه الامور بهذه السرعة؟ وكان من الواضح أن تطور العلاقات السورية التركية يثير تساؤلات كثيرة عند أصدقائي من منطلق شعورهم كمصريين بأن مصر تفقد شيئا فشيئا مركزيتها بالنسبة للبلاد العربية، وبشكل خاص بالنسبة لدمشق التي كانت أكثر المتحمسين في الخمسينات للعلاقات الوثيقة مع القاهرة. حتى ذهب بها الأمر إلى الدخول في وحدة اندماجية معها، شكلت لفترة من الزمن معلما رمزيا كبيرا من معالم طموح العرب إلى تحقيق وحدة عربية لم يكتب لفكرتها النجاح إلى اليوم. قلت ما هو الغريب في الأمر. قال أصدقائي كيف يحصل مثل هذا التفاهم العميق بين بلدين كاد النزاع أن يكون سمة العلاقات الدائمة بينهما منذ انفصال سورية عن السلطنة العثمانية. هل هي العثمانية الجديدة؟ وماذا تسعى دمشق إلى تحقيقه من وراء ذلك؟

قلت للأسف الشديد أن ما أخفقت مصر في الإقدام عليه وتحقيقه في المشرق والعالم العربي يتحقق اليوم على يد تركيا، وهي البلد الذي كان العديد من الباحثين العرب ينظرون إليه منذ سنوات على أنه من بلاد الجوار المعادية. وقد صدرت كتب عربية عديدة بهذا المضمون. والحال أن تركيا استفادت من العقدين الأخيرين وطورت سياسات جديدة تماما، داخل تركيا وتجاه المنطقة المحيطة بها، العربية وغير العربية، بينما بقينا نحن، في مصر وغيرها، ندور في الحلقة المفرغة ذاتها لنقاشات الخمسينات والستينات، ونتبارى في تأكيد أطروحات الماضي أو نفيها. ولا يزال مثقفون مصريون، منذ قيام الناصرية إلى اليوم، يتنازعون في ما بينهم حول عروبة مصر أو مصريتها، وما يترتب على ذلك من تحديد دور مصر في محيطها العربي، ومدى التزامها بالقضايا العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وحدود هذا الالتزام وطبيعته. وما الدور الذي يمكن أن ينتظره في إقليمه بلد صرف جل وقته وجهده السياسي في العقدين الاخيرين في الصراع حول توريث السلطة أو عدم توريثها، بينما انقلب العالم رأسا على عقب. لقد همشت مصر نفسها بمقدار ما راوحت في مكانها في القضايا المحورية، من قضية التنمية واستغلال فرص الاندماج الإقليمي، إلى قضية الديمقراطية وبناء إطار قانوني واضح لتداول السلطة وممارستها على جميع الأصعدة، إلى قضية التفاعل الايجابي مع حاجات محيطها وتقديم يد المساعدة للشعوب المنكوبة فيه، وفي مقدمها قضية الاحتلال للاراضي العربية، وتقرير مستقبل الشعب الفلسطيني..

بالمقابل تطورت مواقف النخب السياسية التركية بسرعة كبيرة. وربما كان قبول مصر المساعدة المالية الأمريكية، ثمن توقيعها اتفاقات كمب ديفيد وفرطها التحالف العربي، ورفض برلمان أنقرة عرض الولايات المتحدة مبلغ عشرة مليارات دولار للسماح لها باستخدام أراضيها في حربها ضد العراق عام 2003 التعبير الواضح عن تباين خيارات تركيا الجديدة ومصر ما بعد الناصرية. فقد كان هذا الرفض مفتاح تأكيد الاستقلال التركي من دون أن يعني هذا الاستقلال قطع العلاقات مع الولايات المتحدة أو معاداة الغرب ورفض التعامل مع الاتحاد الأوروبي أو حتى الانسحاب من حلف شمال الأطلسي، تماما كما كان الحفاظ على المعونة الأمريكية مفتاح فهم العديد من سياسات القاهرة العربية والإقليمية. لكن هذا الخيار الاستقلالي والسيادي الفعلي لم يكن معزولا عن الخيارات الديمقراطية الداخلية للنخبة السياسية التركية على مختلف مشاربها. ففي العقدين الماضيين لم يضطر الجيش التركي الذي نصب نفسه منذ قيام الجمهورية حارسا على السيادة الوطنية إلى التسليم بالأمر الواقع وقبول الشرعية الانتخابية فحسب، وإنما لم يتردد قادة حزب الرفاه الذي اصطدم بالعسكريين، في التراجع عن العديد من مواقفهم، بل في إعادة بناء الحزب الاسلامي على أسس ليبرالية جديدة وتغيير اسمه للحفاظ على الخيار الديمقراطي والاستمرار في تطبيق برنامج العمل الوطني. وليس هناك شك أن وراء هذه التنازلات المشتركة التي عبرت عن نضج النخب التركية يتجلى تطور مفهوم المصالح الوطنية التركية، لا من حيث هي تعزيز لوضع النخبة العسكرية وتأكيد هيمنتها، أي لا من حيث هي عنتريات سيادية شكلية ومظهرية، وإنما كبحث عن فرص تحسين شروط حياة الأتراك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

هكذا بمقدار ما تبلور مشروع وطني تركي يتمحور حول السيادة والاستقلال والحفاظ على الديمقراطية وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع حداثة حقيقية، تطورت بموازاته سياسة إقليمية جديدة تهدف إلى خدمته. وبدأت أنقرة التي كانت أعظم حليف إقليمي عسكري وسياسي لاسرائيل خلال عقود طويلة سابقة تشعر بمسؤوليتها تجاه مشاكل المنطقة ونزاعاتها. فناهضت سياسات إدارة بوش العدوانية، واستفادت من علاقتها التقليدية بتل أبيب من أجل فك العزلة السورية والسعي إلى تحقيق تسوية تضمن عودة الجولان المحتل، وعبرت أكثر من مرة عن دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني واستعدادها للعب دور في أي تسوية سياسية. وأدانت الحرب الاسرائيلية الهمجية على غزة عام 2006. ولم يتردد وزير خارجيتها في زيارة غزة ثم في إلغاء أنقرة المناورات العسكرية المشتركة التي كانت تجري، مع الجيش الاسرائيلي، على حدود سورية الشمالية. ولا يترك زعماء تركيا العدالة والتنمية مناسبة من دون أن يظهروا اهتمامهم بمصير منطقتهم وحرصهم على المساعدة في بسط الاستقرار والسلام فيها. وهم يحققون بسبب ذلك مكاسب استراتيجية واقتصادية وسياسية وثقافية متواصلة لا تحلم بها أي من الدول العربية الرئيسية.ليس هناك إذن أي سر في تقدم تركيا وتنامي دورها في الشرق الأوسط والعالم العربي خاصة، وتراجع دور مصر وانحسار نفوذها في المنطقة نفسها. فمصر ما بعد الناصرية اختارت التفريط بالاستقلال والسيادة للحفاظ على معونة مالية تكاد تتحول إلى معونة رمزية، وأدارت ظهرها للديمقراطية في سبيل تأكيد استقرار أصبحت تربطه أكثر فأكثر بتخليد الوضع القائم وإرساء تقاليد شبه امبرطورية. وبدل العمل على توفير شروط الارتقاء بمستوى حياة السكان الثقافي والعلمي وتحسين شروط معيشتهم وإرساء أسس المجتمع الصناعي الحديث، قبلت النخب السائدة بسيطرة اقتصاد زبوني قائم على الاحتكار والمضاربة وتقاسم المنافع بين أقلية اجتماعية محدودة على حساب سعادة الأغلبية ومستقبل أبنائها، وهو نقيض مشروع الحداثة وعكسه. واختارت أخيرا، دعما لهذا المشروع السلطاني، الانفصال عن محيطها العربي ورفض تحمل أي مسؤولية في ضمان مستقبله ومستقبل أبنائه، ومازال العديد من مثقفيها وقادتها يمننون العرب، بمناسبة ومن دون مناسبة، بما قدموه ويقدموه من "تضحيات" مجانية، على حساب شعب مصر ومصالحه الوطنية. والنتيجة لا تزال مصر تعيش، مثلها مثل معظم الدول العربية، في عقلية الماضي، بينما تخوض تركيا معركة التفكير بالمستقبل والاعداد له.

