dimanche, septembre 11, 2005

الديمقراطية وأزمة النظم الشمولية في البلاد العربية

مداخلة في ندوة الحريات الديمقراطية في البلاد العربية
عيد الأومانيتيه الفرنسية 11 سبتمبر 2005، حزب اليسار الديمقراطي وحزب الشعب الديمقراطي

تعيش المنطقة العربية ازمة تاريخية شاملة نتيجة إخفاقها عموما في مشاريع تحديثها المختلفة الاشتراكية منها والليبرالية التي طبقت في العقود الخمسة الماضية. وتتجلى هذه الأزمة في توقف عملية التنمية أو تراجع معدلاتها بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين وإفلاس السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتقنية جميعا والتهميش المتزايد للعالم العربي في الساحة العالمية. لكن الوجه الأبرز لهذه الأزمة يمس النظام السياسي الأتوقراطي(الفردي) الذي رعى هذا التحديث في شقيه الأبوي العشائري والبيرقراطي الحزبي معا. وهذا ما يؤكده تدهور شرعية النظام وانهيار الثقة العامة بقدرته على مواجهة التحديات والمشاكل المطروحة على المجتمع وتفاقم الشعور عند السكان بالفراغ السياسي وبالافتقار للقيادة السياسية الحكيمة والقلق على المستقبل وتصاعد التوترات وتفجر النزاعات والحروب الداخلية والإقليمية ونمو تيارات العنف المنفلت في داخل البلاد العربية وخارجها معا. وفي موازاة ذلك تثير مضاعفات هذه الأزمة المتفجرة وإسقاطاتها المحتملة على المصالح الدولية مخاوف الدول الصناعية وتدفعها إلى مضاعفة الضغوط على النظم والتدخل المتزايد في شؤون المنطقة بهدف دفعها نحو التغيير الذي يتفق مع مصالحها أو يحفظها وإحداث تبديل جذري في سلوك الأنظمة المحلية وخياراتها الاستراتيجية.
هكذا يشكل تفاقم أزمة الأنظمة الأتوقراطية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى وتنامي العوامل التي تعمل على تقويضها السمة الرئيسية لأزمة المنطقة العربية في المرحلة الراهنة. ويستقطب الدفاع عنها من قبل أصحاب المصالح والكفاح من أجل تغييرها أو تعديلها جهود الفاعلين الاجتماعيين الرئيسية. وبالرغم من أنها لا تزال قائمة ولا يزال بإمكانها كما تدل على ذلك الأحداث وفي مقدمها ما جرى منذ شباط الماضي في لبنان، أن تضرب بعنف لا مثيل له، فقدت النظم الاستبدادية العربية الكثير من مقومات استقرارها واستمرارها وهي تواجه عاصفة مزدوجة تكاد تطيح بها تجمع بين احتجاجات القوى الداخلية الصاعدة والمتنامية للمجتمعات المدنية واعتراضات القوى الدولية التي تعتقد أن هذا النمط من الأنظمة الشمولية التي راهنت عليه في مرحلة سابقة للحفاظ على نوع من الاستقرار، بل تثبيت الجبهات في حقبة الحرب الباردة، لم يعد ينفع في حقبة العولمة. وهكذا لم تتردد هذه القوى الدولية في الإعلان عن وقف الدعم لهذه الأنظمة وعن رغبتها في دفعها نحو الانفتاح الاقتصادي والسياسي الذي يشكل الشرط الضروري لإدراجها في السوق العالمية الجديدة ومن وراء ذلك ضمان حد أدنى من التواصل مع شعوبها وضبط حركتها واتقاء شر التدهور المتزايد وما ينجم عنه من انفجارات عنيفة في أكثر بلدانها.

يعني هذا أن السؤال المطروح اليوم لايتعلق بمصير النظم التسلطية العربية القائمة. فهو قد حسم نهائيا في نظري مع تبدل الشروط الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والأيديولوجية التي كانت في أساس نشوئه واستمراره. إن ما هو مطروح يتعلق في معرفة المخرج المحتمل لأزمة هذا النظام التسلطي العربي. هل سيأتي انهيار النظام القائم لصالح نظم تعددية تعكس الالتزام بمباديء الديمقراطية الأساسية وتستمد شرعيتها من المشاركة الشعبية الحقيقية أم سيكون هذا الانهيار فاتحة لحقبة جديدة من الفوضى والاضطراب وعدم الاستقرار والحروب الداخلية المتعددة؟
من الواضح من هذا السؤال أن المخرج الديمقراطي ليس هو المخرج الوحيد المنتظر بالضرورة لانهيار نظم التسلطية أو تفككها. وما حصل في العراق وما يحصل في العديد من البلدان العربية الأخرى يدل على أن الديمقراطية ليست بالضرورة المخرج الأكثر احتمالا. وأنه إلى جانب مخرج الفوضى والحروب الأهلية هناك أيضا مخرجا ثالثا هو التعفن والتفسخ المتزايد لنظام لا يعرف كيف ينتهي ولا كيف يصلح، كما هو الحال في الكثير من البلاد العربية اليوم، بالرغم من أن تعفن النظام مع بقائه لا يمكن أن يشكل مخرجا مستقلا بقدر ما هو تعبير عن استمرار الأزمة بسبب تضارب العوامل والمصالح الداخلية والخارجية.