لا أتذكر أن أحدا من الحاضرين قد شعر بالإساءة أو بالتجني. والجملة الوحيدة التي سمعتها في نهاية حديثي وجهها أحد كبار الباحثين والسياسيين أيضا لزميل جالس بيننا كانت: أسمعت يا سعادة السفير؟

حضرتني هذه الجلسة السريعة مع أشقائي من المثقفين والناشطين المصريين، الذين كانوا معي قلبا وقالبا، بمناسبة قرار الحكومة المصرية الجديد بناء جدار حديدي عازل على حدودها مع غزة، المحاصرة منذ ثلاث سنوات بهدف تجويع أهلها وفرض الاستسلام عليهم، والتسليم بالمطالب الاسرائيلية. وما يضاعف الأسى أن يدافع بعض المسؤولين المصريين عن بناء الجدار بوصفه مسألة سيادة مصرية كما لو أن مشكلته الوحيدة هي نفي تهمة الامتثال لمطالب السياسة الأمريكية والاسرائيلية، أو كأن السيادة مبرر كاف لأعمال تكاد تندرج إن لم تندرج بالفعل في عداد الجرائم ضد الإنسانية.

كيف يمكن لمصر، وهي واسطة عقد العرب، أن تلعب الدور المنتظر منها والمرتجى في محيطها، إذا كان استكمال حصار غزة والتنكيل بشعبها هو محمول السيادة المصرية ومعيارها؟ وكيف يمكن للعرب أن يتجنبوا سيطرة الدول الأجنبية الإقليمية والدولية إذا تبارت أقطارهم في النفور عمدا، كما أنشد امرؤ القيس، إلى الروم، نكاية بجاراتها وأشقائها ناكري الجميل؟ وأي عروبة يمكن أن تقوم على قاعدة الخديعة والأنانية والطفولية؟

يؤكد درس تركيا، وهذه هي الغاية من استذكاره، أن من يريد استقطاب الآخرين من حوله وحيازة موقع شرعي في محيطه، ولعب دور غير ذاك النابع من التهديد والوعيد، ينبغي أن يظهر، داخل بلاده وخارجها، مقدرة على حمل المسؤولية، وقبل ذلك أن يعرف معنى المسؤولية في قيادة المجتمعات وتكوين التحالفات.

lundi, décembre 21, 2009

هوية فرنسا: الاستثمار الانتخابي لليمين!

الاتحاد 21 ديسمبر 09

تبنت الحكومة الفرنسية، بطلب من رئيس الجمهورية ومبادرة من وزير الهجرة، طرح خطة لنقاش مسألة الهوية الوطنية تهدف، كما قال الوزير، إلى تقريب آراء الفرنسيين، بصرف النظر عن أصولهم وميولهم السياسية، في موضوع الهوية الفرنسية، وإلى بلورة برنامج عمل “يرسخ” هذه الهوية و”القيم الجمهورية”، ويعزز افتخار الفرنسيين بانتمائهم للأمة الفرنسية. ويدور النقاش عبر اجتماعات على مستوى محافظات فرنسا الـ96 ودوائرها الـ342، إضافة إلى “محافظات ومقاطعات ما وراء البحار” في منطقتي المحيط الهادي والكاريبي، ويشارك فيها منتخبون ومسؤولون تنفيذيون، وفرنسيون من أصول أجنبية، وقادة جمعيات وتنظيمات نقابية وشركاء قطاع التعليم، وممثلو الديانات وغيرها، بالإضافة إلى الناس العاديين الذين خُصص لهم موقع لوضع تعليقاتهم فيه. ويفترض أن تستمر هذه الحملة التي بدأت في 2 نوفمبر 2009 حتى 31 يناير 2010، وذلك لإتاحة الفرصة لمشاركة أكبر عدد ممكن من الفرنسيين.
وكانت جريدة “لوباريزيان” قد نشرت في بدايات الحملة نتائج استطلاع للرأي تقول إن المبادرة تحظى بـ60 في المئة من أصوات الفرنسيين، و50 في المئة من أنصار اليسار و72 في المئة من أنصار اليمين، ولا يرفضها سوى 35 في المئة من المستجوبين.
ولم ينكر المحللون السياسيون أن إثارة هذه الحملة ترتبط بالاستراتيجية التقليدية لليمين الحاكم الذي اعتاد الضرب على وتر التخويف من المهاجرين لكسب أصوات أقصى اليمين على عتبة الانتخابات المحلية في مارس القادم. من هذه الزاوية لا يختلف هدف الحديث عن الهوية الوطنية الفرنسية اليوم عن هدف الحديث الذي دار سابقاً حول الحجاب في فرنسا ذاتها، أو حالياً حول المآذن في سويسرا. لكن من الواضح أن موضوع الهوية يرفع التوتر إلى مستويات أعلى لأنه يضع المهاجرين أمام معادلة صعبة؛ فمثلا ما هو المطلوب من المسلمين حاملي الجنسية الفرنسية حتى يكونوا فرنسيين؟ وهل هناك درجات في المواطنة الفرنسية بحسب مستوى وقوة التماهي مع الثقافة الفرنسية وقيم الجمهورية؟ هل المطلوب أن يتجرد المتجنسون من أصول أجنبية من شخصيتهم الثقافية، المعنوية والمظهرية، وينحوا نحو الفرنسيين الأصلاء في اعتقاداتهم وتصرفاتهم ولباسهم وأكلهم وشربهم، حتى يحظوا بحماية الدولة وممارسة حقوقهم الأساسية؟ وما هي وضعية أولئك الفرنسيين الذين تركوا المسيحية ليعتنقوا الإسلام، وهم فرنسيون بالأصل؟
ليست هناك هوية خاصة من دون ثقافة خاصة، مهما كان وضع هذه الثقافة. وإذا تم ربط الهوية الفرنسية كليا بالثقافة الفرنسية الأصلية التي هي ثقافة الأغلبية، أو إذا كان شرط المواطنية الفرنسية تطابق الهوية الثقافية لجميع الأفراد مع الثقافة الفرنسية الموروثة… فمن المؤكد أن العرب والأفارقة لن يكونوا فرنسيين، ولن يصبحوا فرنسيين. فهم ظلوا يحملون على مدى ثلاثة أجيال أو أكثر، ثقافتهم العربية والأفريقية، من حيث القيم والأذواق والمشاعر والاعتقادات الدينية. وربما سيستمرون لفترة طويلة غير راغبين في تقمص شخصية الفرنسيين وقيمهم الخاصة. في هذه الحالة يطرح سؤال أساسي: لماذا لم يضع القانون اعتناق الهوية الثقافية الفرنسية كشرط للحصول على الجنسية؟

نقدنا لهذه الحملة ليس دفاعاً عن وضع البرقع أو عن انغلاق بعض المهاجرين على هوياتهم الخاصة، واختيارهم التهميش الذاتي أحيانا، كرد فعل على إنكار وجودهم أو عدم إعارتهم أي اهتمام من قبل الأغلبية الفرنسية… إن هؤلاء يشاركون العنصريين الفرنسيين في حمل المسؤولية عن تهميش جماعاتهم، ويغذون إرادة عزلهم وإخراجهم من الدائرة الوطنية، بوعي أو بدون وعي. ولا شك أن وجود هؤلاء يطرح مشكلة موضوعية على المجتمعات الأوروبية بقدر ما يساهم في تقويض المعايير والقيم التي يستند إليها أي اجتماع سياسي. إن ما نرمي إلى توضيحه هو، أولا أن التشهير بسلوك هؤلاء والخلط المتعمد أو غير المقصود بينهم، وهم أقلية صغيرة، وبين بقية المهاجرين العرب والمسلمين، لا يحل المشكلة بل يفاقمها بمقدار ما يعمل على تحطيم ثقة الجميع بإمكانية الاندماج في المجتمعات الأوروبية. وثانيا أن الهوية لا تُملى على الأفراد والجماعات، ولا يمكن فرضها بأوامر سياسية أو عسكرية أو إدارية، وليست حتى مسألة إقناع فكري أو استنارة عقلية، كما أنها ليست معطاة مرة واحدة وإلى الأبد، بل هي مسارات تاريخية متحولة ومتنامية باستمرار. وبقدر ما يشعر المهاجرون أنهم في وطنهم بالفعل، يتشربون القيم والمبادئ والمعايير التي ترتبط به وبثقافة الأغلبية فيه.
باختصار، يشكل المهاجرون أقلية ثقافية ودينية حقيقية في فرنسا وأوروبا عموما. ولا تساعد سياسات الضغط والإكراه والتشهير على اندماج الأقليات ولا تقريبها من قيم الأغلبية التي تمارس هذه السياسة، بل تدفعها إلى الابتعاد عنها أكثر والوقوف ضدها وربما تحديها ومعارضتها.
وفي أوروبا وغيرها، لا علاج لانعزال الأقليات سوى تطمينها على حقوقها ووجودها، واحترام شخصيتها واعتقاداتها، ومساعدتها على الاندماج في الحياة الوطنية، بما يعنيه ذلك من فرص مفتوحة لارتقاء أفرادها في السلم الاجتماعي ومن مشاركة متزايدة في المسؤوليات العمومية.
ومن المؤكد أن التوتر سيستمر بين الأغلبية والأقلية المهاجرة في جميع الدول الأوروبية، طالما بقيت الفجوة واسعة بين الثقافة الأوروبية القديمة والثقافات الإسلامية والأفريقية الوافدة. لكن لن تضيق هذه الفجوة، لصالح نشوء تسوية بين الثقافتين، إلا عندما يتحقق دمج الوافدين وتمكينهم من المواطنية الفعلية. ففي هذه الحالة وحدها يحصل فرز طبيعي عند الأقليات الوافدة بين ثقافتها الخاصة وثقافتها العامة التي تلتقي مع ثقافة الأغلبية، وتتحول خصوصيتها إلى خصوصية ثقافية غير حاملة لأي مطالب سياسية خاصة. لكن حتى في هذه الحالة لا ينبغي انتظار مطابقة كلية بين ثقافة الأقليات وثقافة الأغلبية لأن مثل هذه المطابقة تعني فعليا محو الشخصية الجماعية، أي محو الأقلية كأقلية دينية أو إثنية.
وهذا الأخير ما تهدف إليه الحملة الفرنسية الراهنة باسم الهوية الوطنية، لذلك فبدل أن تقصر فترة التوتر وتسرّع الاندماج، فهي تهدد بتفجير نزاعات لا ضرورة لها. إنها تهيج مشاعر اليمين المتطرف الذي يحلم بإرجاع التاريخ إلى الوراء، وتصفية الأقليات وطردها، وهذا هو مغزى تساؤل رئيس بلدية فرنسية: لماذا نأوي عشرة ملايين شخص لا يفيدون في شيء؟
ولن يقدم شحن مشاعر الكراهية وتعميق روح العنصرية أي فرصة لتوحيد الأمة الفرنسية ولا لترسيخ هويتها الوطنية، بقدر ما يقوض أخلاقيات شعوب أوروبية هي صاحبة الفضل الأول في نشر أفكار الحرية وحكم القانون والمساواة السياسية والأخلاقية والقانونية بين جميع المواطنين. إن هوية فرنسا الوطنية، كبقية الأمم والشعوب، ليست محفورة في جينات الفرنسيين، لكنها ما يصنعه التاريخ ويحوره عبر التفاعلات الكثيرة، على مستوى انتقال البشر والأفكار والأذواق والسلع والخدمات.
وفي عصر الانفتاح العالمي، تخسر أوروبا كثيرا إذا اعتقدت أن الحل لـ”غزو” الثقافات الأخرى لها، هو في الانغلاق على نفسها والتقوقع حول قيمها وثقافتها الموروثة. وهذا صالح أيضا للعرب والمسلمين أنفسهم، المهاجرين والأنصار على حد سواء. فالهويات جميعا، سواء أردنا ذلك أم لا، مسارات مفتوحة على التاريخ، قابلة للتحول والتنوع والتعدد لأنها صيرورة حية، وتــأويلات رمزية، لا ماهيات ثابتة ولا خصائص أبدية. والهوية الفرنسية اليوم، تنحو إلى أن تكون أكثر فأكثر توليفية، تغتني بالروافد والمساهمات، وتقطع مع التصورات الإثنية البدائية. والذين يريدون بقاءها جامدة، يحكمون على فرنسا بالموت وبخيانة قيمها الجمهورية التي يعلنون الدفاع عنها.

lundi, décembre 14, 2009

إحياء نصاب أهل الذمة في أوروبة

الوطن السعودية 12 ديسمبر 09
صوت الناخبون السويسريون يوم الأحد 29-11-2009 على قانون اقترحه حزب الشعب المسيحي يدعو إلى حظر بناء المآذن، في انتهاك واضح لمبادئ مساواة الدولة بين الأديان واحترام حرية العبادة. وبالرغم من الانتقادات الكثيرة التي وجهت لهذا القانون في أوروبا والعالم، حرك هذا القانون نوازع عميقة في العديد من البلاد الأوروبية للسير في الطريق ذاتها.

وكانت الحكومة الفرنسية قد تبنت في الفترة نفسها تقريبا، بطلب من رئيس الجمهورية ومبادرة من وزير الهجرة إريك بيسون، طرح خطة لنقاش مسألة الهوية الوطنية تهدف كما قال الوزير إلى بلورة اقتراحات تؤدي إلى صوغ برنامج عمل "يرسخ هذه" الهوية و"القيم الجمهورية"، ويعزز افتخار الفرنسيين بانتمائهم للأمة الفرنسية. ومن المفروض أن تعقد اجتماعات على مستوى محافظات فرنسا الـ96 ودوائرها الـ342، إضافة إلى "محافظات ومقاطعات ما وراء البحار" يشارك فيها نواب وأعضاء من مجلس الشيوخ وأعضاء مجالس محلية ووزراء وسياسيون، وفرنسيون من أصول أجنبية، ومنشطو جمعيات وتنظيمات نقابية وشركاء قطاع التعليم، وممثلو الديانات وغيرها، بالإضافة إلى الناس العاديين الذين خصصت لهم الوزارة موقعا لوضع تعليقاتهم فيه.

ما يؤرق قطاعات الرأي العام الأوروبي، الذي يبدو أنه يكتشف مسيحيته بشكل أكبر كلما سعى إلى تأكيد قيمه العقلانية والدفاع عن حداثته العلمانية، هو الحضور المتزايد للإسلام، أناسا ومؤسسات ورموزاً، في الحياة العامة. ويبدو هذا الحضور المتزايد بفعل تطور أوضاع المسلمين أنفسهم واستقرارهم كما لو كان مصدر تهديد للهوية الأوروبية نفسها، ومن ورائها للهوية الوطنية الخاصة بكل قطر من أقطارها. وهذا ما تشير إليه بشكل واضح مبادرة الحكومة الفرنسية الجديدة. والتحدي الذي يواجهه هؤلاء هو كيف يمكن نزع الحجاب عن وجوه المسلمات ووضعه على المسلمين كجماعة، بحيث لا يعود من الممكن رؤيتهم في المشهد العام، بالرغم من وجودهم الذي لم يعد هناك مهرب منه. وحجب الإسلام عن عيون الغربيين يذكر، ويا للمفارقة التاريخية، بنصاب أهل الذمة الذين لم يكن هناك ما يوازي وجود الأقليات القوي فيه، واحتلالهم مناصب ومواقع اقتصادية وعلمية، سوى غيابهم الشكلي، حضورهم، واختفاء معالم حضورهم ورموزهم في الفضاءات العمومية.