يقوم الرهان على المخرج الديمقراطي للأزمة على ثلاثة عوامل أساسية.
1
) تحول البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية في سياق إعادة بناء عالم ما بعد الحرب الباردة، مع تنامي الشعور لدى الدول والجماعات بتزايد التأثيرات المتبادلة والتفاعل داخل ما أصبح يظهر أكثر فأكثر كنظام عالمي يعمل بمثابة قرية كونية واحدة. فكما أن المكتسبات المادية والتقنية والفكرية تنتقل من بلد إلى آخر بسرعة وأحيانا على الفور كذلك الأمر بالنسبة للمخاطر. باختصار في عالم مفتوح بعضه على البعض الآخر لا يمكن السماح بنظم مغلقة ولا بتطبيق معايير سياسية متناقضة، حتى لو حصل ذلك على يد دول كبرى. وهذا ما يدفع بشكل متزايد في اتجاه مجانسة أعمق للنظم والقيم والمعايير الحضارية معا.

2) ) حركة النقد الفكري الواسعة التي نشأت في سياق تحلل الايديولوجيات الشمولية العالمية وطبعاتها المحلية المجسدة في الايديولوجيات القوموية والاشتراكوية التي انتشرت بسرعة في المجتمعات النامية بعد الاستقلال وأصبحت الموجه النظري للنخب السياسية السائدة فيها، تلك الممسكة بزمام الحكم والنخب المعارضة لها أيضا. وفي هذا السياق لا نبالغ إذا قلنا إن ما نشهده في العالم العربي اليوم هو اكتساح حقيقي من قبل الفكرة الديمقراطية للفضاء الايديولوجي السياسي العربي بأكمله وعودة الاهتمام إلى مصطلحات المواطنية والحرية والمشاركة السياسية والعلمانية والفردية وكل ما ارتبط بفلسفة الليبرالية والديمقراطية عموما من مفاهيم ونظريات.

3) يقظة المجتمعات المدنية في البلدان التي بقيت مهمشة أو بعيدة عن دورة التحولات السياسية الديمقراطية التي شهدتها الدول الصناعية في العقود الماضية. وهي يقظة مستمرة ومتصاعدة تحت التأثير المزدوج لتفكك النظم الاستبدادية من جهة وتزايد الاندماج العالمي على مستوى الإعلام وتبادل المعلومات والتعامل مع الانترنت.

لكن في مواجهة هذا الاحتمال هناك عوامل أخرى تحد من تأثير هذه العناصر الجديدة أو المجددة في الحركة السياسية للمجتمعات العربية وتشجع على أن يكون التعفن أو الانهيار والفوضى مخرجا محتملا لأزمة النظام.

1) في مقدمة هذه العوامل خصوصية الوضع الجيوسياسي للمنطقة الذي يجعل الدول الصناعية الديمقراطية تتردد كثيرا في الرهان على قوى التغيير الايجابي أو الديمقراطي في العالم العربي. فهناك من جهة أولى المصالح الكبرى النفطية والأمنية التي تمنع هذه الدول من أن تسلم بسيادة الشعوب على مصيرها في منطقة تتحكم من خلال موقعها الاستراتيجي وحجم احتياطات الطاقة التي تعتمد عليها الصناعة العالمية بمصير الاقتصاد العالمي. وهناك من جهة ثانية المخاوف التي نمت خلال عقود طويلة من التجربة السلبية والصراعات التاريخية من أن لا تكون نتيجة التحولات الديمقراطية في البلاد العربية سوى تزايد سيطرة المعادين للغرب من منطلقات قومية أو دينية. ومما يعزز من هذه المخاوف بروز حركات العنف الاسلامي بشكل واسع في العقود الماضية وتعرضها بصورة مباشرة ومتكررة للمصالح الغربية. وهذا ما يدفع المنظومة الديمقراطية الدولية إلى التريث كثيرا في دعم المخرج الديمقراطي لأزمة النظم التسلطية والمراهنة بشكل أكبر على إصلاح الأنظمة التسلطية أو تعديل أسلوب عملها حتى تضمن استمرار السيطرة على الأوضاع من جهة وعدم السماح للحركات المعادية للغرب من تعزيز أقدامها في الفضاءات السياسية الديمقراطية الجديدة من جهة ثانية.