والواقع أن من يتحدث في الصراع على الهوية يتحدث عن الصراع على الثقافة، وما تشمله من أنماط تفكير وعيش وسلوك. فليس هناك وجود لهوية من دون ثقافة خاصة مرتبطة بها تغذيها بالقيم والمعايير والمفاهيم والرموز. وكل هوية هي في الأصل هوية ثقافية، وليست الهوية الوطنية سوى تابع لها وأحد مشتقاتها. وهذه الأخيرة لا تعني شيئا آخر إذا فصلت عن الثقافة سوى الجنسية أو التابعية الإدارية كما نقول في لغتنا العربية. ومن الممكن داخل دولة واحدة أن تتعدد الهويات الثقافية، لكن القاسم المشترك الأعظم هو احترام القواعد والمبادئ والقيم الأساسية التي تقوم عليها الحياة السياسية المشتركة. وهذا الاحترام هو المقوم الرئيسي للثقافة الخاصة بالجماعة الوطنية، والتي تجعل منها جماعة وطنية شاملة للجماعات الأهلية. وهي ثقافة لا تتجاوز المبادئ والقواعد والقيم الأساسية.

وفي فرنسا، كما هو الحال في كل الدول والمجتمعات، ثقافات متعددة، تخفي هويات خاصة متعددة أيضا، حتى في دائرة المنتمين لجماعة إثنية واحدة. فللأرستقراطية ثقافتها وللبرجوازية ثقافتها وللطبقة العمالية ثقافتها، وللاشتراكيين ثقافتهم، ولليمين الليبرالي وغير الليبرالي ثقافته أيضا. ولا يمنع وجود هذه الثقافات من تكوين عقد اجتماعي واحد وتنمية حياة مشتركة، ولا يقلل من ذلك وجود التناقضات والتوترات المستمرة بين هذه الهويات جميعا، وأحيانا تفجر الصراعات العنيفة في ما بينها. والسبب في هذا التعايش هو الاعتراف الضمني بأن هناك ما هو عام، أي ما تم التفاهم من حوله كقواعد ضرورية للعيش المشترك، وهناك ما هو خاص، أي ما هو حق في الاختلاف، على مستوى القيم والسلوك والأذواق والاختيارات الشخصية والجمعية. ولا حياة لمجتمع سياسي من دون هذا التمييز الأول بين ثقافة خاصة لا غنى عنها لقيام واستمرار أي هوية جمعية، حزب أو جماعة أو طبقة أو جمعية مدنية أو شخصية حقيقية أو اعتبارية، وهوية عامة تغطي حقل المشترك بين الجميع، وتشكل صلة الوصل بين الجماعات المختلفة، وهي ما نسميه الثقافة الوطنية. والثقافة الوطنية في المجتمعات الديمقراطية هي باختصار ثقافة المواطنة، أي تمثل قيم الحرية والمساواة والأخوة التي تعني حرية الأفراد أيضا في الاختلاف، الثقافي والفكري والإثني، ومساواتهم الأخلاقية والقانونية من وراء هذا الاختلاف، وبالرغم منه، والتزامهم جميعا بالتضامن في ما بينهم في ما يتعلق بالحفاظ على الدولة والنظام الديمقراطي ومصالح البلاد العليا وأمنها واستقرارها. في ما عدا ذلك تشكل حرية الاختلاف وبالتالي وجود هويات خاصة مصدر الشرعية الأول للنظام الديمقراطي.

ينزع اليمين في كل البلدان والمجتمعات إلى المطابقة بين الثقافتين، ثقافة المواطنة التي تتعلق بقيم كبرى تعنى بالشأن العام وتخص حقل المصالح العامة للجماعة ككل، والثقافة الأهلية أو المدنية التي تميز شروط حياة الجماعات وأسلوب تفاعلهم مع بيئتهم الاجتماعية والطبيعية، وتكون شخصيتهم الخاصة. وهو في نزعته هذه لا يعمل في الواقع إلا على تسويد إحدى الثقافات الخاصة، ثقافته هو، وفرضها على الجميع بوصفها ثقافة كونية جامعة. وهدفه غير المعلن الحفاظ على الوضع القائم وتجميد حركة التاريخ. وهذه هي في الحقيقة رسالته الفكرية وأساس وجوده أيضا كتيار محافظ.

بالعكس، تنزع التيارات التحررية التي تعكس أفكار وتطلعات نخب أو جماعات صاعدة تسعى إلى تغيير أوضاعها الدونية والخروج من تحت السيطرة أو الهيمنة الطبقية أو الخارجية، إلى زعزعة الثقافة التقليدية الراسخة، وإضعافها من خلال فصلها عن الثقافة الوطنية، أي العمومية التي تؤسس للاجتماع السياسي والدولة، وإبراز خصوصيتها أو طابعها النسبي والجزئي. وهي في نزعتها هذه تميل إلى فتح مفهوم الثقافة العمومية، وإدخال عناصر جديدة إليها، من ثقافتها الخاصة. هذا ما قامت به الثورة الفرنسية عندما أعلنت الجمهورية وأسست لثقافة المواطنية التي أكدت قيم الحرية والمساواة والأخوة لجميع مواطني البلاد، بصرف النظر عن أصلهم ودينهم وجنسهم ومكان ميلادهم، في مواجهة قيم التراتبية الطبقية والسلطة المطلقة والهيمنة العقائدية للكاثوليكية.

ما تسعى إليه التيارات اليمينية التي تقف من وراء الحملات المتعددة الموجهة ضد الإسلام والمسلمين، هو ردع الجاليات الإسلامية وإجبارها على التستر على وجودها، وعدم التظاهر بما يبرز حضورها المادي أو الرمزي، حفاظا على الوضع القائم، وتحسبا لتزايد دور المسلمين، حتى لو استدعى ذلك التراجع عن القيم الجمهورية والديمقراطية التي بنيت عليها سمعة أوروبا وازدهارها المادي والأدبي معا. وهذا من علامات أزمة الوعي الأوروبي في عالم تقلب العولمة توازناته الراسخة التي كرست لأكثر من ثلاثة قرون الهيمنة الثقافية والسياسية الغربية.

mardi, décembre 08, 2009

في عجز الوساطات عن إطفاء لهيب الحرائق العربية

الجزيرة نت 8 ديسمبر 09

أكثر من أي نزاع من النزاعات العديدة التي تدور على الأرض العربية، شكلت المواجهات العنيفة، وردود الأفعال الأهلية والرسمية المثيرة التي رافقت مباراة مصر الجزائر لكرة القدم، على ملاعب القاهرة ثم الخرطوم (في منتصف نوفمبر تشرين الثاني 2009)، والتي لم تنته ذيولها بعد، صدمة كبيرة لوعي العرب الذين اكتشفوا فجأة الجرف الهائل الذي يقفون على حافته. وبمقدار ما أبرزت الحساسية المفرطة التي أبداها الجمهور هشاشة الاستقرار القائم، وعمق التوترات والإحباطات الدفينة، أظهر العنف المتبادل بين جمهوري الفريقين القابلية السريعة للاشتعال عند فئات واسعة من السكان. وبصرف النظر عن الحيثيات والمسؤوليات، وهي ليست مقتصرة على طرف واحد بالتاكيد، ومن دون البحث في النوايا والمخططات، يؤكد ما حصل على أن المجتمعات العربية تحولت إلى ما يشبه برميل بارود قابل في أي لحظة للاشتعال.

لكن نزاعات كرة القدم، او بالأحرى الحرب الكلامية والدبلوماسية التي فجرتها مباراة مصر الجزائر، وهذا هو الجديد فيها، لا تعبر عن النمط الوحيد للعنف المنتشر في المجتمعات العربية. فهناك أنماط عديدة أخرى مما يطبع العلاقات داخل كل قطر، أي بين أبنائه، وعلى صعيد العلاقات بين الأقطار والشعوب العربية، بطابع عدم الاستقرار وصعوبة التنبؤ أيضا. ومن هذه الأنماط ما يرتبط مباشرة بالسياسة، ويتراوح بين خروج جماعات أو تيارات سياسية على الحكم والنظام، وقهر السلطات والنظم القائمة المعارضات والزج بقادتها وأعضائها في السجون والمعتقلات، من دون أي حماية قانونية او سياسية. وغالبا ما كانت المعارضات ذات الايديولوجية الاسلامية هي الطرف الأكثر انخراطا في هذا الوضع وبالتالي تعرضا أيضا لعواقبه المأساوية، كما حصل في جزائر التسعينات من القرن الماضي ويحصل اليوم على نطاق أضيق في كثير من الأقطار. ومنها العنف الطائفي الذي يتفجر بين أصحاب المذاهب المختلفة ويتخذ أحيانا شكل الحرب الجزئية بل الشاملة أحيانا لجميع أراضي الدولة، كما كان عليه الحال في لبنان والعراق منذ عهد ليس ببعيد، وكما نشهد ولادته اليوم في الحرب اليمنية الخامسة بين السلطة المركزية والحركة الحوثية. ومنها الحروب المرتبطة بنزاعات إتنية أو قومية أو انفصالية، والتي تعكس سوء الإدارة وانسداد النظام السياسي وتصلبه، وطمع النخب الحاكمة في الاحتفاظ بالسلطة، وتخليد سيطرتها عليها بأي ثمن، وما ينجم عن ذلك من تهميش وإذلال وإقصاء، تلقائي أو متعمد، لمجموعات متزايدة من السكان. وقد تفككت العديد من الدول في أتون هذه الحروب، كالصومال، ولا يزال بعضها يقاوم التفكك والتصدع بصعوبة بالغة مثل ما نشاهده في العراق والسودان واليمن. ومنها العنف الديني الموجه من قبل جماعات أو منظمات جهادية وتكفيرية ضد الجماعات أو الأقطار الأخرى، على شاكلة ما تقوم به منظمة القاعدة.

وعلى صعيد النزاعات بين الأقطار، نكاد لا نجد قطرين عربيين متجاورين من دون أن يكون بينهما علاقات توتر وتشاحن تهدد بانتشار العنف في أي لحظة، وقد تستمر لأجيال متعاقبة، كما هو الحال بين المغرب والجزائر، وليبيا وتونس، ومصر والسودان، والأردن وفلسطين، وقطر والسعودية، وسورية والعراق. ولا نبالغ عندما نقول إن من يراقب من بعيد البلاد العربية لا يمكن ألا يلمح كيف أصبح العنف السمة الرئيسية لحياة مجتمعاتها. فلا يكاد نزاع يخمد في جهة حتى يندلع في جهة أخرى.

وكما تتعدد أنماط العنف وأشكاله تتعدد كذلك النظريات التي تسعى لتفسيره. فبينما يؤكد البعض على البنية التعددية، الاتنية والطائفية والثقافية للمجتمعات، يبرز البعض الآخر الخيارات السياسية والايديولوجية التي تبنتها النخب السائدة، وفي مقدمها خيار القومية العربية الذي ساهم في تغذية النزاعات بمقدار ما عمم مفهوما أحاديا للقومية يلغي الجماعات الاخرى تحت رداء هوية عربية واحدة وهمية، ولا يوليها أي اعتبار. وهناك، بالعكس، من يرى في العنف تعبيرا عن ماهية هذه الهوية العربية التي تبدو كما لو انها طبعت بالانقسام والمشاحنة والنزاع، على مبدأ اتفق العرب على أن لا يتفقوا. وهناك من يربط العنف بانحسار قيم الحداثة والعودة المظفرة للتقاليد والأعراف والعصبيات الدينية والمذهبية. وهناك من يركز بشكل أكبر على إخفاق النظم السياسية والنخب الحاكمة في توفير شروط التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي عدم تناسب معدلات النمو البطيء مع تزايد السكان ومطالبهم وحاجاتهم، بالإضافة إلى التفاوت المتزايد في توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء، وبين المناطق المركزية والأطراف. وهذا ما يفسر الإحباطات العميقة التي تعيشها شعوب لم تعرف منذ عقود طويلة أي إنجاز، لا على الصعيد الاقتصادي ولا العلمي ولا التقني ولا السياسي ولا الثقافي. وهناك من يرمي المسؤولية أخيرا على نوع الوطنية السالبة أو السلبية التي طورتها النزعة القومية العربية والموجهة نحو العداء للخارج أكثر مما هي موجهة نحو بناء الذات.

بالتأكيد جميع هذه العوامل تشترك بنسبة أو أخرى في إشعال الحرائق المنتشرة على اتساع البلاد العربية. لكنها لا تفسر، لا منفردة ولا مجتمعة، ما تحظى به من انتشار واسع ومن استمرارية ملفتة. وهذا ما أوحى لبعض المحللين بطرح مفهوم ثقافة العنف ومحاولتهم البحث عنها في النصوص الدينية التي تدعو إلى الجهاد وتربي الأفراد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ا

والصحيح أنه ليس هناك نظرية عامة في العنف، ولا يمكن صوغ أي نظرية من هذا النوع. فللعنف في كل مرة وكل مكان، أي حسب السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، أسباب قد تختلف بين زمن وآخر، ومجتمع وآخر. بل قد يكون انفجار العنف راجع لأسباب متعددة ومتضافرة وليس لسبب واحد وحيد. لكن أهم ما نلاحظه في جميع هذه النزاعات التي أشرنا إليها في مجتمعاتنا هو مركزية الدولة فيها، وتورطها هي ذاتها، ربما أكثر من الجماعات الأهلية والميليشيات الخاصة، في إنتاج العنف وتصديره وتفجيره. فهي موجودة في قلب الصراع المتعدد الأوجه، تغذيه أحيانا، وتستفزه أحيانا أخرى وتتلاعب به أحيانا ثالثة، حسب حاجات الاحتفاظ بالسيطرة القائمة لنخبها ومسؤوليها.

فلا تزال الدولة تشكل، لأسباب متعددة، أهمها سيطرة الاقتصاد الريعي، وضعف وهشاشة الاقتصاد الخاص، وتبعيته للدولة وطلباتها، الفاعل الرئيسي في إعادة تشكيل المجتمعات العربية، سواء من حيث بناء/تفكيك الأمم، أو تحديد أشكال توزيع الموارد والثروة وتقاسم المنافع والخدمات، أو من حيث ترتيب المواقع وفرص التقدم والارتقاء الاجتماعيين. ولذلك تشكل السيطرة عليها، أو حتى النفوذ إلى مصدر القرار العام الذي يرتبط بها ويمثل أولى وظائفها، موضوع منافسة عنيفة وشاملة بين النخب والفئات الاجتماعية الصاعدة جميعها. ويمكن ان تتحول هذه المنافسة بسهولة، وفي أي لحظة، إلى حرب بالمعنى الحرفي للكلمة، عندما يطفح الكيل لدى جماعة من الجماعات التي تشعر، سياسية كانت أم مذهبية أم إتنية، بتمادي الحرمان والإقصاء، أو تعتقد أن هناك ظرفا خارجيا أو داخليا مناسبا لوضع حد لنير ما يكاد يتحول إلى استعمار داخلي بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تسيطر نخبة حاكمة من دون انقطاع على موارد الثروة والسلطة وتخضع الآخرين لأمرتها من دون انقطاع. وبشكل عام، يشكل الصراع على الدولة اليوم محور نزاع المجتمعات العربية الأساسي بمقدار ما تتحكم الدولة فعليا بالموارد والامكانيات وفرص التقدم الاقتصادي والاجتماعي. ويتحول هذا الصراع من تنافس سياسي شديد إلى حروب طاحنة ونزاعات دموية في كل مرة تعتقد الاطراف المظلومة أنه أصبح لديها، لأسباب صحيحة او وهمية، فرصة للانقضاض على السلطة وانتزاعها، وإن لم يمكن ذلك، انتزاع جزء منها، من الفئات التي أحكمت قبضتها عليها وحولتها إلى بقرة حلوب لها ولمواليها وأبنائها فحسب.

في هذه الحالة، أعني بعد هذا التحليل لمصدر النزاعات والعنف المرافق لها، كيف يمكن التفكير في آلية توسطية تساهم في فض النزاعات ووقف العنف، أو على الأقل التخفيف من عنفوانه، وإذا أمكن نزع فتيل النزاعات والانفجارات قبل وقوعها؟

على افتراض أن هناك وسطاء محايدين فعلا في هذا الصراع، وهو افتراض صعب لكن غير مستحيل، ليس من المؤكد أن الأطراف المتنازعة تقبل بسهولة مثل هذه الوساطة، اللهم إلا في الحالات التي تدرك فيها أنها على وشك خسارة الرهان. ثم إنه ليس من البديهي أن تسفر هذه الوساطة عن نتيجة طالما أن موضوع الرهان لا يمس موردا معينا وتفصيلا يمكن التغاضي عنه أو تقاسم فوائده، ولكن سلطة الدولة التي يتحكم من يملك زمامها بجميع الموارد والمناصب والصلاحيات. وهذا ما يفسر تردد الجامعة العربية أو عجزها عن القيام بأي دور، فهي منظمة حكومات من جهة، وأي تدخل يثير خلافات أو يستدعي انقسامات أكثر مما يساهم في تقريب وجهات النظر. وقد توسطت جماعات وقوى إسلامية وعربية عديدة ونافذة لدى بعض الحكومات العربية لإطلاق سراح مثقفين أدينوا في محاكم عرفية، وبأحكام قاسية تصل إلى السجن سنوات طويلة بسبب مواقفهم السياسية، من دون أن يجد الوسطاء أي أذن صاغية. فلأن بنية السلطة أو النظم السياسية هنا شمولية، فأي تنازل في أي ميدان يبدو وكأنه تهديد لها بل بداية تفكك حتمي. والنخب الحاكمة التي تتصرف من منطلق الشعور بأنها في حرب حاسمة للحفاظ على مواقعها، ترفض التفريط بأي أداة من الأدوات التي تعتبرها مفيدة للانتصار في حربها الكلية والشاملة، في الوقت الذي يكاد صبر الجماعات المتعرضة للأذى من جراء هذه السيطرة ينفذ تماما ولا يترك لها اختيار سوى الموت البطيء أو الانتحار في حرب طاحنة لا أمل فيها .

يحتاج درء مخاطر تفجر الحروب والنزاعات المدمرة داخل المجتمعات العربية وفيما بين أقطارها، التي لم تعد بحاجة اليوم لأسباب كبيرة كيما تتفجر، إلى عمل جدي وسريع على محورين. الاول إصلاح الدولة، أي إعادة تأهيلها وتأميمها، أي جعلها مؤسسة عامة ومصلحة عامة، بدل أن تكون أداة للسيطرة الفئوية والمصالح الخاصة. وهذا هو أساس أي إصلاح. وهذا يعني السعي لإقامة حياة سياسية سليمة، يشارك فيها الأفراد كمواطنين على قدم المساواة، وينتفي فيها التمييز من أي شكل كان، ويحصل فيها تداول طبيعي للسلطة، بعيدا عن الانفراد والتسلط، وما يرتبط بهما حتما من سياسات القهر والإقصاء والاستبعاد والإهانة.

والثاني إعلان نهاية الحرب العربية العربية التي بدأت بعد الخمسينات في أعقاب صعود الحركة القومية وقسمت العالم العربي بين تقدميين ورجعيين قبل أن تتخذ اليوم من الممانعين والمعتدلين مصدرا لتجديد أنفاسها. أي بلغة أخرى تطبيع العلاقات العربية العربية، والتخلص من منطق المشاحنات والمزاودات النابعة من التنافس على الزعامة العربية الذي غذته الفترة القومية السابقة، والذي لا يستخدم اليوم إلا للتغطية على الإخفاقات الداخلية ومصادرة السلطة العمومية. وهذا يعني إقامة العلاقات العربية العربية على أسس موضوعية، كعلاقات بين دول عادية، تسعى من خلال التعاون إلى تحقيق هدف واحد هو تحسين شروط حياة مواطنيها من خلال العناية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويجمع بينها برنامج العمل الذي يتفق مع مصالح أطرافها المتبادلة، تماما كما يحصل اليوم بين تركيا والعديد من الأقطار العربية التي لا تجمعها مع أنقرة لا قرابات قومية ولا لغة واحدة.

العمل على المحور الأول لا غنى عنه ولا مهرب منه، إذا أردنا بالفعل الخروج من دوامة العنف الجارف. فهو شرط أساسي لتبريد الأجواء والتنفيس عن الاحتقانات الاجتماعية والسياسية العميقة والنامية. إذ لا ينجم اندلاع النزاعات العنيفة والحروب عن وجود مشاكل فحسب. هي موجودة في كل المجتمعات، ولا تؤدي بالضرورة إلى اشتعال الحرائق والحروب الدموية، ولكنها تحل بوسائل أخرى غير العنف. فحتى يحصل الاحتراق لا تكفي شرارة شاردة، والشرارات موجودة دائما وكذلك الذرائع، إنما لا بد من وجود قابلية للاشتعال، كأن يكون الزرع يابسا كالهشيم يكاد أن يشتعل من دون أن تمسسه نار. وفي هذه الحالة لا يكفي ضبط الشرارات التي تنبع من التوترات العميقة التي تعيشها المجتمعات، ولا أحد يستطيع أن يتوقعها مسبقا. ولا يفيد في منعه أيضا تدخل رجال الإطفاء الذين لا تترك لهم سرعة انتشار النار ولا محركوها غالبا فرصة محاصرة الحرائق في بؤرها قبل أن يشتعل الحقل بأكمله. ولن يفيد تدخلهم عندما يكون الحقل قد احترق أو كاد.

فلا بد من أجل ذلك من ترطيب الهشيم بحيث تهبط حرارة الحقل من جهة ويزيد احتمال مقاومة الشرارات المنفلتة من جهة أخرى. وترطيب الهشيم يعني العودة إلى سقاية المجتمعات التي تحولت إلى هشيم لا روح ولا حياة ولا عاطفة، أي لا مبدأ يحميها من الجفاف والفراغ والبؤس الروحي والمعنوي والسياسي. مجتمعات يتيمة ومنبوذة تعامل كقطعان الماشية والببغاوات، وتتحول إلى موضوع للسخرية والاستهزاء أمام نفسها وفي العالم, والسقاية تعني الاعتراف بها ومعاملتها كبشر، أي احترام وعي أفرادها وإرادتهم، والنظر في وجوههم ومخاطبتهم بأسمائهم كمواطنين، وتحسيسهم بإنسانيتهم، أي احترام حقوقهم أو الاعتراف لهم بحقوق، والاقرار لهم بالمقدرة والاهلية لحمل المسؤولية، بدل سوقهم بالعصى وتسليط أجهزة العنف والميليشيات المسلحة عليهم، كما كان يفعل صغار اقطاعيي القرون الوسطى. ويعني أيضا الكف عن احتقارهم وإذلالهم وإهانتهم والزج بهم، لسبب أو من دون سبب في السجون والمعتقلات، وتشويه سمعتهم والتشهير بهم وتحقيرهم أمام أنفسهم.

والعمل على المحور الثاني ضروري أيضا لتعظيم فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخلق آفاق أرحب للنخب الاجتماعية المختلفة، المسيطرة والخاضعة، للبحث عن وسائل ارتقائها وتقدمها وتحسين شروط حياتها وضمان مستقبلها. من دون ذلك لن يكون هناك أي سبب لتوقف النزاعات وانحسار العنف، بل بالعكس، سيزيد عدد النزاعات العربية العربية، السياسية والوطنية، على حساب النزاعات الإقليمية التي يكاد العرب جميعا يصبحون أولى صحاياها.

ومن هنا، بدل لجان وساطة ليس من المؤكد أنها ستحصد شيئا، ربما كنا بحاجة أكثر إلى هيئة أو جماعة مكونة من أفراد على مستوى عال من النزاهة والتجرد عن المصالح الخاصة، ومن الزهد بالسلطة، ومن الشعور بالمسؤولية العامة، من علماء وأهل رأي ونشطاء مدنيين وأصحاب سوابق في العمل الوطني، تبين للحاكمين والمحكومين طريق الصلاح والعدل ومعايير المصلحة العامة وما يرتبط بها من احترام حقوق الأفراد والتأكيد على الواجبات والمسؤوليات، ودرء مخاطر النزاعات والمشاحنات، والارتقاء بمستوى وعي الشعوب وشروط حياتها.

dimanche, décembre 06, 2009

المجتمعات العربية وآلية إنتاج النخب

20الاتحاد 6 ديسمبر 09r

د. برهان غليون
قلت في مقال سابق إن أي نخبة قائدة، مهما كانت نوعيتها وطريقة تكوينها، ومهما كانت خصوصيتها، أكانت وثيقة الصلة بطبقة سائدة، كما هو قائم في الولايات المتحدة حيث تختلط عناصر النخبة القائدة بطبقة رجال الأعمال وأصحاب المشاريع الاقتصادية الحرة، أو كانت ثمرة تكوين طبقة إدارية وتكنوقراطية خاصة، عبر المدارس والجامعات الحكومية الكبرى وما تقدمه من فرص للحراك الاجتماعي، على نحو ما هو في فرنسا… لا يمكن أن تقوم بدورها وتحتل موقعها القيادي ما لم تنجح أولا في تأكيد استقلالها عن أصحاب الملكية والثروة والمال، وثانيا في استبطان معنى المسؤولية العمومية تجاه الدولة والمجتمع المرتبط بها. ومتى ما ضعف هذان الشرطان، أحدهما أو كلاهما، تراجعت النخبة إلى مستوى الجماعة الخاصة، وتذبذبت شروط ممارسة السلطة وإدارة الدولة أيضاً، . فالاستقلال عن الطبقة المالكة هو شرط تحولها إلى نخبة عامة، قادرة على تجاوز منطق المصالح الخاصة واستيعاب منطق المصالح الوطنية… وهو الذي يمكّنها من أن تمثّل الكلية الاجتماعية، وأن تحقق التواصل بين الأطراف والتنسيق بين المصالح وبث الانسجام والاتساق داخل النسق الاجتماعي بأكمله.
وفي غياب تلك الاستقلالية، وما تؤمنه من مقدرة على التواصل والتنسيق والاتساق بين المصالح والأطراف، تفقد النخب القائدة صفتها العمومية، وتتحول إلى طرف يعمل في صراع مع الأطراف الأخرى للاستحواذ على الموارد والمنافع والامتيازات.
لذلك فإنه حتى في المجتمعات التقليدية، لم يكن من الممكن قيام دولة وسلطة مستقرة وموحدة من دون وجود نخبة متميزة عن أصحاب الامتيازات والإقطاعات، متمتعة بحد كبير من الشعور بالمسؤولية تجاه وحدة النظام واستقرار المجموع. وعلى درجة قوة هذه النخبة السياسية والبيروقراطية واستقرارها وحسن تكوينها، كان يتوقف نفوذ الدولة وقوتها وامتدادها. والمجتمعات التي لم تنجح في تكوين نخب مستقلة نسبيا هي التي عجزت عن الاحتفاظ باستقلالها واضطرت إلى الاندراج في الإمبراطوريات ذات التقاليد البيروقراطية العريقة.
وكما هو واضح الآن، لا يبدو أن في المجتمعات العربية ديناميكية قوية لتكوين نخبة قائدة بالمعنى الفعلي للكلمة. ومع تفكك النخبة السابقة وانهيار شروط تجديدها بانهيار الحلم النهضوي والتحديثي، فقدَ المجتمع أساس التواصل والاتساق داخله وبين أطرافه، ولم تظهر في المقابل نخبة بديلة تحل محلها.
ولا يمكن للحركات الإسلامية التي تنزع إلى حشر الحداثة في قنوات ومصطلحات العقائد والأفكار الدينية أن تنتج مثل هذه النخبة، مثلما أنها لا تستطيع أن تحول الدين إلى بديل عن المصالح الدنيوية. لا توجد اليوم في الظاهر أي طبقة ذات نزوع وطني شامل، ولا أي مشروع دولة وطنية، ولا مقاومة ناجعة تتماشى مع أجندة تاريخية واضحة وقابلة للتحقيق. والفئات الاجتماعية التي تتحكم بالموارد المادية والرمزية، أو تملك حق النفاذ إليها، تتحول -مع غياب أي مشروع عام- إلى مجموعات تتنازع فيما بينها ومع المجتمع على المغانم. ورجال الأعمال، مثلهم مثل التكنوقراطيين والبيروقراطيين الذين يملكون السلطة والمال، يعملون جميعا حسب مبدأ “اضرب واهرب”، من دون اهتمام يذكر بالمستقبل أو بما يمكن تسميته المصالح العامة، أي وحدة النظام العام واتساق حركته وتفاعله وتنمية قدراته الاستيعابية.
ولأن شيئا لا يجمع في العمق بين النخب المختلفة والمتعددة، المثقفة والسياسية والتكنوقراطية والمالية والإدارية وغيرها، لا رؤية مشتركة، ولا أهدافا ولا غايات ولا أساليب عمل واحدة… لا يضمن وحدةَ النظام العام هنا واستمرارَه سوى استخدام القوة العنيفة المادية لفرض الانصياع على النخب نفسها، وصيغة ميكانيكية من القسمة وتوزيع الغنائم حسب الولاءات والانتماءات الخاصة، ونهج ديني في فرض الرأي الواحد. فليس هناك سوى القائد الملهم الذي يمكن أن يعوض، بموهبته وذكائه وحنكته السياسية، عن غياب الرؤية المشتركة والغايات العامة. فتكاد القيادة السياسية والاجتماعية والفكرية والروحية معاً تتطابق مع الزعيم الفرد ولا تخرج عن شخصه.
والقصد أن نشوء نخبة حية ونشيطة ومسؤولة، شرطٌ أساسي لنشوء الدولة وتطور نظام عام سياسي ومدني يحرر المجتمع من العنف والانقسام وعدم الاستقرار.
فالنخبة تعني في النهاية وجود قيادة، بما يتضمنه مفهوم القيادة من رؤية موحدة، ومنظومة معايير تضبط نشاط الأفراد في كل ميادين العمل الجمعي، وأجندة تاريخية تحدد الأولويات وتنظم مسيرة المجتمع ككل. ومتى ما فقدت النخبة السائدة هذه العناصر، والأهلية التي تنتج عنها لقيادة الشعوب، تحولت إلى طبقة خاصة، وكفت عن أن تكون مصدر اتساق الكل الاجتماعي الذي يُخضِع مصالح جميع الأطراف، وفي مقدمها النخبة القائدة نفسها، لمنطق هذا الاتساق. من هنا افتقار مجتمعاتنا إلى قاعدة عمل واضحة في كل ميادين النشاط الجمعي، الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والفني والأدبي معا. فهي غير قادرة على ضبط حركتها والسيطرة على نشاطها وترتيب أوضاعها من ذاتها. وهذا ما يعطي للخارج أيضا موقعه المتميز في تقديم نموذج للتنظيم الداخلي ويفسر تدخل الخارج المستمر في شؤوننا واستيطانه في أذهاننا وعقولنا. وهو ما يفسر أيضا استعدادنا العميق لتلقف إنجازاته. فهو وحده القادر اليوم، في شعورنا العميق نحن أنفسنا، على تزويدنا بمادئ تنظيمنا…
بهذا المعنى أصبحنا أيضا مجتمعات من دون ثقافة، أي من دون معايير وقيم وقواعد عمل، نابعة منا ومستبطنة في وعي أفرادنا. وبالمقابل أصبح داخلنا مسرحا للقوى والعواطف والتطلعات المتناقضة، لا وجود فيه لأي قوة معنوية، أخلاقية أو فكرية، ولا مجال للتفكير أو العمل من منظار القيم أو المبادئ أو الكلية الاجتماعية أو المستقبل. أما النخب الجديدة الصاعدة، فلا تزال، في الكثير من الحالات والدول، مشاريع نخب اجتماعية تقف في وجه تحققها ونضوجها انقسامات وتناقضات، موروثة ومكتسبة، لا يزال من الصعب تصور الكيفية التي سيتم بها التجاوز

lundi, novembre 16, 2009

سقوط جدار برلين من منظور عربي

الوطن 16 نوفمبر 09

في التاسع من تشرين الأول/نوفمبر احتفل العالم الغربي بأكمله بسقوط جدار برلين قبل عشرين عاما بوصفه مؤسسا لحقبة ما بعد الحرب الباردة التي شهدت توحيد القارة الاوروبية ودمج دولها جميعا، بما في ذلك تلك الخارجة من الحقبة السوفييتية، في نظام واحد، أعني في الاتحاد الاوروبي الذي أصبح ينافس اليوم بقوته الاقتصادية العملاق الأمريكي. وكان النظام الشيوعي الألماني قد أشاد الجدار الشهير في 13 اغسطس / آب 1961 لمنع هرب الألمان الناقمين على السلطة الشمولية نحو الغرب، ولتكريس الحدود الجيوسياسية التي نجمت عن اتفاقيات مالطا التي قسمت مناطق النفوذ بعد الحرب العالمية الثانية بين المعسكرين العظميين الخارجين من حرب طاحنة ضد ألمانيا النازية.

وفي جميع المناقشات التي قدر لي متابعتها بهذه المناسبة في التلفزيونات الأوروبية، تركزت الأضواء في شرح مغزى سقوط الجدار على الجانب السياسي، أي على انهيار الشيوعية، فتعاملت وسائل الإعلام الغربية مع الذكرى على أنها عيد الحرية، ليس في أوروبة فحسب ولكن في العالم أجمع. ونظر إلى هدم الجدار وكأنه رمزا لتحرير للشعوب من نير الشيوعية، وغيبت إلى حد كبير مسألة الحرب الباردة التي لم تكن مسؤولية المعسكر الغربي في استمرارها لما يقارب نصف قرن أقل من مسؤولية المعسكر الشيوعي. وحتى عندما تثار مسألة الحرب الباردة التي وضع سقوط الجدار حدا لها، تبرز نزعة قوية عند المحللين الغربيين، وعند الكثير من العرب أيضا للأسف، إلى تعميم نتائج هذا السقوط في أوروبة على العالم أجمع، كما لو أن نهاية الحرب الباردة في أوروبة والغرب عموما قد أنهى الحروب في كل مكان، أو كما لو أن مثال إعادة توحيد هذه القارة يمكن سحبه على جميع البلدان والقارات المقسمة أو المنقسمة على نفسها.

ويسعى البعض إلى استغلال هذه المناسبة لعقد مقارنة بين إرادة التحرر التي مكنت الشعوب الأوروبية من الانتصار على الأسوار وتهديم الجدران والانعتاق من أسر الشيوعية، وعجز الشعوب العربية عن التغيير أو ضعف إرادة التحرر عند أعضائها. كما لو كان المقصود تبرئة الدول الكبرى من نصيبها من المسؤولية عما يحصل في المشرق العربي وتحميل الشعوب، بسبب ثقافتها أو دينها أو تفكك بنياتها، المسؤولية الرئيسية في جمود الأوضاع وغياب فرص التغيير وانعدام الحرية وسيطرة النزاعات المذهبية والعرقية. والحقيقة أن الشعب الألماني، مثله مثل شعوب أوروبة الشرقية الأخرى، لم ينجح في تهديم الأسوار المادية التي كان يمثلها جدار برلين إلا لأن الأسوار المعنوية، أي الكامنة في الأفكار والمعاني، كانت قد سقطت قبل ذلك في الاتحاد السوفييتي نفسه، بعد انكشاف عطالة النظام وعدم نجاعته، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية. لقد سقطت الشيوعية ونظمها في المنافسة الاقتصادية والتقنية والعسكرية كما مثلتها استراتيجية حرب النجوم قبل أن تسقط في الواقع المادي. وهذا هو الذي سمح لمقاومة الشعوب الأوروبية أن تثمر بعد أن بقيت لعهد طويل عقيمة أو عاجزة عن الانجاز في بولونيا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وغيرها في الستينات والسبعينات.

وقد سارت الأمور على عكس ذلك في العالم العربي. فسقوط جدار برلين الذي أعلن نهاية الحرب الباردة في أوروبة والغرب قد فتح حقبة من الحرب الساخنة والباردة في المشرق العربي قوامها تعبئة الرأي العام الغربي والديمقراطي ضد العالم الاسلامي وتشويه صورته ومعتقداته، باسم الحرب العالمية على الارهاب، والخلط غير الأخلاقي بين الاسلام والتطرف والعنف وكره الآخر والعداء للغرب. وسقوط جدار برلين الذي أطلق موجة تحررية جديدة في أوروبة التي كانت لا تزال خاضعة لحكم النظم الشمولية، عزز بالعكس نظم الشرق الأوسط المطلقة وفي مقدمها نظام التفرقة العنصرية في إسرائيل، وأعطى دفعة قوية لإرادة السيطرة والتسلط والاستيطان اليهودي في فلسطين. وهكذا وجدنا جدار التمييز والتفرقة والقطيعة والإقصاء ينتقل من برلين إلى الضفة الغربية وغزة، كما وجدنا الحرب الأمريكية الأطلسية تزرع العنف والفوضى في العراق وتزعزع استقرار شعوب المنطقة وتهز توازناتها الأقليمية. وفي موازاة ذلك وتكملة له، جاءت حروب اسرائيل المتكررة التي هدفت إلى نشر الرعب ولدمار في فلسطين ولبنان وعموم المنطقة.

وسبب ذلك أن نهاية الحرب الباردة التي أعلنت تفكك المعسكر السوفييتي واندثاره قد فتحت شهية الدولة العظمى الوحيدة التي بقيت على وجه المعمورة، وأوحت لها بأن لها رسالة كونية تدعوها إلى عدم الخوف من إعلان قيادتها العالمية والسعي بجميع الوسائل لبسط سيطرتها ونفوذها في العالم والانفراد في كتابة أجندة السياسة الدولية. وهكذا وجد أصحاب نظرية صراع الحضارات والمحافظون الجدد طريقهم بسرعة إلى قلوب الأمريكيين مرورا بالبيت الأبيض نفسه. وكان من الطبيعي أن يكون الشرق الأوسط هو مسرح الحروب الجديدة، الساخنة والباردة معا، وأن تدخل إسرائيل شريكا استراتيجيا في الصراع ضد العرب مع التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة.

في هذه الحروب،حل الاسلام محل المعسكر السوفييتي، ووضعت الديمقراطية وعقيدة الحرية التي يدعيها المعسكر الغربي في مواجهة ما سمي تعصب المسلمين وتطرف الاسلام واستبداده. وعلى هامش هذه المواجهة ستنشأ وتترعرع الجهاديات الاسلامية والغربية معا، ويدخل الشرق الأوسط، والعالم العربي بشكل خاص، في دوامة عنف لم يخرج منها بعد، ولن يخرج منها بسهولة، جعلت من مجتمعاته استثناءا بين المجتمعات وأفقدت ثقة رأيه العام بنفسه ورسخت الاعتقاد بتخلفها وعجزها وبعدها عن المدنية والحضارة.

ليس من المبالغة القول إذن، إن العالم العربي كان الضحية الرئيسية لنهاية الحرب الباردة، لا بسبب فقدانه حليفا مهما ممثلا في الاتحاد السوفييتي كما يعتقد بعض المحلنين لذلك العصر البائد، وإنما لأنه تحول إلى مسرح الصراع الرئيسي على وسائل السيطرة العالمية. وتعرض من جراء ذلك إلى دمار معنوي وثقافي وسياسي واقتصادي لا حدود له زعزع أسس استقرار مجتمعاته وأفقد أبنائه الثقة بجدارتهم ومقدرتهم على الخلاص من المحنة بجهودهم الذاتية وبوسائلهم الخاصة. وهو أسوأ درس يمكن لشعب أن يأخذه من حادث سقوط جدار برلين وما يرمز إليه.