2) الخراب الشامل للمجتمعات وتكسير هياكلها ومؤسساتها وتذريرها نتيجة تعميم الفساد وتحويله إلى حالة طبيعية واحتواء حركات المجتمع وتنظيماته السياسية والنقابية والأهلية والتلاعب بها من قبل أجهزة السلطة الأوحدية وميليشياتها الحزبية والطائفية. وتشويه بنية الوعي نفسه على مستوى الفرد والجماعة معا خلال عقود طويلة من سيطرة الفكر الايديولوجي القومي والديني القائم على شحن العصبية الجمعية لا على بناء الوعي السياسي وكذلك إغلاق الفضاء الثقافي أمام حركة التفاعل الفكرية وكبت الحريات الخاصة وتولي السلطة السياسية عملية التفكير والتعليم والتلقين والتربية والتوجيه في كل ميادين الحياة.

3) ضعف القوى الديمقراطية العربية على الصعيدين النظري والعملي. فهي قوى طارئة على ساحة ما تزال لم تتحدد معالمها بعد. وتجد صعوبة كبيرة في التعرف على نفسها وبناء رؤية متسقة ومتماسكة تؤطر ممارستها وتوجهها، وكذلك في بلورة استراتيجية ناجعة مستقلة تتيح لها التقدم من خلال تعبئة الرأي العام وتنظيمه وتجنبها الوقوع في الأفخاخ التي تنصبها لها أجهزة النظم المتهاوية وتدخلات القوى الخارجية في الوقت نفسه.

لا أعتقد أن أحدا من الأطراف المتنازعة الداخلية والخارجية له مصلحة بمخرج الفوضى. وهو ليس مخرجا بالأصل وإنما هو تعبير عن إخفاق عملية التحول أو الانتقال الديمقراطي نفسها. باختصار إن الفوضى ليست خيارا ولا يمكن أن تكونه إلا لبعض القوى الهامشية التي لا مستقبل لها في أي احتمال. كما أن استمرار الأزمة مع ما يعنيه ذلك من التفسخ المتزايد للنظم وتصاعد روائح فسادها وعواقب تخبط سياساتها المدمرة للمجتمعات، ليس خيارا نهائيا لأي طرف من هذه الأطراف. إن استمرار الأزمة هو تعبير عن الفشل في عملية الإقلاع الديمقراطي تماما كما أن الفوضى هي تعبير عن الفشل في عملية الهبوط والانتقال. لذلك أعتقد أن ما ينبغي التركيز عليه هو الشروط الضرورية لكسب معركة الديمقراطية. فليس هناك خيار آخر للمجتمعات العربية للخروج من الأزمة الشاملة التي تتخبط فيها اليوم سوى بالنجاح في الانتقال نحو نظم ديمقراطية تضمن مشاركة المجتمع في إدارة وقيادة نفسه وتعيد لجميع أفراده، من خلال احترام مباديء الحق والقانون والحرية والعدالة التي تضمنها، ثقتهم بأنفسهم وبالنخب التي تمثلهم وتبث فيهم الأمل وتغذي روح العمل والتعاون في سبيل تحسين شروط حياتهم ومستقلهم.

والسؤال : كيف يمكن تعزيز عوامل الخروج من الأزمة من باب التحول في اتجاه الديمقراطية والتقليل من مخاطر انفتاح التغيير على الفوضى والنزاعات الأهلية؟
أعتقد أن النجاح في معركة التحويل الديمقراطي للنظم القائمة المتهاوية يستدعي العمل على تلبية بعض الشروط الأساسية السياسية والجيوسياسية والايديولوجية منها:
1) توحيد صفوف القوى الديمقراطية المتباينة : من حركات سياسية وأحزاب وهيئات مجتمع مدني ومجموعات المثقفين الناشطين والمنخرطين في العمل العام.
2) تأمين حركة تضامن عالمية واسعة مع الحركة الديمقراطية العربية وتحطيم حواجز الخوف التي تحيط بالمجتمعات وتدفع الرأي العام الدولي أو قطاعات كبيرة منه إلى الشك في قدرتها على الانخراط في عملية تحويل ديمقراطي حقيقية وناجعة.
3) إحباط الألغام الايديولوجية الكثيرة التي تتركها الحزازات القديمة وسوء الفهم والتنافس الطبيعي بين الجماعات والأشخاص وتباين الخيارات الفلسفية والمذاهب الدينية في سبيل الوصول إلى تفاهم وطني راسخ وتعزيزالتفاعل بين تيارات الرأي وقوى الحركة الديمقراطية المتعددة، وتحرير الوعي العام والفردي معا من خطر منطق الثنائيات المحبطة والمواجهات المستنفدة للطاقة والتي لا مخرج منها بين الاسلام والعلمانية والليبرالية والديمقراطية والوطنية والعالمية والداخل والخارج والمحلي والأجنبي. فلا ينبغي أن نسمح للإشكاليات القديمة أو الآتية من تاريخ الصراعات القديمة أن تقتل الإشكاليات الجديدة أو تقطع الطريق على ولادة إشكالية ديمقراطية تشمل الجميع وتفتح الباب أمام تفاعل جميع تيارات الفكر وأصحاب المصالح والقوى الحية في المجتمعات العربية..

Aucun commentaire: